١٣- زيد بن حارثة بن شراحيل .
ابن عبد العزى بن امريء القيس ويقال له زيد الحب.
وأمه: سعدى بنت ثعلبة ابن عبد عامر زارت قومها وزيد معها فأغارت خيل لبني القين في الجاهلية فمروا على أبيات بني معن فاحتملوا زيدا وهو يومئذ غلام يفعة فوافوا به سوق عكاظ فعرضوه للبيع فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خوليد باربعمائة درهم فلما تزوجها رسول الله. ﷺ وهبته له وكان أبوه حارثة حين فقده قال:
بكيت على زيد ولم ادر ما فعل ... احي فيرجى أم أتى دونه الاجل
فوالله ما ادري وانكنتت سائلا ... اغالك سهل الأرض أم غالك الجبل
فيا ليت شعري هل لك اليوم رجعة ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل
تذكرينه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا قارب الطفل
وان هبت الأرواح هيجن ذكره ... فيا طول ما حزني عليه وما وجل
سأعمل نص العيس في الأرض جاهدا ... ولا اسام التطواف أو اتسام الابل
حياتي أو تأتي علي منيتي ... وكل امريء فان وان غره الامل
وأوصي به قيسا وعمرا كليهما ... وأوصي يزيدا ثم من بعده جبل
يعني جبلة بن حارثة اخا زيد ويزيد أخو يزيد لامه.
فحج ناس من كعب فرأوا زيدا فعرفهم وعرفوه فقال ابلغوا أهلي هذه الابيات فاني اعلم انهم قد جزعوا علي وقال:
الكني إلى قومي وان كنت نائيا ... فاني قطين البيت عند المشاعر
فكفوا عن الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الأرض نص إلا باعر
فاني بحمد الله في خير اسرة ... كرام معد كابرا بعد كابر
فانطلقوا فاعلموا أباه فخرج حارثة وكعب بن شراحيل بفدائه فقدما مكة فسالا عن النبي. ﷺ فقيل هو في المسجد فدخلا عليه فقالا يا بن هاشم يا بن سيد قومه انتم أهل
стр. 142
حرم الله وجيرانه تفكون العاني وتطعمون الأسير جئناك في ابننا عندك فامنن علينا واحسن إلينا في فدائه فانا سنرفع لك في الفداء قال ما هو قالوا زيد بن حارثة فقال رسول الله ﷺ فهلا غير ذلك قالوا ما هو ادعوه فخيروه فان اختاركم فهو لكما بغير فداء وان اختارني فوالله ما أنا بالذي اختار على من اختارني أحداً قالوا قد زدتنا على النصف واحسنت.
فدعاه فقال هل تعرف هؤلاء قال نعم هذا أبي وهذا عمي قال فانا من قد علمت ورأيت محبتي لكل فاخترني أو اخترهما فقال زيد ما أنا بالذي اختار عليك أحداً أنت مني بمنزلة الاب والعم فقالا ويحك يا زيد اتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك قال نعم اني قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي اختار عليه أحداً أبداً فلما رأى رسول الله. ﷺ ذلك أخرجه إلى الحجر فقال يا من حضر واشهدوا ان زيدا ابني يرثني وارثه فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت انفسهما وانصرفا.
فدعي زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام فزوجه رسول الله. ﷺ زينب بنت جحش فلما طلقها تزوجها النبي. ﷺ فتكلم المنافقون في ذلك وقالوا تزوج امرأة ابنه فنزل: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الاحزاب: ٤٠] وقال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الاحزاب: ٥] فدعي يومئذ زيد بن حارثة.
وعن محمد بن الحسن بن اسمة بن زيد عن أبيه قال كان بين رسول الله. ﷺ وبين زيد عشر سنين رسول الله. ﷺ اكبر منه وكان زيدا رجلا قصيرا آدم شديد الأدمة في انفه فطس وكان يكنى أبا أسامة وقال الزهري أول من أسلم زيد.
قال أهل السير وشهد زيد بدراً وأحداً والخندق والحديبية وخيبر واستخلفه رسول الله. ﷺ على المدينة حين خرج إلى المر يسيع وخرج أميراً في سبع سرايا ولم يسم أحد من أصحاب رسول الله ﷺ في القرآن باسمه غيره.
وكان له من الولد زيد هلك صغيرا ورقية أمهما أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط واسامة أمه أم ايمن حاضنة رسول الله ﷺ .
وقتل زيد في غزوة مؤته في جمادى الأولى سنة ثمان وهو ابن خمس وخمسين سنة.
عن خالد بن سمير قال لما أصيب زيد بن حارثة أتاهم النبي. ﷺ قال فجهشت بنت
стр. 143
زيد في وجهه فبكى رسول الله. ﷺ حتى انتحب فقال له سعد بن عبادة ما هذا يا رسول الله قال: "هذا شوق الحبيب إلى حبيبه" ١.
стр. 144
١٤- سالم مولى أبي حذيفة ﵁ .
كان لثبيته بنت يعار الأنصارية تحت أبي حذيفة بن عتبة فاعتقه فتولى أبا حذيفة وتبناه أبو حذيفة كذا ذكره محمد بن سعد٢.
وقال أبو بكر الخطيب اسم التي اعتقته سلمى بنت تعار وقال ابن عمر كان سالم يؤم المهاجرين من مكة حتى قدم المدينة لانه كان أقراهم وفيهم أبو بكر وعمر٣.
وعن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله. ﷺ ذكر سالما مولى أبي حذيفة فقال: "ان سالما شديد الحب لله " ٤.
وعن شهر بن حوشب قال قال عمر بن الخطاب لو استخلفت سالما مولى أبي حذيفة فسالني عنه ربي ما حملك على ذلك لقلت رب سمعت نبيك ﷺ وهو ويقول: "بحب الله حقا من قلبه".
وعن أحمد بن عبد الله قال استشهد سالم مولى أبي حذيفة باليمامة أخذ اللواء بيمينه فقطعت ثم تناولها بشماله فقطعت ثم اعتنق اللواء وجعل يقرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] إلى أن قتل.
стр. 145
١٥- عبد الله بن جحش
ابن رئاب بن يعمر ويكنى أبا محمد وأمه اميمة بنت عبد المطلب بن هاشم.
أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية.
стр. 146
وبعثه رسول الله ﷺ على سرية إلى نخلة وفيها تسمى بأمير المؤمنين فهو أول من دعي بذلك.
وعن سعيد بن المسيب أن رجلا سمع عبد الله بن جحش يقول قبل يوم أحد بيوم اللهم أنا لاقو هؤلاء غدا واني اقسم عليك لما يقتلونني ويبقروا بطني ويجدعوني فإذا قلت لي لم فعل بك هذا فاقول اللهم فيك فلما التقوا فعل ذلك به فقال الرجل الذي سمعه أما هذا فقد استجيب له واعطاه الله ما سال في جسده في الدنيا وانا أرجو أن يعطى ما سال في الآخرة.
وعن اسحق بن سعد بن أبي وقاص قال حدثني أبي أبي عن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد إلا ندعو الله فخلوا في ناحية فدعا عبد الله بن جحش فقال يا رب إذا لقيت العدو غدا فلقني ردلا شديداً بأسه شديداً حرده أقاتله فيك ويقاتلني ثم يأخذني فيجدع انفي واذني فإذا لقيتك غدا قلت يا عبد الله من جدع انفك واذنك فأقول فيك وفي رسولاك فتقول صدقت قال سعد فلقد رأيته آخر النهار وان أذنه وانفه لمعلقتان في خيط.
