← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12031

صفة الصفوة

ابن الجوزي

Полный текст (1 666 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وعن سيار بن ربيعة قال سمعت أنس بن مالك يقول ذهبت بي امي إلى رسول الله. ﷺ فقالت يا رسول الله خويدمك ادع الله له فقال: "اللهم أكثر ماله وولده واطل عمره واغفر ذنبه" ١. قال أنس فلقد دفنت من صلبي مائة غير اثنين أو قال مائة واثنين وان ثمرتي لتحمل في السنة مرتين ولقد بقيت حتى سئمت الحياة وانا أرجو الرابعة. وعن ثمانة بن عبد الله بن أنس قال كان أنس يصلي فيطيل القيام حتى تقطر قدماه دما. وكان كرم أنس يحمل في كل سنة مرتين. وعن ثابت ان أبا هريرة قال ما رأيت أحداً اشبه صلاة برسول الله ﷺ من ابن أم سليم يعين أنس بن مالك. وعن معتمر بن سليمان قال سمعت أنس بن مالك يقول ما بقي أحد صلى القبلتين كليهما غيري. وعن ثابت البناني قال شكا قثم لأنس بن مالك في أرضه العطش فصلى أنس فدعا فثارت سحابة حتى غشيت أرضه ثم ملات صهريجه فارسل غلامه فقال انظر اين بلغت هذه فنظر فإذا هي لم تعد أرضه. وعن أبي غالب قال لم ار أحداً كان اضن بكلامه من أنس بن مالك. وعن ثابت قال كان أنس إذا اشفى على ختم القرآن من الليل بقي منه سورة حتى يختمه عند عياله. وعنه قال كان أنس بن مالك إذا ختم القرآن جمع ولده وأهل بيته فدعا لهم. وعن ثمامة بن عبد الله بن أنس قال كان لأنس ثوبان على المشجب كل يوم فإذا صلى المغرب لبسهما فلم نقدر عليه ما بين المغرب والعشاء قائما يصلي. وعن يزيد بن خصيفة قال تنخم أنس بن مالك في المسجد ونسي ان يدفنها ثم خرج حتى جاء إلى أهله فذكرها فجاء بشعلة من نار فطلبها حتى وجدها ثم حفر لها فاعمق فدفنها. قال أهل السير مات أنس بالبصرة سنة اثنتين وتسعين وقيل ثلاث وتسعين وقيل إحدى وتسعين وهو ابن تسع وتسعين. عن حميد ان أنساً عمر مائة سنة إلا سنة ومات سنة إحدى وتسعين. قلت وقد قيل أنه مات ابن مائة وثلاث سنين وقيل تسع سنين وغسله محمد بن سيرين وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة ﵃ أجمعين.

стр. 352

١٠٥- أبو سعيد الخدري ﵁ واسمه سعد بن مالك بن سنان اسصغر يوم أحد فرد فخرج فيمن يتلقى رسول الله ﷺ حين رجع من أحد فنظر إليه رسول الله. ﷺ وقال سعد بن مالك قال قلت نعم بأبي وامي أنت قال فدنوت منه فقبلت ركبتيه فقال اجرك الله في أبيك وكان قد قتل يومئذ شهيدا ثم شهد أبو سعيد الخندق وما بعدها. عن أبي نضرة عن أبي سعيد ان رجلا من الأنصار كانت له حاجة فقال له أهله ائت النبي ﷺ فاسأله فأتاه وهو يخطب ويقول: "من استعف اعفه الله ومن استغنى اغناه الله ومن سألنا فوجدنا له اعطيناه". فذهب ولم يسال١. قلت إنما أشار بهذا إلى نفسه فهو الأنصاري الذي جرت له هذه القصة وقد بين ذلك في حديث آخر وقد قال فيه أبو سعيد: اصبحت وليس عندنا طعام وقد ربطت حجرا من الجوع فقالت لي امرأتي: ائت النبي ﷺ فاسأله فقد أتاه فلان فسأله فاعطاه وأتاه فلان فساله فاعطاه وأتاه فلان فسأله فاعطاه فقلت لا حتى لا أجد شيئا فطلبت فلم نجد شيئا فأتيت النبي ﷺ وهو يخطب فأدركت من قوله: "من يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله" قال فما سألت أحداً بعده وما زال الله يرزقنا حتى ما اعلم أهل بيت من الأنصار أكثر اموالا منا رضي الله عنه٢.

стр. 353

١٠٦- قيس بن سعد بن عبادة ﵁ . وكان من رسول الله ﷺ بمنزلة الشرط من الامير. عن داود بن قيس ومالك بن أنس وإبراهيم بن محمد الأنصاري وخارجة بن الحارث وبعضهم قد زاد على صاحبه في الحديث قالوا بعث رسول الله ﷺ ابا عبيدة بن الجراح في سرية فيها المهاجرون والأنصار وهم ثلاث مائة رجل وكان فيهم قيس بن سعد بن عبادة

стр. 354

فاصابهم جوع شديد فقال قيس بن سعد من يشتري مني تمرا بجزر يوفيني الجزر هاهنا وأوفيه التمر بالمدينة فجعل عمر يقول واعجبا لهذا الغلام لا مال له يدين في مال غيره فوجد رجلا من جهينة يعطيه ما سأل وقال والله ما اعرفك ومن أنت قال أنا قيس بن سعد بن عبادة فقال الجهني ما اعرفني بنسبك. فابتاع منه خمس جزائر كل جزور بوسقين من تمر فقال الجهني أشهد لي فقال قيس أشهد من تحب فكان فيمن استشهد عمر بن الخطاب فقال لا أشهد على هذا بدين ولا مال له إنما المال لأبيه فقال الجهني والله ما كان سعد ليخني بابنه في سفة في تمر وارى وجها حسنا وفعالا شريفا. وأخذ قيس الجزر فنحرها في مواطن ثلاثة كل يوم بعير فلما كان الرابع نهاه اميره وقال تريد ان تخرب ذمتك ولا مال لك قال قيس يا أبا عبيدة اترى أبا ثابت وهو يقضي ديون الناس ويحمل الكل ويطعم في المجاعة لا يقضي عين سفة نم تمر لقوم مجاهدين في سبيل الله ؟. فبلغ سعدا ما أصاب القوم من المجاعة فقال ان يكن قيس كما اعرف فسوف ينحر لهم. فلما قدم قيس لقيه سعد فقال ما صنعت في مجاعة القوم حيث اصابتهم؟ قال نحرت لهم قال اصبت ثم ماذا قال ثم نحرت قال اصبت ثم ماذا قال نحرت قال اصبت ثم ماذا قال نهيت قال ومن نهاك قال أبو عبيدة اميري قال ولم قال زعم أنه لا مال لي إنما المال لك فقلت أبي يقضي عن الاباعد ويحمل الكل ويطعم في المجاعة افلا يصنع هذا لي قال فلك اربع حوائط. فكتب له بذلك كتابا واتي بالكتاب إلى أبي عبيدة فشهد فيه أدنى حائط منها يجد خمسين وسقا وقدم البدوي مع قيس أوسقته وحمله وكساه فقال الاعرابي لسعد يا أبا ثابت والله ما مثل ابنك ضيعت ولا تركت بغير مال فابنك سيد من سادات قومه نهاني الامير أن أبيعه وقال لا مال له فلما انتسب اليك عرفته فتقدمت إليه لما اعرف انك تسمو إلى معالي الاخلاق وجسيمها. وبلغ النبي ﷺ فعل قيس فقال أنه في بيت جود١. وتوفي قيس بالمدينة في آخر خلافة معأوية ﵁.

