← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12031

صفة الصفوة

ابن الجوزي

Полный текст (1 666 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

٦٠- أبو موسى الاشعري عبد الله بن قيس بن سليم أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة ثم قدم مع أهل السفينتين ورسول الله ﷺ بخيبر وبعضهم ينكر هجرته إلى الحبشة. عن أبي موسى ان رسول الله ﷺ بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن وامرهما ان يعلما الناس القرآن رواه الإمام أحمد.

стр. 247

وقد صح من حديث أبي موسى قال قال رسول الله ﷺ : "لو رايتني وانا استمع قراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارا من مزامير ال داود" فقلت يا رسول الله لو علمت انك تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرا. وفي الصحيحين من حديث أبي موسى قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر على بعير نعتقبه قال فنقبت اقدامنا ونقبت قدمي وسقطت اظفاري فكنا نلف على ارجلنا الخرق فسميت غزاة ذات الرقاع لما كنا نعصب على ارجلنا من الخرق قال أبو بردة فحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك وقال ما كنت اصنع بان اذكره. قال كانه كره ان يكون شيئا من عمله افشاه. وعن أبي سلمة قال كان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى ذكرنا ربنا تعالى فيقرأ. وعن أبي عثمان النهدي قال صلى بنا أبو موسى الاشعري صلاة الصبح فما سمعت صوت صنج ولا بربط كان احسن صوتا منه. وعن أبي كبشة السدوسي قال خطبنا أبو موسى الاشعري فقال: ان الجليس الصالح خير من الوحدة والوحدة خير من الجليس السوء ومثل الجليس الصالح كمثل صاحب العطر إلا يحذك يعبق بك من ريحه ألا وان مثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير إلا يحرق ثيابك يعبق من ريحه إلا وإنما سمي القلب من تقلبه وان مثله القلب كمثل ريشة بأرض فضاء تضربها الريح ظهرا لبطن إلا وان من ورائكم فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كفارا والقاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي خير من الراكب. قالوا فما تأمرنا قال كونوا احلاس البيوت. وعن أبي كنانة عن أبي موسى الاشعري أنه جمع الذين قرأوا القرآن فإذا هم قريب من ثلاث مائة فعظم القرآن وقال ان هذا القرآن كائن لكم اجرا وكائن عليكم وزرا فاتبعوا القرآن ولا يتبعنكم القرآن فانه مع اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة ومن تبعه القرآن زج في قفاه فقذفه في النار. وعن أنس ان أبا موسى كان له تبان ينام فيه مخافة ان ينكشف. وعن أبي مجلز قال قال أبو موسى اني لاغتسل في البيت المظلم فما اقيم صلبي حتى أخذ ثوبي حياء من ربي .؟

стр. 248

وعن قسامة بن زهير قال خطبنا أبو موسى فقال ايها الناس ابكوا فان لم تبكوا فتباكوا فان أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع ثم يبكون الدماء حتى لو ارسلت فيها السفن لجرت روى هذه الاحاديث الثلاثة الإمام أحمد ﵀. وعن أبي بردة عن أبي موسى قال خرجنا غازين في البحر والريح لنا طيبة والشراع لنا مرفوع فسمعنا مناديا ينادي يا أهل السفينة قفوا أخبركم حتى والى بين سبعة اصوات قال أبو موسى فقمت على صدر السفينة فقلت من أنت ومن اين أنت أو ماترى اين نحن وهل نستطيع وقوفا قال فاجانبي الصوت إلا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه قال قلت بلى أخبرنا قال فان الله فضى على نفسه أنه من عطش نفسه لله في يوم حار كان حقا على الله ان يرويه يوم القيامة قال فكان أبو موسى يتوخى ذلك اليوم الحار الشديد الحر الذ ي يكاد ينسلخ فيه الأنساًن فيصومه١. وعن أبي ادريس قال صام أبو موسى حتى عاد كأنه خلال فقيل له لو اجممت نفسك فقال ايهات إنما يسبق من الخيل المضمرة قال وربما خرج من منزله فيقول لامراته شدي رحلك فليس على جسر جهنم معبر. عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب قال دعا أبو موسى فتيانه حين حضرته الوفاة فقال اذهبوا فاحفروا واسعوا واعمقوا فجاؤوا فقالوا قد حفرنا وأوسعنا واعمقنا فقال والله انها لإحدى المنزلتين أما ليوسعن علي قبري حتى يكون كل زأوية منه اربعين ذراعا ثم ليفتحن لي باب إلى الجنة فلا نظرن إلى ازواجي ومنازلي وما اعد الله لي من الكرامة ثم ليصيبني من ريحها وروحها حتى ابعث ولئن كانت الاخرى ونعوذ بالله منها ليضيقن علي قبري حتى أكون في اضيق من القناة في الزج ثم ليفتحن لي باب من ابواب جهنم فلأنظرن إلى سلاسلي واغلالي وقرنائي ثم ليصيبني من سمومها وحميمها حتى ابعث. وعن أبي بردة قال لما حضرت أبا موسى الوفاة قال يا بني اذكروا صاحب الرغيف قال كان رجل يتعبد في صومعته اراه قال سبعين سنة لا ينزل إلا في يوم واحد قال فشبه أو شب الشيطان في عينه امرأة قال فكان معها سبعة أيام أو سبع ليال قال ثم شكف عن الرجل غطاؤه فخرج تائبا فكان كلما خطا خطوة صلى وسجد فأواه الليل إلى دكان عليه اثنا

стр. 249

عشر مسكينا فادركه الاعياء فرمى بنفسه بين رجلين منهم وكان ثم راهب يبعث إليهم كل ليلة بأرغفة فيعطي كل أنساًن رغيفا فجاء صاحب الرغف فاعطى كل إنسان رغيفا فقال المتروك لصاحب الرغف ما لك لم تعطني رغيفي قال اتراني امسكه عنك سل هل أعطيت أحداً منكم رغيفين؟ قالوا: لا قال: أتراني أمسكه عنك؟ والله لا اعطيك الليلة شيئا فعمد التائب إلى الرغيف الذي دفعه إليه فدفعه إلى الرجل الذي ترك. فاصبح التائب ميتا قال فوزنت السبعون سنة بالسبع ليالي فرجحت الليالي. فوزن الرغيف بالسبع الليالي فرجح الرغيف فقال أبو موسى يا بني اذكروا صاحب الرغيف١ ﵁. قال أصحاب السير توفي أبو موسى سنة اثنتين وخمسين وقيل اثنتين واربعين وقيل اربع واربعين ودفن بمكة وقيل دفن بالثوية على ميلين من الكوفة.

стр. 250

٦١- ياسر بن عامربن مالك أبو عمار. قدمة فحالف أبا حذيفة بن المغيرة فزوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها سُمية بنت خياط فولدت له عمّاراً. ﵏. ثم جاء الله بالإسلام فأسلم ياسر وعمار. فلما أسلم ياسر أخذته بنو مخزوم فجعلوا يعذبونه، ليرجع عن دينه. قال عثمان بن عفان: أقبلت أنا ورسول الله ﷺ وهو آخذ بيدي حتى أتينا على أبي عمار وعمار وأمه وهم يعذبون فقال ياسر: الدهر هكذا فقال النبي: " اصبر اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلتَ" ٢. ﵁.

стр. 251

٦٢- عبد الله بن عمر بن الخطاب يكنى أبا عبد الرحمن أمه زينب بنت مظعون أسلم بمكة مع أبيه ولم يكن بالغا حينئذ وهاجر مع أبيه إلى المدينة وعرض على رسول الله ﷺ يوم بدر فرده ويوم أحد فرده لصغر سنه وعرض عليه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فاجازه. عن نافع عن ابن عمر ان النبي ﷺ عرضه يوم أحد وهو ابن اربع عشر فلم يجزه ثم عرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة فاجازه٣.

