← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

٢٨٥- فصل: بإنعامك المتقدم أتوسل إليك ١٢٧٣- بلغني عن بعض الكرماء أن رجلًا سأله، فقال: أنا الذي أحسنت [إلي] ٢ يوم كذا وكذا. فقال: مرحبًا بمن يتوسل إلينا بنا، ثم قضى حاجته. ١٢٧٤- فأخذت من ذلك إشارة، فناجيت بها، فقلت: أنت الذي هديته من زمن الطفولة، وحفظته من الضلال، وعصمته عن كثير من الذنوب، وألهمته طلب العلم، لا بفهم لشرفه، لموضع الصغر، ولا بحب والده، ورزقته فهما لتفقهه وتصنيفه، وهيأت له أسباب جمعه، وقمت برزقه من غير تعب منه، ولا ذل للخلق بالسؤال.

стр. 632

وحاميت عنه الأعداء، فلم يقصده جبار، وجمعت له ما لم تجمع لأكثر الخلق من فنون العلم، التي لا تكاد تجتمع في شخص، وأضفت إليها تعلق القلب بمعرفتك ومحبتك، وحسن العبارة١ ولطفها في الدلالة عليك، ووضعت له في القلوب القبول، حتى إن الخلق يقبلون عليه، ويقبلون ما يقوله، ولا يشكون فيه، ويشتاقون إلى كلامه، ولا يدركهم الملل منه، وصنته بالعزلة عن مخالطة من لا يصلح، وآنسته في خلوته بالعلم تارة، وبمناجاتك أخرى، وإن ذهبت أعد؛ لم أقدر على إحصاء عشير العشير: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] ، فيا محسنًا إلي قبل أن أطلب! لا تخيب أملي فيك وأنا أطلب، فبإنعامك المتقدم أتوسل إليك.

стр. 633

٢٨٦- فصل: المحمود من الأشياء المتوسط ١٢٧٥- سبحان من جعل الخلق بين طرفي نقيض، والمتوسط منهم يندر! منهم من يغضب، فيقتل ويضرب، ومنهم: من هو أبله بقوة الحلم، لا يؤثر عنده السب! ومنهم: شره يتناول كل ما يشتهي، ومنهم: متزهد يتجفف، فيمنع النفس حقها! وكذلك سائر الأشياء، المحمود منها المتوسط: فالمنفق كل ما يجد مبذر، والبخيل يخبئ المال، ويمنع نفسه حظها. ١٢٧٦- ومعلوم أن المال لا يراد لنفسه، بل للمصالح؛ فإذا بذر الإنسان فيه، احتاج إلى بذل وجهه ودينه ومنة البخلاء عليه، وهذا لا يصلح؛ ولأن يخلف الإنسان لعدوه أحسن من أن يحتاج إلى صديقه. ١٢٧٧- ومن الناس من يبخل، ثم يتفاوتون في البخل، حتى ينتهي بالبخلاء الأمر إلى عشق عين المال، فربما مات أحدهم هزالًا، وهو لا ينفقه، فيأخذه الغير، ويندم المخلف!! ولقد بلغني في هذا ما ليس فوقه مزيد، ذكرته لتعتبر به: ١٢٧٨- فحدثني شيخنا أبو الفضل بن ناصر١، عن شيخه عند المحسن

стр. 634

الصوري١، قال: كان بصورٍ تاجر في غرفةٍ له، يأخذ كل ليلة من البقال رغيفين وجوزة، فيدخل إلى غرفته وقت المغرب، فيضرم النار في الجوزة، فتضيء بمقدار ما ينزع ثوبه، وفي زمان إحراق القشر تكون قد استوت٢، فيمسح بها الرغيفين ويأكلهما، فبقي على هذا مدة، فمات، فأخذ منه ملك صور ثلاثين ألفًا!! ١٢٧٩- ورأيت أنا رجلًا من كبار العلماء قد مرض، فاستلقى عند بعض أصدقائه، ليس له من يخدمه، ولا "من"٣ يرافقه، وهو مضر٤، فلما مات، وجدوا بين كتبه خمسمائة دينار!! ١٢٨٠- وحدثني أبو الحسن الراندسي، قال: مرض رجل عندنا، فبعث إلى، فحضرت، فقال: قد ختم القاضي على مالي، فقلت: إن شئت قمت وفتحت الختم، وأعطيتك الثلث تفرقه، وتعمل به ما تشاء، فقال: لا والله، ما أريد أن أفرقه، بل أريد مالي يكون عندي فقلت: ما يعطونك، بل٥ أنا آخذ لك الثلث كي تكون حرًّا فيه، فقال: لا أريده، فمات، وأخذ ماله!! ١٢٨١- قال: وجاء رجل، فحدثني بعجيبة، قال: مرضت حماتي، فقالت لي: أريد أن تشتري لي خبيصًا٦، فاشتريت لها، وكانت ملقاة في صفة٧، ونحن في صفة أخرى، فجاءني ولدي الصغير، وقال: يا سيدي! إنها تبلع الذهب!! فقمت، وإذا بها تجعل الدينار في شيء من الخبيص فتبلعه! فأمسكت يدها، وزجرتها عن هذا، فقالت: أنا أخاف أن تتزوج على ابنتي، فقلت: ما أفعل، فقالت: احلف لي! فحلفت، فاعطتني باقي الذهب، ثم ماتت، فدفنتها، فلما كان بعد أشهر، مات لنا طفل، فحملناه إليها، وأخذت معي خرقة خام، وقلت للحفار: اجمع لي عظام

