← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12031

صفة الصفوة

ابن الجوزي

Полный текст (1 666 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٤٧- أبو دُجانة سِماك بن خرشة . ابن لوذان. شهد بدراً وأُحداً وثبت مع رسول الله ﷺ يومئذ وبايعه على الموت، وقتل يوم اليمامة. عن أنس: أن رسول الله ﷺ أخذ سيفاً يوم أحد فقال: " من يأخذ هذا السيف؟ " فأخذه قوم فجعلوا ينظرون إليه. فقال: " من يأخذه بحقه؟ " فأحجم القوم. فقال أبو دُجانة سِماك: أنا آخذه بحقه. فأخذه ففلق هام المشكرين رواه الإمام أحمد١. وعن زيد بن أسلم قال: دخل على أبي دجانة وهو مريض، وكان وجهه يتهلل. فقيل: ما لوجهك يتهلل؟ فقال: ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين: أما إحداهما فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الأخرى: فكان قلبي للمسلمين سليماً٢.

стр. 212

٤٨- عبد الله عمرو بن حرام بن ثعلبة أبو جابر . أحد النقباء. شهد العقبة مع السبعين، وبدراً، وأحداً، وقتل يومئذ. عن جابر بن عبد الله، قال: لما قتل أبي يوم أحد جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، وجعل أصحاب رسول الله ﷺ ينهوني والنبي ﷺ لا ينهاني، قال: وجعلت عمتي فاطمة بنت عمرو تبكي عليه. فقال النبي ﷺ : " أبكيه أولا تبكيه ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه" ٣. وعن جابر قال: قتل أبي يوم أحد فبلغني ذلك فأقبلت فإذا هو بين يدي النبي ﷺ مسجيَّ. فتناولت الثوب عن وجهه وأصحاب رسول الله ﷺ ينهوني، كراهية أن أرى مابه من المُلة، ورسول الله ﷺ لا ينهاني فلما رفع قال رسول الله ﷺ : " مازالت الملائكة حافّةً بأجنحتها حتى رُفع". ثم لقيني بعد أيام فقال: " أي بني ألا أبشّرك؟ إن الله تعالى أحيا أباك فقال: تمنَّه. فقال: يا رب، أتمنى يا رب أن تعيد روحي وتردني إلى الدنيا حتى أُقتل مرةً أخرى. قال: إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون" ٤. وعن جابر قال: صُرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاوية العين، فأخرجناهم بعد أربعين سنةً لينةً أجسادُهم تتثنى أطرافهم.

стр. 213

٤٩- عُمير بن الحُمام . قتل ببدر. قال عاصم بن عمر: هو أول قتيل قُتل من الأًنصار في الإسلام. عن أنس، قال: انطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين في بدر. فدنا المشركون فقال النبي ﷺ : "قوموا إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض" قال: نعم. قال: بَخٍ بَخٍ. قال رسول الله ﷺ : " ما حملك على قولك بَخٍ بَخٍ؟ " قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءَ أن أكون من أهلها. قال: " فانك من أهلها". قال: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. قال: فرمى ما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتل رضي الله عنه١.

стр. 214

٥٠- قطية بن عامر بن حديدة . يكنى أبا زيد. لقي رسول الله ﷺ في الستة الذين أسلموا أول من أسلم من الأنصار وشهد العقبتين وبدراً ورمى يوم بدر حجراً بين الصفين وقال: لا أفر حتى يفر هذا الحجر. وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكان من الرماة المذكورين وجرح يوم أُحد تسع جراحات. وتوفي في خلافة عثمان ﵄.

стр. 215

٥١- معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس . يكنى أبا عبد الرحمن. واسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد العقبة مع السبعين وبدراً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . وأردفه رسول الله ﷺ وراءه٢، وبعثه إلى اليمن بعد غزوة تبوك، وشيعه ماشياً في مخرجه وهو راكب. وكان له من الولد: عبد الرحمن، وأم عبد الله، وولد آخر لم يُذكر اسمه. ذكر صفته: عن أبي بحرية قال: دخلت مسجد حمص فإذا أنا بفتى حوله الناس جعدٍ قططٍ، فإذا تكلم كأنما يخرج من فيه نور ولؤلؤ فقلت: من هذا؟ قالوا: معاذ بن جبل. اسم أبي بحرية: يزيد بن قطيب السكوني. وعن أبي مسلم الخولاني قال: أتيت مسجد دمشق فاذا حلقةٌ فيها كهولٌ من أصحاب

стр. 216

محمد ﷺ ، وإذا شاب فيهم أكحل العين برّاق الثنايا. كلما اختلفوا في شيء ردّوه إلى الفتى. قال: قلت لجليسٍ لي: من هذا؟ قالوا: هذا معاذ بن جبل. وعن الواقدي، عن أشياخ له قالوا: كان معاذ رجلاً طُوالاً أبيض حسن الشعر عظيم العينين مجموع الحاجبين جعداً قططاً. ذكر نبذة من زهده: عن مالك الداري أن عمر بن الخطاب ﵁ أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرَّة فقال للغلام اذهب بها إلى عبيدة بن الجراح ثم تَلَّه ساعةً في البيت حتى تنظر ما يصنع. فذهب الغلام، قال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك. قال: وصله الله ورحمه. ثم قال: تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى أنفذها. فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد أعدّ مثلها لمعاذ بن جبل فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل، وتلّه في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع. فذهب بها إليه قال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك فقال: ﵀ ووصله. تعالي يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا فاطلعت امرأته فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران، فدحا بهما إليها فرجع الغلام إلى عمر فأخبره بذلك فقال: إنهم إخوةٌ بعضهم من بعض١. ذكر نبذة من ورعه: عن يحيى بن سعيد قال: كانت تحت معاذ بن جبل امرأتان فاذا كان عند احداهما لم يشرب في بيت الأخرى الماء. وعن يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان. فإذا كان يوم إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى ثم توفيتا في السقم الذي بالشام، والناس في شغل، فدفنتا في حفرة فأسهم بينهما أيتهما تُقدَّم في القبر. ذكر نبذة من تعبده واجتهاده: عن ثور بن يزيد قال قال: كان معاذ بن جبل إذا تهجَّد من الليل قال: اللهم قد نامَت العُيون

стр. 217

وغارت النجوم وأنت حي قيوم، اللهم طلبي للجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف، اللهم اجعل لي عندك هُدىً ترده إليّ يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد. ذكر جوده وكرمه: عن ابن كعب بن مالك قال: كان معاذ بن جبل شاباً جميلاً سمحاً من خير شباب قومه لا يُسأل شيئاً إلا أعطاه، حتى أدّان دَيناً أغلق ماله. فكلم رسول الله ﷺ أن يكلم غُرماءه أن يضعوا له شيئاً ففعل فلم يضعوا له شيئاً. فدعاه النبي ﷺ فلم يبرح حتى باع ماله فقسمه بين غرمائه، فقام معاذ لا مال له١. قال الشيخ ﵀: كان غرماؤه من اليهود فلهذا لم يضعوا له شيئاً. ذكر ثناء رسول الله ﷺ على معاذ ومشبه معه وهو راكب: عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل" ٢ رواه الإمام أحمد. وعن عاصم بن حميد، عن معاذ بن جبل قال: لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن خرج معه رسول الله ﷺ يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله ﷺ يمشي تحت راحلته. فلما فرغ قال: " يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك تمر بمسجدي هذا وقبري". فبكى معاذ خشعاً لفراق رسول الله ﷺ ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال: " إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا" ٣. ذكر ثناء الصحابة عليه: عن شهر بن حوشب قال: قال عمر بن الخطاب: لو استخلفت معاذ بن جبل فسألني عنه ربي : ما حملك على ذلك؟ لقلت: سمعت نبيك ﷺ يقول: " إن العلماء إذا حضروا ربهم كان بين أيديهم رتوةً بحجر" ٤.

стр. 218

وعن الشعبي قال: حدثني فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود: إن معاذ بن جبل كان أمّة قانتاً لله حنيفاً. فقيل: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً﴾ [النحل: ١٢٠] . فقال: ما نسيتُ، هل تدري ما الأمّة، وما القانت؟ فقلت. الله أعلم فقال، الأمّة، الذي يعلم الخير والقانت: المطيع لله وللرسول. وكان معاذ بن جبل يعلّم الناس الخير، وكان مطيعاً لله ورسوله١. وعن شهر بن هوشب قال. كان أصحاب محمد إذا تحدّثوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبةً له. ذكر نبذة من مواعظه وكلامه: عن أبي إدريس الخولاني، أن معاذ بن جبل قال: إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق، والصغير والكبير، والأحمر والأسود، فيوشك قائل أن يقول: مالي أقرأ على الناس القرآن فلا يتبعوني عليه فما أظنهم يتبعوني عليه حتى أبتدع لهم غيره. إياكم وإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة وأحذركم زيغه الحكيم فإن الشيطان يقول: عليّ في الحكيم كلمة الضلالة، وقد يقول المنافق كلمة الحق فاقبلوا الحق فإن على الحق نوراً، قالوا: وما يدرينا رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة؟ قال: هي كلمة تنكرونها منه وتقولون ما هذه؟ فلا يثنكم، فإنه يوشك أن يفيء ويراجع بعض ما تعرفون. وعن عبد الله بن سلمة قال: قال رجل لمعاذ بن جبل: علمني. قال: وهل أنت مطيعي؟ قال: إني على طاعتك لحريص. قال: صم وأفطر، وصل ونم، واكتسب ولا تأثم، ولا تموتنّ إلا وأنت مسلم، وإياك ودعوة المظلوم. وعن معاوية بن قُرّة قال: قال معاذ بن جبل لابنه: يا بني إذا صليت فصلّ صلاة مودّع لا تظن أنك تعود إليها أبداً، واعلم يا بني أن المؤمن يموت بين حسنتين، حسنة قدمها وحسنة أخرها. وعن أبي ادريس الخولاني قال: قال معاذ. إنك تجالس قوماً لا محالة يخوضون في الحديث فإذا رأيتهم غفلوا فارغب إلى رب عند ذلك رغباتٍ رواهما الإمام أحمد.

