← Фатава

Фатава · id 12033

عيون الرسائل والأجوبة على المسائل

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (983 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الرسالة الأربعون: إلى أهل الحوطة ... "الرسالة الأربعون"١ قال جامع الرسائل: وله أيضا - /قدس الله روحه/ وعفا عنه/٢ - رسالة إلى أهل الحوطة، يذكرهم ما من الله عليهم به من دعوة شيخ الإسلام، وعلم هداة الأعلام، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إلى ما دعت إليه الرسل من معرفة الله، وخشيته وعبادته، والقيام بأركان الإسلام وأصول الإيمان فقال رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الإخوان من أهل الحوطة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: اعلموا أن الله بعث محمدا بالهدى ودين الحق٣. فالهدى هو العلم النافع ودين الحق هو العمل الصالح، ولا يكفى أحدهما عن الآخر في النجاة والسلامة من الوعيد الدنيوي والأخروي. وقد من الله/تعالى/٤ عليكم بدين الإسلام، واختصكم به دون كثير من الأنام، لما أتاح الله لكم شيخ الإسلام/ وعلم الهداة الأعلام، الشيخ/٥ محمد بن عبد الوهاب ﵀ – فدعا إلى ما دعت إليه الرسل من معرفة الله، وخشيته وعبادته وحده لا شريك له، والقيام بالأركان الإسلامية والأصول الإيمانية، فأعز الله بذلك من

стр. 632

قبله ونصره، ورفع قدرهم وشأنهم، وجعلهم ملوكا تهابهم الأمم، وينقاد لأمرهم جمهور العرب، باديتهم وحاضرتهم. ولم يزالوا كذلك قاهرين/ ظاهرين/١ حتى حدث ما حدث، ووقع ما وقع من الإعراض والقسوة والتمادي على معاصي الله، فسلط عليهم العدو، وافترقت الكلمة وانخرم النظام، وعثا الفجرة اللئام في دماء أهل الإسلام، وأموالهم، وكثر الخوض، ونُسي العلم، والتبس أمر التوحيد والإيمان على كثير من الخلق، وصارت فتنة عمياء صماء، لا يبصر صاحبها ولا يسمع، وما زال غمامها لم ينقشع، ودليلها يحلو لك ولا يدبر، وأبناؤها بساحتكم/ يحاولون/٢ إطفاء نور الله. فسارعوا وبادروا إلى التوبة والإقلاع والندم والاستغفار، وتعاونوا على البر والتقوي، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ ٣. فراجعوا دينكم قبل أن يحل من أمر الله ما لا تدفعون، وينزل من بأسه ما لا تردون؛ ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٤. ويجب على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يعينهم بحسب طاقته، بيده أو بلسانه، وهذا من أسباب بقاء التوحيد فيكم والإسلام، وحمايتكم دياركم من/ عبادة/٥ الأوثان والأصنام، وحفظ ما خولكم الله من سوابغ الفضل والإنعام. وكثير من الناس يحصل منهم أسباب /و/٦.

стр. 633

وسائل وذرائع/تدعو/١ إلى زوال النعم، وحلول السخط والنقم، منها: التهاون بنعمة الإسلام والتوحيد، واختلاف القلوب، والعداوة الظاهرة، وترك نصرة الإسلام والتوجع لمصابه، والإقبال على الدنيا ونسيان الآخرة، والاستخفاف بالأركان الإسلامية، كإضاعة الصلاة ومنع الزكاة، وأخذها بغير حقها، وترك السمع والطاعة لولي الأمر من الأمراء والعلماء. فهذه أسباب وعلامات على نزول العقوبة، وحلول النقمة، وانتقال النعمة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ ٢. /وديرتكم/٣ ليست على الحال الأولى في مبدأ الإسلام وبعده. والعاقل يعرف ذلك في نفسه وأهل بلده. وقد ذم تعالى من قست قلوبهم، ولم يتضرعوا عند حلول بأسه وانتقامه،/فقال/٤: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥. وذم تعالى من ليس فيهم بقية ينهون عن الفساد في الأرض، ويأخذون على يد السفهاء، فقال/تعالى/٦: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ٧ يخبر تعالى أنهم اتبعوا الشهوات، وآثروا اللذات، فكانوا من جملة المجرمين٨. وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ

стр. 634

يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ١. /فدلت/٢ هذه الآية على أن الإيمان والعمل الصالح يكشف العذاب عند نزوله، ويمنع به المؤمن حينا من الدهر، وقد أمدكم الله بنعمه، وعمر بلدكم ومساكنكم بالإسلام والسمع والطاعة؛ فاحذروا الرجوع على أعقابكم، وتبديل النعمة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ ٤ فتدبروا ما في هذه الآيات الكريمات، التي هي من أوضح الواضحات، وأبين الحجج والبينات، وتفطنوا فيما ذكر من الإعراض عن الشكر، وما اقتضاه من العقوبة والعذاب. وفقنا الله وإياكم لتدبر القول، وحسن العمل والختام. وصلى الله على رسوله ونبيه محمد/وآله/٥ وصحبه وسلم.