стр. 252

وعن سالم عن ابن عمر قال كان الرجل في حياة رسول الله. ﷺ إذا رأى رؤيا قصها على النبي. ﷺ قال وكنت غلاما شابا عزبا فكنت انام في المسجد على عهد رسول الله. ﷺ ف رأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار فإذا هي مطوية كطي البئر وإذا لها قرنان وارى فيها ناسا قد عرفتهم فجعلت اقول أعوذ بالله من النار أعوذ بالله من النار فلقيهما ملك آخر فقال لي لن ترع فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله. ﷺ فقال نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل قال سالم فكان عبد الله بعد لا ينام من الليل إلا قليلا أخرجاه في الصحيحين١. وعن نافع قال قال لي عبد الله بن عمر رأيت في المنام كان بيدي قطعة من استبرق ولا اشير بها إلى مكان من الجنة إلا طارت بي إليه فقصتها حفصة على النبي. ﷺ فقال إن أخاك رجل صالح أو أن عبد الله رجل صالح أخرجاه في الصحيحين. وعن أبي الزناد قال اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد الله بنو الزبير وعبد الله بن عمر فقالوا تمنوا فقال عبد الله بن الزبير أما أنا فاتمنى الخلافة وقال عروة أما أنا فاتمنى ان يؤخذ عني العلم وقال مصعب أما أنا فاتمنى امرة العراق والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة ينت الحسين قال عبد الله بن عمر أما أنا فاتمنى المغفرة. قال فنالوا ما تمنوا ولعل ابن عمر غفر له. وعن نافع قال دخل ابن عمر الكعبة فسمعته وهو ساجد يقول قد تعلم ما يمنعني من مزاحمة قريش على هذه الدنيا إلا خوفك. عن طاوس قال ما رأيت رجلا أورع من ابن عمر ولا رأيت رجلا اعلم من ابن عباس. وقال سعيد بن المسيب لو كنت شاهدا لرجل من أهل العلم أنه من أهل الجنة لشهدت لعبد الله بن عمر. وعن عروة قال سئل ابن عمر عن شيء فقال لا علم لي به فلما ادبر الرجل قال لنفسه سئل ابن عمر عما لا علم له به فقال لا علم لي به. وعن نافع أن رجلا سأل ابن عمر عن مسالة فطأطأ رأسه ولم يجبه حتى ظن الناس أنه لم يسمع مسألته فقال له يرحمك الله أما سمعت مسألتي قال بلى ولكنكم كأنكم ترون

стр. 253

أن الله تعالى ليس بسائلنا عما تسألونا عنه اتركنا رحمك الله حتى نتفهم في مسألتك فان كان لها جواب عندنا والا اعلمناك أنه لا علم لنا به. وعن إبراهيم قال قال عبد الله ان أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبد الله ابن عمر. وعن محمد قال نبئت ان ابن عمر كان يقول اني لقيت اصحابي على أمر واني أخاف ان خالفتهم ان لا الحق بهم. وعن سعيد ابن المسيب قال كان اشبه ولد عمر بعمر عبد الله واشبه ولد عبد الله بعبد الله سالم. وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال ما ناقة اضلت فصيلها في فلاة من الأرض باطلب لاثرها من ابن عمر لعمر بن الخطاب. وعن المطعم بن مقدام الصناعاني قال كتب الحجاج بن يوسف إلى عبد الله بن عمر بلغني انك طلبت الخلافة وان الخلافة لا تصلح لعيي ولا بخيل ولا غيور. فكتب إليه ابن عمر أما ما ذكرت من أمر الخلافة اني طلبتها فما طلبتها وما هي من بالي واما ما ذكرت من العي والبخل والغيرة فان من جمع كتاب الله فليس بعيي ومن ادى زكاة ما له فليس ببخيل واما ما ذكرت فيه من الغيرة فان احق ما غرت فيه ولدي ان يشركني فيه غيري. وعن عائشة قالت ما رأيت أحداً الزم للامر الأول من عبد الله بن عمر. وعنها قالت ما رأيت أحداً اشبه باصحاب رسول الله ﷺ الذين دفنوا في النمار من عبد الله بن عمر. وعن عبد الله بن أبي عثمان قال كان عبد الله بن عمر اعتق جاريته التي يقال لها رميثة فقيل اني سمعت الله قال في كتابه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] واني والله ان كنت لاحبك في الدنيا اذهبي فانت حرة لوجه الله. وعن حمزة بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر قال خطرت هذه الاية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فتذكرت ما اعطاني الله فما وجدت شيئا أحب إلي من جاريتي رميثة فقلت هذه حرة لوجه الله فلا اعود في شيء جعلته لله ولولا ذلك لنكحتها فانكحها نافعا وهي أم ولده٢.

стр. 254

قال وعن نافع قال كان ابن عمر إذا اشتد عجبه بشيء من ماله قربه لربه قال نافع كان رقيقه قد عرفوا ذلك منه فربما شمر أحدهم فلزم المسجد فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال الحسنة اعتقه فيقول له أصحابه يا أبا عبد الرحمن والله ما بهم إلا ان يخدعوك فيقول ابن عمر فمن خدعنا بالله انخدعنا له. قال نافع فلقد رأيتنا ذات عشية وراح ابن عمر على نجيب له قد أخذه بمال فلما اعجبه سيره اناخه مكانه ثم نزل عنه فقال يا نافع انزعوا زمامه ورحله وجللوه واشعروه وادخلوه في البدن. وعن سعيد بن أبي هلال ان عبد الله بن عمر نزل الجحفة وهوشاك فقال اني لاشتهي حيتانا فالتمسوا له فلم يجدوا إلا حوتا وأحداً فأخذته امراته صفية بنت أبي عبيد فصنعته ثم قربته إليه فأتى مسكين حتى وقف عليه فقال له ابن عمر خذه فقال أهله سبحان الله قد عنيتنا ومعنا زاد نعطيه فقال ان عبد الله يحبه. وعن أبي بكر بن حفص قال لما اشتكى ابن عمر اشتهى حوتا فصنع له فلما وضع بين يديه جاء سائل فقال اعطوه الحوت فقالت امرأته نعطيه درهما فهو انفع له من هذا واقض أنت شهوتك منه فقال شهوتي ما اريد. وعن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يعجبه شيء من ماله إلا خرج منه لله قال وربما تصدق في المجلس الواحد بثلاثين الفا قال واعطاه ابن عمار مرتين ثلاثين ألفا قال فقال ابن عمر يا نافع اني أخاف ان تفتنني دراهم ابن عمار اذهب فانت حر. وكان لا يد من اللحم شهرا إلا مسافرا أو رمضان قال وكان يمكث الشهر لا يذوق فيه مزعة لحم. وعن ميمون بن مهران قال آتت ابن عمر اثنان وعشرون الف دينار في مجلس فلم يقم حتى فرقها. وعن عاصم بن محمد عن أبيه قال اعطي ابن عمر بنافع عشرة الاف أو الف دينار فقلت يا أبا عبد الرحمن فما تنظر ان تبيع قال فهلا ما هو خير من ذلك فهو حر لوجه الله روى هذه الاحاديث الثلاثة الإمام أحمد. وعن أبي بكر بن حفص ان عبد الله بن عمر كان لا يأكل طعاما إلا وعلى خوانه يتيم رواه عبد الله بن أحمد.

