٧١- أبو الدداح ثابت بن الدحداح ﵁:
شهد أحداً وقتل يومئذ روى الواقدي عن عبد الله بن عامر قال قال ثابت بن الدحداح يوم أحد والمسلمون أوزاع يا معشر الانصار إلي إلي ان كان محمد قد قتل فان اله حي لا يموت فقاتلوا عن دينكم فنهض إليه نفر من الأنصار فجعل يحمل بمن معه وقد وقفت له كتيبة خشناء فيها خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة فحمل عليه خالد بن الوليد بالرمح فأنفذه فوقع ميتا وقتل من كان معه.
قال الواقدي وبعض اصحابنا من رواة العلم يقولون أنه برأ من جراحه ومات على فراشه من جرح كان أصابه وانتقض عليه مرجع رسول الله ﷺ من الحديبية.
وعن عبد الله بن مسعود قال لما نزلت هذه الاية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال أبو الدحداح الأنصاري وان الله ليريد منا القرض قال: "نعم يا أبا الدحداح" قال ارني يدك يا رسول قال فنأوله رسول الله يده قال فاني قد اقرضت ربي حائطي قال وحائطه له فيه ستمائة نخلة وام الدحداح فيه وعيالها قال فجاء أبو الدحداح فنادى يا ام الدحداح قالت لبيك قال اخرجي من الحائط فقد اقرضته ربي .
وفي رواية اخرى انها لما سمعته يقول ذلك عمدت إلى صبيانها تخرج ما في افواههم وتنفض ما في اكمامهم فقال النبي ﷺ : "كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح" ١.
стр. 282
وعن أنس ان رجلا اتي النبي ﷺ فقال يا رسول ان لفلان نخلة وان قوام حائطي بها فامره ان يعطيني اياها حتى اقيم بها حائطي فقال النبي ﷺ : "اعطها اياه بنخلة في الجنة" فابى فاتي أبو الدحداح الرجل فقال بعني نختلك بحائطي ففعل فأتي أبو الدحداح النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني ابتعت النخلة بحائطي. فاجعلها له فقد اعطيتكها فقال النبي ﷺ : "كم من عذق رداح لأبي الدحداح في الجنة" قالها مرارا فاتي أبو الدحداح امراته فقال يا أم الدحداح اخرجي من الحائط فقد بعته بنخلة في الجنة فقالت ربح البيع ربح البيع أو كلمة تشبهها١.
стр. 283
٧٢- خبيب بن عدي بن مالك:
شهد أحداً مع النبي ﷺ وكان فيمن بعثه رسول الله ﷺ مع بني لحيان فأسروه هو وزيد بن دثنة فباعوهما من قريش فقتلوهما وصلبوهما بمكة بالتنعيم.
وروى البخاري من حديث أبي هريرة قال بعث رسول الله ﷺ عشرة عينا فامر عليهم عاصم بن ثابت حتى إذا كانوا بالهدة بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا إليهم بقريب من مائة رجل رام فاقتصوا اثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه فقالوا تمر يثرب فاتبعوا اثارهم فلما احس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى موضع فأحاط بهم القوم فقالوا لهم أنزلوا فاعطوا بايديكم ولكم العهد والميثاق ان لا نقتل منكم أحداً فقال عاصم أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر اللهم أخبر عنا نبيك فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة ونزل إليهم نفر على العهد والميثاق منهم خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر. فلما استمكنوا منهم اطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال الرجل الثالث هذا أول الغدر فوالله لا اصحبكم ان لي بهؤلاء اسوة يريد القتلى فجرروه وعالجوه فأبى ان يصحبهم فقتلوه وانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيبا وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر فلبث خبيب عندهم اسيرا حتى اجمعوا قتله فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها فاعارته فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه فوجدته مجلسه على فخذه والموس بيده قالت ففزعت فزعة عرفها خبيب فقال اتخشين ان اقتله ما كنت لافعل ذلك قالت والله ما رأيت اسيرا قط خيرا من حبيب والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده وانه لموثق بالحديد وما
стр. 284
بمكة من ثمرة وكانت تقول أنه لرزق رزقه الله خبيبا فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب دعوني اصلي ركعتين فتركوه فركع ركعتين وقال والله لولا ان تحسبوا ان ما بي جزع لزدت اللهم احصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحداً.
وقال:
ولست ابالي حين اقتل مسلما ... على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الاله وان يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله وكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل صبرا الصلاة١.
وأبو سروعة أسلم وروى الحديث عن رسول الله ﷺ واخرج له البخاري في الصحيح ثلاثة احاديث.
وقال سعيد بن عامر بن حذيم شهدت مصرع خبيب وقد بضعت قريش لحمه ثم حملوه على جذعة فقالوا اتحب ان محمدا مكانك فقال والله ما أحب اني في أهلي وولدي وان محمدا شيك بشوكة ثم نادى يا محمد.
عن إبراهيم بن اسماعيل قال أخبرني جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه ان رسول الله ﷺ بعثه وحده عينا إلى قريش قال فجئت إلى خشبة خبيب وانا اتخوف العيون فرقيت فيها فحللت خبيبا فوقع إلى الأرض فانتبذت عنه غير بعيد ثم التفت فلم ار خبيبا ولكإنما ابتلعته الأرض لم ير لخبيب اثر حتى الساعة.
وقد روي عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال كنت فيمن حضر قتل خبيب فلقد رأيت ابا سفيان حين دعا خبيب فقال اللهم احصهم عددا يلقيني إلى الأرض فزعا من دعوة خبيب وكانوا يقولون ان الرجل إذا دعي عليه فاضطجع زالت عنه الدعوة.
стр. 285
٧٣- أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد عم أنس بن مالك:
شهد أحداً وقتل يومئذ قال الواقدي لما جال المسلمون يوم أحد تلك الجولة ونادى
стр. 286
ابليس قتل محمد مر أنس بن النضر يقاتل فرأى عمر ومعه رهط فقال ما يقعدكم قالوا قتل رسول الله. ﷺ قال فما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه ثم جالد بسيفه حتى قتل.
وعن أنس ان عمه غاب عن بدر فقال غبت عن أول قتال قاتله النبي. ﷺ لئن اشهدني الله مع النبي. ﷺ ليرين الله ما افعل فلقي يوم أحد فهزم الناس فقال اللهم اني اعتذر اليك مما صنع هؤلاء يعني المسلمين وأبرأ اليك مما جاء به المشركون فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ فقال إلى اين يا سعد اني أجد ريح الجنة دون أحد فمضى فقتل فماعرف حتى عرفته اخته بشامة أو ببنانه وبه بضع وثمانون من بين طعنة وضربة ورمية بسهم أخرجاه في الصحيحين.
وعن أنس ان الربيع بنت النضر عمته لطمت جارية فكسرت سنها فعرضوا عليهم الارش فأبوا فطلبوا العفو فأتوا النبي. ﷺ فأمرهم بالقصاص فجاء أخوها أنس بن النضر فقال يا رسول الله اتكسر سن الربيع والذي بعثك بالحق لا تكسر سنها قال يا أنس كتاب الله القصاص فعفا القوم فقال رسول الله. ﷺ ان من عباد الله من لو اقسم على الله لأبره١ أخرجه البخاري عن الأنصاري.
стр. 287
٧٤- البراء بن مالك
ابن النضر بن ضمضم اخو أنس بن مالك لأبيه ولامه شهد أحداً وما بعدها مع رسول الله. ﷺ كان شجاعا قتل مائة مبارزة.
