ولا عن أصحابه ملازمة ذلك وفعله عقب كل صلاة.
المسألة الثالثة:
وأما الفطرة عن صوم رمضان، فجمهور العلماء يرون أنه لا يجزي /إلا صاع كاملٌ/١ من أي صنف من الأصناف المذكورة في حديث أبي سعيد٢ وابن عمر وغيرهما٣، وهي الطعام والشعير والتمر والأقط والزبيب.٤
وذهب جمع إلى جواز الإخراج من غالب قوت البلد٥، أي قوتٍ كان، كالذرة والأرز ونحوها.
وذهب بعضهم إلى أن نصف الصاع من سمراء الشام (وهو البر) يجزي عن صاع من غيره. وهذا القول قاله معاوية ورآه رأياً له، وليس بمرفوع٦، وقد خالفه أبو
стр. 387
سعيد الخدري، ولم يوافقه عليه١، وبعض العلماء وافق معاوية على ذلك وقليل ما هم٢.
المسألة الرابعة:
وأما الابتداء بفاتحة الكتاب /كلّما/٣ أراد تلاوة القرآن؛ فلا أرى الإنكار على من فعل ذلك، لما ثبت في الحديث الصحيح، من قصة الأنصاري الذي كان يقرأ سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٤، في كل ركعة، يكررها إذا أراد القراءة بغيرها، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ وقال: "سلوه لم فعل ذلك" فقال: إنِّي أحبها، لأن فيها صفة الرحمن، قال النبي ﷺ : "أخبروه أن الله يحبه" ٥.
стр. 388
فمن قرأ فاتحة الكتاب أو غيرها بقصد يضاهي هذا ويشابهه، فلا حرج عليه، وأما إن قرأها قبل كل قراءة معتقداً أن الله أمر بذلك، أو أن رسول الله ﷺ سنَّه، فهذا يعرّف بالسنة ويُخْبر بها، وأنها إنما يبتدأ بها القراءة في الصلاة١ لا في سائر أحوال التلاوة.
(المسألة الخامسة) :
وأما الرجل الذي يخالط أهل بلده ومحلته، ويرجو بمخالطتهم أن يجيبوه إلى الإسلام وإلى السنة، ويتركوا٢ ما هم عليه من شرك أو بدعة أو فواحش.
فهذا يلزمه خلطتهم ودعوتهم إن أمن الفتنة، لما في ذلك من المصلحة الراجحة، على مصلحة الهجر والاعتزال. ورؤية المنكر إذا رجا بها إزالته وتغييره، وأمن الفتنة به، ولم يكن تحصيل المصالح الدينية إلاّ بذلك، فلا حرج عليه، بل ربما تأكد واستحب٣.
وبلغني أن شيخ الإسلام ابن تيمية -قدّس الله روحه- كان يخرج إلى عسكر التتار لما نزلوا الشام المرة الأولى حول دمشق، ويجتمع بأميرهم ويأمره وينهاه٤. ويرى في
стр. 389
خروجه عندهم شيئاً من المنكرات. وقد أراد بعض الأفاضل ممن صحبه في /إحدى/١ تلك المرات أن ينكر على جماعة منهم، ما رآه يدور بينهم من كاسات الخمر، فقال له الشيخ: لا تفعل، إنهم لو تركوا هذا زاد شرهم على أموال المسلمين وحرمهم٢.
(المسألة السادسة) :
وأما البداءة بالسلام، فلا ينبغي أن يُبدأ الكافر بالسلام٣، بل هو تحية أهل البداءة بالسلام على الكافر الإسلام، لكن إن خاف مفسدة راجحة أو فوات مصلحة
كذلك، فلا بأس بالبداءة١ لا سيما من ينتسب إلى الإسلام، ولكن يخفى عليه شيءٌ من أصوله وحقوه.
وقد كان ﷺ يأتي المشركين من العرب في منازلهم أيام الموسم٢، ويدعوهم إلى توحيد الله وترك عبادة ما سواه، وأن يقولوا لا إله إلا الله، ويتلوا عليهم القرآن، ويبلِّغهم ما أُمر بتبليغه؛ مع ما هم عليه من الشرك والكفر والردّ القبيح، لما في ذلك من المصلحة الراجحة على مصلحة الهجر والتباعد، والهجر إنما شرع لما فيه من المصلحة وردع المبطل، فإذا انتفى ذلك وصار فيه مفسدة راجحة فلا يشرع. ومن تأمّل السيرة النبوية والآثار السلفيّة يعرف ذلك ويتحققه.
وقد أمر الله بالدعوة إليه على بصيرة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ الآية٣، وقال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٤.
والجهاد بالحجة والبيان يقدم على الجهاد بالسيف والسنان.
