← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12031

صفة الصفوة

ابن الجوزي

Полный текст (1 666 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٢٧- عمار بن ياسر بن عمار بن مالك وأمه سُميّة. أسلم قديماً وكان من المستضعفين الذين يعذّبون بمكة ليرجعوا عن دينهم. أحرقه المشركون بالنار وشهد بدراً ولم يشهدها ابن مؤمنين غيره. وشهد أُحداً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وسماه الطيب المطيَّب٣.

стр. 177

عن عمرو بن ميمون قال: أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار، وكان رسول الله ﷺ يمر به ويمر يده على رأسه ويقول: " يا نار كوني برداً وسلاماً على عمار كما كنتِ على ابراهيم ﵇". وعن عثمان بن عفان قال: أقبلت أنا ورسول الله ﷺ آخذ بيدي نتماشى في البطحاء حتى أتينا على أبي عمار وعمارٍ وأمّه وهم يعذبون. فقال ياسر: الدهر هكذا. فقال له النبي ﷺ : "أصبر، اللهم اغفر لآلِ ياسر". قال: وقد فعلت. عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب رسول الله ﷺ وذكر آلهتهم بخير. فلما أتى رسول الله ﷺ قال: " ما وراءك؟ " قال شرٌ يا رسول الله، ما تُركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير فقال رسول الله ﷺ : " فكيف تجد قلبك؟ " قال أجد قلبي مطمئناً بالإيمان. قال: "فإن عادوا فعد" ١. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " إن عماراً ملئ إيمانأ من قرنه إلى قدمه" ٢. وعن علي قال: جاء عمار يستأذن على النبي ﷺ فقال: " أئذنوا له، مرحباً بالطيب المطيَّب" ٣ رواه أحمد. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة: علي، وعمار، وسلمان"، رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن صالح٤. وعن خالد بن سمير قال: كان عمار بن ياسر طويل الصمت، طويل الحزن والكآبة، وكان عامة كلامه عائذاً بالله من فتنة. رواه أحمد. وعن عامر قال: سئل عمار عن مسألة فقال: هل كان هذا بعدُ؟ قالوا: لا قال: فدعونا حتى يكون، فإذا كان تجشمناها لكم٥.

стр. 178

وعن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار ابن ياسر أنه قال: وهو يستر إلى صفّين إلى جنب الفرات: اللهم لو أعلم أنه أرضى لك عني أن أرمي بنفسي من هذا الجبل فأتردّى فأسقط فعلتُ، ولو أعلم أنه أرضى لك عني أن ألقى نفسي في الماء فأغرق نفسي فعلت، وإني لا أقاتل إلا أريد وجهك وأنا أرجو أن لا نحيبني وأنا أريد وجهك. وعن عبد الله بن سلمة قال: رأيت عمار بن ياسر يوم صفين شيخاً آدم في يده الحربة وإنها لترعد، فنظر إلى عمرو بن العاصي معه الراية فقال: إن هذه الراية قد قاتتها مع رسول الله ﷺ ثلاث مرات وهذه الرابعة، والله لو ضربونا حتى يبلغونا شعاف هجر لعرفت أن صاحبنا على الحق وأنهم على الضلالة. وعن أبي سنان الدؤلي صاحب رسول الله ﷺ قال: رأيت عمار بن ياسر دعا بشراب فأتي بقدحٍ من لبن فشرب منه ثم قال: صدق الله ورسوله، اليوم ألقى الأحبة محمداً وحزبه، إن رسول الله ﷺ قال: " إن آخر شيء يرويه من الدنيا صبحة لبن" ثم قال: والله لو هزمونا حتى يبلغونا شعاف هجر لعلمنا أنا على حق وأنهم على باطل. قال أهل السير: قتل عمار بصفين مع علي بن أبي طالب ﵃، قتله أبو الغادية، ودفن هناك في سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث، وقيل أربع، وتسعين سنة.

стр. 179

٢٨- زيد بن الخطاب أخو عمر ﵁ يكنى أبا عبد الرحمن. كان أسنَّ من أخيه عمر، وأسلم قبل عمر، وكان طُوالاً أسمر شهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . عن ابن عمر قال: قال عمر بن الخطاب لأخيه زيد يوم أحد: أقسمت عليك إلا لبست درعي. فلبسها ثم نزعها. فقال له عمر: مالك؟ فقال: إني أريد بنفسي ما تريد بنفسك. وعنه قال: قال عمر لأخيه زيد يوم أُحد: خذ درعي. قال: إني أريد الشهادة كما تريد فتركاها جميعاً. وعن الجحاف بن عبد الرحمن، من ولد زيد بن الخطاب، عن أبيه قال: كان زيد بن الخطاب يحمل راية المسلمين يوم اليمامة وقد انكشف المسلمون حتى غلبت بنو حنيفة عن الرحال، فجعل زيد يقول أما الرحال فلا رحال، وأما الفرار فلا فرار. ثم جعل يصيح بأعلى صوته: اللهم إني أعتذر إليك من فرار أصحابي وأبرأ اليك مما جاء به مسيلمة. وجعل يشتد بالراية ينفذ بها في نحر العدوّ ثم ضارب بسيفه حتى قتل ووقعت الراية، فأخذها سالم مولى أبي حذيفة فقال المسلمون: يا سالم إنا نخاف أن نؤتى من قبلك فقال: بئس حامل القرآن أنا إن أُتيتم من قبلي.

