← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

٣٣٥- فصل: المحق لا يطلب إلا الأرفع ١٤٦٧- رأيت نفسي تأنس بخلطاء نسميهم أصدقاء، فبحثت بالتجارب عنهم؛ فإذا أكثرهم حساد على النعم، وأعداء، لا يسترون زلةً، ولا يعرفون لجليس حقًّا، ولا يواسون من مالهم صديقًا. فتأملت الأمر؛ فإذا الحق سبحانه يغار على قلب المؤمن أن يجعل له شيئًا يأنس به، فهو يكدر عليه الدنيا وأهلها، ليكون أنسه به.

стр. 737

١٤٦٨- فينبغي أن يعد الخلق كلهم معارف، ليس فيهم صديق، بل تحسبهم أعداء، ولا تظهر سرك لمخلوق منهم، ولا تعدن من يصلح لشدة لا ولدًا ولا أخًا ولا صديقًا؛ بل عاملهم بالظاهر، ولا تخالطهم إلا حالة الضرورة بالتوقي لحظة، ثم انفر عنهم. وأقبل على شأنك، متوكلًا على خالقك؛ فإنه لا يجلب الخير سواه، ولا يصرف السوء إلا إياه. فليكن جليسك وأنيسك، وموضع توكلك وشكواك، فإن ضعف بصرك، فاستغث به، وإن قل يقينك، فسله القوة، وإياك أن تميل إلى غيره؛ فإنه غيور، وأن تشكو من أقداره، فربما غضب ولم يمهل١. ١٤٦٩- أوحى الله إلى يوسف ﵇: من خلصك من الجب؟ من فعل؟ من فعل؟ قال: أنت. قال: فلم ذكرت غيري؟ فلأطيلن حبسك! أو كما قال. هذا؛ وإنما تعرض يوسف ﵇ بسبب مباح: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] ، ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة:٢٥] . ١٤٧٠- وما أعرف العيش إلا لمن يعرفه "جل شأنه"، ويعيش معه، ويتأدب بين يديه في حركاته وكلماته، كأنه يراه، ويقف على باب طرفه حارسًا من نظرة لا تصلح، وعلى باب لسانه حافظًا له من كلمة لا تحسن، وعلى باب قلبه حماية لمسكنه من دخول الأغيار، ويتسوحش من الخلق شغلًا به، وهذا يكون على سيرة الروحانيين؛ فأما المخلط، فالكدر غالب عليه. والمحق لا يطلب إلا الأرفع. قال القائل: ألا لا أحب السير إلا مصاعدًا ... ولا البرق إلا أن يكون يمانيَا

стр. 738

٣٣٦- فصل: الاشتغال بصورة العلم دون حقيقته ومقصوده ١٤٧١- رأيت أكثر العلماء مشتغلين بصورة العلم دون فهم حقيقته ومقصوده؛ فالقارئ مشغول بالروايات، عاكف على الشواذ، يرى أن المقصود نفس

стр. 739

التلاوة، ولا يتلمح عظمة المتكلم، ولا زجر القرآن ووعده، وربما ظن أن حفظ القرآن يدفع عنه، فتراه يترخص في الذنوب، ولو فهم، لعلم أن الحجة عليه أقوى ممن لم يقرأ! والمحدث يجمع الطرق، ويحفظ الأسانيد، ولا يتأمل مقصود المنقول، ويرى أنه قد حفظ على الناس الأحاديث، فهو يرجو بذلك السلامة، وربما ترخص في الخطايا، ظنًّا منه أن ما فعل في الشريعة يدفع عنه! والفقيه قد وقع له أنه بما قد عرف من الجدال، الذي يقوي به خصامه، أو المسائل التي قد عرف فيها المذهب: قد حصل بما يفتي به الناس ما يرفع قدره، ويمحو ذنبه؛ فربما هجم على الخطايا، ظنًّا منه أن ذلك يدفع عنه! وربما لم يحفظ القرآن، ولم يعرف الحديث، وأنهما ينهيان عن الفواحش بزجر ورفق، وينضاف إليه -مع الجهل بهما- حب الرئاسة، وإيثار الغلبة في الجدل، فتزيد قسوة قلبه! وعلى هذا أكثر الناس، صور العلم عندهم صناعة، فهي تكسبهم الكبر والحماقة. ١٤٧٢- وقد حكى بعض المعتبرين، عن شيخ أفنى عمره في علوم كثيرة، أنه فتن في آخر عمره بفسق أصر عليه، وبارز الله به، وكانت حاله تعطى بمضمونها: أن علمي يدفع عني شر ما أنا فيه، ولا يبقى له أثر! وكان كأنه قد قطع لنفسه بالنجاة، فلا يرى عنده أثر لخوف، ولا ندم على ذنب!! قال: فتغير في آخر عمره، ولازمه الفقر؛ فكان يلقى الشدائد، ولا ينتهي عن قبح حاله، إلى أن جمعت له يومًا قراريط١ على وجه الكدية٢، فاستحيا من ذلك، وقال: يا رب! إلى هذا الحد؟! قال الحاكي: فتعجبت من غفلته، كيف نسي الله ، وأراد منه حسن التدبير له، والصيانة، وسعة الرزق؟! وكأنه ما سمع قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] ، ولا علم أن المعاصي تسد أبواب الرزق، وأن من ضيع أمر الله ضيعه الله؟! فما رأيت علمًا ما أفاد كعلم هذا؛ لأن العالم إذا زل انكسر٣، وهذا

стр. 740

مصر، لا تؤلمه معصيته، وكأنه يجوز له ما يفعل، أو كان له التصرف في الدين تحليلًا وتحريمًا، فمرض عاجلًا، ومات على أقبح حال. ١٤٧٣- قال الحاكي: ورأيت شيخًا آخر، حصل صور علم فما أفادته، كان أي فسق أمكنه، لم يتحاش منه، وأي أمر لم يعجبه من القدر، عارضه بالاعتراض على المقدر واللوم، فعاش أكدر عيش، وعلى أقبح اعتقاد، حتى درج١. ١٤٧٤- وهؤلاء لم يفهموا معنى العلم، وليس العلم صور الألفاظ؛ إنما المقصود فهم المراد منه، وذاك يورث الخشية والخوف، ويري المنة للمنعم بالعلم، وقوة الحجة له على المتعلم. نسأل الله يقظة تفهمنا المقصود، وتعرفنا المعبود. ونعوذ بالله من سبيل رعاع يتسمون بالعلماء، لا ينهاهم ما يحملون، ويعلمون ولا يعملون، ويتكبرون على الناس بما لا يعملون، ويأخذون عرض الأدنى٢، وقد نهوا عما يأخذون، غلبتهم طباعهم، وما راضتهم علومهم التي يدرسون، فهم٣ أخس حالًا من العوام الذين يجهلون، ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] .

