← Фатава

Фатава · id 12033

عيون الرسائل والأجوبة على المسائل

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (983 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

عن سبيل الله] ١ ويعوضون بأنفسهم، ويمنعون غيرهم/ إذ/٢ التابع لهم يعتقد أن هذا هو سبيل الله ودينه، فيمتنع بسبب ذلك من الدخول في دين الحق الذي بعث الله به/ رسله/٣، وأنزل به كتبه. والله سبحانه/ وتعالى/٤ لم يذكر في كتابه المشاهد، بل ذكر المساجد، وأنها خالصة لوجهه، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ٧ وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً﴾ ٨. ولم يذكر بيوت الشرك؛ كبيوت النيران والأصنام والمشاهد، لأن الصوامع والبيع لأهل الكتاب، فالممدوح من ذلك ما كان/ مبنيا/٩ قبل النسخ والتبديل، يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون الصالحات. فبيوت الأوثان وبيوت النيران وبيوت الكواكب وبيوت المقابر، لم يمدح الله شيئا منها، ولم يذكر ذلك إلا في قصة من لعنهم النبي ﷺ قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ ١٠. فهؤلاء الذين اتخذوا مسجدا على أهل الكهف كانوا من النصارى الذين لعنهم رسول الله ﷺ حيث قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" /١١ وفي

стр. 702

رواية: "وصالحيهم"١، ودعاء المقبورين من أعظم الوسائل إلى ذلك"٢. "وقد قدم بعض شيوخ المشرق فتكلم معي في هذا، فبينت له فساد هذا، فقال: أليس قد قال النبي ﷺ : " إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور" فقلت هذا كذب باتفاق أهل العلم، لم يروه عن النبي ﷺ أحد من علماء الحديث٣. وبسبب هذا وأمثاله ظهر مصداق قول النبي ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه؛ قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى قال: فمن؟ " ٤"٥. "وهؤلاء المشركون، إذا حصل لأحدهم مطلبه ولو من كافر، لم يُقبل على الرسول، بل يطلب حاجته من حيث تُقضى، فتارة يذهب إلى ما يظنه قبر رجل صالح، ويكون فيه/كافر/٦ أو

стр. 703

منافق؛ وتارة يعلم أنه كافر أو منافق، فيذهب إليه، كما يذهب قوم إلى الكنيسة أو إلى مواضع يقال لهم إنها تقبل النذور١. فهذا يقع فيه عامتهم. وأما الأول٢ فيقع فيه خاصتهم "٣. "والمقصود هنا أن كثيرا من الناس يعظم قبر من يكون في الباطن كافرا ومنافقا، ويكون هذا عنده والرسول من جنس واحد، لاعتقاده أن الميت يقضي حاجته إذا كان رجلا صالحا؛ وكلا هذين/عنده/٤ من جنس واحد يستغيث به. وكم من مشهد يعظمه الناس وهو كذب، بل يقال/ إنه/٥ قبر كافر، كالمشهد الذي بسفح جبل لبنان الذي يقال إنه قبر نوح، فإن أهل المعرفة كانوا يقولون إنه قبر بعض العمالقة. وكذلك مشهد الحسين الذي بالقاهرة، وقبر أبي بن كعب الذي بدمشق، اتفق العلماء على أنها كذب، ومنهم من قال إنهما/ قبرا/٦ نصرانيين. وكثير من المشاهد تنازع/الناس/٧ فيها، وعدنها شياطين تُضل/بسببها/٨ من تضل، ومنهم من يرى في المنام شخصا يظن أنه المقبور، ويكون ذلك شيطانا، متصورا بصورته، كالشياطين الذين يكونون بالأصنام، وكالشياطين الذين يتمثلون لمن يستغيث بالأصنام والموتى والغائبين ٩، وهذا كثير في زماننا وغيره، مثل أقوام يرصدون بعض التماثيل

стр. 704

التي بالبراري بديار مصر/بإخميم/١ وغيرها، /يرصدون/٢ التمثال مدة لا يتطهرون طهر المسلمين، ولا يصلون صلاة المسلمين، ولا يقرءون، حتى يتعلق الشيطان تلك الصورة، فيراها تتحرك، فيطمع فيها أو غيرها، فيرى/ شيطانا/٣ قد خرج له فيسجد لذلك الشيطان حتى يقضي/ بعض/٤ حوائجه. ومثل هؤلاء كثير في شيوخ الترك/ الكفار/٥، يسمونه/البودي/٦ وهو المخنث عندهم، إذا طلبوا منه بعض هذه الأمور، أرسلوا إليه من ينكحه،/ونصبوا/٧ له حركات عالية في ليلة مظلمة، وقربوا له خبزا وميتة، وغنوا غناء يناسبه، بشرط أن لا يكون عنده من يذكر الله ٨، ولا هنالك شيء فيه من ذكر الله، ثم يصعد ذلك الشيخ المفعول به في الهواء، ويرون الدف يطير في الهواء، وتضرب من مد يديه إلى الخبز، ويضرب الشيطان بآلات اللهو وهم يسمعون،/ويغني/٩ لهم الأغاني التي