وقد مرَّ ﷺ على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمنافقين واليهود، وفيه عبد الله ابن أُبيّ٥ رأس المنافقين، فسلّم ﷺ ونزل
стр. 392
عن دابته ودعاهم إلى الإسلام، وذلك حين ذهب إلى سعد بن عبادة١ يعوده في منزله٢، والقصّة مشهورة. وكثير من العلماء يبتلى بخلطة هذا الضرب من الناس، لكنَّه يكون مباركاً أينما كان، داعياً إلى الله، مذكراً به، هادياً إليه، كما قال /تعالى/٣ عن المسيح ﵇ ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ ٤، أي داعياً إلى الله مذكراً به معلماً بحقوقه، فهذه هي البركة المشار إليها، ومن عدمها محقت بركة عمره، وساعاته وخلطته ومجالسته.
نسأل الله العظيم لنا ولكم علماً نافعاً، يكون لنا يوم القيامة شافعاً.
وبلِّغ سلامنا من لديك من الإخوان في الدين من أهل السنة، وإن أشكل عليكم شيء مما كتبته فراجعوني فيه، ولا تنسوني من صالح الدعاء٥.
أسأل الله العظيم أن يغفر زلّتي، ويقبل توبتي، ويقيل عثرتي. /والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته/٦. /وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً كثيراً/٧.
стр. 393
الرسالة السابعة عشرة: إلى عبد الله بن معيذر
حول كتاب الإحياء للغزالي
...
(الرِّسَالَةُ السَابِعَةُ عَشَرَةِ)
قال جامع الرسائل:
وله أيضاً قدس الله روحه، ونوّر ضريحه، رسالة إلى عبد الله بن معيذر٢،وقد كان بلغ الشيخ أنه كان يشتغل بكتاب الإحياء للغزالي٣، ويقرأ فيه عند العامة، وكان كتاب الإحياء مشتملاً على ما يمجُّ سماعه من التحريفات الجائرة، والتأويلات الضالة الخاسرة، وإن كان فيه بعض المباحث المستحسنة، لكن فيه من الداء الدفين والفلسفة في أصل الدين، ما تنفر عنه طباع الموحدين، ويخاف منه على ضعفاء البصائر من العامة والجاهلين، /فأجابه رحمه الله تعالى/٤ بما نصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلاّ على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، المَلِك الحق المبين؛ وأشهد أنّ /محمداً/٥ عبده ورسوله، الصادق الأمين، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، صلاة دائمةً مستمرةً، إلى يوم الدين، أما بعد:
стр. 394
فإنِّي رأيت بعض أهل وقتنا، يشتغل بكتاب الإحياء للغزالي، ويقرأ فيه عند العامة، وهو لا يحسن فهم معانيه، ولا يعرف ما تحت جمله ومبانيه، ليست له أهليّة، في تمييز الخبيث من الطيب، ولا دراية بما تحت ذاك البارق، من ريح عاتية، أو صيب.
فكتبت إليه نصيحة، وأرسلت إليه بعض أصحابه، وأرشدته إلى الدواوين الإسلامية، المشتملة على الأحاديث النبوية، والسير السلفية، والرقائق الوعظية، فلم يقبل، واستمرّ على رأيه، واعجب بنفسه، وأظهر ذلك لبعض من يجالسه، وحط من قدر الناهي له.
فكتبت إليه كتاباً، فلم يصغ، ولم يلتفت، وزعم أنه على بصيرة؛ وأبدى من هـ، جهله الأعاجيب الكثيرة؛ فأحببت أن أذكر للطلبة، والمستفيدين، بعض ما قاله أئمة الإسلام /والدين/١، في هذا الكتاب، المسمى بالإحياء ليكون الطالب، على بصيرة من أمره؛ ولئلاّ يلتبس عليه ما تحت عباراته، من زخرف القول.
وصورة ما كتبت أولاً: من٢ عبد اللطيف، بن عبد الرحمن، إلى الأخ عبد الله٣؛ سلام عليكم ورحمة الله، وبركاته؛ وبعد:
فقد بلغني عنك، ما يشغل كل من له حمية إسلامية، وغيرة دينيّة، على الملّة الحنيفية، وذلك أنك اشتغلت بالقراءة في كتاب الإحياء للغزالي؛ وجمعت عليه من لديك من الضعفاء، والعامة، الذين لا تمييز لهم بين مسائل الهداية والسعادة، ووسائل الكفر والشقاوة؛ وأسمعتهم ما في الإحياء، من التحريفات الجائرة، والتأويلات الضالة الخاسرة، والشقائق التي اشتملت على الداء الدفين، والفلسفة في أصل الدين.
وقد أمر الله تعالى، وأوجب على عباده أن يتبعوا رسله، وأن يلتزموا سبيل المؤمنين؛
стр. 395
وحرم اتخاذ الولائج، من دون الله ورسوله، ومن دون المؤمنين١؛ وهذا الأصل المحكم، لا قِوَام للإسلام إلا به؛ وقد سلك في الإحياء طريق الفلاسفة، والمتكلمين، في كثير من مباحث الإلهيات، وأصول الدين، وكسا الفلسفة لحاء الشريعة، حتى ظنّها الأغمار، والجهال، بالحقائق، من دين الله، الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، ودخل به الناس في الإسلام؛ وهي في الحقيقة محض فلسفة منتنة، يعرفها أولوا الأبصار، ويمجها من سلك سبيل أهل العلم كآفة، في القرى والأمصار.
