٢٨١- محمد بن محمد بن عيسى بن عبد الرحمن بن عبد الصمد
مولى سعيد بن العاص القرشي يكنى ابا الحسن ويلقب بحبش ويعرف بابن ابي الورد عن علي بن عبد الحميد قال سمعت محمد بن ابي الورد يقول هلاك الناس في حرفين اشتغال بنافلة وتضييع فريضة وعمل بالجوارج بلا مواطاة القلب عليه وانما منعوا الوصول بتضييع الاصول.
وعن ابي بكر الصوفي الاسكاف قال سمعت ابا الحسن محمد بن محمد بن ابي الورد يقول اشكر الخلق لله من لم ير انه شكر الله قط.
وعن جعفر بن محمد قال سئل محمد بن ابي الورد عن قوله افمن زين له سوء عمله فراه حسنا سورة فاطر آية ٨ قال من ظن في اساءته انه محسن.
وقال من آداب الفقير في فقره ترك الملامة والتعبير لمن ابتلي بطلب الدنيا والرحمة والشفقة عليه والدعاء له ليريحه الله من تعبه فيها.
وعن عبد الرحمن بن احمد قال سمعت ابا الحسن محمد بن محمد بن ابي الورد يقول ان لله يوما لا ينجو من شره منقاد لهواه وان ابطا الصرعى نهضة يوم القيامة صريع الشهوة وان العقل معدن والفكرمعول فبقدر الطاقة والقوة يكون انتهاؤه وعلى العاقل مراعاة قلبه وحفظ ساعته لا غير.
وعن ابي الحسين بن المنادي قال ابو الحسن محمد بن محمد المعروف بحبش بن ابي الورد ما زال مشهورا بالورع والزهد والفضل والانكماش في العبادة حتى فارق الدنيا.
قال المؤلف اسند محمد عن ابي النضر هاشم بن القاسم وبشر الحافي وصحب سريا والمحاسبي.
وتوفي في رجب سنة ثلاث وستين ومائتني ﵀.
стр. 702
٢٨٢- أخوه أحمد بن محمد بن ابي الورد
وقيل يكنى ابا الحسن ايضا.
وعن جعفر بن محمد قال قال احمد بن ابي الورد ولي الله اذا زاد جاهه زاد تواضعه واذا زاد ماله زاد سخاؤه واذا زاد عمره زاد اجتهاده.
وقال وصل القوم بخمس بلزوم الباب وترك الخلاف والنفاذ في الخدمة والصبر على المصائب وصيانة الكرامات.
وعن ابي علي الروذباري قال كان احمد ومحمد ابنا محمد بن ابي الورد صحبا ابا عبد الله الساجي وكان ابو عبد الله يقول من أراد ان يخدم الفقراء فليخدم خدمة ابني الورد صحباني عشرين سنة ما سالاني مسالة قط وما رأيت منهما منكرا قط.
صحب احمد بن ابي الورد بشرا الحافي والحارث المحاسبي وسريا ومات قبل اخيه محمد.
стр. 703
٢٨٣- الحسن الفلاس
تادب ببشر الحافي وعاصر سريا السقطي وكان سري يفخم امره.
عن وهب بن نعيم بن الهيصم قال جاء حسن الفلاس الى بشر بن الحارث مرة ومرتين وثلاثا يتردد إليه في مسالة ليكون الحجة فيما بينه وبين الله تعالى فتركه بشر وقام مرة ومرتين وثلاثا.
فلما كان بعد ذلك تبعه الى المقابر فلما صار الى المقابر وقف بشر فقال له يا حسن أيود هؤلاء ان يردوا فيصلحوا ما افسدوا؟ ألا فاعلم يا حسن انه من فرح قلبه بشيء من الدنيا اخطا الحكمة قلبه ومن جعل شهوات الدنيا تحت قدميه فرق الشيطان من ظله ومن غلب هواه فهو الصابر الغالب ألا واعلم ان البلاء كله في هواك والشفاء كله في مخالفتك اياه فاذا لقيته فقل قال لي.
فرجع الحسن فعاهد الله الا ياكل ما يباع ولا ما يشترى ولا يلبس مايباع ولا ما يشترى ولا يمسك بيده ذهبا ولا فضة ولا يضحك أبداً. وكان يأوي ستة اشهر في العباسية وستة اشهر حول دار البطيخ ويلبس ما في المزابل.
ولقبه رجل بالذندرن منصرفا على هذه الصورة فقال يا حسن من ترك شيئا لله عوضه الله ما هو خير منه يعني فما عوضك قال الحسن الرضا بما ترى.
стр. 704
فلما رجع من غزاته خرج به خراج وكانت فيه ميتته فلما اشتد به الامر قال لمولاة له لا تسقيني ماء حتى اطلب منك فلما قرب منه الامر طلب منها الماء فشرب وقال لقد اعطاني ما يتنافس فيه المتنافسون.
وعن سري السقطي قال تعجبني طريقة حسن الفلاس وكان حسن الفلاس لا يأكل الا القمامة ﵀.
стр. 705
٢٨٤- محمد بن منصور الطوسي
يكنى ابا جعفر اصله من طوس سكن بغداد ومات بها اثني عليه احمد بن حنبل.
وعن احمد بن محمد بن الفضل المؤذن قال سمعت محمد بن منصور الطوسي وحواليه قوم فقالوا له يا أبا جعفر أي شيء عندك اليوم فقد شك الناس فيه يوم عرفة هو او غيره فقال اصبروا فدخل البيت ثم خرج فقال هو عندي يوم عرفة فاستحيوا ان يقولوا من اين لك ذلك فعدوا الايام والليالي فكان اليوم الذي قال فجاء إليه ابن سلام فقال من اين علمت انه يوم عرفة قال دخلت البيت فسالت ربي تعالى فاراني الناس في الموقف.
وعن الحسن بن علوية قال قال محمد بن منصور ست خصال يعرف بها الجاهل الغضب في غير شيء والكلام في غير نفع والعظة في غير موضعها وافشاء السر والثقة بكل احد ولا يعرف صديقه من عدوه.
اسند محمد بن منصور عن هاشم بن القاسم وغيره ومسانيده كثيرة.
وتوفي يوم الجمعية لست بقين من شوال سنة اربع وخمسين ومائتين ﵀.
стр. 706
٢٨٥- محمد السمين
الخلدي قال قال الجنيد قال لي محمد السمني كنت في وقت من الاوقات اعمل على الشوق وكنت اجد من ذلك شيئا انه به مشتغل فخرجت الى الغزو وهذه الحالة حالي وغزا الناس وغزوت معهم فكثر العدو على المسلمين وتقاربوا والتقوا ولزم المسلمين من ذلك خوف لكثرة الروم.