стр. 705

كانت يغنيها آباؤهم الكفار. ثم قد يغيب. وكذلك الطعام، وقد/نقل/١ إلى بيت /البودي/٢ وقد لا يغيب؛ /ويقربون/٣ له ميتة، يحرقونها بالنار، /فيقضي/٤ بعض حوائجهم"٥. ومثل هذا كثير للمشركين، فالذي يجري عند المشاهد من جنس ما يجري عند الأصنام، وقد تيقنت بطرق متعددة أن ما يشرك به من دون الله، من صنم وقبر وغير ذلك، يكون عنده شياطين، تُشل من أشرك به؛ وأن تلك الشياطين لا يقضون إلا بعض أغراضهم، وإنما يقضون بعض أغراضهم إذا حصل لهم من الشرك والمعاصي ما يحبه الشيطان. /فمنهم من يأمر الداعي أن يسجد له، ومنهم من يأمره بالفواحش، وقد يفعلها الشيطان/٦ وقد ينهاه عما أمر به من التوحيد والإخلاص والصلوات الخمس وقراءة القرآن ونحو ذلك٧. والشياطين تُغوي الإنسان بحسب ما تطمع منه، فإن كان ضعيف الإيمان أمرته بالكفر البين، وإلا أمرته بما هو فسق أو معصية، وإن كان قليل العلم أمرته بما لا يعرف أنه مخالف للكتاب والسنة؛ وقد وقع في هذا النوع كثير من الشيوخ الذين لهم نصيب وافر من الدين والزهد والعبادة، لكن لعدم علمهم بحقيقة الدين الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، طمعت فيهم الشياطين، حتى أوقعوهم فيما يخالف الكتاب والسنة. وقد جرى لغير واحد من /أصحابنا/٨

стр. 706

المشائخ، يستغيث بأحدهم بعض أصحابه فيرى الشيخ في اليقظة، حتى قضى ذلك المطلوب١. وإنما هي /شياطين/٢ تتمثل للمشركين الذين يدعون غير الله. والجن بحسب الإنس، فالكافر للكافر، والفاجر للفاجر، والجاهل للجاهل. وأما أهل العلم والإيمان فاتباع الجن لهم كاتباع الإنس، يتبعونه فيما أمر الله به /و/٣ رسوله. "وكان رجل يباشر التدريس وينتسب إلى الفتيا، كان يقول: النبي ﷺ يعلم ما لا يعلمه الله٤، ويقدر على ما لا يقدر الله عليه، وأن هذا السر انتقل بعده إلى الحسين ٥، ثم انتقل في ذرية الحسن إلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي٦، ٧. وقالوا هذا مقام القطب الغوث٨

стр. 707

/الفرد/١ الجامع. وكان شيخ آخر معظم عند أتباعه، يدَّعي هذه المنزلة، ويقول إنه المهدي الذي بشر به النبي ﷺ وأنه يزوج عيسى ابنته، وأن تواصي الملوك بيده، والأولياء بيده، يولي من يشاء ويعزل من يشاء، وأن الرب يناجيه دائما، وأنه الذي يمد حملة العرش وحيتان البحر؛ وقد عزَّرته تعزيرا بليغا في يوم مشهود، في حضرة من أهل المسجد الجامع يوم الجمعة بالقاهرة، فعرفه الناس، وانكسر بسببه أشباهه من الدجاجلة. ومن هؤلاء من يقول: قول الله سبحانه/ وتعالى/٢ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ ٣ أن الرسول هو الذي يسبح بكرة وأصيلا. ومنهم من يقول: إن الرسول يعلم مفاتيح الغيب الخمس، التي قال النبي ﷺ فيها: "خمس لا يعلمهن إلا الله، إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت/إن الله عليم خبير/٤"٥. وقال إنه علمها بعد أن أخبر أنه لا يعلمها إلا الله.

стр. 708

ومنهم من يقول: أسقط الربوبية، وقل في الرسول ما شئت. ومنهم من يقول: نحن نعبد الله ورسوله. ومنهم من يأتي إلى قبر الميت فيقول: اغفر لي وارحمني ولا توقفني على زلة. إلى أمثال هذه الأمور التي يتخذ فيها المخلوق إلها١. /أقول/٢: وهذه سنة مأثورة وطريقة مسلوكة والله غير مهجورة، وضلالة واضحة مشهورة، وبدعة مشهورة غير منكورة، وأعلامها مرفوعة منشورة، وراياتها منصوبة غير مكسورة، وبراهينها غير محدودة ولا محصورة، ودلائلها في كثير من المصنفات والمناظيم مذكورة، كما قال ذلك في البردة، وبين في ذلك قصده: دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم٣ فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم٤ ولو نطيل بنقل هذه الأخبار، لحررنا مها أسفارا، /فلنكف عنان القلم/٥ اليراع٦ في هذا؟ الميدان. فالحكم والله لا يخفى على ذي عيان، بل أجلى من ضياء الشمس

стр. 709

في البيان. فلما استقر هذا في نفوس عامتهم، تجد أحدهم إذا سئل عمن ينهاهم، ما يقول هذا؟ فيقول: فلان ما ثم عنده إلا الله، لما استقر في نفوسهم أن يجعلوا مع الله إلها آخر، وهذا كله وأمثاله وقع ونحن بمصر، وهؤلاء الصالحون مستخفون بتوحيد الله، ويعظمون دعاء غير الله من الأموات، فإذا أمروا بالتوحيد ونهوا عن الشرك استخفوا الله، كما أخبر الله تعالى عن المشركين بقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً﴾ ١. فاستهزؤا بالرسول ﷺ لما نهاهم عن الشرك. وقال تعالى عن المشركين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ، بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٣. وما زال المشركون يُسَفِّهون الأنبياء ويصفونهم بالجنون والضلال والسفاهة، كما قال قوم نوح لنوح، وعاد لهو ﵉، ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٤. فأعظم ما سفهوه لأجله، وأنكروه هو التوحيد. وهكذا تجد من فيه شبه من هؤلاء من بعض الوجوه، إذا رأى من/يدعو/٥ إلى توحيد الله، وإخلاص الدين له، وأن لا يعبد الإنسان إلا الله، ولا يتوكل إلا عليه، استهزأ بذلك لما عنده من الشرك.