وقد حذر أهل العلم، والبصيرة عن النظر فيها، ومطالعة خافيها، وباديها؛ بل أفتى بتحريقها علماء المغرب٢، ممن عُرِف بالسنة، وسمّاها كثيرٌ منهم إماتة علوم الدين٣ وقام ابن عقيل٤ أعظم قيام في الذم والتشنيع؛ وزيَّف ما فيه من التمويه والترقيع، وجزم بأنّ كثيراً من مباحثه زندقة خالصة، لا يقبل لصاحبها صرف ولا عدل٥.
стр. 396
قال شيخ الإسلام ﵀: (ولكن أبو حامد، دخل في أشياء من الفلسفة، وهي عند ابن عقيل زندقة؛ وقد ردّ عليه بعض ما دخل فيه من تأويلات الفلاسفة) .
وردّ عليه شيخ الإسلام في السبعينيّة ١، وذكر قوله، في العقول والنفوس، وأنه مذهب الفلاسفة، فأفاد وأجاد؛ وردّ عليه غيره من علماء الدين٢، وقال فيه تلميذه ابن العربي المالكي٣: شيخنا أبو حامد دخل في جوف الفلسفة، ثم أراد الخروج فلم يحسن.٤ وكلام أهل العلم معروف في هذا، لا يشكل إلاّ على من هو مزجى البضاعة، أجنبي من تلك الصناعة.
ومشائخنا تغمدهم الله برحمته مضوا على هذا السبيل والسنن، وقطعوا الوسائل إلى الزندقة والفلسفة والفتن، وأدَّبوا على ما هو دون ذلك، وأرشدوا الطالب إلى أوضح المناهج والمسالك، وشكرهم على ذلك كل صاحب سُنَّة، وممارسة للعلم النبوي.
стр. 397
وأنت قد خالفت سبيلهم، وخرجت عن منهاجهم، وضللت المحجّة؛ وخالفت مقتضى البرهان والحجة، واستغنيت برأيك، وانفردت بنفسك، عن المتوسمين بطلب العلم، المنتسبين إلى السنة؛ ما أقبح الحور بعد الكور، وما أوحش زوال النعم، وحلول النقم!
إذا سمعت بعض عباراته المزخرفة، قلت: كيف ينهانا عن هذا فلانٌ، أو يأمر بالإعراض عن هذا الشأن؟ كأنك سقطت على الدرّة المفقودة، والضالة المنشودة، وقد يكون ما أطربك، وهزّ أعطافك، وحرّكك فلسفة منتنة، وزندقة مبهمة، أُخرجت في قالب الأحاديث النبوية، والعبارات السلفيّة، فرحم الله عبداً عرف نفسه، ولم يغتر بجاهه، وأناب إلى الله، وخاف الطرد عن بابه، والإبعاد عن جنابه.
وينبغي للإمام -أيده الله- أن ينزع هذا الكتاب، من أيديكم؛ ويلزمكم بكتب السنة، من الأمهات الست، وغيرها، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ١ انتهى٢.
ثم جمعت أقوال أهل العلم، وما أفتوا به في هذا الكتاب، وتحذيرهم للطالب، والمسترشد. فمن ذلك: قول الذهبي٣ في ترجمته للغزالي: (وأخذ في تأليف الأصول، والفقه، والكلام، والحكمة، وأدخل سيلان ذهنه، في مضايق الكلام، ومزال الأقدام؛ ولله سرٌّ في خلقه. وساق الكلام إلى أن قال: ذكر هذا عبد الغافر٤، إلى أن قال: ثمّ حكي أنّه أنه راجع العلوم، وخاض في الفنون الدقيقة، والتقى بأربابها، حتى تفتحت له أبوابها، وبقي مدّة، وفتح عليه بابٌ من الخوف، بحيث شغله
стр. 398
عن كل شيء. إلى أن قال: ومما كان يعترض به عليه، وقوع خلل من جهة النحو، في أثناء كلامه، ورُوجِع فيه، فأنصف واعترف بأنه ما مارسه.
ومما نقم عليه، ما ذكر من الألفاظ المستبشعة بالفارسية في "كيمياء السعادة والعلوم"، وشرح بعض الصور والمسائل، بحيث لا يوافق مراسم الشرع، وظواهر ما عليه قواعد الملة؛ وكان الأولى به والحق أحق ما يقال ترك ذلك التصنيف، والإعراض عن الشرح له؛ فإنّ العوام ربما لا يحكمون أصول القواعد بالبراهين والحجج، فإذا سمعوا شيئاً من ذلك، تخيّلوا منه ما هو أضرّ بعقائدهم، وينسبون ذلك إلى بيان مذهب الأوائل) ١.
قال الذهبي: (ما /نقمه/٢ عبد الغافر، على أبي حامد في الكيمياء، فله أمثاله في غضون تواليفه، حتى قال أبو بكر بن العربي شيخنا أبو حامد، بلع /الفلاسفة/٣، وأراد أن يتقيّأهم فما استطاع) انتهى٤.