قال الواقدي قتل عبد الله بن جحش يوم أحد قتله أبو الحكم بن الاخنس بن شريق ودفن عبد الله وحمزة بن عبد المطلب وهو خاله في قبر واحد وكان لعبد الله يوم قتل بضع واربعون سنة.
стр. 147
١٦- عتبة بن غزوان بن جابر بن وهيب .
يكنى أبا عبد الله هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية وشهد بدراً واستعمله عمر على البصرة واليا فهو الذي بصرها واختطها ثم قدم على عمر فرده إلى البصرة واليا فمات في الطريق سنة سبع عشرة وقيل خمس عشرة وهو ابن سبع وخمسين وقيل خمس وخمسين.
عن خالد بن عمير قال خطب عتبة بن عزوان فحمد الله واثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الدنيا قد اذنت بصرم وولت حذاء ولم يبق منهاه إلا صبابة كصبابة الاناء يتصابها صاحبها وانكم منقلبون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما بحضرتكم فانه قد ذكر لنا إن الحجر يلقى في شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما ما يدرك لها قعرا والله لتملانه افعجبتم والله
стр. 148
لقد ذكر لنا ان ما بين مصراعي الجنة مسيرة أربعين عاما وليأتين عليه يوم وهو كظيظ الزحام ولقد رأيتني وأنا سابع سبعة مع رسول الله. ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحته أشداقنا وإني التقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد فائتزر بنصفها وائتزر بنصفها فما اصبح منا أحد اليوم حيا إلا اصبح أمير مصر من الأمصار واني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وعند الله صغيرا وانها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى تكون عاقبتها ملكا وستبلون وستجربون الأمراء بعدنا١ انفرد بإخراجه مسلم وليس لعتبة في الصحيح غيره.
стр. 149
١٧- مصعب بن عمير ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي .
يكنى أبا محمد دخل على رسول الله ﷺ دار الأرقم وكتم إسلامه وكان يختلف إلى رسول الله ﷺ سرا فلما علموا به حبسوه فلم يزل محبوسا حتى خرج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى ثم خرج في الهجرة الثانية وكان من انعم الناس عيشا قبل إسلامه فلما أسلم زهد في الدنيا فتحسف جلده تحسف الحية وبعثه رسول الله ﷺ إلى المدينة بعد أن بايع الأنصار البيعة الأولى يفقههم ويقرئهم القرآن وكان يأتيهم في دورهم فيدعوهم إلى الإسلام فأسلم منهم خلق كثير وفشا الإسلام فيهم وكتب إلى رسول الله ﷺ يستأذنه أن يجمع بهم فأذن له فجمع بهم في دار خيثمة.
ثم قدم على رسول الله ﷺ مع السبعين الذين وافوه في العقبة الثانية فأقام بمكة قليلا ثم قدم قبل رسول الله ﷺ المدينة فهو أول من قدمها.
وعن ابن شهاب قال لما بايع أهل العقبة رسول الله ﷺ ورجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى الإسلام سرا وتلوا عليهم القرآن وبعثوا إلى رسول الله ﷺ معاذ بن عفراء ورافع بن مالك أن ابعث إلينا رجلا من قبلك فليدع الناس بكتاب الله فانه قمن أن يتبع فبعث إليهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير فلم يزل يدعو امنا ويهدي الله تعالى على يده حتى قل دار من دور الأنصار إلا قد أسلم أشرافهم. أسلم عمرو بن الجموح وكسرت أصنامهم وكان المسلمون أعز أهل المدينة. فرجع مصعب إلى رسول الله ﷺ وكان يدعى المقريء.
стр. 150
قال ابن شهاب: وكان أول من جمع الجمعة بالمدينة بالمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ .
وعن البراء قال أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير١.
وعن عمر بن الخطاب قال نظر النبي. ﷺ إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه اهاب كبش قد تنطق به فقال النبي. ﷺ : "انظروا إلى هذا الرجل الذي قد نور الله قلبه لقد رأيته بين أبوين يغدوان بأطيب الطعام والشراب فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون".
وعن محمد بن شرحبيل قال حمل مصعب اللواء يوم أحد فلما جال المسلمون ثبت به مصعب فاقبل ابن قميئة فضرب يده اليمنى فقطعها ومصعب يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] . وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه فضربها فقطعها فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فانفذه.
وكان مصعب رقيق البشرة ليس بالطويل ولا بالقصير قيل وهو ابن أربعين سنة أو يزيد شيئا.
وقال ابن سعد وقال عبد الله بن الفضل قتل مصعب وأخذ اللواء ملك في صورته فجعل النبي ﷺ يقول له في آخر النهار تقدم يا مصعب فالتفت إليه الملك وقال لست بمصعب فعرف النبي ﷺ أنه ملك أيد به.
وعن عبيد بن عمير قال لما فرغ رسول الله ﷺ من أحد مر على مصعب بن عمير مقتولا على طريقه فقرأ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] الآية وعن خباب قال هاجرنا مع رسول الله ﷺ نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله فمنا من مضى ولم يأكل من اجره شيئا منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم نجد له شيئا نكفنه فيه إلا نمرة كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا رجليه خرج رأسه فامرنا رسول الله أن نغطي بها رأسه ونجعل على رأسه اذخرا ومنا من اينعت له ثمرته فهو يهدبها٢ أخرجاه في الصحيحين.
стр. 151
١٨- عمير بن أبي وقاص اخو سعد .
عن عامر بن سعد عن أبيه قال رأيت أخي عمير بن أبي وقاص قبل ان يعرضنا رسول الله ﷺ للخروج إلى بدر يتوارى فقلت ما لك يا أخي فقال أني أخاف أن يراني رسول الله ﷺ فيستصغرني فيردني وان أحب الخروج لعل الله يرزقني الشهادة قال فعرض على رسول الله. ﷺ فاستصغره فقال ارجع فبكى عمير فأجازه رسول الله ﷺ .
قال سعد: فكنت اعقد له حمائل سيفه من صغره فقتل ببدر وهو ابن ست عشرة سنة قتله عمرو بن عبد ود والسلام.
стр. 152
١٩- عبد الله بن مسعود .
ويكنى أبا عبد الرحمن أمه أم عبد، أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم ويقال كان سادسا في الإسلام وهاجر إلى الحبشة الهجرتين وشهد بدراً والمشاهد كلها وكان صاحب سر رسول الله ﷺ ووساده وسواكه ونعليه وطهوره في السفر وكان يشبه بالنبي ﷺ في هديه ودله وسمته وكان خفيف اللحم قصيرا شديد الأدمة وكان من أجود الناس ثوبا ومن أطيب الناس ريحا وولي قضاء الكوفة وبين المال لعمر وصدرا من خلافة عثمان ثم صار إلى المدينة فمات بها سنة اثنتين وثلاثين ودفن بالبقيع وهو ابن بضع وستين.
عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط فجاء النبي ﷺ وأبو بكر وقد نفرا من المشركين فقالا يا غلام هل عندك من لبن تسقينا فقلت أني مؤتمن ولست ساقيكما فقال النبي ﷺ هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل قلت نعم فأتيتهما بها فاعتقلها النبي ﷺ ومسح الضرع ودعا فحفل الضرع ثم أتاه أبو بكر بصخرة منقعرة فاحتلب فيها فشرب أبو بكر ثم شربت ثم قال للضرع اقلص فقلص قال فأتيته بعد ذلك فقلت علمني من هذا القول قال: "انك غلام معلم" فأخذت من فيه سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد١.
