فإن الأخير مبطل للأول/١. فإن قلت: الشبه ليس من كل الوجوه، بل من حيث الرجوع إلى الحق؛ قلت: لأي شيء عدلت عن قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ ٢ والعدول عن الدليل الصريح المطابق من كل الوجوه، يقدح في فهم الرجل وتأليفه.
ثم إنك تقول: اعلم أني –بحمد الله- غير مستنكف عن قبول الحق، ولا متسكبر ولا مستحقر.
وأقول: أي كبر أعظم وأدهى من أنفة الرجل أن يدعي إلى الله ظاهرا، ويرد قوله الذي/قد/٣ شاع، ونسخ جهارا، ويعد هو خطاياه وذنوبه، من باب الاجتهاد، وقد اعرضنا عن غير ذلك من علامات بطر الحق.
وأما كون شيخنا الوالد صرح باسمك في الرياض، فهو منه/اهتمام/٤ بالواجب الشرعي، فإن الرجل إذا خيف أن يفتتن به الجهال، ومن لا تمييز عندهم في نقد أقاويل الرجال، فحينئذ يتعين الإعلان بالإنكار، والدعوة إلى الله في السر والجهار، ليعرف الباطل فيحتنب، وتهجر مواقع التهم والريب. ولو طالعت كتب الجرح والتعديل، وما قاله أئمة التحقيق والتأصيل، فيمن التهم بشيء يقدح فيه، أو يحط من رتبة ما يحدث به ويرويه، لرأيت من ذلك عجبا، ولعرفت أن سعي الشيخ/محمود/٥ قولا وسببا.
ثم إنك تذكر أن الرد صار للعوام والطغام سلما للوقيعة في أعراض علماء الإسلام. وفي هذا من تزكية نفسك والتنويه بذكرها ما لا يخفى، وما أظن عالما يقول أنا عالم. وقد قال عمر ﵁: من قال: أنا عالم، فهو جاهل؛ ومن قال: أنا مؤمن،
стр. 597
فهو كافر؛ ومن قال: أنا في الجنة، فهو في النار، انتهى١.
والعالم من يخشى اله، وهذا مأخوذ من قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٢ فإن الآية تقتضي حصر العلماء في أهل الخشية، كما تقتضي حصر الخشية في العلماء؛ وحقيقة العلم هو ما جاءت به الرسل من معرفة الله سبحانه بصفات الكمال ونعوت الجلال، وإثباتا لا تعطيلا، وتنزيها لا تمثيلا، وذلك يقتضي من إسلام الوجه له، والتبتل إليه وحده لا شريك له، حبا وإجلالا وتعظيما وذلا وإخلاصا وانقيادا؛ وهو محسن في ذلك بعدم الانحراف عما جاءت به الرسل، طاعة لهم وتكريما، وهذا أيضا يقتضي العلم بالأوامر الشرعية، لأن الجاهل لا يحسن السير.
ولا بد في العلم بهذا من النفوذ إلى ما جاءت به الرسل، فيعرف الحكم٣ من دليله. وأما غير ذلك من أنواع العلوم التي أحدثت بعد خير القرون، في العقائد والعبادة بما لم يشرعن كما عليه كثير ممن يدعي العلم في باب معرفة الله سبحانه/وتعالى/٤ فإنهم أخذوا العقيدة في هذا الباب عن أهل القوانين الكلامية كالجهمية وغيرهم ممن خرج عن العقائد السلفية. وكما عليه كثير من أهل الطريق والتصوف، فإنهم أحدثوا من التعبد بالذوق والعقول، ما لم ترد به هذه الشريعة، وكذلك من اقتصر على تقليد المتأخرين في الأحكام، ولم يلتفت إلى أخذ الحكم من هدي سيد الأنام؛ فهذا ونحوه-وإن جاز لهم التقليد- فليسوا من أهل العلم بالإجماع، كما حكاه الحافظ ابن عبد البر٥ ﵀.
وبالجملة، لو عرفت حقيقة العلم، لأحجمت عن عد نفسك من أهله، ولأيقنت أن
стр. 598
من ابتغى معرفة الله سبحانه/ وتعالى/١ مما نصبه مشايخ اليونان والفلاسفة، من الأدلة العقلية، والموازين الكلامية وأخذ عن تلامذتهم الذين نشأوا على ملتهم، ودانوا ببدعتهم، ولم يلتفت إلى ما/ جاء به الوحي/٢ من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، زاعما/منه/٣ بأنها ظواهر لفظية، ومجازات لغوية، وأن قانون المنطق هو القواطع العقلية والبراهين الجلية، وأن ما جاءت به الكتب، وأخبرت به الرسل من صفات الله، معدود من متشابه الكلام، مصروف عن حقيقة عند ذوي البصائر والأفهام، فنفى لذلك صفات الكمال، وأغرب في سلب نعوت الجلال، وأصاف إلى ذلك تقليد مشايخه في الأحكام والفروع، فلم يأخذ من هدي الرسل العلم المتبوع.
فهذا ونحوه من أضل الناس وأبعدهم عن هدي المرسلين، فضلا عن أن يكون من علماء المسلمين، وإن انضم إلى ذلك الضلال عن معرفة توحيد العباد، الذي هو فعل العبد وعمله وكسبه، فاتخذ الآلهة من دون الله/أربابا/٤ فأحبهم كحب الله، وذل وخضع واستغاث واستعان، وذبح لغير الله القربان، وحلف تعظيما وتفخيما، وجراء أن يكون الند له شفيعا وعونا.
فهناك تشتد الرزية وتعظم البلية، ويعلم أن هؤلاء الضرب من الناس بينهم وبين الإسلام أبعد بون، وأن الأمر كما قيل:
نزلوا بمكة من قبائل هاشم ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل٥
والمقام يستدعي أكثر من هذا، ولكن العاقل يسير فينظر. والسلف قد أنكروا على من سماهم علماء، فما بالك بمن سمى نفسه عالما، وتشبع بما لمي يعط! نعوذ بالله من الخذلان.