стр. 219

وعن محمد بن سيرين قال: أتى رجل معاذ بن جبل ومعه أصحابه يسلمون عليه ويودعونه، فقال. إني موصيك بأمرين أن حفظّهما حفظت، إنه لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أفقر، فآثر من الآخرة على نصيبك من الدنيا حتى ينتظمه لك انتظاماً فتزول به معك أينما زلت. وعن الأسود بن هلال قال: كنا نمشي مع معاذ فقال: اجلسوا بنا نُؤمِنُ ساعةً. وعن أشعث بن سليم قال: سمعت رجاء بن حيوة، عن معاذ بن جبل قال: ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم، وستبتلون بفتنة السراء، وأخوف ما أخاف عليكم فتنة النساء إذا تسورن الذهب، ولبسن رياط الشام وعصب اليمن فأتعبن الغنى وكلفن الفقير مالا يجد. ذكر مرضه ووفاته: عن طارق بن عبد الرحمن قال: وقع الطاعون بالشام فاستغرقها فقال الناس: ما هذا إلا الطوفان إلا أنه ليس بماء فبلغ معاذ بن جبل فقام خطيباً فقال: إنه قد بلغني ما تقولون، وإنما هذه رحمة ربكم ودعوة نبيكم وكموت الصالحين قبلكم، ولكن خافوا ما هو أشد من ذلك، أن يغدو الرجل منكم من منزله لا يدري أمؤمنٌ هو أو منافق وخافوا إمارة الصبيان. وعن شهر بن حوشب، عن رابّه رجل من قومه، كان شهد طاعون عمواس قال: لما اشتعل الوجع قام أبو عبيدة بن الجراح في الناس خطيباً فقال: أيها الناس إن هذا الوجع رحمة ربكم ودعوةُ نبيكم وموتُ الصالحين قبلكم وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم له منه حظه. قال: وطُعن فمات رحمة الله عليه واستخلف على الناس معاذ بن جبل فقام خطيباً بعده فقال: أيها الناس إن هذا الوجع رحمةُ ربكم ودعوةُ نبيكم وموتُ الصالحين قبلكم، وإن معاذاً يسأل الله أن أن يقسم لآل معاذ منه حظه. قال: فطعن ابنه عبد الرحمن. قال ثم قام فدعا ربه لنفسه فطعن في راحته فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقبل ظهر كفه ثم يقول: ما أحب أن لي بما فيك شيئاً من الدنيا. فلما مات استخلف على الناس عمرو ابن العاص. وعن عبد الله بن رافع قال: لما أصيب أبو عبيدة في طاعون عمواس استخلف على الناس معاذ بن جبل. واشتد الوجع فقال الناس لمعاذ: ادع الله أن يرفع عنا هذا الرجز. فقال: إنه ليس برجز ولكنه دعوة نبيكم وموتُ الصالحين قبلكم، وشهادةٌ يختص الله بها من يشاء من عباده منكم، أيها الناس، أربع خلال من استطاع منكم أن لا يدركه شيء منها فلا يدركه شيء

стр. 220

منها قالوا: وما هنَّ؟ قال: يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويصبح الرجل على دين ويمسي على آخر، ويقول الرجل: والله لا أدري على ما أنا؟ لا يعيش على بصيرة ولا يموت على بصيرة، ويعطي الرجل من المال مال الله على أن يتكلم بكلام الزور الذي يسخط الله، اللهم آت آل معاذ نصيبهم الأوفى من هذه الرحمة. فطُعن ابناه فقال: كيف تجدانكما؟ قالا: يا أبانا، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] قال: وأنا ستجداني إن شاء الله من الصابرين. ثم طُعنت امرأتاه فهلكتا وطُعن هو في إبهامه فجعل يمسها بفيه ويقول: اللهم إنها صغيرة فبارِك فيها فإنك تبارك في الصغيرة حتى هَلك. وعن الحارث بن عمير قال: طُعن معاذ وأبو عبيدة وشُرحبيل ابن حسنة، وأبو مالك الأشعري في يوم واحد. فقال معاذ: إنه رحمة ربكم ودعوة نبيكم وقبضُ الصالحين من قبلكم، اللهم آت آل معاذ النصيب الأوفر من هذه الرحمة. فما أمسى حتى طعن ابنه عبد الرحمن بكره الذي كان يكنى به وأحبَّ الخلق إليه. فرجع من المسجد فوجده مكروباً فقال يا عبد الرحمن كيف أنت؟ فقال: يا أبة ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] فقال معاذ: وأنا إن شاء الله ستجدني من الصابرين. فأمسكه ليلته ثم دفنه من الغد. فطعن معاذ فقال حين اشتد به نزع الموت فنزع نزعاً لم ينزعه أحد وكان كلما أفاق من غمرة فتح عينيه ثم قال رب اخنقني خنقك، فوعزتك إنك لتعلم أن قلبي يحبك١. وعن عمر بن قيس عمن حدثه عن معاذ قال، لما حضره الموت قال: انظروا أصبحنا؟ قال: فأتي فقيل: لم نصبح حتى أتى في بعض ذلك فقيل له: قد أصبحت. فقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها النار، مرحباً بالموت مرحباً، زائر مغب، حبيب جاء على فاقة، اللهم إني قد كنت أخافك وأن اليوم أرجوك، إنك لتعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري النهار ولا لغرس الأشجار ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر. اتفق أهل التاريخ أن معاذاً ﵁ مات في طاعون عمواس يناحية الأردن من الشام سنة ثماني عشرة، واختلفوا في عمره على قولين أحدهما ثمان وثلاثون سنة، والثاني ثلاث وثلاثون. وعن سعيد بن المسيب قال رُفع عيسى بن مريم وهو ابن ثلاث وثلاثين، ومات معاذ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وعن سعيد بن المسيب قال قبض معاذ بن جبل وهو ابن ثلاث وثلاثين أو أربع وثلاثين سنة.

стр. 221

٥٢- أسيد بن حضبر بن سماك بن عتيك . يكنى أبا يحيى كان من النقباء وكان أبو أسيد رئيس الأوس يوم بعاث وقتل يومئذ، وكان ابنه بعده شريفاً في الجاهلية وفي الإسلام، وكان يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي وكانوا في الجاهلية يسمون من كانت فيه هذه الخصال الكامل. أسلم أسيد على يد مصعب بن عمير قبل سعد بن معاذ بساعة، وشهد العقبة الأخيرة مع السبعين ولم يشهد بدراً ولكنه شهد أُحداً وجُرح يومئذ سبع جراحات، وثبت يومئذ مع رسول الله ﷺ حين انكشف الناس وشهد الخندق والمشاهد بعدها مع رسول الله ﷺ وتوفي في شعبان سنة عشرين. عن أنس قال: كان أسيد بن حضير وعباد بن بشر عند رسول الله ﷺ في ليلة ظلماء حندس. فتحدثا عنده حتى إذا أخرجاه أضاءت لهما عصا أحدهما فمشيا في ضوئها. فلما تفرق بهما الطريق أضاءت لكل واحد منهما عصاه فمشى في ضوئها انفرد باخراجه البخاري١.

стр. 222

٥٣- سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة . يكنى أبا ثابت أمه عمرة بنت مسعود من المبايعات وهو أحد النقباء شهد العقبة مع السبعين والمشاهد كلها ما خلا بدراً فانه تهيا للخروج فلدغ فاقام. وكان جوادا وكانت جفنته تدور مع رسول الله ﷺ في بيوت ازواجه٢ وكان له من الولد سعيد ومحمد وعبد الرحمن وامامة وقيس ومندوس. وكان سعد يكتب في الجاهلية بالعربية ويحسن الرمي والعوم وقد ذكرنا ان العرب كانت تسمي من اجتمعت هذه الأشياء فيه الكامل. عن محمد بن سيرين قال كان أهل الصفة إذا امسوا انطلق الرجل بالرجل والرجل بالرجلين والرجل بالخمسة فاما سعد بن عبادة فكان ينطلق بثمانين كل ليلة.

