← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

٣١٧- فصل: الفائدة في خلق ما يؤذي ١٣٩٧- إن قال قائل: أي فائدة في خلق ما يؤذي؟! فالجواب: أنه قد ثبتت حكمة الخالق؛ فإذا خفيت في بعض الأمور، وجب التسليم، ثم إن المستحسنات في

стр. 702

الجملة أنموذج ما أعد من الثواب، والمؤذيات أنموذج ما أعد من العقاب، وما خلق شيء يضر؛ إلا وفيه منفعة. ١٣٩٨- قيل لبعض الأطباء: إن فلانًا يقول: أنا كالعقرب أضر ولا أنفع؟ فقال: ما أقل علمه! إنها لتنفع إذا شق بطنها، ثم شدت على موضع اللسعة، وقد توضع في جوف فخار مسدود الرأس، مطبق الجوانب، ثم يوضع الفخار في تنور؛ فإذا صارت رمادًا، سقي من ذلك الرماد مقدار نصف دانق١ أو أكثر من به الحصاة، فيفتتها من غير أن يضر بشيء من سائر الأعضاء! وقد تلسع العقرب من به حمى عنيفة فتزول. ولسعت رجلًا مفلوجًا، فزال عنه الفالج٢. وقد تلقى في الدهن، حتى يجتذب قواها، فيزيل ذلك الدهن الأورام الغليظة. ومثل هذا كثير. فالجاهل عدو لما جهله، وأكبر الحماقة رد الجاهل على العالم.

стр. 703

٣١٨- فصل: كلما أوغلت الفهوم في معرفة الخالق تاهت في محبته ١٣٩٩- كلما أوغلت الفهوم في معرفة الخالق، فشاهدت عظمته ولطفه ورفعته؛ تاهت في محبته، فخرجت عن حد الثبوت، وقد كان خلق من الناس غلبت عليهم محبته، فلم يقدروا على مخالطة الخلق، ومنهم من لم يقدر على السكوت عن الذكر، وفيهم من لم ينم إلا غلبة، وفيهم من هام في البراري، وفيهم من احترق في بدنه. فيا حسن مخمورهم ما ألذ سكره! ويا عيش قلقهم ما أحسن وجده! ١٤٠٠- كان أبو عبيدة الخواص١ قد غلبه الوجد، فكان يمشي في الأسواق يقول: وا شوقاه إلى من يراني ولا أراه. ١٤٠١- وكان فتح بن شخرف٢ يقول: قد طال شوقي إليك، فعجل قدومي عليك.

стр. 704

١٤٠٢- وكان قيس بن الربيع١ كأنه مخمور من غير شراب ١٤٠٣- وكان ابن عقيلٍ يقول: إن التبذل٢ فيه سبحانه أحسن من التجمل في غيره. ١٤٠٤- هل رأيت قط عراة أحسن من المحرمين؟! هل رأيت للمتزينين برياش الدنيا [سَمْتًا] كأثواب الصالحين؟! هل رأيت خمارًا٣ أحسن من نعاس المتهجدين؟! هل رأيت سكرًا أحسن من صعق الواجدين؟! هل شاهدت ماء صافيًا أصفى من دموع المتأسفين؟! هل رأيت رؤوسًا مائلة كرؤوس المنكسرين؟! هل لصق بالأرض شيء أحسن من جباه المصلين؟! هل حرك نسيم الأسحار أوراق الأشجار؛ فبلغ مبلغ تحريكه أذيال المتهجدين؟! هل ارتفعت أكف، وانبسطت أيد، فضاهت أكف الراغبين؟! هل حرك القلوب صوت ترجيع لحن أو رنة وتر كما حرك حنين المشتاقين؟! وإنما يحسن التبذل في تحصيل أوفى الأغراض؛ فلذلك حسن التبذل في خدمة المنعم.

стр. 705

٣١٩- فصل: في سبب تبذير الولاة ١٤٠٥- الولاة "أكثرهم١ لا يعرف الدين، ولا يتأدب بآدابه، فإذا كان أصل خلقته سيئ العقل، ولم يرزق مع هذا السوء ما يهذب طبعه، وينضج فكره، فكيف يرتقب الخير؟ إن العقل ينمو بالتعليم والتحصيل والدربة، والمران مع دوام العمل. أجل"٢ أكثرهم لا يعرف الدين، ولا يتأدب بآدابه بمرة، تتفق له قلة العقل في أصل الوضع، ثم ذلك القليل لا يعاون، بل يعان عليه، وذاك أن الجارحة إذا دام تعطلها عن عملها الذي هيئت له، تعطلت وخمدت، ولهذا تنقض أبصار النساخ والرافئين٣، وتحتد أبصار أهل البوادي؛ لأنه لا صاد لأبصارهم.

стр. 706

وشغل العقل التفكر والنظر في عواقب الأحوال، والاستدلال بالشاهد على الغائب، وهؤلاء يمتلئون من الطعام دائمًا، وذلك يؤذي العقل، ثم يطيلون النوم؛ فإذا انتبهوا، شربوا المسكر، فاتفق للعقل تعطيل وتغطية، فساء التدبير.