стр. 153
وعن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه قال قال عبد الله بن مسعود لقد رايتني سادس ست وما على وجه الأرض مسلم غيرنا١.
ذكر قربه من رسول الله ﷺ :
قال أبو موسى الاشعري لقد رأيت رسول الله ﷺ وما ارى إلا ابن مسعود من أهله وعن القاسم بن عبد الرحمن قال كان عبد الله يلبس رسول الله. ﷺ نعليه ثم يمشي امامه بالعصا حتى إذا أتي مجلسه نزع نعليه فادخلهما في ذراعيه واعطاه العصا فإذا أراد رسول الله. ﷺ أن يقول البسه نعليه ثم مشى بالعصا امامه حتى يدخل الحجرة قبل رسول الله ﷺ .
وعن أبي المليح عن عبد الله أنه كان يوقظ رسول الله. ﷺ إذا نام ويستره إذا اغتسل ويمشي معه في الأرض وحشا.
وعن عبد الله بن شداد بن الهاد أن عبد الله كان صاحب الوساد والسواك والنعلين.
ذكر شبهه برسول الله ﷺ :
عن علقمة قل كان عبد الله يشبه بالنبي. ﷺ في هديه ودله وكان علقمة يشبه بعبد الله. وعن عبد الله بن يزيد قال اتينا حذيفة فقلنا له حدثنا بأقرب الناس برسول الله. ﷺ هديا وسمتا ودلا نأخذ عنه ونسمع منه قال كان اقرب الناس برسول الله هديا وسمتا ودلا عبد الله بن مسعود حتى يتوارى عنا في بيته ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ان ابن أم عبد من اقربهم إلى الله زلفى والسلام.
ذكر ثناء الرسول ﷺ على عبد الله بن مسعود:
عن علقمة قال جاء رجل إلى عمر وهو بعرفة فقال جئت يا أمير المؤمنين من الكوفة وتركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلبه فغضب وانتفخ حتى كاد يملا ما بين شعبتي الرجل فقال من هو ويحك قال عبد الله بن مسعود فما زال يطفا ويسير عنه الغضب حتى عاد إلى حاله التي كان عليها ثم قال ويحك والله ما اعلم بقي من الناس أحد هو احق بذلك منه وسأحدثك عن ذلك.
стр. 154
كان رسول الله ﷺ لا يزال يسمر عند أبي بكر الليلة كذلك في أمر من أمر المسلمين وانه سمر عنده ذات ليلة وانا معه فخرج رسول الله ﷺ يستمع قراءته فلما كدنا نعرفه قال رسول الله ﷺ : "من سره ان يقرأ القرآن رطبا كما أنزل فليقراه على قراءة ابن أم عبد" قال ثم جلس الرجل يدعو فجعل رسول الله ﷺ يقول له: "سل تعطه سل تعطه".
قال عمر قلت والله لاغدون عليه فلا بشرنه قال فغدوت عليه فبشرته فوجدت أبا بكر قد سبقني إليه فبشره ولا والله ما سابقته إلى خير قط إلا سبقني إليه رواه الإمام أحمد١.
وروي عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه كان يجتني سواكا من الاراك وكان دقيق الساقين فجعلت الريح تكفؤه فضحك القوم منه فقال رسول الله ﷺ : "مم تضحكون" قالوا يا نبي الله من دقة ساقيه فقال: "والذي نفسي بيده لهما اثقل من الميزان من أحد" ٢.
ذكر ثناء الناس عليه وكثرة علمه:
عن زيد بن وهب قال أقبل عبد الله ذات يوم وعمر جالس فقال كنيف مليء علما.
وعن الشعبي قال ذكروا ان عمر بن الخطاب لقي ركبا في سفر له فيهم عبد الله بن مسعود فأمر عمر رجلا يناديهم من أين القوم فأجابه عبد الله اقبلنا من الفج العميق فقال عمر أين تريدون فقال عبد الله البيت العتيق فقال عمر البيت العتيق فقال عمر انفيهم علاما وأمر رجلا فناداهم أي القرآن اعظم فأجابه عبد الله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] حتى ختم الآية قال نادهم أي القرآن احكم فقال ابن مسعود: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] الاية فقال عمر نادهم أي القرآن اجمع فقال ابن مسعود: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ , ٨] فقال عمر نادهم أي القرآن اخوف فقال ابن مسعود: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٣٣] الآية فقال عمر نادهم أي القرآن أترجى فقال ابن مسعود: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] فقال عمر نادهم افيكم ابن مسعود قالوا اللهم نعم.
وعن أبي البختري قال سئل علي ﵇ عن أصحاب محمد. ﷺ فقال عن أيهم
стр. 155
تسألون قالوا أخبرنا عن عبد الله بن مسعود قال علم القرآن وعلم السنة ثم انتهى وكفى به علما١.
وعن أبي الاحوص قال شهدت أبا موسى وأبا مسعود حين مات ابن مسعود وأحدهما يقول لصاحبه أتراه ترك مثله قال أن قلت ذاك أن كان ليؤذن له إذا حجبنا ويشهد إذا غبنا٢ رواه أحمد.
وعن عامر قال قال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر فيكم يعني ابن مسعود.
وعن شقيق قال كنت قاعدا مع حذيفة فأقبل عبد الله بن مسعود فقال حذيفة أن اشبه الناس هديا ودلا برسول الله من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع ولا ادري ما يصنع في أهله لعبد الله بن مسعود والله لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد. ﷺ أنه من اقربهم عند الله وسيلة يوم القيامة.
وعن مسروق قال قال عبد الله والذي لا اله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وانا اعلم أين نزلت وإلا أنا اعلم أين نزلت وإلا أنا اعلم فيما نزلت ولو اعلم أن أحداً اعلم بكتاب الله مني تناله المطي لأتيته. وعن تميم بن حذلم قال جالست أصحاب النبي ﷺ أبا بكر وعمر وما رأيت أحداً ازهد في الدنيا ولا ارغب في الآخرة ولا أحب إلي أن أكون في مسلاخه منك يا عبد الله بن مسعود.
وعن مسروق قال شاممت أصحاب محمد ﷺ فوجدت علمهم انتهى إلى ستة نفر منهم عمر وعلي وعبد الله وأبي بن كعب وأبو الدرداء وزيد بن ثابت ثم شاممت هؤلاء الستة فوجدت علمهم انتهى إلى رجلين علي وعبد الله.
وعنه قال جالست أصحاب محمد ﷺ فوجدتهم كالاخاذ يروي الرجل والاخاذ يروي الرجلين والأخاذ يروي المائة والاخاذ لو نزل به أهل الأرض لاصدرهم فوجدت عبد الله من ذلك الاخاذ.
ذكر تعبده:
عن زر عن عبد الله أنه كان يصوم الاثنين والخميس.
стр. 156
وعن عبد الرحمن بن يزيد قال ما رأيت فقيها قط اقل صوما من عبد الله فقيل له لم لا تصوم قال إني اختار الصلاة على الصوم فإذا صمت ضعفت عن الصلاة.