стр. 635

الرسالة الحادية والأربعون: إلى حمد بن عتيق ... ﴿الرسالة الحادية والأربعون﴾ ١ قال جامع الرسائل: وله أيضا -/رحمه الله تعالى/٢ وعفا عنه- رسالة إلى حمد بن عتيق٣، لما سأله عن كلام الشارح الشيخ سليمان بن عبد الله على قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ٤، فقال رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ الشيخ حمد بن عتيق –سلمه الله تعالى- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فنحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو –وخطك وصل وصلك الله ما يرضيه- وما /ذكرته/٥ صار معلوما، والله أسأل أن يصلح السريرة والعلانية، ويصلح ما بيننا وبينه من المعاملة، وما بيننا وبين خلقه، وما توفيقنا إلا بالله. وما ذكرت من جهة كلام الشارح على آية الأنعام، وأن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ٦ نصب على الحال، فهذا عليه غير واحد من المفسرين ٧. قال الجلال ٨:

стр. 636

وجملة النفي حال من ضمير/يحشروا/١، وهي محل الخوف ٢. وقال البضاوي٣: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ٤ في موضع الحال من/يحشروا/٥، فإن المخوف هو الحشر٦ على هذه الحالة"٧. وقد سبقهم إلى هذا الزجاج٨؛ وابن كثير٩ حل المعنى ولم يتعرض لإعرابه. ويظهر مراده من تقريره كلامه، قال: وقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ الآية ١٠، أي: وأنذر بهذا القرآن يا محمد ﴿الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ١١ ١٢ ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ ١٣ ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ ١٤، أي يوم القيامة، ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ أي يومئذ ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ

стр. 637

دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ١ أي/لا قريب لهم/٢، ولا شفيع فيهم من عذابه،/إن أراده بهم/٣، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ /أي أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ /٤ فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف/ الجزيل/٥ من ثوابه" انتهى"٦. وهو يشير إلى جواز/جعله/٧ صفة لمحذوف، دل عليه السياق، والعائد في الجملة الوصفية يكفي تقديره، كقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ ٨. والبغوي٩ لم يتعرض لتقدير شيء. وبهذا يظهر الجواب عن قولك: ما يقال في تقريره فإن الله أمر رسوله أن ينذر بالقرآن عباده المؤمنين، الذين يؤمنون بلقائه، ويخافون فيه سوء الحساب، في يوم لا ولي لهم فيه ولا شفيع من دونه، لعلهم يتقون ذلك بفعل ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه. وعلى الأول يخافون الحشر وسوء الحساب في حال تخليهم وانفرادهم عن الأولياء والشفعاء، وخُصوا بذلك لأنهم هم المتقون بالإنذار، المتقون عذاب ذلك اليوم وعقابه، بخلاف من تعلق على الأولياء والشفعاء واعتمد عليهم في نجاته، فإنه غير خائف ولا متق لسكون جأشه، واطمئنان قلبه بوليه وشفيعه. والله الهادي الموفق. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 638

الرسالة الثانية والأربعون: إلى عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد اللطيف ... "الرسالة الثانية والأربعون"١ قال جامع الرسائل: وله أيضا -/رحمه الله تعالى/٢- رسالة إلى عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد اللطيف٣ صاحب الفرعة٤ من بلد الوشم٥، لما سأله عما يذكر بعض الناس من إنكاره/ ما ينسب إلى/٦، عثمان بن منصور،٧ من عداوة الدين، وموالاة المشركين ومسبة أئمة المسلمين، وجعلهم من الخوارج المارقين. فكشف له عن حاله بما ستقف عليه، مما ظهر واشتهر من حاله ومقاله، وما صرح به في مصنفاته من مسبة أهل الإسلام، ونسبتهم إلى مذهب الخوارج المارقين. ونسبة الشيخ إلى أنه أجهل من أبي جهل، وأنه ضال مضل. وهذا نص الرسالة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى جناب الأخ المكرم عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد اللطيف –سلمه الله- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فنحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. والخط وصل وسرنا سلامتك وعافيتك. جعلنا الله وإياك من أهل العافية في الدنيا والآخرة. وتذكر أن بعض الناس عندكم ينكر ما نسب إلى ابن منصور من عداوة الدين

стр. 639

وموالاة المشركين، ومسبة أئمة المسلمين، وجعلهم من الخوارج المارقين. وهذا أظهر شيء وأبينه عند من عرف حال هذا الرجل، وجالسه ونظر في كلامه، فإنه يبديه كثيرا لجلسائه، ويذكره في رسائله ومصنفاته وهوامشه التي/ يعلقها/١ والرجل فيه رعونة تمنعه من المداراة والتقية، حتى كتابه الذي زعم أنه شرخ على التوحيد، رأيت فيه من الدواهي والمنكرات ما لا يحصيه إلا الله. من ذلك قوله في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢. أن ابن العربي المالكي قال: العبادة هي موافقة القضاء والقدر٣. وابن عباس يقول: كفر الكافر تسبيح ٤ وهذا رأيته بخط ابن نصر الله من أهل ديرته في كلامه على كتاب التوحيد ولهذا نظائر وأخوات لا يعرفها إلا من وقف على كلامه من طلبة العلم، ونبرأ إلى الله أن نبهت مسلما، وأن نفتري عليه ونؤذيه بغير ما اكتسب. وإنما يظن بنا هذا حزب الشيطان، وجنده من الجاهلية، الذين لم يستضيئوا بنور العلم. وكتابه الذي وقفنا عليه في هذه الأيام بخط يده، نظر فيه من يعرفه يقينا من أهل سدير عبد العزيز بن عيبان ٥ وغيره ٦ وعلي بن عيسى٧ من أهل الوشم، وكثير من طلبة العلم والعامة شهدوا بأن هذا خطه بيده، ومسبته فيه للتوحيد، ومن جاء به حشو بالزنبيل، وتصريحه بتزكية أهل الأمصار، ممن عبد القباب والصالحين