قال ابن سيرين كتب عمر لا تستعملوا البراء على جيش من جيوش المسلمين فانه مهلكة يقدم بهم.
وقال أنس بن مالك ركب البراء فرسا يوم اليمامة ثم قال ايها الناس انها والله الجنة وما لي إلى المدينة سبيل فمصع فرسه مصعات ثم كبس وكبس الناس معه فهزم الله المشركين فكانت في مدينتهم ثلمة.
وعن محمد بن سيرين ان المسلمين انتهوا إلى حائط قد اغلق بابه فيه رجال من المشركين فجلس البراء بن مالك على ترس وقال ارفعوني برماحكم فالقوني إليهم ففعلوا فادركوه وقتل منهم عشرة.
стр. 288
وعن أنس بن مالك قال استلقى البراء بن مالك على ظهره ثم ترنم فقال له أنس أي أخي تغنى إلى متى هذا فاستوى جالسا فقال اتراني اموت على فراشي وقد قتلت مائة من المشركين مبارزة سوى من شاركت في قتله١.
وعنه قال قال رسول الله ﷺ : "كم من ضعيف متضعف ذي طمرين لو اقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك" ٢ وان البراء لقي زحفا من المشركين وقد أوجع المشركون في المسلمين فقالوا له يا براء ان رسول الله. ﷺ قال: انك لو اقسمت على الله لابرك فاقسم على الله فقال اقسمت عليك يا رب لما منحتنا اكتافهم فمنحوا اكتافهم ثم التقوا على قنطرة السوس فأوجعوا في المسلمين فقالوا اقسم يا براء على ربك فقال اقسمت عليك يا رب لما منحتنا اكتافهم والحقتني بنبيي ﷺ فمنحوا اكتافهم وقتل البراء شهيدا.
وفي رواية اخرى لما كان يوم تستر انكشف المسلمون فقال اقسمت عليك يا رب لما منحتنا اكتافهم والحقتني بنبيك فاستشهد.
стр. 289
٧٥- ثابت بن قيس بن شماس:
كان خطيب رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ يقول نعم الرجل ثابت بن قيس٣ فلما كان يوم اليمامة انهزم المسلمون فقال ثابت اف لهؤلاء ولما يعبدون ولهؤلاء ولمايصنعون يا معشر الأنصار خلوا ثنيتي لعلي اصلي بحرها ساعة قال ورجل قائم على ثلمة فقتله وقتل.
وعن أنس ان ثابت بن قيس جاء يوم اليمامة وقد تحنط ولبس ثوبين ابيضين يكفن فيهما وقد انهزم القوم فقال اللهم اني ابرأ اليك مما جاء به هؤلاء المشركون واعتذر اليك مما صنع هؤلاء ثم قال بئس ما عودكم اقرانكم منذ اليوم خلوا بيننا وبينهم ساعة فحمل فقاتل حتى قتل.
стр. 290
٧٦- أبو الدرداء عويمر بن زيد
وقيل: ابن عامر
وفي اسمه خلاف قد ذكرته في كتاب التلقيح ويختلفون هل شهد أحداً أم لا؟ وقد شهد مع رسول الله. ﷺ مشاهد كثيرة وولاه عمر بن الخطاب القضاء بدمشق.
عن معأوية بن قرة قال قال أبو الدرداء اطلبوا العلم فان عجزتم فاحبوا أهله فان لم تحبوهم فلا تبغضوهم.
وعن ميمون بن مهران قال قال أبو الدرداء ويل للذي لا يعلم مرة ولوشاء الله علمه ويل للذي يعلم ولا يعمل سبع مرات.
وعن أبي وائل قال قال أبو الدرداء اني لامركم بالامر وما افعله ولكني أرجو فيه الاجر وان ابغض الناس إلي ان اظلمه من لا يستعين علي إلا الله.
عن سالم بن أبي الجعد عن أم الدرداء قال تفكر ساعة خير من قيام الليل١.
عن عون هو ابن عبد الله قال سئلت أم الدرداء ما كان افضل عمل أبي الدرداء قالت التفكير والاعتبار رواهما الإمام أحمد٢.
وعن الضحاك قال قال أبو الدرداء يا أهل دمشق انتم الاخوان في الدين والجيران في الدار والأنصار على الاعداء ما يمنعكم من مودتي وإنما مؤنتي على غيركم مالي ارى علماء كم يذهبون وجهالكم لا يتعلمون واراكم قد اقبلتم على ما تكفل لكم به وتركتم ما امرتم به إلا ان قوما بنوا شديدا وجمعوا كثيرا واملوا بعيدا فاصبح بنيانهم قبورا واملهم غرورا وجمعهم بورا إلا فتعلموا وعلموا فان العالم والمتعلم في الاجر سواء ولا خير في الناس بعدهما.
وعن ابن أبي ليلى قال كتب أبو الدرداء إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري: أما بعد فان العبد إذا عمل بطاعة الله احبه الله فإذا احبه الله حببه إلى خلقه وإذا عمل بمعصية الله ابغضه الله فإذا ابغضه الله بغضه إلى خلقه.
وعن أنس عن أبي الدرداء قال اغد عالما أو متعلما أو مستمعا ولا تك الرابع فتهلك قلت للحسن ما الرابع قال المبتدع.
стр. 291
وعن حبيب بن عبيد ان رجلا اتي أبا الدرداء فقال له أوصني فقال له اذكر الله في السراء يذكرك في الضراء فإذا اشرفت على شيء من الدنيا فانظر إلى ماذا يصير رواه أحمد.
ابنا أبو سعيد الكندي عمن أخبره عن أبي الدرداء أنه قال يا حبذا نوم الاكياس وافطارهم كيف يغبنون سهر الحمقى وصومهم ومثقال ذرة من بر مع تقوى ودين اعظم وافضل وارجح من امثال الجبال من عبادة المغترين من الحلية لأبي نعيم عن الإمام أحمد١.
وعن علي بن حوشب عن أبي الدرداء قال اخوف ما أخاف ان يقال لي يوم القيامة اعلمت أم جهلت فان قلت علمت لا تبقى آية امرة أو زاجرة إلا أخذت بفريضتها الامرة هل ائتمرت والزاجرة هل ازدجرت فأعوذ بالله من علم لا ينفع ونفس لا تشبع ودعاء لا يسمع٢ رواه الإمام أحمد.
وعن لقمان بن عامر عن أبي الدرداء قال إنما اخشى على نفسي ان يقال لي على رؤوس الخلائق يا عويمر هل علمت فاقول نعم فيقال ماذا عملت فيما علمت؟ عن سالم عن أم الدرداء قالت دخل علينا يوما أبو الدرداء مغضبا فقلت مالك فقال والله ما اعرف فيهم شيئا من أمر محمد. ﷺ إلا انهم يصلون جميعا.
وعن سالم بن أبي الجعد ان رجلا صعد إلى أبي الدرداء إلى غرفة له وهو يلتقط حبا فقال أبو الدرداء ان من فقه الرجل رفقه في معيشته.