стр. 635

تلك العجوز في الخرقة، فجئت بها إلى البيت، وتركتها في إجانة١، وصببت عليها الماء، وحركتها، فأخرجت ثمانين دينارًا أو نحوها، كانت قد ابتلعتها٢!! ١٢٨٢ وحكى لي صديق لنا: أن رجلًا مات، ودفن في الدار، ثم نبش بعد مدة ليخرج، فوجد تحت رأسه لبنة مُقَيَّرةٌ٣، فسئل أهله عنها؟ فقالوا: هو قير هذه اللبنة، وأوصى أن تترك تحت رأسه في قبره، وقال: إن اللبن يبلى سريعًا، وهذه لموضع القار لا تبلى، فأخذوها، فوجدوها رزينةً٤، فكسروها، فوجدوا فيها تسعمائة دينارٍ، فتولاها أصحاب التركات!! ١٢٨٣- وبلغني أن رجلًا كان يكنس المساجد، ويجمع ترابها، ثم ضربه لبنًا، فقيل له: هذا لأي شيء؟ فقال: هذا تراب مبارك، وأريد أن يجعلوه على لحدي؛ فلما مات، جعل على لحده، ففضل منه لبنات، فرموها في البيت، فجاء المطر، فتفسخت اللبنات، فإذا فيها دنانير، فمضوا، وكشفوا اللبن عن لحده، وكله مملوء دنانير!! ١٢٨٤- ولقد مات بعض أصدقائنا، وكنت أعلم [أن] له مالًا كثيرًا، وطال مرضه، فما أطلع أهله على شيء، ولا أكاد أشك أنه من شحه وحرصه على الحياة ورجائه أن يبقى لم يعلمهم بمدفونه، خوفًا أن يؤخذ، فيحيا هو، وقد أخذ المال، وما يكون بعد هذا الخزي شيء!! ١٢٨٥- وحدثني بعض أصحابنا عن حالة شاهدها من هذا الفن، قال: كان فلان له ولدان ذكران وبنت، وله ألف دينار مدفونة، فمرض مرضًا شديدًا، فاحتوشته٥ أهله، فقال لأحد ابنيه: لا تبرح من عندي! فلما خلا به، قال له: إن أخاك مشغول باللعب بالطيور، وإن أختك لها زوج تركي، ومتى وصل من مالي

стр. 636

إليهما شيء، أنفقوه في اللعب، وأنت على سيرتي وأخلاقي، ولي في الموضع الفلاني ألف دينار؛ فإذا أنا مت، فخذها وحدك، فاشتد بالرجل المرض، فمضى الولد، فأخذ المال، فعوفي الأب، فجعل يسأل الولد أن يرد المال إليه، فلا يفعل، فمرض الولد وأشفى١، فجعل الأب يتضرع إليه ويقول: ويحك! خصصتك بالمال دونهم، فتموت، فيذهب المال! ويحك! لا تفعل! فما زال به حتى أخبره بمكانه، فأخذه، ثم عوفي الولد، ومضت مدة، فمرض الأب، فاجتهد الولد أن يخبره بمكان المال وبالغ، فلم يخبره، ومات، وضاع المال، فسبحان من أعدم هؤلاء العقول والفهوم! ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] .

стр. 637

٢٨٧- فصل: إذا أردت أن تصادق أحدًا فاختبره ١٢٨٦- كان لنا أصدقاء وإخوان أعتد١ بهم؛ فرأيت منهم من الجفاء وترك شروط الصداقة والأخوة عجائب، فأخذت أعتب، ثم انتبهت لنفسي، فقلت: وما ينفع العتاب؛ فإنهم إن صلحوا، فللعتاب لا للصفاء؟! فهممت بمقاطعتهم! ثم تفكرت، فرأيت الناس بين معارف وأصدقاء في الظاهر، وإخوة مباطنين، فقلت: لا تصلح مقاطعتهم؛ إنما ينبغي أن تنقلهم من ديوان الأخوة إلى ديوان الصداقة الظاهرة، فإن لم يصلحوا لها، نقلتهم إلى جملة المعارف، وعاملتهم معاملة المعارف، ومن الغلط أن تعاتبهم، فقد قال يحيى بن معاذ٢: بئس الأخ أخ تحتاج أن تقول له: اذكرني في دعائك. ١٢٨٧- وجمهور الناس اليوم معارف، ويندر فيهم صديق في الظاهر؛ فأما الأخوة والمضافاة، فذاك شيء نسخ، فلا يطمع فيه، وما أرى الإنسان تصفو له أخوة من النسب ولا ولده ولا زوجته، فدع الطمع في الصفا، وخذ عن الكل جانبًا، وعاملهم معاملة الغرباء! وإياك أن تنخدع بمن يظهر لك الود، فإنه مع الزمان يبين

стр. 638

لك الحال فيما أظهره، وربما أظهر لك ذلك لسببٍ يناله منك!! ١٢٨٨- وقد قال الفضيل بن عياض: "إذا أردت أن تصادق صديقًا، فأغضبه، فإن رأيته كما ينبغي، فصادقه. وهذا١ اليوم مخاطرة؛ لأنك إذا أغضبت أحدًا، صار عدوًّا في الحال، والسبب في نسخ حكم الصفا: أن السلف كانت همتهم الآخرة وحدها، فصفت نياتهم في الأخوة والمخالطة، فكانت دينًا لا دنيا، والآن، فقد استولى حب الدنيا على القلوب، فإن رأيت متملقًا في باب الدين، فأخبره٢ تقله٣.

стр. 639

٢٨٨- فصل: العجب لمطلق يؤثر القيد ومستريح يؤثر التعب ١٢٨٩- رأيت المعافى لا يعرف قدر العافية إلا في المرض، كما لا يعرف شكر الإطلاق إلا في الحبس. ١٢٩٠- وتأملت على الآدمي حالة عجيبة، وهو أن تكون معه امرأة لا بأس بها؛ إلا أن قلبه لا يتعلق بمحبتها تعلقًا يلتذ به، ولذلك سببان: أحدهما: أن تكون غير غاية في الحسن. والثاني: أن كل مملوك مكروه، والنفس تطلب ما لا تقدر عليه. فتراه يضج ويشتهي شيئًا يحبه، أو امرأة يعشقها، ولا يدري أنه إنما يطلب قيدًا وثيقًا، يمنع القلب من التصرف في أمور الآخرة، أو في أي علم أو عمل، ويحبطه في تصريف الدنيا، فيبقى ذلك العاشق أسير المعشوق، همه كله معه، فالعجب لمطلق يؤثر القيد، ومستريح يؤثر التعب!! ١٢٩١- فإن كانت تلك المرأة تحتاج أن تحفظ؛ فالويل له، لا قرار له، ولا سكون، وإن كانت من التبرجات اللواتي لا يؤمن فسادهن، فذاك هلاكه بمرةٍ، فلا هو إن نام يلتذ بنومه، ولا إن خرج من الدار يأمن من محنة، وإن كانت تريد نفقة

