← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

٣٠٠- فصل: زيادة الثواب في الآخرة بقدر العمل في الدنيا ١٣٣٥- من عجائب ما أرى من نفسي ومن الخلق كلهم: الميل إلى الغفلة عما في أيدينا، مع العلم بقصر العمر، وأن زيادة الثواب هناك، بقدر العمل ها هنا. فيا قصير العمر! اغتنم يومي منًى١! وانتظر ساعة النفر! وإياك أن تشغل قلبك بغير ما خلق له! واحمل نفسك على المر! واقمعها إذا أبت، ولا تسرح لها في الطول٢، فما أنت إلا في مرعى، وقبيح بمن كان بين الصفين٣ أن يتشاغل بغير ما هو فيه.

стр. 667

٣٠١- فصل: الأمر بحفظ السر ١٣٣٦- قد كررت هذا المعنى في هذا الكتاب، وهو الأمر بحفظ السر، والحذر من الانبساط فيما لا يصلح بين يدي الناس، فرب منبسطٍ بين يدي من يظنه

стр. 668

صديقًا، يقول في صديقٍ، أو في سلطان، أنه لا يهتم في ذلك، فيكون سبب هلاك ذاك. فأوصي السليم الصدر الذي يظن في الناس الخير: بأن يحترز من الناس، وألا يقول في الخلق كلمة لا تصلح للخلق، ولا يغتر بمن يظهر الصداقة أو التدين، فقد عم الخبث.

стр. 669

٣٠٢- فصل: تسبيح المتيقّظين ١٣٣٧- تأملت على أكثر الناس عباداتهم؛ فإذا هي عادات، فأما أرباب اليقظة، فعاداتهم عبادة حقيقية. فإن الغافل يقول: سبحان الله عادة، والمتيقظ لا يزال فكره في عجائب المخلوقات أو في عظمة الخالق، فيحركه الفكر في ذلك، فيقول: سبحان الله. ١٣٣٨- ولو أن إنسانًا تفكر في رُمَّانَةٍ، فنظر في تصفيف حَبِّها، وحفظه بالأغشية لئلا يتضاءل، وإقامة الماء على عظم العجم١، وجعل الغشاء عليه يحفظه، وتصوير الفرخ في بطن البيضة، والآدمي في حشا الأُمِّ، إلى غير ذلك من المخلوقات: أزعجه٢ هذا الفكر إلى تعظيم الخالق، فقال: سبحان الله! وكان هذا التسبيح ثمرة الفكر، فهذا تسبيح المتيقظين، وما تزال أفكارهم تجول، فتقع عباداتهم بالتسبيحات محققةً. وكذلك يتفكرون في قبائح ذنوب قد تقدمت، فيوجب ذلك الفكر حركة الباطن، وقلق القلب، وندم النفس، فيثمر ذلك أن يقول قائلهم: أستغفر الله. فهذا هو التسبيح والاستغفار. فأما الغافلون، فيقولون ذلك عادة. وشتان ما بين الفريقين.

стр. 670

لا يصفون الاشتغال بالآخرة إلا بالانقطاع عن الخلق ... ٣٠٣- فصل: لا يصفو الاشتغال بالآخرة إلا بالانقطاع عن الخلق ١٣٣٩- لا يصفو التعبد والتزهد والاشتغال بالآخرة إلا بالانقطاع الكلي عن

стр. 671

الخلق، بحيث لا يبصرهم، ولا يسمع كلامهم إلا في وقت ضرورة، كصلاة جمعة أو جماعة، ويحترز في تلك الساعات منهم، وإن كان عالمًا يريد نفعهم، وعدهم وقتًا معروفًا، واحترز في الكلام معهم. وأما من يمشي في الأسواق اليوم، ويبيع، ويشتري مع هذا العالم المظلم، ويرى المنكرات والمستهجنات، فما يعود إلى البيت إلا وقد أظلم القلب. ١٣٤٠- فلا ينبغي للمريد أن يكون خروجه إلا إلى الصحراء والمقابر، وقد كان جماعة من السلف يبيعون، ويشترون، ويحترزون، ومع هذا، ما صفا لصافيهم وقت، حتى قاطع الخلق. قال أبو الدرداء: زاولت العبادة والتجارة؛ فلم يجتمعا، فاخترت العبادة. وقد جاء في الحديث: "الأسواق تلهي وتلغي" ١. فمن قدر على الحمية النافعة، واضطر إلى المخالطة والكسب للعائلة، فليحترز احتراز الماشي في الشوك، وبعيد سلامته.

стр. 672

٣٠٤- فصل: يدوم طيب القلب بدوام التقوى ١٣٤١- من رزق قلبًا طيبًا، ولذة مناجاة، فليراع حاله، وليحترز من التغيير؛ وإنما تدوم له حالة بدوام التقوى. ١٣٤٢- وكنت قد رزقت قلبًا طيِّبًا، ومناجاة خلوةٍ١، فأحضرني بعض أرباب المناصب إلى طعامه، فما أمكن خلافه، فتناولت، وأكلت منه؛ فلقيت الشدائد، ورأيت العقوبة في الحال، واستمرت مدة، وغضبت على قلبي، وفقدت كل ما كنت أجده، فقلت: وا عجبًا! لقد كنت في هذا كالمكره!

стр. 673

فتفكرت، وإذا به قد يمكن مداراة الأمر بلقيمات يسيرة؛ وإنما التأويل جعل تناول هذا الطعام بشهوة أكثر مما يدفع بالمداراة، فقالت النفس: ومن أين لي أن عين هذا الطعام حرام؟! فقالت اليقظة: وأين الورع عن الشبهات؟! فلما تناولت بالتأويل لقمة، واستجلبتها بالطبع، لقيت الأمرين بفقد القلب: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] .