стр. 707

٣٢٠- فصل: تحديث العوام بما لا تحتمله قلوبهم مخاطرة ١٤٠٦- من المخاطرات العظيمة تحديث العوام بما لا تحتمله قلوبهم أو بما قد رسخ في نفوسهم ضده، مثاله: أن قومًا قد رسخ في قلوبهم التشبيه، وأن ذات الخالق سبحانه ملاصقة للعرش! وهي بقدر العرش، ويفضل من العرش أربع أصابع! وسمعوا مثل هذا من أشياخهم، وثبت عندهم أنه إذا نزل وانتقل إلى السماء الدنيا، فخلت منه ست سماواتٍ!! ١٤٠٧- فإذا دعي أحدهم إلى التنزيه، وقيل له: ليس كما خطر لك؛ إنما ينبغي أن تمر الأحاديث كما جاءت، من غير مساكنة ما توهمته، صعب هذا عليه لوجهين: أحدهما: لغلبة الحس عليه، والحس على العوام أغلب. والثاني: لما قد سمعه من ذلك من الأشياخ، الذين كانوا أجهل منه. فالمخطب بهذا مخاطر بنفسه. ١٤٠٨- ولقد بلغني عن بعض من كان يتدين ممن قد رسخ في قلبه التشبيه أنه سمع من بعض العلماء شيئًا من التنزيه، فقال: والله، لو قدرت عليه، لقتلته. فالله الله أن تحدث مخلوقًا من العوام بما لا يحتمله دون احتيال وتلطف١؛ فإنها لا يزول ما في نفسه، ويخاطر المحدث له بنفسه، فكذلك كل ما يتعلق بالأصول.

стр. 708

٣٢١- فصل: الرجل هو الذي يحفظ الحدود ويخلص العمل ١٤٠٩- لا يغرك من الرجل طنطنته٢، وما تراه يفعل من صلاة وصوم وصدقة وعزلة؛ إنما الرجل هو الذي يراعي شيئين: حفظ الحدود، وإخلاص العمل.

стр. 709

فكم قد رأينا متعبدًا يخرق الحدود بالغيبة، وفعل ما لا يجوز مما يوافق هواه، وكم قد اعتبرنا على صاحب دين أنه يقصد بفعله غير الله تعالى! وهذه الآفة تزيد وتنقص في الخلق. فرب١ خاشعٍ ليقال: ناسك! وصامت ليقال: خائف! وتاركٍ للدنيا ليقال: زاهد! فالرجل كل الرجل هو الذي يراعي حدود الله، وهي ما فرض عليه، وألزم به، ويحسن القصد، فيكون عمله وقوله خالصًا لله تعالى، لا يريد الخلق ولا تعظيمهم له. ١٤١٠- وعلامة المخلص أن يكون في جلوته كخلوته، وربما تكلف بين الناس التبسم والانبساط، لينمحي عنه اسم الزاهد؛ فقد كان ابن سيرين يضحك بالنهار، فإذا جن الليل، فكأنه قتل أهل القرية. واعلم أن المعمول٢ معه لا يريد الشركاء، فالمخلص مفرد له بالقصد، والمرائي قد أشرك ليحصل له مدح الناس، وذلك ينقلب؛ لأن قلوبهم بيد من أشرك معه، فهو يقلبها عليه لا إليه. فالموفق من كانت معاملته باطنه، وأعماله خالصة، وذاك الذي تحبه الناس، وإن لم يبالهم٣، كما يمقتون المرائي، وإن زاد تعبده. ثم إن الرجل الموصوف بهذه الخصال لا يتناهى عن كمال العلوم، ولا يقصر عن طلب الفضائل؛ فملأ الزمان أكثر ما يسعه من الخير، وقلبه لا يفتر عن العمل القلبي، إلى٤ أن [يصير] شغله بالحق .

стр. 710

٣٢٢- فصل: حب الصِّيت ١٤١١- رأيت خلقًا يفرطون في أديانهم، ثم يقولون: احملونا إذا متنا إلى

стр. 711

مقبرة أحمد١، أتراهم ما سمعوا أن رسول الله ﷺ "امتنع من الصلاة على من عليه دين" ٢ وعلى الغال، وقال: "ما ينفعه صلاتي عليه"٣؟ ١٤١٢- ولقد رأيت أقوامًا من العلماء حملهم حب الصيت على أن استخرجوا إذنًا من السلطان، فدفنوا في دكة٤ أحمد بن حنبل، وهم يعلمون أن هناك خلقًا رفات بعضهم على بعض، وما فيهم إلا من يعلم أنها ما يستحق القرب من مثل ذلك! فأين احتقار النفوس؟! أما سمعوا أن عمر بن عبد العزيز، قيل له: تدفن في الحجرة٥؟! فقال: لأن ألقى الله بكل ذنب -ما خلا الشرك- أحب إلي من أن أرى نفسي أهلًا لذلك؟! لكن العادات وحب الرئاسة غلبت على هؤلاء، فبقي العلم يجري على الألسن عادة، لا للعمل به. ١٤١٣- ثم آل الأمر إلى جماعة خالطوا السلاطين، وباشروا الظلم، يزاحمون على الدفن بمقبرة أحمد، ويوصون بذلك!! فليتهم أوصوا بالدفن في موضع فارغ؛ إنما يدفنون على موتى، وتخرج عظام أولئك، فيحشرون على ما ألقوا من الظلم، حتى في موتهم، وينسون أنهم كانوا من أعوان الظلمة، أترى ما علموا أن مساعد الظلم ظالم؟! وفي الحديث: "كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينًا للخونة"٦. قال السجان لأحمد بن حنبل: هل أنا من أعوان الظلمة؟ فقال: لا، أنت من الظلمة؛ إنما أعوان الظلمة من أعانك في أمر.