стр. 640

وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، والشيخ وأتباعه على إفراد الله بالعبادة، عنده خوارج من أهل النهروان، ويصرح/ بأن الشيخ ضال/١ مضل، وأنه أجهل من أبي جهل بمعنى لا إله إلا الله، وأنه ضل في نخطئه صاحب البردة، وأن دعاء الرسول وطلب الشفاعة منه بعد موته جائز، وأن الله ابتلى أهل نجد بهذا الرجل، بل ابتلى به جزيرة العرب، وأنه لم يتخرج على العلماء، وأن أهل الأمصار يبنون المساجد والمنار، وأنه أخذ بلدان المسلمين بيت مال له ولعياله، وأنه أتى الأمة من الباب الضيق، وهو تكفييرها، ولم/ يأتها/٢ من الباب الواسع، ورد مسائل في كشف/ الشبهات/٣ ومسائل في كتاب التوحيد، ومن الستة المواضع التي تكلم الشيخ عليها من السيرة، وأتى بجهالات وضلالات ووقاحة، ومسبة لا تصدر ممن يؤمن بالله واليوم الآخر. ومن كذب بهذا النقل، فهو مكابر معاند، جاحد للحسيات والمتواترات، والغالب أن هذه المكابرة لا تقع من محب لما جاء به الشيخ، من توحيد الله ودينه، وإنما يذهب من في قلبه مرض، يتوصل بهذه المكابرة والمباهتة، إلى رد التوحيد وبغضه، وبغض أهله. وأكثر هذا الصنف ليس لهم التفات إلى ما جاءت به الرسل، والغالب عليهم هو الغفلة عن ذلك والإعراض عنه، وقد قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ ٤. واقرأ هذه الرسالة على من ارتاب في أمره وما حل، وجادل في دين الله، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ٥. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 641

ثم قال –﵀: وأما المسألة التي سألت عنها في الخلع١، فجوابها: أن الخلع يقع بائنا٢ لا تحل الزوجة بعده لزوجها إلا بعقد جديد، وليس له استرجاعها، كما نص عليه أهل العلم.

стр. 642

الرسالة الثالثة والأربعون: إلى عثمان بن منصور ... ﴿الرسالة الثالثة والأربعون﴾ ١ قال جامع الرسائل: وله أيضا –قدس الله روحه ونور ضريحه- رسالة إلى عثمان بن منصور،٢ قبل أن يتبين من أمره ما تبين، وقبل أن يتضح أمره، وتظهر مصنفاته ورسائله، لكنه قد يظهر من حاله وبعض مقاله، ويلوح من صفحات وجهه وفلتات لسانه، ما يغمض به وتنسب إليه هفوات وشيء من الكوارث الفوادح والمعضلات، وكان مع ذلك يظهر الموافقة، وهو يبطن –والعياذ بالله المخالفة والمشاقة، حتى وضح أمره واشتهر، فلم /يخف/٣ ذلك على من له بصر، وله معرفة ونظر. والله أعلم بما آل إليه أمره وختم به. وتعوذ بالله من غضبه وأليم عقابه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ الشيخ عثمان بن منصور –أنقذه الله من طوارق الفتن والشرور، ورفع/ همته/٤- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على ما ألبسنا من ملابس فضله التي لا تخلعها الأنداد، وأستزيده من خزائن بره التي ليس لها انقضاء ولا نفاذ.

стр. 643

أما بعد، فقد وصل إلينا منك/ خطان/١: فأولهما: صادف حين الاشتغال بلقاء الأحبة والآل. وأما الثاني: فبعد أن ألقيت عصا الترحال، وارتاح من ألم شوقه القلب والبال، فبمجرد الوقوف على خطك، ومطالعة نقشك ووشيك، بحثت عن الوجه الذي تدلي به علينا، وعن حقيقة المعنى الذي تشير إلينا، وما هو اللائق في إجابة أمثالك، وهل يحسن بنا/ النسخ/٢ على منوالك، أو تقتصر على موجب ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ ٣، إذ ليس وراءها مزية دينية شرعية، لأكون على بصيرة من أمري، ومعرفة للحقائق قبل اقتداح٤ زندي. فأخبرني الثقة بالجرح والتعديل، الخبير بما قد شاع عنك من القيل، أن صاحب الخط ينتمي إلى ممارسة العلوم المنقول منها والمفهوم، غير أنه قد نسب عنه هفوات –إن صحت- فهي من /عظائم/٥ المعضلات، ولم نقف لها على تصحيح يعتمد، ولم نلتفت إلى البحث في متنها والسند، اكتفاء بإعراضه عن الابتهاج بالدعوة لهذا الأصل والمذاكرة، واستغناء بعدم التفاته إلى المؤاخاة في الله والموازنة، بل كل الناس لديه إخوان، والضدان عنده يجتمعان، يصاحب أولياء الأوثان، كما يصاحب عابدي الرحمن، ويأنس بالمنقلب على/عقبه/٦، كما يأنس بالثابت على الإيمان، مع أنه قد شرح التوحيد ٧، وادعى الإتيان بكل معنى موجز سديد.

стр. 644

يوما/بحزوى/١ ويوما بالعقيق٢ وبالـ ... عذيب/٣ يوما ويوما بالخلصاء٤ وتارة تنتحي نجداً، وآونة ... شعب الغوير وطورا قصر تيماء٥ فهو/ وإن/٦ انتسب إلى الحق، فقد والى من خرج /عنه/٧ وعق. فقلت إيه له من رجل لو استقام وصارم، لولا ما عراه من الانثلام ٨؛ لكني أعلم أن للعلم بركات، وللملك لماَّت، فأرجو أن يقوده العلم إلى ثمراته، وأن يحول بينه وبين الشيطان وخطواته. ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٩، "والقلب بين إصبعين من أصابع الرحمن"١٠، كما رواه المحدثون

стр. 645

من الأعيان، فلعل ميت رجائنا يحيه من يحي/ عظام/١ الميت/ وهي/٢ رميم. ولهذا أشرت إلى الشيخ الوالد –أعز الله قدره، ورفع بوراثة النبيين مجده وفخره- بأن يرد لك الجواب ويعلمك /الخطب/٣ أتى من أي باب، طمعا لك في الأوبة والفلاح، وحرصا على سلوك سبل الهداية والصلاح، لئلا تتوهم غير ذلك من الأسباب التي تنقل عنك، من الاستطالة في الأعراض والاغتياب، إذ هي لا يلتفت إليها المؤمن العاقل، ولا يأخذ بها الأغر مما حل، وهي باقية ليوم ترجعون فيه إلى الله، ويجزي كل قائل مما زوره وافتراه. ولعل الله أن يمن برجوعك إلى الحق بعد الشرود، وأن يقضي بصحبتك على توحيد ربنا المعبود. فإني/أسر بذلك و/٤ أتأسف على تنكب أمثالك ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ٥ وصلى الله على محمد/وآله وصحبه/٦ وسلم.