стр. 255

وعن نافع قال ما مات ابن عمر حتى اعتق الف أنساًن أو زاد. وعنه قال اتي ابن عمر ببضعة وعشرين الفا فما قام من مجلسه حتى اعطاها وزاد عليها قال ولم يزل يعطي حتى انفد ما كان عنده فجاءه بعض من كان يعطيه فاستقرض من بعض من كان اعطاه فاعطاه اياه. وعنه قال كان يرسل إلى عبد الله بن عمر بالمال فيقبله ويقول لا اسأل أحداً شيئا ولا ارد ما رزقني الله. وعنه قال كان ابن عمر يقبض على لحيته ويأخذ ما جاوز القبضة. وعنه ان معاوية بعث إلى ابن عمر بمائة الف فلما اراد ان يبايع ليزيد قال أرى ذلك أراد أن ديني عندي إذا لرخيص رواه محمد بن سعيد. وعنه ان معاوية بعث إلى ابن عمر بمائة الف فما حال الحول وعنده منها شيء. وعن أبي الوازع قال قلت لابن عمر لا يزال الناس بخير ما ابقاك الله لهم. قال فغضب ثم قال اني لاحسبك عراقيا وما يدريك ما يغلق عليه ابن امك بابه١. عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن نافع ان ابن عمر اشتكى فاشتري له عنقود عنب بدرهم فجاء مسكين فقال اعطوه اياه فخالف إليه إنسان فاشتراه منه بدرهم ثم جاء به إليه فجاءه المسكين يسأل فقال اعطوه إليه ثم خالف إليه إنسان فاشتراه منه بدرهم فاراد ان يرجع فمنع ولوعلم ابن عمر بذلك العنقود ما ذاقه. وفي رواية اخرى اشتهى ابن عمر عنبا وهو مريض فذكر نحو ذلك. وعن ميمون بن مهران ان امرأة ابن عمر عوتبت فيه فقيل لها ما تلطفين هذا الشيخ قالت فما اصنع لا نصنع له طعاما إلا دعا عليه من يأكله فارسلت إلى قوم من المساكين كانوا يجلسون بطريقه إذا خرج من المسجد فاطعمتهم وقالت لهم لا تجلسوا بطريقه ثم جاء إلى بيته فقال ارسلوا إلى فلان والى فلان وكانت امرأته ارسلت إليهم بطعام وقالت ان دعاكم فلا تأتوه فقال ابن عمر اردتم ان لا اتعشى الليلة فلم يتعش تلك الليلة. وعن حمزة بن عبد الله بن عمر قال لوان طعاما كثيرا كان عند عبد الله بن عمر ما شبع منه بعد ان يجد له آكلا فدخل عليه ابن مطيع يعوده فرآه وقد نحل جسمه فقال لصفية ألا تلطفيه فلعله أن يرتد إليه جسمه تصنعين له طعاما قالت أنا لنفعل ذلك ولكنه لا يدع

стр. 256

أحداً من أهله ولا من يحضره إلا دعاه عليه فكلمة أنت في ذلك فقال ابن مطيع يا أبا عبد الرحمن لو اتخذت طعاما فرجع اليك جسمك. فقال أنه ليأتي علي ثمان سنين ما اشبع فيها شبعة وأحدة أو قال لا اشبع فيها الاشبعة وأحدة فالان تريد ان اشبع حين لم يبق من عمري إلا ظمء حمار. وعن عبد الله بن عدي وكان مولى لابن عمر أنه قدم من العراق فجاءه فسلم عليه فقال اهديت لك هدية قال وما هي قال جوارش قال وما جوارش؟ قال يهضم الطعام قال ما ملأت بطني طعاما منذ اربعين سنة فما اصنع به؟ وعن ميمون بن مهران ان رجلا من بني عبد الله بن عمر استكساه ازارا وقال قد تخرق ازاري فقال ارقع ازارك ثم البسه فكره الفتى ذلك فقال له عبد الله: ويحك اتق الله ولا تكونن من القوم الذين يجعلون ما رزقهم الله في بطونهم وعلى ظهورهم. وعن سفيان قال اراد ابن عمر مرة الصدر من مكة فاتخذ له ابن صفوان سفرة من نقى وفالوذج واخبصة وبعث بها إليه فاتي بهافلما نظر إليها بكى وقال ماهكذا كنا ما شبعت منذ أسلمت وامر بها فقسمت على أهل الماء ودعا بسفرته وقال لا خير إلا فيما يبقى نفعه غدا. وعن القاسم بن أبي بزة قال حدثني من سمع ابن عمر قرأ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ حتى بلغ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ١ – ٦] قال فبكى حتى حن وامتنع من قراءة ما بعد١. وعن البراء بن سليم قال سمعت نافعا يقول ما قرأ ابن عمر هاتين الايتين قط من آخر سورة البقرة الابكى ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] ثم يقول ان هذا لاحصاء شديد رواهما الإمام أحمد٢. وعن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه قال جاء سائل إلى ابن عمر فقال لابنه اعطه دينارا فلما انصرف قال له ابنه تقبل الله منك يا ابتاه فقال لو علمت ان الله يقبل مني سجدة واحدة وصدقة درهم لم يكن غائب أحب إلي من الموت اتدري ممن يتقبل إنما يتقبل الله من المتقين.

стр. 257

وعن مجاهد قال صحبت ابن عمر وانا اريد ان اخدمه فكان يخدمني أكثر. وعن وهيب ان ابن عمر ﵀ باع جملا فقيل لو امسكته فقال لقد كان موافقا ولكنه اذهب شعبة من قلبي فكرهت ان اشغل قلبي بشيء رواهما الإمام أحمد. وعن محمد بن زيد ان أباه أخبره ان عبد الله بن عمر كان له مهراس فيه ماء فيصلي ما قدر له ثم يصير إلى الفراش فيغفي اغفاء الطير ثم يثب فيتوضأ ثم يصلي يفعل ذلك الليلة اربع مرار أو خمس مرار. وعن نافع عن ابن عمر أنه كان يحيي الليل صلاة ثم يقول يا نافع اسحرنا؟ فاقول لا فيعاود الصلاة ثم يقول يا نافع اسحرنا؟ فأقول نعم فيقعد ويستغفر ويدعو حتى يصبح وعنه عن ابن عمر أنه كان يحيي ما بين الظهر والعصر. وعن طاوس قال ما رأيت مصليا كهيئة عبد الله بن عمر اشد استقبالا للكعبة بوجهه وكفيه وقدميه. وعن عبد الله بن سبرة قال كان ابن عمر إذا اصبح قال اللهم اجعلني من اعظم عبادك نصيبا في كل خير تقسمه الغداة ونور تهدي به ورحمة تنشرها ورزق تبسطه وضر تكشفه وبلاء ترفعه وفتنة تصرفها. وعن سمير الرياحي عن أبيه قال شرب عبد الله بن عمر ماء مبردا فبكي فاشتد بكاؤه فقيل له ما يبكيك فقال ذكرت آية في كتاب الله : ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] فعرفت ان أهل النار لا يشتهون شيئا شهوتهم الماء وقد قال الله : ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الاعراف: ٥٠] . وعن جابر بن عبد الله قال ما ادركنا أحداً أو قال ما رأينا أحداً إلا قد مالت به الدنيا أو مال بها إلا عبد الله بن عمر. وعن نافع قال كان ابن عمر إذا قرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] بكى حتى يغلبه البكاء١. وعن مجاهد عن ابن عمر قال لا يصيب عبد شيئا من الدنيا إلا نقص من درحاته عند الله وان كان عليه كريما.

стр. 258

وعن عمر بن ميمون عن أبيه قال قيل لعبد الله بن عمر توفي فلان الأنصاري قال ﵀ فقال ترك مائة الف قال لكن هي لم تتركه. وقال رجل لابن عمر يا خير الناس وابن خير الناس فقال ابن عمر ما أنا بخير الناس ولا ابن خير الناس ولكني عبد من عباد الله أرجو الله وأخافه والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه١. وعن نافع قال كان البر لا يعرف في عمر ولا في ابنه حتى يقولا أو يعملا. وعنه عن ابن عمر أنه نزل على رجل فلما مضت ثلاث قال يا نافع انفق علينا من مالنا. وعن قتادة قال سئل ابن عمر عن لا اله إلا الله هل يضر معها عمل كما ينفع مع تركها عمل قال ابن عمر عش ولا تغير. وعن مجاهد عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ : "أحب في الله وابغض في الله وعاد في الله فانك لن تنال ولاية الله إلا بذلك ولا يجد رجل طعم الايمان وان كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك وصارت مؤاخاة الناس في أمر الدنيا وان ذلك لايجزي عند الله شيئا". قال وقال لي ابن عمر إذا اصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء وإذا امسيت فلا تحدث نفسك بالصباح وخذ من صحتك لسقمك ومن حياتك لموتك فانك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غدا. قال وأخذ رسول الله. ﷺ ببعض جسدي فقال كن في الدنيا غريبا أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور رواه الطبراني. ذكر وفاة ابن عمر: عن عطية العوفي قال سألت مولى لعبد الله بن عمر عن موت عبد الله بن عمر فقال أصابه رجل من أهل الشام بزجه في رجله فأتاه الحجاج يعوده فقال لو اعلم الذي اصابك لضربت عنقه فقال عبد الله أنت الذي اصبتني قال كيف قال يوم دخلت حرم الله السلاح. وعن أيوب قال قلت لنافع ما كان بدء موت ابن عمر قال اصابته عارضة محمل بين

стр. 259

اصبعين من اصابعه عند الجمرة في الزحام فمرض فأتاه الحجاج يعوده فغمض عينيه فكلمه الحجاج فلم يكلمه. وعن نافغ قال كان زج رمح رجل من أصحاب الحجاج قد أصاب رجل ابن عمر فاندمل الجرح فلما صدر انتقض عليه فدخل الحجاج يعوده فقال من اصابك قال أنت قتلتني قال وفيم قال حملت السلاح في حرم الله فاصابني بعض اصحابك. فلما حضرته الوفاة أوصى ان لا يدفن في الحرم فغلب فدفن في الحرم وصلى عليه الحجاج. وفي رواية عن نافع قال لم يقدر على ذلك من الحجاج فدفناه في مقبرة المهاجرين بفخ نحو ذي طوى ومات بمكة سنة اربع وسبعين وقيل سنة ثلاث وسبعين وهو ابن اربع وثمانين سنة ﵁.