стр. 640

واسعة وليس له، فكم يدخل مدخل سوء لأجلها، وإن كانت تؤثر الجماع، وقد علت سنة، فذاك الهلاك العظيم. وإن كانت تبغضه، فما بقيت من أسباب تلفه بقية، فيكون هذا ساعيًا في تلف نفسه، كما قال القائل: نحب القدود ونهوى الخدود ... ونعلم أنا نحب المنونا وهذا على الحقيقة كعابد صنم. ١٢٩٢- فليتق الله من عنده امرأة لا بأس بها، وليعرض عن حديث النفس ومناها، فما له منتهى، ولو حصل له غرضه كما يريد؛ وقع الملل، وطلب ثالثة، ثم يقع الملل، ويطلب رابعة، وما لهذا آخر١؛ إنما يفيده ذلك في العاجل، تعلق قلبه، وأسر لبه، فيبقى كالمبهوت٢، فكره كله في تحصيل ما يريد محبوبة، فإن جرت فرقة أو آفة، فتلك الحسرات الدائمة إن بقي، أو التلف عاجلًا، وأين المستحسن المصون الدين، القنوع لمن يحبه؟! هذا أقل من الكبريت الأحمر. فلينظر في تحصيل ما يجمع معظم الهم، ولا يلتفت إلى سواد الهوى وغاية المني، يسلم.

стр. 641

٢٨٩- فصل: إذا تم علم الإنسان لم يدلَّ بعمله ١٢٩٣- إذا تم علم الإنسان، لم ير لنفسه عملًا؛ وإنما يرى إنعام الموفق لذلك العمل، الذي يمنع العاقل أن يرى لنفسه عملًا، أو يعجب به، وذلك بأشياء: منها: أنه وفق لذلك العمل: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] ، ومنها: أنه إذا قيس بالنعم، لم يف بمعشار عشرها، ومنها: أنه إذا لوحظت عظمة المخدوم، احتقر كل عمل وتعبد، هذا إذا سلم من شائبة، وخلص من غفلة. فأما والغفلات تحيط به؛ فينبغي أن يغلب الحذر من رده، ويخاف العتاب على التقصير فيه، فيشتغل عن النظر إليه.

стр. 642

١٢٩٤- وتأمل على الفطناء أحوالهم في ذلك: فالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار، لا يفترون، قالوا: ما عبدناك حق عبادتك، والخليل ﵇ يقول: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي﴾ [الشعراء: ٨٢] ، وما أدل١ بتصبره على النار، وتسليمه الولد إلى الذبح. ورسول الله ﷺ يقول: "ما منكم من ينجيه عمله"، قالوا: ولا أنت؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" ٢. وأبو بكر ﵁ يقول: "وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟! " وعمر ﵁ يقول: "لو أن لي طلاع الأرض٣، لافتديت بها من هول ما أمامي قبل أن أعلم ما الخبر"، وابن مسعود يقول: "ليتني إذا مت لا أبعث"، وعائشة ﵂ تقول: "ليتني كنت نسيًا منسيًا". وهذا شأن جميع العقلاء، فرضي الله عن الجميع. ١٢٩٥- وقد روي عن قوم من صلحاء بني إسرائيل ما يدل على قلة الأفهام لما شرحته؛ لأنهم نظروا إلى أعمالهم، فأدلوا بها٤. ١٢٩٦- فمنه حديث العابد الذي تعبد خمسمائة سنة في جزيرة، وأخرج له كل ليلة رمانة، وسأل الله تعالى أن يميته في سجوده، فإذا حشر، قيل له: "ادخل الجنة برحمتي! قال: بل بعملي، فيوزن جميع عمله بنعمة واحدة، فلا يفي، فيقول: يا رب! برحمتك"٥. ١٢٩٧- وكذلك أهل الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة: فإن أحدهم: توسل بعمل كان ينبغي أن يتسحيي من ذكره، وهو أنه عزم على الزنا، ثم خاف العقوبة، فتركه، فليت شعري، بماذا يدل من خاف أن يعاقب على شيء، فتركه تخوف

стр. 643

العقوبة١؟! إنما لو كان مباحًا فتركه، كان فيه ما فيه. ولو فهم؛ لشغله خجل الهمة عن الإذلال، كما قال يوسف ﵇: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣] ٢!! والآخر: ترك صبيانه يتضاغون٣ إلى الفجر ليسقي أبويه اللبن، وفي هذا البر أذى للأطفال، ولكن الفهم عزيز٤. وكأنهم لما أحسنوا فيما ظنوا، قال لسان الحال: أعطوهم ما طلبوا؛ فإنهم يطلبون أجرة ما عملوا٥. ١٢٩٨- ولولا عزة الفهم، ما تكبر متكبر على جنسه، ولكان كل كامل خائفًا محتقرًا لعمله، حذرًا من التقصير في شكر ما أنعم عليه، وفهم هذا المشروح ينكس رأس الكبر، ويوجب مساكنة الذل، فتأمله، فإنه أصل عظيم.

стр. 644

٢٩٠- فصل: الخوف بعد التوبة ١٢٩٩- ينبغي للعاقل أن يكون على خوف من ذنوبه، وإن تاب منها، وبكى عليها. وإني رأيت أكثر الناس قد سكنوا إلى قبول التوبة، وكأنهم قد قطعوا على ذلك! وهذا أمر غائب!! ثم لو غفرت؛ بقي الخجل من فعلها. ١٣٠٠- ويؤيد الخوف بعد التوبة أنه في "الصحاح": أن الناس يأتون إلى آدم ﵇، فيقولون: اشفع لنا! فيقول: ذنبي، وإلى نوح ﵇، فيقول: ذنبي، وإلى إبراهيم.. وإلى موسى.. وإلى عيسى صلوات الله وسلامه عليهم. فهؤلاء إذا اعتبرت ذنوبهم؛ لم يكن أكثرها ذنوبًا حقيقة، ثم إن كانت، فقد تابوا منها، واعتذروا، وهم بعد على خوف منها.