عن عبد الرزاق قال ابنا معمر عن صاحب له ان أبا الدرداء كتب إلى سلمان يا أخي اغتنم صحتك وفراغك قبل ان ينزل بك من البلاء ما لا يستطيع العباد رده واغتنم دعوة المبتلى يا أخي ليكن المسجد بيتك فاني سمعت رسول الله. ﷺ يقول: "المساجد بيت كل تقي وقد ضمن الله لمن كانت المساجد بيوتهم بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله " ويا أخي ارحم اليتيم وادنه واطعمه من طعامك فاني سمعت رسول الله. ﷺ يقول وأتاه رجل يشتكي قساوة قلبه فقال رسول الله: "اتحب أن يلين قلبك" فقال نعم قال: "ادن اليتيم منك وامسح رأسه واطعمه من طعامك فان ذلك يلين قلبك وتقدر على حاجتك" يا أخي لا تجمع ما لا تستطيع شكره فاني
стр. 292
سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يجاء بصاحب الدنيا يوم القيامة الذي اطاع الله فيها وهو بين يدي ماله وماله خلفه وكلما تكفأ به الصراط قال له صاحبه امض فقد اديت الحق الذي كان عليك" قال ويجاء بالذي لم يطع الله فيه وماله بين كتفيه فيعثره ماله ويقول له ويلك هلا عملت بطاعة الله فلا يزال كذلك حتى يدعو بالويل ويا أخي حدثت انك اشتريت خادما واني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يزال العبد من الله وهو منه ما لم يخدم فإذا خدم وجب عليه الحساب" وان أم الدرداء سالتني خادما وانا يومئذ موسر فكرهت ذلك لماسمعت من الحساب ويا أخي لا تغترن بصحابة رسول الله. ﷺ فانا عشنا بعده دهرا طويلا والله اعلم بالذي اصبنا بعده١.
وعن جابر قال خطب يزيد بن معاوية إلى أبي الدرداء ابنة أم الدرداء فقال رجل من جلساء يزيد اصلحك الله تأذن لي ان اتزوجها قال أعزب ويلك قال فاذن لي اصلحك الله فاذن له فانكحها أبو الدرداء الرجل قال فسار ذلك في الناس ان يزيد خطب إلي أبي الدرداء فرده وخطب إليه رجل من ضعفاء المسلمين فانكحه قال فقال أبو الدرداء اني نظرت للدرداء فما ظنكم بالدرداء إذا قامت على رأسها الخصيان ونظرت في بيوت يلتمع فيها بصرها اين دينها منها يومئذ؟ رواه الإمام أحمد٢.
وروي أيضاً من حديث لقمان بن عامر عن أبي الدرداء قال معاتبة الاخ خير له من فقده ومن لك باخيك كله اعط اخاك ولن له ولا تطع به حاسدا فتكون مثله. غدا يأتيك الموت فكفيك قتله كيف تبكيه بعد الموت وفي الحياة تركت وصله؟
وقال ان ناقدت الناس ناقدوك وان تركتهم لم يتركوك وان هربت منهم ادركوك قال يا أبا الدرداء فما تامرني قال هب عرضك ليوم فقرك وما تجرع مؤمن جرعة أحب إلى الله من غيظ كظمه فاعفوا يعزكم الله.
وقال اياكم ودعوة اليتيم ودعوة المظلوم فانها تسري بالليل والناس نيام.
وقال ما تصدق مؤمن بصدقة أحب إلى الله من موعظة يعظ بها قومه فيفترقون قد نفعهم الله بها.
стр. 293
وعن حزام بن حكيم قال قال أبو الدرداء لو تعلمون ما انتم راؤون بعد الموت لما اكلتم طعما على شهوة ولا شربتم شرابا على شهوة ولا دخلتم بيتا تستظلون به ولخرجتم إلى الصعدات تضربون نفوسكم وتبكون على انفسكم ولوددت اني شجرة تعضد ثم تؤكل.
يزيد بن مرثد أبو عثمان عن أبي الدرداء أنه قال ذروة الايمان الصبر للحكم والرضا بالقدر والاخلاص للتوكل والاستسلام للرب .
وروى أحمد عن فرات بن سليمان ان أبا الدرداء كان يقول ويل لكل جماع فاغر فاه كانه مجنون يرى ما عند الناس ولايرى ما عند الله عزوجل لو يستطيع لوصل الليل بالنهار ويله من حساب غليظ وعذاب شديد.
قال وكان يقول أحب الموت وتكرهونه واحب الفقر وتكرهونه اين الذين املوا بعيدا وجمعوا كثيرا وبنوا شديدا فاصبح املهم غرورا واصبح جمعهم بورا واصبحت منازلهم قبورا؟
وفي رواية اخرى أحب الموت اشتياقا إلى ربي واحب الفقر تواضعا لربي واحب المرض تكفيرا لخطيئتي.
وعن ابن جابر قال كان أبو الدرداء يقول تبنون شديدا وتأملون بعيدا وتموتون قريبا.
وعن محمد بن سعد الأنصاري عن أبي الدرداء قال استعيذوا بالله من خشوع النفاق قيل وما خشوع النفاق قال ان يرى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع رواه الإمام أحمد.
وعن معاوية بن صالح عن أبي الدرداء قال إذا اصبح الرجل اجتمع هواه وعمله فان كان عمله تبعا لهواه فيومه يوم سوء وان ان كان هواه تبعا لعمله فيومه يوم صالح.
وعن عبد الرحمن بن محمد المحاربي قال بلغني ان أبا الدرداء كتب إلى اخ له أما بعد فلست في شيء من أمر الدنيا إلا وقد كان له أهل قبلك وهو صائر له أهل بعدك وليس لك منه إلا ما قدمت لنفسك فاثرها على المصلح من ولدك فانك تقدم على من لا يعذرك وتجمع لمن لا يحمدك وإنما تجمع لواحد من اثنين أما عامل فيه بطاعة الله فيسعد بما شقيت واما عامل فيه بمعصية الله فيشقى بما جمعت له وليس والله
стр. 294
واحد منها بأهل ان تبرد له على ظهرك وان تؤثره على نفسك ارج لمن مضى منهم رحمة الله وثق لمن بقي منهم برزق الله والسلام من الحلية١.
وعن محمد بن يزيد الرحبي قال قيل لأبي الدرداء ما لك لا تشعر فانه ليس رجل له بيت في الأنصار إلا وقد قال شعرا؟ قال وانا قد قلت فاسمعوا:
يريد المرء ان يعطي مناه ... ويابى الله إلا ما اراد
يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله افضل ما استفادا٢
وعن يحيى بن سعيد قال قال أبو الدرداء ادركت الناس ورقا لا شوك فيه فاصبحوا شوكا لا ورقة فيه ان نقدتهم نقدوك وان تركتهم لا يتركوك قالوا فكيف نصنع قال تقرضهم من عرضم ليوم فقرك.
وعن قتادة قال أبو الدرداء ابن آدم طأ الأرض بقدمك فانها عن قليل تكون قبرك ابن آدم إنما أنت أيام فكلما ذهب يوم ذهب بعضك ابن آدم انك لم تزل في هدم عمرك من يوم ولدتك امك.
وعن روح بن الزبرقان قال قال أبو الدرداء ما من أحد إلا وفي عقله نقص عن حلمه وعلمه وذلك أنه إذا اتته الدنيا بزيادة في مال ظل فرحا مسرورا والليل والنهار دائبان في هدم عمره لا يحزنه ذلك ضل ضلاله ما ينفع مال يزيد وعمر ينقص؟
وعن جبير بن نفير قال لما فتحت قبرس فرق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض ف رأيت أبا الدرداء جالسا وحده يبكي فقلت يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله قال ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله إذا تركوا امره بينا هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فرأيتهم كما نرى.
وعن شرحبيل ان أبا الدرداء كان إذا رأى جنازة قال اغدوا فانا رائحون وروحوا فانا غادون موعظة بليغة وغفلة سريعة كفى بالموت واعظا يذهب الأول فالأول ويبقى الآخر لا حلم له.