стр. 355

١٠٧- عبد الله بن سلام ﵁ . يكنى ايا يوسف وكان اسمع الحصين فلما أسلم سماه رسول الله ﷺ عبد الله وهو من ولد يوسف بن يعقوب ﵉ وهو حليف القواقلة من بني عوف بن الخزرج. عن زرارة بن أبي أوفى عن عبد الله بن سلام قال لما قدم النبي. ﷺ المدينة انجفل الناس إليه فكنت فيمن اتي فلما رأيت وجهه عرفت أنه غير وجه كذاب فسمعته يقول ايها الناس افشوا السلام وصلوا الارحام واطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام١. عن أنس ان عبد الله بن سلام اتي رسول الله ﷺ مقدمة المدينة فقال يا رسول الله اني سائلك عن ثلاث خصال لا يعلمها إلا نبي قال سل قال ما أول أشرط الساعة وما أول ما يأكل منه أهل الجنة ومن اين يشبه الولد أباه وامه؟. قال رسول الله ﷺ أخبرني بهن جبريل انفا قال قال جبريل ذاك عدو اليهود من الملائكة قال أما أول أشراط الساعة فنار تخرج من المشرق تحشر الناس إلى المغرب واما أول ما يأكل منه أهل الجنة فزيادة كبد حوت واما شبه الولد أباه وأمه فاذاسبق ماء الرجل ماء المرأة نزع إليه الولد وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع إليها. قال أشهد ان لا اله إلا الله وانك رسول الله وقال يا رسول الله ان اليهود قوم بهت وانهم ان يعلموا باسلامي يبهتوني عندك فارسل إليه فسلهم عني أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قال فارسل إليهم فقال أي رجل عبد الله بن سلام فيكم قالوا خيرنا وابن خيرنا وعالمنا وابن عالمنا وافقهنا وابن افقهنا قال ارأيتم ان أسلم تسلمون؟ قالوا اعاذة الله من ذلك قال فخرج ابن سلام فقال أشهد ان لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله قالوا شرنا وابن شرنا وجاهلنا وابن جاهلنا فقال ابن سلام هذا الذي كنت اتخوف منهم انفرد باخراجه البخاري٢. أخرجاه في الصحيحين من حديث قيس بن عبادة قال كنت جالسا في مسجد المدينة

стр. 356

ناس فيهم بعض أصحاب النبي. ﷺ فجاء رجل في وجهه اثر خشوع فقال بعض القوم هذا رجل من أهل الجنة فصلى ركعتين تجوز فيهما. ثم خرج فاتبعته فدخل منزله فدخلت فأخبرته فقال لا ينبغي لأحد ان يقول ما لا يعلم وسأحدثك لم ذاك رأيت رؤيا على عهد رسول الله. ﷺ فقصصتها عليه رأيتني في روضة وسط الروضة عمود من حديد اسفله في الأرض واعلاه في السماء في اعلاه عروة فقيل لي ارقه فقلت لا استطيع فجاءني منصف يعني خادما فقال بثيابي من خلفي فاخدت بالعروة فقصصتها على رسول الله. ﷺ فقال تلك الروضة الإسلام وذاك العمود عمود الإسلام وتلك العروة العروة الوثقى وأنت على الإسلام حتى تموت والرجل عبد الله بن سلام١. وعن أبي بردة بن أبي موسى قال قدمت المدينة فاتيت عبد الله بن سلام فإذا رجل متخشع فجلست إليه فقال يا بن أخي انك جلست الينا وقد حان قيامنا فتاذن؟. قال ابن سعد وتوفي عبد الله بن سلام بالمدينة سنة ثلاث واربعين ﵀.

стр. 357

١٠٨- جليبيب الصحابي ﵁ . عن أبي برزة الأسلمي ان جليبيبا كان امرأ من الأنصار وكان أصحاب النبي ﷺ إذا كان لأحدهم ايم لم يزوجها حتى يعلم النبي ﷺ هل له فيها حاجة أم لا؟. فقال رسول الله ﷺ ذات يوم لرجل من الأنصار: "يا فلان زوجني ابنتك" قال نعم ونعمة عين قال: "اني لست لنفسي اريدها" قال لمن قال: "لجليبيب" قال يارسول الله حتى استأمر أمها. قأتاها فقال ان رسول الله ﷺ يخطب ابنتك قالت نعم ونعمة عين زوج رسول الله ﷺ قال أنه ليس لنفسه يريدها قالت فلمن قال لجليبيب، قالت حلقي ألجليبيب؟ لا لعمر الله لا ازوج جليبيبا. فلما قام ابوها ليأتي النبي ﷺ قالت الفتاة من خدرها لابويها من خطبني اليكما؟ قالا: رسول الله ﷺ قالت افتردون على رسول الله ﷺ امره؟ ادفعوني إلى رسول الله فانه لن يضيعني فذهب ابوها إلى النبي ﷺ فقال شأنك بها فزوجها جليبيبا. قال إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة لثابت اتدري ما دعا لها به النبي ﷺ قال وما دعا لها به النبي ﵇ قال: "اللهم صب عليها الخير صبا صبا ولا تجعل عيشها كدا كدا".

стр. 358

قال ثابت فزوجها اياه فبينما رسول الله ﷺ في مغزى له قال: "هل تفقدون من أحد" قالوا نفقد فلانا ونفقد فلانا ونفقد فلانا ثم قال: "هل تفقدون من أحد؟ " قالوا نفقد فلانا ونفقد فلانا ثم قال: "هل تفقدون من أحد؟ " قالوا لا قال: "لكني افقد جليبيبا فاطلبوه في القتلى" فنظروا فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه فقال رسول الله: "هذا مني وانا منه اقتل سبعة ثم قتلوه؟ " هذا مني وانا منه اقتل سبعة ثم قتلوه هذا مني وانا منه" فوضعه رسول الله ﷺ على ساعديه ثم حفروا له ما له سرير إلا ساعدي رسول الله ﷺ حتى وضعه في قبره١. قال ثابت فما في الأنصار ايم انفق منها. قال ابن سعد وسمعت من يذكر ان جليبيبا كان رجلا في بني ثعلبة حليفا في الأنصار والمرأة التي زوجها النبي ﷺ إياه من بني الحارث بن الخزرج ﵁.

стр. 359

من الطبقة الرابعة ممن أسلم عند الفتح وفيما بعد ذلك حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد اين عبد العزى ... من الطبقة الرابعة ممن أسلم عند الفتح وفيما بعد ذلك. ١٠٩- حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد ابن عبد العزى. يكنى أبا خالد مصعب بن عثمان قال دخلت أم حكيم بن حزام الكعبة مع نسوة من قريش وهي حامل متم بحكيم بن حزام فضربها المخاض في الكعبة فاتيت بنطع حيث اعجلها الولادة فولدت حكيم بن حزام في الكعبة على النطع وكان حكيم من سادات قريش ووجوهها في الجاهلية وفي الإسلام. قال الزبير وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال جاء الإسلام ودار الندوة بيد حكيم بن حزام فباعها بعد من معاوية بن أبي سفيان بمائة الف درهم فقال له عبد الله بن الزبير بعت مكرمة قريش فقال حكيم ذهبت المكارم إلا التقوى. يا ابن أخي اني اشتريت بها دارا في الجنة اشهدك اني قد جعلتها في سبيل الله١. وعن أبي بكر بن سليمان قال حج حكيم بن حزام معه مائة بدنة قد اهداها وجللها الحبرة وكفها عن أعجازها ووقف مائة وصيف يوم عرفة في اعناقهم اطوقة الفضة قد نقش في رؤوسها عتقاء الله عن حكيم بن حزام. واعتقهم واهدى الف شاة. وعن محمد بن سعد يرفعه ان حكيم بن حزام بكى يوما فقال له ابنه ما ما يبكيك قال خصال كلها ابكاني أما أولها فبطء اسلامي حتى سبقت في مواطن كلها صالحة ونجوت يوم بدر واحد فقلت لا أخرج أبداً من مكة ولا أوضع مع قريش ما بقيت. فاقمت بمكة ويأبى الله ان يشرح صدري للاسلام وذلك اني انظر إلى بقايا من قريش لهم اسنان متمسكين بما هم عليه من أمر الجاهلية فاقتدي بهم ويا ليت اني لم اقتد بهم فما أهلكنا إلا الاقتداء بآبائنا وكبرائنا.