стр. 180

٢٩- عامر بن ربيعة بن مالك . أسلم قديماً قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين جميعاً ولم يقدم إلى المدينة للهجرة قبله غير أبي سلمة وشهد بدراً والمشاهد كلها. عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قام عامر بن ربيعة يصلي من الليل، وذلك حين نشب الناس في الطعن على عثمان. فصلى من الليل ثم نام فأتي في المنام فقيل له: قم فسل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده فقام فصلى ثم اشتكى فما خرج إلا على جنازة. قال ابن سعد: قال الواقدي: كان موت عامر بن ربيعة بعد قتل عثمان بأيام، وكان قد لزم بيته فلم يشعر الناس إلا بجنازته قد أخرجت ﵁.

стр. 181

٣٠- عثمان بن مظعون . ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جُمَح. يكنى أبا السائب. أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم وهاجر إلى الحبشة الهجرتين وحرَّم الخمر في الجاهلية وقال: لا أشرب شيئاً يُذهب عقلي ويُضحك بي من هو أدنى مني، ويحملني على أن أُنكح كريمتي من لا أريد. وشهد بدراً وكان متعبداً. توفي في شعبان على رأس ثلاثين شهراً من الهجرة وقبَّل النبي ﷺ خده وسماه السلف الصالح١. وهو أول من قبر بالبقيع، وكان له من الولد: عبد الله والسائب، أمهما خولة بنت حكيم. عن عثمان قال: لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله ﷺ من البلاء، وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة، قال: والله إن غُدوّي ورواحي آمناً بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من الأذى والبلاء مالا يصيبني، لنقصٌ كبير في نفسي. فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس وفَت ذمتك قد رددتُ إليك جوارك. قال: لِم يا بن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي. قال: لا، ولكني أرضى بجوار الله ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلِقْ إِلى المسجد فاردُد عليّ جِواري علانيَةً كما أجرتك علانية.

стр. 182

قال: فانطلقنا ثم خرجنا حتى أتينا المسجد فقال لهم الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد علي جواري. قال: قد صدق وقد وجدته وفياً كريم الجوار، ولكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره. ثم انصرف عثمان ولبيدُ بن ربيعة في مجلس من مجالس قريش يُنشدهم، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد وهو ينشدهم: ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل فقال عثمان: صدقت فقال: وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائل فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول. فقال لبيد: يا معشر قريش والله ما كان يؤذى جليسكُم فمتى حدث فيكُم هذا؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا فلا تجِدنّ في نفسك من قوله. فرد عليه عثمان حتى شري أمرهما. فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضّرها والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ. فقال: أما والله يا بن أخي إن كانت عينك عما أصابَها لغنيّة، لقد كنت في ذمة منيعة. فقال عثمان: بلى والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى ما أصاب أختها في الله، وإني في جوار مَن هو أعزّ منك وأقدر١. وعن عائشة قالت: دخلت عليّ امرأة عثمان بن مظعون وهي باذّة الهيئة، فسألتها عن ذلك فقالت: زوجي يصوم النهار ويقوم الليل. فدخل النبي ﷺ فذكرتُ ذلك له. فلقي رسولَ الله ﷺ فقال: " يا عثمان إن الرهبانية لم تُكتب علينا، أفما لك في أسوة؟ فوالله إن أخشاكم لله وأحفظكم لحدوده لأنا". وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ دخل على عثمان بن مظعون وهو ميت. قال: فرأيت دموع رسول الله ﷺ تسيل على خد عثمان بن مظعون. وعن خارجة بن زيد الأنصاري أن أم العلاء امرأةً من نسائهم قد بايعت رسول الله ﷺ أخبرته أنه اقتُسم المهاجرون قُرعةً، قالت: فطار لنا عثمان بن مظعون. فاشتكى فمرّضناه، حتى إذا توفي وجعلناه في ثيابه دخل علينا رسول الله ﷺ فقالت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال لي النبي ﷺ : "وما يدريكِ أن الله أكرمه؟ " فقلت: لا أدري، بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : أما عثمان فقد جاءه والله اليقين، إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وإني رسول الله ما يفعل

стр. 183

بي"، قالت: فوالله لا أزكيّ أحداً بعده أبداً، فأحزنني ذلك. قالت: فنمت فأريت لعثمان عيناً تجري، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: ذلك عمله انفرد باخراجه البخاري١.

стр. 184

٣١- عبد الله بن سهيل بن عمرو . هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، فلما قدم مكة أخذه أبوه فأوثقه وفتنه. قال ابن سعد: قال محمد بن عمر بن عطاء: خرج عبد الله ابن سهيل إلى نفير بدر مع المشركين، مع أبيه سهيل: ولا يشك أبوه أنه قد رجع إلى دينه. فلما التقوا انحاز عبد الله إلى المسلمين حتى جاء رسول الله ﷺ قبل القتال، فشهد بدراً مسلماً وهو ابن سبع وعشرين فغاظ ذلك أباه غيظاً شديداً. قال عبد الله فجعل الله لي وله في ذلك خيراً كثيراً. قال ابن سعد: وشهد عبد الله أُحداً والخندق والمشاهد كلها وقُتل باليمامة شهيداً وهو ابن ثمانٍ وثلاثين سنة. فلما حج أبو بكر في خلافته أتاه سهيل بن عمرو فعزّاه أبو بكر بعبد الله، فقال سهيل: لقد بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "يشفع الشهيد لسبعين من أهله" ٢. فأنا أرجو أن لا يبدأ اِبني بأحد قبلي.