قال احمد ف رأيت نفسي في ذلك الموطن وقد لحقها روع فاشتد ذلك علي وجعلت أوبخ نفسي والومها واؤنبها واقول لها كذابة تدعين الشوق فلما جاء الموطن الذي يؤمل في مثله الخروج اضطربت وتغيرت فانا اوبخها اذا وقع لي انزل الى النهر فاغتسل فخلعت
стр. 707
ثيابي واتزرت ودخلت النهر فاغتسلت وخرجت وقد اشتدت لي عزيمة لا ادري ما هي؟ فخرجت بقوة تلك العزيمة ولبست ثيابي واخذت سلاحي ودنوت من الصفوف وحملت بقوة تلك العزيمة حملة وانا لا ادري كيف انا فخرقت صفوف المسلمين وصفوف الروم حتى صرت من ورائهم ثم كبرت تكبيرة فسمع الروم تكبيرا فظنوا ان كمينا قد خرج عليهم من ورائهم فولوا وحمل عليهم المسلمون فقتل من الروم بسبب تكبيرتي تلك نحو اربعة الاف وجعل الله ذلك سببا للفتح والنصر.
стр. 708
٢٨٦- زهير بن محمد بن قمير
ابن شعبة ابو محمد مروزي الاصل سكن بغداد.
عن ابي القاسم احمد بن منيع قال ما رأيت بعد ابي عبد الله احمد بن حنبل ازهد من زهير بن قمير.
وعن محمد بن زهير بن قمير قال كان ابي يجمعنا في وقت ختمة القرآن في شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث مرات تسعين ختمة في شهر رمضان.
وعن عبد الله بن البغوي قال سمعت زهيرا يقول اشتهي لحما من اربعين سنة ولا اكله حتى ادخل الروم فاكله من مغانم الروم.
اسند زهير بن محمد بن قمير عن الحسين بن محمد المروزي والحسن بن موسى الاشيب ويعلى بن عبيد والقعنبي وعبد الرزاق في اخرين.
وانتقل في آخر عمره الى طرطوس فرابط بها الى ان توفي بها في سنة سبع وخمسين وقيل ثمان وخمسين ومائتين.
وذكر ابو الحسن المنادي انه دفن في مقابر باب حرب والصحيح الاول.
стр. 709
٢٨٧- ابراهيم بن هانىء
ابو اسحاق النيسابوري رحل في طلب العلم الى البلدان واستوطن بغداد واختفى عنده احمد بن حنبل وكان يثني عليه ويقول لا اطيق ما يطيق ابراهيم من العبادة.
عن ابي بكر النيسابوري قال حضرت ابراهيم بن هانىء عند وفاته فقال لابنه اسحاق انا
стр. 710
عطشان فجاءه بماء فقال غابت الشمس قال قال لا قال فرده.
ثم قال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] ثم خرجت روحه.
وعنه قال حضرت ابراهيم بن هانىء النيسابوري يوم وفاته فدعا ابنه اسحاق فقال هل غربت الشمس قال لا ثم قال يا أبة رخص لك في الافطار في الفرض وانت متطوع قال امهل ثم قال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ ثم خرجت نفسه.
وعن ابي بكر بن زنجويه قال قال احمد بن حنبل ان كان ببغداد من الابدال احد فأبو اسحاق ابراهيم بن هانىء.
اسند ابراهيم بن هانىء عن يعلى ومحمد ابني عبيد وقبيصة وابي اليمان في خلق كثير.
وتوفي يوم الاربعاء لاربع خلون من ربيع الاخر خمس وستين ومائتين ﵀.
стр. 711
٢٨٨- فتح بن شحرف بن داود ابن مزاحم أبو نصر الكشي
قال البربهاري سمعت ابن شحرف يقول رأيت رب العزة جل وعز في النوم فقال يا فتح احذر لا اخذك على غرة قال فتهت في الجبال سبع سنين.
وعن رويم بن احمد قال لقيني يوما الفتح بن شحرف فقال يا أبا محمد أنت أمين الله على نفسك لا ترى علي شيئا محتاج إليه ولا عندي شيء تزحمك الحاجة إليه فتتخلف عن أخذه.
وعن محمد بن المسيب قال قال الإمام احمد بن حنبل ما أخرجت خراسان مثل فتح بن شحرف.
وعن الحسين بن يحيى الارموي قال كتب فتح بن شحرف على باب بيته: رحم الله ميتا دخل على هذا الميت فلم يذكر الموتى عنده إلا بخير.
وقال احمد بن عبد الجبار سمعت ابي يقول صحبت فتح بن شحرف ثلاثين سنة فلم أره رفع رأسه إلى السماء ثم رفع رأسه إلى السماء وفتح عينيه ونظر إلى السماء ثم قال قد طال شوقي إليك فعجل قدومي عليك.
وعن أبي الحسين الحمادي القاضي قال سمعت الفتح بن شحرف يقول رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه في النوم فقلت له يا أمير المؤمنين أوصني قال لي ما احسن تواضع الأغنياء للفقراء واحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء قال فقلت له زدني فاوما الي بكفه فإذا فيه مكتوب:
стр. 712
قد كنت ميتا فصرت حيا ... وعن قليل تصير ميتا
أغنى بدار الفناء بيت ... فابن بدار البقاء بيتا
حدث الفتح بن شحرف عن رجاء بن مرجا وجعفر بن عبد الواحد ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه وغيرهم.
وتوفي يوم الثلاثاء للنصف من شوال من سنة ثلاث وسبعين ومائتين ودفن في المقبرة التي بين باب حرب وباب قطر بل وصلى عليه بدر المغازلي.
قال أبو محمد الحريري غسلت الفتح بن شحرف فقلبته على يمينه فإذا على فخذه الأيمن مكتوب خلقه الله كتابة بينة قال جعفر ورأيت الفتح بين شحرف هذا وكان رجلا صالحا زاهدا لم ياكل الخبز ثلاثين سنة وكان ذا أخلاق حسنة وكان يطعم الفقراء ومن يزوره من الأصحاب الطعام الطيب وكان حسن العبادة والورع والزهد.
عن أبي محمد الحريري قال غسلنا الفتح بن شحرف فرأينا على فخذه مكتوبا لا اله إلا الله فتوهمناه مكتوبا فإذا هو عرق داخل الجلد.
وعن إسحاق بن إبراهيم بن هاني قال لما مات فتح بن شحرف ببغداد صلى عليه ثلاثا وثلاثين مرة اقل قوم كانوا يصلون عليه يعدون خمسة وعشرين آلفا إلى ثلاثين آلفا ﵀.
стр. 713
٢٨٩- أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي
ولد سنة ثمان وتسعين ومائة واصله من مرو وكان إماما في جميع العلوم وله التصانيف الحسان وكان زاهدا في الدنيا وكان يقول صحبت قوما من الكرخ في طلب الحديث فسموني الحربي لان عندهم ان من جاوز قنطرة العتيقة من الحربية.