стр. 710

"١ وكثير من هؤلاء يخربون المساجد ويعمرون المشاهد، فتجد المسجد الذي /بُني للصلوات/٢ الخمس معطلا مخربا ليس له كسوة إلا من الناس، وكأنه خان من الخانات، والمشهد الذي/ بُني/٣ على الميت /عليه/٤ الستور وزينة الذهب والفضة والرخام، والنذور تغدو إليه وتروح، فهل هذا إلا من استخفافهم بالله وآياته ورسوله، وتعظيمهم للشرك، فإنهم يعتقدون أن دعاءهم للميت الذي بني له المشهد، والاستغاثة به، أنفع لهم من دعاء الله والاستغاثة به، في البيت الذي بُني لله ، ففضلوا البيت الذي بني لدعاء المخلوق، على البيت الذي بني لدعاء الخالق. وإذا كان لهذا وقف، ولهذا وقف، كان وقف الشرك أعظم عندهم، مضاهاة لمشركي العرب/ الذين/٥ ذكر الله حالهم في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً﴾ الآية٦ /كانوا/٧ يجعلون له زرعا وماشية، ولآلهتهم زرعا وماشية. فإذا أصيب نصيب آلهتهم أخذوا من نصيب الله، فوضعوه فيه، وقالوا: الله غني وآلهتنا فقيرة ٨ فيفضلون ما يجعل لغير الله على ما يجعل لله، وهكذا/ حال الوقوف/٩ والنذور التي تبذل عندهم للمشاهد، أعظم مما يبذل عندهم للمساجد /ولعمارة/١٠ المساجد والجهاد في سبيل الله.

стр. 711

وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه، بكى عنده وخضع، ويدعو ويتضرع، ويحصل له من الرقة والتواضع والعبودية وحضور القلب، ما لا يحصل له مثله في الصلوات الخمس والجمع، وقيام الليل، وقراءة القرآن؛ فهل هذا الأمر إلا من حال المشركين المبتدعين لا الموحدين المخلصين المتبعين لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومثل هذا إذا سمع الآيات، يحصل له من الحضور والخشوع والبكاء، ما لا يحصل له مثله عند سماع آيات الله؛ فيخشع عند سماع المبتدعين المشركين، ولا يخشع عند سماع المتقين المخلصين، بل إذا سمعوا آيات الله استثقلوها وكرهوها واستهزؤا بها، فيجعل لهم أعظم/ نصيب/١ من قوله: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ٢. وإذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لاهية، وألسنة لاغية، كأنهم صم عمي، وإذا سمعوا الأبيات حضرت قلوبهم، وسكتت ألسنتهم، وسكنت حركاتهم، حتى لا يشرب العطشان/منهم ماء/٣. "ومن هؤلاء/من/٤ إذا كانوا في سماعهم، فأذن المؤذن قالوا: نحن في شيء أفضل مما دعانا إليه. ومنهم من يقول: كنا في الحضرة، فإذا قمنا إلى الصلاة صرنا إلى الباب. وقد سألني بعضهم عمن قال ذلك من هؤلاء الشيوخ الضلال، فقلت/صَدَقَ، كان في حضرة/٥ الشيطان، فصار على باب الله، فإن البدع والضلال، فيها من حضور الشيطان، ما قد فُصِّل في غير هذا الموضع"٦. والذين جعلوا دعاء الموتى من الأنبياء والأئمة والشيوخ، أفضل من دعاء الله أنواع متعددة منهم: من تقدم؛ ومنهم من يحي أنواعا من الحكايات [مثل حكاية أن بعض

стр. 712

المريدين استغاث بالله فلم بغتة، فاستغاث بشيخه فأغاثه. وحكاية أن بعض المأسورين في بلاد العدو دعا الله ١] /فلم يخرجه/٢ فدعا بعض المشايخ الموتى /فجاءه/٣ فأخرجه إلى بلاد الإسلام. وحكاية أن بعض المشايخ قال لمريده: إذا كانت لك إلى الله حاجة فتعال إلى قبري، وآخر قال: فتوسل إلى الله بي، وآخر قال: قبر فلان هو الترياق المجرب. فهؤلاء وأشباههم يرجحون هذه الأدعية، على أدعية المخلصين لله، مضاهاة للمشركين. وهؤلاء يتمثل لكثير منهم صورة شيخه الذي يدعوه، فيظنه إياه، أو ملكا على صورته، وإنما هو شيطان أغواه. ومن هؤلاء من إذا/نزلت/٤ به شدة، لا يدعو إلا شيخه، ولا يذكر إلا اسمه، قد لهج به كما يلهج الصبي بذكر أمه،/فيتعسر/٥ أحدهم فيقول: يا فلان٦. وقد قال الله للمؤمنين: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ ٧. ومن هؤلاء من يحلف بالله فيكذب٨ ويحلف بشيخه وإمامه فيصدق، فيكون شيخه عنده في ٩ صدره أعظم١٠