стр. 712

٣٢٣- فصل: خلق الإنسان ومعه الحسد ١٤١٤- رأيت الناس يذمون الحاسد، ويبالغون، ويقولون: لا يحسد إلا شرير، يعادي نعمة الله، ولا يرضى بقضائه، ويبخل على أخيه المسلم، فنظرت في هذا، فما رأيته كما يقولون. وذاك أن الإنسان لا يجب أن يرتفع عليه أحد؛ فإذا رأى صديقه قد علا عليه، تأثر هو، ولم يحب أن يرتفع عليه، وود لو لم ينل صديقه ما ينال، أو أن ينال هو ما نال ذاك، لئلا يرتفع عليه. وهذا معجون في الطبع١، ولا لوم على ذلك؛ إنما اللوم أن يعمل بمقتضاه من قول أو فعل. وكنت أظن أن هذا قد وقع لي عن سبري٢ وفحصي؛ فرأيت الحديث٣ عن الحسن البصري قد سبقني إليه، قال: أخبرنا عبد الخالق بن عبد الصمد، قال: أخبرنا ابن النقور٤، قال: أخبرنا المخلص٥، قال: حدثنا البغوي، قال: حدثنا أبو روح، قال: حدثنا مخلد بن الحسين، عن هشام، عن الحسن، قال: ليس من ولد آدم أحد إلا وقد خلق معه الحسد، فمن لم يجاوز ذلك بقول ولا بفعل، لم يتبعه شيء.

стр. 713

٣٢٤- فصل: أعظم الضرر كثرة النساء ١٤١٥- من أعظم الضرر الداخل على الإنسان كثرة النساء. إنه أولًا يتشتت همه في محبتهن، ومداراتهن، وغيرتهن، والإنفاق عليهن، ولا

стр. 714

يأمن إحداهن أن تكرهه، وتريد غيره، فلا تتخلص إلا بقتله! ولو سلم من جميع ذلك، لم يسلم في الكسب لهن، فإن سلم، لم ينج من السآمة لهن، أو لبعضهن، ثم يطلب ما لا يقدر عليه من غيرهن؛ حتى إنه لو قدر على نساء بغداد كلهن، فقدمت امرأة مستترة من غير البلد، ظن أنه يجد عندها ما ليس عندهن! ولعمري، إن في الجدة لذة، ولكن، رب مستور إذا انكشف افتضح. ولو أنه سلم من كل أذى يتعلق بهن، أنهك بدنه في الجماع، فيكون طلبه للالتذاذ مانعًا من دوام الالتذاذ، ورب لقمة منعت لقمات! ورب لذة كانت سببًا في انقطاع لذات!! ١٤١٦- والعاقل من يقتصر على الواحدة، إذا وافقت غرضه، ولا بد أن يكون فيها شيء لا يوافق؛ إنما العمل على الغالب، فتوهب الخلة الردية للجيدة١. وينبغي أن يكون النظر إلى باب الدين قبل النظر إلى الحسن؛ فإنه إذا قل الدين، لم ينتفع ذو مروءة بتلك المرأة. ١٤١٧- ومما يهلك الشيخ سريعًا الجماع، فلا يغتر بما يرى من انبساط الآلة، وحصول الشهوة؛ فإن ذلك مستخرج من قوته، ما لا يعود مثله، فلا ينبغي أن يغتر بحركة وشهوة، ولا يقرب من النساء، إن كان له رأي في البقاء.

стр. 715

قليل العقل لا يرجى خبره ... ٣٢٥- فصل: قليل العقل لا يرجى خيره ١٤١٨- إذا رأيت قليل العقل في أصل الوضع، فلا ترج خيره! فأما إن كان وافر العقل؛ لكنه يغلب عليه الهوى، فارجه! وعلامة ذلك أنه يدبر أمره في جهله، فيستتر من الناس إذا أتى فاحشة، ويراقب في بعض الأحوال، ويبكي عند الموعظة، ويحترم أهل الدين؛ فهذا عاقل مغلوب بالهوى، فإذا انتبه بالندم، خنس شيطان الهوى، وجاء ملك العقل.

стр. 716

١٤١٩- فأما إذا كان قليل العقل في الوضع -وعلامته ألا ينظر في عاقبة عاجلة ولا آجلة، ولا يستحي من الناس أن يروه على فاحشة، ولا يدبر أمر دنياه: فذاك بعيد الرجاء، وقد يندر من هؤلاء من يفلح، ويكون السبب فيه١ خميرة من العقل غطى عليها الهوى، ثم تكشف قليلًا ليعود، فمثلهم كمثل مصروعٍ أفاق.

стр. 717

٣٢٦- فصل: النظر في العواقب شأن العقلاء ١٤٢٠- ينبغي الاحتراز من كل ما يجوز أن يكون، ولا ينبغي أن يقال: الغالب السلامة، وقد رأينا من نزل مع الخيل في سفينة، فاضطربت، فغرق من في السفينة، وإن كان الغالب في هذه السلامة. ١٤٢١- وكان ينبغي أن يقدر١ الإنسان في نفقته، وإن رأى الدنيا مقبلة، لجواز أن تنقطع تلك الدنيا٢، وحاجة النفس لابد من قضائها؛ فإذا بذر وقت السعة، فجاء وقت الضيق، لم يأمن أن يدخل في مداخل سوء، وأن يتعرض بالطلب من الناس، وكذلك ينبغي للمعافى أن يعد للمرض، وللقوي أن يتهيأ للهرم. ١٤٢٢- وفي الجملة؛ فالنظر في العواقب، وفيما يجوز أن يقع: شأن العقلاء فأما النظر في الحالة الراهنة فحسب، فحالة الجهلة الحمقى، مثل أن يرى نفسه معافى، وينسى المرض، أو غنيًّا، وينسى الفقر، أو يرى لذةً عاجلة، وينسى ما تجني عواقبها، وليس للعقل شغل إلا النظر في العواقب، وهو يشير بالصواب من أين يقبل.