стр. 646

الرسالة الرابعة والأربعون: جواب سؤال ورد عليه من عمان ... "الرسالة الرابعة والأربعون"١ "في بيان ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكونه حقيقة الإسلام، وتضليل من زعم أنه مذهب خامس" قال جامع الرسائل: وله أيضا –وله أيضا قدس الله روحه ونور ضريحه- جواب لسؤال ورد عليه من عمان. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: فقد وصلت إلينا الأسئلة التي صدرت من جهة الساحل الشرقي، على يد الأخ سعد البواردي. السؤال الأول: قول الملحد الضال في دين الله: إن الأمر الذي جاء به الشيخ محمد بن عبد الوهاب –﵀/تعالى/٢ مذهب خامس ٣ وغش للأمة. فهل يكون هذا القائل سنيا أو مبتدعا. فالجواب وبالله التوفيق:/هذا القائل/٤ إنما تدل مقالته هذه على أنه من أجهل خلق الله في دين الله، وأبعدهم عن الإسلام، وأبينهم ضلالة. فإن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب –﵀ إنما دعا الناس إلى أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، ولا يشركوا به شيئا، وهذا لا يرتاب فيه مسلم أنه دين الله

стр. 647

الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وقوله: مذهب خامس؛ يبين جهله، وأنه لا يعرف العلم، ولا العلماء، فإن الذي قام به شيخ الإسلام، لا يقال له مذهب، وإنما يقال له دين وملة، فإن التوحيد هو دين الله، وملة خليله إبراهيم، ودين جميع الأنبياء والمرسلين، وهو الإسلام الذي بعث/الله/١ به محمدا ﷺ وأجمع عليه علماء الأمة سلفا وخلفا، ولا يخالف في هذا إلا من هو مشرك كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٣، فسماه الله تعالى في هاتين الآيتين وغيرهما من آي القرآن دينا ولم يسمه مذهبا. وأما ما جرى على ألسنة العلماء من قولهم: مذهب فلان، أو ذهب إليه فلان، فإنما يقع في الأحكام لاختلافهم بحسب بلوغ الأدلة وفهمها، وهذا لا يختص بالأئمة الأربعة –﵀ بل مذاهب العلماء قبلهم وبعدهم في الأحكام كثيرة. فقد جرى الخلاف بين الصحابة –﵁ فللصديق ﵁ مذهب تفرد به، ولابن مسعود كذلك، وكذا ابن عباس، وغيرهم من الصحابة، وكذا الفقهاء السبعة٤ من التابعين، خالف بعضهم بعضا في مسائل، وغيرهم من التابعين كذلك، وبعدهم أئمة الأمصار كالأوزاعي إمام أهل الشام، والليث بن سعد إمام أهل مصر،

стр. 648

وسفيان بن عيينة١ والثوري٢ إمام أهل العراق. فلكل مذهب معروف في الكتب المصنفة في اختلاف العلماء، ومثلهم الأئمة الأربعة. وجاء بعدهم أئمة مجتهدون، وخالفوا الأئمة الأربعة في مسائل معروفة عند العلماء، كأهل الظاهر؛ ولذلك تجد من صنف في مسائل الخلاف إذا عنى الأربعة قال: اتفقوا. وفي مسائل الإجماع التي أجمع عليها العلماء سلفا وخلفا يقول: أجمعوا. وذكر المذهب لا يختص بأهل السنة من الصحابة فمن بعدهم، فإن بعض أهل البدع صنفوا لهم مذهبا في الأحكام يذكرونهم عن أئمتهم، كالزيدية، له كتب معروفة يفتي بها أهل اليمن. والإمامية الرافضة لهم مذهب مدون، خالفوا في كثير منه أهل السنة والجماعة. والمقصود أن قول هذا الجاهل: مذهب خامس. قول فاسد لا معنى له، كحال أمثاله من أهل الجدل والزيغ في زماننا. يقول أقوالا ولا يعرفونها ... وإن قيل هاتو حققوا لم يحققوا وأما قوله: "وغش الأمة" فهذا الجاهل الضال بنى هذا القيل الكاذب؛ على سوء فهمه، وانصرافه عن دين الإسلام، لأنه عدو لمن قام به، ودعا إليه وعمل به. ومن المعلوم عند العقلاء وأهل البصائر، أن من دعا الناس إلى توحيد ربهم وطاعته، أنه ناصح لهم حقا٣. وأما من حسن الشرك والبدع ودعا إليها، وجادل بالباطل، وألحد في أسماء الله

стр. 649

وصفاته؛ فهو الظالم الغاش لعباد الله، لأنه يدعوهم إلى ضلالة. نعوذ بالله من جهد البلاء١، ودرك الشقاء وسوء القضاء٢، وشماتة الأعداء٣. ونذكر ما قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. فإنه/قد/٤ نشأ في أناس قد اندرس فيهم معالم الدين، ووقع فيهم من الشرك والبدع ما عمَّ وطم في كثير من البلاد، إلا بقايا متمسكين بالدين، يعلمهم الله تعالى. وأما الأكثرون، فعاد المعروف بينهم منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة. نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير. ففتح الله بصيرة شيخ الإسلام، بتوحيد الله الذي بعث به رسله وأنبيائه. فعرف الناس ما في كتاب ربهم من أدلة توحيده الذي خلقهم له، وما حرمه/الله/٥ عليهم من الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه٦؛ فقال لهم ما قاله المرسلون لأممهم ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٧.