стр. 645

١٣٠١- ثم إن الخجل بعد قبول التوبة لا يرتفع، وما أحسن ما قال الفضيل بن عياض ﵀: وا سوأتاه منك، وإن عفوت! فأف والله لمختار الذنوب، ومؤثر لذة لحظة تبقى حسرة، لا تزول عن قلب المؤمن، وإن غفر له. ١٣٠٢- فالحذر الحذر من كل ما يوجب خجلًا، وهذا أمر قل أن ينظر فيه تائب أو زاهد؛ لأنه يرى أن العفو قد غمر الذنب بالتوبة الصادقة! وما ذكرته يوجب دوام الحذر والخجل.

стр. 646

٢٩١- فصل: نعوذ بالله من سوء الفهم ١٣٠٣- نعوذ بالله من سوء الفهم، وخصوصًا من المتسمين بالعلم، روى أحمد في "مسنده"١: أنه تنازع أبو عبد الرحمن السلمي٢ وحبان بن عطية٣، فقال أبو عبد الرحمن لحبان: قد علمت ما الذي جرَّأ٤ صاحبك -يعني: عليًّا- قال: ما هو؟ قال: قول النبي ﷺ : "لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" ٥. وهذا سوء فهم من أبي عبد الرحمن، حين ظن أن عليًّا قاتل وقتل اعتمادًا على أنه قد غفر له!! وينبغي أن يعلم أن معنى الحديث: لتكن أعمالكم المتقدمة ما كانت، فقد غفرت لكم. فأما غفران ما سيأتي، فلا يتضمنه ذلك. أتراه لو وقع من أهل بدر -وحاشاهم- الشرك -إذ ليسوا بمعصومين-، أما كانوا يؤاخذون به؟! فكذلك المعاصي.

стр. 647

ثم لو قلنا: إنه يتضمن غفران ما سيأتي، فالمعنى أن مالكم إلى الغفران. ثم دعنا من معنى الحديث، كيف يحل لمسلم أن يظن في أمير المؤمنين علي ﵁ أنه فعل ما لا يجوز اعتمادًا على أنه سيغفر له؟! حوشي من هذا١، وإنما قاتل بالدليل المضطر له إلى القتال، فكان على الحق، ولا يختلف العلماء أن عليًّا ﵁ لم يقاتل أحدًا إلا والحق مع علي، كيف، وقد قال رسول الله ﷺ : "اللهم! أدر معه الحق كيفما دار" ٢ فقد غلط أبو عبد الرحمن غلطًا قبيحًا، حمله عليه أنه كان عثمانيًّا.

стр. 648

٢٩٢- فصل: نعوذ بالله من رياء يبطل أعمالنا ١٣٠٤- تأملت على متزهدي زماننا أشياء تدل على النفاق والرياء، وهم يدعون الإخلاص: منها: أنهم يلتزمون زاوية، فلا يزورون صديقًا، ولا يعودون مريضًا، ويدعون أنهم يريدون الانقطاع عن الناس، اشتغالًا بالعبادة، وإنما هي إقامة نواميس، ليشار إليهم بالانقطاع، إذ لو مشوا بين الناس؛ زالت هيبتهم! وما كان الناس كذلك، كان رسول الله ﷺ يعود المريض ٣، ويشتري الحاجة من السوق٤، وأبو بكر ﵁ يتجر في البز، وأبو عبيدة بن الجراح يحفر القبور، وأبو طلحة٥ أيضًا، وابن سيرين يغسل الموتى٦. وما كان عند القوم إقامة ناموس. ١٣٠٥- وأصحابنا يلزمون الصمت بين الناس والتخشع والتماوت، وهذا هو

стр. 649

النفاق؛ فقد كان ابن سيرين يضحك بالنهار، وبين الناس، ويبكي بالليل. ١٣٠٦- وقد رأيت من المتزهدين من يلزم المسجد ويصلي، فيجتمع الناس، فيصلون بصلاته ليلًا ونهارًا، وقد شاع هذا له، فتقوى نفسه عليه بحب المحمدة، والنبي ﷺ قال في صلاة التطوع: "اجعلوا هذه في البيوت" ١. ١٣٠٧- وفي أصحابنا من يظهر الصوم الدائم، ويتقوت بقول الناس: فلان ما يفطر أصلًا!! وهذا الأبله ما يدري أنه لأجل الناس يفعل ذلك، لولا هذا، كان يفطر، والناس يرونه يومين أو ثلاثة، حتى يذهب عنه ذلك الاسم، ثم يعود إلى الصوم، وقد كان إبراهيم بن أدهم إذا مرض، يترك عنده من الطعام ما يأكله الأصحاء. ١٣٠٨- ورأيت في زهادنا من يصلي الفجر يوم الجمعة بالناس، ويقرأ المعوذتين، والمعنى: قد ختمت٢!! فإن هذه الأعمال هي صريحة في النفاق والرياء. ١٣٠٩- وفيهم من يأخذ الصدقات، وهو غني، ولا يبالي أخذ من الظلمة أو من أهل الخير، ويمشي إلى الأمراء يسألهم، وهو يدري من أين حصلت أموالهم. فالله الله في إصلاح النيات، فإن جمهور هذه الأعمال مردود، قال مالك بن دينار: وقولًا لمن لم يكن صادقًا: لا يتعنى٣! ١٣١٠- وليعلم المرائي أن الذي يقصده يفوته، وهو التفات القلوب إليه؛ فإنه متى لم يخلص، حرم محبة القلوب، ولم يلتفت إليه، والمخلص محبوب. فلو علم المرائي أن قلوب الذين يرائيهم بيد من يعصيه؛ لما فعل. وكم رأينا من يلبس الصوف، ويظهر النسك، لا يلتفت إليه، وآخر يلبس جيد الثياب، ويبتسم، والقلوب تحبه. نسأل الله إخلاصًا يخلصنا، ونستعيذ به من رياء يبطل أعمالنا، إنه قادر.