وعن محارب بن دثار عن عمه محمد قال مررت بابن مسعود بسحر وهو يقول اللهم دعوتني فاجبتك وامرتني فأطعتك وهذا سحر فاغفر لي فلما أصبحت غدوت عليه فقلت له فقال أن يعقوب لما قال لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٨] آخرهم إلى السحر.
ذكر ورعه:
عن عمرو بن ميمون قال اختلفت إلى عبد الله بن مسعود سنة ما سمعته يحدث فيها عن رسول الله ﷺ ولا يقول فيها قال رسول الله إلا أنه حدث ذات يوم بحديث فجرى على لسانه قال رسول الله ﷺ فعلاه الكرب حتى رأيت العرق يتحدر عن جبهته ثم قال إن شاء الله تعالى إما فوق ذلك وإما قريب من ذلك وإما دون ذلك.
ذكر شدة خوفه وبكائه ﵁:
عن مسروق قال قال رجل عن عبد الله ما أحب أن أكون من أصحاب اليمين أكون من المقربين أحب إلي فقال عبد الله: لكن هاهنا رجل ود أنه إذا مات لا يبعث يعني نفسه.
وعن جرير رجل من بجيلة قال قال عبد الله وددت اني إذا مت لم ابعث.
وعن الحسن قال قال عبد الله بن مسعود لو وقفت بين الجنة والنار فقيل لي اختر نخيرك من أيهما تكون أحب إليك أو تكون رمادا؟ لأحببت أن أكون رمادا.
وعن أبي وائل قال قال عبد الله وددت أن الله غفر لي ذنبا من ذنوبي وانه لا يعرف نسبي.
وعن زيد بن وهب أن عبد الله بكى حتى رأيته أخذ بكفه من دموعه فقال به: هكذا.
ذكر تواضعه:
عن حبيب بن أبي ثابت قال خرج ابن مسعود ذات يوم فاتبعه ناس فقال لهم الكم حاجة قالوا لا ولكن أردنا أن نمشي معك قال ارجعوا فانه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع. وعن الحارث بن سويد قال قال عبد الله لو تعلمون ما اعلم من نفسي حثيتم على رأسي التراب.
стр. 157
ذكر ايثاره ثواب الآخرة على شهوات النفس:
عن الاحوص الجشمي قال دخلنا على ابن مسعود وعنده بنون له ثلاثة غلمان كأنهم الدنانير حسنا فجعلنا نتعجب من حسنهم فقال لنا كأنكم تغبطوني بهم قلنا والله أي والله بمثل هؤلاء يغبط المرء المسلم فرفع رأسه إلى سقف بيت له صغير قد عشش فيه خطاف وباض فقال والذي نفسي بيده لان أكون قد نفضت يدي عن تراب قبورهم أحب إلي أن يسقط عش هذا الخطاف وينكسر بيضه.
وعن قيس بن جبير قال قال عبد الله حبذا المكروهان الموت والفقر وايم الله ان هو إلا الغنى والفقر وما أبالي بايهما بليت إن حق الله في كل واحد منهما واجب وان كان الغنى فيه للعطف وان كان للفقراء ان فيه للصبر.
وعن الحسن قال قال عبد الله بن مسعود ما أبالي إذا رجعت إلى أهلي على أي حال اراهم بخير أو بشر أم بضر وما أصبحت على حالة فتمنيت أني على سواها.
ذكر جملة من مناقبه وكلامه ﵁:
عن عبد الله بن مرادس قال كان عبد الله يخطبنا كل خميس فيتكلم بكلمات فيسكت حين يسكت ونحن نشتهي ان يزيدنا.
وعن عبد الله بن وليد قال سمعت عبد الرحمن بن حجيرة يحدث عن أبيه عن ابن مسعود أنه كان يقول إذا قعد يذكر انكم في ممر من الليل والنهار في اجال منقوصة واعمال محفوظة والموت يأتي بغتة فمن زرع خيرا فيوشك ان يحصد رغبة ومن زرع شرا فيوشك ان يحصد ندامة ولكل زارع مثل ما زرع لا يسبق بطيء بحظه ولا يدرك حريص ما لم يقدر له فان اعطى خيرا فالله اعطاه ومن وقي شرا فالله وقاه المتقون سادة والفقهاء قادة ومجالسهم زيادة رواه الإمام أحمد.
وعن الاحوص عن عبد الله أنه كان يوم الخميس قائماً فيقول إنما هما اثنتان الهدي والكلام وافضل الكلام كلام الله وافضل الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وان كل محدثة بدعة فلا يطولن عليكم الأمد ولا يلهينكم الأمل فان كل ما هو آت قريب إلا وان بعيدا ما ليس أتيا إلا وان الشقي من شقي في بطن أمه وان السعيد من وعظ بغيره إلا وان قتال المسلم كفر وسبابه فسوق ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام حتى يسلم عليه إذا لقيه ويجيبه إذا دعاه ويعوده إذا مرض إلا وان شر الروايا روايا
стр. 158
الكذب إلا وان الكذب لا يصلح منه هزل ولا جد ولا أن يعد الرجل صبيه شيئا ثم لا ينجزه له إلا وان الكذب يهدي إلى البر وان البر يهدي إلى الجنة إلا وانه يقال للصادق صدق حتى يكتب عند الله صديقا ويكذب حتى يكتب عند الله كذابا إلا وهل انبئكم ما العضة قيل وما هي قال هي النميمة التي تفسد بين الناس".
وعن عبد الرحمن بن عابس قال قال عبد الله بن مسعود ان اصدق الحديث كتاب الله وأوثق العرى كلمة التقوى وخير الملل ملة إبراهيم واحسن السنن سنة محمد ﷺ وخير الهدى الأنبياء واشرف الحديث ذكر الله وخير القصص القرآن وخير الامور عواقبها وشر الأمور محدثاتها وما قل وكفى خير مما كثر والهى ونفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها وشر المعذرة حين يحضر الموت وشر الندامة يوم القيامة وشر الضلالة الضلالة بعد الهدى وخير الغنى غنى النفس وخير الزاد التقوى وخير ما القي في القلب اليقين والريب من الكفر وشر العمى عمى القلب والخمر جماع الاثم والنساء حبالة الشيطان والشباب شعبة من الجنون والنوح من علم الجاهلية ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا ولا يذكر الله الاهجرا واعظم الخطايا الكذب وسباب المسلم فسوق وقتله كفر وحرمة ماله كحرمة دمه ومن يعف يعف الله عنه ومن يكظم الغيظ ياجره الله ومن يغفر الله له ومن يصبر على الزرية يعقبه الله وشر المكاسب كسب الربا وشر المآكل أكل مال اليتيم والسعيد من وعظ بغيره والشقي من شقي في بطن أمه وإنما يكفي أحدهم ما قنعت به نفسه وإنما يصير إلى أربعة اذرع والأمر إلى آخرهم وملاك العمل خواتمه وشر الروايا روايا الكذب واشرف الموت قتل الشهداء ومن يعرف البلاء يصبر عليه ومن لا يعرفه ينكره ومن يستكبر يضعه الله ومن يتول الدنيا تعجز عنه ومن يطع الشطان يعص الله ومن يعص الله بعذبه.
وعن المسيب بن رافع عن عبد الله بن مسعود قال ينبغي لحامل القرآن ان يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس مفطرون وبحزنه إذا الناس فرحون وببكائه إذا الناس يضحكون وبصمته إذا الناس بخلطون وبخشوعه إذا الناس يختالون وينبغي لحامل
стр. 159
القرآن ان يكون باكيا محزونا حليما حكيما سكيتا ولا ينبغي لحامل القرآن ان يكون جافيا ولا غافلا ولا سخابا ولا صياحا ولا حديدا رواه الإمام أحمد.