стр. 360

فما غزا النبي. ﷺ مكة جعلت افكر فخرجت أنا وأبو سفيان نستروح الخبر فلقي العباس أبا سفيان فذهب به إلى النبي ﷺ ورجعت فدخلت بيتي فاغلقته علي ودخل النبي ﷺ مكة فآمن الناس فجئته فأسلمت وخرجت معه إلى حنين. وعن عروة ان حكيم بن حزام اعتق في الجاهلية مائة رقبة وفي الإسلام مائة رقبة وحمل على مائة بعير. قال ابن سعد قال محمد بن عمر قدم حكيم بن حزام المدينة ونزلها وبنى بها دارا ومات بها سنة اربع وخمسين وهو ابن مائة وعشرين سنة ﵀.

стр. 361

١١٠- شيبة بن عثمان بن طلحة ﵁ . قال الواقدي عن اشياخ له ان شيبة بن عثمان كان يحدث عن اسلامه فيقول ما رأيت اعجب مما كنا فيه من لزوم ما مضى عليه آباؤنا من الضلالات فلما كان عام الفتح ودخل النبي ﷺ عنوة قلت اسير مع قريش إلى هوازن بحنين فعسى ان اختلطوا اناصيب من محمد غرة فأثأر منه فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها واقول ولو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما اتبعته أبداً. فلما اختلط الناس اقتحم رسول الله ﷺ عن بغلته واصلت السيف فدنوت اريد ما اريد منه ورفعت سيفي فرفع لي شواظ من نار كالبرق حتى كاد يمحشني فوضعت يدي على بصري خوفا عليه فالتفت إلي رسول الله. ﷺ وناداني يا شيب ادن مني فدنوت منه فمسح صدري وقال اللهم اعذه من الشيطان فوالله لهو كان ساعتئذ أحب إلي من سمعي وبصري ونفسي واذهب الله ما كان بي. ثم قال ادن فقاتل فتقدمت امامه اضرب بسيفي الله يعلم اني أحب ان اقيه بنفسي كل شيء ولو لقيت تلك الساعة أبي لو كان حيا لأوقعت به السيف. فلما تراجع المسلمون وكروا كرة رجل واحد قربت بغلة رسول الله ﷺ فاستوى عليها فخرج في اثرهم حتى تفرقوا في كل وجه ورجع إلى معسكره فدخل خباءه فدخلت عليه فقال يا شيب الذي أراد الله بك خير مما اردت بنفسك.

стр. 362

ثم حدثني بكل ما اضمرت في نفسي مما أم اكن اذكره لأحد قط فقلت فاني أشهد ان لا اله إلا الله وانك رسول الله ثم قلت استغفر لي يا رسول الله فقال غفر الله لك١. قال الواقدي كان عثمان بن أبي طلحة يلي فتح البيت إلى ان توفي فدفع ذلك إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وهو ابن عمه فبقيت الحجابة في ولد شيبة وبقي شيبة حتى ادرك يزيد بن معأوية.

стр. 363

١١١- عكرمة بن أبي جهل . واسمه عمرو بن هشام: عن ابن أبي مليكة قال لما كان يوم الفتح ركب عكرمة بن أبي جهل البحر هاربا فخب بهم البحر فجعلت الصراري يدعون الله ويوحدونه فقال ما هذا قالوا هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله قال هذا اله محمد الذي يدعونا إليه فارجعوا بنا فرجع فأسلم. وعن مصعب بن سعد عن عكرمة بن أبي جهل قال قال النبي. ﷺ يوم جئته: "مرحبا بالراكب المهاجر مرحبا بالراكب المهاجر" قلت والله يا رسول الله لا ادع نفقة انفقتها عليك إلا انفقت مثلها في سبيل الله٢. وعن عبد الله بن أبي مليكة ان عكرمة بن أبي جهل كان إذا اجتهد في اليمين قال لا والذي نجاني يوم بدر وكان يضع المصحف على وجهه ويقول كتاب ربي كتاب ربي. استشهد عكرمة يوم اليرموك في خلافة أبي بكر فوجدوا فيه بضعا وسبعين من بين ضربة وطعنة ورمية.

стр. 364

١١٢- سهيل بن عمرو بن عبد شمس ابن عبدود بن نصر . يكنى أبا يزيد اسر يوم بدر وفدي وهو الذي تولى المصالحة على القضية التي كتبت بالحديبية واقام على دينه إلى يوم الفتح وكان ابنه عبد الله من المهاجرين الأولين وممن

стр. 365

شهد بدراً فبعث إليه يسأله ان يستأمن له رسول الله. ﷺ فآمنه يوم الفتح ثم خرج مع رسول الله. ﷺ إلى حنين وهو على شركه حتى أسلم بالجعرانة. عن ابن قمادين قال لم يكن أحد من كبراء قريش الذين تأخر اسلامهم فأسلموايوم فتح مكة أكثر صلاة ولا صوما ولا صدقة ولا أقبل على ما يعنيه من أمر الآخرة من سهيل بن عمرو حتى ان كان لقد شحب لونه وكان كثير البكاء رقيقا عند قراءة القرآن لقد رئي يختلف إلى معاذ بن جبل حتى يقرئه القرآن وهو بمكة حتى خرج معاذ من مكة من مكة فقال له ضرار بن الخطاب يا أبا يزيد تختلف إلى هذا الخزرجي يقرئك القرآن إلا يكون اختلافك إلى رجل من قومك من قريش فقال يا ضرار هذا الذي صنع بنا ما صنع حتى سبقنا كل السبق أي لعمري اختلف إليه لقد وضع الإسلام أمر الجاهلية ورفع الله بالإسلام قوما كانوا لا يذكرون في الجاهلية فليتنا كنا مع أولئك فتقدمنا. وعن الحسن قال حضر باب عمر بن الخطاب ﵁ سهيل بن عمرو والحارث وبلال وتلك الموالي الذين شهدوا بدراً فخرج آذن عمر فأذن لهم وترك هؤلاء فقال أبو سفيان لم أر كاليوم قط يأذن لهؤلاء العبيد ونحن على بابه لا يلتفت الينا فقال سهيل بن عمرو وكان رجلا عاقلاً ايها القوم إني والله لقد أرى الذي في وجوهكم ان كنتم غضابا فاغضبوا على انفسكم دعي القوم ودعيتم فاسرعوا وأبطأتم فكيف بكم إذاً دعوا يوم القيامة وتركتم أما والله لما سبقوكم إليه من الفضل مما لا ترون اشد عليكم فوتا من بابكم هذا الذي كنتم تنافسونهم عليه قال ونفض ثوبه وانطلق. قال الحسن وصدق والله سهيل لا يجعل الله عبدا اسرع إليه كعبد أبطأ عنه. خرج سهيل بن عمرو إلى الشام مرابطا فمات في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة رضي الله عنه١.