стр. 718

٣٢٧- فصل: يظهر إيمان المؤمن عند الابتلاء ١٤٢٣- يبين إيمان المؤمن عند الابتلاء، فهو يبالغ في الدعاء، ولا يرى أثرًا للإجابة، ولا يتغير أمله ورجاؤه، ولو قويت أسباب اليأس، لعلمه أن الحق أعلم

стр. 719

بالمصالح، أو؛ لأن المراد منه الصبر أو الإيمان؛ فإنه لم يحكم عليه بذلك إلا وهو يريد من القلب التسليم، لينظر كيف صبره، أو يريد كثرة اللجأ والدعاء. ١٤٢٤- فأما من يريد تعجيل الإجابة، ويتذمر إن لم تتعجل، فذاك ضعيف الإيمان، ويرى أن له حقًّا في الإجابة، وكأنه يتقاضى أجرة عمله. ١٤٢٥- أما سمعت قصة يعقوب ﵇، بقي ثمانين سنة في البلاء، ورجاؤه لا يتغير، فلما ضم إلى فقد يوسف فقد بنيامين؛ لم يتغير أمله، وقال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: ٨٣] ؟. ١٤٢٦- وقد كشف هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة ٢١٤] . ومعلوم أن هذا لا يصدر من الرسول ﷺ والمؤمنين إلا بعد طول البلاء، وقرب اليأس من الفرج. ومن هذا قول رسول الله ﷺ : "لايزال العبد بخير ما لم يستعجل"، قيل له: وما يستعجل؟ قال: "يقول: دعوت فلم يستجب لي". فإياك إياك أن تستطيل زمان البلاء، وتضجر من كثرة الدعاء؛ فإنك مبتلى بالبلاء، متعبد بالصبر والدعاء، ولا تيأس من روح الله، وإن طال البلاء.

стр. 720

٣٢٨- فصل: لذات الدنيا في ضمنها أكدار ١٤٢٧- تفكرت في سبب دخول جهنم؛ فإذا هو المعاصي، فنظرت في المعاصي، فإذا هي حاصلة من طلب اللذات، فنظرت في اللذات، فرأيتها خدعًا ليست بشيء، وفي ضمنها من الأكدار ما يصيرها نغصًا، فتخرج عن كونها لذات. فكيف يتبع العاقل نفسه، ويرضى بجنهم، لأجل هذه الأكدار؟! ١٤٢٨- فمن اللذات الزنا؛ فإن كان المراد إراقة الماء، فقد يراق في حلال، وإن كان في معشوق، فمراد النفس دوام البقاء مع المعشوق؛ فإذا هي ملكته، فالمملوك مملول، وإن هو قاربه ساعة ثم فارقه، فحسرة الفراق تربو على لذة

стр. 721

القرب، وإن كان ولد له من الزنا، فالفضيحة الدائمة، والعقوبة التامة، وتنكيس الرأس عند الخالق والمخلوق. وأما الجاهل، فيرى لذته في بلوغ ذلك الغرض، وينسى ما يجني مما يكدر عيش الدنيا والآخرة. ١٤٢٩- ومن ذلك شرب الخمر؛ فإنه تنجيس للفم والثوب، وإبعاد للعقل، وتأثيراته معلومة عند الخالق والمخلوق، فالعجب ممن يؤثر لذة ساعة تجني عقابًا، وذهاب جاه! وربما خرج بالعربدة إلى القتل!! ١٤٣٠- وعلى هذا فقس جميع المذوقات؛ فإن لذاتها إذا وزنت بميزان العقل لا تفي بمعشار عشير عواقبها القباح في الدنيا والآخرة، ثم هي نفسها ليست بكثير شيء فكيف تباع الآخرة بمثل هذا؟! ١٤٣١- سبحان من أنعم على أقوام، كلما لاحت لهم لذة، نصبوا ميزان العقل، ونظروا فيما يجني، وتلمحوا ما يؤثر تركها، فرجحوا الأصلح. وطمس على قلوب، فهي ترى صورة الشيء، وتنسى جناياته. ١٤٣٢- ثم العجب أنا نرى من يبعد عن زوجته، وهو شاب، ليعدو في الطريق، فيقال: ساع! فيغلب هواه لطلب ما هو أعلى، وهو المدح، فكيف لا يترك محرمًا ليمدح في الدنيا والأخرى؟! ١٤٣٣- ثم قدر حصول ما طلبت من اللذات وذهابها، وأحسب أنها قد كانت، وقد هانت، وتخلصت من محنها. أين أنت من غيرك؟! أين تعب عالم قد درس العلم خمسين سنة؟! ذهب التعب، وحصل العلم، وأين لذة البطال١؟! ذهبت الراحة، وأعقبت الندم.

стр. 722

٣٢٩- فصل: من تبع العقل سَلِمَ ١٤٣٤- من وقف على موجب الحس هلك، ومن تبع العقل سلم؛ لأن مجرد

стр. 723

الحس لا يرى إلا الحاضر، وهو الدنيا، وأما العقل؛ فإنه ينظر إلى المخلوقات، فيعلم وجود خالق قد منع وأباح، وأطلق وحظر، وأخبر أني سائلكم ومبتليكم، ليظهر دليل وجودي عندكم، بترك ما تشتهون، طاعة لي، وأني قد بنيت لكم دارًا غير هذه، لإثابة من يطيع، وعقوبة من يخالف. ١٤٣٥- ثم لو ترك الحس وما يشتهي مع أغراضه، قرب الأمر! إنما يزني فيجلد، ويشرب الخمر فيعاقب، ويسرق فيقطع، ويفعل زلة، فيفضح بين الخلق، ويعرض عن العلم إلى البطالة فيقع الندم عند حصول الجهل. ١٤٣٦- ثم إنا نرى الكثير ممن عمل بمقتضى عقله قد سلمت دنياه وآخرته، وميز بين الخلق بالتعظيم، وكان عيشه في لذاته غالبًا خيرًا من عيش موافق للهوى؛ فليعتبر ذو الفهم بما قلت، وليعمل بمقتضى الدليل، وقد سلم.