стр. 741

٣٣٧- فصل للفقيه أن يطالع من كل فنٍّ طرفًا ١٤٧٥- للفقيه أن يطالع من كل فن طرفًا: من تاريخ، وحديث، ولغة، وغير ذلك؛ فإن الفقه يحتاج إلى جميع العلوم، فليأخذ من كل شيء منها مهما. ١٤٧٦- ولقد رأيت بعض الفقهاء يقول: اجتمع الشبلي وشريك القاضي١! فاستعجبت له! كيف لا يدري بعد ما بينهما؟! وقال آخر في مناظرة: كانت الزوجية بين فاطمة وعلي ﵄ غير منقطعة الحكم؛ فلهذا غسلها! فقلت له: ويحك! فقد

стр. 742

تزوج أمامة بنت زينب، وهي ابنة أختها! فانقطع١. ١٤٧٧- ورأيت في كتاب "إحياء علوم الدين" للغزالي من هذا ما يدهش من التخليط في الأحاديث والتواريخ، فجمعت من أغاليطه كتاب٢. وقد ذكر في كتاب له سماه "المستظهري"٣ وعرضه على المستظهر بالله٤: أن سلميان بن عبد الملك٥ بعث إلى أبي حازم٦؛ فقال له: ابعث لي من فطورك! فبعث إليه نخالة مقلوة، فأفطر عليها، ثم جامع زوجته، فجاءت بعبد العزيز٧، ثم ولد له عمر٨!! وهذ تخليط قبيح، فإنه جعل عمر بن عبد العزيز بن سليمان بن عبد الملك! فجعل سليمان جده؛ وإنما هو ابن عمه. ١٤٧٨- وقد ذكر أبو المعالي الجويني، في أواخر كتاب "الشامل في الأصول"٩، قال: قد ذكرت طائفة من الثقات المعتنين بالبحث عن البواطن أن الحلاج والجنابي١٠ القرمطي وابن المقنع تواصوا على قلب الدول، وإفساد المملكة، واستعطاف القلوب، وارتاد كل منهم قطرًا، فقطن الجنابي في الأحساء، وتوغل ابن المقنع في أطراف بلاد الترك، وقطن الحلاج ببغداد، فحكم عليه صاحباه بالهلكة والقصور عن بلوغ الأمنية، لبعد أهل بغداد عن الانخداع، وتوفر فطنتهم، وصدق فراستهم.

стр. 743

قلت: ولو أن هذا الرجل أو من حكى عنه عرف التاريخ، لعلم أن الحلاج لم يدرك ابن المقنع؛ فإن ابن المقنع١ أمر بقتله المنصور، فقتل في سنة أربع وأربعين ومائة، وأبو سعيد الجنابي القرمطي ظهر في سنة ست وثمانين ومائتين، والحلاج قتل سنة تسع وثلاث مائة، فزمان القرمطي والحلاج متقاربان، فأما ابن المقنع؛ فكلا. ١٤٧٩- فينبغي لكل ذي علم أن يساهم بباقي العلوم، فيطالع منها طرفًا؛ إذ لكل علم بعلم تعلق. وأقبح٢ بمحدث يسأل عن حادثة فلا يدري، وقد شغله منها جمع الأحاديث. وقبيح بالفقيه أن يقال له: ما معنى قول رسول الله ﷺ كذا؟ فلا يدري صحة الحديث ولا معناه! نسأل الله همة عالية، لا ترضى بالنقائص بمنه ولطفه.

стр. 744

٣٣٨- فصل: همم القدماء من العلماء ١٤٨٠- كانت همم القدماء من العلماء عالية، تدل عليها تصانيفهم، التي هي زبدة أعمارهم؛ إلا أن أكثر تصانيفهم دثرت؛ لأن همم الطلاب ضعفت، فصاروا يطلبون المختصرات، ولا ينشطون للمطولات، ثم اقتصروا على ما يدرسون به من بعضها١، فدثرت الكتب، ولم تنسخ! ١٤٨١- فسبيل طالب الكمال في طلب العلم الاطلاع على الكتب، التي قد تخلفت من المصنفات، فليكثر من المطالعة؛ فإنه يرى من علوم القوم، وعلو هممهم ما يشحذ خاطره، ويحرك عزيمته للجد، وما يخلو كتاب من فائدة. ١٤٨٢- وأعوذ بالله من سير هؤلاء الذين نعاشرهم! لا نرى فيهم ذا همة غالية؛ فيقتدي به المبتدئ، ولا صاحب ورع، فيستفيد منه الزاهد.

стр. 745

فالله الله وعليكم بملاحظة سير السلف، ومطالعة تاصنيفهم وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم، كما قال١: فاتني أن أرى الديار بطرفي ... فلعلي أرى الديار بسمعي ١٤٨٣- وإني أخبر عن حالي: ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره، فكأني وقعت على كنز، ولقد نظرت في ثبت الكتب الموقوفه في المدرسة النظمية٢؛ فإذا به يحتوي على نحو ستة آلاف مجلد، وفي ثبت كتب أبي حنيفة، وكتب الحميدي، وكتب شيخنا عبد الوهاب، وابن ناصر، وكتب أبي محمد بن الخشاب -وكانت أحمالًا- وغير ذلك من كل كتاب أقدر عليه، ولو قلت: إني طالعت عشرين ألف مجلد، كان أكثر، وأنا بعد في الطلب! فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم، وقدر هممهم، وحفظهم وعباداتهم، وغرائب علومهم: ما لا يعرفه من لم يطالع، فصرت أستزري٣ ما الناس فيه، وأحتقر همم الطلاب. ولله الحمد.