стр. 366

١١٣- أبو امامة الباهلي . واسمه صدي بن عجلان: عن رجاء بن حيوة عن أبي امامة قال انشأ رسول الله ﷺ غزوا فاتيته فقلت يا رسول الله ادع إلي بالشهادة فقال: "اللهم سلمهم وغنمهم" قال فغزونا وسلمنا وغنمنا.

стр. 367

ثم ايتيه بعد ذلك فقلت يا رسول مرني بعمل أخذه عنك ينفعني الله به قال: "عليك بالصوم فانه لا مثل له". قال فكان أبو امامة وامرأته وخادمه لا يلقون إلا صياما فإذا رأوا نارا أو دخانا بالنهار في منزلهم عرفوا أنه قد اعتراهم ضيف١. قال ثم اتيته بعد ذلك فقلت يا رسول الله انك قد امرتني بأمر وأرجو ان يكون الله قد نفعني به فمرني بامر آخر ينفعني الله به قال: "اعلم انك لا تسجد لله سجدة إلا رفع الله لك بها درجة أو حط بها عنك خطيئة". وعن مولاة لأبي أمامة الباهلي قالت كان أبو امامة رجلا يحب الصدقة ويجمع لها من بين الدينار والدرهم والفلوس وما يأكل حتى البصلة ونحوها ولا يقف به سائل إلا اعطاه ما تهيأ له حتى يضع في يد أحدهم البصلة. قالت فاصبحنا ذات يوم وليس في بيته شيء من الطعام لذلك ولا لنا وليس عنده إلا ثلاثة دنانير فوقف به سائل فاعطاه دينارا ثم وقف به سائل فاعطاه دينارا ثم وقف سائل فاعطاه دينارا. قالت فغضبت وقلت لم يبق لنا شيء فاستلقى على فراشه واغلقت عليه باب البيت حتى اذن المؤذن للظهر فجئته فايقظته فراح إلى المسجد صائما فرققت عليه فاستقرضت ما اشتريت به عشاء فهيأت سراجا وعشاء ووضعت مائدة ودنوت من فراشه لامهده فرفعت المرفقة فإذا بذهب فقلت في نفسي ما صنع إلا ثقة بما جاء به قالت فعددتها فإذا ثلاثمائة دينار فتركتها على حالها حتى انصرف على العشاء. قالت فلما دخل ورأى ما هيأت له حمد الله تعالى وتبسم في وجهي وقال هذا خير من غيره فجلس فتعشى فقلت يغفر الله لك جئت بما جئت به ثم وضعته بموضع مضيعة فقال وما ذاك فقلت ما جئت به من الدنانير ورفعت المرفقة عنها ففزع لما رأى تحتها وقال ويحك ما هذا فقلت لا علم لي به إلا اني وجدته على ما ترى. قالت: فكثر فزعه ﵀ ورضي الله عنه.

стр. 368

١١٤- لبيد بي ربيعة بن مالك الشاعر ﵁ . عن الشعبي قال كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى المغيرة بن شعبة وهو عامله على الكوفة ان ادع من قبلك من الشعراء فاستنشدهم ما قالوا من الشعر في الجاهلية والإسلام ثم اكتب بذلك إلي. فدعاهم المغيرة فقال للبيد بن ربيعة انشدني ما قتل من الشعر في الجاهلية والإسلام فقلت لقد ابدلني الله بذلك سورة البقرة وال عمران. وقال للاغلب العجلي انشدي فقال: أرجزاً نريد أم قصيدا ... لقد سألت هينا موجودا قال فكتب المغيرة بذلك إلى عمر فكتب عمر ان انقص الاغلب خمسمائة من عطائه وزدها في عطاء لبيد. فرحل إليه الاغلب وقال اتنقصني ان اطعتك فكتب عمر إلى المغيرة ان رد على الاغلب الخمس مائة التي نقصته واقرها زيادة في عطاء لبيد. قال ابن سعد وقال عبد الملك بن عمير مات لبيد ليلة نزل معاوية النخيلة لمصالحة الحسن بن علي ﵉.

стр. 369

١١٥- تميم بن أوس بن خارجة بن سويد الداري ﵁ . وفد على رسول الله ﷺ في جماعة من الداريين منصرفه من تبوك فأسلم واستأذن عمر ﵁ في القصص فكان يقص. عن حماد بن زيد قال ثنا أيوب عن محمد ان تميما الداري اشترى حلة بالف فكان يقوم فيها بالليل إلى صلاته قالوا لحماد بن زيد الف درهم قال نعم١. وعن ثابت ان تميما الداري كانت له حلة قد ابتاعها بالف درهم وكان يلبسها في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر. وعن محمد بن سيرين قال كان تميم الداري يقرأ القرآن في ركعة. وعن أبي قلابة قال كان تميم الداري يختم القرآن في سبع ليال.

стр. 370

وعن مسروق١ قال قال لي رجل من أهل مكة هذا مقام اخيك تميم الداري صلى ليلة حتى اصبح أو كرب ان يصبح يقرأ آية ويرددها ويبكي: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] الاية. وعن محمد بن أبي بكر عن أبيه قال زارتنا عمرة فباتت عندنا فقمت من الليل فلم ارفع صوتي بالقراءة فقالت يا بن أخي ما منعك ان ترفع صوتك بالقراءة فما كان يوقظنا إلا صوت معاذ القارىء وتميم الداري. وعن يزيد بن عبد الله قال قال رجل لتميم الداري ما صلاتك بالليل فغضب غضبا شديدا ثم قال والله لركعة اصليها في جوف الليل في سر أحب إلي من ان اصلي الليل كله ثم اقصه على الناس. فغضب الرجل فقال الله اعلم بكم يا أصحاب رسول الله ﷺ ان سألناكم عنفتمونا وان نسألكم حفيتمونا فاقبل عليه تميم فقال أرأيتك لو كنت مؤمنا قويا وانا مؤمن ضعيف ساعطيك أنا على ما اعطاك الله ولكن خذ من دينك لنفسك ومن نفسك لدينك حتى تستقيم على عبادة تطيقها٢. وعن صفوان بن سليم قال قام تميم الداري في المسجد بعد ان صلى العشاء فمر بهذه الاية: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] فما خرج منها حتى سمع اذان الصبح. وعن محمد بن المنكدر ان تميما الداري نام ليلة لم يقم يتهجد فيها حتى اصبح فقام سنة لم ينم فيها عقوبة للذي صنع.

стр. 371

١١٦- جرير بن عبد الله بن جابر ﵁ . قدم المدينة في رمضان سنة عشر وقال لما دنوت من المدينة انخت راحلتي ثم حللت عيبتي ولبست حلتي فدخلت ورسول الله. صلى الله عليه وسلميخطب فسلمت عليه فرماني الناس بالحدق فقلت لجليسي هل ذكر رسول الله. ﷺ من امري شيئا؟ قال: نعم ذكرك فاحسن الذكر بينا هو يخطب إذ قال أنه سيدخل عليكم من هذا الفج أو من هذا الباب الان خير ذي يمن إلا وان على وجهه مسحة ملك فحمدت الله على ما ابلاني٣.