стр. 599
هذا، وفي رسالتك شيء من الهمز والتصنع والمداهنة، والغش والحقد وعدم التثبت. وأن الأولى الإسرار إليك وترك ما كتبته. وكذلك في تسمية من خاض في هذا –أعوام ١ أهل لغو- بالفضول ما لا يخفى على أرباب العقول، ولو شئت أن أبين لك من الأولى بذلك كله، فأقيم لك البراهين على انك متصف به لفعلت، وسجلت وقررت وحققت، ولكن سأترك ذلك ليوم تبدو فيه السرائر، ويظهر الله مكنون الضمائر. ولو صرحت بما في نفسك من الرد، وسجلت وناضلت، لكان أليق بك، فإن من أظهر ما في نفسه، حري بالرجوع إلى الحق، بخلاف من كتم وداهن، كما قيل:
فلست أرى إلا عدوا محاربا ... /و/٢ آخر خيرا منه عندي المحارب٣
وكان قصدي منك أيها الشيخ أن تكتب ما تعتقده، وتدع التزكية والعتاب، وتطرح كل شك وارتياب، فغن ذلك أجمع للقلوب وأقرب للاتفاق، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ٤. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 600
الرسالة الخامسة والثلاثون: إلى بعض الولاة توسم فيه محبة الخير
...
"الرسالة الخامسة والثلاثون"١
قال جامع الرسائل:
وله أيضا/ -قدس الله روحه، ونور ضريحه-/٢ رسالة؛ وهذا صورة ما وجدته مرسوما، ووضع ما ألفيته مرقوما،/كتبه/٣ شيخنا عبد اللطيف بن عبد الرحمن –أدام الله إفادته –إلى بعض الولاة بسبب أنه توسم فيه محبة الخير.
وقبولا للنصيحة: ما صورته٤ حفظه الله من طوائف الشيطان، ووفقه للعلم والإيمان:
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ونحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، على ما أسبغ علينا من جزيل نعمائه./واعلم أنه ما حملني على مكاتبتك وابتدائك بالخطاب إلا/٥ ما بلغني عنك من الميل إلى الإسلام والسنة، ومحبة أهله ونصرتهم، وهذا من أجل النعم وأفضل العطايا الإلهية، والمنح الربانية، وأنت في مكان وزمان قل خيره، وكثر شره وقبض فيه العلم وفشا الجهل، وكثر الجدال والمراء وتطاولت أهل البدع والأهواء، فإن منَّ الله عليك بقبول الإسلام والسنة ونصرتهما، ومحبة أهلها والقيام بما أمر الله به من أداء الواجبات، وترك الفواحش والمنكرات؛ رجوت لك الظهور والنصر، والإقبال في الدنيا
стр. 601
والآخرة. وربما كثر لديك/محبوا/١ الدين، والقائم به، واستأنس بك أهل الخير، وصرت حصنا ومعقلا يرجع إليه في نصرة الدين.
ولعمر الله إن هذا من أفضل شعب الإيمان الواجبة، وأعلاها وأحبها إلى الله وأسناها، بل هو أفضل من نوافل العبادة القاصرة. وأين تقع النوافل، ومتى ينتفع بها من أهل نصرة الإسلام والسنة، مع القدرة على ذلك؟ وهل يرجى الخير من رجل يرى حرمات الله تنتهك، ودينه يمتهن، وسنة نبيه تترك وتطرح، ولا يجد من نفسه حمية ولا غيرة، ولا أُنفة من ترك دين الله، ومن معصيته، وهجر ما جاء به رسوله من توحيد الله تعالى والإيمان به؟! هذا الصنف لا يرجى خيره، وإن زعم أنه من عباده المؤمنين الأفراد، فتأمل هذا وليكن منك على بال، قول الشاعر:
قد/رشحوك/٢ لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل ٣
/هذا، وشيخنا الوالد المكرم، والإمام ينهيان السلام والسلام/٤ وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 602
الرسالة السادسة والثلاثون: إلى عبد الله بن جريس
...
"الرسالة السادسة والثلاثون"١
قال جامع الرسائل:
وله أيضا – قدس الله روحه، ونور ضريحه - رسالة إلى عبد الله بن علي بن جريس٢، وقد راسله عبد الله يسأله عما يورده بعض الملحدين، أن شيخ الإسلام ابن تيمية –قدس الله روحه ونور ضريحه- ذكر أن الإمام أحمد –﵀ كان يصلي خلف الجهمية ٣.
فأجاب –﵀ بما يكفي ويشفي، وأن الصلاة خلفهم –لا سيما صلاة الجمعة- لا تنافي القول بتكفيرهم، حيث لا يمكن الصلاة خلف غيرهم. وأما مع إمكان الصلاة خلف غيرهم، فلا لكن إن صلى خلفهم فعليه الإعادة. وهذا نص الجواب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ عبد الله بن علي بن جريس، ألهمه الله الرشد في أمره والكيس.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 603
/والخط/١ وصل، وسرنا عافيتكم. وحال أهل عمان ما تخفاكم، قل/ العلم/٢ وفشا الجهل، وتجاسر المبتدعة. والواجب التجرد للدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله حسب الطاقة، ولا سيما بالحجة والبيان. وأحق خلق الله بالجهاد، من يليكم من الجهمية الضلال، ونشر العلم وبيان السنة من أوجب الواجبات. ووصل إلينا السؤال الذي يورده بعض الملحدين. وهو أنه: /نُسب إلى/٣ شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀ أنه ذكر عن الإمام أحمد –﵀ أنه كان يصلي خلف الجهمية.
وجواب هذا لم سُلم، من /أوضح/٤ الواضحات عند طلبة العلم/ وأهل الأثر، وذلك أن الإمام أحمد وأمثاله من أهل العلم/٥ والحديث، لا يختلفون في تكفير الجهمية، وأنهم ضلال زنادقة٦. وقد ذكر من صنف في السنة، تكفيرهم عن عامة أهل العلم والأثر ٧ وعدَّ اللالكائي –رحمه الله تعالى- منهم عددا يتعذر ذكرهم في هذه الرسالة ٨ وكذا ابن الإمام أحمد عبد الله في كتاب السنة٩ والخلال /في كتاب السنة/١٠ /وابن أبي مليكة ١١
стр. 604
في كتاب السنة/١ وإمام الأئمة ابن خزيمة٢ قرر كفرهم، ونقله عن أساطين الأئمة.