стр. 746

٣٣٩- فصل: أثر قلة العقل وترك إعماله ١٤٨٤- ليس للآدمي أعز من نفسه، وقد عجبت ممن يخاطر بها، ويعرضها للهلاك! والسبب في ذلك قلة العقل، وسوء النظر؛ فمنهم من يعرضها للتلف، ليمدح بزعمه، مثل قوم يخرجون إلى قتل السبع! ومنهم من يصعد إلى إيوان كسرى١، ليقال: شاطر! وساع يمشي ثلاثين فرسخًا! وهؤلاء إذا تلفوا، حملوا إلى النار؛ فإن هلك، ذهبت النفس التي يراد المال لأجلها.

стр. 747

وأعجب من الكل من يخاطر بنفسه في الهلاك ولا يدري، مثل أن يغضب، فيقتل المسلم، فيتقي غيظه بالتعذيب في جهنم. ١٤٨٥- وأظرف من هذا اليهود والنصارى، فإن أحدهم يبلغ، فيجب عليه أن ينظر في نبوة نبينا ﷺ ؛ فإذا فرط فمات، فله الخلود في جهنم. ولقد قلت لبعضهم: ويحك! تخاطر بنفسك في عذاب الأبد! نحن نؤمن بنبيكم فتقول: لو أن مسلمًا آمن بنبينا، وكذب بنبيكم أو بالتوراة، خلد في النار، فما بيننا وبينكم خلاف!! إذ نحن مؤمنون بصدقه وكتابه، فلو لقيناه، لم نخجل، ولو عاتبنا مثلًا وقال: هل قمتم بالسبت؟ والسبت من الفروع، والفروع لا يعاقب عليها بالخلود. فقال لي رئيس القوم: ما نطالبكم بهذا؛ لأن السبت إنما يلزم بني إسرائيل. فقلت: فقد سلمنا بإجماعكم، وأنتم هالكون؛ لأنكم تخاطرن بأرواحكم في العذاب الدائم!! والعجب بمن يهمل النظر فيما إذا توانى فيه أوجب الخلود في العقاب الدائم. وأعجب من الكل جاحد الخالق، وهو يرى إحكام الصنعة، ويقول: لا صانع. والسبب في هذه الأشياء كلها قلة العقل، وترك إعماله في النظر والاستدلال.

стр. 748

٣٤٠- فصل: ربّ سرٍّ ظهر فكان سبب الهلاك ١٤٨٦- لا ينبغي للعاقل أن يظهر سرًّا حتى يعلم أنه إذا ظهر لا يتأذى بظهوره. ومعلوم أن السبب في بث السر طلب الاستراحة ببثه، وذلك ألم قريب؛ فليصبر عليه. فرب مظهر سر لزوجته؛ فإذا طلقت بثته وهلك، أو لصديقه، فيظهر عليه حسدًا له، إذا كان مماثلًا، وإن كان عاميًّا، فالعامي أحمق. ورب سر أظهر فكان سبب الهلاك.

стр. 749

٣٤١- فصل: عاشق العلم ١٤٨٧- ما يتناهى في طلب العلم إلا عاشق العلم، والعاشق ينبغي أن يصبر على المكاره، ومن ضرورة المتشاغل به البعد عن الكسب. ومذ فقد التفقد لهم من الأمراء ومن الإخوان، لازمهم الفقر ضرورة، والفضائل تنادي: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ، فكلما خافت من ابتلاء، قالت: لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تعلق الصبرَا ١٤٨٨- ولما آثر أحمد بن حنبل ﵁ طلب العلم، وكان فقيرًا؛ بقي أربعين سنة يتشاغل به، ولا يتزوج. فينبغي للفقير أن يصابر فقره كما فعل أحمد، ومن يطيق ما أطاق؟! فقد رد من المال خمسين ألفًا، وكان يأكل الكامخ١ ويتأدم بالملح، فما شاع له الذكر الجميل جزافًا، ولا ترددت الأقدام إلى قبره إلا لمعنى عجيب، فيا له ثناء ملأ الآفاق، وجمالًا زين الوجود، وعزًّا نسخ كل ذلك! هذا في العاجل، وثواب الآجل لا يوصف. ١٤٨٩- وتلمح قبور أكثر العلماء، لا تعرف ولا تزار، ترخصوا، وتأولوا، وخالطوا السلاطين، فذهبت بركة العلم، ومحي الجاه، ووردوا عند الموت حياض الندم! فيا لها حسرات لا تتلافى، وخسرانًا لا ينجبر! وكانت صحبة اللذات طرفة عين، ولازم الأسف دائمًا. فالصبر الصبر أيها الطالب للفضائل؛ فإن لذة الراحة بالهوى أو بالبطانة تذهب، ويبقى الأسى. وقال الشافعي رضي الله عنه٢: يا نفس ما هو إلا صبر أيامٍ ... كأن مدتها أضغاث أحلام يا نفس جوزي عن الدنيا مبادرةً ... وخل عنها فإن العيش قدامِي

стр. 750

١٤٩٠- ثم أيها العالم الفقير! أيسرك ملك سلطان من السلاطين، وأن ما تعلمه من العلم لا تعلمه؟ كلا، ما أظن بالمتيقظ أن يؤثر هذا! ١٤٩١- ثم أنت إذا وقع لك خاطر مستحسن أو معنى عجيب؛ تجد لذة لا يجدها ملتذ باللذات الحسية، فقد حرم من رزق الشهوات ما قد رزقت، وقد شاركتهم في قوام العيش، ولم يبق إلا الفضول، الذي إذا أخذ لم يكد يضر. ثم هم على المخاطرة في باب الآخرة غالبًا، وأنت على السلامة في الأغلب. فتلمح يا أخي عواقب الأحوال! واقمع الكسل المثبط عن الفضائل؛ فإن كثيرًا من العلماء الذين ماتوا مفرطين يتقلبون في حسرات وأسف. ١٤٩٢- رأى رجل شيخنا ابن الزاغوني١ في المنام، فقال له الشيخ: أكثر ما عندكم الغفلة، وأكثر ما عندنا الندامة. ١٤٩٣- فاهرب وفقك الله قبل الحبس! وافسخ عقد الهوى على الغبن الفاحش! واعلم أن الفضائل لا تنهال بالهوينى٢، وأن يسير التفريط يشين وجه المحاسن! فالبدار البدار، ونفس النفس يتردد، وملك الموت غائب ما قدم بعد، وانهض بعزيمة عازم: إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبَا٣ ولم يستشر في أمره غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا ١٤٩٤- وارفض في هذه العزيمة الدنيا وأربابها، فبارك الله لأهل الدنيا في دنياهم، فنحن الأغنياء، وهم الفقراء، كما قال إبراهيم بن أدهم: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه، لجالدونا٤ عليه بالسيوف.