стр. 372

وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول ان جريرا يوسف هذه الامة يعين بذلك حسنه١. وبعثه رسول الله ﷺ إلى هدم ذي الخلصة وهو بيت لخثعم كان يسمي الكعبة اليمانية فاضرمه بالنار. وعن الشعبي ان عمر ﵁ كان في بيت ومعه جرير بن عبد الله فوجد عمر ريحا فقال عزمت على صاحب هذه الريح لما قام فتوضأ فقال جرير يا امير المؤمنين أو يتوضأ القوم جميعا فقال عمر ﵁ رحمك الله نعم السيد كنت في الجاهلية ونعم السيد أنت في الإسلام٢. وعن قيس قال شهدت الاشعث وجريرا حضرا جنازة فقدم الاشعث جريرا ثم التفت إلى الناس فقال اني ارتددت وانه لم يرتد. قال ابن سعد وقال يزيد بن جرير عن أبيه ان عمر قال له والناس يتحامون العراق وقتال الاعاجم سر بقومك فما غلبت عليه فلك ربعه. فلما جمعت الغنائم غنائم جلولاء ادعى جرير ان له ربع ذلك كله فكتب سعد إلى عمر بن الخطاب ﵁ بذلك فكتب عمر صدق جرير قد قلت لك له قال فان شاء ان يكون نل هو وقومه على جعل فاعطوه جعله وان يكن إنما قاتل لله ولدينه وجنته فهو رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم. فلما قدم الكتاب على سعد أخبر جريرا بذلك فقال جرير صدق امير المؤمنين لا حاجة لي بذلك أنا رجل من المسلمين.

стр. 373

١١٧- حممة ﵁ . قال حميد بن عبد الرحمن كان رجل يقال له حممة من أصحاب رسول الله ﷺ خرج إلى اصبهان غازيا وفتحت في خلافة عمر فقال اللهم ان حممة يزعم أنه يحب لقاءك فان كان صادقا فأعزم له عليه بصدقه وان كان كاذبا فأعزم له عليه وان كره اللهم لا ترد حممة في سفره هذا فمات باصبهان.

стр. 374

فقام أبو موسى فقال إلا أنا والله ما سمعنا فيما سمعنا من بينكم وما بلغ علمنا إلا ان حممة شهيد. وعن عبد الاعلى بن عبد الله قال اصابت حممة شرارة فكان لا يضحك فقيل له ما لك لا تضحك قال حتى اعلم في الجنة أنا أم في النار؟. قلت وقد روينا ان حممة هذا هبط واديا فاقام يصلي فيه اربعين يوما وسيأتي ذكر هذا في اخبار عامر بن عبد قيس. ورويناانه بات عند هرم بن حيان فبات يبكي إلى الصباح وسيأتي في اخبار هرم ان شاء الله تعالى.

стр. 375

١١٨- حدير ﵁ . عن نافع عن ابن عمر ان رسول الله. ﷺ بعث جيشا فيهم رجل يقال له حدير. وكانت تلك السنة قد اصابتهم سنة من قلة الطعام فزودهم رسول الله. ﷺ ونسي ان يزود حديرا. فخرج حدير صابرا محتسبا وهو في آخر الركب يقول لا اله إلا الله والله اكبر والحمد لله وسبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ويقول نعم الزاد هو يا رب. فهو يرددها وهو في آخر الركب. قال فجاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال له ان ربي ارسلني اليك يخبرك انك زودت اصحابك ونسيت ان تزود حديرا وهو في آخر الركب يقول لا اله إلا الله والله اكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله ويقول نعم الزاد هو يا رب قال فكلامه ذلك له نور يوم القيامة ما بين السماء والأرض فابعث إليه بزاد. فدعا النبي. ﷺ رجلا فدفع إليه زاد حدير وامره إذا انتهى إليه حفظ عليه ما يقول وإذا دفع إليه الزاد حفظ عليه ما يقول ويقول له: "ان رسول الله ﷺ يقرئك السلام ورحمة الله ويخبرك أنه كان نسي ان يزودك وان ربي ﵎ ارسل إلي جبريل يذكرني بك فذكره جبريل واعلمه مكانك". فانتهى إليه وهو يقول لا اله إلا الله والله اكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله ويقول نعم الزاد هذا يا رب قال فدنا منه ثم قال له ان رسول الله ﷺ يقرئك السلام ورحمة الله وقد ارسلني اليك بزاد معي ويقول اني إنما نسيتك

стр. 376

فارسل إلي جبريل من السماء يذكرني بك قال فحمد الله واثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ثم قال الحمد لله رب العالمين ذكرني ربي من فوق سبع سموات ومن فوق عرشه ورحم جوعي وضعفي يا رب كما لم تنس حديرا فاجعل حديرا لا ينساك. قال فحفظ ما قال ورجع إلى النبي ﷺ فأخبره بما سمع منه حين أتاه وبما قال حين أخبره فقال رسول الله ﷺ : "أما انك لو رفعت رأسك إلى السماء لرأيت لكلامه ذلك نورا ساطعا ما بين السماء والأرض".

стр. 377

ومن الطبقة الخامسة وهم الذين توفي رسول الله. ﷺ وهم أحداًث الاسنان: ١١٩- عبد الله بن العباس بن عبد المطلب . يكنى أبا العباس ولد في الشِّعب وبنو هاشم محصورون قبل خروجهم منه بيسيرِ، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين. وتوفي النبي ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة١ وكان حَبْر الامة ويسمى البحر لغزارة علمه، وكان عمر وعثمان ﵄ يدعوانه فيشير عليهما مع أهل بدر، وكان يفتى في عهدهما إلى ان مات. وكان له من الولد: العباس، وعلي السجّاد، والفضل، ومحمد، وعُبيد الله، ولُبابة، وأسماء. عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان في بيت ميمونة فوضعت له وضوءاً من الليل. قال: فقالت له ميمونة: وضع هذه لك يا رسول الله عبدُ الله بنُ عباس، فقال ﷺ "اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل" ٢. وعن عكرمة عن ابن عباس قال: ضمني رسول الله ﷺ وقال: "اللهم علّمه الحكْمة" ٣. وعنه، عن ابن عباس قال: رأيت جبريل ﵇ مرّتيْن، ودعا لي رسول الله. ﷺ بالحكمة مرتين.

стр. 378

وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: دعا رسول الله ﷺ لعبد الله بن عباس فقال: "اللهم بارك فيه وانشر منه". وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر ﵁ ياذن لأهل بدر وياذن لي معهم. فقال بعضهم: أتاذن لهذا الفتى ومن أبنائنا من هو مثله؟ فقال: فانه ممّن قد علمتم. فاذن لهم يوماً وأذن لي معهم فسالهم عن هذه السورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً﴾ [الصر: ١,٢] فقالوا: أمر الله نبيّه إذا فتح الله عليه ان يسستغفر وان يتوب إليه. فقال لي: ما تقول يا عباس؟ فقلت: ليس كذلك، ولكنه أخبر نبيّه. ﷺ بحضور اجله فقال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فَتْح مكة ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً﴾ أي فعند ذلك علامة موتِكَ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر: ١ ٣] .١ فقال لهم كيف تلوموني عليه بعد ما ترونه؟ وعن الأوزاعي قال: قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن عباس: والله انك لاصبح فتياننا وجهاً، واحسنهم عقلاً، وأفقههُم في كتاب الله . وعن ابن عباس ﵁ قال: كان عمر يسألني مع أصحاب محمد، وكان يقول لي: لاتتكلم حتى يتكلموا، فإذا تكلمت قال: غلبتموني أن تأتوا بمثل ما جاء به هذا الغلام الذي لم يجتمع شؤون رأسه. قال ابن ادريس: وشؤون رأسه: الشيب الذي يكون في الرأس. وعن الحسن قال: كان ابن عباس يقوم على منبرنا هذا فيقرأ البقرة وآل عمران فيفسرهما آية آية. وكان عمر إذا ذكره قال: ذاكم فتى الكهول، له لسانٌ سؤول وقلب عقول. وعن المغيرة: قيل لابن عباس: أنَّى اصبت هذا العلم؟ قال: لسان سَؤُول، وقلب عقول. وعن مسروق قال: قال عبد الله: لو أن عباس أدرك أسناننا ما عاشره منا أحد. قال: وكان يقول: نعْم تُرُجمان القرآن ابنُ عباس.