وقد حكى كفرهم شمس الدين ابن القيم في كافيته عن خمسمائة من أئمة المسلمين وعلمائهم٣.
والصلاة خلفهم لا سيما صلاة الجمعة٤ لا تنافي القول بتكفيرهم، لكن تجب الإعادة٥ حيث لا تمكن الصلاة خلف غيرهم٦. والرواية المشهورة عن الإمام
стр. 605
أحمد هي: المنع من الصلاة خلفهم١.
وقد يُفرق٢ بين من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها، وبين من لا شعور له بذلك، وهذا القول يميل إليه شيخ الإسلام في المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس٣. وعلى هذا القول، فالجهمية في هذه الأزمنة قد بغلتهم الحجة، وظهر الدليل وعرفوا ما عليه أهل السنة، واشتهرت الأحاديث النبوية، وظهرت ظهورا ليس بعده إلا المكابرة والعناد؛ وهذا حقيقة الكفر والإلحاد كيف لا وقولهم يقتضي/من/٤ تعطيل الذات والصفات، والكفر بما اتفقت عليه الرسالة والنبوات، وشهدت به الفطر السليمات ما لا يبقى معه حقيقة للربوبية والإلهية، ولا وجود للذات المقدسة المتصفة بجميل الصفات، وهم إنما يعبدون عدما لا حقيقة لوجوده٥؛ ويعتمدون من الخيالات
стр. 606
والشبه ما لا يعلم فساده بضرورة العقل، /وبالضرورة/١ من دين الإسلام عند من عرفه، وعرف ما جاءت به الرسل من الإثبات، ولبشر المريسي٢ /وأمثاله/٣ من الشبه والكلام في نفي الصفات، ما هو من جنس هذا المذكور عند الجهمية المتأخرين؛ بل/كلامه/٤ أخف إلحاداً من بعض هؤلاء الضلال، ومع ذلك فأهل العلم متفقون على تكفيره؛ وعلى أن الصلاة لا تصح خلف كافر جهمي أو غيره.
وقد صرح الإمام أحمد فيما نقل عنه ابنه عبد الله وغيره، أنه كان يعيد صلاة الجمعة وغيرها٥. وقد يفعله المؤمن مع غيرهم من المرتدين إذا كانت لهم شكة ودولة، والنصوص في ذلك معروفة مشهورة، نحيل طالب العلم إلى أماكنها ومظانها٦.
وبهذا ظهر الجواب عن السؤال الذي وصل منكم. ورسالتك وصلت، وسرنا
стр. 607
حسن جوابكم وما فيها من النقول عن أهل العلم،/ونرجو/١ أن الله يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. /بلغ سلامنا الإخوان والأعيان من أهل السنة، وشيخنا الوالد –حفظه الله –والإمام عبد الله بخير وينهيان السلام./٢ / وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم/٣.
стр. 608
الرسالة السابعة والثلاثون: إلى منيف بن نشاط وقج أشتكى غربة الإسلام
...
﴿الرسالة السابعة والثلاثون﴾ ١
قال جامع الرسائل:
وله أيضا –قدس الله روحه، ونور ضريحه- رسالة إلى منيف بن نشاط، وقد اشتكى إليه منيف، غربة الإسلام- وذكر في رسالته ونظمه معتقده، وما هو عليه من الدعوة إلى دين الله، ومكابدة أعداء الله.
فأجابه الشيخ –﵀/تعالى/٢ يحرضه ويحضه على الاستقامة على هذا المعتقد السليم، ومجانبة أصحاب الجحيم، وعلى الاجتهاد في طلب العلم وتعليمه، والدعوة إلى دين الله وسبيله، وأن ما ذكره في شأن الأعراب من الفرق بين من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، ومن لم يستحل، هو الذي عليه العمل، وإليه المرجع عند أهل العلم، يعني أن من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، ورأى أن حكم الطاغوت أحسن من حكم الله، وأن الحضر لا يعرفون إلا حكم المواريث، وأن ما هم عليه من السوالف ٣ والعادات هو الحق، فمن اعتقد هذا فهو كافر.
وأما من لا يستحل هذا، ويرى أن حكم الطاغوت باطل، وأن حكم الله ورسوله هو الحق، فهذا لا يكفر، ولا يخرج من الإسلام. ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ ٤. وهذا نص الجواب:
стр. 609
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم منيف بن نشاط سلمه الله تعالى وشد حبله بالعروة الوثقى، وأناط ومنّ عليه بالتزام التوحيد والفرح به والاغتباط.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، واسأله اللطيف بي وبكم، في تيسير كل عسير مما جرت به الأقضية الربانية والمقادير. وأحوالنا على ما تعهد من الصحة والسلامة وترادف النعم، لولا غلبة الإعراض عن شكر تلك النعم والتقصير، نشكو إلى الله قلوبنا القاسية، ونفوسنا الظالمة، فنعم المشتكى ونعم المولى ونعم النصير.