ومن معجم أبي علي الصدفي٥، /في/٦ /تأليف/٧ القاضي عياض٨ له، قال:
стр. 399
الشيخ أبو حامد، ذو الأنباء الشنيعة، والتصانيف العظيمة، غلا في طريق التصوّف، وتجرّد لنصر مذهبهم، وصار داهية في ذلك، وألّف فيه تواليفه المشهورة١، أخذ عليه فيها مواضع، وساءت به ظنون أمة، والله أعلم بسرِّه، ونُفِّذَ أمر السلطان عندنا بالمغرب، وفتوى الفقهاء بإحراقها، والبعد عنها، فامتثل ذلك.٢ انتهى.
ونقل أبو المظفر يوسف سبط ابن الجوزي٣، المتهم بالتشيّع، في كتابه: "رياض الأفهام" قال: "ذكر أبو حامد في كتابه: "سرُّ العالمين، وكشف ما في الدارين"، وقال في حديث: "من كنت مولاه فعلي مولاه" ٤ أن عمر قال لعلي: "بخ بخ، أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة"٥؛ قال أبو حامد: وهذا تسليم ورضا. ثم بعد هذا غلب عليه الهوى، حبّاً للرئاسة، /وعقداً لبنود، أمر الخلافة/٦، ونهيها فحملهم على الخلاف ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ٧،٨ وسرد
стр. 400
كثيراً من هذا الكلام /الفسل/١ الذي تزعُمُه الإمامية"٢.
قال الذهبي: (وما أدري ما عذره في هذا؟ /والظاهر/٣ /أنه/٤ رجع عنه، وتبع الحق) ٥.
قلت٦: هذا إن لم يكن هذا [من] ٧ وضع هذا، وما ذاك ببعيد، ففي هذا التأليف بلاياً، لا /تستطاب/٨.
قلت٩: ما ذكره الذهبي ممكن١٠، والغرض أنّ ما ينسب إلى هذا الرجل، لا يُغترُّ به، ويجب هجره، واطرحاه، لما في كتبه من الدَّاء العضال، والعثرات التي لا تُقَال.
قال الذهبي: (قد ألّف الرجل، في ذمّ الفلاسفة كتاب "التهافت" وكشف عوراتهم، ووافقهم في مواضع، ظناً منه أن ذلك حقّ، أو موافق للملّة، ولم يكن له علم بالآثار، ولا خبرة بالسنن النبوية، القاضية على العقل، وحُبِّب إليه إدمان النظر في
стр. 401
كتاب "رسائل إخوان الصفا"١ وهو داء عضالٌ، وجربٌ /مردٍ/٢، وسمٌّ /قتَّال/٣، ولولا أنّ أبا حامد من [كبار] ٤ الأذكياء، وخيار المخلصين، لتلف.
стр. 402
/فالحذر، الحذر/١، من هذه الكتب، واهربوا بدينكم من شُبَه الأوائل، وإلاّ وقعتم في الحيرة، فمن رام النجاة والفوز، /فليلتزم/٢ العبودية، /وليكثر/٣ الاستغاثة /بالله/٤، وليبتهل إلى مولاه، في الثبات على الإسلام، وأن يتوفَّ على إيمان الصحابة، /وسادة/٥ التابعين، والله الموفق، فبحسن قصد العالم، يغفر له، وينجو إن شاء الله تعالى) ٦.
وقال أبو عمر بن الصلاح٧:
стр. 403
[فصل] في بيان أشياء مهمة، أنكرت على أبي حامد:
ففي تأليفه أشياء /لم يرتضها/٨ أهل مذهبه، من الشذوذ؛ منها قوله في المنطق: (هو مقدّمة العلوم كلِّها، ومن لا يحيط به فلا ثقة له بمعلوم أصلاً) ٩.
قال١٠: فهذا مردود، إذ كل صحيح الذهن، منطقي بالطبع، وكم من إمام ما رفع بالمنطق رأساً.
стр. 404
فأما كتاب (المضنون به على غير أهله) ١ فمعاذ الله أن يكون له، شاهدت على نسخة منه، بخط القاضي كمال الدين، محمد بن عبد الله الشهرزوري٢، أنه موضوعٌ على الغزالي، وأنه مخترعٌ من كتاب (مقاصد الفلاسفة) ٣ وقد نقضه الرجل، بكتاب (التهافت) ٤.
وقال أحمد بن صالح الجيلي٥ في "تاريخه": (وقد رأيت كتاب "الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء" للمازَرِي٦، /أوّله/٧: الحمد لله الذي أنار الحق، وأداله، وأباد الباطل وأزاله؛ ثم أورد المازري أشياء مما /نقده/٨ على أبي حامد، يقول: ولقد أَعْجَبُ من قول مالكية، يرون /مالكاً/٩ الإمام، يهرب من التحديد، و/يجانب/١٠ أن يَرْسُم رسماً، وإن كان /فيه/١١ أثرٌ مَّا، أو قياسٌ مَّا، تورُّعاً،
стр. 405
و/تحفظاً/١ من الفتوى، فيما يحمِل الناسَ عليه، ثم يستحسنون من الرجل٢ فتاوى، مبناها على ما لا حقيقة له، وفيه كثيرٌ عن النبي ﷺ لفّق /فيه/٣ الثابت، بغير الثابت٤.