стр. 724

٣٣٠- فصل: العجب لمؤثر شهوات الدنيا ١٤٣٧- العجب لمؤثر شهوات الدنيا! ألا يتدبر أمرها بالعقل، قبل أن يصير إلى منقولات الشرع؟! إن أعظم لذات الحس الوطء، فالمرأة المستحسنة إنما يكون حال كمالها من وقت بلوغها إلى الثلاثين، فإذا بلغتها، أثر فيها، وربما أبيضت شعرات من رأسها، فينفر الإنسان منها، وقد يقع الملل قبل ذلك، وطول الصحبة يكشف العيوب، وما عيب نساء الدنيا بأبلغ من قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] ، فلو تفكر الإنسان في جسد مملوء بالنجاسة، ما طاب له ضمه، غير أن الشهوة تغطي عين الفكر. ١٤٣٨- فالعاقل من حفظ دينه ومروءته بترك الحرام، وحفظ قوته في الحلال، فأنفقها في طلب الفضائل من علم أو عمل، ولم يسع في إفناء عمره، وتشتيت قلبه في شيء لا تحسن عاقبته. ما في هوادجكم من مهجتي عوض ... إن مت شوقًا ولا فيها لها ثمن ١٤٣٩- وعموم من رأينا من الكبار غلبت عليهم شهوة الوطء، فانهدمت

стр. 725

أعمارهم، روحلوا سريعًا، وقد رأينا من العقلاء من زجر نفسه عن هذه المحنة، ولم يستعملها إلا وقت الحاجة، فبقي لهم سواد شعورهم وقوتهم، حتى تمتعوا بها في الحياة، وحصلوا المناقب، وعرفت منهم النفوس قوة العزيمة؛ فلم تطالبهم بما يؤذي.

стр. 726

٣٣١- فصل: رؤية النبي ﷺ في المنام ١٤٤٠- قد أشكل على بعض الناس رؤية النبي ﷺ وقوله: "من رآني في المنام، فقد رآني" ١؛ فقال: ظاهر الحديث أنه يراه حقيقة! وفي الناس من يراه شيخًا وشابًّا ومريضًا ومعافى! فالجواب: أنه من ظن أن جسد رسول الله ﷺ المودع في المدينة خرج من القبر، وحضر في المكان الذي رآه فيه؛ فهذا جهل لا جهل يشبهه، فقد يراه في وقت واحد؟! وإنما الذي يرى مثاله لا شخصه، فيبقى "من رآني.. فقد رآني"، معناه: قد رأى مثالي، الذي يعرفه الصواب، وتحصل به الفائدة المطلوبة٢. ١٤٤١- فإن قيل: فما تقولون في رؤية الحق سبحانه؟! فتقول: يرى مثالًا لا مثلًا، والمثال لا يفتقر إلى المساواة والمشابهة، كما قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧] ، فضربه مثالًا للقرآن وانتفاع الخلق به. ويوضح هذا أنه إنما يرى من رأى الحق على هيئة مخصوصة، والحق منزه، قد توحد، فوضح ما قلنا.

стр. 727

٣٣٢- فصل عزيزُ الفائدةِ: العلم كثير والعمر قصير ١٤٤٢- اعلم أنه لو اتسع العمر؛ لم أمنع من الإيغال في كل علم إلى منتهاه،

стр. 728

غير أن العمر قصير، والعلم كثير: فينبغي للإنسان أن يقتصر من القراءات إذا حفظ القرآن على العشر، ومن الحديث على الصحاح والسنن والمسانيد المصنفة؛ فإن علوم الحديث قد انبسطت زائدة في الحد، [والمتون محصورة١] ، وإنما الطرق تختلف. وعلم الحديث يتعلق بعضه ببعض، وهو مشتهى، والفقهاء يسمونه علم الكسالى؛ لأنهم يتشاغلون بكتابته وسماعه، ولا يكادون يعانون حفظه، ويفوتهم المهم، وهو الفقه. وقد كان المحدثون قديمًا هم الفقهاء، ثم صار الفقهاء لا يعرفون الحديث، والمحدثون لا يعرفون الفقه!! فمن كان ذا همة، ونصح نفسه، تشاغل بالمهم من كل علم، وجعل جل شغله الفقه؛ فهو أعظم العلوم، وأهمها. ١٤٤٣- وقد قال أبو زرعة٢: كتب إلى أبو ثور٣: فإن هذا الحديث قد رواه ثمانية وتسعون رجلًا، عن رسول الله ﷺ ، والذي صح منه طرق يسيره. فالتشاغل بغير ما صح يمنع التشاغل بما هو أهم. ولو اتسع العمر؛ كان استيفاء كل الطرق في كل الأحاديث غاية في الجودة؛ ولكن العمر قصير. ١٤٤٤- ولما تشاغل بالطرق مثل يحيى بن معين٤، فاته من الفقه كثير، حتى إنه سئل عن الحائض: أيجوز أن تغسل الموتى؟ فلم يعلم، حتى جاء أبو ثور، فقال: يجوز؛ لأن عائشة ﵂ قالت: كنت أرجل رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض٥. فيحيى أعلم بالحديث منه، ولكن لم يتشاغل بفهمه.