стр. 185

٣٢- سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس . ابن زيد بن عبد الأشهل. يكنى أبا عمرو، وأمه كبشة بنت رافع من المبايعات. أسلم سعد على يد مصعب بن عمير، فأسلم بإسلامه بنو عبد الأشهل، وهي أول دار أسلمت من الأنصار. وشهد بدراً وأُحداً وثبت مع النبي ﷺ يومئذ، ورمي يوم الخندق. ثم انفجر كلمه بعد ذلك فمات في شوال سنة خمس من الهجرة وهو ابن سبع وثلاثين سنة، وصلى عليه رسول الله ﷺ ودفن بالبقيع وله من الولد: عبد الله وعمرو. عن عائشة قالت: خرجت يوم الخندق أقفو أثر الناس فسمعت وئيد الأرض من ورائي فالتفتّ فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مِجنّه قالت: فجلست إلى الأرض. قالت: فمر سعد وهو يرتجز: لبّثْ قليلاً يدركِ الهيجا حَملْ ... ما أحسن الموتَ إذا جاء الأَجلْ

стр. 186

قالت وعليه درع قد خرجت منه أطرافه فأنا أتخوف على أطراف سعد، وكان سعد من أطول الناس وأعظمهم. قالت: فقمت فاقتحمت حديقة فإذا فيها نفر من المسلمين وفيهم عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه تسبغة له، تعني المغفَر، قالت: فقال لي عمر: ما جاء بك؟ والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون تحوز أو بلاء؟ قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت ساعتئذ فدخلتُ فيها. قالت: فرفع الرجل التسبغة عن وجهه فإذا طلحة بن عبيد الله قالت: فقال: ويحك يا عمر إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوز والفرار إلا إلى الله١. قالت: ويرمي سعداً رجل من المشركين يقال له ابن العرقة بسهم، فقال: خذها وأنا ابن العرقة فأصاب أكحله. فدعا الله سعدٌ فقال: اللهم لا تمتني حتى تشفيني من قريظة وكانوا مواليه وحلفاءه في الجاهلية. قال: فرقأ كلمه، وبعث الله الريح على المشركين، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ [الأحزاب: ٢٥] . فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيبنة ومن معه بنجد ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله ﷺ المدينة وأمر بقبة من أدم فضُربت على سعد بن معاذ في المسجد. قال: فجاءه جبريل وعلى ثناياه النقع فقال: أوقد وضعتم السلاح؟ فوالله ما وضعت الملائكة السلاح بعد، أخرج إلى بني قريظة فقاتلهم. قالت: فلبس رسول الله ﷺ لأمته وأذن في الناس بالرحيل. قالت: فأتاهم رسول الله ﷺ فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة فلما اشتد حصرهم واشتد البلاء عليهم قيل لهم: أنزلوا على حكم رسول الله ﷺ . فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر فأشار إليهم أنه الذبح فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ. فبعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ فحمل على حمالو على آكاف من ليف، فحف به قومه فجعلوا يقولون: يا أبا عمرو، حلفاؤك ومواليك ومن قد علمت. ولا يرجع إليهم شيئاً حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم فقال له رسول الله ﷺ : " أُحكم فيهم" قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم، وتقسم أموالهم. فقال رسول الله ﷺ : " لقد حكمت فيهم بحكم الله وبحكم رسوله".

стр. 187

قالت: ثم دعا الله سعد فقال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك. قالت: فانفجر كلمه وقد كان برأ قالت: فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عُمر وأنا في حجرتي، قال: فقلت: فكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته١. وعن الحسن قال: لما مات سعد بن معاذ وكان رجلاً جسيماً جزلاً. جعل المنافقون وهم يمشون خلف سريره يقولون: لم نر كاليوم رجلاً أخف. قالوا: أتدرون لِم ذلك؟ لحكمه في بني قريظة فذُكر للنبي ﷺ . ﷺ . ﷺ فقال: "والذي نفسي بيده لقد كانت الملائكة تحمل سريره" ٢. عن جابر عن النبي ﷺ ، قال: "اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ" أخرجاه في الصحيحين٣. وعن البراء أن النبي ﷺ أُتي بثوب حرير، فجعلوا يتعجبون من حسنه ولينه. فقال: " لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أفضل أو خير من هذا" أخرجاه في الصحيحين٤.

стр. 188

٣٣- عاصم بن ثابت بن قيس يكنى أبا سليمان شهد بدراً وأُحداً، وثبت مع رسول الله ﷺ يومئذ حين ولىّ الناس وبايعه على الموت. وكان من الرماة المذكورين وقتل يوم أحد من أصحاب لواء المشركين مسافعاً والحارث. فنذرت أمهما سُلافة بنت سعد أن تشرب في قحف عاصم الخمر، وجعلت لمن جاءها برأسه مائة ناقة. فقدم ناس من هذيل على رسول الله ﷺ فسألوه أن يوجه معهم من يعلمهم فوجه عاصماً في جماعة، فقال لهم المشركون استأسروا فإنا لا نريد قتلكم وإنما نريد أن نُدخلكم مكة فنصيبَ بكم ثمناً. فقال عاصم: لا أقبل جوار مشرك. وجعل يقاتلهم حتى فنيت نبله.

стр. 189

ثم طاعنهم حتى انكسر رمحه، فقال: اللهم إني حميت دينك أول النهار فاحمِ لحمي آخره. فجرح رجلين وقتل واحداً، وقتلوه فأرادوا أن يحتزّوا رأسه فبعث الله الدبر فحمته، ثم بعث الله إليه سيلاً في الليل فحمله. وذلك يوم الرجيع. هكذا رواه محمد بن سعد. وعن بُريدة بن سفيان الأسلمي: أن رسول الله ﷺ بعث عاصم بن ثابت وزيد بن الدَثِنة، وخُبيب بن عدي، ومَرثَد بن أبي مَرثد، إلى بني لِحيان بالرجيع فقاتلوهم حتى أخذوا أماناً لأنفسهم إلا عاصماً فإنه أبى. وقال: لا أقبل اليوم عهداً من مشرك ودعا عند ذلك فقال: اللهم إني أحمي لك دينك فاحمِ لي لحمي. فجعل يقاتل وهو يقول: ما علّتي وأنا جَلدٌ نابلُ ... والقوس فيها وتَرٌ عُنابِل إن لم أقاتلهم فأمي هابل ... الموت حقّ والحياة باطل وكُلُّ ما حَمَّ الإِلهُ نازل ... بالمرء والمرء إليه آئل قال: فلما قتلوه قال بعضهم لبعض: هذا الذي آلت فيه المكية وهي سلافة. فأرادوا أن يحتزوا رأسه ليذهبوا به إليها، فبعث الله رِجلاً من دَبرٍ فلم يستطيعوا أن يحتزوا رأسه رواه أبو يعلى الأصبهاني.