وعن احمد بن عبد الله بن خالد قال سمعت إبراهيم بن إسحاق الحربي يقول اجمع عقلاء كل أمة انه من لم يجر مع القدر لم يتهن بعيشه كان يكون قميصي انظف قميص وازاري اوسخ ازار ما حدثت نفسي انهما يستويان قط وفرد عقبي مقطوع والآخر صحيح امشي بهما وادور بغداد كلها هذا الجانب وذاك الجانب لا احدث نفسي ان اصلحها وما شكوت إلى أمي ولا إلى أختي ولا إلى امرأتي ولا إلى بناتي قط حمى وجدتها الرجل الذي
стр. 714
يدخل غمه على نفسه ولا يغم عياله وكان برأسي شقيقة خمسا واربعين سنة ما أخبرت بها أحداً قط ولي عشر سنين ابصر بفرد عين ما أخبرت به أحدا وأفنيت من عمير ثلاثين سنة برغيفين ان جاءتني بهما أمي أو أختي أكلت والا بقيت جائعا عطشان إلى الليلة الثانية وافنيت ثلاثين سنة من عمري برغيف في اليوم والليلة ان جاءتني امرأتي أو إحدى بناتي به أكلته وإلا بقيت جائعا عطشان إلى الليلة الاخرى والان اكل نصف رغيف وأربع عشرة تمرة ان كانت برنيا أو نيفا وعشرين ان كان دقلا ومرضت ابنتي فمضت امراتي فاقامت عندها شهرا فقام افطاري في هذا الشهر بدرهم ودانقين ونصف دخلت الحمام واشتريت لهم صابونا بدانقين فقام نفقة شهر رمضان كله بدرهم واربعة دوانيق ونصف.
وعن القاسم بن بكير قال سمعت إبراهيم الحربي يقول ما كنا نعرف من هذه الاطبخة شيئا كنت اجيء من عشاء إلى عشاء وقد هيات لي امي باذنجانة مشوية أو لعقة بن أو باقة فجل.
وقال أبو بكر بن علي الخراط كنت يوما جالسا مع إبراهيم بن اسحاق على باب داره فلما ان اصبحنا قال لي يا ابا علي قم إلى شغلك فان عندي فجلة قد اكلت البارحة خضرتها اقوم اتغذى بجزرتها.
وعن ابي عثمان الرازي قال جاء رجل من أصحاب المعتضد إلى إبراهيم الحربي بعشرة آلاف درهم من عند المعتضد يسأله عن أمر أمير المؤمنين يفرق ذلك فرده فانصرف الرسول ثم عاد فقال أن أمير المؤمنين يسألك ان تفرقه في جيرانك فقال عافاك الله هذا مال لم نشغل انفسنا بجمعه فلا نشغلها بتفرقته قل لأمير المؤمنين ان تركتنا والا تحولنا من جوارك.
وعن أبي القاسم الجبلي قال اعتل إبراهيم الحربي علة حتى اشرف على الموت فدخلت إليه يوما فقال لي يا أبا القاسم أنا في أمر عظيم مع ابنتي ثم قال لها قومي اخرجي إلى عملك فخرجت فألقت على وجهها خمارها فقال لها إبراهيم هذا عملك كلميه فقالت لي يا عم نحن في أمر عظيم لا في الدنيا ولا في الآخرة الشهر والدهر ما لنا طعام إلا كسر يابسة وملح وربما عدمنا الملح وبالأمس قد وجه إليه المعتضد مع بدر بألف دينار فلم يأخذها ووجه إليه فلان وفلان فلم يأخذ منهما شيئا وهو عليل.
فالتفت الحربي إليها وتبسم وقال يا بنية إنما خفت الفقر قالت نعم قال انظري إلى
стр. 715
تلك الزاوية فنظرت فإذا كتب فقال هناك اثنا عشر ألف جزء لغة وغريب كتبته بخطي إذا مت فوجهي كل يوم بجزء فبيعه بدرهم فمن كان عنده اثنا عشر ألف درهم فليس هو فقير.
وقال احمد بن سليمان القطيعي اضقت اضافة فمضيت إلى إبراهيم الحربي لابثه ما انا فيه فقال لي لا يضيق صدرك فان الله من وراء المعونة اني اضقت مرة إلى ان انتهى امري في الاضافة إلى ان عدم عيالي قوتهم فقالت لي الزوجة هب اني وإياك نصبر فكيف نعمل بهاتين الصبيتين فهات شيئا من كتبك حتى نبيعه أو نرهنه فضننت بذلك فقلت اقترضي لهما شيئا وانظريني بقية اليوم والليلة وكان لي بيت في دهليز داري فيه كتبي وكنت اجلس فيه للنسخ والنظر.
فلما كان في تلك الليلة إذ داق يدق الباب فقلت من هذا فقال رجل من الجيران فقلت ادخل فقال اطفىء السراج حتى ادخل فكببت على السراج شيئا وقلت ادخل فدخل وترك إلى جانبي شيئا وانصرف فكشفت على السراج ونظرت فإذا منديل له قيمة وفيه أنواع من الطعام وكاغذ فيه خمسمائة درهم فدعوت الزوجة وقلت انبهي الصبيان حتى يأكلوا.
ولما كان من الغد قضينا دينا كان علينا من تلك الدراهم وكان وقت مجيء الحاج من خراسان فجلست على بابي من غد تلك الليلة فإذا جمال يقود جملين عليهما حملان ورقا وهو يسال عن منزل إبراهيم الحربي فانتهى إلي فقلت أنا إبراهيم الحربي فحط الحملين وقال هذان الحملان أنفذهما لك رجل من أهل خراسان فقلت من هو فقال قد استحلفني إلا أقول من هو؟
وعن ثعلب قال ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس نحو أو لغة نحو خمسين سنة.
وعن محمد بن صالح الأنماطي قال لا نعلم أن بغداد أخرجت مثل ابراهيم الحربي في الأدب والحديث والفقه والزهد.
وقال أبو الحسن العتكي سمعت إبراهيم الحربي يقول لجماعة عنده من تعدون الغريب في زمانكم هذا فقال واحد منهم الغريب من ناى عن وطنه قال آخر الغريب من فارق أحبابه وقال كل واحد منهم شيئا فقال إبراهيم الغريب في زماننا رجل صالح عاش بين قوم صالحين ان امر بالمعروف آزروه وان نهي عن المنكر اعانوه وان احتاج إلى شيء من الدنيا ما نوه ثم ماتوا وتركوه.
стр. 716
وعن مقاتل بن محمد بن بنان العتكي قال حضرت مع أبي وأخي عند ابن إسحاق يعني إبراهيم الحربي فقال إبراهيم لأبي هؤلاء أولادك قال نعم قال احذر لا يرونك حيث نهاك الله فتسقط من أعينهم.