стр. 674

٣٠٥- فصل: همّة المؤمن متعلّقة بالآخرة ١٣٤٣- همة المؤمن متعلقة بالآخرة، فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة، وكل من شغله شيء، فهمته شغله. ألا ترى أنه لو دخل أرباب الصنائع إلى دار معمورة، رأيت البزاز ينظر إلى الفرش، ويحزر قيمته، والنجار إلى السقف، والبناء إلى الحيطان، والحائك إلى النسج١. ١٣٤٤- والمؤمن إذا رأى ظلمةً، ذكر ظلمة القبر، وإن رأى مؤلمًا، ذكر العقاب، وإن سمع صوتًا فظيعًا، ذكر نفخة الصور، وإن رأى الناس نيامًا، ذكر الموتى في القبور، وإن رأى لذة، ذكر الجنة؛ فهمته متعلقة بما ثم٢، وذلك يشغله عن كل ما تم. ١٣٤٥- وأعظم ما عنده أنه يتخايل دوام البقاء في الجنة، وأن بقاءه لا ينقطع، ولا يزال، ولا يعتريه منغص٣، فيكاد إذا تخايل نفسه متقلبًا في تلك اللذات الدائمة، التي لا تفنى: يطيش فرحًا، ويسهل عليه ما في الطريق إليها، من ألم، ومرض، وابتلاء، وفقد محبوب، وهجوم الموت، ومعالجة غصصه، فإن المشتاق إلى الكعبة يهون عليه رمل زرود٤، والتائق٥ إلى العافية لا يبالي بمرارة

стр. 675

الدواء، ويعلم أن جودة الثمر ثم على مقدار جودة البذر هاهنا، فهو يتخير الأجود، ويغتنم الزرع في تشرين١ العمر من غير فتور، ثم يتخايل المؤمن دخول النار والعقوبة، فيتنغص عيشه، ويقوى قلقه، فعنده بالحالين شغل عن الدنيا وما فيها، فقلبه هائم في بيداء الشوق تارة، وفي صحراء الخوف أخرى، فما يرى البنيان. فإذا نازله الموت، قوي ظنه بالسلامة٢، ورجا لنفسه النجاة، فيهون عليه، فإذا نزل إلى القبر، وجاءه من يسألونه، قال بعضهم لبعض: دعوه، فما استراح إلا الساعة. نسأل الله يقظة تامة، تحركنا إلى طلب الفضائل، وتمنعنا من اختيار الرذائل؛ فإنه إن وفق؛ وإلا فلا نافع.

стр. 676

٣٠٦- فصل: كمال الصورة اعتدالها ١٣٤٦- لقد اعتبرت على مولاي أمرًا عجيبًا، وهو أنه تعالى لا يختار لمحبته، والقرب منه: إلا الكامل صورة ومعنى. ولست أعني حسن التخاطيط١؛ وإنما كمال الصورة اعتدالها، والمعتدلة ما تخلو من حسن، فيتبعها حسن الصورة الباطنة، وهو كمال الأخلاق، وزوال الأكدار، ولا يرى في باطنه خبثًا ولا كدرًا، بل قد حسن باطنه كما حسن ظاهره. وقد كان موسى ﵇ كل من رآه يحبه، وكان نبينا ﷺ كالقمر ليلة البدر٢. ١٣٤٧- وقد يكون الولي أسود اللون؛ لكنه حسن الصورة، لطيف المعاني. فعلى قدر ما عند الإنسان من التمام في كمال الخلق والخلق يكون عمله، ويكون تقريبه إلى الحضرة بحسب ذلك، فمنهم كالخادم على الباب، ومنهم حاجب، ومنهم مقرب، ويندر من يتم له الكمال، ولعله لا يوجد في مائة سنة منهم غير واحد، وهذه

стр. 677

حكاية ما تحصل بالاجتهاد؛ بل الاجتهاد يحصل منها؛ لأنه إذا وقع تمام، حث على الجد على قدر نقصانه وهذا لا حيلة في أصله؛ إنما هو جبلة، وإذا أرادك لأمر، هيأك له.

стр. 678

٣٠٧- فصل: الحقّ منزّهٌ عن العبث ١٣٤٨- تأملت على قوم يدعون العقول، ويعترضون على حكمة الخالق! فينبغي أن يقال لهم: هذا الفهم الذي دلكم على رد حكمته، أليس هو من منحه؟! فأعطاكم الكمال، ورضي لنفسه بالنقص؟! هذا هو الكفر المحض، الذي يزيد في القبح على الجحد. ١٣٤٩- فأول القوم إبليس؛ فإنه رأى بعقله أن جوهر النار أشرف من جوهر الطين، فرد حكمة الخالق، ومر على هذا خلق كثير من المعترضين، مثل ابن الراوندي، والبصري١ وهذا المعري اللعين، يقول: كيف يعاب ابن الحجاج٢ بالسخف، والدهر أقبح فعلًا منه؟! أترى يعني به الزمان؟! كلا، فإن ممر الأوقات لا يفعل شيئًا؛ وإنما هو تسفيف٣! وكان يتسعجل الموت، ظنًّا منه أنه يستريح! وكان يوصي بترك النكاح، والنسك! ولا يرى في الإيجاد حكمة إلا العناء والتعب! ومصير الأبدان إلى البلى!! وهذا لو كان كما ظن، كان الإيجاد عبثًا، والحق منزه عن العبث، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧] ، فإذا كان ما خلق لنا لم يخلق عبثًا، أفنكون نحن -ونحن مواطن معرفته ومحال تكليفه- قد وجدنا عبثًا؟!