وكذا ما /أورد/٥ عن السلف، لا يمكن ثبوتُه كلُّه، وأورد من نزعات الأولياء، ونفثات الأصفياء، ما يجلُّ موقعه، ولكن مزج فيه النافع بالضار؛ كإطلاقات يحكيها عن بعضهم، لا يجوز إطلاقها لشناعتها، وإن أُخذت معانيها على ظواهرها، كانت كالرموز لقدح٦ الملحدين، ولا تنصرف معانيها إلى الحق، إلاّ بتعسُّفٍ، على أن اللفظ مما لا يتكلّف العلماء مثله، إلاّ في كلام صاحب الشرع، الذي اضطرّت المعجزاتُ -الدالة على صدقه، المانعة من جهله وكذبه- إلى طلب التأويل٧، كقوله:
стр. 406
(إن القلوب بين أُصْبُعَيْنِ من أصابع الرَّحمن) ١ و (إنّ السَّموات على إِصَبع) ٢، وكقوله: (لأحرقت سبحات وجهه) ٣ وكقوله: (يضحك الله ... ) ٤ إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة، ظاهرها بما أحاله العقل٥، إلى أن قال: فإذا كانت العصمة
стр. 407
غير مقطوع بها في حق الولي، فلا وجه لإضافة ما لا يجوز إطلاقه إليه، إلاّ أن يَثبُت، وتدعو ضرورةٌ إلى نقله، فيتأول؛ إلى أن قال: ألا ترى لو أنّ منصفاً، أخذ يحكي عن بعض الحشويّة١، مذهبه في قدم الصوت والحرف٢، وقدم الورق، لما حسن به أن يقول: قال بعض المحققين، إنّ القارىء، إذا قرأ كتاب الله، عاد القارىء في نفسه قديماً، بعد أن كان محدثاً؛ /أو قال/٣ بعض الحذاق: إنّ الله محلّ للحوادث، إذا أَخَذَ في حكاية مذاهب الكرَّامية ٤.
стр. 408
وقال قاضي الجماعة أبو عبد الله بن /أحمد/١ القرطبي٢: إنّ بعض من يَعِظُ، ممن كان ينتحل رسم الفقه، ثمّ تبرّأ منه شغفاً بالشريعة الغزاليَّة، والنِّحلة الصُّوفَّية، أنشأ كُراسة تشتمل على معنى التعصب، لكتاب أبي حامد، إمام بدعتهم؛ فأين هو من تشنيع مناكيره، وتضليل أساطيره المباينة للدين؟ وزعم أنّ هذا من علم المعاملة، المفضي إلى علم المكاشفة٣، الواقع بهم على سرِّ الرُّبوبيّة، الذي لا يُسفر عن قناعه، ولا يفوز بإطلاعه، إلاّ من تمطَّى /إلى/٤ شيخ ضلالته، التي رفع لهم أعلامَها، وشَرَعَ أحكامَها ٥.
قال أبو حامد: وأدنى [النصيب] ٦ من هذا العلم التصديق به، وأقلّ عقوبته أن لا يرزق المنكرُ منه شيئاً، فأعرض /من/٧ قوله، على قوله، ولا تشتغل بقراءة قرآن، ولا بكتب حديث، لأنّ ذلك يقطعه عن الوصول إلى إدخال رأسه في كمِّ جيبه، والتدثُّر بكسائه، فيسمع نداء الحق؛ فهو يقول: ذروا ما كان السلف عليه، وبادروا إلى ما آمركم به٨، ثم إنّ القاضي أقذع٩، وسبَّ، وكفَّر١٠.
стр. 409
قال أبو حامد: (وصدور الأحرار، قبور الأسرار، ومن أفشى سرَّ الربوبية كفر) ١.
ورأى مثل قتل الحلاج٢ /خيراً/٣ من إحياء عشرة، لإطلاقه ألفاظاً.
ونقل عن بعضهم،٤ قال: (للرُّبوبيّة سرٌّ٥ لو ظهر، لبطلت النبوَّة؛ وللنبُّوّة سرّ لو كُشِفَ، لبطل العلم؛ وللعلم سرٌّ لو كُشِفَ لبطلت الأحكام) ٦.
قلت٧: سرُّ العلم قد كُشف /لصوفة/٨ أشقياء، فانحلَّ النظام، وبطل لديهم الحلال والحرام.
قال ابن أحمد٩: ثم قال الغزالي، القائل بهذا إن لم يرد إبطال النبوّة في حقّ الضعفاء، فما قال ليس بحقٍّ؛ فإنَّ الصحيح لا يتناقض؛ وإنَّ الكامل لا يطفىء نورُ معرفته نورَ ورعه١٠.
وقال الغزالي: (العارف يتجلّى له أنوار الحق، وتنكشف له العلوم المرموزة، المحجوبة
стр. 410
عن الخلق؛ فيعرف معنى النبوَّة، وجميع ما وردت به ألفاظ الشريعة، التي نحن منها على ظاهرها) ١.