стр. 260

٦٣- عمرو ابن أم مكتوم وهو عمرو بن قيس وقيل اسمه عبد الله واسم أمه عاتكة وتكنى أم مكتوم. أسلم بمكة وهو ضرير البصر وهاجر إلى المدينة وكان يؤذن للنبي ﷺ بالمدينة مع بلال. وكان رسول الله ﷺ يستخلفه على المدبنة يصلي بالناس في عامة غزواته. وعن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير، ثم قدم علينا ابن أم مكتوم الأَعمى رواه أحمد. وعن ابن عباس قال: بينا رسول الله ﷺ يناجي عُتبة بن ربية وأبا جهل بن هشام وذكر آخر وكان يتصدى لهم كثيراً ويُقبل عليهم رجاء ان يؤمنوا، فأقبل عليه رجل اعمى يقال له عبد الله ابن أم مكتوم وهو يناجيهم. فجعل عبد الله يستقريء رسولَ الله ﷺ آية من القرآن وقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله فأعرض عنه رسول الله. ﷺ وعبس في وجهه وتولى عنه وكره كلامه وأقبل على الاخرين. فلما قضى رسول الله ﷺ نجواه وأخذ تنقلب إلى أهله أنزل الله تعالى: ﴿عبَسَ وتَولى، أنْ جاءَهُ الأعمى﴾ [عبس: ١] فلما نزل فيه مانزل أكرمه النبي. ﷺ وكلمه: يقول له: ما حاجتك؟ وهل تريد من شيئاً؟ وإذا ذهب من عنده قال: هل لك حاجة في شيء؟ ١ وعن البراء أن النبي. ﷺ قال: ائتوني بالكتف أو اللوح فكتب: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ

стр. 261

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] وعَمْرو ابن أم مكتوم خلف ظهره فقال: هل لي من رخصة؟ فنزلت: ﴿غير أولي الضَّرر﴾ . وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نزلت: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ فقال ابن أم مكتوم: ايْ ربِّ عُذري فأنزل الله: ﴿غير أولي الضَّرر﴾ فجعل بينهما١. وكان بعد ذلك يغزو ويقول: ادفعوا إلي اللواء فإني أعمى لا أستطيع أن أفرّ، وأقيموني بين الصفّين. قال أنس بن مالك: كان مع ابن أم مكتوم يوم القادسيةراية ولواء. قال الواقدي: مات ابن أم مكتوم بالمدينة ولم نُسمع له بذكر بعد عمر، ﵄.

стр. 262

٦٤- أبو ذر جندب بن جنادة وفي اسمه خلاف كثير قد ذكرته في كتابي المسمى "بالتلقيح". وكان أبو ذر طوالاً آدم، وكان يتعبد قبل مبعث رسول الله. ﷺ وأسلم بمكة قديماً وقال: كنت في الإسلام رابعاً. ورجع إلى بلاد قومه فاقام بها حتى مضت بدر واحد والخندق. ثم قدم المدينة. قال خفاف بن إيماء: كان أبو ذر شجاعاً ينفرد وحده قيقطع الطريق ويغير على الصّرم كأنه السبع، ثم إن الله قذف في قلبه الإسلام وسمع بالنبي. ﷺ بمكة فأتاه. وعن عبد الله بن صامت قال: قال أبو ذر: لقد صليتُ يابن أخي قبل ألقى رسول الله. ﷺ بثلاث سنين. قال فقلت: لمن؟ قال لله. قلت فاين تتوجه قال حيث وجهني الله قال واصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كاني خفاء حتى تعلوني الشمس. قال أبو ذر فانطلقناحتى نزلت بحضرة مكة وانطلق أخي انيس فراث علي فقلت ما حبسك قال لقيت رجلا يزعم ان الله ارسله على دينك قال فقلت ما يقول الناس فيه قال يقولون أنه شاعر وساحر وكاهن. قال انيس قد سمعت قول الكهان فما يقول بقولهم وقد وضعت قوله على اقراء الشعراء فوالله ما يلتام ووالله أنه لصادق وانهم لكاذبون. قال فقلت له هل أنت كافي حتى انطلق فأنظر قال نعم فكن من أهل مكة على حذر فانهم قد شنفوا له وتجهموا له فانطلقت حتى قدمت مكة فتضعفت رجلا منهم فقلت

стр. 263

له اين هذا الرجل الذي يدعونه الصابيء؟ قال فأشار إلي. قال الصابيء قال فمال أهل الوادي علي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علي فارتفعت حين ارتفعت كاني نصب احمر فاتيت زمزم فشربت من مائها وغسلت عني الدم فدخلت بين الكعبة واستارها فلبثت بهيا بن أخي ثلاثين من بين ليلة ويوم ما لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت في كبدي سخفة جوع. قال بينما أهل مكة في ليلة قمراء أي مضيئة اضحيان وضرب الله على اصمخة أهل مكة وما يطوف بالبيت غير امرأتين فاتتا على وهما تدعوان اسافا ونائلة فقلت انكحوا أحدهما الاخر قال فما ثناهما ذلك قال فاتتا علي فقلت هن مثل الخشبة غير اني لم اكن فانطلقنا تولولان وتقولان لو كان هاهنا أحد من انفارنا قال فاستقبلهما رسول الله. ﷺ وأبو بكر وهما هابطان الجبل فقالا ما لكما قالتا الصابيء بين الكعبة واستارها قالا فما قال لكما؟ قالتا قال لنا كلمة تملا الفم. قال فجاء رسول الله ﷺ هو وصاحبه حتى استلم الحجر فطاف بالبيت ثم صلى ركعتين قال فاتيته فكنت أول من حياه بتحية الإسلام فقال: "وعليك السلام ورحمة الله ممن أنت؟ " قال قلت من غفار قال فأهوى بيده فوضعها على جبهته قال فقلت في نفسي كره ان انتميت إلى غفار قال فاردت ان أخذ بيده فقد عني صاحبه وكان اعلم به مني قال: "متى أنت هاهنا؟ " قال قلت كنت هاهنا منذ ثلاثين من يوم وليلة قال فمن كان يطعمك قلت ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فمسنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبيدي سخفة جوع فقال رسول الله ﷺ : "انها مباركة انها طعام طعم". قال أبو بكر ائذن لي يا رسول الله ﷺ في طعامه الليلة قال ففعل قال فانطلق النبي ﷺ وانطلقت معهما حتى فتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف. قال: فكان ذلك أول طعام اكلته بها. فلبثت ما لبثت ثم قال لي رسول الله ﷺ : "اني وجهت إلى أرض ذات نخل فلا احسبها إلا يثرب فهل أنت مبلغ عني قومك لعل الله ينفعهم بك وياجرك فيهم" قال فانطلقت حتى اتيت أخي أنسيا قال فقال لي ما صنعت قال قلت صنعت اني قد