стр. 190

٣٤- أبو الهيثم بن التيهان واسمه مالك . كان يكره الأصنام في الجاهلية ويقول بالتوحيد هو وأسعد بن زُرارة وكانا أول من أسلم من الأنصار الذين لقوا رسول الله ﷺ بمكة ثم شهد العقبة مع السبعين. وهو أحد النقباء الأثني عشر شهد بدراً وأُحداً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . وتوفي في خلافة عمر ﵄.

стр. 191

٣٥- قتادة بن النعمان بن زيد . شهد العقبة مع السبعين وكان من الرماة المذكورين وشهد بدراً وأُحداً فرُميت يومئذ عينه فسالت. عن الهيثم بن عدي عن أبيه قال: أصيبت عين قتادة بن النعمان يوم أُحد فأتى النبي ﷺ وهي في يده فقال: " ما هذا يا قتادة؟ " قال: هذا ما ترى يا رسول الله. قال: "إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت رددتُها ودعوتُ الله لك فلم تفتقد منها شيئا". فقال: والله يا رسول الله إن الجنة لجزاء جزيل وعطاء جليل ولكني رجل مبتلىً بحب النساء وأخاف أن يقلن أعور فلا يُرِدنني ولكن تردّها لي وتسأل الله لي الجنة. فقال: " أفعل يا قتادة". ثم أخذها

стр. 192

رسول الله ﷺ بيده فأعادها إلى موضعها، فكانت أحسن عينيه إلى أن مات، ودعا الله له بالجنة. فدخل ابنه على عمر بن عبد العزيز فقال له عمر: من أنت يا فتى؟ فقال: أنا ابن الذي سالت على الخدّ عينه ... فردت بكف المصطفى أحسن الردِّ فعادت كما كانت لأحسن حالها ... فيا حُسن ما عينٍ ويا طيب ما يدِ فقال عمر: بمثل هذا فليتوسل إلينا المتوسلون. ثم قال: تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ ... شيبا بماءٍ فعادا بعد أبوالا وشهد قتادة مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها، وكانت معه يوم الفتح راية بني ظفر. وتوفي سنة ثلاث وعشرين وهو ابن خمس وستين وصلى عليه عمر.

стр. 193

٣٦- عبد الله بن طارق بن عمرو بن مالك . شهد بدراً وأُحداً وكان فيمن خرج في غزوة الرجيع فأخذه المشركون ليدخِلوه مكة مع خُبيب. فلما كان بمر الظهران قال: والله لا أصاحبهم، إن لي بهؤلاء أسوة. يعني أصحابه الذين قتلوا. ونزع يده من رباطه وأخذ سيفه وجعل يشتدّ فيهم، فرموه بالحجارة فقتلوه. فقبره بمر الظهران. وكان يوم الرجيع على رأسه ستة وثلاثين شهراً من الهجرة.

стр. 194

٣٧- معن بن عدي شهد العقبة وبدراً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . محمد بن سعد: قال الزهري: قال عروة: بلغنا أن الناس بكوا على النبي ﷺ حين مات، وقالوا: والله لوددنا أنا متنا قبله نخشى أن نفتتن بعده. فقال معن: لكني والله ما أحب أني متّ قبله حتى أصدّقه ميتاً كما صدقتُهُ حياً١.

стр. 195

٣٨- أبو عقيل عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة شهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وقتل يوم اليمامة شهيداً. عن جعفر بن عبد الله بن أسلم، قال: لما كان يوم اليمامة واصطف الناس كان أول من جرح أبو عقيل، رمي بسهم فوقع بين منكبيه وفؤاده في غير مقتل، فأخرج السهم ووهن له شِقَّه الأيسر في أول النهار وجُرّ إلى الرحل. فلما حمي القتال وانهزم المسلمون وجاوزوا رحالهم، وأبو عقيل واهِن من جرحه، سُمع

стр. 196

معن بن عدي يصحيح: يا للأنصار! الله الله والكرّةَ على عدوكم. قال عبد الله بن عمر: فنهض أبو عقيل يريد قومه، فقلت: ما تريد: ما فيك قتال. قال: قد نوَّه المنادي باسمي: قال ابن عمر: فقلت له: إنما يقول: يا للأنصار، ولا يعني الجرحى. قال أبو عقيل: أنا من الأنصار وأنا أجيبه ولو حبواً قال ابن عمر: فتحزم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى، ثم جعل ينادي: يا للأنصار! كرّةً كيوم حُنين فاجتمعوا رحمكم الله جميعاً، تقدموا فالمسلمون دريئة دون عدوهم. حتى أقحموا عدوهم الحديقة فاختلطوا واختلفت السيوف بيننا وبينهم. قال ابن عمر: فنظرت إلى أبي عقيل وقد قطعت يده المجروحة من المنكب فوقعت إلى الأرض وبه من الجراح أربعة عشر جرحاً كلها قد خلصت إلى مقتل وُقتل عدو الله مسيلمة. قال ابن عمر: فوقفت على أبي عقيل وهو صريع بآخر رمق فقلت: يا أبا عقيل! قال: لبيك بلسان ملتاث لمن الدبرة قلت: أبشر قد قتل عدو الله. فرفع إصبعه إلى السماء يحمد الله. ومات يرحمه الله. قال ابن عمر: فأخبرت عمر، بعد أن قدمت، خبره كله. فقال: ﵀، ما زال يسعى للشهادة ويطلبها، وإن كان ما علمت من خيار أصحاب نبينا ﷺ وقديم إسلامهم ﵁.