стр. 650

٢٩٣- فصل: الدنيا وضعت للبلاء ١٣١١- من الجهل أن يخفى على الإنسان مراد التكليف، فإنه موضوع على عكس الأغراض، فينبغي للعاقل أن يأنس بانعكاس الأغراض، فإن دعا، وسأل بلوغ عرض، تعبد الله بالداء: فإن أعطي مراده، شكر، وإن يلم ينل مراده، فلا ينبغي أن يلح في الطلب١؛ لأن الدنيا ليست لبلوغ الأغراض، وليقل لنفسه: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] . ١٣١٢- ومن أعظم الجهل، أن يمتعض في باطنه لانعكاس أغراضه، وربما اعترض في الباطن، أو ربما قال: حصول غرضي لا يضر، ودعائي لم يستجب٢!! وهذا كله دليل على جهله، وقلة إيمانه وتسليمه للحكمة. ١٣١٣- ومن الذي حصل له غرض ثم لم يكدر؟! هذا آدم، طاب عيشه في الجنة، وأخرج منها، ونوح سأل في ابنه فلم يعط مراده، والخليل ابتلي بالنار، وإسحاق٣ بالذبح، ويعقوب بفقد الولد، ويوسف بمجاهدة الهوى، وأيوب بالبلاء، وداود وسليمان بالفتنة، وجميع الأنبياء على هذا، وأما ما لقي نبينا محمد ﷺ من الجوع والأذى وكدر العيش، فمعلوم. ١٣١٤- فالدنيا وضعت للبلاء. فينبغي للعاقل أن يوطن نفسه على الصبر، وأن يعلم أن ما حصل من المراد، فلطف، وما لم يحصل، فعلى أصل الخلق والجبلة٤ للدنيا، كما قيل٥: طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفوًا من الأقذاء والأكدَارِ

стр. 651

ومُكَلِّفُ الأيام ضد طباعِهَا ... متطلب في الماء جَذْوَةَ نَارِ ١٣١٥- وها هنا تتبين قوة الإيمان وضعفه. فليستعمل المؤمن من أدوية هذا المرض التسليم لمالك، والتحكيم لحكمته، وليقل: قد قيل لسيد الكل ﷺ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [ال عمران: ١٢٨] ، ثم ليسل نفسه بأن المنع ليس عن بخل، وإنما هو لمصلحة لا يعلمها، وليؤجر الصابر عن أغراضه، وليعلم الله الذين سلموا ورضوا، وأن زمن الابتلاء مقدار يسير، والأغراض مدخرة تلقى بعد قليل، وكأنه بالظلمة قد انجلت، وبفجر الأجر قد طلع. ومتى ارتقى فهمه إلى أن ما جرى مراد الحق سبحانه؛ اقتضى إيمانه أن يريد ما يريد، ويرضى بما يقدر، إذ لو لم يكن كذلك، كان خارجًا عن حقيقة العبودية في المعنى. وهذا أصل ينبغي أن يتأمل، ويعمل عليه في كل غرض انعكس.

стр. 652

٢٩٤- فصل: تحذير العلماء من مخالطة السلاطين ١٣١٦- رأيت خلقًا من العلماء والقصاص تضيق عليهم الدنيا، فيفزعون إلى مخالطة السلاطين، لينالوا من أموالهم، وهم يعلمون أن السلاطين لا يكادون يأخذون الدنيا من وجهها ولا يخرجونها في حقها. فإن أكثرهم: إذا حصل له خراج١ ينبغي أن يصرف إلى المصالح؛ وهبه لشاعر! وربما كان معه جندي يصلح أن تكون مشاهرته٢ عشرة دنانير، فأعطاه عشرة آلاف! وربما غزا، فأخذ ما ينبغي أن يقسم على الجيش فاصطفاه لنفسه! هذا غير ما يجري من الظلم في المعاملات. وأول ما يجري على ذاك العالم أنه قد حرم النفع بعلمه. وقد رأى بعض الصالحين رجلًا عالمًا يخرج من دار يحيى بن خالد٣ البرمكي، فقال: أعوذ بالله من علم لا ينفع.

стр. 653

ألم ير المنكرات ولا ينكر؟! ويتناول من طعامهم الذي لا يكاد يحصل إلا بظلم، فينطمس قلبه، ويحرم لذة المعاملة للحق سبحانه، ثم لا يقدر أن يهتدي به١ أحد؟ بل ربما كان فعل هذا سببًا لإضلال الناس وصرفهم عن الاقتداء به! فهو يؤذي نفسه، ويؤذي أميره؛ لأنه يقول: لولا أنني على صواب، ما صحبني، ولأنكر علي، ويؤذي العوام، تارة بأن يروا أن ما فيه الأمير صواب، وتارة بأن الدخول عليه والسكوت عن الإنكار جائز، أو يحبب إليهم الدنيا، ولا خير -والله- في سعة من الدنيا ضيقت طريق الآخرة. ١٣١٧- وأنا أفدي أقوامًا صابروا عطش الدنيا في هجير الشهوات زمان العمر حتى رووا يوم الموت من شرب الرضا، وبقيت أذكارهم تروى، فتروي صدى٢ القلوب، وتجلو صداها٣، هذا الإمام أحمد، يحتاج، فيخرج إلى اللقاط، ولا يقبل مال سلطان. هذا إبراهيم الحربي، يتغذى بالبقل، ويرد على المعتضد٤ ألف دينار. هذا بشر الحافي، يشكو الجوع، فيقال له: يصنع لك حساء من دقيق؟ فيقول: أخاف أن يقول الله لي: هذا الدقيق من أين لك؟! بقيت والله أذكار القوم، وما كان الصبر إلا غفوة نوم، ومضت لذات المترخصين، وبليت الأبدان، ووهن الدين. ١٣١٨- فالصبر الصبر يا من وفق! ولا تغبطن من اتسع له أمر الدنيا، فإنك إذا تأملت تلك السعة، رأيتها ضيقًا في باب الدين! ولا ترخص لنفسك في تأويل، فعمرك في الدنيا قليل! وسواء إذا انقضى يوم كسرى ... في سرور ويوم صابر كِسْرَهْ٥

стр. 654

١٣١٩- ومتى ضجت النفس لقلة صبر، فاتل عليها أخبار الزهاد، فإنها ترعوي١، وتستحي، وتنكسر، إن كانت لها همة، أو فيها يقظة، ومثل لها بين ترخص علي بن المديني، وقبوله مال ابن أبي دؤاد، وصبر أحمد، وكم بين الرجلين، والذكرين، وانظر ما يروى عن كل واحد منهما، وما يذكران به ... وسيندم ابن المديني إذا قال أحمد: سلم [لي] ديني.