стр. 650

فحجب كثيرا منهم عن قبول هذه الدعوة، ما اعتادوه، وما نشئوا عليه من الشرك والبدع، فنصبوا العداوة لمن دعاهم إلى توحيد ربهم وطاعته، وهو شيخنا –﵀ ومن استجاب له، وقبل دعوته، وأصغى إلى حجج الله وبيناته، كحال من خلا من أعداء الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ ٢. وأدلة ما دعا إليه هذا الشيخ –﵀ من التوحيد في الكتاب والسنة، أظهر شيء وأبينه. اقرأ كتاب الله من أوله إلى آخره تجد بيان التوحيد والأمر به، وبيان الشرك والنهي عنه، مقررا في كل سورة. وفي كثير من سور القرآن يقرره في مواضع منها، يعلم ذلك من له بصيرة وتدبر. ففي فاتحة الكتاب: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣، فيها نوعا التوحيد، توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية٤. وفي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٥ النوعان٦. وقصر العبادة والاستعانة على الله ، أي: لا نعبد غيرك ولا

стр. 651

نستعين إلا بك. وأول أمر في القرآن يقرع سمع السامع والمستمع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١. فأمرهم بتوحيد الإلهية، واستدل عليه بالربوبية، ونهاهم عن الشرك به، وأمرهم بخلع الأنداد التي يعبدها المشركون من دون الله. وافتتح سبحانه كثيرا من سور القرآن بهذا التوحيد. ﴿الم، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ٢، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ ٣، أي المألوه المعبود في السموات والأرض٤. وفي هذه السورة من أدلة التوحيد ما لا يكاد أن يحصر٥. وفيها من بيان الشرك والنهي عنه كذلك. وافتتح سورة هود بهذا التوحيد فقال: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ ٦، فأحكم تعالى آيات القرآن، ثم فصلها ببيان توحيده، والنهي عن الإشراك به. وفي أول سورة طه قال

стр. 652

تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ١. وافتتح سورة الصافات بهذا التوحيد، وأقسم عليه فقال: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّاً، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً، إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ، رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ ٢. وافتتح سورة الزمر بقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ٣. وفي هذه السورة ٤ من بيان التوحيد والأمر به وبيان الشرك والنهي عنه، ما يستضيء به قلب المؤمن، وفي السورة وبعدها ٥ كذلك،/وفي سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ٦ /٧ نفي الشرك في العبادة إلى آخرها؛ وفي سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٨ توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذا ظاهر لمن نور الله قلبه بفهم القرآن. وفي خاتمة المصحف: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ﴾ ٩، يبين/أنه ربهم/١٠ وخالقهم ورازقهم والمتصرف فيهم بمشيئته وإرادته؛ وهو ملكهم، الذي نواصي الملوك بيده، وجميع الخلق في قبضته، يعز هذا ويذل هذا،

стр. 653

ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ١، وهو معبودهم الذي لا يستحق/ أن/٢ يعبد سواه. فهذه إشارة إلى ما في القرآن. وأما السنة، ففيها من أدلة التوحيد ما لا يمكن حصره، كقوله في حديث معاذ الذي في الصحيحين: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" ٣، وفي حديث ابن مسعود الصحيح: "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار" ٤، والحديث الذي في المعجم للطبراني ٥: "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله " ٦. ولما قال له رجل: ما شاء الله وشئت" قال: "أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده" ٧. وأمثال هذا لا يحصى كما تقدم ذكره.

стр. 654

وأدلة التوحيد في الكتاب أبين من الشمس في نحر الظهيرة، لكن لمن له فهم ثاقب، وعقل كامل، وبصر ناقد؛ وأما الأعمى فلا يبصر للشمس ضياء، ولا للقمر نورا. ثم إن شيخنا –﵀ كان يدعو الناس إلى الصلوات الخمس، والمحافظة عليها حيث ينادى لها. وهذا من سنن الهدى، ومعالم الدين، كما دل على ذلك الكتاب والسنة١. ويأمر بالزكاة والصيام والحج، ويأمر بالمعروف ويأتيه، ويأمر الناس أن يأتوه ويأمروا به، وينهي عن المنكر ويتركه، ويأمر الناس بتركه والنهي عنه. وقد تتبع العلماء مصنفاته ٢ –﵀ من أهل زمانه وغيرهم، فأعجزهم أن يجدوا فيها ما يعاب –وأقواله في أصول الدين مما اجمع عليه أهل السنة والجماعة

стр. 655

وأما في الفروع والأحكام، فهو حنبلي المذهب، لا يوجد له قول مخالف لما ذهب إليه الأئمة الأربعة، بل ولا خرج عن أقوال أئمة مذهبه. على أن الحق لم يكن محصورا في المذاهب الأربعة كما تقدم، ولو كان محصورا فيهم لما كان لذكر المصنفين في الخلاف، وأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم، مما خرج عن أقوال الأربعة فائدة. والحاصل أن هذا المعترض المجادل، مع جهله، انعكس عليه أمره، فقبل قلبه ما كان منكرا، ورد ما كان معروفا، فأعداء الحق وأهله من زمن قوم نوح إلى أن تقوم الساعة، هذه حالهم وطريقتهم، فمن حكمة الرب أنه ابتلى عباده المؤمنين، الذين يدعون الناس إلى ما دعا إليه النبي ﷺ من الدين، بثلاثة أصناف من الناس، وكل صنف له أتباع. الصنف الأول: من عرف الحق فعاداه حسدا وبغيا، كاليهود، فإنهم أعداء الرسل والمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ١ ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢. الصنف الثاني: الرؤساء أهل الأموال، الذين فتنتهم دنياهم وشهواتهم، لأنهم يعلمون أن الحق يمنعهم من كثير مما أحبوه وألفوه من شهوات الغني، فلم يعبئوا بداعي الحق، ولم يقبلوا منه. الصنف الثالث: الذين نشئوا في باطل، وجدوا عليه أسلافهم، يظنون أنهم على حق، وهم على باطل، فهؤلاء لم يعرفوا إلا ما نشئوا عليه، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