стр. 751

١٤٩٥- فأبناء الدنيا، أحدهم لا يكاد يأكل لقمة إلا حرامًا أو شبهة، وهو وإن لم يؤثر ذلك، فوكيله يفعله، ولا يبالي هو بقلة دين وكيله، وإن عمروا دارًا، سحروا الفعلة١، وإن جمعوا مالًا، فمن وجوه لا تصلح، ثم كل منهم خائف أن يقتل أو يعزل أو يشتم، فعيشهم نغص. ١٤٩٦- ونحن نأكل ما ظاهر الشرع يشهد له بالإباحة، ولا نخاف من عدو، ولا ولايتنا تقبل العزل، والعز في الدنيا لنا لا لهم، وإقبال الخلق علينا، وتقبيل أيدينا وتعظيمنا عندهم كثير، وفي الآخرة بيننا وبينهم تفاوت إن شاء الله تعالى؛ فإن لفت أرباب الدنيا أعناقهم، يعلمون قدر مزيتنا، وإن غلت أيديهم عن إعطائنا؛ فلذة العفاف أطيب، ومرارة المنن لا تفي بالمأخوذ، وإنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس؛ وإنها أيام قلائل. ١٤٩٧- والعجب لمن شرفت نفسه حتى طلب العلم -إذ لا تطلبه إلا ذو نفس شريفة، كيف يذل لبذل من لا عزه إلا بالدنانير، ولا فخره إلا بالمكنه؟! ولقد أنشدني أبو يعلى العلوي٢: رب قوم في خلائقهم ... عرر قد صيروا غررا ستر المال القبيح لهم ... سترى إن زال ما سَتَرَا أيقظنا الله من رقدة الغافلين، ورزقنا فكر المتيقظين، ووفقنا للعمل بمقتضى العلم والعقل، إنه قريب مجيب.

стр. 752

٣٤٢- فصل: البدن كالراحة إن لم يرفق بها لم تصل بالراكب ١٤٩٨- لا ينبغي للإنسان أن يحمل على بدنه ما لا يطيق؛ فإن البدن كالراحلة، إن لم يرفق بها، لم تصل بالراكب .

стр. 753

١٤٩٩- فترى في الناس من يتزهد، وقد ربي جسده على الترف، فيعرض عما ألفه، فتجد له الأمراض، فتقطعه عن كثير من العبادات، وقد قيل: عودوا كل بدن ما اعتاد! وقد قرب إلى رسول الله ﷺ ضب، فقال: "أجدني أعافه؛ لأنه ليس بأرض قومي" ١. ١٥٠٠- وفي حديث الهجرة: أن أبا بكر ﵁ طلب لرسول الله ﷺ الظل، وفرش له فروة، وصب على القدح الذي فيه اللبن ماء حتى برد. ١٥٠١- وجاء رسول الله ﷺ على قوم، فقال: "إن كان عندكم ماء بات في شن؛ وإلا كرعنا". وكان ﷺ يأكل لحم الدجاج. وفي "الصحيح": أنه كان يحب الحلوى والعسل. وكان إذا لم يقدر، أكل ما حضر. ١٥٠٢- ولعمري، إن في العرب وأهل السواد٢ من لا يؤثر عنده التخشن في المطعم والملبس، وذاك إذا جرى بعد توبته على عادته؛ لم يستضر. فأما من قد ألف اللطف؛ فإنه إذا غير حالته، تغير بدنه، وقلت عبادته. ١٥٠٣- وقد كان الحسن٣ يديم أكل اللحم، ويقول: لا رغيفي مالك٤، ولا صحني فرقد٥. ١٥٠٤- وكان ابن سيرين لا يخلي منزله من حلوى. وكان سفيان الثوري يسافر، وفي سفرته الحمل المشوي والفالوذج. وقالت رابعة: ما أرى لبدن يراد به العمل لله إذا أكل الفالوذج عيبًا. فمن ألف الترف؛ فينبغي أن يتطلف بنفسه إذا أمكنه. ١٥٠٥- وقد عرفت هذا من نفسي، فإني ربيت في ترف، فلما ابتدأت في التقلل وهجر المشتهى، أثر معي مرضًا، قطعني عن كثير من التعبد، حتى إني قرأت

стр. 754

في أيام كل يوم خمسة أجزاء من القرآن، فتناولت يومًا ما لا يصلح، فلم أقدر في ذلك اليوم على قراءتها، فقلت: إن لقمة تؤثر قراءة خمسة أجزاء، بكل حرف عشر حسنات، إن تناولها لطاعة عظيمة! وإن مطعمًا يؤذي البدن، فيفوته فعل خير ينبغي أن يهجر! ١٥٠٦- وقد رأى رسول الله ﷺ رجلًا من أصحابه حضر عنده، وقد تغير من التقشف، فقال له: "من أمرك بهذا؟! "١. ١٥٠٧- فالعاقل يعطي بدنه من الغذاء ما يوافقه، كما ينفي الغازي شعير الدابة. ولا تظنن أني آمر بأكل الشهوات، ولا بالإكثار من الملذوذ؛ إنما آمر بتناول ما يحفظ النفس، وأنهى عما يؤذي البدن، فأما التوسع في المطاعم؛ فإنه سبب النوم، والشبع يعمي القلب، ويرهل٢ البدن ويضعفه. فافهم ما أشرت إليه، فالطريف هي الوسطى.