قال عن بعضهم: إذا رأيته في البداية قلت: صديقاً؛ فإذا رأيته في النهاية قلت: زنديقاً. ثم فسَّر الغزالي، فقال: إذا اسم الزنديق لا يُلصق إلاّ بمعطِّل الفرائض، لا بمعطِّل النوافل. وقال: وذهبت الصوفية إلى العلوم الإلهامية، دون التعليمية؛ فيجلس فارغَ القلب، مجموع الهم، فيقول: الله، الله، الله،٢ على الدوام؛ فيتفرغ قلبه، ولا يشتغل بتلاوة، ولا كتب حديث؛ فإذا بلغ هذا الحد، التزم الخلوة ببيت مظلم، ويتدثَّر بكسائه، فحينئذٍ: يسمع نداء الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ٣، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ٤.٥
قلتُ٦: إنما سمع شيطاناً، أو سمع شيئاً لا حقيقة له، من طيش دماغه، والتوفيق في الاعتصام بالكتاب، والسنة، والإجماع.
قال أبو بكر الطرطوشي٧: شحن أبو حامد كتاب الإحياء بالكذب على رسول الله ﷺ ، وما على بسط الأرض أكثر كذباً منه، شبكه بمذاهب
стр. 411
الفلاسفة؛ ومعاني رسائل إخوان الصفا١؛ وهم قوم يرون النبوّة مكتسبة؛ وزعموا أنَّ المعجزات، حيل ومخاريق٢؛ قال ابن عساكر٣: (حجَّ أبو حامد، وأقام بالشام نحواً من عشرين سنة، وصنّف، وأخذ نفسه بالمجاهدة، وكان مقامه بدمشق، في المنارة الغربية من الجامع، سمع (صحيح البخاري) ، من أبي سهل /الحمصي/٤، وقدم دمشق في سنة تسع وثمانين) ٥.
وقال ابن /خَلِّكَان/٦: (بعثه النِّظَام٧ على مدرسته ببغداد، في سنة أربع وثمانين، وتركها في سنة ثمان وثمانين، وزهد، وحجَّ، وأقام بدمشق مدة بالزاوية الغربية، ثم انتقل إلى بيت المقدس يتعبّد، ثم قصد مصر، وأقام مدّة بالإسكندرية، فقيل: عزم على المضيّ إلى يوسف بن تاشفين٨، سلطان مراكش، فبلغه نعيه ثم عاد إلى
стр. 412
الطوس، وصنَّف (البسيط) ، و (الوسيط) ، و (الوجيز) ، و (الخلاصة) ، و (الإحياء) ، وألف (المستصفى) ، في أصول الفقه، و (المنخول) ، و (اللباب) ، و (المنتحل في الجدل) ، و (تهافت الفلاسفة) ، و (محك النظر) ، و (معيار العلم) ، و (شرح الأسماء الحسنى) ، و (مشكاة الأنوار) ، و (المنقذ١ من الضلال) ، و (حقيقة القولين) ، وأشياء٢، انتهى.
قال عبد الله بن علي الأشيري٣: سمعت عبد المؤمن٤ بن علي /القيسي/٥، سمعت /أبا/٦ عبد الله بن تومرت٧، يقول: أبو حامد الغزالي، قرع الباب، وفتح لنا.٨
стр. 413
قال: أبو محمد العثماني١، وغيره، سمعنا محمد بن يحيي العذري٢، المؤدِّب يقول: رأيت بالإسكندرية، سنة خمسمائة، كأنّ الشمس طلعت من مغربها، فعبّرها لي عابرٌ، ببدعة تحدث فيهم، فبعد أيام٣ وصل الخبر، بإحراق كتب الغزالي من المّرِيَّة٤.٥
قال أبو بكر بن العربي، (في شرح الأسماء الحسنى) : قال شيخنا أبو حامد قولاً عظيماً، انتقده٦ عليه العلماء، /قال/٧: وليس في قدرة الله تعالى، أبدع من هذا العالم، في الإِتقان والحكمة، ولو كان في القدرة أبدع، أو أحكم منه، ولم يفعله، لكان ذلك منه قضاءً للجور، وذلك محال٨.
ثم قال٩: والجواب أنه باعد في اعتقاد عموم القدرة، ونفي النهاية، عن تقدير المقدورات المتعلقة بها، ولكن /في تفصيل هذا العلم/١٠ المخلوق، لا في سواه؛ وهذا رأي فلسفي، قَصَدَت به الفلاسفة قلبَ الحقائق، ونسبة الإِتقان إلى الحياة مثلاً؛ والوجود إلى السمع والبصر، حتى لا يبقى في القلوب سبيلٌ إلى الصواب.
وأجتمعت الأمة على خلاف هذا الاعتقاد، وقالت عن بكرة أبيها: إنّ المقدورات لا نهاية لها بكل مقدور الوجود، لا بكل حاصل الوجود، إذ القدرة صالحة.