стр. 679

١٣٥٠- ومثل هذا الجهل إنما يصدر ممن ينظر في قضايا العقول التي يحكم بها على الظواهر، مثل أن يرى مبنيًّا ينقض، والعقل بمجرده لا يرى ذلك حكمة، ولو كشفت له حكمة ذلك؛ لعلم أنه صواب، كما كشف لموسى مراد الخضر في خرق السفينة، وقتل الغلام. ومعلوم أن ذبح الحيوان، وتقطيع الرغيف، ومضغ الطعام، لا يظهر له فائدة على الإطلاق، فإذا علم أنه غذاء لبدن من هو أشرف بدنًا من المذبوح، حسن ذلك الفعل. وا عجبًا! أوما تقضي العقول بوجوب طاعة الحكيم، الذي تعجز عن معرفة حكم مخلوقاته؟! فكيف تعارضه في أفعاله؟! نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 680

٣٠٨- فصل: من اضطر أن يعظ سلطانًا تلطّف معه ١٣٥١- ينبغي لمن وعظ سلطانًا أن يبالغ في التطلف، ولا يواجهه بما يقتضي أنه ظالم، فإن السلاطين حظهم التفرد بالقهر والغلبة؛ فإذا جرى نوع توبيخ لهم، كان إذلالًا، وهم لا يحتملون ذلك، وإنما ينبغي أن يمزج وعظه بذكر شرف الولاية، وحصول الثواب في رعاية الرعايا، وذكر سير العادلين من أسلافهم. ١٣٥٢- ثم لينظر الواعظ في حال الموعوظ قبل وعظه: فإن رأى سيرته حميدة -كما كان منصور بن عمار وغيره يعظون الرشيد١ وهو يبكي- وقصده الخير، زاد في وعظه ووصيته. وإن رآه ظالمًا، لا يلتفت إلى الخير، وقد غلب عليه الجهل، اجتهد في ألا يراه ولا يعظه؛ لأنه إن وعظه، خاطر بنفسه، وإن مدحه، كان مداهنًا، فإن اضطر إلى موعظته، كانت كالإشارة٢.

стр. 681

١٣٥٣- وقد كان أقوام من السلاطين يلينون عند الموعظة، ويحتملون الواعظين، حتى إنه قد كان المنصور يواجه بأنك ظالم فيصبر ... وقد تغير الزمان، وفسد أكثر الولاة، وداهنهم العلماء، ومن لا يداهن لا يجد قبولًا للصواب، فيسكت. ١٣٥٤- وقد كانت الولايات لا يسألها إلا من أحكمته العلوم، وثقفته التجارب، فصار أكثر الولاة يتساوون في الجهل، فتأتي الولاية على من ليس من أهلها. ومثل هؤلاء ينبغي الحذر منهم، والبعد عنهم؛ فمن ابتلى بوعظهم، فليكن على غاية التحرز فيما يقول، ولا ينبغي أن يغتر بقولهم: عظنا١! فإنه لو قال كلمة لا توافق أغراضهم، ثارت حراراتهم. ١٣٥٥- وليحذر مذكر السلطان أن يعرض له بأرباب الولايات؛ فإنهم إذا سمعوا بذلك، صار الواعظ مقصودًا لهم بالإهلاك، خوفًا من أن يعتبر السلطان أحوالهم، فتفسد أمورهم، والبعد في هذا الزمان عنهم أصلح، والسكوت عن المواعظ لهم أسلم، فمن اضطر، تلطف غاية التلطف، وجعل وعظه للعوام، وهم يسمعون، ولا يعنيهم منه بشيء، والله الموفق.

стр. 682

٣٠٩- فصل: الحق لا يشتبه بباطل ١٣٥٦- الحق لا يشتبه بباطل؛ إنما يموه الباطل عند من لا فهم له، وهذا في حق من يدعي النبوات، وفي حق من يدعي الكرامات. ١٣٥٧- أما النبوات، فإنه قد ادعاها خلق كثير، ظهرت قبائحهم، وبانت فضائحهم، ومنها ما توجبه خسة الهمة، والتهتك في الشهوات، والتهافت في الأقوال والأفعال، حتى افتضحوا. ١٣٥٨- فمنهم الأسود العنسي: ادعى النبوة، ولقب نفسه ذا الخمار؛ لأنه

стр. 683

كان يقول: يأتيني ذو الخمار١، وكان أول أمره كاهنًا يشعوذ، فيظهر الأعاجيب، فخرج في أواخر حياة النبي ﷺ ، فكاتبته مذحج وواعد ونجران، وأخرجوا عمرو بن حزم٢، وخالد بن سعيد٣ صاحبي رسول الله ﷺ ، وصفا له اليمن، وقاتل شهر بن باذام، فقتله، وتزوج ابنته٤، فأعانت على قتله، فهلك في حياة رسول الله ﷺ ، وبان للعقلاء أنه كان يشعبذ. ١٣٥٩- ومنهم مسيلمة، ادعى النبوة، وتسمى رحمان اليمامة؛ لأنه كان يقول: الذي يأتيني رحمان! فآمن برسول الله ﷺ ، وادعى أنه قد أشرك معه! فالعجب أنه يؤمن برسول، ويقول: إنه كذاب! ثم جاء بقرآن يضحك الناس، مثل قوله: "يا ضفدع بنت ضفدعين! نقي٥ ما تنقين، أعلاك في الماء، وأسفلك في الطين". ومن العجائب شاة سوداء، تحلب لبنًا أبيض! فانهتك ستره في هذه الفصاحة، ثم مسح بيده على رأس صبي، فذهب شعره! وبصق في بئر، فيبست. وتزوج سجاح٦ التي ادعت النبوة، فقالوا: لا بد لها من مهر. فقال: مهرها أني قد أسقطت عنكم صلاتي الفجر والعتمة! ١٣٦٠- وكانت سجاح هذه قد ادعت النبوة بعد موت رسول الله ﷺ ، فاستجاب لها جماعة، فقالت: أعدوا الركاب، واستعدوا للنهاب، ثم اعبروا على الرباب، فليس دونهم حجاب، فقاتلوهم!