стр. 755

٣٤٣- فصل: إذا تكامل العقل قوي الذكاء والفطنة ١٥٠٨- إذا تكامل العقل، قوي الذكاء والفطنة، والذكي يتخلص إذا وقع في آفة، كما قال الحسن: إذا كان اللص ظريفًا؛ لم يقطع، فأما المغفل، فيجني على نفسه المحن. ١٥٠٩- هؤلاء إخوة يوسف ﵈، أبعدوه عن أبيه، ليتقدموا عنده، وما علموا أن حزنه عليه يشغله عنهم، وتهمته إياهم تبغضهم إليه، ثم رموه في الجب، فقالوا: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠] ، وليس بطفل؛ إنما هو صبي كبير، وما علموا أنه إذا التقط، يحدث بحاله، فيبلغ الخبر إلى أبيه! وهذا تغفيل، ثم إنهم قالوا: أكله الذئب، وجاؤوا بقميصه صحيحًا، ولو خرقوه، احتمل الأمر، ثم لما مضوا إليه

стр. 756

يمتارون١، قال: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٥٩] ، فلو فطنوا، علموا أن ملك مصر لا غرض له في أخيهم، ثم حبسه بحجة، ثم قال: هذا الصواع يخبرني أنه كان كذا وكذا! هذا كله وما يفطنون. فلما أحس بهذه الأشياء يعقوب ﵇، قال: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٧] ، وكان يوسف ﵇ قد نهي بالوحي أن يعلم أباه بوجوده، ولهذا، لما التقيا، قال له: هلا كتبت إلي! فقال: إن جبريل ﵇ منعني. فلما نهي أن يعرفه خبره، ليفذ البلاء، كان ما فعل بأخيه تنبيهًا؛ فصار كأنه يعرض بخطبة المعتدة. وعلى فهم يوسف -والله- بكى يعقوب، لا على مجرد صورته.

стр. 757

٣٤٤- فصل: من رزق اليقظة ينبغي أن يصابر لنيل الفضائل ١٥١٠- الآدمي موضوع على مطلوبات تشتت الهم، العين تطلب المنظور، واللسان يطلب الكلام، والبطن يطلب المأكول، والفرج المنكوح، والطبع يحب جمع المال. وقد أمرنا بجمع الهم لذكر الآخرة والهوى يشتته، فكيف إذا اجتمعت إليه حاجات لازمة من طلب قوت البدن، وقوت العيال؟! ١٥١١- وهذا يبكر إلى دكانه، ويتفكر في التحصيل، ويستعمل آلة الفهم في نيل ما لا بد منه، فأي هم يجتمع منه؟! خصوصًا إن أخذه الشره في صورة، فيمضي العمر، فينهض من الدكان إلى القبر، فكيف يحصل العلم أو العمل أو إخلاص القصد أو طلب الفضائل؟! ١٥١٢- فمن رزق يقظة؛ فينبغي أن يصابر لنيل الفضائل: فإن كان متزهدًا بغير عائلة، اكتفى بسعي قليل، فقد كان السبتي١ يعمل يوم السبت فيكتفي به طول الأسبوع؛ فإن كان له مال، باضع٢ به من يكفيه بدينه وثقته من أن يهتم هو، وإن كان له عائلة، جمع همه في نية الكسب عليهم، فيكون متعبدًا، أو أن يكون [له] قنية

стр. 758

مالٍ كعقارٍ، ناصفة في نفقته١، ليكفيه دخله، وليقلل الهم على مقدار ما يمكنه من حذف العلائق جهده، ليجمع الهم في ذكر الآخرة؛ فإن لم يفعل، أخذ في غفلته، وندم في حفرته. ١٥١٣- وأقبح الأحوال حال عالم فقيه، كلما جمع همه لذكر الآخرة، شتته طلب القوت للعائلة، وربما احتاج إلى التعرض للظلمة، وأخذ الشبهات، وبذل الوجه، فيلزم هذا التقدير في النفقة، وإذا حصل له شيء من وجه، دبر فيه. ولا ينبغي أن يحمله قصر الأمل على إخراج ما في يده؛ فقد قال ﷺ : "لأن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس". ١٥١٤- وأذل من كل ذل التعرض للبخلاء والأمراء؛ فليدبر أمره، ويقلل العلائق، ويحفظ جاهه، فالأيام قلائل. وقد بعث إلى أحمد بن حنبل مال، فسأله ابنه قبوله، فقال: يا صالح! صني! ثم قال: أتسخير الله، فأصبح فقال: يا بني! قد عزم لي ألا أقبله، هذا، وكان العطاء هنيًّا، وجاءه من وجوه! فانعكس الأمر اليوم.

стр. 759

٣٤٥- فصل: لابد من مخالطة بمقدار ١٥١٥- العزلة عن الخلق سبب طيب العيش، ولابد من مخالطة بمقدار. فدار العدو واستمله، فربما كادك فأهلكك! وأحسن إلى من أساء إليك! واستعن على أمورك بالكتمان! ١٥١٦- ولتكن الناس عندك معارف، فأما أصدقاء، فلا؛ لأن أعز الأشياء وجود صديق، ذاك أن الصديق يجب أن يكون في مرتبة مماثل، فإن صادفته عاميًّا، لم تنتفع به، لسوء أخلاقه، وقلة علمه وأدبه، وإن صادفت مماثلًا أو مقاربًا، حسدك، وإذا كان لك يقظة، تلمحت من أفعاله ما يدل على حسدك: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾ [محمد: ٣٠] ، وإذا أردت تأكيد ذلك، فضع عليه من يضعك١ عنده، فلا يخرج إليه إلا بما في قلبه.

стр. 760

١٥١٧- فإن أردت العيش، فابعد عن الحسود؛ لأنه يرى نعمتك، فربما أصابها بالعين! فإن اضطرت إلى مخالطته، فلا تفش له سرك، ولا تشاوره، ولا يغرنك تملقه لك، ولا ما يظهره من الدين والتعبد، فإن الحسد يغلب الدين! وقد عرفت أن قابيل أخرجه الحسد إلى القتل! وأن إخوة يوسف باعوه بثمن بخس! وكان أبو عامر الراهب١ من المتعبدين العقلاء، وعبد الله بن أبي٢ من الرؤساء، أخرجهما حسد رسول الله ﷺ إلى النفاق، وترك الصواب. ١٥١-٨ ولا ينبغي أن تطلب لحاسدك عقوبة أكثر مما فيه، فإنه في أمر عظيم متصل، لا يرضيه إلا زوال نعمتك، وكلما امتدت، امتد عذابه، فلا عيش له! وما طاب عيش أهل الجنة إلا حين نزع الحسد والغل من صدورهم، ولولا أنه نزع، تحاسدوا، وتنغص عيشهم.