وعن الأعمش قال كان عبد الله يقول لإخوانه أنت جلاء قلبي.
وعن أبي اياس البجلي قال سمعت عبد الله بن مسعود يقول من تطاول تعظما خفضه الله ومن تواضع تخشعا رفعه الله وان للملك لمة وللشيطان لمة فلمة الملك ايعاد بالخير وتصديق بالحق فإذا رأيتم ذلك فأحمدوا الله ولمة الشطان ايعاد بالشر وتكذيب بالحق فإذا رأيتم ذلك فتعوذوا بالله".
وعن عمران بن أبي الجعد عن عبد الله قال ان الناس قد احسنوا القول فمن وافق قوله فعله فذاك الذي أصاب حظه ومن لا يوافق قوله فعله فذاك الذي يوبخ نفسه".
وعن خيثمة قال قال عبد الله لا الفين أحدكم جيفة ليل قطرب نهار".
وعن المسيب بن رافع قال قال عبد الله بن مسعود اني لأبغض الرجل أن أراه فارغاً ليس في شيء من عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة". رواه الإمام أحمد.
وروي أيضاً عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله قال من لم تأمره الصلاة بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بها من الله إلا بعد".
وروي عن عمر بن ميمون عن ابن سعود قال أن الشيطان اطاف بأهل مجلس ذكر ليفتنهم فلم يستطع ان يفرق بينهم فأتى على حلقة يذكون الدنيا فاغرى بينهم حتى اقتتلوا فقام أهل الذكر فحجزوا بينهم فتفرقوا".
وعن موسى بن أبي عيسى المزني قال قال عبد الله بن مسعود من اليقين ان لا يرضى الناس بسخط الله ولا تحمدن أحداً على رزق الله ولا تلومن أحداً على ما لم يؤتك الله فان رزق الله لا يسوقه حرص الحريص ولا يرده كره الكاره وان الله بقسطه وحكمه وعدله وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضا وجعل الهم والحزن في الشك والسخط".
وعن مرة عن عبد الله قال ما دمت في صلاة فانت تقرع باب الملك ومن يقرع باب الملك يفتح له".
وعن القاسم بن عبد الرحمن والحسن بن سعد قالا قال عبد الله أني لاحسب الرجل ينسى العمل كان يعلمه بالخطيئة يعملها رواه الإمام أحمد.
وعن إبراهيم بن عيسى عن عبد الله بن مسعود قال كونوا ينابيع العلم مصابيح
стр. 160
الهدى احلاس البيوت سرج الليل جدد القلوب خلقان الثياب تعرفون في أهل السماء وتخفون في أهل الأرض".
وعن مسروق قال قال عبد الله إذا اصبحتم صياما فاصبحوا مدهنين "رواه الإمام أحمد.
وروي عن أبي وائل قال قال عبد الله انذرتكم بلوغ القول بحسب أحدكم ما ابلغ حاجته".
وعن معن قال قال عبد الله بن مسعود أن للقلوب شهوة وإقبالا وان للقلوب فترة وادبارا فاغتنموها عند شهوتها وإقبالا ودعوها عند فترتها وادبارها".
وعن عون بن عبد الله قال قال عبد الله ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العمل الخشية".
وعن منذر قال جاء ناس من الدهاقين إلى عبد الله بن مسعود فتعجب الناس من غلظ رقابهم وصحتهم فقال عبد الله أنكم ترون الكافر من اصح الناس جسما وامرضه قلبا وتلقون المؤمن من اصح الناس قلبا وامرضه جسما وايم الله لو مرضت قلوبكم وصحت أجسامكم لكنتم أهون على الله من الجعلان".
وعن عوف بن عبد الله قال قال عبد الله بن مسعود لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحل بذروته حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى والتواضع أحب إليه من الشرف وحتى يكون حامده وذامه عنده سواء قال ففسرها أصحاب عبد الله قالوا حتى يكون الفقر في الحلال أحب إليه من الغنى في الحرام والتواضع في طاعة الله أحب إليه من الشرف في معصية الله وحتى يكون حامده وذامه عنده في الحق سواء" رواه الإمام أحمد.
وعن طارق بن شهاب عن عبد الله قال أن الرجل يخرج من بيته ومعه دينه فيرجع وما معه شيء يأتي الرجل لا يملك له ولا لنفسه ضرا ولا نفعا فيقسم له بالله انك لذيت وذيت فيرجع وما حبي من حاجته بشيء ويسخط الله عليه".
وعن إبراهيم قال قال عبد الله بن مسعود الإثم حوار القلوب وما كان م نظرة فان للشيطان فيها مطمعا".
وعنه عن عبد الله قال مع كل فرحة ترحة وما مليء بيت حبرة إلا مليء عبرة رواح أحمد.
стр. 161
وعن الضحاك بن مزاحم قال قال عبد الله ما منكم إلا ضيف وماله عارية فالضيف مرتحل والعارية مؤداة إلى أهلها".
وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال أتاه رجل فقال يا أبا عبد الرحمن علمين كلمات جوامع نوافع فقال له عبد الله لا تشرك به شيئا وزل مع القرآن حيث زال ومن جاءك بالحق فاقبل منه وان كان بعيدا بغيضا ومن جاءك بالباطل فاردده عليه وان كان حبيبا قريبا".
وعن مالك بن مغول قال قال عبد الله بن مسعود يكون في آخر الزمان اقوام افضل أعمالها التلاؤم بينهم يسمون الانتان.
وعن خيثمة قال قال عبد الله إذا حب الرجل ان ينصف من نفسه فليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه".
وروي أيضاً عن خيثمة قال قال عبد الله الحق ثقيل مريء والباطل خفيف وبئ، ورب شهوة تورث حزنا طويلا".
وعن عنبس بن عقبة قال قال عبد الله بن مسعود والله الذي لا اله إلا هو ما على وجه الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان".
وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال إذا ظهر الزنا والربا في قرية اذن بهلاكها".
وعن أبي عبيدة قال قال عبد الله من استطاع منكم ان يجعل كنزه في السماء حيث لا تاكله السوس ولا يناله السراق فليفعل فان قلب الرجل مع كنزه".
وعن القاسم قال قال رجل لعبد الله أوصني يا أبا عبد الرحمن قال ليسعك بيتك واكفف لسانك وابك على ذكر خطيئتك".
وعن عبد الرحمن بن زيد عن عبد الله قال أنتم اطول صلاة وأكثر اجتهادا م أصحاب رسول الله. ﷺ وهم كانوا افضل منكم قيل له بأي شيء قال انهم كانوا ازهد في الدنيا أو رغب في الآخرة منكم.
وعن زاذان عن عبد الله بن مسعود قال يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له أد امانتك فيقول من اين يا رب قد ذهبت الدنيا فتمثل على هيئتها يوم أخذها في قعر جهنم فينزل فيأخذها فيضعها على عاتقه فيصعد بها حتى إذا ظن أنه خارج بها وهوى في أثرها أبد الآبدين.