стр. 656

وكل هذه الأصناف الثلاثة وأبتاعهم، هم أعداء الحق من لدن زمان نوح إلى أن تقوم الساعة. فأما الصنف الأول: فقد عرفت ما قال الله فيهم ١. وأما الصنف الثاني: فقد قال/الله/٢ فيهم: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣. وقال عن الصنف الثالث: ٤ ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ٥ ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٦ وقال: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ، فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ٧. وهؤلاء هم الأكثرون كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ﴾ ٨. وقال تعالى في سورة الشعراء عقب كل قصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ٩ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ١٠، وقال تعالى في قصة نوح ﵇: وَمَا آمَنَ مَعَهُ

стр. 657

إِلا قَلِيلٌ﴾ ١، وقال:/تعالى/٢: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾ ٣. فيا من نصح نفسه، ما ذكر الله في كتابه من ضلال الأكثرين لئلا تغتر بالكثرة من المنحرفين عن صراط المستقيم، الذي هو سبيل المؤمنين؛ وتدبر ما ذكر الله من أحوال أعداء المرسلين، وما فعل الله بهم، قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ، كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ الآية٤، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ ٥. والآيات في هذا المعنى كثيرة تبين أن أهل الحق أتباع الرسل هم الأقلون عددا، الأعظمون عند الله قدرا، وأن أعداء الحق هم الأكثرون في كل مكان وزمان،/حكمة بالغة/٦. وفي الأحاديث الصحيحة ما يرشد إلى ذلك، كما في الصحيح: أن ورقة بن نوف قال للنبي ﷺ : يا ليتني كنت فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، قال: "أو مخرجي هم" قال: نعم، لم يأت/رجل/٧ قط بمثل ما جئت به إلا عودي"٨.

стр. 658

فإذا كان هذا حال أكثر الخلق مع المرسلين، مع قوة عقولهم وفهومهم وعلومهم، فلا تعجب مما جرى في هذه الأوقات، ممن هو مثلهم في عداوة الحق وأهله، والصد عن سبيل الله مع ما في أهل هذه الأزمان من الرعونات والجهل وفرط الغلو في الأموات، كما قال تعالى عن أسلافهم وأشباههم: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ، إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ١. فاحتج سبحانه على بطلان دعوتهم غيره بأمور: منها: ﴿أنهم لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٢. فالمخلوق لا يصلح أن يقصد بشيء من خصائص الإلهية، لا دعاء ولا غيره، "والدعاء مخ العبادة" ٣. الثاني: كون الذين يدعونهم من دون الله أمواتا، غير أحياء، والمبيت لا يقدر على شيء فلا يسمع الداعي، ولا يستجيب له، ففيها معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٤، وفي هذه الآية أربعة أمور تبطل دعوة غير الله، وتبين ضلالة من دعا غير الله فتدبرها. والأمر الثالث وفي هذه الآية قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ٥ ومن لا يدري متى يبعث، لا يصلح أن يُدعى من دون الله، لا دعاء عبادة، ولا دعاء مسألة. ثم بين تعالى ما أوجبه على عباده من إخلاص العبادة لله، وأنه هو المألوه والمعبود

стр. 659

دون كل من سواه، فقال: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ١، وهذا هو/ الدين/٢ الذي بعث الله به رسله، وأنزله به كتبه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣. ثم بين تعالى حال أكثر الناس مع قيام الحجة عليهم، وبطلان ما هم عليه من الشرك بالله، وبيان ما افترض عليهم من توحيده فقال: ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ٤. فذكر سببين حائلين بينهم وبين قبول الحق الذي دعوا إليه، فالأول: عدم الإيمان باليوم الآخر. والثاني: التكبر، وهو حال الأكثرين، كما/قد/٥ عرف من حال الأمم. الذين بعث/ الله/٦ إليهم رسوله، كقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وغيرهم، وكيف جرى منهم وما حل بهم. وكحال كفار قريش والعرب وغيرهم، مع النبي ﷺ ، لما بعثه الله بالتوحيد والنهي عن الشرك والتنديد. فقد روى مسلم وغيره من حديث عمرو ابن عبسة ٧، أنه قال للنبي ﷺ لما قال له: " أنا نبي"، قال: وما نبي قال: "أرسلني الله"؛ قال: بأي شيء أرسلك قال: "بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيء" قال: فمن معك على هذا قال: "حر وعبد" ومعه يومئذ أبو بكر وبلال٨.