وعن محمد بن خلف وكيع قال كان لإبراهيم الحربي ابن وكان له إحدى عشرة سنة حفظ القرآن ولقنه من الفقه شيئا كثيرا قال فمات فجئت اعزيه فقال كنت اشتهي موت ابني هذا قال قلت يا با إسحاق أنت عالم الدنيا تقول مثل هذا في صبي قد انجب ولقنته الحديث والفقه؟ قال نعم رأيت في النوم كان القيامة قد قامت وكان الصبيان بايديهم قلال فيها ماء يستقبلون الناس يسقونهم وكان اليوم يوما حارا شديداً حره قال فقلت لاحدهم اسقني من هذا الماء قال فنظر الي وقال ليس انت أبي فقلت أي شيء انتم قال فقال نحن الصبيان الذين متنا في دار الدنيا وخلفنا اباءنا نستقبلهم فنسقيهم الماء قال فلهذا تمنيت موته.
وعن عيسى بن محمد الطوماري قال دخلنا على إبراهيم الحربي وهو مريض وقد كان يحمل ماؤه إلى الطبيب فجاءت الجارية وردت الماء وقالت مات الطبيب فبكى وانشأ يقول:
إذا مات المعالج من سقامي ... فيوشك للمعالج ان يموتا
وعن علي بن الحسن البزار قال سمعت إبراهيم بن اسحاق الحربي يقول وقد دخل عليه قوم يعودونه فقالوا كيف تجدك يا ابا اسحاق قال اجدني كما قال الشاعر:
دب في البلاء سفلا وعلوا ... واراني اموت عضوا فعضوا
ذهبت جدتي بطاعة تفسي ... وتذكرت طاعة الله نضوا
اسند إبراهيم الحربي عن أبي نعيم الفضل بن دكين وعفان ومسدد واحمد بن حنبل وخلق كثير لا يحصون.
وتوفي ببغداد سنة خمس وثمانين ومائتين وقبره ظاهر يتبرك الناس به ﵀.
стр. 717
٢٩٠- يحيى الجلاء
كان من خيار الناس وصحب بشر بن الحارث.
قال محمد بن الحسين بن الحسن سمعت ابا عبد الله بن الجلاء قال قلت لذي النون لم سمي ابي الجلاء أكان يصنع صنعة قال لا نحن سميناه الجلاء كان إذا تكلم علينا جلا قلوبنا.
стр. 718
وعن ابي عبد الله احمد بن يحيى الجلاء قال مات ابي فلما وضع في المغسل رايناه يضحك فالتبس على الناس امره فجاؤوا بطبيب وغطوا وجهه فاخذ مجسه فقال هذا ميت فكشفوا عن وجهه الثوب فراه يضحك فقال الطبيب ما ادري احي هو ام ميت؟
فكان إذا جاء انسان ليغسله لبسته منه هيبة لا يقدر على غسله حتى جاء رجل من اخوانه فغسله وكفنه وصلى عليه ودفن.
стр. 719
٢٩١- أبو إبراهيم السائح
عن عبد الله بن احمد بن حنبل قال كان في دهليزنا دكان وكان إذا جاء انسان يريد ان يخلو معه اجلسه على الدكان واذا لم يرد ان يخلو معه اخذ بعضادتي الباب وكلمه.
فلما كان ذات يوم جاءنا انسان فقال لي قل له أبو إبراهيم السائح فجلسنا على الدكان فقال لي ابي سلم عليه فانه من كبار المسلمين أو من خيار المسلمين فسلمت عليه فقال له ابي حدثني يا ابا إبراهيم فقال له أبو إبراهيم خرجت إلى الموضع الفلاني بقرب الدير الفلاني فأصابتني علة منتعتني من الحركة فقلت في نفسي لو كنت بقرب الدير لعل من فيه من الرهبان يداويني فإذا انا بسبع عظيم يقصد نحوي حتى جاءني فاحتملني على ظهره حملا رفيقا حتى ألقاني عند الدير. فنظر الرهبان إلى حالي مع السبع فاسلموا كلهم وهم أربعمائة راهب ﵀.
стр. 720
٢٩٢- إسماعيل بن يوسف أبو علي المعروف بالديلمي
جمع بين العلم والعبادة والحديث وجالس احمد بن حنبل وحدث عن مجاهد بن موسى.
عن ابي الحسين بن المنادي قال كان إسماعيل الديلمي من خيار الناس وذكر لي انه كان يحفظ أربعين ألف حديث.
قالوا وكان يعبر إلى الجانب الشرقي قاصدا محمد بن اشكاب الحافظ فيذاكره بالمسند.
وكان إسماعيل من اشهر الناس بالزهد والورع والتميز بالصون واما مكسبه فكان من المشاهرة في الارجاء.
وعن ابي علي الابراري قال قلت لإسماعيل الديلمي تشهر في هذه الارحاء بثلاثة
стр. 721
دراهم واي شيء تكفي ثلاثة دراهم فقال يا بني ما لم يتصل بنا عز التوكل فلا ينبغي ان نستعجل الذل بالتشرف.
وعن كردان قال قال لي اسماعيل الديلمي اشهيت حلوا وبلغت شهوته الي فخرجت من المسجد بالليل لابول فإذا جنبتي الطريق اخاوين حلوا فنوديت يا اسماعيل هذا الذي اشتهيت فإن تركته فهو خير لك فتركته.
قال ابن مخلد وقد كتبت انا عن كردان كان يكون في قنطرة بني زريق وقد رأيت اسماعيل الديلمي وكان ما شئت من رجل رايته عند ابي جعفر بن اشكاب.
قال المعافي إسماعيل هذا من خيار الناس.
والناس يزورون قبره وراء قبر معروف الكرخي وبينهما قبرو يسيرة وقد زرته مرارا وحدثني بعض شيوخنا عنه انه كان حافظا للحديث كثير السماع وان كان يذاكر بسبعين ألف حديث.
стр. 722
٢٩٣- زكريا بن يحيى بن عبد الملك أبو يحيى الناقد
كان من كبار الاخيار.
عن محمد بن جعفر بن سام قال لو قيل لابي يحيى الناقد غدا تموت ما ازداد في عمله.
وقال أبو زرعة الطبري قال أبو يحيى الناقد اشتريت من الله تعالى حوراء باربعة الاف ختمة فلما كان آخر ختمة سمعت الخطاب من الحوراء تقول وفيت بعهدك فها انا الذي اشتريتني فيقال انه مات عن قريب.
اسند أبو يحيى الناقد عن خالد بن خداش وفضيل بن عبد الوهاب واحمد بن حنبل في اخرين.
وكان احمد يقول فيه هذا رجل صالح.
وتوفي ليلة الجمعة لثمان بقين من شره ربيع الآخر سنة خمس وثمانين ومائتين.
стр. 723
٢٩٤- أبو بكر الرقاق واسمه محمد بن عبد الله
عن الحسن بن احمد بن عبد العزيز قال سمعت الرقاق يقول لي تسعين سنة ارب هذا الفقر من لم يصحبه في فقره الورع اكل الحرام النص.