وكتابك وصل إلينا مع النظم اللطيف، الصادر عن الأخ منيف، فسرنا بإفصاحه إعلامه بصحتكم وسلامتكم وحسن معتقدكم وطويتكم، فالحمد لله على اللطف والتسديد ومعرفة حقه سبحانه، وما يجب عله على العبيد. فاجتهد في طلب العلم وتعليمه، والدعوة إلى دين الله وسبيله، فإنك في زمان قبض فيه العلم وفشا الجهل، وبُدل الدين وغُيرت السنن، لا سيما أصول الدين وعمدة أهل الإسلام واليقين في باب معرفة الله بصفات كماله، ونعوت جلاله، وقد ألحد في هذا من ألحد وأعرض عن الحق فيه من أعرض وجحد، حتى عطلوا صفات الله تعالى، والتي وصف بها نفسه، وتعرف بها إلى عباده، كعلوه على خلقه، واستوائه على عرشه، وكلامه وتكليمه، ومحبته وخلقه ورضاه وغضبه ومجيئه ونزوله، فسلطوا التأويل على ذلك ونحوه، حتى عطلوا الصفات عن حقائقها، وحرفوها عن موضوعها، وصرفوها عن دلالتها، وكذلك الحال في /باب/١ عبادته/ وتوحيده/٢ ومعرفة حقه على عبيده، فأكثر الناس
стр. 610
والمنتسبين إلى الإسلام ضلوا في هذا الباب، فصرفوا للأولياء والصالحين والقبور والأنصاب والشياطين، خالص العبادة، ومحض حق رب العالمين،/ كالحب/١ والدعاء والاستغاثة والتوكل، والإجلال والتعظيم، والذل والخضوع، بل غلاتهم صرحوا بإثبات التدبير والتصريف لمعبوداتهم مع الله، فجمعوا بين الشرك في الإلهية، والشرك في الربوبية. وهذا أمر لا يتحاشون عنه بل يصرحون به ويفتخرون، ويدّعون أنهم من أهل الإسلام ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ٢ وهذا الشرك لم يصل إليه شرك جاهلية العرب، وقد حرى كما ترى من أناس يقرؤون في القرآن، ويدعون أنهم من أتباع الرسول، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلال بعد الهدى، ومن الغي بعد الرشاد. وكذلك باب تجريد متابعة الرسول ﷺ في الأصول والفروع، قد ترك وشد /عند/٣ أكثر من يدعي العلم والدين. والعمدة والمرجع إلى أقوال من/يعتقدون/٤ علمه، من المنتسبين والمدعين. ولو تكلم أحد بإنكار ذلك، لعد عندهم من البُله والمجانين. هذه أحوال جمهور المتشرعين والمتدينين، فهل ترى فوق هذا/غاية/٥ في غربة الحق والدين فعليك بالجد والاجتهاد في معرفة الإيمان، وقبوله وإيثاره، والتواصي به، لعلك أن تنجو من شرك هذا الشرك والتعطيل، الذي طبق الأرض وهلك به أكثر الخلق، جيلا بعد جيل. وأما ما ذكرته عن الأعراب من الفرق بين من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، ومن لم يستحل، فهذا هو الذي عليه العمل، وإليه المرجع عند أهل العلم، ولعل الكلام يقع شفاهة إذا وصلت إلينا.
/بلغ سلامنا من لديك من الإيمان في دين الله وأنت بحفظ الله. والسلام/٦
стр. 611
وصلى الله على محمد/ وآله وصحبه وسلم /١.
стр. 612
الرسالة الثامنة والثلاثون: إلى منيف بن نشاط
...
"الرسالة الثامنة والثلاثون"١
قال جامع الرسائل:
وله أيضا –رحمه الله تعالى وعفا عنه-/٢ رسالة إلى منيف بن نشاط، وقد سأله عن قول من يستدل على حل ذبيحة الوثني والمرتد بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ٣؛ وعن من كان في سلطان المشركين، وعرف التوحيد وعمل به، ولكن ما عاداهم، ولا فارق أوطانهم ٤.
فأجاب –﵀، وصب عليه من شآيب بره ووالى، وبين له في جواب المسألة الثانية، الفرق بين من عجز عن إظهار عداوة المشركين لأجل الخوف، وأنه يعذر بذلك، وبين وجود العداوة، لأنها لا بد منها، فإن من لم تود العداوة من قلبه، لم يعاد المشركين، بخلاف الأول، فإنها موجودة في قلبه لكن عجز عن إظهارها. فالواجب عليه مفارقة أوطانهم، والبعد عنهم، فإن من لم يهاجر فإنه عاص لله بإقامته بين أظهر المشركين.
وكذلك سأله عمن كان في دار الإسلام ولم يتعلم أصل الدين، ولأجل الجهل بالإسلام يعزر ويوقر أعداء الدين.
فبين له في الجواب أن الناس بتفاوتون تفاوتا عظيما بحسب درجاتهم في الإيمان، إذا كان أصل الإيمان موجودا، والتفريط والترك إنما هو فيما دون ذلك من الواجبات والمستحبات.
فتدبر كلامه –﵀ فإنه قد يتكلم في هذه المسألة من لا علم عنده، ولا
стр. 613
معرفة بمدارك الأحكام، ويظن أن من لم يعرف الواجبات والمستحبات والمسنونات من الأقوال والأفعال على التفصيل، أنه ممن أعرض عن تعلم هذا الدين. وخلع ربقة الإسلام من عنقه، وفارق المسلمين. وهذا نص الجواب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ/ المكرم/١ منيف بن نشاط، لا زال بين اسمه واسم أبيه ارتباط.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والخط وصل وصلك والله/ما/٢ يرضيه. وتذكر حديث أبي سعيد ٣، فقول الرسول مقبول، وعلى العين والرأس محمول. وما دل عليه يحصل إن شاء الله، ولكن أنتم أبيتم إلا/ الخروج/٤ والتعلم عند ابن عتيق، وهذا إن شاء الله به كفاية.
فأما مسألة الذبائح ومن استدل على ذبيحة الوثني والمرتد بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ٥: فهو من أجهل الناس بكتاب الله، وسنة نبيه ﷺ وإجماع الأمة، وهو كمن يستدل على لبس الحرير بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ ٦ والجهل بالتأويل وأسباب النزول، ضرورة وصل كبار العمائم، فكيف الحال بالجفاة والعوام!.
واعلم أن قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ ٧ فُسِّر بحل
стр. 614
الذبائح١، وأنها هي الطعام. ومفهوم الآية تحريم ذبائح غير أهل الكتاب، من الكفار والمشركين ٢، واحتج بهذا أهل العلم. ومفاهيم كلام الله وكلام رسوله/حجج/٣ شرعية.
وفسروا قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ٤ بأن المراد به، ذبيحة المسلم والكتابي، إذا ذكر اسم الله عليه ٥، أخذا من مفهوم آية المائدة٦، وهذا هو المشهور المقرر، وفي ذلك كلام وأبحاث لا يحتاج إليها في مثل هذا المقام، ولكن من أهمها، أن بعض المحققين ذكر أن الحكمة في تخصيص ذبائح أهل الكتاب، بأنهم يذكرون اسم الله، ولا يذكرون اسم من عبدوه عند الذبائح للأكل واللحم٧. وأما ما ذبحوه تقربا إلى غير الله فهو حرام، وإن ذكرت التسمية عليه٨. والمقصود ما ذبح للحم.