стр. 660

وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، الذين يصلحون إذا أفسد الناس" ١. وفسر الغرباء بأنهم النزاع من القبائل ٢ فلا يقبل الحق من القبيلة إلا نزيعة الواحد والاثنان، ولهذا قال بعض السلف: لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين. وعن بعضهم: ليس العجب ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا ٣. فإذا كان الأمر كذلك فلا تعجبوا من كثرة المنحرفين الناكبين عن الحق المبين، المجادلين في أمر الدين، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّار﴾ ٤. فأعظم منة على من رزقه الله معرفة الحق، الاعتصام بكتابه، والتمسك بتوحيده وشرعه، مع كثرة المخالف والمجادل بالباطل و ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ ٥. وصلى الله على /محمد/٦ سيد المرسلين وإمام المتقين وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 661

الرسالة الخامسة والأربعون: في ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وما قام به ودعى إليه مدخل ... ﴿الرسالة الخامسة والأربعون﴾ ١ ﴿في ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وما قام به ودعا إليه﴾ قال جامع الرسائل: وله ٢ أيضا –قدس الله روحه ونور ضريحه ورحمه رحمة الأبرار، وأدخله جنات تجري تحتها الأنهار- رسالة جواب سؤال عن حقيقة حال الشيخ محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله تعالى- ودعوته الناس إلى توحيد الله تعالى، وترك عبادة ما سواه، وبيان معتقده وما كان عليه. فأجاب –﵀ بهذا الجواب المفيد، والكلام الفائق الرائق السديد، الكاشف عن حال الشيخ الإمام، وعلم الهداة الأعلام، ناهج منهج الصواب، المتمسك بالسنة والكتاب، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وما كان عليه من حسن الاعتقاد، والقيام بتجديد هذه الدعوة بالجد والاجتهاد، ومصادمة من خرج عنها، بالبراهين والحجة والجهاد. وقد أجاد وأفاد –﵀ بهذه النبذة المفيدة اليسيرة، في بيان حال الشيخ في معتقده، والفضل والعلم والسيرة. وهذا نص الرسالة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، نحمده ونستعينه/ ونتوب إليه/٣، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بين يدي

стр. 662

الساعة بشيرا ونذيرا. أما بعد: فقد سألت –أرشدك الله- أن أُرسل إليه نبذة مفيدة كاشفة عن حال الشيخ الإمام العالم القدوة، المجدد لما اندرس من دين الإسلام، القائم بنصرة شريعة سيد الأنام، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أحسن الله له المآب وضاعف له الثواب، ويسر له الحساب. وذكرت –أرشدك الله- أن جهتكم لا يوجد فيها ذلك، وأن عندكم من الطلبة من يتشوق إلى تلك المناهج والمسالك، فكتبت إليه هذه الرسالة، وسودت إليك هذه الكراسة والعجالة، ليعلم الطالب ويتحقق الراغب حقيقة ما دعا إليه هذا الإمام، وما كان عليه من الاعتقاد والفهم التام، ويستبين للناظر فيها ما يبهت به الأعداء، من الأكاذيب والافتراء التي يرومون بها تنفير الناس عن المحجة والسبيل، وكتمان البرهان والدليل، وقد كثر أعداؤه ومنازعوه، وفشا البهت بينهم فيما قالواه ونقلوه، فربما اشتبه على طالب الإنصاف والتحقيق، والتبس عليه واضح المنهج والطريق، فإن استصحب الأصول الشرعية، وجرى على القوانين المرضية؛ عرف أن لكل نعمة حاسدا، ولكل حق جاحدا، ولا يقبل في نقل الأقوال والأحكام إلا العدول الثقاة الضابطين من الأنام. ومن استصحب هذا، استراح عن البحث فيما ينقل إليه، ويسمع، ولم يلتفت إلى أكثر ما يختلق ويصنع، وكان من أمره على منهاج واضح ومشرع.

стр. 663

فصل: نسب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونشأته ... "فصل" فأما نسب هذا الشيخ١: فهو الإمام العالم، القدوة البارع، محمد بن عبد الوهاب

стр. 664

ابن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف/ بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاحر محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن سنيع بن نهشل بن شداد بن زهير بن إدريس بن مسعود بن طارئة بن عمرو بن ربية بن ساعدة بن ثعلبة بن عقبة بن ملكان بن عدي بن عبد بن مناف بن تميم١/٢. ولد –﵀ سنة خمس عشر بعد المائة والألف من الهجرة النبوية، في بلد /العيينة/٣ من أرض نجد، ونشأ بها، وقرأ القرآن بها حتى حفظه وأتقنه قبل بلوغه العشر، وكان حاد الفهم، سريع الإدراك والحفظ، يتعجب أهله من فطنته وذكائه. وبعد حفظ القرآن اشتغل بالعلم، وجد في الطلب، وأدرك بعض الأرب قبل رحلته لطلب العلم، وكان سريع الكتابة، ربما كتب الكراسة في المجلس. قال أخوه سليمان٤ كان والده يتعجب من فهمه، ويعترف بالاستفادة منه مع صغر سنه. ووالده هو مفتي تلك البلاد، وجده مفتي البلاد النجدية، لآثاره وتصنيفه وفتاواه تدل على علمه وفقهه، وكان جده إليه المرجع في الفقه والفتوى، وكان معاصرا للشيخ

стр. 665

منصور البهوتي١ الحنبلي، خادم المذهب، اجتمع به بمكة. وبعد بلوغ الشيخ سن الاحتلام، قدمه والده في الصلاة ورآه أهلا للائتمام. ثم طلب الحج إلى بيت الله الحرام، فأجابه والده إلى ذلك المقصد والمرام، وبادر إلى قضاء فريضة الإسلام، وأداء المناسك على التمام. ثم قصد المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وأقام بها قريبا من شهرين، ثم رجع إلى وطنه قرير العين. واشتغل بالقراءة في "الفقه" على مذهب الإمام أحمد ﵀. ثم بعد ذلك رحل يطلب العلم، وذاق حلاوة التحصيل والفهم، وزاحم العلماء والمشائخ الأخيار، وأتى الإحساء، وهي إذ ذاك آهلة بالمشائخ والعلماء؛ فسمع وناظر وبحث واستفاد، وساعدته الأقدار الربانية بالتوفيق والإمداد. وروى عن جماعة، منهم: الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي ٢ ثم المدني، وأجازه من الطريقين. وأول ما سمع منه: الحديث المسلسل بالأولية في كتب السماع، بالسند المتصل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ

стр. 666

"الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" ١. وسمع منه مسلسل الحنابلة بسنده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا أراد الله/بعبد/٢ خيرا استعمله، قالوا: كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل موته" ٣. وهذا الحديث من ثلاثيات أحمد ﵀. وطالت إقامة الشيخ ورحلته/في/٤ البصرة. وقرأ بها كثيرا من الحديث والفقه والعربية، وكتب الحديث والفقه واللغة ما شاء الله في تلك الأوقات. وكان يدعو إلى التوحيد ويظهره لكثير ممن يخالطه ويجالسه، ويستدل عليه، ويظهر ما عنده من العلم وما لديه؛ كان يقول: إن الدعوة كلها لله، ولا يجوز صرف شيء منها إلى سواه. وربما ذكروا /بمجلسه/٥ إشارات الطواغيت، أو شيئا من كرامات الصالحين الذين كانوا يدعونهم ويستغيثون بهم ويلجئون إليهم في المهمات؛ فكان ينهى عن ذلك ويزجر، ويورد الأدلة من الكتاب والسنة ويحذر٦، ويخبر أن محبة الأولياء والصالحين، إنما هي متابعتهم في ما كانوا عليه من الهدى والدين، وتكثير

стр. 667

أجورهم بمتابعتهم على ما جاء به سيد المرسلين١. وأما دعوى المحبة والمودة مع المخالفة في السنة والطريقة، فهي دعوى مردودة غير مسلمة عند النظر والحقيقة٢، ولم يزل على ذلك ﵀. ثم رجع إلى وطنه، فوجد والده قد انتقل إلى بلدة حريملا٣، فاستقر معه فيها يدعو إلى السنة المحمدية ويبديها، ويناصح من خرج عنها ويفشيها، حتى رفع الله شأنه، ورفع ذكره، ووضع له القبول، وشهد له بالفضل ذووه، من أهل العقول والمنقول. وصنف كتابه المشهور في التوحيد، وأعلن بالدعوة إلى صراط العزيز الحميد، وقرأ عليه هذا الكتاب المفيد، يسمعه كثير ممن لديه من طالب ومستفيد، وشاعت نسخة في البلاد، وطار ذكره في الغور الأنجاد؛ وفاز بصحبته واستفاد من جرد القصد وسلم من الأشر والبغي والفساد، وكثر –بحمد الله- محبوه وجنده؛ وصار معه عصابة من فحول الرجال، وأهل السمت الحسن والكمال، يسلكون معه الطريق، ويجاهدون كل فاسق وزنديق.

стр. 668

فصل: حال البلاد في عصره ... "فصل" كان أهل عصره ومصره في تلك الأزمان، قد اشتدت غربة الإسلام بينهم، وعفت آثار الدين لديهم، وانهدمت قواعد الملة الحنيفية، وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية، وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان، وغلب الجهل والتقليد

стр. 669

والإعراض عن السنة والقرآن، وشب الصغير وهو لا يعرف من الدين إلا ما كان عليه أهل تلك البلدان، وهرم الكبير على ما تلقاه عن الآباء والأجداد، وأعلام الشريعة مطموسة؛ ونصوص التنزيل وأصولا لسنة فيما بينهم مدروسة، وطريقة الآباء والأسلاف مرفوعة الأعلام، وأحاديث الكهان والطواغيت/معبورة/١ غير مردودة ولا مدفوعة، قد خلعوا ربقة التوحيد والدين؛ وجدوا واجتهدوا في الاستعانة التعلق على غير الله، من الأولياء والصالحين، والأوثان والأصنام والشياطين، وعلماؤهم ورؤساؤهم على ذلك مقبلون، ومن بحره الأجاج شاربون، وبه راضون؛ وإليه/مدى/٢ الزمان داعون قد أعشتهم العوائد والمألوفات، وحبستهم الشهوات والإرادات، عن الارتفاع إلى طلب الهدى من النصوص المحكمات والآيات البينات، بحتجون بما رووه من الآثار الموضوعات، والحكايات المختلفة والمنامات، كما يفعله أهل الجاهلية وغير الفترات، وكثير منهم يعتقد النفع والشر في الأحجار والجمادات، ويتبركون بالآثار والقبور في جميع الأوقات ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٣ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ٤، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٥. فأما بلاد نجد، فقد بالغ الشيطان في كيدهم وجدَّ، وكانوا ينتابون قبر زيد بن الخطاب٦

стр. 670

ويدعونه رغبا ورهبا بفصيح الخطاب١، ويزعمون أنه يقضي لهم الحوائج ويرونه أكبر الوسائل والولائج٢، وكذلك عند قبر يزعمون أنه قبر ضرار ابن الأزور٣، وذلك كذب ظاهر، وبهتان مزور. وكذلك عندهم نخل فحال ينتابه النساء والرجال، ويفعلون عند أقبح الفعال؛ والمرأة إذا تأخر عنها الزواج، ولم يرغب فيها الأزواج، تذهب إليه فتضمه بيدها وتدعوه برجاء وابتهال، وتقول: يا فحل الفحول، أريد زوجا قبل الحول. وشجرة عندهم تسمى/الطريقة/٤ أغراهم الشيطان بها، وأوحى إليهم التعلق عليها، وأنها ترجى/منها/٥ والبركة، ويعقلون/ عليها/٦ الخرق لعل الولد يسلم من السوء. وفي أسفل بلدة الدرعية مغارة في الجبل يزعمون أنها/ انفقلت/٧ من الجبل، لامرأة تسمى بنت الأمير، أراد بعض الناس أن يظلمها ويضير، فانفلق/لها/٨ الغار، ولم يكن له عليها اقتدار. كانوا يرسلون إلى هذا المكان من اللحم والخبز ما يقتات به جند الشيطان.
следующие страницы →