стр. 761

٣٤٦- فصل: من سار مع العقل أمكنه أن يتمتع من الدنيا ١٥١٩- من سار مع العقل، وخالف طريق الهوى، ونظر إلى العواقب، أمكنه أن يتمتع من الدنيا أضعاف ما تمتع من استعمل الشهوات؛ فأما المستعجل فيفوت [على] نفسه حظ الدنيا والذكر الجميل، ويكون ذلك سببًا لفوات مراده من اللذات، وبيان هذا من وجهين: أحدهما: أن [مَنْ] مال إلى شهوات النكاح وأكثر منها، قل التذاذه، وفنيت حرارته، وكان ذلك سببًا في عدم مطلوبه منها! ومن استعمل ذلك بمقدار ما يجيزه العقل ويحتمله، كان التذاذه أكثر، لبعد ما بين الجماعين، وأمكنه التردد لبقاء الحرارة. وكذلك من غش في معاملته أو خان؛ فإنه لا يعامل، فيفوته ربح المعاملة

стр. 762

الدائمة لخيانته مرة، ولو عرف بالثقة؛ دامت معاملة الناس له، فزاد ربحه. والثاني: أنه من اتقى الله، وتشاغل بالعلم أو تحقيق الزهد، فتح له من المباحات ما يلتذ به كثيرًا، ومن تقاعد به الكسل عن العلم أو الهوى عن تحقيق الزهد، لم يحصل له إلا اليسير من مراده، قال : ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] .

стр. 763

٣٤٧- فصل: عيش الصديقين وعيش البهائم ١٥٢٠- ينبغي أن يكون العمل كله لله، ومعه، ومن أجله، وقد كفاك كل مخلوف، وجلب لك كل خير، وإياك أن تميل عنه بموافقة هوى، وإرضاء مخلوق، فإنه يعكس عليك الحال، ويفوتك المقصود، وفي الحديث: "من أرضى الناس بسخط الله، عاد حامده من الناس ذامًّا"١. ١٥٢١- وأطيب العيش عيش من يعيش مع الخالق سبحانه، فإن قيل: كيف يعيش معه؟ قلت: بامتثال أمره، واجتناب نهيه، ومراعاة حدوده، والرضا بقضائه، وحسن الأدب في الخلوة، وكثرة ذكره، وسلامة القلب من الاعتراض في أقداره، فإن احتجت، سألته، فإن أعطى، وإلا، رضيت بالمنع، وعلمت أنه لم يمنع بخلًا، وإنما نظرا لك، ولا تنقطع عن السؤال؛ لأنك تتعبد به، ومتى دمت على ذلك، رزقك محبته، وصدق التوكل عليه، فصارت المحبة تدلك على المقصود، وأثمرت لك محبته إياك، فحينئذ تعيش عيش الصديقين. ولا خير في عيش إن لم يكن كذا فإن أكثر الناس مخبط في عيشه، يداري الأسباب، ويميل إليها بقلبه، ويتعب في تحصيل الرزق بحرص زائد على الحد، وبرغبة إلى الخلق، ويعترض عند انكسار الأغراض، والقدر يجري، ولا يبالي بسخط، ولا يحصل له إلا ما قدر، وقد فاته القرب من الحق، والمحبة له، والتأدب معه، فذلك العيش عيش البهائم.

стр. 764

٣٤٨- فصل: مقصود الموضوعات وحكمها والمراد منها ١٥٢٢- نظرت في حكمة المطعم والمشرب والملبس والمنكح؛ فرأيت أن الآدمي لما خلق من أصول تتحلل، وهي الماء والتراب والنار والهواء، وبقاؤه إنما يكون بالحرارة والرطوبة، [والحرارة تحلل الرطوبة] دائمًا؛ فلم يكن له بد من شيء يخلف ما بطل١، ولما كان اللحم لا ينوب عنه إلا اللحم؛ أباح الشرع ذبح الحيوان، ليتقوى به من هو أشرف منه. ولما كان بدنه يحتاج إلى كسوة، وله قدرة تمييز، وقدرة يصنع بها ما يقيه الأذى من الفطن والصوف، لم يجعل على جلده ما يقيه خلقة؛ بخلاف الحيوان البهيم؛ فإنه لما لم يكن له قدرة على ما يغطي جلده، عوضه بالريش والشعر والوبر. ولما لم يكن بد من فناء الآدمي والحيوان، هيج شهوة الجماع، لتخلف النسل؛ فمقتضى العقل الذي حرك على طلب هذه المصالح أن يكون التناول للمطعم والمشرب مقدار الحاجة والمصلحة، ليقع الالتذاذ بالعافية. ومن البلية طلب الالتذاذ بالمطعم، وإن كان غير صالح، والإكثار منه، والشره في تناوله، وكذلك الكسوة والنكاح! ١٥٢٣- ومن الحزم جمع المال، وادخاره لعارض حاجة من ذلك، ومن التغفيل إنفاق الحاصل، فربما عرضت حاجة؛ فلم يقدر عليها، فأثر عدمها في البدن، أو في العرض بطلبها من الأنذال! ١٥٢٤- ومن أقبح الأمور الانهماك في النكاح طلبًا لصورة اللذة، ناسيًا ما يجني ذلك من انحلال القوة، ويزيد في الحرام بالعقوبة. ١٥٢٥- فمن مال إلى تدبير العقل سلم في دنياه وآخرته، ومن أعرض عن مشاورته أو عن القبول منه، تعجل عطبة. فليفهم مقصود الموضوعات وحكمها والمراد منها، فمن لم يفهم، ولم يعمل بمقتضى ما فهم، كان كأجهل العوام، وإن كان عالمًا.

стр. 765

٣٤٩- فصل: في مخالطة الأمراء ١٥٢٦- العجب ممن له مسكة من عقلٍ، أو عنده قليل من دين، كيف يؤثر مخالطتهم؛ فإنه بالمخالطة لهم، أو العمل معهم، يكون قطعًا خائفًا من عزل، أو قتل، أو سم، ولا يمكنه أن يعمل إلا بمقتضى أوامرهم؛ فإن أمروا بما لا يجوز، لم يقدر أن يراجع؛ فقد باع دينه قطعًا بدنياه، فمنعه الخوف من القيام بأمر الله، وضاعت عليه آخرته، ولم يبق بيده إلا عاجل التعظيم، وأن يقال بين يديه: بسم الله! وأن ينفذ أوامره! وذلك بعيد من السلامة في باب الدين، وما يلتذ به منه في الدنيا ممزوج بخوف العزل أو القتل.