стр. 684

ثم قصدت اليمامة١، فهابها مسيلمة، فراسلها، وأهدى لها، فحضرت عنده، فقالت: اقرأ علي ما يأتيك به جبريل! فقال: إنكن معشر النساء خلقتن أفواجًا، وجعلتن لنا أزواجًا، نولجه فيكن إيلاجًا. فقالت: صدقت، أنت نبي. فقال لها: [ألا] قومي إلى المخدعْ ... فقد هيي لك المضجعْ فإن شئت سلقناكِ ... وإن شئت على أربعْ٢ وإن شئت بثلثيْهِ ... وإن شئت به أجمَعْ فقالت: بل به أجمع، فهو للشمل أجمع! فافتضحت عند العقلاء من أصحابها، فقال منهم عطارد بن حاجب٣: أضحت نبيتنا أنثى يطاف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا فلعنة الله رب الناس كلهم ... على سجاح ومن بالإفك أغوانا أعني مسيلمة الكذاب لا سقيت ... أصداؤه من رعيثٍ حيثما كانَا٤ ثم إنها رجعت عن غيها، وأسلمت، وما زالت تبين فضائح مسيلمة حتى قتل. ١٣٦١- ومنهم طليحة بن خويلدٍ٥، خرج بعد دعوى مسيلمة النبوة، وتبعه عوام، ونزل سميراء٦، فتسمى بذي النون، يقول: إن الذي يأتيه، يقال له: ذو النون، وكان من كلامه: "إن الله لا يصنع بتعفير وجوهكم، ولا قبح أدباركم شيئًا، فاذكروا الله أعفة قيامًا! ومن قرآنه: والحمام واليمام، والصرد٧ الصوام، ليبلغن

стр. 685

ملكنا العراق والشام". وتبعة عيينة بن حصن١، فقاتله خالد بن الوليد، فجاء عيينه إلى طليحة، فقال: ويحك! أجاءك الملك؟ قال: لا، فارجع فقاتل، فقاتل، [ثم عاد، فقال: أجاءك؟ فقال: لا؛ فعاد فقاتل، ثم عاد] ، فقال: أجاءك؟ فقال: لا، فعاد فقاتل، ثم عاد، فقال: أجاءك؟ قال: نعم، قال: ما قال لك؟ قال: قال: "إن لك [رحى كرحاه] ٢ وحديثًا٣ لا تنساه". فصاح عيينة: الرجل والله كذاب. فانصرف الناس منهزمين، وهرب طليحة إلى الشام، ثم أسلم، وصح إسلامه، وقتل بنهاوند. ١٣٦٢- وذكر الواقدي٤: أن رجلًا من بني يربوع يقال له: جندب بن كلثوم٥، كان يلقب كردانًا، ادعى النبوة على عهد رسول الله ﷺ ، وكان يزعم أن دليلة على نبوته أن يسرج٦ مسامير الحديد والطين!! وهذا؛ لأنه كان يطلي ذلك بدهن البيلسان٧، فتعمل فيه النار. ١٣٦٣- وقد تنبأ رجل يقال له كهمس الكلابي٨، وكان يزعم أن الله تعالى أوحى إليه: يا أيها الجائع! اشرب لبنًا تشبع، ولا تضرب الذي لا ينفع؛ فإنه ليس بمقنع!! وزعم أن دليله على نبوته أنه يطرح بين السباع الضارية فلا تأكله، وحيلته في ذلك: أنه يأخذ دهن الغار٩......................................................

стр. 686

وحجر البرسان١، وقنفذًا محرقًا، وزبد البحر، وصدفًا محرقًا مسحوقًا، وشيئًا من الصبر٢ والخبط٣، فيطلي به جسمه؛ فإذا قربت منه السباع، فشمت تلك الأرياح٤ وذفورتها٥؛ نفرت. ١٣٦٤- وتنبأ بالطائف رجل يقال له: أبو جعوانة العامري، وزعم أن دليله أنه يطرح النار في القطن فلا يحترق! وهذا؛ لأنه يدهنه بدهن معروف. ١٣٦٥- ومنهم هذيل بن يعفور، من بني سعد بن زهير، حكى عنه الأصمعي٦ أنه عارض سورة الإخلاص، فقال: "قل هو الله أحد، إله كالأسد، جالس على الرصد، لا يفوته أحد". ١٣٦٦- ومنهم هذيل بن واسع، كان يزعم أنه من ولد النابغة الذبياني٧، عارض سورة الكوثر، فقال له رجل: ما قلت؟ فقال: "إنا أعطيناك الجواهر، فصل لربك وجاهر، فما يؤذيك إلا كل فاجر"؛ فظهر عليه القسري٨، فقتله، وصلبه على العمود، فعبر عليه الرجل٩، فقال: "إنا أعطيناك العمود، فصل لربك من قعود، بلا ركوع ولا سجود، فما أراك تعود". ١٣٦٧- وممن ظهر فادعى أنه يوحي إليه المختار بن أبي عبيد١٠، وكان

стр. 687

متخبِّطًا في دعواه، وقتل خلقًا كثيرًا، وكان يزعم أنه ينصر الحسين رضوان الله عليه، ثم قتل. ١٣٦٨- ومنهم حنظلة بن يزيد الكوفي، كان يزعم أن دليله أنه يدخل البيضة في القنينة، ويخرجها منها صحيحة! وذاك أنه كان ينقع البيضة في الخل الحامض، فيلين قشرها، ثم يصب ماء في قنينة، ثم يدس البيضة فيها، فإذا لقيت الماء، صلبت. ١٣٦٩- وقد تنبأ أقوام قبل نبينا ﷺ كزرادشت١ وماني٢ وافتضحوا. وما من المدعين إلا من خذل. ١٣٧٠- وقد جاءت القرامطة٣ بحيل عجيبة، وقد ذكرت جمهور هؤلاء وحيلهم في كتابي التاريخ المسمى بـ "المنتظم"، وما فيهم من يتم له أمر؛ إلا ويتفضح. ١٣٧١- ودليل صحة نبوة نبينا ﷺ أجلى من الشمس: فإنه ظهر فقيرًا، والخلق أعداؤه؛ فوعد بالملك فملك، وأخبر بما سيكون فكان، وصين من زمن النبوة عن الشره، وخساسة الهمة، والكذب والكبر، وأيد بالثقة والأمانة والنزاهة والعفة، وظهرت معجزاته للبعيد والقريب. وأنزل عليه الكتاب العزيز، الذي حارت فيه عقول الفصحاء، ولم يقدروا على الإتيان بآية تشبهه، فضلًا عن سورة، وقد قال قائلهم وافتضح، ثم أخبر أنه لا