стр. 729

١٤٤٥- فأنا أنهى أهل الحديث أن تشغلهم كثرة الطرق. ومن أقبح الأشياء أن تجري حادثة، يسأل عنها شيخ قد كتب الحديث ستين سنة، فلا يعرف حكم الله فيها! وكذلك أنهى من يتشاغل بالتزهد والانقطاع عن الناس أن يعرض عن العلم، بل ينبغي أن يجعل لنفسه منه حظًّا، ليعلم إن زل كيف يتخلص.

стр. 730

٣٣٣- فصل: العاقل العالم يسير بين رفيقين: العلم والعقل ١٤٤٦- معرفة الله سبحانه لا تحصل إلا لكامل العقل، صحيح المزاج، والترقي إلى محبته بذلك يكون. وإن أقوامًا قلت عقولهم، وفسدت أمزجتهم، فساءت مطاعمهم وقلت، فتخايلت لهم الخيالات الفاسدة، فادعوا معرفة الحق ومحبته، ولم يكن عندهم من العلم ما يصدهم عما ادعوا، فهلكوا. ١٤٤٧- وليعلم أن في المأكولات ما يسب إفساد العقل، وفيها ما يزيد في السوداء؛ فيوجب الماليخوليا، فترى صاحبها يحب الخلوة، ويهرب من الناس، وقد يقلل المطعم، فيقوى مرضه، فيتخايل خيالات يظنها حقًّا؛ فمنهم من يقول: إني رأيت الملائكة! وفيهم من يخرجه الأمر إلى دعوى محبة الحق، والوله١ فيه، ولا يكون ذلك عن أصل معتمد عليه. ١٤٤٨- وإنما العاقل العالم يسير في الطريق بين الرفيقين: العلم والعقل؛ فإن تقلل من الطعام، فبعقل، وحد التقلل: ترك فضول المطعم، وما يخاف شره من شبهة، أو شهوة يحذر تعودها. وأما زيادة التقلل مع القدرة، فليس لعقل ولا شرع؛ إلا أن يكون الفقر عم، فيقلل ضرورة. ١٤٤٩- ومن تأمل حال رسول الله ﷺ وأصحابه، وجدهم يأخذون بمقدار، ولا يتركون حظوظ النفس التي تصلحها، وأحسن الأمر وأعدله قول رسول الله ﷺ :

стр. 731

"ثلث طعام، وثلث شراب، وثلث نفس". وقد قال لعلي بن أبي طالب ﵁، وهو مريض: "أصب من هذا الطعام، فهو أوفق لك من هذا". وكان ﷺ يشاور الأطباء، ويحتجم، ويحث على التداوي، ويقول: "ما أنزل الله داء إلا وأنزل له شفاء، فتداووا". ١٤٥٠- فجاء أقوام جهلوا العلم والحكمة في بنيان الأبدان، فمنهم: من أقام في الجبال يأكل البلوط١، فأصابه القولنج٢، ومنهم: من كان لا يتقوت٣ إلا الباقلاء٤ والشعير: فأوجبت هذه الأفعال أمراضًا في البدن، وترقت إلى إفساد العقل. وأتفق لهم قلة العلم؛ إذ لو عملوا لفهموا أن الحكمة تنهى عن مثل هذا؛ فإن البدن مبني على أخلاط، إذا اعتدلت وافقت السلامة، وإذا زاد بعضها وقع المرض وأكثر هؤلاء مرضوا، وتعجل لهم الموت، وفيهم من خرج إلى التسودن٥، وفيهم من لاحت له لوائح، فادعى رؤية الملائكة.. إلى غير ذلك. ١٤٥١- فأما أهل العلم والعقل، فهربهم من الخلق لخوف المعاصي، ورؤية المنكر، وفيهم من قويت معرفته، فشغلته معرفة الحق ومحبته عن ملاقاة الخلق. فهذه هي الخلوات الصافية؛ لأنها تصدر عن علم وعقل، فتحفظ البدن؛ لأنه ناقة توصيل. ١٤٥٢- ولا ينبغي أن يتهاون بالمأكولات، خصوصًا من لم يعتد التقشف، ولا يلبس الصوف على البدن من لم يعتده، ولينظر في طريق رسول الله ﷺ

стр. 732

وصحابته؛ فإنهم القدوة، ولا يلتفت إلى بنيات الطريق١، فيقال: فلان الزاهد قد أكل الطين! وفلان كان يمشي حافيًا! وفلان بقي شهرًا ما أكل! فإن المحققين من هؤلاء المخلصين لله تعالى على غير الجادة؛ لأن الجادة اتباع رسول الله ﷺ وأصحابه، وما كانوا يفعلون. هذا، ولعمري، إنه قد كان فيهم من يقنع بالمذقة٢ من اللبن، ويصبر الأيام عن الطعام؛ ولكن إما لضرورة، أو؛ لأنه معتاد لذلك، كما يعتاد البدوي شرب اللبن وحده، ولا يؤذيه ذلك، وفي الحديث: عودوا كل بدن ما اعتاد٣. ١٤٥٣- وفي المتزهدين من أخرج ماله كله عن يده زهدًا، ومعلوم أن الحاجات لا تنقضي؛ فلما احتاج، تعرض للطلب، وافتقر إلى أخذ مال من يد من يعلم أنه ظالم، وبذل وجهه! وقد كانت الصحابة تتجر وتحفظ المال، وجهال المتزهدين يرون جمع المال ينافي الزهد!! ١٤٥٤- فممخضة٣ هذا الفصل أن أقول: ينبغي لمن رزق فهمًا أن يسعى في صلاح بدنه، ولا يحمل عليه ما يؤذيه، ولا يناوله من القوت ما لا يوافقه، ولا يضيع ماله، وليجتهد في استثماره لئلا يحتاج؛ فإنه ما نافق زاهد إلا لأجل الدنيا، ولينظر في سير الكاملين من السلف، وليتشاغل بالعلم، فإنه الدليل، فحينئذ يحمله الأمر على الخلوة بربه، والاشتغال بحبه، فيكون ما ظهر منه ثمرة نضيجة لا فجة، والله الموفق.