محمد السراج قال قال جنيد رأيت ابليس في منامي وكانه عريان فقلت له ما تستحيي من الناس فقال بالله هؤلاء عندك من الناس لو كانوا من الناس ما تلاعبت بهم كما يتلاعب
стр. 724
الصبيان بالكرة ولكن الناس غير الناس فقلت له من هم قال قوم في مسجد الشونيزي قد اضنوا قلبي وانحلوا جسمي كلما هممت بهم اشاروا إلى الله تعالى فاكاد احترق.
قال جنيد فانتبهت ولبست ثيابي وجئت إلى مسجد الشونيزي وعلى ليل فلما دخلت المسجد اذ انا بثلاثة انفس جلوس ورؤوسهم في مرقعاتهم فلما احسو بي قد دخلت اخرج احدهم راسه وقال يا ابا القاسم انت كلما قيل لك شيء تقبل.
قال ابن جهضم ذكر لي أبو عبد الله بن جامار ان الثلاثة الذين كانوا في مسجد الشونيزي ابوحمزة وابو الحسين النوري وابو بكر الرقاق.
стр. 725
٢٩٥- أبو يعقوب الزيات
قال الجنيد بن محمد دققت على ابي يعقوب الزيات بابه في جماعة من اصحابنا فقال ما كان لكم شغل في الله يشغلكم عن المجيء الي قال الجنيد فقلت له إذا كان مجيئنا اليك من شغلنا به لم ننقطع عنه ففتح الباب.
وقال يوما لبعض المريدين اتحفظ القرآن فقال لا فقال واغوثاه بالله مريد لا يحفظ القرآن كأترنجة لا ريح لها فبم يتنعم فبم يترنم فبم يناجي ربه؟ ﵀.
стр. 726
٢٩٦- الجنيد بن محمد بن الجنيد
أبو القاسم الخزاز القواريري كان أبوه يبيع الزجاج وكان هو خزازا واصله من نهاوند إلا ان مولده ومنشأه ببغداد.
عن جعفر الخلدي قال الجنيد ذات يوم ما اخرج الله إلى الارض علما وجلع للخلق إليه سبيلا إلا وقد جعل لي فيه حظا ونصيبا.
قال الخلدي وبلغني عن الجنيد انه كان في سوقه وكان ورده في كل يوم ثلاثمائة ركعة وثلاثين ألف تسبيحة.
وعنه قال كان الجنيد عشرين سنة لا ياكل إلا من الأسبوع إلى الأسبوع ويصلي كل يوم اربعمائة ركعة.
стр. 727
وعنه قال لم نر في شيوخنا من اجتمع له علم وحال غير ابي القاسم الجنيد ولا اكثرهم كان يكون له علم كثيرولا يكون له حال واخر كان يكون له حال كثير وعلم يسير والجنيد كانت له حال خطيرة وعلم غزير فإذا رأيت حاله رجحته إلى علمه واذا رأيت علمه رجحته على حاله.
وعن ابي محمد المرتعش قال قال الجنيد كنت بين يدي سري السقطي العب وانا ابن سبع سنين وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر فقال لي يا غلام ما الشكر فقلت ألا تعصي الله بنعمه فقال لي اخشى ان يكون حظك من الله لسانك قال الجنيد فلا ازال ابكي على هذه الكلمة التي قالها السري لي.
وعن ابي الحسن المجلسي قال قيل للجنيد ممن استفدت هذا العلم قال من جلوسي بين يدي الله تعالى ثلاثين سنة تحت تلك الدرجة واومىء إلى درجة في داره.
قال السلمي وسمعت جدي اسمعايل بن نجيد يقول كان الجنيد يجيء كل يوم إلى السوق فيفتح حانوته فيدخله ويسبل الستر ويصلي اربعمائة ركعة ثم يرجع إلى بيته.
وعن احمد بن عبد الحميد السامري قال سمعت الجنيد بن محمد يقول معاشر الفقراء انما عرفتم بالله وتكرمون له فإذا خلوتم به فانظروا كيف تكونون معه؟
وعن ابي الطيب بن الفرحان قال سمعت الجنيد يقول علامة اعراض الله عن العبد ان يشغله بما لا يعنيه.
وعن حامد بن إبراهيم قال قال الجنيد بن محمد الطريق إلى الله مسدود على خلق الله إلا على المقتفين آثار رسول الله ﷺ والتابعين لسنته كما قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الاحزاب: ٢١] .
وعن خير قال كنت يوما جالسا في بتين فخطر لي خاطر ان ابا القاسم جنيدا بالباب اخرج اليه فنفيت ذلك عن قلبي وقلت وسوسة فوقع لي خاطر ثان يقتضي مني الخروج:
ان جنيدا على الباب فاخرج إليه فنفيت ذلك عن سري فوقع لي خاطر ثالث فعلمت انه حق وليس بوسوسة ففتحت الباب فإذا انا بالجنيد قائم فسلم علي وقال يا خير ألا خرجت مع الخاطر الاول؟ وعن أبي محمد الحريري قال سمعت الجنيد يقول لقد مشى رجال باليقين على الماء ومات بالعطش افضل منهم يقينا.
стр. 728
وعن أبي عمرو بن علوان قال خرجت يوماً إلى سوق الرحبة في حاجة فرأيت جنازة فتبعتها لاصلي عليها ووقفت حتى يدفن الميت في جملة الناس فوقعت عيني على امرأة مسفرة من غير تعمد فالححت بالنظر واسترجعت واستغفرت الله تعالى وعدت إلى منزلي فقالت لي عجوز يا سيدي ما لي أرى وجهك اسود فاخذت المرآة فنظرت فإذا وجهي اسود فرجعت إلى سري انظر من اين دهيت؟ فذكرت النظرة فانفردت في موضع استغفر الله واساله الإقالة اربعين يوما فخطر في قلبي ان زر شيخك الجنيد فانحدرت إلى بغداد فلما جئت الحجرة التي هو فيها طرقت الباب فقال لي ادخل يا أبا عمرو تذنب بالرحبة ونستغفر لك ببغداد.
وعن أبي بكر محمد بن احمد قال سمت الجنيد يقول فتح كل باب وكل علم نفيس بذل المجهود.
وعن احمد بن عطاء قال قال الجنيد لولا انه يروى انه يكون في آخر الزمان زعيم القوم ارذلهم ما تكلمت عليكم.
وعن أبي القاسم المطرز قال سمعت الجنيد بن محمد يقول اضر ما على اهل الديانات الدعاوي.
وعن أبي بكر المفيد قال سمعت الجنيد يقول احذر ان تكون ثناء منشورا وعيبا مستورا.
وعن العباس بن عبد الله قال سمعت الجنيد بن محمد يقول المروءة احتمال زلل الاخوان.
وعن أبي القاسم النقاش قال سمعت الجنيد يقول الانسان لايعاب بما في طبعه انما يعاب إذا فعل ما ينافي طبعه.