стр. 223

وعن يحيى بنابي كثير قال كانت لرسول الله. ﷺ من سعد بن عبادة جفنة من ثريد في كل يوم تدور معه اينما دار من نسائه وكان إذا انصرف من صالة كتوبة قال اللهم ارزقني مالا استعين به على فعالي فانه لا يصلح الفعال إلا المال. وعن عروة عن أبيه ان سعد بن عبادة كان يدعو اللهم هب لي حمدا مجلدا لا مجد إلا بفعال ولا فعال إلا بمال اللهم لا يصلحني القليل ولا اصلح عليه١. قال محمد بن سعد توفي سعد بن عبادة بحوران من أرض الشام لسنتين ونصف من خلافة عمر كانه مات في سنة خمس عشرة. قال عبد العزيز بن سعيد بن سعد بن عبادة ما علم بموته بالمدينة حتى سمع غلمان قد اقتحموا في بئر نصف النهار في حر شديد قائلا يقول في البئر: نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ... رميناه بسهمين فلم تخط فؤاده فذعر الغلمان فحفظ ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه سعد وإنما جلس يبول في نفق فاقتتل فمات من ساعته فوجدوه قد اخضر جلده.

стр. 224

٥٤- البراء بن معرور بن صخر بن خنساء . أحد النقباء شهد العقبة وله من الولد بشير ومبشر وهند وسلافة والرباب مبايعات وهو أول من مات من النقباء مات في صفر قبل قدوم رسول الله ﷺ المدينة بشهر. عن محمد بن سعد قال كان البراء أول من تكلم من النقاء ليلة العقبة حين لقي رسول الله ﷺ السبعون من الأنصار فبايعوه وأخذ منهم النقباء فقام البراء فحمد الله اثنى عليه فقال الحمد لله الذي اكرمنا بمحمد وحبانا به فكنا أول من أجاب فاجبنا الله ورسوله وسمعنا واطعنا يا معشر الأوس والخزرج قد اكرمكم الله بدينه فان أخذتم السمع والطاعة والمؤازرة بالشكر فاطيعوا الله ورسوله ثم جلس رضي الله عنه٢.

стр. 225

و من الطبقة الثانية من المهاجرين والأنصار ممن لم يشهد بدراً وله اسلام قديم: ٥٥- العباس بن عبد المطلب: ابن هاشم أبو الفضل أمه نتيلة بنت خباب وكان اسن من رسول الله. ﷺ بثلاث سنين وله من الولد الفضل وهو أكبر ولده وبه يكنى وعبد الله وهو الحبر وعبيد الله وكان جوادا وعبد الرحمن وقثم ومعبد وحبيبة وامهم جميعا أم الفضل واسمها لبابة بنت الحارث بن حزن وكثير وتمام وصفية واميمة امهم أم ولد والحارث وأمه حجيلة بنت جندب. أسلم العباس قديما وكان يكتم إسلامه وخرج مع المشركين يوم بدر فقال النبي ﷺ من لقي العباس فلا يقتله فانه خرج مستكرها فاسره أبو اليسر كعب بن عمر ففادى نفسه ورجع إلى مكة ثم أقبل إلى المدينة مهاجرا. قال أهل السير والتواريخ جاء قوم من أهل العقبة يطلبون رسول الله. ﷺ فقيل هلم هو في بيت العباس فادخلوا عليه فقال العباس ان معكم من قومكم من هو مخالف لكم من دينكم فاخفوا امركم حتى ينصدع هذا الحاج ونلتقي نحن وانتم فتوضح لكم هذا الأمر فتدخلون فيه على أمر بين فوعدهم رسول الله. ﷺ الليلة التي في صبيحتها النفر الآخر أن يوافيهم أسفل العقبة وامرهم ان لا ينبهوا نائما ولا ينتظروا غائبا. فخرج القوم تلك الليلة بعد هذه يتسللون وقد سبقهم رسول الله. ﷺ ومعه العباس ليس معه غيره وكان يثق به في امره كله فلما اجتمعوا كان أول من تكلم العباس فقال: يا معشر الخزرج وكانت الأوس والخزرج تدعى الخزرج انكم قد دعوتم محمدا إلى ما دعوتموه إليه ومحمد من أعز الناس في عشيرته يمنعه والله من كان منا على قوله ومن لم يكن منعه للحسب والشرف وقد ابى محمد الناس كلهم غيركم فان كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة سترميكيم عن قوس واحدة فارتؤوا رأيكم وائتمروا أمركم ولا تفترقوا إلا عن اجتماع فان احسن الحديث اصدقه وأخرى صفوا لي الحرب كيف تقاتلون عدوكم؟ فاسكت القوم وتكلم عبد الله بن عمرو بن حرام فقال:

стр. 226

نحن والله أهل الحرب غُذينا بها ومرنَّا ورثناها عن آبائنا كابرا فكابرا نرمي بالنبل حتى تفنى ثم نطاعن بالرماح حتى تكسرها ثم نمشي بالسيوف فنضارب بها حتى يموت الأعجل منا أو من عدونا. فقال العباس هل فيكم دروع قالوا نعم شاملة. قال البراء بن معرور قد سمعنا ما قلت أنا والله لو كان في انفسنا غير ما ننطق به لقلناه ولكنا نريد الوفاء والصدق وبذل مهج أنفسنا دون رسول الله ﷺ فبايعهم رسول الله ﷺ والعباس أخذ بيد رسول الله ﷺ يؤكد له البيعة تلك الليلة على الأنصار١. وعن الشعبي قال انطلق النبي ﷺ بالعباس إلى السبعين عند العقبة تحت الشجرة فقال العباس ليتلكم متكلم ولا يطيل الخطبة فان عليكم من المشركين عينا وان يعلموا بكم يفضحوكم فقال قائلهم وهو أسعد يا محمد سل لربك ما شئت ثم سل لنفسك ولاصحابك ما شئت ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله إذا فعلنا ذلك. فقال: "أسألكم لربي ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأسألكم لنفسي ولاصحابي ان تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه انفسكم". قالوا فما لنا إذا فعلنا ذلك قال: "الجنة" قالوا فلك ذلك. وعن يزيد بن الأصم قال لما كانت اسارى بدر فيهم العباس فسهر نبي الله. ﷺ ليلته فقال له بعض أصحابه ما يسهرك يا نبي الله قال ابن العباس فقام رجل من القوم فارخى من وثاقه فقال رسول الله ﷺ ما لي لا اسمع انين العباس؟ فقال الرجل من القوم اني ارخيت من وثاقه شيئا قال فافعل ذلك بالاسارى كلهم٢. وعن أنس بن مالك انهم كانوا إذا قحطوا على عهد عمر خرج بالعباس فاستسقى به وقال اللهم أنا كنا نتوسل إليك بنبينا إذا قحطنا فتسقينا وانا نتوسل اليك بعم نبينا فاسقنا انفرد بإخراجه البخاري٣. توفي العباس يوم الجمعة لأربع عشرة خلت من رجب سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان وهو ابن ثمان وثمانين سنة ودفن بالبقيع والله اعلم.

стр. 227

٥٦- جعفر بن أبي طالب . أمه فاطمة بنت أسد وكان أسن من علي ﵇ بعشر سنين وله من الولد عبد الله وبه يكنى ومحمد وعون ولد بأرض الحبشة امهم اسماء بنت عميس أسلم جعفر قديما وهاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية ومعه امرأته أسماء فلم يزل هنالك حتى قدم على النبي ﷺ وهو بخير سنة سبع فقال النبي ﷺ : "ما ادري بايهما أنا افرح بقدوم جعفر أم بفتح خيبر". عن أم سلمة قالت لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي. آمننا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذي فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين وان يهدوا إلى النجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة فجمعوا له أدما كثيراً ولم يتركوا منن بطارقته بطريقا إلا اهدوا له هدية ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي وعمرو بن العاص وقالوا لهما ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل ان تكلموا النجاشي فيهم ثم قدموا إلى النجاشي هداياه ثم سلوه ان يسلمهم إليكم قبل ان يكلمهم. فخرجا فقدما على النجاشي فدفعا إلى كل بطريق هديته وقالا أنه قد صبا إلى بلدكم منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاؤوا بدين مبتدع وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا على الملك بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فان قومهم أعلى بهم عينا فقالوا: نعم. ثم قربوا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهم ثم كلماه فقالا له أيها الملك أنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينا واعلم بما عابوا عليهم فقالت بطارقته صدقوا فأسلمهم إليهما. فغضب النجاشي ثم قال لا هيم الله إذا لا أسلمهم إليهما ولا اكاد قوما جاورني نزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فاسألهم ماذا يقول هذان في أمرهم فان كانوا كما يقولان سلمتهم إليهما وان كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني. قال ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله. ﷺ فلما أن جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا نقول والله ما علمنا وما أمرنا به

стр. 228

نبينا. ﷺ كائن في ذلك ما هو كائن. فلما جاؤوه، وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دينٍ آخر من هذه الأمم؟ قالت: وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له: أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، يأكل القويُّ الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآبائنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار وكفٍ عن المحارم والدماء. ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة. وامرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئاٌ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدّقناه وآمنا به فعبدنا الله وحده لم نشرك به شيئاً، وحرَّمنا ما حرًّم علينا واحلننا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذّبونا وفَتنونا على ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان وان نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين قومنا خرجنا إلى بلدك فاخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا ان لا يظلم عندك ايها الملك. قالت فقال له النجاشي هل معك مما جاء به عن وجل شيء قالت فقال له جعفر نعم قال قال فاقره علي فقرا عليه صدرا من ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] فبكى والله النجاشي حتى اخضل ليحته وبكت اساقفته حتى اخضلوا مصاحفكم ثم قال النجاشي ان هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبداً. قالت فلما خرج من عنده قال عمرو بن العاص والله لاتينه غدا اعيبهم عنده بما استاصل به خضراءهم فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان اتقى الرجلين فينا لا تفعل فان لهم أرحاما. فقال والله لأخبرنه انهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد. قالت ثم غدا عليه من الغد فقال له أيها الملك انهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه. قالت فأرسل إليهم يسألهم عنه قالت ولم ينزل بنا مثلها فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه قالوا نقول والله فيه ما قال فيه الله وما جاء به نبينا كائن في ذلك ما هو كائن.