стр. 733

٣٣٤- فصل: متى استقام باطنك استقامت لك الأمور ١٤٥٥- ما رأيت أظرف من لعب الدنيا بالعقول، وقد سمعنا ورأينا جماعة

стр. 734

من الفطناء الكاملي العقل، لبعت بهم الدنيا، حتى صاروا كالمجانين، فولوا الولايات، فخرجوا إلى القتل والضرب، والحبس والشتم، وذهاب الدين، والمباشرة للظلم كله؛ لأجل دنيا تذهب سريعًا، وهي في مدة إقامتها معجونة بالنغص. ١٤٥٦- فيا أيها المرزوق عقلًا! لا تبخسه حقه، ولا تطفئ نوره، واسمع ما نشير به، ولا تلتفت إلى بكاء طفل الطبع لفوات غرضه؛ فإنك إن رحمت بكاءه، لم تقدر على فطامه، ولم يمكنك تأديبه، فيبلغ جاهلًا فقيرًا: لا تسه عن أدب الصغيْ ... ـر ولو شكا ألم التعبْ ودع الكبير لشأنه ... كبر الكبير عن الأدبْ ١٤٥٧- واعلم أن زمان الابتلاء ضيف، قراه الصبر١، كما قال أحمد بن حنبل: "إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنما أيام قلائل"، فلا تنظر إلى لذة المترفين، وتلمح عواقبهم، ولا تضق صدرًا بضيق المعاش، وعلل٢ الناقة بالحدو تسر: طاول بها الليل مال النجم أم جَنَحَا ... وماطل النوم ضن الجفن أم سَمَحَا فإن تشكت فعللها المجرة منْ ... ضوء الصباح، وعدها بالرواح ضُحَى ١٤٥٨- وقد كان أهدي إلى أحمد بن حنبل هدية فردها. ثم قال بعد سنة لأولاده: لو كنا قبلناها كانت قد ذهبت. ١٤٥٩- ومر بشر على بئر، فقال له صاحبه: أنا عطشان. فقال: البئر الأخرى؛ فمر عليها، فقال له: الأخرى، ثم قال: كذا تقطع الدنيا. ١٤٦٠- ودخلوا إلى بشر الحافي، وليس في داره حصير، فقيل له: ألا بذا تؤذي؟ فقال: هذا أمر ينقضي. ١٤٦١- وكان لداود الطائي دار يأوي إليها، فوقع سقف، فانتقل إلى سقف [آخر] ، إلى أن مات في الدهليز. فهؤلاء الذين نظروا في عواقب الأمور.

стр. 735

١٤٦٢- وبعد هذا، فلا أطالبك بهذه الرتبة، بل أقول لك: إن حصل لك شيء من المباح، لا من فيه ولا أذى، ولا نلته بسؤال، ولا من يد ظالم، تعلم أن ماله حرام، أو فيه شبهة، فافسح لنفسك في مباحاتها بمقدار ما تحتاج إليه، وكن مقدرًا للنفقة غير مبذر؛ فإن الحلال لا يحتمل السرف، ومتى أسرفت، احتجت إلى التعرض للخلق، والتناول من الأكدار. ١٤٦٣- وإن ضاق بك أمر، فاصبر، فإن ضعف الصبر، فسل فاتح الأبواب، فهو الكريم، وعنده مفاتح الغيب، وإياك أن تبذل دينك بتصنع للخلق، أو بتقرب إلى الأمراء، وتستعطي أموالهم، واذكر طريق السلف. ١٤٦٤- كان ابن سمعون١ له ثياب يجلس فيها للناس، ثم يطويها إلى المجلس الآخر، ورثها عن أبيه، وبقيت أربعين سنة. ١٤٦٥- وكانت ميمونة بنت شاقولة٢ تعظ الناس، ولها ثياب قد بقيت أربعين سنة. ١٤٦٦- ومن صفا نظره، وتهذب لفظه، نفع وعظه، ومن كدر، كدر عليه، والحالقة العالية في هذا: إقبال القلب على الله ، والتوكل عليه، والنظر إليه، والتفات القلب عن الخلق، فإن احتجت، فاسأله، وإن ضعفت، فارغب إليه. ومتى ساكنت الأسباب، انقطعت عنه، ومتى استقام باطنك، استقامت لك الأمور.

стр. 736

٣٣٥- فصل: المحق لا يطلب إلا الأرفع ١٤٦٧- رأيت نفسي تأنس بخلطاء نسميهم أصدقاء، فبحثت بالتجارب عنهم؛ فإذا أكثرهم حساد على النعم، وأعداء، لا يسترون زلةً، ولا يعرفون لجليس حقًّا، ولا يواسون من مالهم صديقًا. فتأملت الأمر؛ فإذا الحق سبحانه يغار على قلب المؤمن أن يجعل له شيئًا يأنس به، فهو يكدر عليه الدنيا وأهلها، ليكون أنسه به.