стр. 197

٣٩- سعد بن خيثمة بن الحارث يكنى أبا عبد الله، أحد نقباء الأنصار الأثني عشر. شهد العقبة الأخيرة مع السبعين. ولما ندب رسول الله ﷺ الناس إلى غزوة بدر قال له أبوه خيثمة: إنه لا بد لأحدنا أن يقيم، فآثرني بالخروج وأقم مع نسائك. فأبى سعد وقال: لو كان غير الجنة آثرتك به، إن لأرجو الشهادة في وجهي هذا. فاستهما فخرج سهم سعد فخرج فقتل ببدر أخبرنا بذلك أبو بكر بن أبي طاهر، قال: أخبرنا الجوهري قال: ابنا ابن حيوة قال: إبنا ابن معروف قال: ابنا ابن الفهم قال: ابنا محمد بن سعد، ﵀ ورضي الله عنه، وحشرنا في زمرته وزمرة أصحابه.

стр. 198

٤٠- أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري . شهد العقبة مع السبعين، ونزل عليه رسول الله ﷺ حين رحل من قُباء إلى المدينة، وشهد بدراً وأُحداً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . عن أفلح مولى أبي أيوب، عن أبي أيوب، أن رسول الله ﷺ لما نزل المدينة نزل على أبي أيوب فنزل النبي ﷺ أسفل، وأبو أيوب في العلو، فانتبه أبو أيوب ذات ليلة فقال:

стр. 199

نمشي فوق رأس رسول الله ﷺ ! فتحول فباتوا في جانب. فلما أصبح ذكر ذلك للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ : " أسفل أرفقُ بي". فقال أبو أيوب: لا أعلو سقيفةً أنت تحتها. فتحول أبو أيوب في السفل، والنبي ﷺ في العلو١. وعن ابن عباس قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يخرج من خيبر قال القوم: الآن نعلم أسريةٌ صفيةُ أم امرأة؟ فإن كانت امرأة فسيحجبها وإلا فهي سرية. فلما خرج أمر بسترٍ فستر دونها فعرف الناس أنها إمرأة فلما أرادت أن تركب أدنى فخذه منها لتركب عليها، فأبت ووضعت ركبتها على فخذه، ثم حملها. فلما كان الليل نزل فدخل الفُسطاط ودخلت معه وجاء أبو أيوب فبات عند الفسطاط، معه السيف، واضع رأسه على الفسطاط. فلما أصبح رسول الله ﷺ سمع الحركة فقال: "من هذا؟ " فقال: أنا أبو أيوب. فقال: "ما شأنك؟ " فقال: يا رسول الله جارية شابة حديثة عهدٍ بعرس وقد صنعت بزوجها ما صنعت فلم آمنها، قلت إن تحركت كنت قريباً منك. فقال رسول الله ﷺ : " رحمك الله يا أبا أيوب"، مرتين٢. قال الواقدي: توفي أبو أيوب عام غزا يزيد بن معاوية القسطنطنيةَ في خلافة أبيه معاوية سنة اثنتين وخمسين، وصلى عليه يزيد وقبره بأصل حصن القسطنطنية بأرض الروم، فلقد بلغنا أن الروم يتعاهدون قبره ويزورونه ويستسقون به إذا قحطوا.

стр. 200

٤١- حارثة بن النعمان بن نفيع الأنصاري . يكنى أبا عبد الله، شهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ عن محمد بن سعد قال: قال حارثة: رأيت جبريل مرتين: حين خرج النبي ﷺ إلى بن قُريظة مرّ بنا في صورة دحية. ويوم موضع الجنائز حين رجعنا من حُنين مررت وهو يكلم النبي ﷺ . فلم أسلم. فقال جبريل: من هذا؟ قالوا: حارثة. قال لو سلّم لرددنا عليه٣. قال ابن سعد: وقال الواقدي: كانت لحارثة منازل قرب منازل النبي ﷺ بالمدينة، فكان كلما أحدث النبي ﷺ أهلاً تحول له حارثة عن منزل بعد منزل. حتى قال النبي ﷺ : "لقد استحييت من حارثة مما يتحول لنا عن منازله" ٤.

стр. 201

وتوفي حارثة في خلافة معاوية. عن محمد بن عثمان، عن أبيه أن حارثة بن النعمان كان قد كف بصره، فجعل خيطاً من مصلاه إلى باب حجرته، ووضع عنده مِكتلا فيه تمر وغير ذلك فكان إذا سلّم المسكينُ أخذ من ذلك التمر ثم أخذ على ذلك الخيط حتى يأخذ إلى باب الحجرة فيناوله المسكين. فكان أهله يقولون: نحن نكفيك. فيقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن مناولة المسكين تقي ميتة السوء" ١. وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " نمت فرأيتني في الجنة، فسمعت صوت قارئ يقرأ. فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة ابن النعمان". فقال رسول الله ﷺ "كذاك البِرُّ" ٢. وكان أَبرّ الناس بأمه.