عن الأوزعي وعن بلال بن سعد أنه سمعه يقول كان أبو الدرداء يقول: اللهم اني أعوذ بك من تفرقة القلب قيل وما تفرقة القلب قال ان يوضع في كل واد مال.
стр. 295
وعن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال ان الذين ألسنتهم رطبة بذكر الله يدخل أحدهم الجنة وهو يضحك.
وعن حسان بن عطية ان اصحابا لأبي الدرداء تضيفوه فضيفهم فمنهم من بات على ثيابه كما هو فلما اصبح غدا عليهم فعرف ذلك منهم فقال ان لنا دارا لها نجمع واليها نرجع.
وعن محمد بن كعب أن ناساً نزلوا على أبي الدرداء ليلة قرّة فارسل لهم بطعام سخن ولم يرسل الايهم بلحف. فقال بعضهم لقد ارسل إلينا بالطعام فما هنأنا مع القُرّ لا انتهي أو ابين له. قال الاخر: دعه فأبى فجاء حتى وقف على الباب رآه جالساً وامرأته ليس عليها من الثياب إلا ما يذكر. فرجع الرجل وقال: ما اراك بت إلا بنحو ما بتنا به. قال: ان لنا داراً ننتقل إليها قدّمنا ولحفنا إليها ولو ألقيت عندنا منه شيئاً لأرسلنا اليك به، وان بين أيدينا عقبة كَؤوداً المخفّ فيها خير من المثقل، افهمت ما اقول لك؟ قال نعم. رواه أحمد١.
وعن أبي قلابة ان أبا الدرداء مرّ على رجل قد أصاب ذنباً فكانوا يسبونه. فقال: ارأيتم لو وجتموه في قليب الم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى. قال: فلا تسبوا اخاكم وأحمدوا الله الذي عافاكم. قالوا: افلا تبغضه؟ قال: إنما ابغض عمله، فإذا تركه فهو أخي. رواه الطبراني٢.
وعن سليم بن عامر عن أبي الدرداء قال: نعم صومعة المرء المسلم بيته يكفّ لسانه وفرْجه وبصره، وإياكم ومجالس الأسواق فانها تلهي وتُلغي.
ذكر وفاة أبي الدرداء ﵁:
عن معاوية بن قرة أن أبا الدرداء اشتكى فدخل عليه أصحابه فقالوا: ما تشتكي؟ قال: أشتكي ذنوبي. قالوا: فما تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة. قالوا: أفلا ندعو لك طبيباً؟ قال: هو الذي أضجعني.
عن لقمان بن عامر عن أم الدرداء أنها قالت اللهم إن أبا الدرداء خطبني فتزوجني في الدنيا اللهم فأنا خطبه إليك فأسألك أن تزوجنيه في الجنة فقال لها أبو الدرداء فان أردت ذلك وكنت أنا الأول فلا تزوجي بعدي قال فمات أبو الدرداء وكان لها جمال وحسن
стр. 296
فخطبها معاوية فقالت لا والله لا اتزوج زوجا في الدنيا حتى اتزوج أبا الدرداء ان شاء الله في الجنة.
عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه قال قالت أم الدرداء ان احتجت بعدك ااكل الصدقة قال لا اعملي وكلي قالت فان ضعفت عن العمل قال التقطي السنبل ولا تاكلي الصدقة.
عن اسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء ان أبا الدرداء لما احتضر جعل يقول: من يعمل لمثل يومي هذا من يعمل لمثل ساعتي هذه من يعمل لمثل مضحعي هذا ثم يقول: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الانعام: ١١٠] .
اسماعيل بن عبيد الله ان أبا مسلم قال جئت أبا الدرداء وهو يجود بنفسه فقال إلا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا إلا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه ثم قبض ﵀. وعن عوف بن مالك الاشجعي قال رأيت في المنام كاني اتيت مرجا اخضر فيه قبة من آدم حولها غنم ربوض تجتر وتبعر العجوة فقلت لمن هذه فقيل لعبد الرحمن بن عوف فانتظرته حتى خرج من القبة فقال يا عوف بن مالك هذا ما اعطانا الله ب القرآن ولو اشرفت على هذه الثنية ل رأيت ما لم تر عينك وسمعت ما لم تسمع اذنك ولم يخطر على قلبك اعده الله لأبي الدرداء لانه كان يدفع الدنيا بالراحتين والنحر.
محمد بن سعد قال أخبرنا الواقدي توفي أبو الدرداء بدمشق سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان وله عقب بالشام.
وأخبرني غير الواقدي عنثور بن يزيد عن خالد بن معدان قال توفي أبو الدرداء بالشام سنة إحدى وثلاثين.
стр. 297
٧٧- عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام السلمي:
شهد أحداً وله من الولد معاذ ومعوذ وخلاد شهدوا بدراً وقتل عمرو بن الجموح وهو وابنه خلاد يوم أحد.
عن عكرمة ان عمرو بن الجموح كان مناف في بيته يعني صنما فلما قدم مصعب بن
стр. 298
عمير المدينة يعلم الناس القرآن بعث إليهم عمرو ما هذا الذي جئتمونا به؟ فقالوا ان شئت جئناك فاسمعناك فواعدهم يوما فقرأوا عليه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ [يوسف: ١, ٢] فقال ان لنا مؤامرة في قومنا وكان سيد يني سلمة قال فخرجوا فدخل على مناف فقال يا مناف تعلم والله ما يريد القوم غيرك فهل عندك من نكير فقلده السيف وخرج لحاجته فقام أهله فأخذوا السيف فلما رجع دخل عليه فلم ير السيف فقال اين السيف ويحك والله ان العنز لتمنع استها والله ما أرى في أبي جعار غدا من خير ثم قال اني ذاهب إلى مالي بعلياء المدينة فاستوصوا بمناف خيرا فاني اكره ان أرى له يوم سوء فذهب فأخذوه فربطوه وكسروه وربطوه إلى جنب كلب ميت والقوه في بئر فلما جاء قال كيف انتم قالوا بخير يا سيدنا وسع الله في منازلنا وطهر بيوتنا من الرجس قال والله اني لاراكم قد اساتم خلافتي في مناف قالوا هو ذاك انظر إليه في جنب البئر فاشرف فإذا هم قد ربطوه إلى جنب كلب فبعث إلى قومه فجاؤوا فقال الستم على ما أنا عليه قالوا بلى أنت سيدنا قال فاني اشهدكم اني قد امنت بما أنزل على محمد ﷺ : فلما كان يوم أحد قال رسول الله ﷺ : "قوموا بنا إلى جنة عرضها السموات والأرض اعدت للمتقين" فقام وهو اعرج فقال والله لاخفرن عليها في الجنة فقاتل حتى قتل١.
وفي رواية اخرى أنه لما رأى صنمه في البئر انشأ يقول:
الحمد لله العلي ذي المنن ... الواهب الزراق ديان الدين
هو الذي انقذني من قبل ان ... أكون في ظلمة قبر مرتهن
والله لو كنت الها لم تكن ... أنت وكلت وسط بئر في قرن
فالآن فتشناك عن شر الغبن٢
وعن جابر قال قال رسول الله ﷺ : "يا بني سلمة من سيدكم" قالوا جد ابن قيس على اننا نبخله قال: "واي داء أدوأ من البخل بل سيدكم الابيض عمرو بن الجموح" ٣.