стр. 713

/من الله/١. ٢ فإذا كان دعاء الموتى مثل الأنبياء والصالحين يتضمن هذا الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، فأي الفريقين أحق بالاستهزاء بالله وآياته ورسوله من كان يأمر بدعاء الموتى والاستغاثة بهم، مع ما يترتب على ذلك من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، أو من كان يأمر بدعاء الله وحده لا شريك له، كما أمرت رسله ويوجب طاعة الرسول ومتابعته في كل ما جاء به، وأيضا فإن هؤلاء الموحدين من أعظم الناس لجانب الرسول ﷺ تصديقا له فيما أخبر، وطاعة له فيما أمر، واعتناء بما بعث به. ولتمييز ما روي عنه من الصحيح والضعيف والصدق والكذب، واتباع ذلك دون ما خالفه، عملا بقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣. وأما/أولئك/٤ الضلال أشباه المشركين النصارى، فعمدتهم إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو منقولات ممن لا يحتج/بقوله/٥،/وإما/٦ أن تكون كذبا عليه، وإما أن يكون/غلطا/٧ منه، إذ هي نقل غير مصدق من قائل غير معصوم؛ وإن

стр. 714

اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول، حرفوا الكلم عن مواضعه، وتمسكوا بمتشابهه، وتركوا محكمه، كما فعله النصارى. وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء، لكنه موجود في كلام بعد الناس، مثل الشيخ يحيى الصرصري١، ففي شعره قطعة منه، والشيخ محمد بن النعمان٢ وكتاب "المستغيثين بالنبي/ ﷺ /٣ في اليقظة والمنام"٤. وهؤلاء لهم صلاح ودين، لكن ليسوا من أهل العلم، العالمين بمدارك الأحكام، الذي يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام، وليس لهم دليل شرعي، ولا نقل عن عالم مرضي، بل عادة/ جروا/٥ عليها كما جرت عادة كثير من الناس، بأنه يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه، وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم، ولهم صلاح وعلم وزهد، إذا نزل به أمر، خطا إلى جهة الشيخ عبد القادر خطوات معدودة، واستغاث به. وهذا يفعله كثير من الناس ٦ ٧. ولهذا

стр. 715

لما نُبه/من نبه/١ من فضلائهم، تنبهوا، وعلموا أن ما كانوا عليه ليس من دين الإسلام/ في شيء/٢، بل هو مشابهة لعباد الأصنام، ونحن نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأموات، لا الأنبياء ولا غيرهم بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما لم يشرع السجود لميت، ولا إلى ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك، حتى يبين لهم ما جاء به الرسول مما يخالفه٣، ولهذا ما بينت المسألة قط لمن يعرف دين الإسلام إلا تفطن لهذا، وقال:/هذا هو أصل دين الإسلام/٤. وكان بعض أكابر الشيوخ العارفين من أصحابنا، يقول: هذا أعظم ما بينته لنا، لعلمه بأن هذا أصل الدين، وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى، يدعون الأموات ويسألونهم، ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم، وربما كان/ الذي/٥ يفعلونه بالأموات أعظم، لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم،/ فيدعون/٦ دعاء المضطر، راجين قضاء حاجاتهم بدعائه، أو الدعاء به أو الدعاء عند قبره، بخلاف عبادتهم/لله ودعائهم/٧ إياه؛ فإنه يفعلونه في كثير من الأوقات على وجه العادة.

стр. 716

والتكلف، حتى أن العدو١ الخارج عن شريعة الإسلام، لما قدم دمشق، خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف ضرهم. قال بعضهم: يا خائفين من التتر ... لوذوا٢ بقبر أبي عمر ينجيكمو من الضرر فقلت لهؤلاء الذين يستغيثون بهم: لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، فإنه كان قد قضى أن العسكر ينكسر لأسباب اقتضت ذلك، ولحكمة كانت لله في ذلك. ولهذا كان أهل المعرفة في الدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة، لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله، فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر بإخلاص الدين لله، والاستغاثة به، وأنهم لا يستغيثون إلا إياه ولا يستغيثون /لا/٣ بملك مقرب ولا نبي مرسل، فلما أصلح الناس أمورهم، وصدقوا بالاستغاثة بربهم، نصرهم على عدوهم نصرا عزيزا لم يتقدم نظيره، ولم يهزم التتار مثل هذه الهزيمة أصلا، لما صح من توحيد الله وطاعة رسوله، ما لم يكن قبل ذلك، فالله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ٤، كما قال تعالى في يوم بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ٥. وروي أن النبي ﷺ كان يقول كل يوم: "يا حي يا يقوم برحمتك أستغيث" ٦.