стр. 379

وعن عكرمة عن ابن عباس قال لما قبض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ﷺ فانهم اليوم كثير فقال واعجبا لك يا بن عباس اترى الناس يفتقرون اليك وفي الناس من أصحاب رسول الله ﷺ من فيهم قال فتركت ذلك واقبلت اسأل أصحاب رسول الله ﷺ عن الحديث فان كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل فاتوسد التراب فيخرج فيراني فيقول يا بن عم رسول الله ما جاء بك إلا ارسلت إلي فآتيك فاقول لا أنا أحق أن آتيك فأسالك عن الحديث. فعاش ذلك الفتى الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألوني فيقول: هذا الفتى كان اعقل مني١. وعن أبي صالح قال: لقد رأيت من ابن عباس مجلساً لو أن جميع قريش فخرت به لكان لها فخراً، رأيت الناس اجتمعوا حتى ضاق بهم الطريق فما كان أحد يقدر على أن يجيء ولا أن يذهب. قال فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه فقال: ضع لي وضوءاً. قال: فتوضأ وجلس، وقال: اخرج فقل لهم: من أراد أن يسأل عن القرآن وحروفه وما أراد منه فليدخل. قال: فخرجت فآذنتهم فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة. فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم عنه وزادهم مثل ما سألوا عنه أو أكثر. ثم قال: إخوانكم قال: فخرجوا. ثم قال: اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن تفسير القرآن وتأويله فليدخل. قال: فخرجت فآذنتهم، فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثل ما سألوا عنه أو أكثر. ثم قال: إخوانكم. قال: فخرجوا. ثم قال اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن الحلال والحرام والفقه فليدخل. قال فخرجت فقلت لهم. فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله. ثم قال: إخوانكم. قال: فخرجوا. ثم قال: أخرج فقل من أراد أن يسأل عن الفرائض وما أشبهها فليدخل. قال: فخرجتُ فآذنتُهم فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة. فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله. ثم قال: إخوانكم. قال: فخرجوا ثم قال: أخرج فقل: من أراد أن يسأل عن العربية والشعر والغريب من الكلام فليدخل. قال: فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة. فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله.

стр. 380

قال ابو صالح: فلو أن قريشاً كلّها فخرت بذلك لكان لها فخراً، فما رأيت مثل هذا لأحدٍ من الناس١. وعن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رجلاً أتاه يسأله عن السموات والأرض ﴿كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ . قال: اذهب إلى ذلك الشيخ فسله، ثم تعال فأخبرني ما قال فذهب إلى ابن عباس فسأله فقال ابن عباس: كانت السموات رتقاً لا تُمطر وكانت رتقاً لا تُنبت، ففتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره فقال: إن ابن عباس قَد أُوتي علماً، صدق، هكذا كانت. ثم قال ابن عمر: لقد كنت أقول: ما يُعجبني جرأةُ ابنِ عباس على تفسير القرآن، فالآن علمتُ أنه قد أوتي علماً٢. وعن مجاهد قال: كان ابن عباس يسمّى البحر، من كثرة علمه. وعن شقيق قال: خطب ابن عباس وهو على الموسم فافتح سورة البقرة فجعل يقرأ ويفسّر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجلٍ مثله، ولو سمعته فارسُ والروم لأسلمت. وكان طاوس يقول: كان ابن عباس قد بسق على الناس في العلم كما بسق النخلةُ السحوقُ على الوَدِيّ الصغار. وعن ابن بريدة قال: شتم رجلٌ ابن عباس فقال ابن عباس: إنك لتشتمني وَفيَّ ثلاثُ خِصال: إني لآتي على الآية من كتاب الله ، فلوددت أن جميع الناس يعلمون منها ما أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدِل في حكمه فأفرح به ولعلّي لا أقاضي إليه أبداً، وإني لأسمع أن الغيث قد أصاب بلداً من بلدان المسلمين فأفرح به ومالي (به) من سائمة. وعن ميمون بن مهران قال: سمعت ابن عباس يقول: ما بلغني عن أخٍ مكروهٌ قطّ إلا أنزلته إِحدى ثلاث منازل: إن كان فَوقي عرفتُ له قدره، وإن كان نظيري تفضّلت عليه، وإن كان دوني لم أحفل به. هذه سيرتي في نفسي، فمن رغب عنها فأرضُ الله واسعة. وعن أبي حمزة، عن ابن عباس قال: لأن أقرأ البقرة في ليلة وأتفكر فيها أحبُّ إلي من أن أقرأ القرآن هذرمةً.

стр. 381

وعن الضحّاك، عن ابن عباس أنه قال: يا صاحب الذنب لا تأمننّ سوء عاقبته، ولما يتبع الذنب أعظمُ من! الذنب إذا عملته. قلَّة حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال وأنت على الذنب أعظمُ من الذنب الذي صنعته، وضحكك، وأنت لا تدري ما الله صانعٌ بك، أعظم من الذنب. وفرحك بالذنب إذا عملته أعظم من الذنب، وحزنك على الذنب، إذا فانك، أعظم من الذنب، إذا ظفرت به، وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظمُ من الذنب إذا عملته. وعن عبد الله بن أبي مليكة قال: صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة، فكان إذا نزل قام شطر الليل يرتل ويكثر في ذلك التسبيح. وعن أبي رجاء قال: كان هذا الموضع من ابن عباس مجرى الدموع كأنه الشراك البالي. وعن طاوس، كان يقول: ما رأيت أحداً أشدّ تعظيماً لحرمات الله من ابن عباس، والله لو أشاء إذا ذكرته أن أبكي لبكيت. وعن سماك أن ابن عباس سقط في عينيه الماء فذهب بصره، فأتاه هؤلاء الذين ينقبون العيون ويسيلون الماء، فقالوا: خل بيننا وبين عينيك نسيل ماءهما، ولكنك تمكث خمسة أيام لا تصلّي (يعني قائماً) . قال: لا والله ولا ركعة واحدة، إني حُدّثت أنه من ترك صلاة واحدة متعمداً لقي الله وهو عليه غضبان. وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: لأن أعول أهل بيتٍ من المسلمين شهراً أو جمعة أو ما شاء الله، أحب إلي من حجّة بعد حجة، ولطبقٌ بدانقٍ أهديه إلى أخٍ لي في الله أحبّ إلي من دينارٍ أنفقه في سبيل الله . وعن الضحّاك، عن ابن عباس قال: لما ضُرب الدينار والدرهم أخذه إبليس فوضعه على عينيه وقال: أنتَ ثمرة قلبي وقُرّة عيني، بك أُطغي، وبك أُكفر، وبك أدخلُ الناس النار، رضيتُ من ابن آدم بحب الدنيا أن يعبدني. وعن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: آخر شدّةٍ يلقاها المؤمن: الموتُ. وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: خذ الحكمة ممن سمعت؛ فإن الرجل ليتكلم بالحكمة وليس بحكيم، فتكون كالرمية خرجت من غير رامٍ. ذكر وفاة ابن عباس ﵁: توفي ابن عباس بالطائف سنة ثمانٍ وستين، وهو ابن احدى وسبعين سنة.