стр. 688

يعارض فيه، فكان كما قال، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِه وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة] ، وكذلك قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ، وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة] ، فما تمناه أحد، إذ لو قال قائل: قد تمنيته، لبطلت دعواه. وكان يقول ليلة غزاة بدر: "غدًا مصرع فلان هاهنا"، فلا يتعداه١. وقال: "إذا هلك كسرى، فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر، فلا قيصر بعده" ٢، فما ملك بعدهما من له كبير قدر، ولا من استتب له حال. ومن أعظم دليل على صدقه أنه لم يرد الدنيا، فكان يبيت جائعًا٣، ويؤثر إذا وجد، ويلبس الصوف٤، ويقوم الليل٥؛ وإنما تطلب النواميس لاجتلاب الشهوات، فلما لم يردها، دل على أنه يدل على الآخرة التي هي حق. ثم لم يزل دينه يعلو حتى عم الدنيا، وإن كان الكفر في زوايا الأرض؛ إلا أنه مخذول. ١٣٧٢- وصار في تابعيه من أمته الفقهاء، الذين لو سمع كلامهم الأنبياء القدماء، تحيروا في حسن استخراجهم، والزهاد الذين لو رآهم الرهبان، تحيروا في صدق زهدهم، والفطناء الذين لا نظير لهم في القدماء. ١٣٧٣- أوليس قوم موسى يعبدون بقرة، ويتوقفون في ذبح بقرة، ويعبرون البحر، ثم يقولون: اجعل لنا إلهًا؟! وقوم عيسى يدخرون من المائدة، وقد نهوا؟! والمعتدون في السبت يعصون الله لأجل الحيتان؟! وأمتنا بحمد الله تعالى سليمة من

стр. 689

هذه الأشياء؛ وإنما في بعضها ميل إلى الشهوات المنهي عنها، وذلك من الفروع لا من الأصول؛ فإذا ذكروا، بكوا وندموا على تفريطهم. فنحمد الله على هذا الدين، وعلى أننا من أمة هذا الرسول ﷺ . ١٣٧٤- وقد كان جماعة من المتصنعين بالزهد مالوا إلى طلب الدنيا والرئاسة، فاستغواهم الهوى، فخرقوا١ بإظهار ما يشبه الكرامات، كالحلاج وابن الشباس٢ وغيرهما ممن ذكرت حال تلبيسه في كتاب "تلبيس إبليس"٣؛ وإنما فعلوا ذلك لاختلاف أغراضهم. ١٣٧٥- ولم يزل الله ينشئ في هذا الدين من الفقهاء من يظهر ما أخفاه القاصرون، كما ينشئ من علماء الحديث من يهتك ما أشاعه الواضعون، حفظًا لهذا الدين، ودفعًا للشبهات عنه، فلا يزال الفقيه والمحدث يظهران عوار كل ملبس بوضع حديث، أو بإظهار دعوى تزهد وتنميس، فلا يؤثر ما ادعياه؛ إلا عند جاهل بعيد من العلم والعمل. ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُون﴾ [الأنفال: ٨] .

стр. 690

٣١٠- فصل: السعيد من انتبه لنفسه ١٣٧٦- وا عَجَبًا من موجود لا يفهم معنى الوجود؛ فإن فهم، لم يعمل بمقتضى فهمه!! يعلم أن العمر قصير، وهو يضيعه بالنوم والبطالة والحديث الفارغ وطلب اللذات، وإنما أيامه أيام عمل لا زمان فراغ. وقد كلف بذل المال بمخالفة الطبع من الشرع، فبخل به، إلى أن تضايق الخناق، فيقول حينئذ: فرقوا عني بعد موتي! وافعلوا كذا! فأين يقع هذا لو فعل؟! وبعيد أن يفعل؛ وإنما يراد بإنفاقك في صحتك مخالفة الطبع في تكلف مشاق

стр. 691

الإخراج في زمن السلامة، فافرق بين الحالتين إن كان لك فهم، فالسعيد من انتبه لنفسه، وعمل بمقتضى عقله، واغتنم زمنًا نهايته الزمن١، وانتهب عمرًا، يا قرب انقطاعه! ١٣٧٧- ويحك! ما تصنع بادخار مال لا يؤثر حسنة في صحيفة، ولا مكرمة في تاريخ؟! أما سمعت بإنفاق أبي بكر، وبخل ثعلبة٢؟! أما رأيت تأثير مدح حاتم٣، وبخل الحباحب٤؟! ١٣٧٨- ويحك! لو ابتلاك في مالك فقل، لاستغثت، أو في بدنك ليلة بمرض، لشكوت، فأنت تستوفي مطلوباتك منه، ولا تستوفي حقه عليك، ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ! ولتعلم أن هذا القدر المفرط فيه، يحل الخلود الدائم في ثواب العمل فيه، فسبحان من من على أقوام فهموا المراد، فأتعبوا الأجساد، وغطى على قلوب آخرين، فوجودهم كالعدم. وكيف لا يتعب العاقل بدنه إتعاب البُدْن٥ والمقصود منًى؟! أترى ما بال الحق متجليًا في إيجادك أيها العبد؟! بلى والله، إن وجودك دليل وجوده، وإن نعمه عليك دليل جوده، فكما قدمك على سائر الحيوانات، فقدمه في قلبك على كل المطلوبات. وا خيبة من جهله! وا فقر من أعرض عنه! وا ذل من اعتز بغيره! وا حسرة من اشتغل بغير خدمته!

стр. 692

٣١١- فصل: ما يسلي عن الدنيا ويهون فراقها ١٣٧٩- إني أعجب من عاقل يرى استيلاء الموت على أقرانه وجيرانه، كيف يطيب عيشه؟! خصوصًا إذا علت سنه! وا عجبًا لمن يرى الأفاعي تدب إليه، وهو لا ينزعج!! أما يرى الشيخ دبيب الموت في أعضائه، قد أخرج سكين القوى، وأنزل متغشرم١ العضف، وقلب السواد بياضًا، ثم في كل يوم يزيد الناقص. ١٣٨٠- ففي نظر العاقل إلى نفسه ما يشغله عن النظر إلى خراب الدنيا، وفراق الإخوان، وإن كان ذلك مزعجًا، ولكن شغل من احترق بيته بنقل متاعه، يلهيه عن ذكر بيوت الجيران. ١٣٨١- وإنه لمما يسلي عن الدنيا، ويهون فراقها استبدال المعارف بمن تنكره، فقد رأينا أغنياء كانوا يؤثرون، وفقراء كانوا يصبرون، ومحاسبين لأنفهسم يتورعون: فاستبدل السفهاء عن العقلاء، والبخلاء عن الكرماء. فيا سهولة الرحيل! لعل النفس تلقى من فقدت، فتلحق بمن أحبت.