стр. 264

أسلمت وصدقت قال فما بي رغبة عن دينك فاني قد أسلمت وصدقت ثم اتينا امنا فقالت ما بي رغبة عن دينكما فاني قد أسلمت وصدقت. فتحملنا حتى اتينا قومنان غفارا فأسلم بعضهم قبل ان يقدم رسول الله ﷺ المدينة وكان يؤمهم خفاف بن ايماء بن رخصة الغفاري وكان سيدهم يومئذ. وقال بقيتهم إذا قد رسول الله ﷺ أسلمنا فقد رسول الله ﷺ المدينة فأسلم بقيتهم فقال رسول الله ﷺ : "غفار غفر الله وأسلم سالمها الله" ١ انفرد بإخراجه مسلم. وفي الصحيحين من حديث اين عباس ان أبا ذر لما دخل على رسول الله ﷺ وأسلم قال له النبي ﷺ : "ارجع إلى قومك حتى يأتيك امري" فقال والذي نفسي بيده لاصرخن بها بين ظهرانيهم فخرج حتى أتى المسجد فنادى باعلى صوته: "أشهد ان لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله". وثار القوم فضربون حتى اضجعوه وأتى الباس فاكب عليه فقال ويلكم الستم تعلمون أنه من غفار وان طريق تجارتكم إلى الشام يعني عليهم فانقذه منهم ثم عاد من الغد لمهلها وثاروا إليه فضربوه فاكب عليه العباس فانقذه٢. وعن أبي حرب بن أبي الاسود قال سمعت عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله. ﷺ يقول: "ما اقلت الغبراء ولا اظلت الخضراء من رجل اصدق من أبي ذر" رواه الإمام أحمد٣. وعن محمد بن واسع ان رجلا من أهل البصرة ركب إلى أم ذر بعد موته فسالها عن عبادة أبي ذر قالت كان نهاره اجمع في ناحية يتفكر. وعن عبد الله بن سيدان عن أبي ذر أنه قال في المال ثلاثة شركاء القدر لا يستامرك ان يذهب بخيرها أو شرها أو شرها ن هلاك أو موت والوارث ينتظر ان تضع رأسك ثم يستاقها وأنت ذميم وأنت الثالث فان استطعت ان لا يكون اعجز الثلاثة فلا تكونن ان الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وان هذا الجمل مما كنت أحب من مالي فاحببت ان قدمه لنفسي.

стр. 265

وعن سفيان الثوري قال قال أبو ذر الغفاري عند الكعبة فقال يا ايها الناس اناجندب الغفاري هلموا إلى الاخ الناصح الشفيق فاكتنفه الناس فقال ارأيتم لو ان أحدكم اراد سفار اليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه قالوا بلى قال فان سفر طريق القيامة ابعد ما ترويدون فخذوا ما يصلحكم قالوا ومايصلحنا قال حجوا حجة لعظائم الامور وصوموا يوما شديدا حره لطول النشور وصلوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور كلمة خير تقولها أو كلمة شر تسكت عنها لوقوف يوم عظيم تصدق بمالك لعلك تنجو من عسيرهها اجعل الدنيا مجلسين مجلسا في طلب الحلال ومجلسا في طلب الآخرة الثالث يضرك ولا ينفعك لا ترده اجعل المال درهمين درهما تنفقه على عبالك من حله ودرهما تقدمه لاخرتك الثالث يضرك ولا ينفعك لا ترده. ثم نادى باعلى صوتهيا ايها الناس قد قتلكم حرص لا تدركونه أبداً. وعن عطاء بن محمد قال إبراهيم التيمي قال أبي خرجنا حجاجا فوجدنا أبا ذر بالربذة قائما يصلي فانتظرناه حتى فرغ من صلاته ثم أقبل علينا بوجهه فقال هلم إلى الاخ الناصح الشفيق ثم بكى فاشتد بكاؤه وقال قتلني حب يو لا ادركه قيل وما يوم لا تدركه قال طول الامل. وعن بكر بن عبد الله عن أبي ذر قال يكفي منالدعاء مع البر ماي كفي الطعام من الملح. وعن عراك بن مالك قال قال أبو ذر اني لاقربكم مجلسا من رسول الله ﷺ يوم القيامة وذلك اني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أقربكم من مجلسا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئة ما تركته فيها وانه والله ما منكم من أحد إلا وقد تشبث بشيء منها غيري" ١. وعن أبي السليل قال جاءت ابنة أبي ذر وعليها صوف سفعاء الخدين ومعها قفة لها فمكثت بين يديه وعنده أصحابه فقالت يا أبتاه زعم الخازنون والزارغون ان افلسك هذه بهرجة فقال يا بنية ضعيها فان اباك اصبح بحمد الله لا يملك من صفراء ولا بيضاء إلا افلسه هذه. وعن نافع الطاحي قال مررت بابي ذر فقال لي ممن أنت قلت من أهل العراق

стр. 266

قال اتعرف عبد الله بن عامر قلت نعم قال فانه كان يتقرا معي ويلزمني ثم طلب الامارة لاذا قدمت البصرة فترايا له فانه سيقول الك حاجة فقل لها اخلني فقل له ان رسول أبي ذر اليك وهو يقرئك السلام ويقول لك أنا ناكل من التمر ونشرب من الماء ونعيش كما تعيش. فلما قدمت تراءيت له فقال الك حاجة فقلت اخلني اصلحك الله فقلت أنا رسول أبي ذر اليك فلما قلتها خشعلها قلبه وهو يقرأ عليك السلام ويقول لك أنا ناكل من التمر ونشرب من الماء ونعيش كما تعيش قال فحلل ازاره ثم اردخل رأسه في جيبه ثم بكى حتى ملا جيبه بالبكاء. وعن أبي بكر بن المنكدر قال بعث حبيب بن مسلمة وهو امير بالشام إلى أبي ذر بثلاث مائة دينار وقال استعن بها على حاجتك فقال أبو ذر ارجع بها إليه أو ما وجد أحداً اغز بالله منا مالنا إلا ظل نتوارى به وثلة من عن تروح علينا ومولاة لنا تصدقت علينا بخدمتها ثم اني لاتخوف الفضل. وعن جعفر بن سليمان قال دخل رجل على أبي ذر فجعل يقلب بصره في بيته فقال يا أبا ذر اين متاعكم قال لنابيت نوجه إليه صالح متاعنا قال أنه لا بد لك من متاع ما دمت هاهنا قال ان صاحب المنزل لا يدعنا فيه. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي ذر قال والله لو تعلمون ما اعلم ما انبسطتم إلى نسائكم ولا تقاررتم على فرشكم والله لوددت ان الله خلقني يوم خلقني شجرة تعضد ويؤكل ثمرها. عن ابن عمر بن الخطاب عن أبيه قال قال أبو ذر الصاحب الصالح خير من الوحدة والوحدة خير من صاحب السوء ومملي الخير خير من الصامت والصامت خير من مملي الشر والامانة خير من الخاتم والخاتم خير من ظن السوء. ذكر خروج أبي ذرة ﵁ إلى الربذة: روى البخاري في افراده من حديث زيد بن وهب قال مررت بالربذة فقلت لأبي ذر ما انزلك هنا قال كنت بالشام فاختلفت أنا ومعأوية في هذه الاية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] فقال نزلت في أهل الكتاب فقلت فينا وفيهم فكتب يشكوني إلى عثمان فكتب عثمان اقدم المدينة فقدمت فكثر الناس علي كانهم لم يروني قبل ذلك فذكر ذلك لعثمان فقال ان شئت تنحيت فكنت قريبا فذلك الذي انزلني هذا المنزل.