стр. 202

٤٢- معاذ بن عفراء . وعفراء: أمه، نسب إليها. وأبوه: الحارث بن رفاعة بن الحارث. شهد العقبتين وبدراً. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كان معاذ بن عفراء لا يدع شيئاً إلا تصدق به. فلما ولد له استشفعت إليه امرأته بأخواله فكلموه وقالوا له: إنك قد أعلت، فلو جمعت لولدك. قال: أبت نفسي إلا أن أستتر بكل شيء أجده من النار. فلما مات ترك أرضاً إلى جنب أرضٍ لرجل. قال عبد الرحمن وعليه ملاءة صفراء ما تساوي ثلاثة دراهم: ما يسرني الأرض بملاءتي هذه. فامتنع وليّ الصبيان. فاحتاج إليها جار الأرض فباعها بثلاثمائة ألف. وروي عن عمر بن شَبّة قال: حدثنا وهب بن جرير قال: نا أبي قال: سمعت محمد بن سيرين يحدّث عن أفلح مولى أبي أيوب قال: كان عمر يأمر بحُللٍ تُنسج لأهل بدر يتنوّق فيها. فبعث إلى معاذ بن عفراء حلةً فقال لي معاذ: يا أفلح بع هذه الحلة. فبعتها له بألف وخمسمائة درهم. ثم قال: اذهب فابتع لي بها رقاباً. فاشتريت له خمس رقاب ثم قال: والله إن امرأً اختار قشرين يلبسهما على خمس رقاب يعنقها؛ لغبين الرأي، اذهبوا فأنتم أحرار. فبلغ عمر أنه لا يلبس ما يبعث به إليه فاتخذ له حلةً غليظة أنفق عليها مائة درهم. فلما أتاه بها الرسول قال: ما أراه بعثك بها إلي. قال: بلى والله. فأخذ الحلة فأتى بها عمر فقال:

стр. 203

يا أمير المؤمنين بعثت إلي بهذه الحلة؟ قال: نعم إن كنا لنبعثُ إليك بحلة مما نتخذ لك ولإخوانك فبلغني أنك لا تلبسها. فقال: يا أمير المؤمنين إني وإن كنت لا ألبسها فإني أحب أن يأتيني من صالح ما عندك فأعاد له حلته. توفي معاذ بعد مقتل عثمان ﵁.

стр. 204

٤٣- أبي بن كعب بن قيس بن عبيد يكنى أبا المنذر، شهد العقبة مع السبعين وبدراً، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . وكان يكتب له الوحي. وهو أحد الذين حفظوا القرآن كله على عهد رسول الله ﷺ ، وأحد الذين كانوا يُفتون على عهد رسول الله ﷺ . ولم يكن بالطويل ولا بالقصير. وله من الولد: الطفيل، ومحمد، وأم عمرو. قال عمر بن الخطاب في حقه: "هذا سيد المسلمين "، ومات في سنة ثلاثين. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ لأبيّ بن كعب: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ [البينة: ١] . قال: وسمّاني لك؟ قال: "نعم". فبكى. أخرجاه في الصحيحين١. وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : " أني أُمرت أن أعرض عليك القرآن". فقال: بالله آمنتُ، وعلى يدك أسلمت، ومنك تعلمت. قال: فرد النبي ﷺ القول. فقال: يا رسول الله وذُكرتُ هناك؟ قال: " نعم باسمك ونسبك في الملأ الأعلى". قال: فافرأ إذاً يا رسول الله٢. وقد روى مسلم في أفراده من حديث أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : " يا أبا المنذر، أتدري أيّ آيةٍ من كتاب الله أعظم؟ " قال: قلت: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قال: فضرب في صدري وقال: " ليهنئك العلم يا أبا المنذر" ٣. وعن أبي المهلب، عن أبي بن كعب: أنه كان يختم القرآن في كل ثماني ليالٍ وكان تميم الداري يختمه في سبع٤.

стр. 205

وعن عمران بن عبد الله قال: قال أُبَيُّ لعمر: مالك لا تستعملني؟ قال: أخاف أن يدنِّس دينك١. وعن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: عليكم بالسبيل والسنّة فإنه ليس من عبدٍ على سبيلٍ وسنّة ذكر الرحمنَ ففاضَت عيناه من خشية الله فتمسَّه النار، وليس من عبد على سبيلٍ وسنة ذكر الرحمن فاقشعر جلده من خشيةِ الله إلا كان مثله كمثل شجرة يبِس ورقُها فبينما هي كذلك إذ أصابتها الريح فتحاتَّ عنها ورقها؛ إلا تحاتَّت عنه ذنوبه كما تحاتَّ عن هذه الشجرة ورقُها، وإن اقتصاداً في سبيلٍ وسنَّةٍ خيرٌ من اجتهاد في خلافٍ من سبيل وسنّةٍ. وعن عبيد بن عمير، عن أُبي بن كعب قال: ما من عبد ترك شيئاً لله إلا أبدله الله به ما هو خير منه من حيث لا يحتسب، وما تهاون به عبد فأخذه من حيث لا يصلح إلا أتاه الله بما هو أشد عليه منه، من حيث لا يحتسب. وعن أُبي بن كعب أنه قال: يا رسول الله ما جزاء الحمّى؟ قال: " تُجري الحسنات على صاحبها ما اختلج عليه قدم أو ضرب عليه عِرقٌ" فقال أبي بن كعب: اللهم إني أسألك حُمىّ لا تمنعني خُروجاً في سبيلك، ولا خُروجاً إلى بيتك، ولا مسجد نبيك. قال: فلم يُمسِ أُبيّ قطُّ إلا وبه حُمّى٢.