стр. 229

فلما دخلوا عليه قال لهم ما تقولون في عيسى ابن مريم قال له جعفر بن أبي طالب نقول فيه الذي جاء به نبينا. ﷺ هو عبد الله وروحه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول قال فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال ما عدا عيسى ابن مريم ما قتل هذا العود ثم قال اذهبوا فانتم سيوم بأرضي والسيوم الآمنون من سبكم غرم ثم من سبكم غرم ثم من سبكم غرم ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي رواه الإمام أحمد بن حنبل١ ﵁. وعن أبي بردة عن أبيه قال امرنا رسول الله. ﷺ أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي فبلغ ذلك قريشا فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد وجمعوا للنجاشي هدية فآتياه بها فقبلها ثم قالا أن ناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرض الملك فبعث إلينا فقال لنا جعفر لا يتكلم منكم أحداً أنا خطيبكم اليوم فلما انتهينا بدرنا من عنده فقال اسجدوا للملك فقال جعفر لا نسجد إلا الله فذكر نحو الحديث المتقدم فقال النجاشي مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده وأنا أشهد أنه رسول الله وانه بشر به عيسى ﵇ ولولا ما أنا فيه من الملك لاتيته حتى أقبل نعله. وعن عمير بن إسحاق قال حدثني عمرو بن العاص قال لما آتينا باب النجاشي ناديت ائذن لعمرو بن العاص فنادى جعفر من خلفي ائذن لحزب الله فسمع صوته فادن له قبلي. وعن أبي هريرة قال كان جعفر يحب المساكين ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونهم وكان رسول الله ﷺ يسميه أبا المساكين٢. ذكر وفاته ﵁: قتل جعفر بن أبي طالب بمؤتة سنة ثمان من الهجرة. عن ابن عمر قال وجدنا فيما أقبل من بدن جعفر ما بين منكبيه تسعين ضربة ما بين طعنة برمح وضربه بسيف. وعن أنس بن مالك ان النبي. ﷺ نعى جعفرا وزيدا نعاهما قبل ان يجيء خبرهما وعيناه تذرفان.

стр. 230

٥٧- أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن هاشم ﵁: واسمه المغيرة وكان أخا رسول الله ﷺ من الرضاعة أرضعته حليمة أياماً وكان ترب رسول الله. ﷺ يألفه ألفا شديدا فلما بعث رسول الله ﷺ عاداه وهجاه وهجا أصحابه وكان شاعراً. فلما كان عام الفتح ألقى الله في قلبه الإسلام فخرج متنكرا فتصدى لرسول الله. ﷺ فاعرض عنه فتحول إلى الجانب الآخر فاعرض عنه قال فقلت أنا مقتول قبل ان اصل إليه فأسلمت وخرجت معه حتى شهدت فتح مكة وحنينا فلما لقينا العدو بحنين اقتحمت عن فرسي وبيدي السيف صلتا والله يعلم أني أريد الموت دونه وهو ينظر إلى فقال العباس يا رسول الله أخوك وابن عمك أبو سفيان فأرض عنه فقال: "قد فعلت فغفر الله له كل عداوة عادنيها" ثم التفت إلي فقال أخي لعمري فقبلت رجله في الركاب. وعن أبي إسحاق قال لما حضر أبا سفيان بن الحارث الوفاة قال لأهله لا تبكوا علي فإني لم اتنطق بخطيئة منذ أسلمت. قال أهل السير مات أبو سفيان بن الحارث بعد أن استخلف عمر بسنة وسبعة اشهر ويقال بل مات سنة عشرين وصلى عليه عمر ودفن بالبقيع.

стр. 231

٥٨- أسامة بن زيد بن حارثة: ويقال له أسامة الحب وهو حب رسول الله ﷺ ويكنى بابي محمد وأمه أم ايمن حاضنة رسول الله ﷺ . عن ابن عمر أن النبي ﷺ بعث سرية فيهم أبو بكر وعمر فاستعمله عليهم فكان الناس طعنوا فيه أي لصغره فبلغ رسول الله ﷺ فصعد المنبر فحمد الله واثنى عليه وقال: "ان الناس قد طعنوا في امارة اسامة وقد كانوا طعنوا في امارة أبيه من قبله وانهما لخليقان لها أو كانا خليقين لذلك وانه لمن أحب الناس إلي وكان أبوه من أحب الناس إلي إلا فأوصيكم باسامة خيرا" ١. وعن حنش قال سمعت أبي يقول استعمل النبي ﷺ اسامة وهو ابن ثمان عشرة سنة.

стр. 232

وعن محمد بن سيرين قال بلغت النخلة من عهد عثمان بن عفاف الف درهم قال فعمد اسامة إلى نخلة فعقرها فاخرج جمارها فاطعمه أمه فقالوا له ما يحملك على هذا وأنت ترى النخلة قد بلغت الف درهم قال ان امي سالتينه ولا تسألني شيئا اقدر عليه إلا اعطيتها. قال ابن سعد قال الواقدي قبض النبي ﷺ واسامة ابن عشرين سنة وكان قد سكن بعد النبي ﷺ وادي القرى ثم نزل المدينة فمات بالجرف في آخر خلافة معاوية قال الزهري حمل اسامة حين مات من الجرف١ إلى المدينة٢.

стр. 233

٥٩- سلمان الفارسي ﵁ . يكنى أبا عبد الله من اصبهان من قرية يقال لها جي وقيل من رامهرمز سافر يطلب الدين مع قوم فغدروا به فباعوه من اليهود ثم أنه كوتب فاعانه النبي. ﷺ في كتابته أسلم مقدم النبي. ﷺ المدينة ومنعه الرق من شهود بدر واحد وأول غزاة غزاها مع النبي. ﷺ الخندق وشهد ما بعدها وولاه عمر المدائن. عن عبد الله بن العباس قال حدثني سلمان الفارسي قال كنت رجلا فارسيا من أهل اصبهان من أهل قرية منها يقال لها جي وكان أبي دهقان قريته. وكنت أحب خلق الله إليه فلم يزل به حبه اياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة. قال وكانت لأبي ضيعة عظيمة قال فشغل في بنيان له يوما قال لي يا بني اني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب فاطلعها وامرني فيها ببعض ما يريد فخرجت اريد ضيعته فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت اصواتهم فيها وهم يصلون وكنت لا ادري ما أمر الناس لحبس أبي اياي في بيته. فلما مررت بهم وسمعت اصواتهم دخلت عليه انظر ما يصنعون قال فلما رأيتهم اعجبتني صلاتهم ورغبت في امرهم وقلت هذا والله خير من الذي نحن عليه. فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي ولم اتها فقلت لهم اين اصل هذا الدين قالوا بالشام؟ قال ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله فلما جئته قال أي

стр. 234

بني اين كنت الم اكن عهدت اليك ما عهدت قال قلت يا ابة مررت بناس يصلون في كنيسة لهم فاعجبني ما رأيت دينهم فوالله ما زالت عندهم حتى غربت الشمس قال أي بني ليس في ذلك الدين خير دينك ودين ابائك خير منه قلت كلا والله أنه لخير من ديننا قال فخافني فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته. قال وبعثت إلى النصارى فقلت لهم إذا قدم عليكم ركب من الشام تجارا من النصارى فأخبروني بهم قال فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى قال فأخبروني بقدوم تجار فقلت لهم إذا قضوا حوائجهم وارادوا الرجعة إلى بلادهم فاذنوني بهم قال فلما ارادوا الرجعة إلى بلادهم القيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام فلما قدمتها قلت من افضل أهل هذا الدين قالوا الاسقف في الكنيسة قال فجئته فقلت اني قد رغبت في هذا الدين واحببت ان أكون معك اخدمك في كنيستك واتعلم منك واصلي معك قال فادخل فدخلت معه. قال: فكان رجل سوء يامرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا إليه منها شيئا اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب قال وابغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع قال ثم مات فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه فقلت لهم ان هذا كان رجل سوء يامركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا قالوا وما علمك بذلك قلت أنا ادلكم على كنزه قالوا فدلنا عليه قال فاريتهم موضعه قال فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا قال فلما رأوها قالوا والله لا ندفنه أبداً قال فصلبوه ثم رجموه بالحجارة. ثم جاؤوا برجل آخر فجعلوه مكانه فما رأيت رجلا يصلي الخمس ارى أنه افضل منه وازهد في الدنيا ولا ارغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ونهارا منه قال فاحببته حبا لم أحبه من قبل فاقمت معه زمانا ثم حضرته الوفاة قلت له يا فلان اني كنت معك فاحببتك حباً لم احبه من قبلك وقد حضرتك الوفاة فالى من توصي بي وماتامرني قال أي بني والله ما اعلم أحداً اليوم على ما كنت عليه لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل وهو فلان وهو على ما كنت عليه فالحق به. قال فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل فقلت له يا فلان ان فلانا أوصاني عند موته ان الحق بك وأخبرني انك على امره قال فقال لي اقم عندي قال فاقمت عنده