стр. 267

وروى ابن سيرين قال قدم أبو ذر المدينة فقال عثمان كن عندي تغدو عليك وتروع اللقاح قال لا حاجة لي في دنياكم ثم قال ائذن لي حتى أخرج إلى الربذة فاذن له فخرج. ذكر وفاة أبي ذر ﵁: عن إبراهيم الاشتر عن أبيه عن أم ذر قالت لما حضر أبا ذر الوفاة بكيت فقال ما يبكيك فقلت ما لي لا ابكي وأنت تموت بفلاة من الأرض ولا يدان لي بنعشك وليس معنا ثوب يسعك كفنا ولا لك فقال لا تبكي وابشري فاني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبداً" واني سمعت رسول الله ﷺ يقول لنفر أنا فيهم: "ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين". وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية أو جماعة واني أنا الذي اموت بالفلاة والله ما كذبت ولا كذبت فابصري الطريق قالت فقلت اني وقد ذهب الحاج وتقطعت الطرق فقال انظري فكنت اشتد إلى الكثيب فاقوم عليه ثم ارجع إليه فامرضه. قالت فبينما أنا كذلك إذ أنا برجال على رواحلهم كانهم الرخم فالحت بهم فاسرعوا إلي ووضعوا السياط في نحورها يستبقون إلي فقالوا ما لك يا أمة الله فقلت امرؤ من المسلمين تكفنونه يموت قالوا ومن هو قلت أبو ذر، قالوا صاحب رسول الله ﷺ قلت نعم. قالت ففدوه بابائهم وامهاتهم واسرعوا إليه حتى دخلوا عليه فسلموا عليه فرحب بهم وقال ابشروا فاني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يموت بين امراين من المسلمين ولدان أو ثلاثة فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبداً" وسمعته يقول لنفر أنا فيهم: " ليمتن رجلا منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين"، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد هلك في قرية أو جماعة وانا الذي اموت بفلاة من الأرض والله ما كذبت ولا كذبت وانه لو كان عيدي ثوب يسعني كفنا أو لامرأتي ثوب يسعني كفنا لم اكفن إلا في ثوب هو لي أو لها واني انشدكم الله لا يكفني رجل منكم كان اميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا قال فليس من القوم أحد إلا وقد قارف من ذلك شيئا إلا فتى من الأنصار فقال أنا اكفنك في ردائي هذا وفي ثوبين في غيبتي من غزل امي قال أنت فكفني فكفنه الأنصاري ودفنه في النفر الذين معه منهم حجر بن عدي بن الادبر ومالك بن الاشتر في نفر كلهم يمان١.

стр. 268

وقد ذكر محمد بن اسحق في المغازي ان أبا ذر مات بالربذة سنة اثنتين وثلاثين وصلى عليه ابن مسعود منصرفه من الكوفة. وعن القرظي قال خرج أبو ذر إلى الربذة فاصابه قدره فأوصاهم ان كفنوني ثم ضعوني على قارعة الطريق فأول ركب يمرون بكم فقولوا لهم هذا أبو ذر صاحب رسول الله. ﷺ فاعينونا على غسله ودفنه فاقبل ابن مسعود في ركب من أهل العراق ﵁.

стр. 269

٦٥- الطفيل بن عمرو بن طريف الدوسي ﵁: عن عبد الوأحد بن أبي عون قال كان طفيل الدوسي رجلا شريفا شاعرا كثير الضيافة فقدم مكة فلقيه رجال من قريش فقالوا انك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين اظهرنا قد اعضل بنا وفرق جماعتنا وشتت امرنا وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين ابنه وبين الرجل وبين زوجته وانا نخشى عليك وعلى قومك مثل مادخل علينا فلا تسمع منه. قال فوالله ما زالوا بين حتى اجمعت إلا اسمع منه شيئا ولا اكلمه فغدوت إلى المسجد وقد حشوت اذني قطنا فكان يقال لي ذو القطنتين فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي فقمت قريبا منه فسمعت ببعض قوله فقلت في نفسي واثكل امي والله اني لرجل لبيب شاعر ما يخفي علي الحسن من القبيح فما يمنعني ان اسمع من هذا فان كان حسنا قبلته وان كان قبيحا تركته. فمكثت حتى انصرف إلى بيته فدخل فدخلت معه فقلت ان قومك قالوا لي كذا وكذا فاعرض امرك علي فعرض علي الإسلام وتلا علي القرآن فقلت لا والله ما سمعت قولا قط احسن من هذا وبامرا اعدل منه فأسلمت وقلت يا نبي الله اني امرؤ مطاع في قومي واني راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام فادع الله ان يكون لي عونا عليهم فقال: "اللهم اجعل له آية". فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح فقلت اللهم في غير وجهي فاني اخشى ان يظنوا انها مثلة وقعت في وجهي لفراق دينهم فتحول النور فوقع في رأس سوطي فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق فاتاني أبي فقلت اليك عني فانك لست مني ولست منك قال ولم يا بني قلت اني أسلمت واتبعت محمد قال يا بني ديني دينك فقلت فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ففعل ثم جاء فعرضت عليه الإسلام ثم اتتني صاحبتي فقلت اليك

стр. 270

عني فلست منك ولست مني قالت ولم بابي أنت قلت فرق بين وبينك الإسلام اني أسلمت وتابعت دين محمد قالت فديني دينك فأسلمت. ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فابطؤوا علي ثم جئت رسول الله ﷺ إلى المدينة فقلت قد غلبتني دوس فادع الله عليهم فقال: "اللهم اهد دوسا" وقال لي أخرج إلى قومك فادعهم وارفق بهم فخرجت ادعوهم حتى هاجر النبي ﷺ إلى المدينة. ومضت بدر واحد والخندق ثم قدمت بمن أسلم ورسول الله ﷺ بخيبر حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس ولحقنا رسلو الله ﷺ بخيبر فاسهم لنا مع المسلمين وقلنا يا رسول الله اجعلنا في ميمنتك واجعل شعارنا مبرورا ففعل. فلم ازل مع النبي ﷺ حتى فتح مكة فقلت ابعثني يا رسول الله إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة احرقه فبعثه إليه فحرقه فلما احرقه بان لمن تمسك به أنه ليس على شيء فأسلموا جميعا ورجع الطفيل فكان مع النبي ﷺ حتى مات. فلما ارتدت العرب خرج مع المسلمين فجاهد ثم خرج إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو فقتل الطفيل باليمامة وجرح ابنه عمرو وقطعت يده ثم استبل وصحت يده. فبينا هو عند عمر بن الخطاب إذ اتي بطعام فتنحى عنه فقال عمر ما لك لعلك تنحيت لمكان يدك قال اجل قال والله لا اذوقه حتى تسوطه فوالله ما في القوم أحد بعضه في الجنة غيرك. ثم خرج عام اليرموك في خلافة عمر مع المسلمين فقتل شهيدا١.

стр. 271

٦٦- ضماد الازدي من ازد شنوءة: عن ابن عباس ان ضمادا قدم مكة وكان من ازد شيوءة وكان يرقي من الريح. فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون ان محمدا مجنون فقال لو اني رأيت هذا الرجل لعل الله ان يشفيه على يدي. قال فلقيه فقال يا محمد اني ارقي من الريح وان الله يشغي على يدي من شاء فهل لك فقال رسول الله ﷺ : " ان الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له واشهد ان لا اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله أما بعد". قال فقال اعد علي كلماتك فؤلاء فاعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات،

стр. 272

فقال لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء لقد بلغن قاموس البحر هات يدك ابايعك على الإسلام فبايعه فقال رسول الله ﷺ : "وعلى قومك" فقال وعلى قومي فبعث رسول الله ﷺ سرية فمروا بقومه فقال صاحب الجيش هل اصبتم من هؤلاء شيئا فقال رجل اصبت منهم مطهرة فقال ردها فان هؤلاء قوم ضماد١ انفرد بإخراجه مسلم.

стр. 273

٦٧- أبو رهم كلثوم بن الحصين الغفاري ﵁: قال محمد بن سعد: أسلم أبو رُهْم بعد قدوم النبي. ﷺ المدينة وشهد معه أُحداً، ورمي يومئذ بسهم فوقع في نحره فجاء إلى رسول الله. ﷺ فبصق عليه فبرأ. فكان يسمى المنحور. قال: وقال محمد بن عمر: وبينا رسول الله. ﷺ يسير من الطائف إلى الجُعْرانة وأبو رُهم إلى جنبه على ناقة له وفي رجليه نعلان له غليظان، إذ زحمت ناقته تاقةَ رسول الله ﷺ قال أبو رهم: فوقع حرف نعلي على ساقه فأوجعه، فقال رسول الله ﷺ " أوجعتني آخر رجلك" وقَرع رجلي بالسوط. فأخذني ما تقدم وما تأخر وخشيت ان ينزل فيَّ قرآن لعظيم ما صنعت. فلما أصبحنا بالجعرانة خرجت أرعى الظهَّر، وما هو يومي، فقالوا: طلبك النبيصلى الله عليه وسلم فقلت: إحداهن والله. فجئته وهو أترقب فقال "إنك أوجعْتني برجلك فقرعتك بالسوط فأوجعتك، فخذ هذه الغنم عوضاً من ضربتي". قال: فرِضاه عني كان أحب إلي من الدنيا وما فيها. قال: وبعثه رسول الله. ﷺ إلى قومه يستنفرهم حين أراد تبوكاً.