стр. 655

٢٩٥- فصل: جمهور الناس خرج من ربقة العبودية ١٣٢٠- تأملت أحوال الناس، فرأيت جمهورهم منسلًّا١ من ربقة العبودية، فإن تعبدوا، فعادة؛ أو فيما لا ينافي أغراضهم منافاة تؤذي القلوب: ١٣٢١- فأكثر السلاطين يحصلون الأموال من وجوه ردية٢، وينفقونها في وجوه لا تصلح، وكأنهم قد تملكوها، وليست مال الله! الذي إذا غزا أحدهم [باسمه] ، فغنم الأموال، اصطفاها لنفسه، وأعطاها أصحابه، كيف اشتهى!! ١٣٢٢- والعلماء لقوة فقرهم، وشدة شرههم، يوافقون الأمراء، وينخرطون في سلكهم، والتجار على العقود الفاسدة، والعوام في المعاصي، والإهمال لجانب الشريعة، فإن فات بعض أغراضهم، فربما قالوا: ما نريد نصلي! لا صلى الله عليهم، وقد منعوا الزكاة، وتركوا الأمر بالمعروف. ١٣٢٣- فمن الناس من يغره تأخير العقوبة، ومنهم من كان يقطع بالعفو، وأكثرهم متزلزل الإيمان، فنسأل الله أن يميتنا مسلمين.

стр. 656

٢٩٦- فصل: عاقبة الصبر الجميل جميلة ١٣٢٤- من العجيب سلامة دين ذي العيال، إذا ضاق به الكسب، فما مثله إلا كمثل الماء، إذا ضرب في وجهه سكر؛ فإنه يعمل باطنًا، ويبالغ حتى يفتح

стр. 657

فتحةً، فكذلك صاحب العيال، إذا ضاق به الأمر، لا يزال يحتال؛ فإذا لم يقدر على الحلال، ترخص في تناول الشبهات، فإن ضعف دينه، مد يده إلى الحرام. فالمؤمن إذا علم ضعفه عن الكسب؛ اجتهد في التعفف عن النكاح، وتقليل النفقة إذا حصل الأولاد، والقناعة باليسير. ١٣٢٥- فأما من ليس له كسب -كالعلماء والمتزهدين-، فسلامتهم ظريفة، إذ قد انقطعت موارد السلاطين [عنهم] ومراعاة العوام [لهم] ؛ فإذا كثرت عائلتهم، لم يؤمن عليهم شر ما يجري على الجهال. فمن قدر منهم على كسب بالنسخ وغيره، ليجتهد فيه، مع تقليل النفقة، والقناعة باليسير، فإنه من ترخص منهم اليوم، أكل الحرام؛ لأنه يأخذ من الظلمة، خصوصًا بحجة التنمس١ والتزهد. ومن كان له منهم مال، فليجتهد في تنميته وحفظه، فما بقي من يؤثر، ولا من يفرض، وقد صار الجمهور -بل الكل- كأنهم يعبدون المال، فمن حفظه، حفظ دينه، ولا يلتفت إلى قول الجهلة الذين يأمرون بإخراج المال، فما هذا وقته. ١٣٢٦- واعلم أنه إذا لم يجتمع الهم، لم يحصل العلم، ولا العمل، ولا التشاغل بالفكر في عظمة الله. وقد كان هم القدماء يجتمع بأشياء، جمهورها أنه كان لهم من بيت المال نصيب في كل عام، وكان يصلهم، فيفضل عنهم. وفيهم من كان له مال يتجر به، كسعيد بن المسيب، وسفيان، وابن المبارك، وكان همه مجتمعًا، وقد قال سفيان في ماله: لولاك لتمندلوا بي! وفقدت بضاعة لابن المبارك؛ فبكى، وقال: هو قوام ديني! وكان جماعة يسكنون إلى عطاء الإخوان الذين لا يمنون. وكان ابن المبارك يبعث إلى الفضيل وغيره. وكان الليث بن سعد يتفقد الأكابر، فبعث إلى مالك ألف دينار، وإلى ابن لهيعة ألف دينار، وأعطى منصور بن عمار ألف دينار وجاريةً بثلاث مائة دينارٍ.

стр. 658

١٣٢٧- وما زال الزمان على هذا إلى أن آل الأمر إلى انمحاق ذلك؛ فقلت عطايا السلاطين، وقل من يؤثر من الإخوان؛ إلا أنه كان في ذلك القليل ما يدفع الزمان، فأما زماننا هذا، فقد انقبضت الأيدي كلها، حتى قل من يخرج الزكاة الواجبة! فكيف يجتمع هم من يريد من العلماء والزهاد أن يعمل همه ليلًا ونهارًا في وجوه الكسب، وليس من شأنه [هذا] ، ولا يهتدي له؟! فقد رأينا الأمر أحوج إلى التعرض للسلاطين، والترخص في أخذ ما لا يصلح، وأخرج المتزهدين إلى التصنع لتحصيل الدنيا. فالله الله يا من يريد حفظ دينه! قد كررت عليك الوصية بالتقليل جهد: وخفف العلائق مهما أمكنك، واحتفظ بدرهم يكون معك؛ فإنه دينك! وافهم ما قد شرحته! ١٣٢٨- فإن ضجت النفس لمراداتها، فقل لها: إن كان عندك إيمان، فاصبري، وإن أردت التحصيل لما يفنى ببذل الدين، فما ينفعك، فتفكري في العلماء الذين جمعوا المال من غير وجهه، وفي المنمسين، ذهب دينهم، وزالت دنياهم! وتفكري في العلماء الصادقين، كأحمد وبشر، اندفعت الأيام، وبقي لهم حسن الذكر، وفي الجملة: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢-٣] ... ورزق الله "قد يكون بتيسير" الصبر على البلاء، والأيام تندفع، وعاقبة الصبر الجميل جميلة.