стр. 717

/و/١ في لفظ: "أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك" ٢ وهؤلاء يدعون الميت والغائب، فيقول أحدهم: بك أستغيث، بل أستجير، أغثنا أجرنا، ويقول: أنت تعلم ذنوبي، ومنهم من يقول للميت: اغفر لي وارحمني وتب عليّ ونحو ذلك٣. ومن لم يقل هذا ن عقلائهم فإنه يقول: أشكو إليك ذنوبي، وأشكو إليك عدوي، وأشكو إليك جور الولاة، وظهور البدع، أو جدب الزمان، وغير ذلك، فيشكو إليه ما حصل من ضرر الدين والدنيا. ومقصوده في الشكوى أن يُشكيه٤ فيزيل ذلك الضرر. وقد يقول –مع ذلك- للميت: أنت تعلم ما نزل بنا من الضرر، وأنت تعلم ما فعلته من الذنوب، فيجعل الميت والحي والغائب عالما بذنوب العباد،/ ومجرياتهم/٥ التي يمتنع

стр. 718

أن/يعلمها/١ بشر حي أو ميت. وعقلاؤهم يقولون: مقصودنا أن يسأل الله لنا، /ويشفع لنا/٢ ويظنون أنهم إذا سألوه بعد موته أن يسأل الله لهم، فإنه يسأل ويشفع كما كان٣ يسأل ويشفع لما سأله الصحابة الاستسقاء وغيره، وكما يشفع يوم القيامة إذا سئل الشفاعة، ولا يعلمون أن سؤال الميت والغائب غير مشروع البتة، ولم يفعله أحد من الصحابة، بل عدلوا عن سؤاله وطلب الدعاء منه، وأن الرسول ﷺ وسائر الأنبياء والصالحين وغيرهم، لا يطلب من أحدهم بعد موته من الأمور ما كان يطلب منه في حياته. انتهى كلام الشيخ –﵀ تعالى مخلصا٤. فانظر –رحمك الله- إلى ما ذكره هذا الإمام من أنواع الشرك الأكبر، الذي قد وقع في زمانه، ممن يدعي العلم والمعرفة،/وينتصب/٥ للفتيا والقضاء،، لكن لما نبههم الشيخ –رحمه الله تعالى- على ذلك، وبين لهم أن هذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، تنبه من تنبه منهم وتاب إلى الله، وعرف أن ما كان عليه شرك وضلال، وانقاذ للحق. وهذا مما يبين لك غربة الإسلام في ذلك الوقت عدد كثير من الأنام، وأن هذا مصداق ما تواترت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" الحديث٦ وقوله: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ" ٧.

стр. 719

وبهذا ينكشف لك ويتضح عندك بطلان ما عليه كثير من أهل الزمان من أنواع الشرك والبدع الحدثان، فلا تغتر بما هم عليه. وهذه هي البلية العظيمة، والخصلة القبيحة الذميمة، وهي الاغترار بالآباء والأجداد، وما استمر عليه عمل كثير من أهل البلاد، وتلك الحجة التي/ انتحلها/١ أهل الشرك والكفر والعناد، كما حكى الله تعالى ذلك عنهم في محكم التنزيل، من غير شك ولا تأويل، حيث قال/ الله تعالى:٢ وهو أصدق القائلين حكاية عن فرعون اللعين، أنه قال لموسى وأخيه هارون الكريمين: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ ٣ فأجابه ﵇ بقوله: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ ٤. فمن امتطى كاهل الصدق والوفاء، سلم من التعصب والعناد والجفاء، وتوسط في/ لاحب/٥ المحجة، وقنع في قبول الحق بالحجة، وكان ذلك طريقه/و/٦، وأشرق في صدره مصباح القبول، وأوقد فيه بزيت المعرفة والوصول، وكان من ضوء التوحيد على حصول.

стр. 720

فصل: الغلو في تعظيم الصالحين ذريعة إلى الشرك ... "فصل"٧ قال ابن القيم٨ ﵀ في الإغاثة ٩: قال ﷺ : "لا تتخذوا

стр. 721

قبري عيدا" ١ وقال: "اللهم لا تجعل قبري يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٢. وفي اتخاذها عيدا من المفاسد ما يغضب من أجله من كان في قلبه وقار لله، وغيرة على التوحيد –ولكن "ما لجرح بميت إيلام"٣ منها- الصلاة إليها، والطواف بها، واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، وسؤالهم النصر والرزق والعافية، وقضاء الديون، وتفريج الكربات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم. وكل من شم أدنى رائحة من العلم، يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى ذلك وأنه ﷺ أعلم بعاقبة ما نهى عنه،/وما/٤ يؤول إليه. وإذا لعن من اتخذ القبور مساجد يعبد فيها، فكيف بملازمتها واعتياد قصدها وعبادتها؟!. ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به، وما نهى عنه، وما عليه أصحابه؛ وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهما مضادا للآخر. فنهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد؛ ونهى عن تسريجها، وهؤلاء يوقفون عليه الوقوف على إيقاد القناديل عليها/ ٥؛ ونهى أن تتخذ عيدا،

стр. 722

وهؤلاء يتخذونها أعيادا؛ ونهى عن تشريفها، وأمر بتسويتها، كما في صحيح مسلم، عن علي رضي الله عنه١، وهؤلاء يرفعونها ويجعلون عليها القباب، ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه، كما في صحيح مسلم عن جابر ﵁ ٢. ونهى عن الكتابة عليها، كما رواه الترمذي في صحيحه عن جابر٣. ونهى أن يزاد عليها غير ترابها، كما رواه أبو داود عن جابر٤؛ وهؤلاء يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن، ويزيدون على ترابها بالجص والآجر والأحجار. وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا، ووضعوا لها مناسك، حتى صنف بعضهم في ذلك كتابا سماه "مناسك حج المشاهد" ٥./ولا يخفى/٦ أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد الأصنام. فانظروا إلى التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله ﷺ لأمته، وبين ما شرعه هؤلاء.