стр. 737

١٤٦٨- فينبغي أن يعد الخلق كلهم معارف، ليس فيهم صديق، بل تحسبهم أعداء، ولا تظهر سرك لمخلوق منهم، ولا تعدن من يصلح لشدة لا ولدًا ولا أخًا ولا صديقًا؛ بل عاملهم بالظاهر، ولا تخالطهم إلا حالة الضرورة بالتوقي لحظة، ثم انفر عنهم. وأقبل على شأنك، متوكلًا على خالقك؛ فإنه لا يجلب الخير سواه، ولا يصرف السوء إلا إياه. فليكن جليسك وأنيسك، وموضع توكلك وشكواك، فإن ضعف بصرك، فاستغث به، وإن قل يقينك، فسله القوة، وإياك أن تميل إلى غيره؛ فإنه غيور، وأن تشكو من أقداره، فربما غضب ولم يمهل١. ١٤٦٩- أوحى الله إلى يوسف ﵇: من خلصك من الجب؟ من فعل؟ من فعل؟ قال: أنت. قال: فلم ذكرت غيري؟ فلأطيلن حبسك! أو كما قال. هذا؛ وإنما تعرض يوسف ﵇ بسبب مباح: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] ، ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة:٢٥] . ١٤٧٠- وما أعرف العيش إلا لمن يعرفه "جل شأنه"، ويعيش معه، ويتأدب بين يديه في حركاته وكلماته، كأنه يراه، ويقف على باب طرفه حارسًا من نظرة لا تصلح، وعلى باب لسانه حافظًا له من كلمة لا تحسن، وعلى باب قلبه حماية لمسكنه من دخول الأغيار، ويتسوحش من الخلق شغلًا به، وهذا يكون على سيرة الروحانيين؛ فأما المخلط، فالكدر غالب عليه. والمحق لا يطلب إلا الأرفع. قال القائل: ألا لا أحب السير إلا مصاعدًا ... ولا البرق إلا أن يكون يمانيَا

стр. 738

٣٣٦- فصل: الاشتغال بصورة العلم دون حقيقته ومقصوده ١٤٧١- رأيت أكثر العلماء مشتغلين بصورة العلم دون فهم حقيقته ومقصوده؛ فالقارئ مشغول بالروايات، عاكف على الشواذ، يرى أن المقصود نفس

стр. 739

التلاوة، ولا يتلمح عظمة المتكلم، ولا زجر القرآن ووعده، وربما ظن أن حفظ القرآن يدفع عنه، فتراه يترخص في الذنوب، ولو فهم، لعلم أن الحجة عليه أقوى ممن لم يقرأ! والمحدث يجمع الطرق، ويحفظ الأسانيد، ولا يتأمل مقصود المنقول، ويرى أنه قد حفظ على الناس الأحاديث، فهو يرجو بذلك السلامة، وربما ترخص في الخطايا، ظنًّا منه أن ما فعل في الشريعة يدفع عنه! والفقيه قد وقع له أنه بما قد عرف من الجدال، الذي يقوي به خصامه، أو المسائل التي قد عرف فيها المذهب: قد حصل بما يفتي به الناس ما يرفع قدره، ويمحو ذنبه؛ فربما هجم على الخطايا، ظنًّا منه أن ذلك يدفع عنه! وربما لم يحفظ القرآن، ولم يعرف الحديث، وأنهما ينهيان عن الفواحش بزجر ورفق، وينضاف إليه -مع الجهل بهما- حب الرئاسة، وإيثار الغلبة في الجدل، فتزيد قسوة قلبه! وعلى هذا أكثر الناس، صور العلم عندهم صناعة، فهي تكسبهم الكبر والحماقة. ١٤٧٢- وقد حكى بعض المعتبرين، عن شيخ أفنى عمره في علوم كثيرة، أنه فتن في آخر عمره بفسق أصر عليه، وبارز الله به، وكانت حاله تعطى بمضمونها: أن علمي يدفع عني شر ما أنا فيه، ولا يبقى له أثر! وكان كأنه قد قطع لنفسه بالنجاة، فلا يرى عنده أثر لخوف، ولا ندم على ذنب!! قال: فتغير في آخر عمره، ولازمه الفقر؛ فكان يلقى الشدائد، ولا ينتهي عن قبح حاله، إلى أن جمعت له يومًا قراريط١ على وجه الكدية٢، فاستحيا من ذلك، وقال: يا رب! إلى هذا الحد؟! قال الحاكي: فتعجبت من غفلته، كيف نسي الله ، وأراد منه حسن التدبير له، والصيانة، وسعة الرزق؟! وكأنه ما سمع قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] ، ولا علم أن المعاصي تسد أبواب الرزق، وأن من ضيع أمر الله ضيعه الله؟! فما رأيت علمًا ما أفاد كعلم هذا؛ لأن العالم إذا زل انكسر٣، وهذا

стр. 740

مصر، لا تؤلمه معصيته، وكأنه يجوز له ما يفعل، أو كان له التصرف في الدين تحليلًا وتحريمًا، فمرض عاجلًا، ومات على أقبح حال. ١٤٧٣- قال الحاكي: ورأيت شيخًا آخر، حصل صور علم فما أفادته، كان أي فسق أمكنه، لم يتحاش منه، وأي أمر لم يعجبه من القدر، عارضه بالاعتراض على المقدر واللوم، فعاش أكدر عيش، وعلى أقبح اعتقاد، حتى درج١. ١٤٧٤- وهؤلاء لم يفهموا معنى العلم، وليس العلم صور الألفاظ؛ إنما المقصود فهم المراد منه، وذاك يورث الخشية والخوف، ويري المنة للمنعم بالعلم، وقوة الحجة له على المتعلم. نسأل الله يقظة تفهمنا المقصود، وتعرفنا المعبود. ونعوذ بالله من سبيل رعاع يتسمون بالعلماء، لا ينهاهم ما يحملون، ويعلمون ولا يعملون، ويتكبرون على الناس بما لا يعملون، ويأخذون عرض الأدنى٢، وقد نهوا عما يأخذون، غلبتهم طباعهم، وما راضتهم علومهم التي يدرسون، فهم٣ أخس حالًا من العوام الذين يجهلون، ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] .
следующие страницы →