стр. 766

٣٥٠- فصل: العاقل من عمل بمقتضى الحزم ١٥٢٧- من الغلط العظيم أن يتكلم في حق معزول بما لا يصلح؛ فإنه لا يؤمن أن يلي فينتقم. وفي الجملة، لا ينبغي أن يظهر العداوة لأحد أصلًا؛ فقد يرتفع المحتقر، وقد يتمكن من لا يعد١؛ بل ينبغي أن يكتم ما في النفوس من ضغن على الأعداء، فإن أمكن الانتقام منهم، كان العفو انتقامًا؛ لأنه يذلهم. ١٥٢٨- وينبغي أن يحسن إلى كل أحد، خصوصًا من يجوز أن يكون له ولاية، وأن يخدم المعزول، فربما نفع في ولايته. ١٥٢٩- وقد روينا أن رجلًا استأذن على قاضي القضاة ابن أبي دواد وقال: قولوا له: أبو جعفر بالباب! فلما سمع؛ هش٢ لذلك، وقال: ائذنوا له! فدخل، فقام، وتلقاه، وأكرمه، وأعطاه خمسة آلاف، وودعه، فقيل له: رجل من العوام فعلت به هذا؟! قال: إني كنت فقيرًا، وكان هذا صديقًا، فجئته يومًا، فقلت له: أنا جائع. فقال: اجلس! وخرج، فجاء بشواء وحلوى وخبز؛ فقال: كل. فقلت: كل معي. قال: لا. قلت: والله، لا آكل حتى تأكل معي. فأكل، فجعل الدم يجري من

стр. 767

فمه. فقلت: ما هذا؟ فقال: مرض. فقلت: والله، لا بد أن تخبرني. فقال: إنك لما جئتني، لم أكن أملك شيئًا، وكانت أسناني مضببة بشريط من ذهب، فنزعته، واشتريت به! فهلا أكافئ مثل هذا؟! ١٥٣٠- وعلى عكس هذه الأشياء كان ابن الزيات١ وزير الواثق٢، وكن يضع من المتوكل؛ فلما ولي؛ عذبه بأنواع العذاب. ١٥٣١- وكذلك ابن الجزري، كان لا يوقر المسترشد قبل الولاية؛ فجرت عليه الآفات لما ولي. ١٥٣٢- فالعاقل من تأمل العواقب ورعاها، وصور كل ما يجوز أن يقع، فعمل بمقتضى الحزم. ١٥٣٣- وأبلغ من هذا تصوير وجود الموت عاجلًا؛ لأنه يجوز أن يأتي بغتة من غير مرض؛ فالحازم من استعد له، وعمل عمل من لا يندم إذا جاءه، وحذر من الذنوب؛ فإنها كعدو مراصد بالجزاء، وادخر لنفسه صالح الأعمال، فإنها كصديق صِدِّيقٍ، ينفع وقت الشدة. ١٥٣٤- وأبلغ من كل شيء أن يعلم المؤمن أنه كلما زاد عمله في الفضائل، علت مرتبته في الجنة، وإن نقص نقصت؛ فهو -وإن دخل الجنة في نقص بالإضافة إلى كمال غيره؛ غير أنه قد رضي به، ولا يشعر بذلك. فرحم الله من تلمح العواقب، وعمل بمقتضى التلمح، والله تعالى الموفق.

стр. 768

٣٥١- فصل: هلك الهالكون لقلة الصبر عن المشتهى ١٥٣٥- لما جمعت كتابي المسمى بـ "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم"١،

стр. 769

اطلعت على سير الخلق من الملوك والوزراء والعلماء والأدباء والفقهاء والمحدثين والزهاد وغيرهم؛ فرأيت الدنيا قد تلاعبت بالأكثرين تلاعبًا أذهب أديانهم، حتى كانوا لا يؤمنون بالعقاب. ١٥٣٦- فمن الأمراء من يقتل، ويصادر، ويقطع، ويحبس بغير حق، ثم ينخرط في سلك المعاصي، كأن الأمر إليه، أو قد جاءه الأمن من العقاب؛ فربما تخايل أن حفظي الرعايا يرد عني، وينسى أنه قد قيل لرسول الله ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥] ١٥٣٧- وقد انخرط جماعة ممن يتسم بالعلم في سلك المعاصي لتحصيل أغراضهم العاجلة، فما نفعهم العلم! ورأينا خلقًا من المتزهدين "خالفوا" لنيل أغراضهم! وهذا؛ لأن الدنيا فخ، والناس كعصافير، والعصفور يريد الحبة، وينسى الخنق. قد نسي أكثر الخلق مالهم، ميلًا إلى عاجل لذاتهم، فأقبلوا يسامرون الهوى، ولا يلتفتون إلى مشاورة العقل. فلقد باعوا بلذة يسيرة خيرًا كثيرًا، واستحقوا١ بشهوات مرذولة عذابًا عظيمًا. فإذا نزل بأحدهم الموت، قال: ليتني لم أكن! ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] ! فيقال له: ﴿آلْآنَ﴾ [يونس: ٩١] . ١٥٣٨- فوا أسفًا، لفائت لا يمكن استدراكه، ولمرتهن لا يصلح فكاكه، ولندم لا ينقطع زمانه، ولمعذب عز عليه إيمانه. ١٥٣٩- بالله، ما نفعت العقول إلا لمن يلتفت إليها، ويعول عليها، ولا يمكن قبول مشاورها إلا بعزيمة الصبر عما يشتهي. ١٥٤٠- فتأمل في الأمراء عمر بن الخطاب، وابن عبد العزيز ﵄، وفي العلماء أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وفي الزهاد أويسًا القرني٢، لقد أعطوا الجد حقه، وفهموا مقصود الوجود.

стр. 770

١٥٤١- وما هلك الهالكون إلا لقلة الصبر عن المشتهى، وربما كان فيهم من لا يؤمن بالبعث والعقاب. وليس العجب من ذاك؛ إنما العجب من مؤمن يوقن، ولا ينفعه يقينه! ويعقل العواقب، ولا ينفعه عقله!