стр. 723

والنبي ﷺ أمر بزيارة القبور لأنها تذكر الآخرة١ وأمر الزائر أن يدعو لأهل القبور، ونهاه عن أن يقول هجرا٢. فهذه الزيارة/التي/٣ أذن رسول الله ﷺ فيها لأمته، وعلمهم إياها، هل تجد فيها شيئا مما يعتمد عليه أهل الشرك والبدع أم تجدها مضادة لما هم عليه من كل وجه وما أحسن ما / قال الإمام مالك/٤ ﵀ لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها٥. ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، عوضوا عن ذلك بما أحدثوا من البدع والشرك. ولقد جرد السلف الصالح التوحيد، وحموا جانبه حتى كان أحدهم إذا سلم على النبي ﷺ ، ثم أراد الدعاء جعل ظهره إلى جدار القبر ثم دعا ٦.

стр. 724

وقد نص على ذلك الأئمة الأربعة، أنه يستقبل القبلة للدعاء، حتى لا يدعو عند القبر، فإن الدعاء عبادة١. وبالجملة فإن الميت قد انقطع عمله، فهو محتاج إلى من يدعو له، ولهذا شرع في الصلاة عليه من الدعاء ما لم يشرع/ مثله/٢ للحي. ومقصود الصلاة على الميت الاستغفار والدعاء له٣؛ وكذلك الزيارة مقصودها الدعاء للميت والإحسان إليه، وتذكير الآخرة؛ فبدل أهل البدع والشرك قولا غير الذي قيل لهم، فبدلوا الدعاء له٤ بدعائه نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به؛ والزيارة التي شرعت إحسانا إلى الميت وإلى الزائر، بسؤال الميت والإقسام به على الله، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو محض العبادة، وحضور القلب عندها وخشوعه أعظم منه في المساجد. ثم ذكر حديث أنواط، ثم قال: فإذا كان اتخاذ الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف /حولها/٥ اتخاذ إله مع الله، وهم لا يعبدونها، و/لا/٦ يسألونها، فما الظن بالعكوف حول القبر ودعائه، والدعاء به وأي نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر، لو

стр. 725

كان أهل الشرك والبدع يعلمون!. ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله، وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم، في هذا الباب وغيره، علم أن/ما/١ بين السلف وبينهم أبعد مما بين المشرق والمغرب. والأمر –والله- أعظم مما ذكرنا. وعمَّى٢ الصحابة قبر دانيال٣ بأمر عمر ﵁؛ ولما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التي بويع الرسول ﷺ تحتها، أرسل إليها وقطعها٤. قال عيسى بن يونس٥: وهو عندنا من حديث/ ابن عون/٦ عن نافع ٧ ٨.

стр. 726

فإذا كان هذا فعله في الشجرة التي/ ذكرها/١ الله في القرآن٢، وبايع تحتها الصحابة –﵃ رسول الله ﷺ ،/ فماذا/٣ حكمه فيما عداها؟. وأبلغ من ذلك أن رسول الله ﷺ هدم مسجد الضرار٤، ففيه دليل على هدم المساجد التي/هي/٥ أعظم فسادا منه، كالمبنية على القبور؛ وكذلك قبابها. فتجب المبادرة إلى هدم ما لعن رسول الله ﷺ فاعله، والله يقيم لدينه من ينصره ويذب عنه. وكان بدمشق كثير من هذه الأنصاب، فيسر الله –سبحانه- كسرها على يد شيخ الإسلام، وحزب الله الموحدين؛/ وكان العامة يقولون للشيء/٦ /منها/٧ إنه يقبل النذر، أي يقبل العبادة من دون الله، فإن النذر عبادة يتقرب بها الناذر إلى الله المنذور /له/٨.

стр. 727

ولقد أنكر السلف التمسح بحجر المقام، الذي أمر الله أن يتخذ منه مصلى؛ قال قتادة في الآية:١ "إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها، ذكر لنا من رأى/ أثره وأصابعه/٢، فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخلولق٣" ٤. وأعظم/من/٥ الفتنة بهذه الأنصاب، فتنة أصحاب القبور، وهي أصل فتنة عبادة الأصنام، كما ذكر الله في سورة نوح في قوله: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً﴾ الآية٦؛ ذكر السل في تفسيرها: أن هؤلاء أسماء رجال صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم٧.

стр. 728

وتعظيم الصالحين إنما هو باتباع ما دعوا غليه، دون اتخاذ قبورهم أعيادا وأوثانا، فأعرضوا عن المشروع واشتغلوا بالبدع. ومن أصغى إلى كلامه وتفهمه أغناه عن البدع والآراء، ومن يَعُدَ عنه، فلا بد أن يتعرض بما لا ينفعه، كما أن من عمر قلبه بمحبة الله وخشيته، والتوكل عليه، أغناه عن محبة غيره، وخشيته والتوكل عليه. فالمعرض عن التوحيد مشرك، شاء أم أبى، /والمعرض عن السنة مبتدع شاء أم أبى، والمعرض عن محبة الله عبد الصور شاء أم أبى/١. أبعدها عن الشرع: أن يسأل الميت حاجته، كما يفعله كثير، وهؤلاء من جنس عباد الأصنام. ولهذا يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت، كما يتمثل لعباد الأصنام، وكذلك السجود للقبر وتقبيله والتمسح به. /"والنوع الثاني"/٢: أن يسأل الله به. وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو بدعة إجماعا. "النوع الثالث" أن يظن أن الدعاء عنده مستجاب. وأنه أفضل من الدعاء في المسجد، فيقصد القبر لذلك. فهذا أيضا من المنكرات إجماعا، وما عملت/في ذلك/٣ نزاعا بين أئمة الدين، وإن كان/ كثير/٤ من المتأخرين يفعله٥. وبالجملة٦