стр. 162
وعن أبي الاحوص عن عبد الله قال لا يقلدن أحدكم دينه رجلا فان آمن آمن وإن كفر كفر وان كنتم لا بد مقتدين فافتدوا بالميت فان الحي لا تؤمن عليه الفتنة. وعن عبد الرحمن بن يزيد قال قال عبد الله لا تكونن امعة قالوا وما الامعة؟ قال يقول أنا مع الناس ان اهتدوا اهتديت وان ضلوا ضللت إلا ليوطنن أحدكم نفسه على أنه ان كفر الناس ان لا يكفر.
وعن سليمان بن مهران قال بينما ابن مسعود يوما معه نفر من أصحابه إذ مر اعرابي فقال على ما اجتمع هؤلاء فقال ابن مسعود على ميراث محمد. ﷺ يقتسمونه.
وعن خيثم بن عمرو ان ابن مسعود أوصى ان يكفن في حلة بمائتي درهم.
وقد سبق ذكر وفاته وموضع دفنه في أول أخباره.
стр. 163
٢٠- المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك .
كان حالف الأسود بن عبد يغوث الزهري في الجاهلية فتبناه. فكان يقال له: المقداد بن الأسود. فلما نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] قيل: المقداد بن عمرو.
وشهد بدراً وأُحداً والمشاهد كلها مع النبي ﷺ ، وكان طويلاً آدم، ذا بطنٍ، كثير شعر الرأس، أعين، مقرون الحاجبين، أقنى، يضفر لحيته.
وعن القاسم بن عبد الرحمن قال: أول من عدا به فرسه في سبيل الله المقداد بن الأسود.
وقال علي ﵇: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد.
وعن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله: لقد شهدت من المقداد بن الأسود مشهداً لأن أكون أنا صاحبه أحب إلي مما عدل به. أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: والله يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكنا نقاتل عن يمينك وعن يسارك وبين يديك ومن خلفك. فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسره ذلك. رواه الإمام أحمد.
وعن أنس قال: بعث النبي ﷺ المقداد على سرية. فلما قدم قال له: أبا معبد كيف
стр. 164
وجدت الإمارة؟ قال: كنت أحمل وأُوضع حتى رأيت أن لي على القوم فضلاً. قال: هو ذاك، فخذ أودع قال: والذي بعثك بالحق لا أتأمر على اثنين أبداً.
وعن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد يوماً فمر به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ ، والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت وشهدنا ما شهدت. فاستغضب فجعلت أعجب، ما قال إلا خيراً، ثم أقبل إليه فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضراً غيّبه الله عنه، ما يدري لو شهده كيف كان يكون فيه؟ والله لقد حضر رسول الله ﷺ أقوام كبّهم الله على مناخرهم في جهنهم لم يجيبوه ولم يصدّقوه، أولا تحمدون الله إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم مصدقين بما جاء به نبيكم. ولقد كفيتم البلاء بغيركم؟ والله لقد بعث النبي ﷺ على أشد حال بعث عليها نبي من الأنبياء في فترة وجاهلية، ما يرون أن ديناً أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، إن كان الرجل ليرى والده وولده وأخاه كافراً وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان يعلم أنه إن هلك دخل النار فلا تقرّ عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار وأنها للتي قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤] .
ذكر وفاته ﵁:
قال أهل السِيَر: شرب المقداد دُهن الخروع فمات، وذلك بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة فحمل على رقاب الرجال حتى دفن بالبقيع، وصلى عليه عثمان وذلك في سنة ثلاث وثلاثين وهو ابن سبعين سنةً أو نحوها.
стр. 165
٢١- خباب بن الأرت بن جندلة:
يكنى أبا عبد الله، أصابه سباء فبيع بمكة واشترته أم أنمار، وأسلم خباب قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، وقيل كان سادس ستة الإسلام، له سدس الإسلام.
وعن طارق بن شهاب قال: جاء خباباً نفر من أصحاب محمد ﷺ فقالوا: أبشر يا أبا عبد الله، إخوانك تقدم عليهم غداً. فبكى وقال أما إنه ليس بي جزع ولكن ذكّرتموني أقواماً وسميتم لي إخواناً، وإن أولئك مضوا بأجورهم كما هي، وإني أخاف أن يكون ثواب ما تذكرون من تلك الأعمال ما أوتينا بعدهم١.
стр. 166
وعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: دخلنا على خباب بن الأرت في مرضه فقال: إن في هذا التابوت ثمانين ألف درهم، والله ما شددت لها من خيط، ولا منعتها من سائل. ثم بكى فقيل: ما يبكيك؟ فقال: أبكي أن أصحابي مضوا ولم تنقصهم الدنيا شيئاً وإنّا بقينا بعدهم حتى ما نجد موضعاً إلا التراب١.
وعن قيس بن أبي حازم قال: أتينا خبّاب بن الأرت نعوده وقد اكتوى في بطنه سبعاً، فقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به، فقد طال مرضي. ثم قال: إن أصحابنا الذين مضوا لم تنقصهم الدنيا شيئاً وأنا أعطينا بعدَهُم ما لا نَجد لَهُ مَوضِعاً إِلا التراب، وشكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد برداً له في ظل الكعبة فقلنا: يا رسول الله ألا تستنصر الله لنا؟ فجلس محمراً وجهه فقال: "والله لقد كان من قبلكم يؤخذ قجعل المناشير على رأسه فيفرق فرقتين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء وحضرموت لا يخاف آلا الله ﵎ والذئب على غنمه" ٢ أخرجاه في الصحيحين.
وعن طارق بن شهاب. قال: كان خبّاب من المهاجرين الأولين وكان ممن يعذب في الله عز وجل٣.
وعن الشعبي قال: سأل عمر خباباً عما لقي من المشركين.
فقال خباب: يا أمير المؤمنين انظر إلى ظهري. فقال عمر: ما رأيت كاليوم، قال: أوقدوا لي ناراً فما أطفأها إلا ودك ظهري٤.
ذكر وفاته ﵁:
توفي خباب بالكوفة سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وصلى عليه علي بن أبن طالب حين منصرفه من صفين، وهو أول من قبر بظهر الكوفة.
стр. 167
٢٢- صهيب بن سنان ابن مالك بن النمر بن قاسط .
سبي وهو غلام فنشأ بالروم فابتاعته منهم كلب فقدمت به مكة فاشتراه بن جدعان فأعتقه: وأسلم قديماً، وكان من المستضعفين المعذبين في الله تعالى، ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وهو من السابقين الأولين، وهو سابق الروم، وأمره عمر أن يصلي بالناس في زمن الشورى فقدموه فصلى على عمر وكان أحمر شرير الحمرة ليس بالطويل ولا بالقصير، كثير شعر الرأس يخضب بالحناء.
وعن سعيد بن المسيب قال١: لما أقبل صهيب مهاجراً نحو النبي ﷺ وتبعه نفر من قريش، نزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته ثم قال: يا معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً. وايم الله لا تصلون إليَّ حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء. افعلوا ما شئتم وإن شئتم دللتكم على مالي وثيابي بمكة وخليتم سبيلي. قالوا: نعم. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة قال: " ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى". ونزلت: ﴿ومِنَ الناسِ مَن يَشْري نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرضاة الله﴾ [البقرة: ٢٠٧] الآية.
وعن صهيب، قال: لم يشهد رسول الله ﷺ مشهداً قط إلا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة إلا كنت حاضرها ولم يسر سرية قط إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزاةً قط أول الزمان وآخره إلا كنت فيها عن يمينه أو عن شماله، وما خافوا أمامهم قط إلا كنت أمامهم، ولا ما وراءهم إلا كنت وراءهم، وما جعلت رسول الله ﷺ بيني وبين العدو قط حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
ذكر وفاته ﵁:
توفي صهيب بالمدينة في شوال سنة ثمان وثلاثون وهو ابن سبعين سنة٣.