وساله رجل كيف الطريق إلى الله فقال توبة تحل الاصرار وخوف يزيل الغرة ورجاء مزعج إلى طريق الخيرات ومراقبة الله في خواطر القلوب.
وقال أبو الحسن سمعت الجنيد يقول ليس يتسع على ما يرد علي من العالم لاني قد اصلت اصلا وهو ان الدار دار غم وهم بلاء وفتنة وان العالم كله شر ومن حكمه أن يتلقاني بكل ما اكره فان تلقاني بما احب فهو فضل والا فالاصل الاول.
وعن جعفر بن القاسم قال سمعت الجنيد يقول كان يعارضني في بعض اوقاتي ان
стр. 729
اجعل نفسي كيوسف واكون انا كيعقوب فاحزن على ما فقدت من نفسي كما حزن يعقوب على فقد يوسف فمكثت مدة اعمل على حسب ذلك.
وعن محمد بن نصير في كتابه قال قال الجيند لو اقبل صادق على الله ألف ألف سنة ثم اعرض عنه لحظة كان ما فاته اكثر مما ناله.
وقال رجل للجنيد علام يتأسف المحب قال على زمان بسط أورث قبضا اوزمان انس اورث وحشة وانشأ يقول:
قد كان لي مشرب يصفو برؤيتكم ... فكدرته يد الايام حين صفا
قال جعفر وقال أبو العباس بن مسروق مررت مع الجنيد في بعض دروب بغدا واذا مغن يغني:
منازل كنت تهواها وتألفها ... ايام انت على الايام منصور
فبكى الجنيد بكاء شديدا ثم قال يا ابا العباس ما اطيب منازل الالفة والانس واوحش مقامات المخالفات لا ازال احن إلى بدو ارادتي وجدة سعيي.
اسماعيل بن نجيد يقول ودخل أبو العباس بن عطاء على جنيد وهو في النزع فسلم عليه فلم يرد عليه ثم رد عليه بعد ساعة وقال اعذرني فاني كنت في وردي ثم حول وجهه إلى القبلة وكبر ومات ﵀.
وقال أبو محمد الحريري كنت واقفا على راس الجنيد في وقت وفاته وكان يوم جمعة وهو يقرأ القرآن فقلت يا ابا القاسم ارفق بنفسك فقال يا أبا محمد ما رأيت أحدا أحوج إليه مني في هذا الوقت وهو ذا تطوى صحيفتي.
وعنه قال حضرت عند الجنيد قبل وفاته بساعتين فلم يزل باكيا وساجدا فقلت له يا ابا القاسم قد بلغ بك ما ارى من الجهد فقال يا ابا محمد احوج ما كنت إليه هذه الساعة فلم يزل باكيا وساجدا حتى فارق الدنيا.
وعن فارس بن محمد قال كان أبو القاسم الجنيد كثير الصلاة ثم رأيناه في وقت موته وهو يدرس ويقدم إليه الوسادة فيسجد عليها فقيل له إلا روحت عن نفسك فقال طريق وصلت به إلى الله لا اقطعه.
وقال أبو بكر العطار حضرت الجنيد عند الموت في جماعة من اصحابنا قال فكان قاعدا يصلي ويثني رجله كلما اراد ان يسجد فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجله
стр. 730
فثقل عليه حركتها فمد رجليه وقد تورمتا فرآه بعض اصدقائه فقال ما هذا يا ابا القاسم فقال هذه نعم الله اكبر فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الحريري لو اضطجعت قال يا ابا محمد هذا وقت يؤخذ منه الله اكبر فلم يزل ذلك حاله حتى مات ﵀.
اسند الجنيد الحديث عن الحسن بن عرفة.
قال المصنف ﵀ اخبرنا أبو منصور الصرار قال انبا احمد بن علي بن ثابت قال اخبرنا أبو سعد الماليني قال ابنا أبو القاسم عمر بن محمد بن مقبل قال انبا جعفر الخلدي قال انبا الجنيد بن محمد قال حدثنا الحسن بن عرفة قال انبا محمد بن كثير الكوفي عن عمرو بن قيس الملائي عن عطية عن ابي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ : " اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله" ١ ثم قرا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] .
قال أبو بكر الخطيب لا يعرف للجنيد غير هذا الحديث.
قال المصنف قلت وقد رويت له حديثا آخر اخبرنا محمد بن عبد الباقي قال انبأ رزق الله بن عبد الوهاب قال انبأ أبو عبد الرحمن السلمي قال أنبأ احمد بن عطاء الصوفي قال انبأ محمد بن علي بن الحسين قال سئل الجنيد عن الفراسة قال فقال انبا الحسن بن عرفة قال ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله قال كنت ارعى غنما لعقبة بن أبي معيط وذكر الحديث وقال في اخره قال لي النبي ﷺ : "انك عليم معلم".
قلت وقد لقي الجنيد خلقا من العلماء ودرس الفقه على ابي ثور وكان يفتي في حلقته بحضرته وهو ابن عشرين سنة وصحب جماعة من العباد واشتهر بصحبة خاله سري والحارث المحاسبي.
وتوفي يوم السبت في شوال سنة ثمان وتسعين ومائتين وقيل سبع وتسعين وغسله أبو محمد الحريري وصلى عليه ولده وحزروا الجمع الذي صلى عليه فكانوا نحو ستين ألفاً.
وعن جعفر الخلدي في كتابه قال رأيت الجنيد في النوم فقلت له ما فعل الله بك قال طاحت تلك الاشارات وغابت تلك العبارات وفنيتتلك العلوم ونفدت تلك الرسوم وما نفعنا إلا ركيعات كنا نركعها في السحر ﵀.
стр. 731
٢٩٧- الحسن بن علي أبو علي المسوحي
قال ابوالقاسم الجنيد كلمت يوما حسنا المسوحي في شيء من الأنس فقال لي ويحك ما الانس لو مات منت تحت السماء ما استوحشت.
وعن الجنيد وابي العباس بن مسروق وابي احمد المغازلي وابي محمد الحريري وغيرهم قالوا سمعنا حسنا المسوحي يقول كنت اوي باب الكناس كثيرا وكنت اقرب من مسجد ثم أتفيأ فيه من الحر واستكن فيه من البرد فدخلت يوما وقد كظني الحر واشتد علي فحملتني عيني فنمت فرأيت كان سقف المسجد قد انشق وكان جارية قد نزلت علي من السقف عليها قميص فضة يتحشحش ولها ذؤابتان فجلست عند رجلي فقبضت رجلي عنها فمدت يدها فنالت رجلي فقلت لها يا جارية لمن انت قالت انا لمن دام على ما انت عليه.
اسند حسن المسوحي حديثا عن بشر الحافي وهو من كبار اصحاب سري السقطي.
стр. 732
٢٩٨- أبو علي احمد بن إبراهيم ابن ايوب المسوحي
صحب سريا السقطي وغيره وروى عن حسن المسوحي ايضا.