стр. 274

٦٨- وهب بن قابوس المزني: قال محمد بن سعد: أقبل وهب بن قابوس ومعه أخته الحرث بن عقبة بغنَم لهما من

стр. 275

جبل مُزَينة فوجدا المدينة خلية فسألا أين الناس؟ فقالوا: بأحد، خرج رسول الله. ﷺ يقاتل المشركين فقالا: لا نسال أثراً بعد عين. فأسلما ثم خرجا فأتيا النبي. ﷺ بأحد فإذا الدَّولة للمسلمين فاغارا مع المسلمين في النهب وقاتلا أشد القتال، وكانت قد انفرقت فِرقة من المشركين فقال النبي ﷺ : "مَن لهذه الفرقة؟ " فقال وهب: أنا. فرماهم بالنبل حتى انصرفوا ثم رجع. فانفرقت اخرى فقال النبي ﷺ : "من لهذه؟ " فقال المزني: أنا فقام فذبّها بالسيف حتى ولُّوْا ورجع المزني. ثم طلعت كتيبة اخرى فقال: "من يقوم لهؤلاء؟ " فقال المزني أنا فقال: "قم وابشر بالجنة" فقام المزني مسروراً يقول: والله لا اقيل ولا استقيل فجعل يقوم فيهم فيضرب بالسيف حتى يخرج من اقصاهم حتى قتلوه ومثّلوا به. ثم قام ابن اخته الحارث فقاتل كنحو قتاله حتى قُتل. فوقف عليهما رسول الله ﷺ وهما مقتولان فقال: "﵁ فإني عنك راضٍ". بعني وهْباً. ثم قام على قدميه وقد نال ما ناله من الجرح وان القيام ليشقّ عليه، فلم يزل قائماً حتى وضع المزنيَّ في لحده. فكان عمر وسعد بن مالك يقولان: ما حالٌ نموت عليها أحب إلينا من ان نلقي الله على حال المزني.

стр. 276

٦٩- حنظلة بن أبي عامر الراهب . وكان أبوه أبو عامر يسال عن ظهور رسول الله ﷺ ويستوصف صفته الاحبار ويلبس المُسوح ويترهّب. فلما بُعث رسول الله ﷺ حسده فلم يؤمن به. وكان ابنه حنظلة من خيار المسلمين واستاذن رسول الله ﷺ أن يقتل أباه فنهاه عن قتله. وتزوج حنظلةُ جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول فأدخلت في الليلة التي في صبيحتها كان قتال أحد وكان قد استاذن رسول الله ﷺ ان يبيت عندها فاذن له. فلما أسفر الصبح غدا يريد رسول الله ﷺ بأحد ثم مال إلى الجميلة فاجنب منها. وكانت قد أرسلت اربعة من قومها فأشهدتهم أنه دخل بها، فقيل لها قي ذلك فقالت: رأيت كأن السماء قد فُرجت له فدخل فيها ثم أطبقت، فقلت هذه الشهادة. وعلقت بعبد الله بن حنظلة. وأخذ حنظلة سلاحه فلحق بالنبي ﷺ وهو يسوي الصفوف فلما انكشف المسلمون اعترض حنظلة لأبي سفيان بن حرب فضرب عُرقب فرسه فوقع أبو سفيان، فحمل رجل منهم على حنظلة فأنفذه بالرمح فقال رسول الله ﷺ "إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضة" ١.

стр. 277

قال أبو أسيد الساعدي: فذهبنا فنظرنا إليه فإذا رأسه يقطر ماءً. فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته أنه خرج وهو جنب. فولده يقال لهم بنو غسيل الملاءكة.

стр. 278

٧٠- حذيفة بن اليمان يكنى أبا عبد الله ﵁. واسم اليمان: حسيل بن جابر بن ربيعة بن عمرو بن جزوة. وقيل حزوة هو اليمان. خرج حذيفة وأبوه فأخذهما كفار قريش فقالوا: إنكما تريدان محمداً. فقالا: ما نريد إلا المدينة. فأتيا رسول الله ﷺ فأخبراه وقالا: أن شئت قاتلنا معك. قالك بل نَفِي ونستعين بالله عليهم. ففاتهما بدر. وشهد حذيفة أجداً وما بعدها. عن أبي ادريس الخولاني قال: سمعت حذيفة يقول: كان الناس يسالون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت اساله عن الشر مخافة أن يدركني. وعن أبي عمار، عن حذيفة قال: إن الفتنة تعرض على القلوب فاي أنس بها نكتت في نُكتةً سوداءفإن أنكرها نكتت فيه نكتة بيضا، فمن أحب منكم ان يعلم ان اصابته الفتنة أم لا فلينظر فإن كان حراماً كان يراه حلالاً أو يرى حلالاً كان حراماً فقد أصابته الفتنة. وعن إبراهيم بن همام، عن حذيفة قال: ليأتينّ على الناس زمان لاينجو فيه إلا من دعا بدعاءٍ كدعاء االغريق. وعن ساعدة بن سعد، عن حذيفة أنه كان يقول: ما من يوم أقرَّ لعيني ولا أحب لنفسي من يوم أني أهاي فلا أجد عندهم طعامأويقولون ما نقدر على قليل ولا كثير، وذلك اني سمعت رسول الله ﷺ يقول: أن الله تعالى أشد حِمْيةً للعبد من الدنيا، من المريض أهله الطعامَ، والله تعالى أشدّ تعاهداً للمؤمن بالبلاء من الوالد لولده بالخير١. ذكر ولاية حذيفة: عن ابن سيرين قال: كان عمر بن الخطاب إذا بعث أميراً كتب إليهم: إني قد بعثت اليكم فلانا وأمرته بكذا وكذا فاسمعوا له وأطيعوا. فلما بعث حذيفة إلى المدائن كتب إليهم إني قد بعثت اليكم فلانا فأطيعوه. فقالوا هذا رجل له شأن. فركبوا ليتلقّوه فلقوه على بغل تحته إكاف وهو معترض عليه، رجلاه من جانب واحد. فلم يعرفوه فأجازوه. فلقيهم الناس فقالوا: أين الأمير؟ قالوا: هو الذي لقيتم، قال: فركضوا في إثره فأدركوه

стр. 279

وفي يده رغيف وفي الاخرى عًرْق وهو يأكل. فسلموا عليه فنظر إلى عظيم منهم فناوله العرق والرغيف قال: فلما أغفل ألقاه، وقال: أعطاه خادمه. وفي رواية اخرى عن ابن سيرين: أن حذيفة كان راكباً على حمار له إكاف وبيده رغيف وعَرْق من لحم فقالوا: سلْنا ما شئت فقال: أسألكم طعاماً آكله وعلقاً لحماري هذا ما دمتُ فيكم. فأقام ما شاء الله ثم كتب إليه عمر أن أقْدم. فقدم فلما بلغ عمر قدومه كمن له على الطريق في مكان لايراه. فلما رآه على الحال التي خرج من عنده عليها أتاه فالتزمه وقال: أنت أخي وانا أخوك١. عن ابن سيرين قال: إن حذيفة لما قدم المدائن قدم على حمارٍ له إكاف وبيده رغيف وعرق، وهو يأكل على الحمار. عن طلحة بن مصرف مثله وزاد: وهو سادٍلٌ رجلَيْه من جانب. ذكر نبذة من كلامه: عن يوسف بن أسباط، عن سفيان قال: قال حذيفة: إن الرجل ليدخل المدخل الذي يجب أن يتكلم فيه الله، ولا يتكلم، فلا يعود قلبه إلى ما كان أبداً. قال يوسف: فحدثت به أبا إسحاق الفزاري حين قدم من عند هارون فبكى ثم قال: أنت سمعت هذا من سفيان؟. عن عمارة بن عبد عن حذيفة قال: إياكم ومواقف الفتن. قيل وما مواقف الفتن يا أبا عبد الله؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدّقه بالكذب ويقول ما ليس فيه. وعن أم سلمة قالت: قال حذيفة: والله لوددت أن لي أنسانا يكون في مالي ثم أغلق عليّ باباً فلا يدخل علي أحد حتى ألحق بالله "أم سلمة: هي أم موسى بن عبد الله". وعن الأعمش قال: بكى حذيفة في صلاته، فلما فرغ التفت فإذا رجل خلفه فقال: لاتعلمنّ بهذا أحداً. ذكر وفاة حذيفة رضي الله عنه٢: عن زياد مولى ابن عياش قال حدثني من دخل على حذيفة في مرضه الذي مات فيه فقال لولا اني ارى ان هذا اليوم آخر يوم من الدنيا وأول من الآخرة لم اتكلم به اللهم انك اعلم اني كنت أحب الفقر على الغنى واحب الذلة على العز واحب الموت على الحياة حبيب جاء على فاقة لا افلح من ندم ثم مات ﵀.