стр. 235

فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث ان مات فلما حضرته الوفاة قلت له يا فلان ان فلانا أوصى بي اليك وامرني باللحوق بك وقد حضرك من أمر الله ما ترى فالى من توصي بي وما تامرني قال أي بني والله ما اعلم رجل على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان فالحق به. قال فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فجئت فأخبرته بما جرى وما امرني به صاحبي قال فاقم عندي فاقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه فاقمت مع خير رجل فوالله ما لبث ان نزل به الموت فلما حضر قلت له يا فلان ان فلانا كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان اليك فالى من توصي بي وما تامرني؟ قال أي بني والله ما اعلم أحداً بقي على امرنا امرك ان تاتيه إلا رجلا بعمورية فانه على مثل ما نحن عليه فان احببت فائته فانه على مثل امرنا. قال فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية وأخبرته خبري فقال اقم عندي فاقمت عند رجل على هدي أصحابه وامرهم قال وكنت اكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة قال ثم به أمر الله فلما حضر قلت له يا فلان اني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان وأوصي بي فلان إلى فلان وأوصي بي فلان إلى فلان وأوصي بي فلان اليك فالى من توصي بي وما تامرني؟ قال أي بني والله ما اعلم اصبح على ما كنا عليه أحد من الناس امرك ان تاتيه ولكنه قد اظلك زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجرا إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة فان استطعت ان تلحق بتلك البلاد فافعل. قال ثم مات وغيب فمكثت بعمورية ما شاء الله ان امكث ثم مر بي نفر من كلب تجارا فقلت لهم تحملوني إلى أرض العرب واعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه قالوا نعم فاعطيتهم اياها وحملوني حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلمواني فباعوني من رجل من يهود فكنت عنده ورأيت النخل ورجوت ان يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق لي في نفسي. فبينا أنا عنده قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة فوالله ما هو إلا ان رأيتها فعرفها بصفة صاحبي فاقمت بها وبعث الله رسول الله. ﷺ فاقام بمكة ما أقام لا اسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق ثم هاجر إلى المدينة

стр. 236

فوالله اني لفي رأس عذق لسيدي اعمل فيه بعض العمل وسيدي جالس إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال فلان قاتل الله بني قيلة والله انهم الان لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم زعم أنه نبي. قال فلما سمعتها أخذتني العرواء حتى ظننت اني ساقط على سيدي. قال ونزلت عن النخلة فجعلت اقول لابن عمه ماذا تقول قال فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة وقال ما لك ولهذا أقبل على علمك قال قلت لاشيء إنما اردت ان استثبته عما قال. وقد كان شيء عندي قد جمعته فلما امسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله. ﷺ وهو بقباء فدخلت عليه فقلت له أنه قد بلغني انك رجل صالح معك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة فرايتكم احق به من غيركم قال فقربته إليه فقال رسول الله ﷺ لاصحابه: "كلوا" وامسك يده هو فلم يأكل قال فقلت في نفسي هذه واحدة. ثم انصرفت عنه فجمعت شيئاً وتحول رسول الله. ﷺ إلى المدينة ثم جئته به فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها فأكل رسول الله ﷺ منها وأمر أصحابه فأكلوا معه. قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان. قال: ثم جئت رسول الله ﷺ وهو ببقيع الغَرْقد قد تبع جنازة من أصحابه عليه شملتان وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل ارى الخاتم الذي وصف لي صاحبي؟ فلما رآني رسول الله ﷺ استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وُصِفَ لي. قال: فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فانكببت عليه أقبله وأبكي فقال رسول الله ﷺ : "تحول". فتحولت فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا بْنَ عباس فأعجب رسولَ الله. ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه. ثم شغل سلمان الرقُّ حتى فاته مع رسول الله: بدر واحد قال: ثم قال لي رسول الله. ﷺ كاتبْ يا سلمان. فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفَقِير وبأربعين أوقية. فقال رسول الله. ﷺ لأصحابه: أعينوا أخاكم. فأعانوني بالنخل: الرجل بثلاثين وَدِيّة، والرجل بعشرين، والرجل بخمسة عشر، والرجل بعشرة يعين الرجل بقدر ما عنده. حتى اجتمعت لي ثلثمائة وَدِيّة فقال لي رسول الله ﷺ : "اذهب يا سلمان فَفَقّر ِلها فإذا فرغت أكون أنا أضعها بيدي".

стр. 237

قال: ففقرتُ لها واعانني أصحابي حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته فخرج رسول الله ﷺ معي إليها فجعلنا نقرب له الوَدِيّ ويضعه رسول الله ﷺ بيده، فو الذي نفس سلمان بيده ما مات منها وَدِيّة وأحدة فاديت النخل فبقي علي المال فأتى رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن فقال: "مافعل الفارسي المُكاتب؟ "، قال: فدعيت له، قال: "فخذ هذه فأدِّ بها ماعليك يأسلمان". قال: قلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي؟ قال: "خذها فإن الله سيؤدي بها عنك". قال: فأخذتها فوزنت لهم منها والذي نفس سلمان بيده أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم وعُتقت، فشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق ثم لم يفتني معه مشهد رواه الأمام أحمد١. وقد رويت بداية سلمان من حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة وانه قال: كنت من أهل جَيّ، وكان أهل قريتي يعبدون الخيل البُلْق فطلبت الدِّين فذكر نحو ما ذكرناه وانه قدم على رسول الله ﷺ مكة والذي ذكرناه من لقائه له بالمدينة هو الصحيح. وفي الصحيح عن سلمان أنه قال تدأولني بضعة عشر من ربّ إلى ربّ٢. ذكر نبذة عن فضائله: عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "السبّاق أربعة، أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة". وعن كثير بن عبد الله المُزَني، عن أبيه، عن جده أن رسول الله. ﷺ خط الخندق وجعل لكل عشرةٍ أربعين ذراعاً فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان وكان رجلاً قوياً فقال المهاجرون: سلمان منا وقالت الأنصار: لا بل سلمان منا. فقال رسول الله. ﷺ : "سلمان منّا أهل البيت" ٣. وعن أبي حاتم عن العُتْبي قال: بعث إلي عمر بحللٍ فقسمها فأصاب كل رجل ثوبٌ. ثم صعد المنبر وعليه حلة، والحلة ثوبان، فقال: أيها الناس ألا تسمعون؟ فقال سلمان: لا نسمع. فقال عمر: لمَ يا أبا عبد الله؟ قال: إنك قسمت علينا ثوباً ثوباً وعليك حلة. فقال:

стр. 238

لاتعجل يا أبا عبد الله. ثم نادى: يا عبد الله. فلم يجبه أحد فقال: يا عبد الله بن عمر. فقال: لبيك يا أمير المؤمنين. فقال: نشدتك الله، الثوبُ الذي ائتزرت به أهو ثوبك؟ قال: اللهم نعم قال سلمان: فقل الآن نسمع. ذكر غزارة علمه ﵁: عن أبي جحيفة قال: آخى رسول الله. ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء. فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء مبتذِلة. فقال لها: وما شأنكِ؟ فقالت: إن اخاك أبا الدرداء ليست له حاجة في الدنيا. قال: فلما جاء أبا الدرداء قرب طعاماً فقال. كُل فإِني صائم. قال: ما أنا بآكلٍ حتى تاكل. قال: فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم. فقال له سلمان: نم، فنام. فلما كان من آخر الليل قال له سلمان: قم الآن. فقاما فصليا فقال: إن لنفسك عليك حقاً، ولربك عليك حقاً، وإن لضيفك عليك حقاً وإن لأهلك عليك حقاً فأعطِ كلّ ذي حقٍ حقه. فأتيا النبي. ﷺ فذكرا ذلك له فقال: "صدق سلمان" انفرد باخراجه البخاري١. وعن محمد بن سيرين قال: دخل سلمان على أبي الدرداء في يوم جمعة فقيل له: هو نائم. فقال: ماله؟ فقالوا: أنه إذا كانت ليلة الجمعة أحياها ويصوم يوم الجمعة. فقال: فأمرهم فصنعوا طعاماً في يوم جمعة ثم أتاهم فقال: كل. قال: إني صائم. فلم يزل به حتى أكل. فأتيا النبي ﷺ فذكرا ذلك له فقال النبي ﷺ : "عويمرُ! سلمان أعلم منك وهو يضرب بيده على فخذ أبي الدرداء عويمرُ، سلمان أعلم منك " ثلاث مرات " لاتخصَنّ ليلة الجمعة بقيامٍ من بين الليالي، ولا تخصنّ يوم الجمعة بصيامٍ من بين الأيام" ٢. وعن ثابت البناني أن، أبا الدرداء ذهب مع سلمان يخطب عليه امرأة من بني ليث. فدخل فذكر فضْل سلمان وسابقَته وإسلامه، وذكر أنه يخطب إليهم فتاتهم فلانة فقالوا؟ أما سلمان فلا نزوجه ولكنّا نزوجك فتزوجها ثم خرج فقال له: أنه قد كان شيء وانا أستحيي أن اذكره لك قال: وما ذاك؟ فأخبره الخبر، فقال سلمان: أنا أحق أن أستحيي منك أن أخطبها وقد قضاها الله لك ﵄.