стр. 206

٤٤- أبو طلحة زيد بن سهل بن الأسود . شهد العقبة مع السبعين وبدراً والمشاهد كلها مع رسول الله وكان من الرماة المذكورين. وله من الولَد: عبد الله، وأبو عمير: أمهما أم سليم بنت ملحان. عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالاً، وكان أحب أمواله إليه بيرجاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ، اللهم إن أحبّ أَموالي إليَّ بيرحاءُ وإنها صدقة الله أرجو بِرَّها وذُخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال النبي ﷺ : "بخ، وذاك مال رابح، ذاك ما رابح وقد سمعت، وأنا أرى

стр. 207

أن تجعلها في الأقربين". فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله. قال: فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. أخرجاه في الصحيحين١. وعنه قال: كان أبو طلحة بين يدي رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ يرفع رأسه من خلفه ينظر إلى مواقع نبله. قال: فيتطاول أبو طلحة بصدره يقي به رسول الله ﷺ ويقول: يا رسول الله نحري دون نحرك رواه الإمام أحمد٢. وروي أيضاً عنه عن النبي ﷺ قال: "لصوت أبي طلحة في الجيش خيرٌ من فئةٍ" رواه الإمام أحمد. وعنه أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: " من قتل قتيلاً فله سلبه". "فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلاً فأخذ أسلابهم٣. وعنه أن النبي ﷺ لما حلق في حجته بدأ بشقه الأيمن وقال: "هكذا". فوزعه بين الناس فأصابهم الشعرةُ والشعرتان وأقل من ذلك وأكثر ثم قال بشقه الآخر: "هكذا "، فقال: أين أبو طلحة؟ فدفعه إليه. وعنه أن أبا طلحة ما أفطر بعد رسول الله ﷺ إلا في مرض أو سفرٍ، حتى لقي الله٤. وعنه أن أبا طلحة سرد الصومَ بعد رسول الله ﷺ أربعين عاماً. وعنه أن أبا طلحة غزا البحر فمات فلم يوجد له جزيرة يدفن فيها، سبعة أيام، فلم يتغير. قال الواقدي: أهل البصرة يرون أن دفن في جزيرة وإنما دفن بالمدينة سنة أربع وثلاثين وهو ابن سبعين سنة وصلى عليه عثمان. قلت: وما روينا عن أنس أنه صام بعد رسول الله ﷺ أربعين سنة يخالف هذا. والله أعلم.

стр. 208

٤٥- سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير . أحد النقباء. شهد العقبة وبدراً وأُحداً وقتل يومئذ ﵁. عن يحيى بن سعيد قال: لما كان يوم أحد قال رسول الله ﷺ : " من يأتيني بخبر سعيد بن الربيع؟ " فقال رجل: أنا يا رسول الله. فذهب الرجل يطوف بين القتلى فقال له سعد بن الربيع: ما شأنك؟ قال بعثني النبي ﷺ لآتيه بخبرك. قال: فاذهب إليه واقرئه مني السلام وأخبره أني قد طُعنت اثنتي عشرة طعنة وأني قد أُنفِذَت مَقاتلي، وأخبر قومك أنه لا عذر لهم عند الله إن قُتل رسول الله ﷺ وأَحَدٌ منهم حي١. قال ابن سعد: قال الواقدي: ومات من جراحاته تلك.

стр. 209

٤٦- عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس: يكنى أبا محمد. أحد النقباء الأثني عشر. شهد العقبة مع السبعين، وبدراً، وأُحداً، والخندق، والحديبية، وخَيبر وعُمرة القضية. واستخلفه رسول الله ﷺ على المدينة في غزوة بدر الموعد، وبعثه سرية في ثلاثين إلى أُسير بن رزام اليهودي بخيبر فقتله، وأرسله إلى خيبر خارصاً فلم يزل يخرُص عليهم إلى أن قتل بمؤته. وعن أبي الدرداء قال: لقد رأيتُنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره في اليوم الحار الشديد الحر، حتى إن الرجل ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما في القوم صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله ابن رواحه أخرجاه في الصحيحين٢. وعن قيس، عن عبد الله بن رواحة: أنه بكى فبكت امرأته فقال: ما يُبكيك؟ قالت: رأيتك بكيتَ فبكيتُ لبكائك. قال: إني أُنبئت أني وارد ولم أُنبأ أني صادر رواه الإمام أحمد. وعن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته تبكي عليه وتقول: واجبلاه، واكذا، واكذا. وتعدد عليه. فقال ابن رواحة لما أفاق: ما قلت شيئاً وقد قيل لي: أنت كذا.