стр. 414
ثم قال: هذه وهلةٌ لا لعاً بها١، و/مزلةٌ/٢ لا /تماسك/٣ فيها، ونحن وإن كنَّا نقطةً من بحره، فإنا لا نردُّ عليه إلا بقوله٤.
ومما أُخذ عليه: قوله: إنَّ للقدر سراً /نُهينا/٥ عن إفشائه٦.
فأي سرًّ للقدر؟ فإن كان مدركاً بالخبر، فما ثبت فيه شيءٌ، وإن كان يدرك بالحيل والعرفان، فهذه دعوى محضة، فلعله عنى بإفشائه: أن تعمَّق في القدر، وبحث فيه٧.
قال الذهبي: أنبأنا محمد بن عبد الكريم٨، أنبأنا أبو الحسن السخاوي٩، أنبأنا حطاب بن قمريّة الصوفي١٠، أنبأنا سعد بن أحمد الاسفرائيني١١ بقراءتي، أنبأنا أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الطوسي١٢، قال: اعلم أنّ الدين شطران، أحدهما ترك المناهي، والآخر فعل الطاعات، وترك المناهي هو الأشد، والطاعات يقدر عليها
стр. 415
كل أحد، وترك الشَّهوات لا يقدر عليه إلاّ الصدِّيقون١.
وكذلك قال أبو عامر العبدري٢: سمعت أبا نصر، أحمد بن محمد بن عبد القاهر الطوسي٣، يحلف بالله أنه أبصر في نومه، كأنّه ينظر في كتب الغزالي، فإذا هي كلِّها تصاوير٤.
وقال /محمد بن الوليد/٥ الطرطوشي٦، في رسالته إلى ابن المظفر٧، فأما ما ذكرت من أبي حامد، فقد رأيته وكلمته، فرأيته٨ جليلاً من أهل العلم، واجتمع فيه العقل والفهم، ومارس العلوم طول عمره، وكان على ذلك معظم زمانه، ثم بدا له عن طريقة العلماء، ودخل في غُمار العُمَّال، ثم تصوَّف، وهجر العلوم، وأهلها، ودخل في علوم الخواطر، وأرباب القلوب، ووساوس الشيطان، ثم شابها بآراء الفلاسفة، ورموز الحلاِّج، وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلمين، ولقد كاد أن ينسلخ من الدين، فلما عمل "الإحياء" عمد أن يتكلّم في علوم الأحوال، ومرامز الصوفية، وكان غير أنيس بها، ولا بمعرفتها، فسقط على أم رأسه، وشحن كتابه بالموضوعات٩.
стр. 416
قال الذهبي بعد أن ساق كلام ابن الوليد الطرطوشي: قلت: (أما "الإِحياء" فقيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خيرٌ كثيرٌ، لولا ما فيه من الآداب ورسوم، وزهد من طريق الحكماء، ومنحرفي الصوفيّة؛ نسأل الله علماً نافعاً؛ تدري ما العلم النافع؟ هو ما نزل به القران، وفسّره رسول الله ﷺ قولاً، وفعلاً، ولم يأت نهي عنه؛ قال ﵇: (من رغب عن سنتي فليس منِّي) ١ فعليك يا أخي بتدبُّر كتاب الله، وبإدمان النظر في الصحيحين، وسنن النسائي٢، ورياض النووي٣، وأذكاره، تفلح وتنجح، وإيَّاك وآراء عبَّاد الفلاسفة، ووظائف أهل الرياضات٤، وجوعَ الرهبان، وطاب طيش رؤوس أصحاب الخلوات؛ فكل الخير في متابعة الحنيفية السمحة، فوا غوثاه بالله؛ /اللَّهُمَّ اهدنا إلى صراطك المستقيم/٥) ٦، انتهى.
стр. 417
ولمحمد بن علي /المازَرِي/١ /الصّقيلِّي/٢، كلامٌ على (الإِحياء) ، قال فيه: قد تكررت مكاتبتكم في استعلام مذهبنا، في الكتاب المترجم بـ (إحياء علوم الدين) ، وذكرتم أنّ آراء الناس فيه قد اختلفت، فطائفة انتصرت، وتعصّبت لإِشهاره، وطائفة حذّرت منه، ونفّرت، وطائفة لكُتُبِه أحرقت. و/كاتَبَني/٣ أهل المشرق أيضاً /يسألونني/٤، ولم يتقدّم لي قراءةُ هذا الكتاب، سوى نبذة منه، فإن نفَّس الله في العمر، مددتُ /فيه/٥ الأنفاس، وأزلتُ عن القلوب الالتباس.
اعلموا أنّ هذا٦ [الرَّجل، وإن لم أكن قد قرأت كتابه، فقد] ٧ رأيت تلامذته، فكل منهم حكى لي نوعاً من حاله، ما قام مَقام العِيَانِ، فأنا أقتصر على ذكرِ حاله، وحال كتابه، و/ذكرِ جُمَلٍ/٨ من مذاهب الموحِّدين، والمتصوِّفة، وأصحاب الإِشارات، والفلاسفة، فإن كتابه متردد بين /هذه/٩ الطرائق.