وذكروا أن تحريم ذبيحة المشرك غير الكتابي، لأنه لا يأتي بالتسمية، ويستحل الميتة٩. وهذا نظر منهم لأصل من غلق الحكم بالمظنة، كما علق الحدث بوجود النوم، لأنه مظنة، فقول القائل: إن ذبيحة المشرك تباح إذا ذكر اسم الله، جهل بهذا، وخروج عن سبيل المؤمنين.
стр. 615
وقول السائل: هل التسمية كلا إله غلا الله فليست مثلها من كل الوجوه. ولا ينظر في ذلك إلى هذا البحث١.
أما المسألة الثانية: وهي قولك: من كان في سلطان المشركين، وعرف التوحيد وعمل به، ولكن ما عاداهم ولا فارق أوطانهم.
فالجواب: إن هذا السؤال صدر عن عدم التعقل لصورة الأمر، والمعنى المقصود من التوحيد، والعمل به، لأنه لا يتصور أنه يعرف التوحيد ويعمل به، ولا يعادي المشركين، ومن لم يعادهم، لا يقال له عرف التوحيد وعمل به، والسؤال متناقض.
وحسن السؤال مفتاح العلم.
وأظن مقصودك: من لم يُظهر العداوة ولم يفارق. ومسألة إظهار العداوة، غير مسألة وجود/ العداوة/٢.
فالأول: يعذر به مع العجز والخوف، لقوله تعالى: ﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ٣.
والثاني ٤: لا بد منه، لأنه يدخل في الكفر بالطاغوت، وبينه وبين حب الله ورسوله تلازم كلي، لا ينفك عنه المؤمن.
فمن عصى الله بترك إظهار العداوة، فهو عاص لله فإذا كان أصل العداوة في قلبه فله حكم أمثاله من العصاة؛ فإذا انضاف إلى ذلك ترك الهجرة، فله نصيب من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية٥، لكنه لا يكفر، لأن الآية فيها وعيد لا تكفير.
وأما الثاني الذي لا يوجد في قلبه شيء من العداوة، فيصدق عليه قول السائل: لم
стр. 616
يعاد المشركين، فهذا هو الأمر العظيم، والذنب الجسيم، وأي خير يبقى مع عدم عداوة المشركين، والخوف على النخل والمساكن، ليس بعذر يوجب ترك الهجرة.
قال تعالى:١ ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ٢.
وأما المسألة الثالثة: وهو من كان في دار الإسلام، ولا تعلم أصل الدين، ولا قاعدته، ولأجل الجهل بها صار يعزر ويوقر أعداء الدين:
فالجواب: أن يقال: إن أحوال الناس تتفاوت تفاوتا عظيما، وتفاوتهم بحسب درجاتهم في الإيمان، إذا كان أصل الإيمان موجودا، والتفريط والترك إنما هو فيما دون ذلك من الواجبات والمستحبات، وأما إذا عدم الأصل الذي يدخل به في الإسلام، وأعرض عن هذا بالكلية، فهذا كفر إعراض، فيه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ﴾ الآية٣ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ الآية٤ ولكن /عليك/٥ أن تعلم أن المدار على معرفة حقيقة الأصل، وحقيقة القاعدة،/وإن اختلف التعبير واللفظ، فإن كثيرا يعرف القصد والقاعدة/٦ ويعبر بغير التعبير المشهور.
وتعزيرهم وتوقيرهم كذلك، تحته أنواع أيضا، أعظمها: رفع شأنهم، ونصرتهم على أهل الإسلام ومبانيه، وتصويب ما هم عليه، فهذا وجنسه من المكفرات، ودونه مراتب من التوقير بالأمور الجزئية، كلياقة الدواة ونحوه.
وأما قوله لأبي شريح٧ فليس فيه ما يدل على تحسين الباطل والحكم به، بل
стр. 617
ذكر وجوها متعددة في معنى ذلك، كلها تفيد البعد والتحريم/ لمثل/١ فعل البوادي.
ومن أحسن ما قيل: إن هذا تحسين لفعل صدر في الجاهلية٢ قيل ظهور الشرائع الإسلامية فلما جاء الشرع أبطل ذلك، وإذا جاء نهر الله٣ يطل نهر معقل٤ "٥
стр. 618
/ بلغ سلامي سعود وإخوانك والسلام/١./ وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم٢.
стр. 619
الرسالة التاسعة والثلاثون: في توحيد الأسماء والصفات
...
"الرسالة التاسعة والثلاثون"١
قال مجمع الرسائل:
وله أيضا -/قدس الله روحه ونور ضريحه/-٢ في توحيد الأسماء والصفات وتوحيد العبادة كلام، أبلغ فيه غاية البلاغة، وأفصح في ترصينه وترصيعه بأوضح عبارة. فحقيق لمن نصح نفسه، ولها عنده قدر، وأحب سعادتها، وسعى في نجاتها تخليصها، وأراد إفادتها؛ أن يتحقق بما اشتملت عليه من الحقائق والمعارف، ويسيم ثاقب فكره في مروج معانيه، وما احتوى عليه من العلوم النافعة واللطائف، لأن ما اشتمل عليه هو أهم الأشياء وأجل العلوم، وعليه المدار، وعنه السؤال يوم القيامة.
وأمر هذا شأنه، حقيق بأن تنثي عليه/ الخناصر/٣ ويعض عليه بالنواجذ، ويقبض/فيه/٤ على الجمر. فتدبره تجده قد أودعه من الكنوز ما لا تجده في المطولات. بأتم عبارة، وأوضح بيان، لأهل العقول المستنيرات،/ وأجلى/٥ عن محاسن معانيها غياهب الشكوك والضلالات، وأوهام أرباب الشبه والجهالات، فصارت قرة عيون الموحدين، وقذى في عيون المشركين.