стр. 771

٣٥٢- فصل: من رزق همة عالية يعذَّب بمقدار علوها ١٥٤٢- من رزق همة عالية، يعذب بمقدار علوها! كما قال الشاعر١: وإذا كانت النفوس كبارًا ... تعبت في مرادها الأجسامُ وقال الآخر٢: ولكل جسم في النحول بلية ... وبلاء جسمي من تفاوت همتي وبيان هذا أن من علت همته؛ طلب العلوم كلها، ولم يتقصر على بعضها، وطلب من كل علم نهايته، وهذا لا يحتمله البدن. ١٥٤٣- ثم يرى أن المراد العمل، فيجتهد في قيام الليل، وصيام النهار، والجمع بين ذلك وبين العلم صعب، ثم يرى ترك الدنيا، ويحتاج إلى ما لا بد منه، ويحب الإيثار، ولا يقدر على البخل، ويتقاضاه الكرم البذل، ويمنعه عز النفس عن الكسب؛ فإن هو جرى على طبعه من الكرم، احتاج وافتقر، وتأثر بدنه وعائلته، وإن أمسك، فطبعه يأبى ذلك. وفي الجملة، يحتاج إلى معاناة، وجمع بين أضداد؛ فهو أبدًا في نصب لا ينقضي، وتعب لا يفرغ، ثم إذا حقق الإخلاص في الأعمال، زاد تعبه، وقوي وصبة٣. ١٥٤٤- فأين هو، ومن دنت همته؟! إن كان فقيهًا، فسئل عن حديث، قال: ما أعرفه! وإن كان محدثًا، فسئل عن مسألة فقهية، قال: ما أدري! ولا يبالي إن قيل عنه: مقصر!!

стр. 772

١٥٤٥- والعالي الهمة يرى التقصير في بعض العلوم فضيحة قد كشفت عيبه، وقد أرت الناس عورته. والقصير الهمة لا يبالي بمنن الناس، ولا يستقبح سؤالهم، ولا يأنف من رد. والعالي الهمة لا يحمل ذلك. ولكن تعب العالي الهمة راحة في المعنى، وراحة القصير الهمة تعب وشين، إن كان ثم فهم. ١٥٤٦- والدنيا دار سباق إلى أعالي المعالي؛ فينبغي لذي الهمة ألا يقصر في شوطه، فإن سبق، فهو المقصود، وإن كبا جواده مع اجتهاده، لم يلم.

стр. 773

٣٥٣- فصل: المصيبة العظمى رضا الإنسان عن نفسه ١٥٤٧- المصيبة العظمى رضا الإنسان عن نفسه، واقتناعه بعلمه! وهذه محنة قد عمت أكثر الخلق: فترى اليهودي أو النصراني يرى أنه على الصواب، ولا يبحث ولا ينظر في دليل نبوة نبينا ﷺ ، وإذا سمع ما يلين قلبه، مثل القرآن المعجز؛ هرب؛ لئلا يسمع! وكذلك كل ذي هوى يثبت عليه: إما لأنه مذهب أبيه وأهله، أو لأنه نظر نظرا أول فرآه صوابًا، ولم ينظر فيما يناقضه، ولم يباحث العلماء ليبينوا له خطأه! ١٥٤٨- ومن هذا حال الخوارج على أمير المؤمنين علي ﵁؛ فإنهم استحسنوا ما وقع لهم، ولم يرجعوا إلى من يعلم، ولما لقيهم عبد الله بن عباس ﵁، فبين لهم خطأهم، رجع عن مذهبه منهم ألفان. وممن لم يرجع عن هواه ابن ملجم، فرأى مذهبه هو الحق، فاستحل قتل أمير المؤمنين ﵁، ورآه دينًا، حتى إنه لم قطعت أعضاؤه، لم يمانع، فلما طلب لسانه ليقطع، انزعج، وقال: كيف أبقى ساعة في الدنيا لا أذكر الله؟! ومثل هذا ما له دواء. ١٥٤٩- وكذلك كان الحجاج١ يقول: والله، ما أرجو الخير إلا بعد الموت!

стр. 774

هذا قوله! وكم قد قتل من لا يحل قتله، منهم سعيد بن جبيرٍ١ ١٥٥٠- وقد أخبرنا عبد الوهاب، وابن ناصر الحافظ، قالا: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا الحسين بن محمد النصيبي، قال: أخبرنا إسماعيل بن سعيد، قال: حدثنا أبو بكر بن الأنباري، قال: حدثنا أبو عيسى الختلي، قال: حدثنا أبو يعلى، قال: حدثنا الأصمعي، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عباد بن كثير، عن قحذم، قال: وجد في سجن الحجاج ثلاثة وثلاثون ألفًا، ما يجب على واحد منهم قطع، ولا قتل، ولا صلب. ١٥٥١- قلت: وعموم السلاطين يقتلون ويقطعون، ظنًّا منهم جواز ذلك! ولو سألوا العلماء؛ بينوا لهم. ١٥٥٢- وعموم العوام يبارزون بالذنوب اعتمادًا على العفو، وينسون العقاب! ومنهم من يعتمد أني من أهل السنة، أو أن لي حسنات قد تنفع، وكل هذا لقوة الجهل. فينبغي للإنسان أن يبالغ في معرفة الدليل، ولا يساكن شبهته، ولا يثق بعلم نفسه. فنسأل الله السلامة من جميع الآفات.

стр. 775

٣٥٤- فصل ينبغي تأمله: الجزاء بالمرصاد ١٥٥٣- اعلم أن الجزاء بالمرصاد: إن كانت حسنة، أو كانت سيئة. ومن الاغترار أن يظن المذنب إذا لم ير عقوبة أنه قد سومح، وربما جاءت العقوبة بعد مدة، وقل من فعل ذنبًا إلا وقوبل عليه، قال : ﴿من يعمل سوءًا يجز به﴾ [النساء: ١٢٣] . ١٥٥٤- هذا آدم ﵇ أكل لقمة، فقد عرفتم ما جرى عليه. قال وهب بن منبه: أوحى الله تعالى إليه: ألم أصطنعك لنفسي، وأحللتك داري، وأسجدت لك ملائكتي؟! فعصيت أمري، ونسيت عهدي!! وعزتي، لو ملأت الأرض كلها١ مثلك يعبدون، ويسبحون في الليل والنهار، ثم عصوني؛ لأنزلتهم منازل العاصين. فنزع
следующие страницы →