ثم قال١٠: وأما علم الكلام الذي هو أصل الدين١١، فإنه صنّف فيه، وليس بالمتبحر فيها، ولقد فَطِنْتُ لعدم استبحاره فيها، وذلك أنه قرأ علوم الفلسفة، قبل
стр. 418
استبحاره في فنّ الأصول، فأكسبته الفلسفة جراءةً على المعاني، وتسهيلاً للهجوم على الحقائق، لأنّ الفلاسفة تمرُّ مع خواطرها، لا يزعها شرعٌ.
وعرَّفني صاحب له، أنه كان له عكوف على (رسائل إخوان الصفا) ؛ وهي إحدى وخمسون رسالة؛ ألَّفها من قد خاض في علم الشرع، والنقل، وفي الحكمة؛ فمزج بين العلمين، وقد كان رجلٌ يُعَرفُ بابن سينا١، ملأ الدنيا تصانيفَ، أدَّته قوَّته في الفلسفة، إلى أن حاول ردّ أصول العقائد إلى علم الفلسفة، وتلطَّف جُهْدَه، حتى تمَّ له ما لم يتم لغيره٢.
ورأيت هذا آخر /الموجود/٣ من هذه الرسالة، /وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم/٤.
الرسالة الثامنة عشرة: إلى صالح بن عثمان بن عقيل
...
(الرِّسَالَةُ الثَامِنَةُ عَشَرَةِ)
قال جامع الرسائل:
وله أيضاً –قدس الله روحه ونوّر ضريحه- رسالة إلى صالح بن عثمان ابن عقيل١، [سأله٢ عن السّمْتِ والهدي والاقتصاد، وعن التؤدة، وعن الرؤيا التي ذُكرت في الأحاديث ما معناها، وهل هذه الخصال جزء من أربع وعشرين جزء من النبوّة فأجابه –﵀ وعفا عنه-] ٣ /بما نصه/٤:٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم صالح بن عثمان بن عقيل –سلّمه الله تعالى- وتولاّنا وإيّاه في الدنيا والآخرة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ أما بعد: فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، على ما أنعم به من سوابغ نعمه، وألبس من ملابس فضله وكرمه، جعلنا الله وإيّاكم ممن عرف نعمة الله عليه، فاستعان بها فيما يقرِّبه إليه.
والوصية الجامعة العظمى، ما أوصى الله به سبحانه من التقوى، وتفاصيلها على القلوب والجوارح بحسب الأحوال والأوقات، لا يخفى على من له /به/٦ اهتمام، وله إليه التفات، والأحاديث التي سألت عن معناها٧، قد تكلم عليها
стр. 423
بعض العلماء بما حاصله: أنَّ السَّمْت١ والهدي، في حالة الرجل ومذهبه وخلقه، وأصل السمت في اللغة: الطريق المنقاد٢، ثم نقل لحالة الرجل وطريقته في المذهب والخلق.
والاقتصاد: سلوك القصد في الأمر، والدخول فيه برفق، وعلى سبيل يمكن الدوام عليه٣، وأمّا التؤدة: فهي التأنِّي والتمهُّل، وترك العجلة وسبق الفكر والرؤية للتلبس في الأمور.
وأما كون هذه الخصال /جزءاً/٤ من أربع وعشرين /جزءاً/٥ من النبوة، فقد قيل: إنّ هذه الخلال من شمائل الأنبياء ﵈، ومن الخصال المعدودة من
стр. 424
خصالهم، /وأنها/١ جزء من أجزاء فضائلهم، فاقتدوا بهم فيها، وتابعوهم عليها قالوا: وليس معنى الحديث أن النبوّة تتجزّأ، ولا أنَّ من جمع هذه الخلال كان فيه جزء من النبوّة؛ فإنَّ النبوة غير مكتسبة، ولا مجتلبة بالأسباب٢، وإنما هي كرامة من الله تعالى، وخصوصيّة لمن أراد الله إكرامه من عباده، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٣، فقد انقطعت النبوّة بمحمد ﷺ .٤
وفيه وجه آخر وهو: أن يكون معنى النبوة ها هنا، ما جاءت به النبوّة، ودعت إليه
стр. 425
الأنبياء ﵈؛ يعني أن هذه الخلال من خمسة وعشرين جزءاً مما جاءت به النبوّات، ودعت إليه الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقد أُمرنا بإتباعهم في قوله : ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ١.
قالوا: وقد يحتمل وجهاً آخر وهو: أن من اجتمعت له هذه الخصال، لقيه الناس بالتعظيم والتوقير، وألبسه الله لباس التقوى، الذي يلبسه أنبياءه، فكأنّها جزءٌ من النبوّة٢.
قلت: وما قبل هذا أليق بمعنى الحديث.
وأما حديث الرُّؤيا٣، فقيل٤، معناه: تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده، وهو جزء من أجزاء النبوّة في الأنبياء صلوات الله عليهم دون غيرهم، لأنَّ رؤيا الأنبياء وحيٌ. قال عمرو بن دينار٥ عن عبيد بن عمير٦: (رؤيا الأنبياء ﵈ وحيٌ، وقرأ قوله : ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ ٧) .٨