стр. 210

وعن عروة بن الزبير قال: لما تجهز الناس وتهيئوا للخروج إلى مؤتة قال المسلمون: صبحكم الله ودفع عنكمز فقال عبد الله ابن رواحة: لكنني أسأل الرحمن مغفرةً ... وضربةً ذاتَ فَرغٍ تقذف الزَبدا أو طَعنَةً بيدي حرّان مجهزة ... بحربةٍ تنفذ الأحشاءَ والكبدا حتى يَقولوا إذا مروا على جدثي ... أرشدك ربك من غازٍ وقد رَشدا قال: ثم مضوا حتى نزلوا أرض الشام. فبلغهم أن هرقل قد نزل من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم وانضمت إليه المستعربة من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلي، في مائة ألف. فأقاموا ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ نخبره بعدد عدوّنا. قال: فشجّع عبد الله بن رواحة الناس ثم قال: والله يا قوم إن الذي تكرهون: الذي خرجتم له تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدَّة ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا لهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحُسنيين: إما ظهور وإما شهادة. فقال الناس: صدق والله ابن رواحة. فمضى الناس. وعن الحكَم بن عبد السلام بن نعمان بن بشير الأنصاري: أن جعفر بن أبي طالب حين قُتل دعا الناس: يا عبد الله بن رواحة، يا عبد الله بن رواحة. وهو في جانب العسكر ومعه ضِلع جملٍ ينهشه ولم يكن ذاق طعاماً قبل ذلك بثلاث. فرمى الضلع ثم قال: وأنتِ مع الدنيا. ثم تقدم فقاتل فأصيبت إصبعه فارتجز فجعل يقول: هل أنتِ إلا إصبع دَميتِ ... وفي سبيل الله ما لَقيتِ يا نَفس إلا تُقتلي تموتي ... هذا حياض الموت قد صليت وما تمنيتِ فقد لقيتِ ... إن تفعلي فعلهما هُديت وإن تأخَّرت فقد شقيت ثم قال: يا نفس إلى أي شيء تتوقين؟ إلى فلانة؟ هي طالق ثلاثاً. وغلى فلانٍ وإلى فلان؟ غلمان له، وإلى معجف، حائط له، لهو لله ولرسوله. يانفسُ مالكِ تكرهين الجنه ... أقسم بالله لتنزلنَّه طائعةً أو لا لتكرهنّه ... فطال ما قد كنتِ مطمئنّه هل أنت إلا نُطفة في شَنّه ... قد أجلب الناس وشدو الرّنه١

стр. 211

٤٧- أبو دُجانة سِماك بن خرشة . ابن لوذان. شهد بدراً وأُحداً وثبت مع رسول الله ﷺ يومئذ وبايعه على الموت، وقتل يوم اليمامة. عن أنس: أن رسول الله ﷺ أخذ سيفاً يوم أحد فقال: " من يأخذ هذا السيف؟ " فأخذه قوم فجعلوا ينظرون إليه. فقال: " من يأخذه بحقه؟ " فأحجم القوم. فقال أبو دُجانة سِماك: أنا آخذه بحقه. فأخذه ففلق هام المشكرين رواه الإمام أحمد١. وعن زيد بن أسلم قال: دخل على أبي دجانة وهو مريض، وكان وجهه يتهلل. فقيل: ما لوجهك يتهلل؟ فقال: ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين: أما إحداهما فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الأخرى: فكان قلبي للمسلمين سليماً٢.

стр. 212

٤٨- عبد الله عمرو بن حرام بن ثعلبة أبو جابر . أحد النقباء. شهد العقبة مع السبعين، وبدراً، وأحداً، وقتل يومئذ. عن جابر بن عبد الله، قال: لما قتل أبي يوم أحد جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، وجعل أصحاب رسول الله ﷺ ينهوني والنبي ﷺ لا ينهاني، قال: وجعلت عمتي فاطمة بنت عمرو تبكي عليه. فقال النبي ﷺ : " أبكيه أولا تبكيه ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه" ٣. وعن جابر قال: قتل أبي يوم أحد فبلغني ذلك فأقبلت فإذا هو بين يدي النبي ﷺ مسجيَّ. فتناولت الثوب عن وجهه وأصحاب رسول الله ﷺ ينهوني، كراهية أن أرى مابه من المُلة، ورسول الله ﷺ لا ينهاني فلما رفع قال رسول الله ﷺ : " مازالت الملائكة حافّةً بأجنحتها حتى رُفع". ثم لقيني بعد أيام فقال: " أي بني ألا أبشّرك؟ إن الله تعالى أحيا أباك فقال: تمنَّه. فقال: يا رب، أتمنى يا رب أن تعيد روحي وتردني إلى الدنيا حتى أُقتل مرةً أخرى. قال: إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون" ٤. وعن جابر قال: صُرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاوية العين، فأخرجناهم بعد أربعين سنةً لينةً أجسادُهم تتثنى أطرافهم.

стр. 213

٤٩- عُمير بن الحُمام . قتل ببدر. قال عاصم بن عمر: هو أول قتيل قُتل من الأًنصار في الإسلام. عن أنس، قال: انطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين في بدر. فدنا المشركون فقال النبي ﷺ : "قوموا إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض" قال: نعم. قال: بَخٍ بَخٍ. قال رسول الله ﷺ : " ما حملك على قولك بَخٍ بَخٍ؟ " قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءَ أن أكون من أهلها. قال: " فانك من أهلها". قال: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. قال: فرمى ما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتل رضي الله عنه١.

стр. 214

٥٠- قطية بن عامر بن حديدة . يكنى أبا زيد. لقي رسول الله ﷺ في الستة الذين أسلموا أول من أسلم من الأنصار وشهد العقبتين وبدراً ورمى يوم بدر حجراً بين الصفين وقال: لا أفر حتى يفر هذا الحجر. وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكان من الرماة المذكورين وجرح يوم أُحد تسع جراحات. وتوفي في خلافة عثمان ﵄.

стр. 215

٥١- معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس . يكنى أبا عبد الرحمن. واسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد العقبة مع السبعين وبدراً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . وأردفه رسول الله ﷺ وراءه٢، وبعثه إلى اليمن بعد غزوة تبوك، وشيعه ماشياً في مخرجه وهو راكب. وكان له من الولد: عبد الرحمن، وأم عبد الله، وولد آخر لم يُذكر اسمه. ذكر صفته: عن أبي بحرية قال: دخلت مسجد حمص فإذا أنا بفتى حوله الناس جعدٍ قططٍ، فإذا تكلم كأنما يخرج من فيه نور ولؤلؤ فقلت: من هذا؟ قالوا: معاذ بن جبل. اسم أبي بحرية: يزيد بن قطيب السكوني. وعن أبي مسلم الخولاني قال: أتيت مسجد دمشق فاذا حلقةٌ فيها كهولٌ من أصحاب
следующие страницы →