стр. 382

وعن ميمون بن مهران قال: شهدت جنازة عبد الله بن عباس بالطائف، فلما وضع ليصلّي عليه جاء طائر أبيض حتى دخل في أكفانه فالتُمس فلم يوجد، فلما سُوي عليه سمعنا صوتاً نسمع صوته ولا نرى سخصه: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وادخُلي جَنَّتي﴾ [الفجر: ٣٠] ١. ولما بلغ جابر بن عبد الله وفاةُ ابن عباس صفق بإحدى يديه على الأخرى وقال: مات أعلم الناس وأحلم الناس، ولقد أصيبت به هذه الأمة مصيبة لا تُرتَق. وعن منذر قال: لما مات ابن عباس قال ابن الحنفية: اليومَ مات ربّانيّ هذه الأمة.

стр. 383

١٢٠- الحسن بن علي بن أبي طالب ﵉ . يكنى أبا محمد ولد في النصف من رمضان سنة ثلاثٍ من الهجرة، وأذّن رسول الله ﷺ في أذنه. وكان له من الولد خمسة عشر ذكراً وثمان بنات. عن البراء قال: رأيت رسول الله ﷺ واضعاً الحسن بن عليّ على عاتقه وهو يقول: " اللهم إني أُحبه فأحِبه" أخرجاه في الصحيحين٢. وعن عقبة بن الحارث قال: خرجت مع أبي بكر من صلاة العصر بعد وفاة رسول الله ﷺ بليالٍ، وعليّ يمشي إلى جنبه. فمرّ بالحسن بن علي يلعب مع غلمان، فاحتمله على رقبته وهو يقول: وابأبي شبيه بالنبي ليس شبيهاً بعلي. قال: وعليّ يضحك. انفرد باخراجه البخاري٣. وفي أفراده من حديث أبي بكرة قال: رأيت النبي ﷺ على المنبر والحسن بن علي إلى

стр. 384

جنبه، وهو يُقبل على الناس مرّة وعليه أخرى، ويقول: "إن ابني هذا سيّد ولعل الله أن يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ١. وأخرجا من حديث أبي جُحيفة قال: رأيت النبي ﷺ ، وكان الحسن يشبهه٢. وعن أنس بن مالك قال: كان الحسن بن علي أشبههم وجهاً برسول الله ﷺ . وعن سعيد بن عبد العزيز: قال: أن الحسن بن علي سمع رجلاً يسأل ربَّه أن يرزقه عشرة آلاف. فانصرف الحسن فبعث بها إليه. وعن محمد بن علي قال: قال الحسن: إني لأستحيي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته. فمشى عشرين مرّة من المدينة على رجليه. وعن علي بن زيد قال: حجَّ الحسن خمس عشرةَ حجّةً ماشياً وإن النجائبَ لَتُقاد بين يديه. وخرَج من ماله الله مرّتين، وقاسم الله مالَه ثلاث مرار حتى إن كان ليُعطي نعلاً ويُمسك نعلاً. ذكر وفاة الحسن ﵇. عن عُمير بن إسحق قال: دخلت أنا ورجل على الحسن بن علي نعوده، فقال. يا فلان: سلني. فقال: لا والله لا نسألك حتى يعافيك الله. قال: ثم دخل، ثم خرج إلينا فقال سلني قبل ألا تسألني. قال: بل يعافيك الله . قال: لقد ألقيتُ طائفةً من كبدي وإني قد سقيت السمّ مراراً، فلم أُسقَ مثل هذه المرّة. ثم دخلت عليه من الغد وهو يجود بنفسه والحسين عند رأسه، قال: يا أخي من تتهم؟ قال: لِمَ؟ لتقتله؟ قال: نعم. قال: إن يكن الذي أظن فالله أشدّ بأساً وأشدّ تنكيلاً، وإلا يكن فما أُحِبُّ أن يُقتل بي بريء. ثم قضى ﵁. وعن رقبة بن مصقلة قال: لما نزل بالحسن بن علي الموت قال: أخرجوا فراشي إلى صحن الدار. فأخرج، فقال: اللهم إني أحتسِب نفسي عندك، فأني لم أصب بمثلها؛ غير رسول الله ﷺ .

стр. 385

وقد ذكر يعقوب بن سفيان في تاريخه أن بنت الأشعث بن قيس كانت تحت الحسن بن علي فزعموا أنها هي التي سمَّته. مرض الحسن بن علي ﵇ أربعين يوماً، وتوّفي لخمس ليالٍ خلون من ربيع الأول سنة خمسين، وقيل: سنة تسع وأربعين ودفن بالبقيع. ﵁.

стр. 386

١٢١- الحسين بن علي بن أبي طالب ﵉ . ولد في شعبان سنه أربعٍ من الهجرة وله من الولد: عليّ الأكبر، وعليّ الأصغر، وله العقب، وجعفر، وفاطمة، وسكينة. عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "هما ريحانتاي من الدنيا" ١ "يعني الحسن والحسين ﵉ انفرد باخراجه البخاري. وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح٢. وعن زِرّ، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "هذان ابناي فمن أحبَّهما فقد أحبَّني" ٣، يعني الحسن والحسين ﵉. وعن علي ﵇ قال: الحسن أشبه الناس برسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه الناس بالنبي ﷺ ، ما كان أسفل من ذلك. وعن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: حجّ الحسين بن علي ﵁ خمساً وعشرين حجَّةً ماشياً ونجائبُه تُقاد معه. قتل الحسين صلوات الله عليه يوم الجمعة يوم عاشوراء في محرم سنة إحدى وستين، وهو ابن ستٍ وخمسين سنة وخمسة أشهر وقيل: كان ابن ثمان وخمسين ﵁.

стр. 387

١٢٢- عبد الله بن الزبير بن العوام ﵁ . يكنى أبا بكر. أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، ﵁ وهو أول مولودٍ وُلد للمهاجرين بالمدينة بعد الهجرة. وأذن أبو بكر الصديق في أذنه، وحنَّكه رسول الله ﷺ بتمرة. عن هشام، عن أبيه عن أسماء أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة. قالت: فخرجت وأنا مُتِمٌّ فأتيت المدينة فنزلنا بقباء فولدته بقباء ثم أتيت به رسول الله ﷺ فوضعته في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه فكان أوَّلَ ما دخل في جوفه ريق رسول الله ﷺ . قال: ثم حنكه بتمرة ثم دعا له وبرَّك عليه وكان أوّل مولودٍ ولد في الإسلام. قال الشيخ: إنما تعني أوَّل مولود ولد بالمدينة بعد الهجرة. وفي رواية أخرى: خرجت أسماء بنت أبي بكر مهاجرةً إلى النبي ﷺ وهي حُبلى بعبد الله بن الزبير، فوضعته ولم ترضعه، حتى أتت به رسول الله ﷺ . وعن مجاهد بن جبير قال: ما كان باب من العبادة يعجز عنه الناس إلا تكلفه عبد الله بن الزبير، ولقد جاء سيلٌ طَبَّقَ البيتَ فجعل ابن الزبير يطوف سباحةً. وعن عمرو بن دينار قال: رأيت ابن الزبير يصلي في الحجر خافضاً بصره فجاء حجر قُدّامَه فذهب ببعض ثوبه فما انفتل. وعن مجاهد قال: كان ابن الزبير، إذا قام في الصلاة، كأنه عود؛ من الخشوع. وعن يحيى بن وثّاب أن ابن الزبير كان يسجد حتى تنزل العصافير على ظهره ولا تحسبه إلا جِذمَ حائط. وعن عمرو بن دينار قال: ما رأيت مصلِيّاً قطُّ أحسن صلاة من عبد الله بن الزبير. وعل ابن المنكدر قال: لو رأيت ابن الزبير يصلي كأنه غصن شجرة تصفقها الريح والمنجنيق، يقع ها هنا وها هنا. قال سفيان: كأنه لا يبالي. وعن عمر بن قيس، عن أمه أنها قالت: دخلتُ على عبد الله ابن الزبير بيته فاذا هو يصلي. قالت: فسقطت حيّة من السقف على ابنه هاشم فتطوّقت على بطنه وهو نائم فصاح