стр. 280

وعن أبي وائل قال لما ثقل حذيفة أتاه اناس من نبي عبس فأخبرني خالد بن الربيع العبسي قال اتيناه وهو بالمدائن حين دخلنا عليه جوف الليل فقال لنا أي ساعة هذه قلنا جوف الليل أو آخر الليل فقال أعوذ بالله من صباح إلى النار ثم قال أجئتم معكم باكفان قلنا نعم قال فلا تغالوا باكفاني فانه ان يكن لصاحبكم عند الله خير فانه يبدل بكسوته كسوة خيرا منها والا يسلب سلبا. وعن أبي إسحاق ان صلة بن زفر حدثه ان حذيفة بعثني وأبا مسعود فابتعنا له كفنا حلة قصب بثلثمائة درهم قال ارياني ما ابتعتما لي فاريناه فقال ما هذا لي بكفن إنما يكفنني ريطيان بيضاوان ليس معهما قميص فاني لا اترك إلا قليلا حتى ابدل خيرا منهما فابتعنا له ريطتين بيضاوين. قال أهل السير مات حذيفة بعد قتل عثمان ﵁ باشهر.

стр. 281

٧١- أبو الدداح ثابت بن الدحداح ﵁: شهد أحداً وقتل يومئذ روى الواقدي عن عبد الله بن عامر قال قال ثابت بن الدحداح يوم أحد والمسلمون أوزاع يا معشر الانصار إلي إلي ان كان محمد قد قتل فان اله حي لا يموت فقاتلوا عن دينكم فنهض إليه نفر من الأنصار فجعل يحمل بمن معه وقد وقفت له كتيبة خشناء فيها خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة فحمل عليه خالد بن الوليد بالرمح فأنفذه فوقع ميتا وقتل من كان معه. قال الواقدي وبعض اصحابنا من رواة العلم يقولون أنه برأ من جراحه ومات على فراشه من جرح كان أصابه وانتقض عليه مرجع رسول الله ﷺ من الحديبية. وعن عبد الله بن مسعود قال لما نزلت هذه الاية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال أبو الدحداح الأنصاري وان الله ليريد منا القرض قال: "نعم يا أبا الدحداح" قال ارني يدك يا رسول قال فنأوله رسول الله يده قال فاني قد اقرضت ربي حائطي قال وحائطه له فيه ستمائة نخلة وام الدحداح فيه وعيالها قال فجاء أبو الدحداح فنادى يا ام الدحداح قالت لبيك قال اخرجي من الحائط فقد اقرضته ربي . وفي رواية اخرى انها لما سمعته يقول ذلك عمدت إلى صبيانها تخرج ما في افواههم وتنفض ما في اكمامهم فقال النبي ﷺ : "كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح" ١.

стр. 282

وعن أنس ان رجلا اتي النبي ﷺ فقال يا رسول ان لفلان نخلة وان قوام حائطي بها فامره ان يعطيني اياها حتى اقيم بها حائطي فقال النبي ﷺ : "اعطها اياه بنخلة في الجنة" فابى فاتي أبو الدحداح الرجل فقال بعني نختلك بحائطي ففعل فأتي أبو الدحداح النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني ابتعت النخلة بحائطي. فاجعلها له فقد اعطيتكها فقال النبي ﷺ : "كم من عذق رداح لأبي الدحداح في الجنة" قالها مرارا فاتي أبو الدحداح امراته فقال يا أم الدحداح اخرجي من الحائط فقد بعته بنخلة في الجنة فقالت ربح البيع ربح البيع أو كلمة تشبهها١.

стр. 283

٧٢- خبيب بن عدي بن مالك: شهد أحداً مع النبي ﷺ وكان فيمن بعثه رسول الله ﷺ مع بني لحيان فأسروه هو وزيد بن دثنة فباعوهما من قريش فقتلوهما وصلبوهما بمكة بالتنعيم. وروى البخاري من حديث أبي هريرة قال بعث رسول الله ﷺ عشرة عينا فامر عليهم عاصم بن ثابت حتى إذا كانوا بالهدة بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا إليهم بقريب من مائة رجل رام فاقتصوا اثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه فقالوا تمر يثرب فاتبعوا اثارهم فلما احس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى موضع فأحاط بهم القوم فقالوا لهم أنزلوا فاعطوا بايديكم ولكم العهد والميثاق ان لا نقتل منكم أحداً فقال عاصم أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر اللهم أخبر عنا نبيك فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة ونزل إليهم نفر على العهد والميثاق منهم خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر. فلما استمكنوا منهم اطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال الرجل الثالث هذا أول الغدر فوالله لا اصحبكم ان لي بهؤلاء اسوة يريد القتلى فجرروه وعالجوه فأبى ان يصحبهم فقتلوه وانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيبا وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر فلبث خبيب عندهم اسيرا حتى اجمعوا قتله فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها فاعارته فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه فوجدته مجلسه على فخذه والموس بيده قالت ففزعت فزعة عرفها خبيب فقال اتخشين ان اقتله ما كنت لافعل ذلك قالت والله ما رأيت اسيرا قط خيرا من حبيب والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده وانه لموثق بالحديد وما

стр. 284

بمكة من ثمرة وكانت تقول أنه لرزق رزقه الله خبيبا فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب دعوني اصلي ركعتين فتركوه فركع ركعتين وقال والله لولا ان تحسبوا ان ما بي جزع لزدت اللهم احصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحداً. وقال: ولست ابالي حين اقتل مسلما ... على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الاله وان يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله وكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل صبرا الصلاة١. وأبو سروعة أسلم وروى الحديث عن رسول الله ﷺ واخرج له البخاري في الصحيح ثلاثة احاديث. وقال سعيد بن عامر بن حذيم شهدت مصرع خبيب وقد بضعت قريش لحمه ثم حملوه على جذعة فقالوا اتحب ان محمدا مكانك فقال والله ما أحب اني في أهلي وولدي وان محمدا شيك بشوكة ثم نادى يا محمد. عن إبراهيم بن اسماعيل قال أخبرني جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه ان رسول الله ﷺ بعثه وحده عينا إلى قريش قال فجئت إلى خشبة خبيب وانا اتخوف العيون فرقيت فيها فحللت خبيبا فوقع إلى الأرض فانتبذت عنه غير بعيد ثم التفت فلم ار خبيبا ولكإنما ابتلعته الأرض لم ير لخبيب اثر حتى الساعة. وقد روي عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال كنت فيمن حضر قتل خبيب فلقد رأيت ابا سفيان حين دعا خبيب فقال اللهم احصهم عددا يلقيني إلى الأرض فزعا من دعوة خبيب وكانوا يقولون ان الرجل إذا دعي عليه فاضطجع زالت عنه الدعوة.

стр. 285

٧٣- أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد عم أنس بن مالك: شهد أحداً وقتل يومئذ قال الواقدي لما جال المسلمون يوم أحد تلك الجولة ونادى
следующие страницы →