стр. 693

٣١٢- فصل: وهب الله تعالى العقل للإنسان ليثبت عليه الحجة ١٣٨٢- نظرت في قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ ثم قال: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] ... فرأيت الجمادات كلها قد وصفت بالسجود، واستثنى من العقلاء! فذكرت قول بعضهم: ما جحد الصامت من أنشأه ... ومن ذوي النطق أتى الجحود

стр. 694

فقلت: إن هذه لقدرة عظيمة، يوهب عقل للشخص، ثم تسلب فائدته! وإن هذا لأقوى دليل على قادر قاهر؛ وإلا فكيف يحسن من عاقل ألا يعرف بوجوده وجود من أوجده؟! وكيف ينحت صنمًا بيده ثم يعبده؟! غير أن الحق وهب لأقوام من العقل ما يثبت عليهم الحجة، وأعمى قلوبهم كما شاء عن المحجة١.

стр. 695

٣١٣- فصل: ليتزود العبد على قدر طول السفر ١٣٨٣- ما رأيت أكثر أذى للمؤمن من مخالطة من لا يصلح، فإن الطبع يسرق؛ فإن لم يتشبه بهم، ولم يسرق منهم، فتر عن عمله. فإن رؤية الدنيا تحث على طلبها، وقد رأى رسول الله ﷺ سترًا على بابه، فهتكه٢، وقال: " ما لي وللدنيا؟! "، ولبس ثوبًا له طراز، فرماه، وقال: "شغلتني أعلامه"، ولبس خاتمًا، ثم رماه، وقال: "نظرة إليكم، ونظرة إليه". وكذلك رؤية أرباب الدنيا، ودورهم وأحوالهم، خصوصًا لمن له نفس تطلب الرفعة. ١٣٨٤- وكذا سماع الأغاني، ومخالطة الصوفية، الذين لا نظر لهم اليوم إلا في الرزق الحاصل، لو كان من أي كان، قبلوه، ولا يتورعون أن يأخذوا من ظالم، وليس عندهم خوف كما كان أوائلهم؛ فقد كان سري السقطي يبكي طول الليل، وكان يبالغ في الورع، وهم ليس لهم ورع سري، ولا لهم تعبد الجنيد؛ وإنما ثم أكل ورقص، وبطالة، وسماع أغان من المردان، حتى قال بعض من يعتبر قوله، حضرت مع رجل كبير، يومأ إليه من مشايخ الربط، ومغنيهم أمرد، فقام الشيخ، ونقطه بدينار على خده٣. وادعاؤهم أن سماع هذه الأشياء يدعو إلى الآخرة؛ فوق الكذب! وليس العجب منهم؛ إنما العجب من جهال ينفقون عليهم٤، فينفقون عليهم.

стр. 696

١٣٨٥- ولقد كان جماعة من القدماء يرون أوائل الصوفية يتعبدون، ويتورعون، فيعجبهم حالهم، وهم معذورون في إعجابهم بهم، وإن كان أكثر القوم في تعبدهم على غير الجادة، كما ذكرت في كتابي المسمى بـ "تلبيس إبليس"؛ فأما اليوم، فقد برح١ الخفاء، أحدهم يتردد إلى الظلمة، ويأكل أموالهم، ويصافحهم بقميص ليس في طراز! وهذا هو التصوف فحسب!! أولا يستحيي من الله من زهد رفيع الأثواب لأجل الخلائق، لا لأجل الحق، ولا يزهد في مطعم، ولا في شبهة؟! فالبعد عن هؤلاء لازم. ١٣٨٦- وينبغي للمنفرد لطاعة الله تعالى عن الخلق ألا يخرج إلى سوق جهده؛ فإن خرج ضرورة، غض بصره، وألا يزور صاحب منصب، ولا يلقاه، فإن اضطر، دارى الأمر، ولا يخالط عاميًّا إلا لضرورة مع التحرز، ولا يفتح على نفسه باب التزوج، بل يقنع بامرأة فيها دين، فقد قال الشاعر: والمرء ما دام ذا عين يقلبها ... في أعين العين موقوف على الخطر يسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحبًا بسرورٍ عاد بالضرر ١٣٨٧- فإن كان يغلب عليه العلم، انفرد بدراسته، واحترز من الأتباع المتعلمين، وإن غلبت عليه العبادة، زاد في احترازه! وليجعل خلوته أنيسه، والنظر في سير السلف جليسه! ولتكن له وظيفة من زيارة قبول الصالحين والخلوة بها! ولا ينبغي أن يفوته ورد قيام الليل، وليكن بعد النصف الأول، فليطل مهما قدر؛ فإنه زمان بعيد المثل! وليمثل رحيله عن قرب، ليقصر أمله! وليتزود في الطريق على قدر طول السفر! نسأل الله يقظة من فضله، وإقبالًا على خدمته، وألا يخذلنا بالالتفات عنه، إنه قريب مجيب.