стр. 388

أهل البيت: الحيّة. ولم يزالوا بها حتى قتلوها، وعبد الله بن الزبير يصلّي، ما التفت ولا عجَّل. ثم فرغ بعد ما قُتلت، فقال: ما بالكم؟ قالت أم هاشم: أي رحمك الله أرأيت إن كُنا هُنا عليك أيهون عليك ابنك؟ قال: فقال ويحك، ما كانت التفاتة، لو التفتُّها، مبقيةً من صلاتي. وعن محمد بن حميد قال: كان عبد الله بن الزبير يحيي الدهر أجمع، ليلةً قائماً حتى يصبح، وليلةً يحييها راكعاً حتى الصباح، وليلةً يحييها ساجداً حتى الصباح. وعن مسلم بن يَنّاق المكي قال: ركع ابن الزبير يوماً ركعةً، فقرأتُ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة، وما رفع رأسه. قال الزبير: وحدثني محمد بن الضحاك ابن زامي، وعبد الملك ابن عبد العزيز، ومن لا أحصي كثرةً من أصحابنا أن عبد الله بن الزبير كان يواصل الصيام سبعاً: يصوم الجمعة ولا يفطر إلا ليلة الجمعة الأخرى، ويصوم بالمدينة فلا يفطر إلا بمكة، ويصوم بمكة ولا يفطر إلا بالمدينة. قال عبد الملك: وكان إذا أفطر كان أول ما يفطر عليه لبن لقحة بسمن بقر وزادني غيره: وصبر. وعن أم جعفر بنت النعمان، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كان ابن الزبير، قوّام الليل صوام النهار، وكان يسمى حمام المسجد. وعن (ابن) أبي مليكة قال: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام، ويصبح اليوم السابع وهو اليثا. وعن محمد بن عبيد الله الثقفي قال: شهدتُ خطبة ابن الزبير بالموسم، خرج علينا قبل يوم التروية بيوم وهو مُحرِم، فلبّى بأحسن تلبية سمعتُها قطّ، ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنكم جئتم من آفاقٍ شتّى وفوداً إلى الله فحقّ على الله أن يُكرم وفده، فمن كان جاء يطلب ما عند الله فإن طالب الله لا يخيب، فصدّقوا قولكم بفعلٍ فإنَّ مِلاكَ القول الفعلُ، والنيَّةَ النيةَ، القلوبَ القلوبَ القلوبَ، الله الله في أيامكم هذه فإنها أيام تغفر فيها الذنوب. وعن وهب بن كيسان قال: كتب إليَّ عبد الله بن الزبير بموعظة: أما بعد فإنّ لأهل التقوى علاماتٍ يعرفون بها ويعرفونها من أنفسهم، من صبرٍ على

стр. 389

البلاء، ورضىً بالقضاء، وشكرٍ النعماء، وذُلٍّ لحكم القرآن وإنما الإمام كالسوق: ما نَفَق فيها حُمِل إليها، إن نُفق الحَق عندهُ حُمل إليه وجاءه أهل الحَق، وإن نَفق عندَهُ الباطل جاءَهُ أَهل الباطل. وعن أبي الضحى قال: رأيت على رأس ابن الزبير من المسك ما لو كان لي كان رأس مال. ذكر مقتل ابن الزبير رضي الله عنه١: عن عروة قال: لما كانت الغداة التي قُتل فيها ابن الزبير دخل على أمّه أسماء بنت أبي بكر وهي يومئذ ابنة مائة سنة لم يسقط لها سن. فقالت: يا عبد الله ما بلغت في حربك؟ قال: بلغوا مكان كذا وكذا، وضحك وقال: إن في الموت لراحَةً. فقالت أسماء: يا بنيَّ لعلك تتمناه لي، ما أحب أن أموت حتى أتي على أحد طرفَيك إما أن تملك فتَقرَّ بذلك عيني، وإما أن تقتل فأحتسبك. ثم ودَّعها، فقالت (له) : يا بنيَّ إياك أن تعطي خصلةً من دينك مخافة القتل. وخرج عنها وأنشأ يقول: ولستُ بمبتاعِ الحياة بسُبَّةٍ ... ولا مُرتَقٍ من خشيةِ المَوتِ سُلَّما وقال: والله ما لقيت زحفاً قط إلا في الرعيل الأول وما ألمتُ جرحاً قطّ إلا أن آلم الدواء. ثم حمل عليهم فأصابته آجرَّة في مَفرقه حتى فلقت رأسه، فوقف قائماً وهو يقول: ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدمنا تقطر الدِما٢ وعن عروة قال: أتيت عبد الله بن الزبير حين دنا الحجاج منه فقلت: قد لحق فلان بالحجّاج ولحق فلان بالحجاج، فقال: فرت سلامانُ وفرَّتِ النمِر ... وقد نُلاقي معهم فلا نَفِر فقلت له: لقد أُخذت دار فلان ودار فلان. فقال: اصبر عصامُ إنَّه شرٌّ باق ... قد سَكَّ أصحابك ضرب الأَعناق وقامت الحربُ بنا على ساق

стр. 390

قال: فعرفت أنه لا يُسلم نفسه. قال: فغاظَني، فقلت: إنهم والله إن يَأخذوك يقطِّعوك إرباً إِرباً. فقال: ولست أبالي حين أُقتل مُسلماً ... على أيِّ جَنبٍ كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وَإِن يَشأ ... يبارِك على أَوصالِ شِلوٍ ممزّعِ قال: فعرفت أنه لا يمكِّن من نفسه. وعن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر، فمرَّ على ابن الزبير فوقف عليه فقال: يرحمك الله فإنك كنتَ، ما علمت، صوّاماً قوّاماً وصولاً للرحم، وإِني لأرجو أَلّا يعذِّبك الله . وقال الواقدي، عن أشياخ له، قالوا: حصر ابن الزبير ليلة هلال ذي القعدة سنة ثنتين وسبعين وستة أشهر وسبع عشرة ليلة، ونصب الحجاج المنجنيق يرمي به أحثَّ الرمي، وألحّ عليهم بالقتال من كل وجهٍ وحبس عنهم الميرة، وحصرهم أشدَّ الحصار. فقامت أسماء يوماً فصلّت ودعت فقالت: اللهم لا تخيِّب عبد الله ابن الزبير، اللهم ارحم ذلك السجود والنَحيب والظمأ في تلك الهواجر. وقُتل يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جُمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.
следующие страницы →