وقال محمد بن الحسين السلمي قال اخبرنا احمد بن إبراهيم المسوحي من جلة مشايخ بغداد وظرافهم ومتوكليهم.
وعن جعفر الخواص قال كان احمد بن إبراهيم المسوحي يحج بقميص ورداء ونعل طاق ولا يحمل معه شيئا لا ركوة ولا كوزا إلا كوز بلور فيه تفاح شامي يشمه من جوف بغداد إلى مكة وكان من افاضل الناس.
стр. 733
٢٩٩- سمنون بن حمزة
يكنى ابا القاسم اصله من البصرة ولكن سكن بغداد.
عن ابي احمد المغازلي قال كان ورد سمنون في كل يوم وليلة خمسمائة ركعة.
وقال أبو احمد القلانسي فرق رجل ببغداد على الفقراء اربعين ألف درهم فقال لي سمنون يا ابا احمد ما ترى إلى ما انفق هذا نحن ما نرجع إلى شيء ننفقه فامض بنا إلى
стр. 734
موضع نصلي فيه بكل درهم انفقه ركعة فذهبنا إلى المدائن فصلينا اربعين ألف ركعة وزرنا قبر سليمان وانصرفنا.
وعن خلف بن الحسن العباداني قال سمعت سمنونا يقول اول وصال العبد للحق هجرانه لنفسه وأول هجران العبد الحق مواصلته لنفسه.
وقال أبو الطيب العكي ذكر لي أن سمنوناً كان جالساً على شط دجلة وبيده قضيب يضرب به فخذه حتى تبدد لحمه وهو يقول:
كان لي قلب اعيش به ... ضاع مني في تقلبه
رب فاردده علي فقد ... ضاق صدري في تطلبه
واغث ما دام بي رمق ... يا غياث المستغيث به
وعن محمد بن حمادن قال رأيت سمنونا وقد ادخل راسه في زرما نقته ثم أخرج رأسه بعد ساعة وزفر وقال:
تركت الفؤاد عليلا يعاد ... وشردت نومي فما لي رقاد
وعن ابي بكر الواسطي قال قال سمنون يا رب قد رضيت بكل ما تقضيه علي. فاحتبس بوله اربعة عشر يوما فكان يتلوى كما تتلوى الحية علىالرمل يتقلب يمينا وشمالا فلما اطلق بوله قال يا رب تبت اليك.
وعن علي بن احمد بن جعفر قال انشدني ابن فراس لسمنون:
وكان فؤادي خالي قبل حبكم ... وكان بذكر الخلق يلهو ويمرح
لفما دعا قلبي هواك اجابه ... فلست اراه عن فنائك يبرح
رميت ببين منك ان كنت كاذبا ... وان كنت في الدنيا بغيرك افرح
وإن كان شيء في البلاد بأسرها ... إذا غبت عن عيني لعيني يملح
فان شئت واصلني وان شئت لا تصل ... فلست ارى قلبي لغيرك يصلح
وقال أبو الفضل بن عبد السميع الهاشمي سمعت سمنونا يقول:
امستوحش انت مما جنيت ... فاحسن إذا شئت واستانس
وقال:
اسفا عليك وحسرة وتلهفا ... ألا اكون بحيث ما ترضاني
قد صحب سمنون سريا السقطي وابا احمد القلانسي ومحمد بن علي القصاب في اخرين.
ولا نعلمه اسند حديثا اصلا وكان قد وسوس فانتخبنا ما ذكرنا من كلامه وتوفي بعد الجنيد.
стр. 735
٣٠٠- إبراهيم بن سعد أبو إسحاق العلوي
من اهل بغداد ثم انتقل عنها إلى الشام فاستوطنها.
قال ابوعبد الرحمن محمد بن الحسين قال قال إبراهيم بن سعد العلوي أبو اسحاق كان حسنيا من أهل بغداد وكان يقال له الشريف الزاهد وكان استاذ ابي الحارث الاولاشي.
حكى عنه أبو الحارث قال كنت معه في البحر فبسط كساءه على الماء وصلى عليه.
وعن ابي الحسن الدربندي قال رأيت إبراهيم بن سعد العلوي وكان عليه كساء فبسط كساءه على البحر ووقف وصلى على الماء.
وقال أبو الحارث الاولاسى خرجت من حصن اولاس اريد البحر فقال لي بعض اخواني لا تخرج فاني قد هيات لك عجة حتى تاكل قال فجلست واكلت معه ونزلت إلى الساحل فإذا انا بابراهيم بن سعد العلوي قائما يصلي فقلت في نفسي ما اشك إلا انه يريد ان يقول لي امش معي على الماء ولئن قال لي لامشين معه فما استحكم الخاطر حتى سلم ثم قال هيه يا ابا الحارث امش على الخاطر فقلت بسم الله فمشى هو على الماء وذهبت امشي فغاصت رجلي فالتفت الي وقال يا ابا الحارث العجة اخذت برجلك.
وعنه قال اقبلنا من جبل اللكام مع ابي اسحاق العلوي الزاهد وكان أبو اسحاق لا ياكل إلا في كل ثلاثة أيام سفات خرنوب فلقينا امرأة وقد سخر جندي حماراً لها فاستغاثت بنا فكلمه العلوي فلم يرد عليها فدعا عليه فخر الجندي والمراة والحمار ثم افاقت المراة ثم افاق الحمار ومات الجندي فقلت لا اصحبك فانك مستجاب الدعوة واخشى ان يبدو مني سوء ادب فتدعو علي فقال لست تأمن قلت لا قال فاقلل إذا من الدنيا ما استطعت.
وعنه قال خرجت سنة من السنين من مكة في وسط السنة اريد الشام فإذا في بعض الطريق ثلاثة نفر يتذاكرون فتقدمت وسلمت عليهم وقلت امشي معكم فقالوا ما شئت فمشيت معهم إلى ان تفرقوا وبقيت انا واخر فقال لي اين تريد يا شاب فقلت بلد الشام فقال وانا اريد اللكام وكان الرجل إبراهيم بن سعد العلوي.
стр. 736
فمشينا اياما وافترقنا وكانت تاتيني كتبه فما شعرت ذات يوم وأنا بالأولاش وقد خرجت أريد البحر فإذا برجل صاف قدميه يصلي على الماء فاضطرب قلبي حين رايته وغلبتني الهيبة له فلما أحس بي اوجز في صلاته ثم التفت الي فإذا هو إبراهيم بن سعد العلوي فقال لي غيب شخصك عني ثلاثة أيام ثم ائتني بعد ذلك.