стр. 697

٣١٤- فصل: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ١٣٨٨- كلما نظرت في تواصل النعم عليَّ، تحيرت في شكرها! وأعلم أن الشكر من النعم، فكيف أشكر١؟! لكني معترف بالتقصير، وأرجو أن يكون اعترافي قائمًا ببعض الحقوق. وعندي خلة٢ أرجو بها كل خير، وهي أن من يصوم أو يصلي يرى أنه تعبد، ويخدم كأنه يقضي حق المخدوم، وأنا أرى أني إذا صليت ركعتين؛ فإنما قمت أكدي٣، فلنفسي أعمل، إذ المخدوم غني عن طاعتي. وكان بعض المشايخ يقول: جاء في الحديث: "الدعاء عبادة" ٤، وأنا أقول: العبادة دعاء. ١٣٨٩- فالعجب ممن يقف للخدمة يسأل حظ نفسه، كيف يرى أنه قد فعل شيئًا؟! إنما أنت في حاجتك، ومنة من أيقظك، لا تقاومها خدمتك، فأنا أقول كما قال الأول: يا منتهى الآمال أنْ ... ـت كفلتني وحفظتني وعدا الزمان علي كيْ ... يجتاحني فمنعتني فانقاد لي متخشعًا ... لما رآك نصرتني وكسوتني ثوب الغنى ... ومن المغالب صنتني فإذا سكت بدأتني ... وإذا سألت أجبتني فإذا شكرتك زدتني ... فمنحتني وبهرتني لو إن أجد بالمال فالْ ... أموال أنت أفدتني

стр. 698

٣١٥- فصل: النفس لا بد لها مما تتشاغل به ١٣٩٠- رأيت أكثر العلماء يتشاغلون بصورة العلم، فهم الفقيه التدريس، وهم الواعظ الوعظ. فهذا يراعي درسه؛ فيفرح بكثرة من يسمعه، ويقدح في كلام من يخالفه، ويمضي زمانه في التفكر في المناقضات، ليقهر من يجادله، وعينه إلى التصدر والارتفاع في المجالس، وربما كانت همته جمع الحطام ومخالطة السلاطين!. والواعظ همته ما يزوق به كلامه، ويكثر [به] جمعه، ويجلب به قلوب الناس إلى تعظيمه، فإن كان له نظير في شغله، أخذ يطعن فيه. وهذه قلوب غافلة عن الله ؛ إذ لو كانت لها به معرفة، لاشتغلت به، وكان أنسها بمناجاته، وإيثارها لطاعاته، وإقبالها على الخلوة به. لكنها لما خلت من هذا، تشاغلت بالدنيا، وذاك دنيا مثلها، فإذا خلت بخدمة الله تعالى، لم تجد لها طعمًا، وكان جمع الناس أحب إليها، وزيارة الخلق لها آثر عندها، وهذه علامة الخذلان. ١٣٩١- وعلى ضد هذا، متى كان العالم مقبلًا على الله سبحانه، مشغولًا بطاعته، كان أصعب الأشياء عند لقاء الخلق ومحادثتهم، وأحب الأشياء إليه الخلوة، وكان عنده شغل عن القدح في النظراء١، أو عن طلب الرئاسة، فإن ما علق به همته من الآخرة أعلى من ذلك. ١٣٩٢- والنفس لا بد لها مما تشاغل به، فمن اشتغل لخدمة الخلق، وأعرض عن الحق؛ فإنما يربي رئاسته، وذلك يوجب الإعراض عن الحق، و ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] .

стр. 699

٣١٦- فصل: اللهم أرنا الأشياء كما هي ١٣٩٣- قد جاء في الأثر: اللهم! أرنا الأشياء كما هي! وهذا كلام حسن غاية، وأكثر الناس لا يرون الأشياء بعينها، فإنهم يرون الفاني كأنه باق، ولا يكادون يتخايلون زوال ما هم فيه، وإن علموا ذلك؛ إلا أن عين الحس مشغولة بالنظر إلى الحاضر، ألا ترى زوال اللذة، وبقاء إثمها؟! ولو رأى اللص قطع يده، هان عنده المسروق. فمن جمع الأموال، ولم ينفقها؛ فما رآها بعينها، إذ هي آلة لتحصيل الأغراض، لا تراد لذاتها. ومن رأى المعصية بعيني الشهوة، فما رآها، إذ فيها من العيوب ما شئت، ثم ثمرتها عقوبة آجلة، وفضيحة عاجلة. ١٣٩٤- وانظر إلى أكبر شهوات الحس، وهو الوطء! فإن الماء لا يحصل إلا بعد مطعم ومشرب، ومن تفكر في المطعم، نظر إلى حرث الأرض، وأنها تفتقر إلى بقر للحراثة عليهم بالمحراث، وهو حديد، ومعه خشب، وتتعلق به حبال، فمن تفكر في عمل الحبال، نظر في زرع القنب وتسريحه وفتله، والحديد وجلبه وضربه، والخشب ونباته ونجارته، ودوران الدولاب وعمله، ثم استحصاد الزرع، وحصده، وتذريته، وطحنه، وعجنه، وخبزه، ومن عمل التنور، وجلب الشوك، ومن هذا الجنس إذا نظر فيه كثر جدًّا، حتى قالوا: لا تنال لقمة؛ إلا وقد عمل فيها ثلاث مائة نفس أو نحوهم؛ فإذا أكل تلك اللقمة، فليفكر في خلق الأسنان لقطعها، والأضراس لطحنها، وعذوبة ماء الفم لخلطها، واللسان ليقلبها، وعضلات الفم يصعد منها شيء، ويبقى شيء، حتى يصلح البلع، ثم يتناولها المعي، فيوصلها إلى الكبد، فيقوم طابخًا لها؛ فإذا صارت دمًا، نفت رسوبها إلى الطحال، ومائيتها إلى المثانة، واستخلصت من أخلص الدم وأصفاه للكبد والدماغ والقلب، وأخذت أجود ذلك، فحذرته إلى الأنثيين معدًّا لخلق آدمي. فإذا تحركت نيران الشهوة، تدفقت تلك النطفة، وقد حكم الشرع بطهارتها،