محمد بن سعد قال ابنا الواقدي لم يشهد عمرو بدراً وكان اعرج فلما اراد رسول الله ﷺ الخروج إلى أحد منعه بنوه وقالوا قد عذرك الله فأتى النبي. ﷺ فقال ان بني
стр. 299
يريدون ان يحبسوني عن الخروج معك والله اني لأرجو ان أطأ بعرجتي هذه في الجنة فقال رسول الله ﷺ : " أما أنت فقد عذرك الله ولا جهاد عليك ثم قال لبنيه لا عليكم ان لاتمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة فخلوا عنه".
قالت امراته هند بنت عمرو بن حرام كاني انظر إليه موليا وقد أخذ درقته وهو يقول اللهم لا تردني إلى أهل حزبي وهي منازل بني سلمة.
قال أبو طلحة فنظرت إلى عمرو حين انكشف المسلمون ثم ثابوا وهو في الرعيل الأول لكاني انظر إلى ظلع في رجله يقول أنا والله مشتاق إلى الجنة ثم انظر إلى ابنه خلاد يعدو في اثره حتى قتلا جميعا.
وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه ان عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريين كان السيل قد خرب قبرهما وكانا في قبر واحد وهما ممن استشهد يوم أحد فحفر عنهما ليغيرامن مكانهما فوجدا لم يتغيرا كإنما ماتا بالأمس وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فامطيت يده عن جرحه ثم ارسلت فعادت كما كانت وكان بين أحد ويوم حفر عنهما ست واربعون سنة ﵄.
стр. 300
٧٨- أبو قتادة الحارث بن ربعي ﵁:
شهد أحداً وما بعدها من المشاهد وكان من الفرسان المذكورين ودعا له رسول الله ﷺ فقال: "اللهم بارك له في شعره وبشره" ١ فتوفي وهو ابن سبعين سنة وكانه ابن خسمة عشر سنة وبصق رسول الله ﷺ على جرح كان به قال فما ضرب علي قط ولا قاح وتوفي بالمدينة سنة اربع وخمسين وقيل بالوقفة.
стр. 301
٧٩- جابر بن عبد الله بن عامر بن حرام:
يكنى أبا عبد الله شهد العقبة مع السبعين وكان اصغرهم يومئذ واراد شهود بدر فخلفه أبوه على اخواته وكن تسعاً وخلفه أيضاً يوم أحد ثم شهد ما بعد ذلك.
عن جابر قال٢ اقبلت عير يوم الجمعة ونحن مع رسول الله ﷺ فانفتل الناس فلم
стр. 302
يبق مع النبي. ﷺ إلا اثنا عشر رجلا أنا فيهم فانزل الله : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ [الجمعة: ١١] .
توفي جابر سنة ثمان وسبعين بالمدينة بعد ان ذهب بصره.
стр. 303
٨٠- زيد بن الدثنة بن معاوية ﵁:
شهد أحداً واستؤثر يوم الرجيع مع خبيب بن عدي فباعوهما من قريش فقتلا بمكة وكان الذي ابتاع زيدا صفوان بن أمية فقتله بابيه فحضره نفر من قريش فيهم أبو سفيان فقال قائل يا زيد انشدك بالله اتحب انك الان في أهلك وان محمدا عندنا مكانك فقال والله ما أحب ان محمدا يشاك في مكانه شوكة تؤذيه وانا جالس في أهلي فقال أبو سفيان والله ما رأيت من قوم قط اشد حبا لصاحبهم من أصحاب محمد له١.
стр. 304
ومن الطبقة الثالثة من المهاجرين والأنصار ممن شهد الخندق وما بعدها:
٨١- خالد بن الوليد ابن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم.
يكنى أبا سليمان. وأمه عصماء وهي لبابة الصغرى بنت الحارث اخت أم الفضل امرأة العباس.
المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث قال: سمعت أبي يحدّث قال: قال خالد ابن الوليد ﵁:
لما أراد الله بي ما أراد من الخير قذف في قلبي حب الإسلام وحضرني رشدي وقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد فليس موطن اشهده إلا انصرفت وانا أرى في نفسي اني موضع في غير شيء وان محمداً سيظهر. ودافته قريش بالراح يوم الحديبية فقلت اين المذهب؟ وقلت أخرج إلى هرقل. ثم قلت: أخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية فأقيم مع عجم تابعاً لها مع عيب ذلك علي؟ ودخل رسول الله ﷺ مكة عام القضية فتغيّبت فكتب إلي أخي.
"لم أرَ أعجب ذهاب رائك عن الإسلام وعقلُك عقلُك ومثل الإسلام جهله أحد؟ وقد سألني رسول الله ﷺ عنك فقال: " أين خالد؟ " فقلت: يأتي الله به. فقال: "ما مثل خالد جهل الإسلام" فاستدركْ يا أخي ما فاتك.
فلما أتاني كتابه نشطت للخروج وزادني رغبة في الإسلام وسرتني مقالة النبي ﷺ فأرى في المنام كاني في بلاد ضيقة جدبة فخرجت إلى بلد اخضر واسع فقلت ان هذه لرؤيا فذكرتها بعدُ لأبي بكر فقال: هو مخرجك الذي هداك الله فيه للأسلام، والضيق الشِرْك فأجمعت الخروج إلى رسول الله وطلبت مَن أصاحب فلقيت عثمان بن طلحة فذكرت له الذي اريد فأسرع في الإجابة وخرجتا جميعاً فادلجْنا سحراً فلما كنا بالهدة إذا
стр. 305
عمرو بن العاص فقال: مرحباً بالقوم. فقلنا: وبك. فقال: أين مسيركم؟ فأخبرناه وأخبرنا أنه يريد أيضاً النبي ﷺ .
فاصطحبنا حتى قدمنا المدينة على رسول ﷺ أول يوم من صفر سنة ثمان فلما طلعت على رسول الله ﷺ سلمت عليه بالنبوّة فرّد عليّ السلام بوجه طلق فأسلمت فقال رسول الله. ﷺ : "قد كنت أرى لك عقلاً رجوت ان لا يسلمك إلا إلى خير". وبايعت رسول الله ﷺ وقلت: استغفر لي كل ما أوضعتُ فيه من صدٍ عن سبيل الله فقال: " ان الإسلام يحب ما قبله" ثم استغفر لي. وتقدم عمرو وعثمان بن طلحة فأسلما. فو الله ما كان رسول الله. ﷺ من يوم أسلمت يعدل بي أحداً من أصحابه فيما يُحزِبه.
وعن إبراهيم بن يحيى بن زيد بن ثابت قال لما كان يوم مؤته وقتل الامراء أخذ الواء ثابت بن اقرم وجعل يصيح يا للأنصار فجعل الناس يثوبون إليه فنظر إلى خالد بن الوليد فقال خذ اللواء يا أبا سليمان فقال لا أخذه أنت احق به لك سن وقد شهدت بدراً قال ثابت خذه ايها الرجل فوالله ما أخذته إلا لك وقال ثاتب للناس اصطلحتم على خالد قالوا نعم فحمل اللواء وحمل باصحابه ففض جمعا من المشركين.
وعن قيس بن أبي حازم قال سمعت خالد بن الوليد يقول لقد انقطع في يدي يوم مؤتة تسعة اسياف وصبرت في يدي صفحية لي يمانية.
وعن عبد الملك بن عمير قال استعمل عمر أبا عبيدة بن الجراح على الشام وعزل خالد بن الوليد قال: فقال خالد بن الوليد بعث عليكم امين هده الامة اني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "امين هذه الامة أبو عبيدة بن الجراح" فقال أبو عبيدة سمعت رسول الله. ﷺ يقول: " خالد سيف من سيوف الله نعم فتى العشيرة"١.