стр. 239

ذكر نبذة من زهده: عن الحسن قال: كان عطاء سلمان الفارسي خمسة آلاف، وكان اميراً على زهاء ثلاثين الفاً من المسلمين، وكان يخطب الناس في عباءةٍ يفترش بعضها ويلبس بعضها، فإذا خرج عطاؤه أمضاه ويأكل من سفيف يديه. وعن عمار يعني الدُّهني قال كان عطاء سلمان الفارسي أربعة آلاف وكارة من ثياب، فيتصدق بها ويعمل الخُوص. وعن مالك بن أنس أن سلمان الفارسي كان يستظل بالفيء حيثما دار، ولم يكن له بيت. فقال له رجل: ألا نبني لك بيتاً تستظل به من الحر وتسكن فيه من البرد؟ فقال له سلمان: نعم. فلما أدبر صاح به فسأله سلمان: كيف تبنيه؟ قال: أبنيه إن قمت فيه أصاب رأسك وإن اضطجعت فيه أصاب رجليك. فقال سلمان: نعم. وقال عبادة بن سيلم: كان لسلمان خباء من عبَاء وهو أمير الناس. وعن أبي عبد الرحمن السلمي، عن سلمان: أنه تزوج امرأة من كندة فلما كان ليلة البناء مشى معه أصحابه حتى أتى بيت المرأة فلما بلغ البيت قال: ارجِعوا أجرَكم عند الله ولم يُدخلهم. فلما نظر إلى البيت والبيت منجَّد قال: أمحموم بيتكم أم تحولت الكعبة في كِندة؟ فلم يدخل حتى نزع كل سترٍ في البيت غير ستر الباب فلما دخل رأى متاعا كثيراً فقال: لمن هذه المتاع؟ قالوا: متاعك ومتاع امرأتك فقال: ما بهذا أوصاني خليلي رسول الله. ﷺ أوصاني خليلي ان لا يكون متاعي من الدنيا إلا كزاد الراكب ورأى خدماً فقال: لمن هذه الخدم؟ قالوا خدمك وخدم امرأتك فقال: ما بهذا أوصاني خليلي ﷺ أوصاني خليلي أن لا أمسك إلا ما أنكحَ، أو أنكح، فإن فعلت فبغيْنَ كان علي مثل أوزارهن من غير أن ينقص من أوزارهن شيء. ثم قال للنسوة اللاتي عند امرأته: هل أنتنّ مخليّات بيني وبين امرأتي؟ قلن نعم. فخرجن، فذهب إلى الباب فأجافه وأرخى الستر ثم جاء فجلس عند امرأته فمسح ناصيتها ودعا بالبركة. فقال لها هل أنت مطيعتي في شيء آمرك به؟ قالت: جلست مجلس من يطيع. قال فإن خليلي أوصاني إذا اجتمعتُ إلى أهلي أن اجتمع على طاعة الله. فقام وقامت إلى المسجد فصلّيا ما بدا لهما ثم خرجا فقضى منها ما يقضي الرجل من امرأته. فلما أصبح غدا عليه أصحابه فقالوا: كيف وجدت أهلك؟ فأعرض عنهم. ثم أعادوا فأعرض عنهم. ثم أعادوا فأعرض عنهم. ثم قال: إنما جعل الله الستور والخِدْور

стр. 240

والأبواب لتواري ما فيها، حسْبُ كل امرئٍ منكم أن يسأل عما ظهر له فأما ما غاب عنه فلا يسألنّ عن ذلك، سمعتُ رسول الله. ﷺ يقول: "المتحدّث عن ذلك كاالحماريْن يتسافدان في الطريق" ١. وعن أبي قُلابة أن رجلاً دخل على سلمان وهو يَعجن فقال: ماهذا؟ قال: بعثْناالخادم في عمل فكرهنا أن نجمع عليه عملين. ثم قال: فلان يقرئك السلام. قال: متى قدمت؟ قال منذ كذا وكذا فقال: أما إنك لو لم تؤدها كانت أمانة لم تؤدّها رواه أحمد. ذكر كسبه وعمله بيده: عن النعمان بن حميد قال: دخلت مع خالي على سلمان الفارسي بالمدائن وهو يعمل الخوص فسمعته يقول: أشتري خوصاً بدرهم فأعمله فأبيعه بثلاثة دراهم فأعيد درهماً فيه وأنفق درهماً على عيالي وأتصدق بدرهم، ولو أن عمر بن الخطاب نهاني عنه ما انتهيت. وعن الحسن قال: كان سلمان يأكل من سفيف يده. ذكر نبذة من ورعه: عن أبي ليلى الكندي قال: قال غلام سلمان لسلمان: كاتِبْني. قال: ألك شيء؟ قال: لا. قال: فمن أين؟ قال: أسال الناس. قال: تريد أن تطعمني غُسالة الناس. ذكر نبذة من تواضعه: عن ثابت قال: كان سلمان أميراً على المدائن فجاء رجل من أهل الشام ومعه حِمل تُبْنٍ وعلى سلمان أنْدَرا وبِرْدٍ وعباءة فقال سلمان: تعالَ احمل، وهو لايعرف سلمان. فحمل سلمان فرآه الناس فعرفوه فقالوا: هذا الأمير. فقال: لم أعرفك. فقال له سلمان: لاحتى ابلغ منزلك. وفي رواية اخرى: إني قد نويت فيه نيةً فلا أضعه حتى أبلغ بيتك. وعن عبد الله بن بُريدة قال: كان سلمان إذا أصاب الشيء اشترى به لحماً ثم دعا المجذومين فأكلوا معه. وعن عمر بن أبي قرة الكندي قال: عرض أبي على سلمان أخته أن يزوجه فأبى، فتزوج مولاة يقال لها بقيرة. فأتاه أبو قرّة فأخبر أنه في مَبْقَلة له، فتوجه إليه فلقيه معه زنبيل فيه بَقْل قد أدخل عصاه في عروة الزنبيل وهو على عاتقه.

стр. 241

وعن ميمون بن مهران، عن رجل من عبد القيس قال رأيت سلمان في سرّية وهو أميرها على حمارً عليه سرأويل وخَدَمتاه تَذِبْذَبان والجند يقولون: قد جاء الأمير. قال سلمان: إنما الخير والشرّ بعد اليوم. وعن أبي الأحوص قال: افتخرتْ قريش عند سلمان، فقال سلمان: لكنّي خلقت من نطفة قذرة ثم أعود جيفةً مُنتنة، ثم يؤدى بي إلى الميزان فإن ثقلت فانا كريم وإن خفت فانا لئيم. وعن أبي البَختَريّ قال: صحب سلمانَ رجلٌ من بني عبس ليتعلم منه. فخرج معه فجعل لا يستطيع أن يفضُله في عمل: إن عجن جاء سلمان فخبز وإن هيأ الرجل علفاً للدواب ذهب سلمان فسقاها. حتى انتهوا إلى شطّ دجلة وهي تطفح فقال سلمان للعبسي: أنزل فاشربْ. فنزل فشرب. فقال له سلمان: ازدد. فازدادَ. فقال له سلمان: كم تراكَ نَقصتَ منها؟ فقال العبسي له: وما عسى أن أنقص منها فقال سلمان: كذلك العِلم تأخذ منه ولا ينقص فعليك بالعلم بما ينفعك. قال: ثم عبر إلى نهر دَنّ فإذا الاكداس عليه من الحنطة والشعير فقال سلمان: يا أخا بني عبس أما ترى إلى الذي فتح خزائن هذه علينا كان نراها ومحمد حيّ؟ قال فقلت بلى. قال: فو الذي لا إله غيره لقد كانوا يمسون ويصبحون وما فيهم قفيز من قمح. قال ثم سرنا حتى انتهينا إلى جَلُولاء قال فذكر ما فتح الله عليهم وما أصابوا فيها من الذهب والفضة فقال: يا أخا بني عبس أما ترى إلى الذي فتح خزائن هذه علينا كأن نراها ومحمد حيّ؟ قال: قلت بلى. قال: والذي لا إله غيره لقد كانوا يُمْسون ويُصْبحون وما فيهم دينار ولا درهم. ذكر ثناء الناس على سلمان واعترافاتهم بفضله: عن ابن عباس قال قدم سلمان من غيبة له فتلقاه عمر فقال أرضاك الله عبدا قال فزوجني فسكت عنه فقال اترضاني لله عبدا ولا ترضاني لنفسك فلما اصبح أتاه قوم فقال حاجة قالوا نعم قال ما هي قالوا تضرب عن هذا الامر يعنون خطبته إلى عمر فقال أما والله ما حملني على هذا الامر ولا سلطانه ولكن قلت رجل صالح عسى الله ان يخرج مني ومنه نسمة صالحة. وعن أبي الاسود الدؤلي قال كنا عند علي ذات يوم فقالوا يا امير المؤمنين حدثنا عن سلمان قال من لكم بمثل لقمان الحكيم ذلك امرؤ منا والينا أهل البيت ادرك العلم الأول والعلم الاخر وقرا الكتاب الأول والاخر وبحر لا ينزف وأوصى معاذ بن جبل رجلا ان يطلب العلم من اربعة سلمان أحدهم.