قال ففعلت ما قال ثم جئته بعد ثلاثة أيام فإذا هو قائم مكانه يصلي فلما أحس بي أوجز في صلاته ثم اخذ بيدي فوقفني على البحر وحرك شفتيه فقلت في نفسي أن مشى على الماء مشيت معه فما لبث إلا يسيرا فإذا الحيتان قد برزت مد البصر وقد أقلبت الينا رافعة رؤوسها من الماء فاتحة افواهها فقلت في نفسي اين ابن بشر الصياد فلما ذكرته في نفسي تفرقت فالتفت إلي إبراهيم وقال مر فلست مطلوب لهذا الامر ولكن عليك بالوصال والتخلي في الجبال ووار نفسك ما امكنك حتى يشغلك بذكره عن ذكر من سواه وعليك بالتقلل من الدنيا ما استطعت حتى يأيتك اليقين ومضى.
وعنه قال كان سبب رؤيتي إبراهيم بن سعد ان خرجت من اولاش إلى مكة في غير أيام الموسم فرافقت ثلاثة فتفرق اثنان منهم وبقيت انا والثالث فقال لي اين تريد فقلت الشام قال وانا اريد اللكام فإذا هو إبراهيم بن سعد العلوي وكان حسنيا ثم تفرقنا وكانت تأتيني كتبه.
فخرجت يوما من أولاش فإذا إبراهيم بن سعد العلوي فلما رآني قصر في صلاته وسلم علي وجاء إلى البحر فنظر إليه وحرك شفتيه فإذا بحيتان كثيرة مصفوفة قد أقبلت فلما رأيتها قلت اين الصيادون فنظرت فإذا السمك قد تفرق فقال لي إبراهيم ما انت بمطلوب في هذا الامر ولكن عليك بهذه الرمال فتوار فيها ما امكنك وتقلل من الدنيا حتى ياتيك امر الله ثم غاب عني فلم اره وكانت كتبه ترد علي.
فلما مات كنت قاعدا يوما فتحرك قلبي للخروج فلما خرجت صرت إلى المسجد فإذا أنا بأسود فقام الي فقال لي انت أبو الحارث قلت نعم قال اجرك الله في اخيك إبراهيم بن سعد.
وكان هذا مولى له يسمى ناصحا فذكر ان إبراهيم بن سعد اوصاه ان يؤدي هذه الرسالة:
يا اخي إذا نزل بك امر من امر الله فاستعمل الرضا فان الله مطلع عليك يعلم ما في ضميرك فان رضيت فلك الثواب الجزيل وانت في رضاك وسخطك لست تقدر ان تزداد في
стр. 737
الرزق المقسوم والامر المكتوب فان لم تجد إلى الرضا سبيلا فاستعمل الصبر فإنه رأس الإيمان فان لم تجد فعليك بالتجمل ولا تشك من ليس باهل ان يشكي وهو من اهل الشكر والثناء لقديم ما اولى فإذا اضطررت وقل صبرك فألجا إليه بهمك واشك إليه بشك واحذر ان تستبطئه وتسيء به ظنا فان لك شيء بسبب ولك سبب اجل ولكل اجل كتاب ولكل هم من الله فرج ومن علم انه بعين الله استحيا ان يراه يرجو سواه ومن ايقن بنظر الله إليه اسقط اختيار نفسه ومن علم ان الله الضار النافع اسقط مخاوف المخلوقين فراقب الله في قربه واطلب الأمور من معادنها واحذر أن تعتمد على مخلوق أو تفشي إليه سرا أو تشكو إليه شيئا فان غنيهم فقير وفقيرهم ذليل في فقره وعالمهم جاهل في علمه وجاهلهم فاجر في فعله إلا القليل ممن عصم الله فاتقوا الفاجر من العلماء والجاهل من العباد فانهم فتنة لكل مفتون.
وقال عبد الله بن سهل بات عندي أبو الحارث الاولاشي فسالته عن مفارقته إبراهيم بن سعد العلوي فقال كانت الدنيا طوع يديه فلما انتهى إلى الساحل قال لي ترجع قلت بل اصحبك فتفل في البحر فإذا جوق من سمك مصفوف فوق الماء كانه سرير فوثب إليه ثم قال لي الله خليفتي عليك قلت ادع لي. قال قد فعلت فاحفظ حدود الله وارحم خلقه إلا من عاند.
стр. 738
٣٠١- أبو اسحاق إبراهيم الآجري الصغير
ولا يعرف اسم ابيه.
وقال أبو العباس بن مسروق وابو محمد الحريري وابو احمد المغازلي وغيرهم عن إبراهيم الآجري قالوا جاء يهودي يقتضيه شيئا من ثمن قصب فكلمه فقال له ارني شيئا اعرف به شرف الاسلام وفضله على ديني حتى اسلم فقال له وتفعل قال نعم قال له هات رداءك قال فاخذه فجعله في رداء نفسه ولف رداءه عليه ورمى به في النار نار اتون الاجر ودخل في اثره فأخذ الرداء وخرج من الباب ففتح رادء نفسه وهو صحيح واخرج رداء اليهودي حراقا اسود من جوف رادء نفسه فاسلم اليهودي رحمه الله١.
стр. 739
٣٠٢- ابو نصر المحب
جمع بين الزهد المروءة.
عن ابي العباس بن مسروق قال اجتزت انا وابو نصر المحب في الكرخ وعلى ابي نصر إزار له قيمة فاذا نحن بسائل يسال وهو يقول شفيعي اليكم محمد ﷺ فشق ابو نصر ازراه فاعطاه النصف ومشى خطوتين وقال هذه نذالة فانصرف إليه فاعطاه النصف الاخر ﵀.
стр. 740
٣٠٣- ابو سعيد الخراز
واسمه احمد بن عيسى.
قال الجنيد لو طالبنا الله بحقيقة ما عليه ابو سعيد الخراز لهلكنا قال علي فقلت لابراهيم واي شيء كان حاله قال اقام كذا وكذا سنة يخرز ما فاته الحق بين الخرزتين.
وقال ابو جعفر الصيدلاني سمعت ابا سعيد الخراز يقول من ظن انه ببذل الجهد يصل فمتمن ومن ظن انه بغير بذل الجهد يصل فمتعن.
أبو الفضل العباس ابن الشاعر يذكر عن تلميذه لابي سعيد قال كنت اساله مسالة والإزار بيني وبينه مشدود فاستفزني حلاوة كلامه فنظرت في ثقب من الازار ف رأيت شفته فلما وقعت عيني عليه سكت وقال جرى ها هنا حدث فاخبريني ما هو فعرفته اني نظرت إليه فقال اما علمت ان نظرك الي معصية وهذا العلم لا يحتمل التخليط؟.
وعن ابي القاسم بن مروان قال كان عندنا بنهاوند فتى يصحبني وكن اصحب ابا سعيد الخراز فكنت اذا رجعت حدثت ذلك الفتى ما اسمع من ابي سعيد. فقال لي ذات يوم ان سهل الله لك الخروج خرجت معك حتى ارى هذا الشيخ.
فخرجت وخرج معي ووصلنا الى مكة فقال لي ليس نطوف حتى نلقي ابا سعيد فقصدناه وسلمنا عليه فقال الشاب مسالة ولم يحدثني انه يريد ان يسال عن شيء فقال له