стр. 168
٢٣- عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ﵄:
يكنى أبا عمر واشتراه أبو بكر وأعتقه قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، فكان
стр. 169
من المستضعفين يعذَّب بمكة ليرجع عن دينه، وشهد بدراً وأُحداً وقُتل يوم بئر معونة سنة أربع من الهجرة وهو ابن أربعين سنة.
قال العلماء بالسير: طعنه جبار بن سلمى فأنفذه، فقال عامر: فزتُ والله جبار. أما قوله: "فزت والله "قالوا: بالجنة. فأسلم جبار، ولم يوجد عامر، قال عروة بن الزبير: يرون أن الملائكة دفته.
روى البخاري عن عائشة قالت: لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغارٍ في جبل، فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر ويدلج من عندهما بسحر، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحةً من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل، وهو لبن منحتهما، حتى ينعق بها عامر ابن فهيره بغلسٍ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
وعن عائشة قالت: لم يكن مع رسول الله ﷺ حين هاجر من مكة إلى المدينة إلا أبو بكر، وعامر بن فهيرة، ورجل من بني الديل دليلهم.
وعن الزهري قال: أخبرني ابن كعب بن مالك قال: بعث رسول الله ﷺ إلى بني سليم نفراً فيهم عامر بن فهيرة، فاستجاش عليهم عامر بن الطفيل فأدركوهم ببئر معونة فقتلوهم، قال الزهري: فبلغني أنهم التمسوا جسد عامر بن فهيرة فلم يقدروا عليه. قال: فيرون أن الملائكة دفنته.
وعن عروة أن عامر بن الطفيل كان يقول من رجل منهم؟ لما قتل رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء دونَهُ قالوا هو عامر بن فهيرة.
стр. 170
٢٤- بلال بن رباح مولى أبي بكر .
اسم أمه حمامة أسلم قديماً فعذبه قومه وجعلوا يقولون له: ربَّك اللات والعزى، وهو يقول: أحد أحد. فأتى عليه أبو بكر فاشتراه بسبع أواقٍ وقيل بخمس، فأعتقه فشهد بدر وأُحداً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . وهو أول من أذَّن لرسول الله ﷺ ، كان يؤذن له حضراً وسفراً، وكان خازنه على بيت ماله: وكان آدم شديد الأدمة نحيفاً طُوالاً أجنأ، له شعر كثير، خفيف العارضين، به شمط كثير لا يغيره.
عن مجاهد قال: إن أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وبلال وصهيب، وخباب، وعمار، وسمية أم عمار، فأما رسول الله ﷺ فمنعه عمه، وأما أبو بكر
стр. 171
فمنعه قومه، وأخذ الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد ثم صهروهم في الشمس حتى بلغ الجهد منهم ما بلغ فأعطوهم ما سألوا فجاء إلى كل رجل منهم قومه بأنطاع الأدم فيها الماء وألقوهم فيه وحملوا بجوانبه إلا بلالاً فإنه هانت عليه نفسه في الله حتى ملوه وجعلوا في عنقه حبلاً ثم أمروا صبيانهم أن يشتدوا به بين أخشبي مكة فجعل بلال يقول: أحد أحد.
وقد روي هذا عن ابن مسعود إلا أنه جعل مكان خباب المقداد.
عن زر بن حبيش، عن عبد الله، قال: كان أول من أظهر إسلامه: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سميّة، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فأعطوه الولدان فأخذوا يطوفون به شعاب مكة وهو يقول أحد أحد رواه الإمام أحمد١.
وعن عروة بن الزبير، عن أبيه، قال: كان ورقة بن نوفل يمر ببلال وهو يعذب، وهو يقول: أحد أحد، فيقول: أحدٌ أحدٌ الله يا بلال. ثم أقبل ورقة على أمية بن خلف وهو يشنع ذلك ببلال فيقول: أحلف بالله إن قتلتموه على هذا لأتخذنه حناناً. حتى مر به أبو بكر الصديق يوماً وهم يصنعون ذلك به فقال لأميه: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟ قال: أنت أفسدته فأنقذه عما ترى، قال أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى على دينك أعطيكه به. قال: قد قبلت. قال: هو لك فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك، فأخذ أبو بكر بلالاً فأعتقه ثم أعتق معه على الإسلام، قبل أن يهاجر من مكة، ست رقابٍ بلال سابعهم.
قال محمد بن إسحاق: وكان أمية يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى. فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد.
وعن جابر بن عبد الله قال: قال عمر ﵁: كان أبو بكر سيدنا. وأعتق بلالاً سيدنا.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " بلال سابق الحبشة".
عن القاسم بن عبد الرحمن قال: أول من أذن بلال.
стр. 172
وعن أبي عبد الله الهوزني قال: لقيت بلالاً فقلت: يا بلال حدثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما كان له شيء، كنت أنا الذي ألي له ذلك منذ بعثه الله حتى توفي: وكان إذ أتاه الرجل المسلم فرآه عارياً يأمرني فأنطلق فأستقرض وأشتري البردة فأكسوه وأطعمه.
وعن عبد الله قال: دخل النبي ﷺ على بلال وعنده صُبرة من تمرٍ قال: " ما هذا يا بلال؟ " قال: يا رسول الله ادّخرته لك ولضيفانك فقال: "أما تخشى أن يكون له بخار في النار؟ أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالاً" ١.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : لقد أُخِفت في الله وما يخافُ أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون ما بين ليلة ويوم مالي ولبلال طعامٌ يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال" ٢ رواه الترمذي.
وعن عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي يقول: أصبح النبي ﷺ فدعا بلالاً فقال: يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قطّ إلا سمعت خشخشتك أمامي، إني دخلت البارحة فسمعت خشخشتك". قال: ما أحدثت إلا توضأت وصليت ركعتين. فقال رسول الله ﷺ : " بهذا" ٣.
قال محمد بن إبراهيم التيمي: لما توفي رسول الله ﷺ أذّن بلال ورسول الله ﷺ لم يُقبر، فكان إذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله انتحب الناس في المسجد. فلما دفن رسول الله ﷺ قال له أبو بكر: أذّن يا بلال. فقال: إن كنت إنما أعتقتني لأكون معك فسبيل ذلك، وإن كنت أعتقتني لله فخلني ومن أعتقتني له. فقال: ما أعتقتك إلا لله. قال: فإني لا أؤذن لأحدٍ بعد رسول الله ﷺ . قال: فذاك إليك. قال: فقام حتى خرجت بعوث الشام فخرج معهم حتى انتهى إليها.
وعن سعيد بن المسيب قال: لما كانت خلافة أبي بكر تجهز بلال ليخرج إلى الشام فقال له أبو بكر: ما كنت أراك يا بلال تدعنا على هذا الحال، لو أقمت معنا فأعنتنا. قال: إن كنت
стр. 173
إنما أعتقتني لله فدعني أذهب إليه، وإن كنت إنما أعتقتني لنفسك فاحبسني عندك. فأذن له فخرج إلى الشام فمات بها١.