قال العلماء بالسير بعث رسول الله خالد بن الوليد في سرايا وخرج معه في غزاة الفتح والى حنين وتبوك وفي حجة الوداع فلما حلق رسول الله ﷺ رأسه اعطاه ناصيته فكانت في مقدم قلنسوته فكان لا يلقي أحداً إلا هزمه.
ولما خرج أبو بكر ﵁ إلى أهل الردة كان خالد بن الوليد يحمل لواءه فلما تلاحق الناس به استعمل خالدا ورجع إلى المدينة وكان خالد يقول ما ادري من أي يومي افر
стр. 306
من يوم أراد الله ان يهدي لي فيه شهادة أو من يوم أراد الله انيهدي لي فيه كرامة؟
ولما عزله عمر بن الخطاب لم يزل مرابطا بحمص حتى مرض فدخل عليه أبو الدرداء عائدا فقال ان خيلي وسلاحي على ما جعلته في سبيل الله وداري بالمدينة صدقة قد كنت اشهدت عليها عمر بن الخطاب ونعم العون هو على الإسلام وقد جعلت وصيتي وانفاذ عهدي إلى عمر فقدم بالوصية على عمر فقبلها وترحم عليه ومات خالد فقبر في بعض قرى حمص على ميل من حمص سنة إحدى وعشرين فحكى من غسله أنه ما كان في جسمه موضع صحيح من بين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم.
وعن عبد الرحمن بن أبي الزناد ان خالد بن الوليد لما حضرته الوفاة بكى فقال لقد لقيت كذا وكذا زحفا وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح وها أنا اموت على فراشي حتف انفي كما يموت العير فلا نامت اعين الجبناء.
وعن شقيق بن سلمة قال لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة بني المغيرة في دار خالد يبكين عليه فقيل لعمر انهن قد اجتمعن فانههن فقال عمر وما عليهن ان يرقن دموعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة.
قال وكيع النقع الشق واللقلقة الصوت ﵁.
стр. 307
٨٢- عبد الله بن عمرو بن العاصي بن وائل ﵁ .
أسلم قبل أبيه واستاذن النبي ﷺ في كتابه ما يسمع منه فاذن له رسول الله ﷺ وقال قد حفظت عن رسول الله ﷺ الف مثل وكان عالما متعبدا.
عن صفوان بن سليم عن عبد الله بن عمرو قال استاذنت النبي ﷺ في كتابة ما سمعت منه فاذن لي فكتبته فكان عبد الله يسمي صحيفته الصادقة.
وعن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال زوجني أبي امرأة من قريش فلما دخلت علي جعلت لا انحاش لها مما بي من القوة على العبادة من الصلاة والصوم فجاء عمرو بن العاص إلى كنته حتى دخل عليها فقال كيف وجدت بعلك قالت خير الرجال أو كخير البعولة من رجل لم يفتش لنا كنفا ولم يعرف لنا فراشا فاقبل علي فعذلني وعضلني بلسانه فقال انكحتك امرأة من قريش ذات حسب فعضلتها وفعلت؟.
قال ثم انطلق إلى النبي. ﷺ فشكاني فارسل إلي النبي ﷺ فأتيته فقال لي: "اتصوم
стр. 308
النهار؟ قلت نعم قال: "وتقوم الليل؟ " قلت نعم قال: "ولكني اصوم وافطر واصلي وانام وامس النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" وقال: "اقرأ القرآن في كل شهر" قلت اني أجدني اقوى من ذلك قال: " فاقراه في كل عشرة أيام" قلت اني أجدني اقوى من ذلك قال أحدهما أما حصين واما مغيرة قال: " فاقرأه في كل ثلاث" قال: "صم في كل شهر ثلاثة أيام" إني اقوى من ذلك قال فلم يزل يرفقني حتى قال: "صم يوما وافطر يوما فانه افضل الصيام وهو صيام أخي دأود" قال حصين في حديثه ثم قال ﷺ : "فان لكل عابد شرة ولكل شرة فترة فاما إلى سنة واما إلى بدعة فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى ومن كانت فترته إلى غاير ذلك فقد هلك".
قال مجاهد فكان عبد الله بن عمرو حين ضعف وكبر يصوم الايام يصل بعضها إلى بعض ليتقوى بذلك ثم يفطر بعدد تلك الايام قال وكان يقرأ من حزبه كذلك يزيد احيانا ويتقص احيانا غير أنه يوفي العدد أما في سبع واما في ثلاث قال ثم كان يقول بعد ذلك لان أكون قبلت رخصة رسول الله ﷺ أحب إلي مما عدل به لكني فارقته على أمر اكره ان اخالفه إلى غيره١ انفرد باخراجه البخاري.
وعن أبي كثير عن عبد الله بن عمرو قال تجمعون فيقال اين فقراء هذه الامة ومساكينها قال فيبرزون فيقال ما عندكم فيقولون يا رب ابتلينا فصبرنا وأنت اعلم ووليت الاموال والسلطان غيرنا قال فيقال صدقتم قال فيدخلون الجنة قبل سائر الناس بزمان وتبقى شدة الحساب على ذوي الاموال.
وعن خالد بن معدان عن ابن عمر قال ارواح المؤمنين في جوف طير خضر كالزرازير يتعارفون ويرزوقون من ثمر الجنة.
وعن عبد الله بن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو وقال لو تعلمون حق العلم لسجدتم حتى تنقصف ظهوركم ولصرختم حتى تنقطع اصواتكم فابكوا فان لم تجدوا البكاء فتباكوا.
وعن يعلى بن عطاء عن أمه انها كانت تصنع الكحل لعبد الله بن عمرو قالت وان كان ليقوم بالليل فيطفىء السراج ثم يبكي حتى رصعت عيناه.
وعن عبد الله بن هبيرة عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال لان ادمع دمعة من خشية الله أحب إلي من ان تصدق بالف دينار.
стр. 309
وعن سلمان بن ربيعة أنه حج في عصابة من قراء أهل البصرة فقال والله لا نرجع حتى نلقي رجلا من أصحاب محمد ﷺ مرضيا يحدثنا بحديث فلم نزل نسأل حتى حدثنا ان عبد الله بن عمرو لنازل في اسفل مكة فعمدنا إليه فإذا نحن بثقل عظيم ويرتحلون ثلثمائة راحلة منها مائة راحلة ومائتا زاملة فقلنا لمن هذا الثقل فقالوا لعبد الله بن عمرو فقلنا اكل هذا له وكنا نحدث أنه من اشد الناس تواضعا فقالوا لنا أما هذه المائة راحلة فلاخوانه يحملهم عليها واما المائتان فلمن نزل عليه من أهل الامصار ولاضيافه فعجبنا من ذلك فقالوا لا تعجبوا من هذا لان عبد الله رجل غني وانه يرى حقا عليه ان يكثر من الزاد لمن نزل عليه من الناس فقلنا دلونا عليه فقالوا أنه في المسجد الحرام قال فانطلقنا نطلبه حتى وجدناه في دبر الكعبة حالسا بين بردتين وعمامة ليس عليه قميص قد علق نعليه في شماله١.
وعن هارون بن رئاب قال لما حضرت عبد الله بن عمرو الوفاة قال أنه كان خطب إلي ابنتي رجل من قريش وقد كان مني إليه شبيه بالوعد فوالله لا القى الله بثلث النفاق اشهدوا اني قد زوجتها اياه.
قال محمد بن سعد قال محمد بن عمر وتوفي عبد الله بن عمرو بالشام سنة خمس وستين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.