стр. 729

فأكثر أهل الأرض مفتونون بعبادة الأصنام، ولم يتخلص/ منها/١ إلا الحنفاء أتباع ملة إبراهيم. وعبادتها في الأرض من قبل نوح، وهياكلها ووقوفها وسدنتها وحجابها والكتب المصنفة في عبادتها طبق الأرض. قال إمام الحنفاء ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ ٢؛ وكفى في معرفتهم أنهم/ أكثر/٣ أهل الأرض، بما صح عن النبي ﷺ أن بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين٤. وقد قال تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُوراً﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٦. ولو لم تكن الفتنة بعبادة الأصنام عظيمة، لما أقدم عبادها على بذل نفوسهم وأموالهم وأبنائهم دونها، وهم يشاهدون مصارع إخوانهم وما حل بهم، ولا يزيدهم ذلك إلا حبا وتعظيما، ويوصي بعضهم بعضا بالصبر عليها٧. انتهى كلام الشيخ ﵀ ملخصا.

стр. 730

/وقال الشيخ/١ تقي الدين في الرسالة السنية، لما ذكر حديث الخوارج ومروقهم من الدين، وأمره ﷺ بقتالهم٢ قال: فإذا كان على عهد النبي ﷺ وخلفائه من انتسب إلى الإسلام والسنة، / قد مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام/٣،/في/٤ هذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام، وذلك بأسباب، منها: الغلو الذي ذمه الله في كتابه، حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ الآية ٥. وعلي بن أبي طالب/ ﵁/ /٦، حرق الغالية من الرافضة، وأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة، فقذفهم فيها. واتفق الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس ﵁ مذهبه أنه يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو قول أكثر العلماء. / وقصتهم/٧ معروفة عن العلماء. وكذلك الغلو في بعض المشائخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في الشيخ/ عدي/٨ ونحوه. فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني أو ارزقني أو اجبرني، وأنا في حسبك ونحو هذه الأقوال؛ فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب، ليعبدوه وحده لا يجعل معه إلها آخر، والذين [كانوا] ٩

стр. 731

يدعون من الله آلهة أخرى، مثل المسيح والملائكة والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، وتنزل المطر أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم، يقولون إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى١ ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢. فبعث الله رسوله، ينى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء الاستغاثة ٣، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ الآية٤. وقال طائفة من السلف: كانوا أقواما يدعون المسيح وعزيرا ٥؛ إلى أن قال ٦: وعبادة الله هي أصل الدين، وهي التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٧ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٨. وكان النبي ﷺ يحقق التوحيد، ويعلم أمته، حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت، قال: "أجعلتني لله ندا، قل ما شاء الله وحده" ٩. ونهى عن الحلف بغير الله، وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" ١٠ وقال في مرض موته:

стр. 732

"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١، يحذر ما فعلوه وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" ٢. ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور ولا الصلاة عندها، وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان، كان تعظيم القبور؛ ولهذا اتفق العلماء على أنه من سلم على النبي ﷺ عند قبره، فلا يشبه ببيت المخلوق ببيت الخالق كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين، ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به. ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ ٤. ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام، وأعظم آية في القرآن، آية الكرسي: ٥ ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ٦ وقال ﷺ : "من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة"٧. والإله هو الذي تأله القلوب عبادة له، واستعانة به، ورجاء له، وخشية وإجلالا ٨. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

стр. 733

فتأمل أو لكلامه وآخره، وتأمل كلامه فيمن دعا نبيا أو وليا مثل أن يقول: يا سيدي أغثني ونحوه، أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ تجده صريحا في تكفير أهل الشرك وقتلهم بعد الاستتابة، وإقامة الحجة عليهم، وأن من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية، فقد اتخذه إلها مع الله، لأن الإله هو المألوه، الذي يألهه القلب، أي يصدقه بالعبادة والدعوة، والخشية والإجلال والتعظيم؛ وإن زعم أنه لا يريد إلا الشفاعة والتقرب عند الله، لنه بين أن هذا هو/ مطلوب/١ المشركين الأولين. فاستدل على ذلك بالآيات الصريحات القاطعات والله أعلم. وقال –﵀ في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ٢: ظاهره أن/ما ذبح/٣ لغير الله سواء، لفظ به أو لم يلفظ. وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم وقال فيه: بسم المسيح ونحوه. كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله تعالى، كان أزكى مما ذبحناه للحم وقلنا عليه بسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة والنسك له، أعظم من/الاستعانة/٤ باسمه في فواتح الأمور. والعبادة لغير الله أعظم/كفرا/٥ /من الاستعانة/٦ بغير الله. فلو ذبح لغير الله متقربا إليه لحرم، وإن قال فيه: بسم الله؛ كما/قد/٧ يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة. وإن كان هؤلاء لا تباح/ذبائحهم/٨ بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان.