стр. 659

٢٩٧- فصل: الإحسان إلى الزوجة عمل الرجال ١٣٢٩- شكا [لي] رجل من بغضه لزوجته، ثم قال: ما أقدر على فراقها، لأمور، منها: كثرة دينها علي، وصبري قليل، ولا أكاد أسلم من فلتات لساني في الشكوى، وفي كلمات تعلم بغضي لها. فقلت له: هذا لا ينفع، وإنما تؤتى البيوت من أبوابها! فينبغي أن تخلو

стр. 660

بنفسك، فتعلم أنها إنما سلطت عليك بذنوبك، فتبالغ في الاعتذار والتوبة. فأما التضجر والأذى لها، فما ينفع، كما قال الحسن بن الحجاج١: عقوبة من الله لكم، فلا تقابلوا عقوبته بالسيف، وقابلوها بالاستغفار. واعلم أنك في مقام مبتلًى ولك أجر بالصبر، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] ! فعامل الله سبحانه بالصبر على ما قضى، واسأله الفرج، فإذا جمعت بين الاستغفار وبين التوبة من الذنوب والصبر على القضاء وسؤال الفرج، حصلت ثلاثة فنون من العبادة تثاب على كل منها. ولا تضيع الزمان بشيء لا ينفع، ولا تحتل ظانًّا منك أنك تدفع ما قدر، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الانعام: ١٧] . وقد روينا أن جنديًّا نزل يومًا في دار أبي يزيد، فجاء أبو يزيد، فرآه، فوقف وقال لبعض أصحابه: ادخل إلى المكان الفلاني، فاقلع الطين الطري؛ فإنه من وجه فيه شبهة. فقلعه، فخرج الجندي. وأما أذاك للمرأة، فلا وجه له؛ لأنها مسلطة، فليكن شغلك بغير هذا، وقد روي عن بعض السلف أن رجلًا شتمه، فوضع خده على الأرض، وقال: اللهم! اغفر لي الذنب الذي سلطت هذا به علي. ١٣٣٠- قال الرجل: وهذه المرأة تحبني زائدًا في الحد، وتبالغ في خدمتي، غير أن البغض لها مركوز في طبعي. قلت له: فعامل الله سبحانه بالصبر عليها؛ فإنك تثاب. وقد قيل لأبي عثمان النيسابوري: ما أرجى عملك عندك؟ قال: كنت في صبوتي يجتهد أهلي أن أتزوج، فآبى؛ فجائتني امرأة، فقالت: يا أبا عثمان! إني قد هويتك، وأنا أسألك بالله أن تتزوجني، فأحضرت أباها -وكان فقيرًا- فزوجني، وفرح بذلك، فلما دخلت إلي، رأيتها عوراء عرجاء مشوهة، وكانت لمحبتها لي تمنعني من الخروج، فأقعد حفظًا

стр. 661

لقلبها، ولا أظهر لها من البغض شيئًا، وكأني على جمر الغضا١ من بعضها، فبقيت هكذا خمس عشرة سنة حتى ماتت، فما من عملي شيء هو أرجى عندي من حفظي قلبها. قلت له: فهذا عمل الرجال! وأي شيء ينفع ضجيج المبتلى بالتضجر بإظهار البغض؟! وإنما طريقه ما ذكرته لك، من التوبة، والصبر، وسؤال الفرج. وتذكر ذنوبًا كانت هذه عقوبتها؛ فإن وقع فرج في الحساب؛ وإلا فاستعمال الصبر على القضاء عبادة. وتكلف إظهار المودة لها، وإن لم تكن في قلبك تثبت على هذا، وليس للقيد ذنب فيلام، إنما ينبغي التشاغل مع من قيده، والسلام.

стр. 662

٢٩٨- فصل: من أراد اجتماع همه فعليه بالعزلة ١٣٣١- لا ريب أن القلب المؤمن بالإله سبحانه وبأوامره يحتاج إلى الانعكاف على ذكره وطاعته وامتثال أوامره، وهذا يفتقر إلى جمع الهم، وكفى بما وضع في الطبع من المنازعة إلى الشهوات مشتتًا للهم المجتمع. فينبغي للإنسان أن يجتهد في جمع همه، لينفرد قلبه١ بذكر الله ، وإنفاذ أوامره، والتهيؤ للقائه، وذلك إنما يحصل بقطع القواطع، والامتناع عن الشواغل، وما يمكن قطع القواطع جملة، فينبغي أن يقطع ما يمكن منها. ١٣٣٢- وما رأيت مشتتًا للهم، مبددًا للقلب مثل شيئين: أحدهما: أن تطاع النفس في طلب كل شيء تشتهيه، وذلك لا يوقف على حد فيه، فيذهب الدين والدنيا، ولا ينال كل المراد، مثل أن تكون الهمة في المستحسنات، أو في جمع المال، أو في طلب الرئاسة، وما يشبه هذه الأشياء. فيا له من شتات لا جامع له! يذهب العمر، ولا ينال بعض المراد منه. والثاني: مخالطة الناس -خصوصًا العوام- والمشي في الأسواق، فإن الطبع

стр. 663

يتقاضى١ الشهوات، وينسى الرحيل عن الدنيا، ويحب الكسل عن الطاعة والبطالة والغفلة والراحة، فيثقل على من ألف مخالطة الناس التشاغل بالعلم، أو بالعبادة، ولا يزال يخالطهم حتى تهون عليه الغيبة، وتضيع الساعات في غير شيء. ١٣٣٣- فمن أراد اجتماع همه، فعليه بالعزلة، بحيث لا يسمع صوت أحد؛ فحينئذ يخلو القلب بمعارفه، ولا تجد النفس رفيقًا مثل الهوى يذكرها ما تشتهي، فإذا اضطر إلى المخالطة، كان على وفاق، كما تتهوى٢ الضفدع لحظة، ثم تعود إلى الماء، فهذه طريق السلامة، فتأمل فوائدها، تطب لك.