стр. 242

ذكر نبذة من كلامه ومواعظة: عن حفص بن عمرو السعدي عن عمه قال قال سلمان لحذيفة يا اخا بني عبس العلم كثير والعمر قصير فخذ من العلم ما تحتاج إليه في أمر دينك ودع ما سواه فلا تعانه. وعن أبي سعيد الوهبي عن سلمان قال إنما مثل المؤمن في الدنيا كمثل المريض معه طبيبه الذي يعلم داءه ودواءه فإذا اشتهى ما يضره منعه وقال لا تقربه فانك ان اتيته أهلكك فلا يزال يمنعه حتى يبرأ من وجعه وكذلك المؤمن يشتهي أشياء كثيرة مما قد فضل به غيره من العيش فيمنعه الله اياه ويحجره حتى يتوفاه فيدخله الجنة. وعن جرير قال قال سلمان يا جرير تواضع لله فانه من تواضع لله في الدنيا رفعه الله يوم القيامة يا جرير هل تدري ما الظلمات يوم القيامة؟ قلت لا قال ظلم الناس بينهم في الدنيا قال ثم أخذ عويدا لا أكاد اراه بين اصبعيه قال يا جرير لو طلبت في الجنة مثل هذا العود لم تجده قال قلت يا أبا عبد الله فاين النخل والشجر قال اصولها اللؤلؤ والذهب واعلاها الثمر. وعن أبي البختري عن سلمان قال مثل القلب والجسد مثل اعمى ومقعد قال المقعد اني ارى تمرة ولا استطيع ان اقوم إليها فاحملني فحمله فاكل واطعمه. وعن قتادة قال قال سلمان إذا اسات سيئة في سريرة فاحسن حسنة في سريرة وإذا اسات سيئة في علانية فاحسن حسنة في علانية لكي تكون هذه بهذه. وعن مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد ان الدرداء كتب إلى سلمان هلم إلى الأرض المقدسة فكتب إليه سلمان ان الأرض لا تقدس أحداً وإنما يقدس الأنساًن عمله وقد بلغني انك جعلت طبيبا فان كنت تبرىء فنعما لك وان كنت متطببا فاحذر ان تقتل أنسانا فتدخل النار فكان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين فادبر عنه نظر اليهما وقال متطبب والله ارجعا إلى اعيدا قصتكما. عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال ثلاث أعجبتني حتى اضحكتني مؤمل دنيا والموت يطلبه وغافل وليس بمغفول عنه وضاحك ملء فيه لا يدري اساخط رب العالمين عليه أم راض عنه وثلاث احزنني حتى ابكينني: فراق محمد وحزبه وهول المطلع والوقوف بين يدي ربي ولا ادري جنة أو إلى نار. وعن حماد بن سلمة عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قال ما من مسلم

стр. 243

يكون بفيء من الأرض فيتوضا أو يتيمم ثم يؤذن ويقيم إلا أم جنودا من الملائكة لا يرى طرفهم أو قال طرفاهم. وعن ميمون بن مهران قال جاء رجل إلى سلمان فقال أوصني قال لا تكلم قال لا يستطيع من عاش في الناس أن لا يتكلم قال فان تكلمت فتكلم بحق أواسكت قال زدني قال لا تغضب قال أنه ليغشاني ما لا املكه قال فان غضبت فامسك لسانك ويدك قال زدني قال لا تلابس الناس قال لا يستطيع غضبت فامسك لسانك ويدك قال زدني قال لا تلابس الناس قال لا يستطيع من عاش في الناس ان لا يلابسهم قال فان لابستهم فاصدق الحديث واد الامانة. وعن أبي عثمان عن سلمان قال ان العبد إذا كان يدعو الله في السراء فنزلت به الضراء فدعا قالت الملائكة صوت معروف من ادمي ضعيف فيشفعون له وإذا كان لا يدعو الله في السراء وعن حارثة بن مضرب قال سمعت سلمان يقول اني لاعد العراق على الخادم خشية الظن ورواه زهيرعن أبي إسحاق قال اني لاعد عراق القدر مخافة الظن بخادمي. وعن سالم مولى زيد بن صوحان قال كنت مع مولاي زيد بن صوحان في السوق فمر علينا سلمان الفارس وقد اشترى وسقا من طعام فقال له زيد يا أبا عبد الله تفعل هذا وأنت صاحب رسول الله. ﷺ قال ان النفس إذا احرزت قوتها اطمانت وتفرغت للعبادة ويئس منها الوسواس. وعن أبي عثمان عن سلمان قال لما افتتح المسلمون جوخى دخلوا يمشون فيها واكداس الطعام فيها امثال الجبال قال ورجل يمشي إلى جنب سلمان فقال يا أبا عبد الله إلا ترى ما اعطانا الله فقال سلمان وما يعجبك فما ترى إلى جنب كل حبة مما ترى حساب رواه الإمام أحمد. وعن سعيد بن وهب قال دخلت مع سلمان على صديق له من كندة نعوده فقال له سلمان ان الله يبتلي عبده المؤمن بالبلاء ثم يعافيه فيكون كفارة لما مضى فيستعتب فيما بقي وان الله يبتلي عبده الفاجر بالبلاء ثم يعافيه فيكون كالبعير عقله أهله ثم اطلقوه فلا يدري فيم عقلوه ولا فيم اطلقوه حين اطلقوه؟ وعن محمد بن قيس عن سالم بن عطية الاسدي قال دخل سلمان على رجل يعوده وهو في النزاع فقال ايها الملك ارفق به قال يقول الرجل أنه يقول اني بكل مؤمن رفيق والسلام.

стр. 244

ذكر وفاة سلمان ﵁: عن حبيب بن الحسن وحميد بن مورق العجلي ان سلمان لما حضرته الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك قال عهد عهده الينا رسول الله ﷺ قال ليكن بلاغ أحدكم كزاد الراكب. قال فلما مات نظروا في بيته فلم يجدوا في بيته إلا اكافا ووطاء ومتاعا قوم نحوا من عشرين درهما١. وعن عامر بن عبد الله عن سلمان أنه حين حضر الموت عرفنا به بعض الجزع فقالوا ما يجزعك يا أبا عبد وقد كان لك سابقة في الخير شهدت مع رسول الله ﷺ مغازي حسنة وفتوحا عظاما قال يحزنني ان حبيبنا محمدا ﷺ عهد الينا حين فارقنا فقال ليكف المؤمن كزاد الراكب فهذا الذي احزنني. قال فجمع مال سلمان فكان قيمته خمسة عشر دينارا هكذا قال عامر والباقون من الرواة يذكرون الدراهم. عن أبي سفيان عن اشياخه قال ودخل سعد بن أبي وقاص على سلمان يعوده فبكى سلمان فقال له سعد ما بيكيك يا ابا عبد الله توفي رسول الله ﷺ وهو عنك راض وترد عليه الحوض قال فقال سلمان أما اني ما ابكي جزعا من الموت ولا حرصا على الدنيا ولكن رسول الله ﷺ عهد الينا فقال لتكن بلغة أحدكم مثل زاد الراكب وحولي هذه الاسأود وإنما حوله اجانة أو جفنة أو مطهرة قال فقال له سعد يا أبا عبد الله اعهد الينا بعهد فنأخذ به بعدك فقال يا سعد اذكر الله عند همك إذا هممت وعند حكمك إذا حكمت وعند بذل إذا قسمت٢. وعن الشعبي قال أصاب سلمان صرة مسك يوم فتح جلولاء فاستودعها امراته فلما حضرته الوفاة قال هاتي المسك فمرسها في ماء ثم قال انضحيها حولي فانه يأتيني زوار الان ليس بأنس ولا جان ففعلت فلم يمكث بعد ذلك إلا قليلا حتى قبض وفي أخرى أنه قال يجدون الريح ولا يأكلون الطعام.