стр. 734

ومن هذا ما يفعل بمكة ١ وغيرها من الذبح للجن. انتهى كلام الشيخ –﵀ تعالى. فتأمل –رحمك الله تعالى- هذا الكلام، وتصريحه فيه بأن من ذبح لغير الله من هذه الأمة، فهو كافر مرتد، لا تباح ذبيحته، لأنه يجتمع فيه مانعان: الأول ٢: أنها ذبيحة مرتد، وذبيحة المرتد لا تباح بالإجماع٣. الثاني ٤: أنها مما أهل/ به/٥ لغير الله، وقد حرم الله ذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ٦. وتأمل قوله: ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن. والله أعلم.

стр. 735

فصل: تقسيم ابن القيم الشرك إلى نوعين ... "فصل"٧ قال ابن القيم في شرح المنازل في باب التوبة ٨. وأما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر. فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة، وهو أن يتخذ

стр. 736

من دون الله ندا، يحبه كما يحب الله. ١ بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويغضبون لها ولا يغضبون إذا/ انتقص/٢ أحد رب العالمين. وقد شاهدنا نحن وغيرنا منهم جهرة، وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده على لسانه إن قام وإن قعد، وإن عثر وإن استوحش، وهو لا يذكر/إلا/٣ ذلك، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده؛ وهكذا كان عباد الأصنام سواء. وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون بحسب آلهتهم، فأولئك كانوا ألهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذها من البشر. قال تعالى حايكا عن أسلاف هؤلاء: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٤. فهذه حال من اتخذ من دون الله وليا، يزعم أنه يقربه إلى الله. وما أعز من تخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره. والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين وسلفهم، أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك. وقد أنكر الله عليهم في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها لله، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٥. والقرآن مملوء من أمثال هذه الآية. ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثا. وهذا الذي يحول بين المرء وبين

стр. 737

فهم القرآن، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"١. وهذا لأن من لا يعرف الشرك وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، وهو لا يعرف أنه الذي عليه أهل الجاهلية، فينتقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا والمنكر معروفا، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويُكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريده التوحيد، ويُبَدَّع بتجريده متابعة الرسول، ومفارقته الأهواء والبدع. ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا والله المستعان. ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، لأن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا لمن استغاث به وسأله ان يشفع له إلى الله. وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله –سبحانه- لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، والله –سبحانه- لم يجعل سؤال غيره سببا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد. فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن. والميت محتاج إلى من يدعو له كما أوصانا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين، أن نترحم عليهم ونسأل لهم العافية والمغفرة٢، فعكس هذا

стр. 738

المشركون، وزاروهم زيارة العبادة، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد، ونسبتهم إلى تنقيص الأموات، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك، وأولياءه الموحدين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به. وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستحبين لهم، ولله در خليله إبراهيم/﵇/١ حيث قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ ٢. وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله٣. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. فتأمل –رحمك الله- كلام هذا الإمام وتصريحه بأن من دعا الموتى، وتوجه إليهم، واستغاث بهم ليشفعوا له عند الله؛ فقد فعل الشرك الأكبر الذي بعث الله محمدا ﷺ بإنكاره، وتكفير من لم يتب منه وقتاله ومعاداته. وأن هذا قد وقع في زمانه، وأنهم غيروا دين الرسول ﷺ وعادوا أهل التوحيد، والذين يأمرونهم بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له. وتأمل قوله أيضا: وما أعز من تخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره، يتبين لك الأمر إن شاء الله تعالى. ولكن تأمل –أرشدك الله- قوله: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من عادى المشركين ... إلى آخره يتبين لك أن الإسلام لا يستقيم إلا بمعاداة أهل هذا الشرك، فإن لم يعادهم، فهو منهم، وإن لم يفعله. والله أعلم.

стр. 739

وقال –﵀ في كتابه: زاد المعاد في هدي خير العباد١، في الكلام على غزوة الطائف٢ وما فيها من الفقه قال فيها: "إنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت، بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا. فإنها/من/٣ شعائر الكفر والشرك. وهي أعظم المنكرات فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة. وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور، التي اتخذت أوثانا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم وللشرك والتقبيل٤، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته. /وكثير/٥ منها بمنزلة اللآت والعزى ومناة الثالثة الأخرى٦، أو أعظم شركا عندها وبها، والله المستعان. ولم يكن أحد من إياب هذه الطواغيت، يعتقد أنها تخلق وترزق، وتحيي وتميت؛ وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم٧ حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل وخفاء العلم؛ وصار المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء/وغلب/٨ السفهاء، وتفاهم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس٩،

стр. 740

ولكن لا تزال طائفة من/ الأمة/١ المحمدية/ بالحق/٢ قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين"٣. وقال الشيخ تقي الدين –لما سئل عن قتال التتار ٤ مع تمسكهم بالشهادتين، ولما زعموا من اتباع أصل الإسلام-: "كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام، الظاهرة المتواترة، من مقاتلي/٥ هؤلاء القوم وغيرهم، فإنه يجب قتلهم حتى يلتزموا شرائعه؛ كما قاتل أبو بكر والصحابة –﵃ مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء٦ بعدهم، بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر، ﵄. واتفق الصحابة على القتال على حقوق الإسلام، عملا بالكتاب والسنة. وكذلك ثبت عن النبي ﷺ من عشرة أوجه٧ الحديث عن الخوارج والأمر بقتالهم، وأخبر أنهم شر الخلق والخليفة، مع قوله: "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم"٨. فعلم أن مرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقط للقتال،
следующие страницы →