стр. 664

٢٩٩- فصل: لا تسبوا الدهر ١٣٣٤- ما رأت عيني مصيبة نزلت بالخلق أعظم من سبهم للزمان، وعيبهم للدهر، وقد كان هذا في الجاهلية، ثم نهى رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر" ١، ومعناه أنتم تسبون من فرق شملكم، وأمات أهاليكم، وتنسبونه إلى الدهر، والله تعالى هو الفاعل لذلك. فتعجبت، كيف أعلم أهل الأسقام بهذه الحال، وهم على ما كان أهل الجاهلية عليه ما يتغيرون؟! حتى ربما اجتمع الفطناء الأدباء الظراف -على زعمهم- فلم يكن لهم شغل إلا ذم الدهر! وربما جعلوا الله الدنيا، ويقولون: فعلت وصنعت! وحتى رأيت لأبي قاسم الحريري٢ يقول: ولما تعامى الدهر، وهو أبو الردى ... عن الرشد في أنحائه ومقاصدهْ تعاميت، حتى قيل إني أخو عمًى ... ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والدهْ

стр. 665

وقد رأيت خَلْقًا يعتقدون أنهم فقهاء وفهماء، ولا يتحاشون من هذا. وهؤلاء إن أرادوا بالدهر مرور الزمان، فذاك لا اختيار له، ولا مراد، ولا يعرف رشدًا من ضلال، ولا ينبغي أن يلام، فإنه زمان مُدَبَّرٌ، لا مُدَبِّرٌ، فيتصرف فيه، ولا يتصرف. وما يظن بعاقل أن يشير إلى أن المذموم، المعرض عن الرشد، السيء الحكم، هو الزمان! فلم يبق إلا أن القوم خرجوا عن ربقة١ الإسلام، ونسبوا هذه القبائح إلى الصانع، فاعتقدوا فيه قصور الحكمة، وفعل ما لا يصح، كما اعتقده إبليس في تفضيل آدم. وهؤلاء لا ينفعهم مع هذا الزيغ اعتقاد إسلام، ولا فعل صلاة، بل هم شر من الكفار، لا أصلح الله لهم شأنًا، ولا هداهم إلى رشاد.

стр. 666

٣٠٠- فصل: زيادة الثواب في الآخرة بقدر العمل في الدنيا ١٣٣٥- من عجائب ما أرى من نفسي ومن الخلق كلهم: الميل إلى الغفلة عما في أيدينا، مع العلم بقصر العمر، وأن زيادة الثواب هناك، بقدر العمل ها هنا. فيا قصير العمر! اغتنم يومي منًى١! وانتظر ساعة النفر! وإياك أن تشغل قلبك بغير ما خلق له! واحمل نفسك على المر! واقمعها إذا أبت، ولا تسرح لها في الطول٢، فما أنت إلا في مرعى، وقبيح بمن كان بين الصفين٣ أن يتشاغل بغير ما هو فيه.

стр. 667

٣٠١- فصل: الأمر بحفظ السر ١٣٣٦- قد كررت هذا المعنى في هذا الكتاب، وهو الأمر بحفظ السر، والحذر من الانبساط فيما لا يصلح بين يدي الناس، فرب منبسطٍ بين يدي من يظنه

стр. 668

صديقًا، يقول في صديقٍ، أو في سلطان، أنه لا يهتم في ذلك، فيكون سبب هلاك ذاك. فأوصي السليم الصدر الذي يظن في الناس الخير: بأن يحترز من الناس، وألا يقول في الخلق كلمة لا تصلح للخلق، ولا يغتر بمن يظهر الصداقة أو التدين، فقد عم الخبث.

стр. 669

٣٠٢- فصل: تسبيح المتيقّظين ١٣٣٧- تأملت على أكثر الناس عباداتهم؛ فإذا هي عادات، فأما أرباب اليقظة، فعاداتهم عبادة حقيقية. فإن الغافل يقول: سبحان الله عادة، والمتيقظ لا يزال فكره في عجائب المخلوقات أو في عظمة الخالق، فيحركه الفكر في ذلك، فيقول: سبحان الله. ١٣٣٨- ولو أن إنسانًا تفكر في رُمَّانَةٍ، فنظر في تصفيف حَبِّها، وحفظه بالأغشية لئلا يتضاءل، وإقامة الماء على عظم العجم١، وجعل الغشاء عليه يحفظه، وتصوير الفرخ في بطن البيضة، والآدمي في حشا الأُمِّ، إلى غير ذلك من المخلوقات: أزعجه٢ هذا الفكر إلى تعظيم الخالق، فقال: سبحان الله! وكان هذا التسبيح ثمرة الفكر، فهذا تسبيح المتيقظين، وما تزال أفكارهم تجول، فتقع عباداتهم بالتسبيحات محققةً. وكذلك يتفكرون في قبائح ذنوب قد تقدمت، فيوجب ذلك الفكر حركة الباطن، وقلق القلب، وندم النفس، فيثمر ذلك أن يقول قائلهم: أستغفر الله. فهذا هو التسبيح والاستغفار. فأما الغافلون، فيقولون ذلك عادة. وشتان ما بين الفريقين.

стр. 670

لا يصفون الاشتغال بالآخرة إلا بالانقطاع عن الخلق ... ٣٠٣- فصل: لا يصفو الاشتغال بالآخرة إلا بالانقطاع عن الخلق ١٣٣٩- لا يصفو التعبد والتزهد والاشتغال بالآخرة إلا بالانقطاع الكلي عن
следующие страницы →