قلت وقد زعم قوم أنه مات بمكة ويقال بالطائف ويقال بمصر ﵀ ورضي الله عنه٢.
стр. 310
٨٣- سعيد بن عامر بن حذيم
ان سلامان بن ربيعة الجمحي أسلم قبل خيبر وشهدها مع رسول الله. ﷺ وما بعدها.
عن عبد الرحمن بن سابط قال ارسل عمر بن الخطاب ﵁ إلى سعيد بن عامر فقال أنا مستعملوك على هؤلاء فسر بهم إلى أرض العدو فتجاهد بهم فقال يا عمر لا تفتني فقال عمر والله لا ادعكم جعلتموها في عنقي ثم تخليتم مني.
وعنه قال دعا عمر بن الخطاب رجلا من بني جمح يقال له سعيد بن عامر بن حذيم فقال له اني مستعملك على أرض كذا وكذا فقال لا تفتني يا امير المؤمنين فقال والله لا
стр. 311
ادعك قلد تموها في عنقي وتركتموني فقال عمر إلا نفرض لك رزقا قال قد جعل الله تعالى في عطائي ما يكفيني دونه أو فضلا على ما اريد.
قال وكان إذا خرج عطاؤه ابتاع لأهله قوتهم وتصدق ببقيته فتقول له امراته اين فضل عطائك فيقول لها قد اقرضته فأتاه ناس فقالوا ان لأهلك عليك حقا وان لاصهارك عليك حقا فقال ما أنا بمستأثر عليهم ولا بملتمس رضا أحد من الناس لطلب الحور العين ولو اطلعت خيرة من خيرات الجنة لاشرقت لها الأرض كما تشرق الشمس وما أنا بمتخلف عن العنق الأول بعد ان سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يجمع الله الناس ليوم فيجيء فقراء المؤمنين فيزفون كما يزف الحمام فيقال لهم قفوا عند الحساب فيقولون ما عندنا حساب ولا تيتمونا شيئا فيقول ربهم صدق عبادي فيفتح لهم باب الجنة فيدخلونها قبل الناس بسبعين عاما".
فبلغ عمر أنه يمر به كذا وكذا لا يدخن في بيته فارسل إليه عمر بمال فأخذه فصرره صررا فتصدق به يمينا وشمالا وقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لو ان حوراء اطلعت اصبعا من اصابعها لوجد ريحها كل ذي روح" فانا ادعهن لكن فوالله لانتن احرى ان ادعكن لهن منهن لكن"١.
وعن حسان بن عطية قال لما عزل عمر بن الخطاب معاوية بن أبي سفيان عن الشام بعث سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي قال فخرج معه بجارية من قريش نضيرة الوجه قال فما لبث إلا يسيرا حتى اصابته حاجة شديدة قال فبلغ ذلك عمر فبعث إليه بالف دينار قال فدخل بها على امراته فقال ان عمر بعث إلينا بما ترين فقالت لو انك اشتريت ادما وطعاما وادخرت سائرها فقال لها أولا ادلك على افضل من ذلك نعطي هذا المال من يتجر لنا فيه فناكل من ربحها وضمانها عليه قالت فنعم إذا فاشترى ادما وطعاما واشترى غلامين وبعيرين يمتاران عليهما حوائجهم وفرقها على المساكين وأهل الحاجة.
قال فما لبث إلا يسير حتى قالت له امراته أنه قد نفد كذا وكذا فلو اتيت ذلك الرجل فأخذت لنا من الربح فاشتريت لنا مكانه قال فسكت عنها ثم عاودته فسكت عنها حتى آذته ولم يدخل بيته إلا من ليل إلى ليل.
قال وكان رجل من أهل بيته ممن يدخل بدخوله فقال لها ما تصنعين انك قد اذيته وانه قد تصدق بذلك قال فبكت اسفا على ذلك المال.
стр. 312
قال ثم أنه دخل عليها يوما فقال على رسلك أنه كان لي أصحاب فارقوني منذ قريب ما أحب اني صددت عنهم وان لي الدنيا وما فيها ولو ان خيرة من خيرات الجنان اطلعت من السماء لاضاءت لأهل الأرض ولقهر ضوء وجهها الشمس والقمر ولنصيف تكسى خير من الدنيا وما فيها فلأنت في نفسي احرى ان ادعك لهن من ان ادعهن لك قال فسمحت ورضيت١.
وعن مالك بن دينار قال لما أتى عمر ﵁ الشام طاف بكورها قال فنزل بحضرة حمص فامر ان يكتبوا له فقراءهم قال فرفع إليه الكتاب فإذا فيه سعيد بن عامر بن حذيم اميرها فقال من سعيد بن عامر قالوا اميرنا قال اميركم قالوا نعم فعجب عمر ثم قال كيف يكون اميركم فقيرا اين عطاؤه اين رزقه؟ قالوا يا امير المؤمنين لا يمسك شيئا قال فبكى عمر ثم عمد إلى إلى الف دينار فصرها ثم بعث بها إليه وقال اقرئوه مني السلام وقولوا بعث بهذه اليك امير المؤمنين تستعين بها على حاجتك قال فجاء بها إليه الرسول فنظر فإذا هي دنانير. قال فجعل يسترجع قال تقول له امراته ماشانك يا فلان امات امير المؤمنين قال بل اعظم من ذلك قالت فما شأنك قال الدنيا اتتني الفتنة دخلت علي قالت فاصنع فيها ما شئت قال عندك عون قالت نعم قال فأخذ دريعة فصر الدنانير فيها صرارا ثم جعلها في مخلاة ثم اعترض جيشا من جيوش المسلمين فامضاها كلها فقالت له امراته رحمك الله لو كنت حبست منها شيئا نستعين به قال فقال لها اني سمعت رسول الله. ﷺ يقول: "لو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى أهل الأرض لملأت ريح مسك" واني والله ما كنت لاختارك عليهن فسكتت.
وعن خالد بن معدان قال استعمل عمر بن الخطاب ﵁ بحمص سعيد بن عامر بن حذيم فلما قدم عمر حمص قال يا أهل حمص كيف وجدتم عاملكم فشكوه إليه وكان يقال لأهل حمص الكويفة الصغرى لشكايتهم العمال قالوا نشكو اربعا لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار قال اعظم بها قال وماذا قالوا لا يجيب أحداً بليل قال وعظيمة قال وماذا قالوا له يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا قال عظيمة قال وماذا قالوا يغنظ الغنظة بين الايام أي تأخذه موتة.
стр. 313
قال فجمع عمر بينهم وبينه وقال اللهم لا تفيل رايي فيه اليوم ما تشتكون منه قالوا لا يخرج حتى يتعالى النهار قال والله ان كنت لاكره ذكره ان ليس لأهلي خادم فاعجن عجينهم ثم اجلس حتى يختمر ثم اخبز خبزي ثم اتوضا ثم أخرج إليهم.