(قال الشيخ) ﵀: وقد اختلف أهل السير أين مات؟ فقال بعضهم: مات بدمشق، وقال بعضهم: مات بحلب سنة عشرين، وقيل سنة ثمان عشرة وهو ابن بضع وستين سنة. رحمه الله٢.
стр. 174
٢٥- أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال .
أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين ومعه امرأته أم سلمة.
وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: أول من قدم علينا المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ للهجرة أبو سلمة.
وشهد أبو سلمة بدراً وجرح بأُحد فمكث شهراً يداوي جراحه، ثم بعثه رسول الله ﷺ في سرية فلما قدم انتقض جرحه، ثم توفي، فحضره رسول الله ﷺ عند وفاته أو أغمضه بيده.
توفي في سنة ثلاث من الهجرة.
стр. 175
٢٦- الأرقم بن أبي الأرقم بن أسد .
يكنى أبا عبد الله، أسلم بعد ستة نفر وكانت داره على الصفا بمكة، وفيها استتر رسول الله ﷺ ودعا الناس فيها إلى الإسلام، وتصدق بها الأرقم على ولده. فلم يزل المنصور يرغب ولده في المال حتى باعوه إياها ثم أعطاها المهدي الخيزران.
وشهد الأَرقم بدراً وأُحداً والمشاهد كلها، وتوفي ابن بضع وثمانين سنة في سنة خمس وخمسين بالمدينة، وصلى عليه سعد بن أبي وقاص.
стр. 176
٢٧- عمار بن ياسر بن عمار بن مالك
وأمه سُميّة. أسلم قديماً وكان من المستضعفين الذين يعذّبون بمكة ليرجعوا عن دينهم. أحرقه المشركون بالنار وشهد بدراً ولم يشهدها ابن مؤمنين غيره. وشهد أُحداً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وسماه الطيب المطيَّب٣.
стр. 177
عن عمرو بن ميمون قال: أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار، وكان رسول الله ﷺ يمر به ويمر يده على رأسه ويقول: " يا نار كوني برداً وسلاماً على عمار كما كنتِ على ابراهيم ﵇".
وعن عثمان بن عفان قال: أقبلت أنا ورسول الله ﷺ آخذ بيدي نتماشى في البطحاء حتى أتينا على أبي عمار وعمارٍ وأمّه وهم يعذبون. فقال ياسر: الدهر هكذا. فقال له النبي ﷺ : "أصبر، اللهم اغفر لآلِ ياسر". قال: وقد فعلت.
عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب رسول الله ﷺ وذكر آلهتهم بخير. فلما أتى رسول الله ﷺ قال: " ما وراءك؟ " قال شرٌ يا رسول الله، ما تُركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير فقال رسول الله ﷺ : " فكيف تجد قلبك؟ " قال أجد قلبي مطمئناً بالإيمان. قال: "فإن عادوا فعد" ١.
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " إن عماراً ملئ إيمانأ من قرنه إلى قدمه" ٢. وعن علي قال: جاء عمار يستأذن على النبي ﷺ فقال: " أئذنوا له، مرحباً بالطيب المطيَّب" ٣ رواه أحمد.
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة: علي، وعمار، وسلمان"، رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن صالح٤.
وعن خالد بن سمير قال: كان عمار بن ياسر طويل الصمت، طويل الحزن والكآبة، وكان عامة كلامه عائذاً بالله من فتنة. رواه أحمد.
وعن عامر قال: سئل عمار عن مسألة فقال: هل كان هذا بعدُ؟ قالوا: لا قال: فدعونا حتى يكون، فإذا كان تجشمناها لكم٥.
стр. 178
وعن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار ابن ياسر أنه قال: وهو يستر إلى صفّين إلى جنب الفرات: اللهم لو أعلم أنه أرضى لك عني أن أرمي بنفسي من هذا الجبل فأتردّى فأسقط فعلتُ، ولو أعلم أنه أرضى لك عني أن ألقى نفسي في الماء فأغرق نفسي فعلت، وإني لا أقاتل إلا أريد وجهك وأنا أرجو أن لا نحيبني وأنا أريد وجهك.
وعن عبد الله بن سلمة قال: رأيت عمار بن ياسر يوم صفين شيخاً آدم في يده الحربة وإنها لترعد، فنظر إلى عمرو بن العاصي معه الراية فقال: إن هذه الراية قد قاتتها مع رسول الله ﷺ ثلاث مرات وهذه الرابعة، والله لو ضربونا حتى يبلغونا شعاف هجر لعرفت أن صاحبنا على الحق وأنهم على الضلالة.
وعن أبي سنان الدؤلي صاحب رسول الله ﷺ قال: رأيت عمار بن ياسر دعا بشراب فأتي بقدحٍ من لبن فشرب منه ثم قال: صدق الله ورسوله، اليوم ألقى الأحبة محمداً وحزبه، إن رسول الله ﷺ قال: " إن آخر شيء يرويه من الدنيا صبحة لبن" ثم قال: والله لو هزمونا حتى يبلغونا شعاف هجر لعلمنا أنا على حق وأنهم على باطل.
قال أهل السير: قتل عمار بصفين مع علي بن أبي طالب ﵃، قتله أبو الغادية، ودفن هناك في سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث، وقيل أربع، وتسعين سنة.
стр. 179
٢٨- زيد بن الخطاب أخو عمر ﵁
يكنى أبا عبد الرحمن. كان أسنَّ من أخيه عمر، وأسلم قبل عمر، وكان طُوالاً أسمر شهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ .
عن ابن عمر قال: قال عمر بن الخطاب لأخيه زيد يوم أحد: أقسمت عليك إلا لبست درعي. فلبسها ثم نزعها. فقال له عمر: مالك؟ فقال: إني أريد بنفسي ما تريد بنفسك.
وعنه قال: قال عمر لأخيه زيد يوم أُحد: خذ درعي. قال: إني أريد الشهادة كما تريد فتركاها جميعاً.
وعن الجحاف بن عبد الرحمن، من ولد زيد بن الخطاب، عن أبيه قال: كان زيد بن الخطاب يحمل راية المسلمين يوم اليمامة وقد انكشف المسلمون حتى غلبت بنو حنيفة عن الرحال، فجعل زيد يقول أما الرحال فلا رحال، وأما الفرار فلا فرار. ثم جعل يصيح بأعلى صوته: اللهم إني أعتذر إليك من فرار أصحابي وأبرأ اليك مما جاء به مسيلمة. وجعل يشتد بالراية ينفذ بها في نحر العدوّ ثم ضارب بسيفه حتى قتل ووقعت الراية، فأخذها سالم مولى أبي حذيفة فقال المسلمون: يا سالم إنا نخاف أن نؤتى من قبلك فقال: بئس حامل القرآن أنا إن أُتيتم من قبلي.
стр. 180
٢٩- عامر بن ربيعة بن مالك .
أسلم قديماً قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين جميعاً ولم يقدم إلى المدينة للهجرة قبله غير أبي سلمة وشهد بدراً والمشاهد كلها.
عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قام عامر بن ربيعة يصلي من الليل، وذلك حين نشب الناس في الطعن على عثمان. فصلى من الليل ثم نام فأتي في المنام فقيل له: قم فسل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده فقام فصلى ثم اشتكى فما خرج إلا على جنازة.
قال ابن سعد: قال الواقدي: كان موت عامر بن ربيعة بعد قتل عثمان بأيام، وكان قد لزم بيته فلم يشعر الناس إلا بجنازته قد أخرجت ﵁.