стр. 700

وحكم لها بطهارة الرحم، والمحل الذي يباشره الذكر، فيخلق منها الآدمي الموحد. فما جاء هذا الشخص إلا بأغلى الغلاء، وبعد عجائب أشرنا إليها، لا أنا عددناها!! ١٣٩٥- أفمن فهم هذا يحسن منه أن يبدد تلك النطفة في حرام؟ أو أن يطأ في محل نجس فتضيع؟! فكم يتعلق بالزنا من محن لا يفي معشار عشرها بلذة لحظة! منها: هتك العرض بين الناس، وكشف العورات المحرمة، وخيانة الأخ المسلم في زوجته إن كانت متزوجة، وفضيحة المزني بها، وهي كأخت له أو بنت. فإن علقت منه ولها زوج، ألحقته بذلك الزوج، وكان هذا الزاني سببًا في ميراث من لا يستحق، ومنع من يستحق، ثم يتسلسل ذلك من ولد إلى ولد. وأما سخط الحق سبحانه، فمعلوم: قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢] ، وقال ﷺ : "ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله تعالى من نطفة وضعها رجل في رحم لا تحل له" ١. ١٣٩٦- ومن له فهم؛ فهو يعلم أن المراد من النطفة إيجاد الموحدين، ولولا تركيب الشهوة، لم يقع الوطء؛ لأنه التقاء عضوين غير مستحسنين، ولا صورتهما حسنة، ولا ريحهما طيب؛ وإنما الشهوة تغطي عين الناظر، ليحصل الولد أصلًا، فهي عارض. فمن طلب الشهوة، ونسي جنايته بالزنا، فما رأى الأشياء على ما هي٢. وقس على هذا المطعم والمشرب، وجمع المال غير ذلك.

стр. 701

٣١٧- فصل: الفائدة في خلق ما يؤذي ١٣٩٧- إن قال قائل: أي فائدة في خلق ما يؤذي؟! فالجواب: أنه قد ثبتت حكمة الخالق؛ فإذا خفيت في بعض الأمور، وجب التسليم، ثم إن المستحسنات في

стр. 702

الجملة أنموذج ما أعد من الثواب، والمؤذيات أنموذج ما أعد من العقاب، وما خلق شيء يضر؛ إلا وفيه منفعة. ١٣٩٨- قيل لبعض الأطباء: إن فلانًا يقول: أنا كالعقرب أضر ولا أنفع؟ فقال: ما أقل علمه! إنها لتنفع إذا شق بطنها، ثم شدت على موضع اللسعة، وقد توضع في جوف فخار مسدود الرأس، مطبق الجوانب، ثم يوضع الفخار في تنور؛ فإذا صارت رمادًا، سقي من ذلك الرماد مقدار نصف دانق١ أو أكثر من به الحصاة، فيفتتها من غير أن يضر بشيء من سائر الأعضاء! وقد تلسع العقرب من به حمى عنيفة فتزول. ولسعت رجلًا مفلوجًا، فزال عنه الفالج٢. وقد تلقى في الدهن، حتى يجتذب قواها، فيزيل ذلك الدهن الأورام الغليظة. ومثل هذا كثير. فالجاهل عدو لما جهله، وأكبر الحماقة رد الجاهل على العالم.

стр. 703

٣١٨- فصل: كلما أوغلت الفهوم في معرفة الخالق تاهت في محبته ١٣٩٩- كلما أوغلت الفهوم في معرفة الخالق، فشاهدت عظمته ولطفه ورفعته؛ تاهت في محبته، فخرجت عن حد الثبوت، وقد كان خلق من الناس غلبت عليهم محبته، فلم يقدروا على مخالطة الخلق، ومنهم من لم يقدر على السكوت عن الذكر، وفيهم من لم ينم إلا غلبة، وفيهم من هام في البراري، وفيهم من احترق في بدنه. فيا حسن مخمورهم ما ألذ سكره! ويا عيش قلقهم ما أحسن وجده! ١٤٠٠- كان أبو عبيدة الخواص١ قد غلبه الوجد، فكان يمشي في الأسواق يقول: وا شوقاه إلى من يراني ولا أراه. ١٤٠١- وكان فتح بن شخرف٢ يقول: قد طال شوقي إليك، فعجل قدومي عليك.

стр. 704

١٤٠٢- وكان قيس بن الربيع١ كأنه مخمور من غير شراب ١٤٠٣- وكان ابن عقيلٍ يقول: إن التبذل٢ فيه سبحانه أحسن من التجمل في غيره. ١٤٠٤- هل رأيت قط عراة أحسن من المحرمين؟! هل رأيت للمتزينين برياش الدنيا [سَمْتًا] كأثواب الصالحين؟! هل رأيت خمارًا٣ أحسن من نعاس المتهجدين؟! هل رأيت سكرًا أحسن من صعق الواجدين؟! هل شاهدت ماء صافيًا أصفى من دموع المتأسفين؟! هل رأيت رؤوسًا مائلة كرؤوس المنكسرين؟! هل لصق بالأرض شيء أحسن من جباه المصلين؟! هل حرك نسيم الأسحار أوراق الأشجار؛ فبلغ مبلغ تحريكه أذيال المتهجدين؟! هل ارتفعت أكف، وانبسطت أيد، فضاهت أكف الراغبين؟! هل حرك القلوب صوت ترجيع لحن أو رنة وتر كما حرك حنين المشتاقين؟! وإنما يحسن التبذل في تحصيل أوفى الأغراض؛ فلذلك حسن التبذل في خدمة المنعم.

стр. 705

٣١٩- فصل: في سبب تبذير الولاة ١٤٠٥- الولاة "أكثرهم١ لا يعرف الدين، ولا يتأدب بآدابه، فإذا كان أصل خلقته سيئ العقل، ولم يرزق مع هذا السوء ما يهذب طبعه، وينضج فكره، فكيف يرتقب الخير؟ إن العقل ينمو بالتعليم والتحصيل والدربة، والمران مع دوام العمل. أجل"٢ أكثرهم لا يعرف الدين، ولا يتأدب بآدابه بمرة، تتفق له قلة العقل في أصل الوضع، ثم ذلك القليل لا يعاون، بل يعان عليه، وذاك أن الجارحة إذا دام تعطلها عن عملها الذي هيئت له، تعطلت وخمدت، ولهذا تنقض أبصار النساخ والرافئين٣، وتحتد أبصار أهل البوادي؛ لأنه لا صاد لأبصارهم.
следующие страницы →