فيا حي يا قيوم يا من له الثنا ... ويا من على العرش استوى فهو بائن
أنله الرضا والعفو فضلا ورحمة ... فإن الفتى يجزى بما هو دائن
وقد بذل المجهود في نصرة الهدى ... وإعلائه حتى علا لا يداهن
وأبدى كنوزاً للعبادة للورى ... لكي يستبين الرشد من هو مائن
стр. 620
/أماط/١ القذى عنها وصفى/ معينها/٢ ... /لواردها/٣ الصادي وماهو شائن
فرد مبتهلا عذبا زلالا فإنه ... يزيل الصدى والحق كالشمس بائن ٤
وهذه نصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اعلم/ أرشدك الله/٥ أن الله/ تعالى/٦ خلق الخلق لعبادته ٧ الجامعة لمعرفته ومحبته والخضوع له وتعظيمه، والإنابة إليه والتوكل عليه، وإسلام الوجه له. وهذا هو الإيمان المطلق، المأمور به في جميع الكتب السماوية، وسائر الرسالات النبوية.
ويدخل في باب معرفة الله/ تعالى/٨ توحيد الأسماء والصفات. فيوصف سبحانه بما وصف به نفسه، من صفات الكمال ونعوت الجلال، وبما وصفه به رسوله ﷺ لا يتجاوز ذلك. ولا يوصف إلا بما ثبت في الكتاب والسنة.
وجميع ما في الكتاب والسنة، يجب الإيمان به، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل٩، قال/ الله/١٠ تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ١١؛ فأسماؤه كلها حسنى، لأنها تدل على الكمال المطل، والجلال
стр. 621
المطلق، والصفات الجميلة ١؛ فثبت ما /أثبته/٢ الرب لنفسه و/ما/٣ أثبته رسوله، لا نعطله ولا نلحد٤ فيه، ولا نشبه صفات الخالق بصفات المخلوق؛ فإن تعطيل الصفات عما دلت عليه، كفر، والتشبيه فيها كذلك كفر.
وقد قال مالك بن أنس –﵀ لما سأله رجل فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥ [كيف استوى] ٦، فاشتد ذلك على مالك، حتى علته الرحضاء٧، إجلالا لله وهيبة له من الخوض في ذلك، ثم قال –﵀: الاستواء معلومن، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة ٨ -يريد –﵀ السؤال عن الكيفية.
وهذا الجواب يقال في جميع الصفات، لأنه يجمع الإثبات والتنزيه. ويدخل في الإيمان بالله ومعرفته، الإيمان بربوبيته العامة، الشاملة لجميع الخلق والتكوين؛ وقيوميتة العامة الشاملة/ لجميع/٩ التدبير والتيسير والتمكين.
فالمخلوقات بأسرها مفتقرة/ إلى الله في قيامها وبقائها، وحركاتها وسكناتها، وأرزاقها وأفعالها؛ كما هي مفتقرة/١٠ إليه في خلقها وإنشائها وأيداعها،
стр. 622
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ ١.
ويدخل في الإيمان، إيمان العبد بتوحيد الإلهية، الذي تضمنته شهادة الإخلاص، لا إله إلا الله؛ فقد تضمنت نفي استحقاق العبادة بجميع أنواعها، عما سواه تعالى، من مخلوق ومربوب؛ وأثبتت ذلك على وجه الكمال الواجب، والمستحب لله تعالى. فلا شريك له في فرد من أفراد العبادة، إذ هو الإله الحق، المستقل بالربوبية والملك والعز والغنى والبقاء، وما سواه فقير مربوب، معبد خاضع، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضر.
فعبادة سواه تعالى، أظلم الظلم٢ وأسفه السفه. والقرآن كله/راد/٣ على من أشرك بالله في هذا التوحيد، مبطل لمذهب جميع أهل الشرك والتنديد، آمرا ومرغبا في إسلام الوجه لله، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والتبتل في عبادته.
والعبادة في أصل اللغة مطلق الذل والخضوع٤. ومنه طريق معبد إذا كان مذللا قد وطأته الأقدام، كما قال الشاعر:
تبارى عناقا ناجيات وأتبعت ... وظيفا وظيفا فوق مور معبد٥
واستعملها/ الشارع/٦ في العبادة الجامعة لكمال المحبة، وكمال الذل والخضوع٧.
وأوجب الإخلاص له فيها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ
стр. 623
اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ١.
وهذا هو التوحيد الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب. والعبادة إذا خالطها الشرك، أفسدها وأبطلها، ولا تسمى عبادة إلا مع التوحيد. قال ابن عباس: ما جاء في القرآن من الأمر بعبادة الله، إنما يراد به التوحيد٢. انتهى.
ويدخل في العبادة الشرعية كل ما شرعه الله ورضيه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، كمحبة الله وتعظيمه وإجلاله وطاعته والتوكل والإنابة إليه ودعائه خوفا وطمعا، وسؤاله رغبا ورهبا، وصدق الحديث وأداء الأمانة والوفاء بالعهود، وصلة الأرحام والإحسان إلى الجار واليتيم والمملوك والمسكين وابن السبيل.
وكذا النحر والنذر، فإنهما من أجل العبادات، وأفضل الطاعات٣. وكذا الطواف ببيته تعالى، وحلق الرأس تعظيما وعبودية؛ وكذا سائر الواجبات والمتسحبات.
فحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ٤. والشرك في العبادة ينافي
стр. 624
هذا التوحيد ويبطله، كما قال تعالى -لما ذكر خواص أوليائه ومقربي رسله-: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
والشرك قد عرفه النبي ﷺ يتعريف جامع، كما في حديث ابن مسعود/ ﵁/٢ أنه قال: يا رسول الله، أي الذنب أعظم قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك" ٣. والند المثل والشبيه، فمن صرف شيئا من العبادات لغير الله، فقد أشرك به شركا يبطل التوحيد وينافيه؛ لأنه شيه المخلوق بالخالق، وجعله في مرتبته، ولهذا كان أكبر الكبائر على الإطلاق، ولما فيه من سوء الظن به تعالى. كما قال الخيل ﵇: ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
قال الإمام ابن القيم –﵀ "فما ظنكم أن يجازيكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره٥ وما ظنكم، بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص، حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره، فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قديرب، وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه
стр. 625
/المفرد/١ بتدبير خلقه،/لا يشرك/٢ فيه غيره، والعالم بتفاصيل الأمور، فلا تخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده، لا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته، فلا يحتاج في رحمته على من يستعطفه، وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء، فإنهم محتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم،/والذي/٣ يعينهم على قضاء حوائجهم، وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط، ضرورة لحاجتهم وعجزهم وضعفهم، وقصور علمهم، فأما القادر على كل شيء،/ الغني بذاته عن كل شيء، العالم٤ بكل شيء، الرحمن الرحيم، الذي وسعت رحمته كل شيء/٥ فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه، تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء. وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبح، انتهى٦.
وإذا عرفت هذا، فصلاح العبد وفلاحه، وسعادته ونجاته، وسروره ونعيمه، في إفراد الله بهذه العبادات والإنابة إليه بما شرعه لعباده منها. وأصلها كمال المحبة، وكمال الذل والخضوع كما تقدم.
هذا سر العبادات وروحها، ولا بد في عبادة الله من كمال الحب، وكمال الخضوع؛ فأحب خلق الله إليه، وأقربهم منزلة عنده، من قام بهذه المحبة ٧ والعبودية، وأثنى عليه سبحانه بذكر أوصافه العلى. فمن أجل ذلك كان الشرك أبغض الأشياء
стр. 626
إليه، لأنه ينقص هذه المحبة١ والخضوع والإنابة والتعظيم، ويجعل ذلك بينه وبين من أشرك به، والله لا يغفر أن يشرك به، لأنه يتضمن التسوية بينه تعالى وبين غيره في المحبة والتعظيم. وغير ذلك من أنواع العبادة، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ ٢ أخبر أن من أحب شيئا دون الله، كما يحب الله، فقد اتخذه ندا، وهذا معنى قول المشركين لمعبوديهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣ بهذه تسوية في المحبة والتأله٤ لا في الذات والأفعال والصفات، فمن صرف ذلك لغير إلهه الحق، فقد أعرض عنه وأَبِقَ عن مالكه وسيده، فاستحق مقته وبغضه، وطرده عن دار كرامته ومنزل أحبابه.
والمحبة ثلاثة أنواع:
النوع الأول: محبة طبيعية كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء وغير ذلك؛ وهذا لا يستلزم التعظيم.
стр. 627
والنوع الثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل ونحوها. وهذا أيضا لا يستلزم التعظيم.
والنوع الثالث: محبة أنس و/ألفة/١ وهي محبة المشتركين في صناعة أو علم أو مرافقة، أو تجارة أو سفر لبعضهم بعضا. /و/٢ كمحبة الإخوة بعضهم بعضهم بعضا٣.
فهذه المحبة التي تصلح للخلق بعضهم من بعض، /و/٤ وجودها فيهم لا يكون شركا في محبة الله سبحانه. ولهذا "كان رسول الله ﷺ يحب الحلوى والعسل"٥. وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد٦، وكان أحب اللحم إليه الذراع ٧، وكان رسول الله ﷺ يحب نساءه، وكانت عائشة
стр. 628
/﵂/١ أحبهن إليه٢ وكان يحب أصحابه، وأحبهم إليه الصديق.
وأما المحبة الخاصة -/التي/٣، لا تصلح إلا لله وحده، ومتى أحب العبد بها غيره كان شركا لا يغفره الله- فهي محبة العبودية، وإيثاره على غيره، فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلا، وهي التي سوى المشركون بين آلهتهم وبين الله فيها، وهي أول دعوة الرسل. وآخر كلام العبد المؤمن، الذي إذا مات عليه دخل الجنة ٤؛ واعترافه وإقراره بهذه المحبة، وإفراد الرب بها، فهي أول ما يدخل في الإسلام، وآخر ما
يخرج به من الدنيا إلى الله، وجميع الأعمال كالأدوات والآلات لها، وجميع المقامات وسائل إليها، وأسباب لتحصيلها وتكميلها وتحصينها من الشوائب والعلل فهي قطب رحى السعادة، وروح الإيمان، وساق شجرة الإسلام.
ولأجلها أنزل الله الكتاب والحديد، فالكتاب هاديا ودالا عليها، ومفصلا لها، والحديد لمن خرج عنها، وأشرك مع الله غيره فيها؛ ولأجلها خلقت الجنة والنار٥،
стр. 629
فالجنة دار أهلها الذين أخلصوها لله وحده، وأخلصهم لها، والنار دار من أشرك فيها مع الله غيره، وسوى بينه وبين الله فيها، فالقيام بها علما وعملا وحالا، وتصحيحها هو تصحيح شهادة أن لا إله إلا الله.
فحقيق لمن نصح نفسه، وأحب سعادتها ونجاتها، أن يتيقن لهذه المسألة، وتكون أهم الأشياء عنده، وأجل علومه وأعماله؛ فإن الشأن كله فيها، والمدار عليها، والسؤال عنها يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
стр. 630
قال غير واحد من السلف عن قول لا إله إلا الله: وهذا حق، فإن السؤال كله عنها، وعن أحكامها وحقوقها.
قال أبو العالية ١: "كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون، ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين ٢ فالسؤال/عمَّاذا/٣ كانوا يعبدون، /سؤال/٤، عنها نفسها؛ والسؤال عماذا أجابوا المرسلين، سؤال عن الوسيلة، والطريق المؤدية؛ هل سلكوها وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها فعاد الأمر كله إليها"٥.
وأمر هذا شأنه، حقيق بأن تثنى عليه الخناصر، ويعض عليه بالنواجد، ويقبض فيه على الجمر، ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يطلب على فضله ٦ بل يجعل هو المطلب الأعظم، وما سواه إنما/ يطلب على الفضلة/٧.