стр. 245

وعن سعيد بن سوقة قال دخلنا على سلمان نعوده وهو مبطون فقال لامراته ما فعلت بالمسك الذي حئنا به من بلنجر قالت هو ذا قال القيه في الماء ثم اضربي بعضه ببعض ثم انضحي حول فراشي فانه الان يأتينا قوم ليس بأنس ولا جن ففعلت وخرجنا عنه ثم اتيناه فوجدناه قد قبض ﵁. عن الشعبي قال حدثني الجزل عن امرأة سلمان بقيرة قالت لما حضر سلمان الموت دعاني وهو في علية لها اربعة ابواب فقال افتحي هذه الابواب يا بقيرة فان لي اليوم زوارا لا أدري من أي هذه الابواب يدخلون علي ثم دعا بمسك له ثم قال لها اديفيه في تور ففعلت ثم قال انضحيه حول فراشي ثم انزلي فامكثي فسوف تطلعين فتريني على فراشي فاطلعت فإذا قد أخذ روحه كانه نائم على فراشه أو نحو هذا. قال أهل العلم بالسير كان سلمان من المعمرين ادرك وصي عيسى ابن مريم ﵇ وعاش مائتين وخمسين سنة ويقال أكثر وتوفي بالمدائن في خلافة عثمان وقيل مات سنة ثنتين وثلاثين. قال أبو بكر بن أبي دأوود: لسلمان ثلاث بنات بنت باصبهان وبنتان بمصر. وعن عبد الله بن سلام ان سلمان قال له يا أخي اينا مات قبل صاحبه فليترايا له قال عبد الله بن سلام أو يكون ذلك قال نعم ان نسمة المؤمن مخلاة تذهب في الأرض حيث شاءت ونسمة الكافر في سجين فمات سلمان. قال عبد الله فبينا أنا ذات يوم قائل بنصف النهار على سرير لي فاغفيت اغفاءة إذ جاء سلمان فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقلت السلام عليك ورحمة الله يا أبا عبد الله كيف وجدت منزلك قال خيرا وعليك بالتوكل فنعم الشيء التوكل ردده ثلاث مرات ﵀.

стр. 246

٦٠- أبو موسى الاشعري عبد الله بن قيس بن سليم أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة ثم قدم مع أهل السفينتين ورسول الله ﷺ بخيبر وبعضهم ينكر هجرته إلى الحبشة. عن أبي موسى ان رسول الله ﷺ بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن وامرهما ان يعلما الناس القرآن رواه الإمام أحمد.

стр. 247

وقد صح من حديث أبي موسى قال قال رسول الله ﷺ : "لو رايتني وانا استمع قراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارا من مزامير ال داود" فقلت يا رسول الله لو علمت انك تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرا. وفي الصحيحين من حديث أبي موسى قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر على بعير نعتقبه قال فنقبت اقدامنا ونقبت قدمي وسقطت اظفاري فكنا نلف على ارجلنا الخرق فسميت غزاة ذات الرقاع لما كنا نعصب على ارجلنا من الخرق قال أبو بردة فحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك وقال ما كنت اصنع بان اذكره. قال كانه كره ان يكون شيئا من عمله افشاه. وعن أبي سلمة قال كان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى ذكرنا ربنا تعالى فيقرأ. وعن أبي عثمان النهدي قال صلى بنا أبو موسى الاشعري صلاة الصبح فما سمعت صوت صنج ولا بربط كان احسن صوتا منه. وعن أبي كبشة السدوسي قال خطبنا أبو موسى الاشعري فقال: ان الجليس الصالح خير من الوحدة والوحدة خير من الجليس السوء ومثل الجليس الصالح كمثل صاحب العطر إلا يحذك يعبق بك من ريحه ألا وان مثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير إلا يحرق ثيابك يعبق من ريحه إلا وإنما سمي القلب من تقلبه وان مثله القلب كمثل ريشة بأرض فضاء تضربها الريح ظهرا لبطن إلا وان من ورائكم فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كفارا والقاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي خير من الراكب. قالوا فما تأمرنا قال كونوا احلاس البيوت. وعن أبي كنانة عن أبي موسى الاشعري أنه جمع الذين قرأوا القرآن فإذا هم قريب من ثلاث مائة فعظم القرآن وقال ان هذا القرآن كائن لكم اجرا وكائن عليكم وزرا فاتبعوا القرآن ولا يتبعنكم القرآن فانه مع اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة ومن تبعه القرآن زج في قفاه فقذفه في النار. وعن أنس ان أبا موسى كان له تبان ينام فيه مخافة ان ينكشف. وعن أبي مجلز قال قال أبو موسى اني لاغتسل في البيت المظلم فما اقيم صلبي حتى أخذ ثوبي حياء من ربي .؟

стр. 248

وعن قسامة بن زهير قال خطبنا أبو موسى فقال ايها الناس ابكوا فان لم تبكوا فتباكوا فان أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع ثم يبكون الدماء حتى لو ارسلت فيها السفن لجرت روى هذه الاحاديث الثلاثة الإمام أحمد ﵀. وعن أبي بردة عن أبي موسى قال خرجنا غازين في البحر والريح لنا طيبة والشراع لنا مرفوع فسمعنا مناديا ينادي يا أهل السفينة قفوا أخبركم حتى والى بين سبعة اصوات قال أبو موسى فقمت على صدر السفينة فقلت من أنت ومن اين أنت أو ماترى اين نحن وهل نستطيع وقوفا قال فاجانبي الصوت إلا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه قال قلت بلى أخبرنا قال فان الله فضى على نفسه أنه من عطش نفسه لله في يوم حار كان حقا على الله ان يرويه يوم القيامة قال فكان أبو موسى يتوخى ذلك اليوم الحار الشديد الحر الذ ي يكاد ينسلخ فيه الأنساًن فيصومه١. وعن أبي ادريس قال صام أبو موسى حتى عاد كأنه خلال فقيل له لو اجممت نفسك فقال ايهات إنما يسبق من الخيل المضمرة قال وربما خرج من منزله فيقول لامراته شدي رحلك فليس على جسر جهنم معبر. عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب قال دعا أبو موسى فتيانه حين حضرته الوفاة فقال اذهبوا فاحفروا واسعوا واعمقوا فجاؤوا فقالوا قد حفرنا وأوسعنا واعمقنا فقال والله انها لإحدى المنزلتين أما ليوسعن علي قبري حتى يكون كل زأوية منه اربعين ذراعا ثم ليفتحن لي باب إلى الجنة فلا نظرن إلى ازواجي ومنازلي وما اعد الله لي من الكرامة ثم ليصيبني من ريحها وروحها حتى ابعث ولئن كانت الاخرى ونعوذ بالله منها ليضيقن علي قبري حتى أكون في اضيق من القناة في الزج ثم ليفتحن لي باب من ابواب جهنم فلأنظرن إلى سلاسلي واغلالي وقرنائي ثم ليصيبني من سمومها وحميمها حتى ابعث. وعن أبي بردة قال لما حضرت أبا موسى الوفاة قال يا بني اذكروا صاحب الرغيف قال كان رجل يتعبد في صومعته اراه قال سبعين سنة لا ينزل إلا في يوم واحد قال فشبه أو شب الشيطان في عينه امرأة قال فكان معها سبعة أيام أو سبع ليال قال ثم شكف عن الرجل غطاؤه فخرج تائبا فكان كلما خطا خطوة صلى وسجد فأواه الليل إلى دكان عليه اثنا

стр. 249

عشر مسكينا فادركه الاعياء فرمى بنفسه بين رجلين منهم وكان ثم راهب يبعث إليهم كل ليلة بأرغفة فيعطي كل أنساًن رغيفا فجاء صاحب الرغف فاعطى كل إنسان رغيفا فقال المتروك لصاحب الرغف ما لك لم تعطني رغيفي قال اتراني امسكه عنك سل هل أعطيت أحداً منكم رغيفين؟ قالوا: لا قال: أتراني أمسكه عنك؟ والله لا اعطيك الليلة شيئا فعمد التائب إلى الرغيف الذي دفعه إليه فدفعه إلى الرجل الذي ترك. فاصبح التائب ميتا قال فوزنت السبعون سنة بالسبع ليالي فرجحت الليالي. فوزن الرغيف بالسبع الليالي فرجح الرغيف فقال أبو موسى يا بني اذكروا صاحب الرغيف١ ﵁. قال أصحاب السير توفي أبو موسى سنة اثنتين وخمسين وقيل اثنتين واربعين وقيل اربع واربعين ودفن بمكة وقيل دفن بالثوية على ميلين من الكوفة.

стр. 250

٦١- ياسر بن عامربن مالك أبو عمار. قدمة فحالف أبا حذيفة بن المغيرة فزوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها سُمية بنت خياط فولدت له عمّاراً. ﵏. ثم جاء الله بالإسلام فأسلم ياسر وعمار. فلما أسلم ياسر أخذته بنو مخزوم فجعلوا يعذبونه، ليرجع عن دينه. قال عثمان بن عفان: أقبلت أنا ورسول الله ﷺ وهو آخذ بيدي حتى أتينا على أبي عمار وعمار وأمه وهم يعذبون فقال ياسر: الدهر هكذا فقال النبي: " اصبر اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلتَ" ٢. ﵁.
следующие страницы →