فقال ما تشتكون منه قالوا لا يجيب أحداً بليل قال ما يقولون قال ان كنت لاكره ذكره اني جعلت النهار لهم وجعلت الليل لله قال وما تشكون منه قالوا ان له يوما في الشهر لا يخرج إلينا فيه قال ما يقولون قال ليس لي خادم يغسل ثيابي ولا ثياب ابدلها فاجلس حتى تجف ثم ادلكها ثم أخرج إليهم من آخر النهار قال ما تشكون منه قالوا يغنظ بين الايام قال ما يقولون قال شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة وقد بضعت قريش لحمه ثم حملوه على جذع فقالوا اتحب ان محمدا مكانك فقال والله ما أحب اني في أهلي وولدي وان محمدا شيك بشوكة ثم نادى يا محمد فما ذكرت ذلك اليوم وتركي نصرته في تلك الحال وانا مشرك لا اؤمن بالله العظيم إلا ظننت ان الله لا يغفر لي بذلك الذنب أبداً فتصيبني تلك الغنظة فقال عمر الحمد لله الذي لم يفيل فرأستي فبعث إليه بالف دينار وقال استعن بها على حاجتك فقالت امراته الحمد لله الذي اغنانا عن خدمتك فقال لها فهل لك في خير من ذلك ندفعها إلى من يأتينا بها احوج ما نكون إليها قالت نعم فدعا رجلا من أهله يثق به فصررها صررا ثم قال انطلق بهذه إلى ارملة ال فلان والى مسكين ال فلان والى مبتلي ال فلان فبقيت منها ذهيبة فقال انفقي هذه ثم عاد إلى عمله فقالت إلا تشتري لنا خادما ما فعل ذلك المال قال سيأتيك الحوج ما تكونين١.
ذكر وفاة سعيد:
محمد بن سعد قال قال الواقدي مات سعيد في سنة عشرين في خلافة عمر ﵁.
стр. 314
٨٤- أبو جندل بن سهيل بن عمرو ﵁ .
أسلم قديما بمكة فحبسه أبوه في الحديد ومنعه الهجرة فلما نزل رسول الله ﷺ صلح الحديبية وأتاه سهيل بن عمرو فقاضاه على ما قاضاه عليه أقبل أبو جندل يرسف في قيده إلى رسول الله ﷺ فلماراه أبوه قال يا محمد هذا أول من اقاضيك عليه فرده رسول الله ﷺ إلى أبيه لان الصلح كان قد تم بينهم وكان فيه ان من جاء المسلمين إلى المشركين لم يردوه عليهم ومن جاء من المشركين إلى المسلمين ردوه عليهم
стр. 315
فقال أبو جندل يا معشر المسلمين ارد إلى المشركين ليفتنوني عن ديني فقال النبي ﷺ : "يا اباجندل أنا قد قاضيناهم ولا بد من الوفاء فاصبر فان الله سيجعل لك فرجا ومخرجا".
ثم أنه افلت منهم يزل ولم يغزو مع رسول الله ﷺ حتى مات ثم خرج إلى الشام مجاهدا فمات بها في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة١.
стр. 316
٨٥- عياض بن غنم بن زهير ﵁ .
أسلم قبل الحديبية وشهدها مع رسول الله ﷺ ولما حضرت أبا عبيدة الوفاة ولاه عمله فاقره عمر.
وكان سمحا يعطي ما يملك فكلم عمر فيه وقيل يبذر المال فقال ان سماحه في ذات يده فإذا بلغ مال الله لم يعط منه شيئا ولا أعزل من ولاه أبو عبيدة وكان عياض على حمص فكان افتتاح الجزيرة والرهاء وحران والرقة على يديه سنة ثمان عشرة صالحهم فكتب كتابا.
وعن موسى بن عقبة قال لما ولي عياض بن غنم قدم عليه نفر من أهل بيته يطلبون صلته فلقيهم بالبشر وانزلهم واكرمهم فاقاموا اياما ثم كلموه في الصلة وأخبروه بما لقوا من المشقة في السفر رجاء صلته فاعطى كل رجل منهم عشرة دنانير وكانوا خسمة فردوها وتسخطوا ونالوا منه فقال أي بني عم والله ما انكر قرابتكم ولا حقكم ولا بعد شقتكم ولكن والله ما حصلت إلى ما وصلتكم به إلا ببيع خادمي وببيع ما لا غنى بي عنه فاعذروني قالوا والله ما عذرك الله فانك والي نصف الشام وتعطي الرجل منا ما جهده ان يبلغه إلى أهله قال فتامرونني اسرق مال الله فوالله لان اشق بالمنشار أحب إلي من ان اخون فلسا أو اتعدى قالوا قد عذرناك في ذات يدك فولنا اعمالا من اعمالك نؤدي ما نؤدي الناس اليك ونصيب من المنفعة مايصيبون وأنت تعرف حالنا وانا ليس نعدو ما جعلت لنا قال والله اني لاعرفكم بالفضل والخير ولكن يبلغ عمر اني وليت نفرا من قومي فيلومني قالوا فقد
стр. 317
ولاك أبو عبيدة وأنت منه في القرابة بحيث أنت فانفذ ذلك عمر فلو وليتنا لانفذه قال اني لست عند عمر كابي عبيدة فمضوا لائمين له.
ومات ﵁ وما له مال في سنة عشرين وهو ابن ستين سنة ﵁.
стр. 318
٨٦- ثوبان مولى رسول الله ﷺ .
يكنى أبا عبد الله أصابه سباء فاشتراه رسول الله ﷺ فاعتقه فلم يزل معه حتى قبض ثم نزل حمص فمات سنة اربع وخمسين.
عن عبد الرحمن بن يزيد عن ثوبان ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "من يتقبل لي بواحدة واتقبل له بالجنة" قال قلت أنا قال: "فلا تسأل الناس شيئا".
فكان ثوبان يقع سوطه وهو راكب فلا تقول لأحد ناولنيه حتى ينزل فيتناوله١.
стр. 319
٨٧- سفينة مولى رسول الله ﷺ .
واسمه مهران ويكنى أبا عبد الرحمن من مولدي الاعراب.
عن سعيد بن جمهان عن سفينة قال اشترتني أم سلمة فاعتقتني واشرطت علي ان اخدم النبي ﷺ ما عشت فقلت أنا ما أحب ان افارق النبي ﷺ ما عشت.
وعن سعيد بن جمهان قال سألت سفينة عن اسمه فقال سماني رسول الله ﷺ سفينة قلت وبم سماك سفينة قال خرج معه أصحابه فثقل عليهم متاعهم فقال لي ابسط كساءك فبسطته فحولوا فيه متاعهم ثم حملوه عليه فقال رسول الله ﷺ احمل فما أنت إلا سفينة٢.
وعن محمد بن المنكدر عن سفينة أنه ركب سفينة في البحر فانكسرت بهم. قال فتعلقت بشيء منها حتى خرجت إلى جزيرة فإذا فيها الاسد فقلت أبا الحارث أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ فطأطأ رأسه وجعل يدفعني بجنبه يدلني على الطريق فلما خرجت إلى الطريق همهم فظننت أنه يودعني ﵁.
стр. 320
٨٨- الحكم بن عمرو بن مجدع ﵁ .
صحب رسول الله ﷺ حتى قبض ثم تحول إلى البصرة فولاه زياد بن سفيان خراسان فخرج إليها.
عن الحسن ان زيادا بعث الحكم بن عمرو على خراسان ففتح الله عليهم واصابوا اموالا عظيمة فكتب إليه زياد أما بعد فان امير المؤمنين كتب إلي ان اصفي الصفراء والبيضاء ولا تقسم بين الناس ذهبا ولا فضة.
فكتب إليه سلام عليك أما بعد فانك كتبت تذكر كتاب امير المؤمنين واني وجدت كتاب الله قبل كتاب امير المؤمنين وانه والله لو كانت السموات والأرض رتقا على عبد فاتقى الله لجعل الله لو منهما فرجا ومخرجا والسلام عليك.
ثم قال للناس اغدوا على فيئكم فاقتسموه١.
قال ابن سعد وابنا علي بن محمد القرشي قال فلم يزل الحكم على خرسان حتى مات بها سنة خمسين ﵀.