والله المسئول أن يمن علينا بتحقيق ذلك علما وعملا وحالا – ونعوذ/به/٨ أن يكون حظنا من ذلك مجرد حكايته. وصلى الله على محمد عبده ورسوله النبي الأمي وعلى آله وصحبه تسليما كثيراً.
стр. 631
الرسالة الأربعون: إلى أهل الحوطة
...
"الرسالة الأربعون"١
قال جامع الرسائل:
وله أيضا - /قدس الله روحه/ وعفا عنه/٢ - رسالة إلى أهل الحوطة، يذكرهم ما من الله عليهم به من دعوة شيخ الإسلام، وعلم هداة الأعلام، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إلى ما دعت إليه الرسل من معرفة الله، وخشيته وعبادته، والقيام بأركان الإسلام وأصول الإيمان فقال رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الإخوان من أهل الحوطة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
اعلموا أن الله بعث محمدا بالهدى ودين الحق٣. فالهدى هو العلم النافع ودين الحق هو العمل الصالح، ولا يكفى أحدهما عن الآخر في النجاة والسلامة من الوعيد الدنيوي والأخروي.
وقد من الله/تعالى/٤ عليكم بدين الإسلام، واختصكم به دون كثير من الأنام، لما أتاح الله لكم شيخ الإسلام/ وعلم الهداة الأعلام، الشيخ/٥ محمد بن عبد الوهاب ﵀ – فدعا إلى ما دعت إليه الرسل من معرفة الله، وخشيته وعبادته وحده لا شريك له، والقيام بالأركان الإسلامية والأصول الإيمانية، فأعز الله بذلك من
стр. 632
قبله ونصره، ورفع قدرهم وشأنهم، وجعلهم ملوكا تهابهم الأمم، وينقاد لأمرهم جمهور العرب، باديتهم وحاضرتهم. ولم يزالوا كذلك قاهرين/ ظاهرين/١ حتى حدث ما حدث، ووقع ما وقع من الإعراض والقسوة والتمادي على معاصي الله، فسلط عليهم العدو، وافترقت الكلمة وانخرم النظام، وعثا الفجرة اللئام في دماء أهل الإسلام، وأموالهم، وكثر الخوض، ونُسي العلم، والتبس أمر التوحيد والإيمان على كثير من الخلق، وصارت فتنة عمياء صماء، لا يبصر صاحبها ولا يسمع، وما زال غمامها لم ينقشع، ودليلها يحلو لك ولا يدبر، وأبناؤها بساحتكم/ يحاولون/٢ إطفاء نور الله.
فسارعوا وبادروا إلى التوبة والإقلاع والندم والاستغفار، وتعاونوا على البر والتقوي، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ ٣.
فراجعوا دينكم قبل أن يحل من أمر الله ما لا تدفعون، وينزل من بأسه ما لا تردون؛ ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٤.
ويجب على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يعينهم بحسب طاقته، بيده أو بلسانه، وهذا من أسباب بقاء التوحيد فيكم والإسلام، وحمايتكم دياركم من/ عبادة/٥ الأوثان والأصنام، وحفظ ما خولكم الله من سوابغ الفضل والإنعام.
وكثير من الناس يحصل منهم أسباب /و/٦.
стр. 633
وسائل وذرائع/تدعو/١ إلى زوال النعم، وحلول السخط والنقم، منها: التهاون بنعمة الإسلام والتوحيد، واختلاف القلوب، والعداوة الظاهرة، وترك نصرة الإسلام والتوجع لمصابه، والإقبال على الدنيا ونسيان الآخرة، والاستخفاف بالأركان الإسلامية، كإضاعة الصلاة ومنع الزكاة، وأخذها بغير حقها، وترك السمع والطاعة لولي الأمر من الأمراء والعلماء. فهذه أسباب وعلامات على نزول العقوبة، وحلول النقمة، وانتقال النعمة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ ٢.
/وديرتكم/٣ ليست على الحال الأولى في مبدأ الإسلام وبعده. والعاقل يعرف ذلك في نفسه وأهل بلده. وقد ذم تعالى من قست قلوبهم، ولم يتضرعوا عند حلول بأسه وانتقامه،/فقال/٤: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥.
وذم تعالى من ليس فيهم بقية ينهون عن الفساد في الأرض، ويأخذون على يد السفهاء، فقال/تعالى/٦: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ٧ يخبر تعالى أنهم اتبعوا الشهوات، وآثروا اللذات، فكانوا من جملة المجرمين٨. وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ
стр. 634
يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ١.
/فدلت/٢ هذه الآية على أن الإيمان والعمل الصالح يكشف العذاب عند نزوله، ويمنع به المؤمن حينا من الدهر، وقد أمدكم الله بنعمه، وعمر بلدكم ومساكنكم بالإسلام والسمع والطاعة؛ فاحذروا الرجوع على أعقابكم، وتبديل النعمة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ ٤ فتدبروا ما في هذه الآيات الكريمات، التي هي من أوضح الواضحات، وأبين الحجج والبينات، وتفطنوا فيما ذكر من الإعراض عن الشكر، وما اقتضاه من العقوبة والعذاب.
وفقنا الله وإياكم لتدبر القول، وحسن العمل والختام. وصلى الله على رسوله ونبيه محمد/وآله/٥ وصحبه وسلم.
стр. 635
الرسالة الحادية والأربعون: إلى حمد بن عتيق
...
﴿الرسالة الحادية والأربعون﴾ ١
قال جامع الرسائل:
وله أيضا -/رحمه الله تعالى/٢ وعفا عنه- رسالة إلى حمد بن عتيق٣، لما سأله عن كلام الشارح الشيخ سليمان بن عبد الله على قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ٤، فقال رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ الشيخ حمد بن عتيق –سلمه الله تعالى- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فنحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو –وخطك وصل وصلك الله ما يرضيه- وما /ذكرته/٥ صار معلوما، والله أسأل أن يصلح السريرة والعلانية، ويصلح ما بيننا وبينه من المعاملة، وما بيننا وبين خلقه، وما توفيقنا إلا بالله.
وما ذكرت من جهة كلام الشارح على آية الأنعام، وأن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ٦ نصب على الحال، فهذا عليه غير واحد من المفسرين ٧.
قال الجلال ٨: