من دون الله ندا، يحبه كما يحب الله. ١ بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويغضبون لها ولا يغضبون إذا/ انتقص/٢ أحد رب العالمين.
وقد شاهدنا نحن وغيرنا منهم جهرة، وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده على لسانه إن قام وإن قعد، وإن عثر وإن استوحش، وهو لا يذكر/إلا/٣ ذلك، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده؛ وهكذا كان عباد الأصنام سواء.
وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون بحسب آلهتهم، فأولئك كانوا ألهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذها من البشر. قال تعالى حايكا عن أسلاف هؤلاء: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٤. فهذه حال من اتخذ من دون الله وليا، يزعم أنه يقربه إلى الله.
وما أعز من تخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره. والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين وسلفهم، أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك. وقد أنكر الله عليهم في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها لله، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٥. والقرآن مملوء من أمثال هذه الآية. ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثا. وهذا الذي يحول بين المرء وبين
стр. 737
فهم القرآن، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"١.
وهذا لأن من لا يعرف الشرك وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، وهو لا يعرف أنه الذي عليه أهل الجاهلية، فينتقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا والمنكر معروفا، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويُكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريده التوحيد، ويُبَدَّع بتجريده متابعة الرسول، ومفارقته الأهواء والبدع. ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا والله المستعان.
ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، لأن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا لمن استغاث به وسأله ان يشفع له إلى الله. وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله –سبحانه- لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، والله –سبحانه- لم يجعل سؤال غيره سببا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد. فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن.
والميت محتاج إلى من يدعو له كما أوصانا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين، أن نترحم عليهم ونسأل لهم العافية والمغفرة٢، فعكس هذا
стр. 738
المشركون، وزاروهم زيارة العبادة، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد، ونسبتهم إلى تنقيص الأموات، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك، وأولياءه الموحدين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به.
وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستحبين لهم، ولله در خليله إبراهيم/﵇/١ حيث قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ ٢. وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله٣. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
فتأمل –رحمك الله- كلام هذا الإمام وتصريحه بأن من دعا الموتى، وتوجه إليهم، واستغاث بهم ليشفعوا له عند الله؛ فقد فعل الشرك الأكبر الذي بعث الله محمدا ﷺ بإنكاره، وتكفير من لم يتب منه وقتاله ومعاداته. وأن هذا قد وقع في زمانه، وأنهم غيروا دين الرسول ﷺ وعادوا أهل التوحيد، والذين يأمرونهم بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له.
وتأمل قوله أيضا: وما أعز من تخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره، يتبين لك الأمر إن شاء الله تعالى.
ولكن تأمل –أرشدك الله- قوله: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من عادى المشركين ... إلى آخره يتبين لك أن الإسلام لا يستقيم إلا بمعاداة أهل هذا الشرك، فإن لم يعادهم، فهو منهم، وإن لم يفعله. والله أعلم.
стр. 739
وقال –﵀ في كتابه: زاد المعاد في هدي خير العباد١، في الكلام على غزوة الطائف٢ وما فيها من الفقه قال فيها: "إنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت، بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا. فإنها/من/٣ شعائر الكفر والشرك. وهي أعظم المنكرات فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة.
وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور، التي اتخذت أوثانا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم وللشرك والتقبيل٤، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته. /وكثير/٥ منها بمنزلة اللآت والعزى ومناة الثالثة الأخرى٦، أو أعظم شركا عندها وبها، والله المستعان. ولم يكن أحد من إياب هذه الطواغيت، يعتقد أنها تخلق وترزق، وتحيي وتميت؛ وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم٧ حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل وخفاء العلم؛ وصار المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء/وغلب/٨ السفهاء، وتفاهم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس٩،
стр. 740
ولكن لا تزال طائفة من/ الأمة/١ المحمدية/ بالحق/٢ قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين"٣.
وقال الشيخ تقي الدين –لما سئل عن قتال التتار ٤ مع تمسكهم بالشهادتين، ولما زعموا من اتباع أصل الإسلام-: "كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام، الظاهرة المتواترة، من مقاتلي/٥ هؤلاء القوم وغيرهم، فإنه يجب قتلهم حتى يلتزموا شرائعه؛ كما قاتل أبو بكر والصحابة –﵃ مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء٦ بعدهم، بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر، ﵄.
واتفق الصحابة على القتال على حقوق الإسلام، عملا بالكتاب والسنة. وكذلك ثبت عن النبي ﷺ من عشرة أوجه٧ الحديث عن الخوارج والأمر بقتالهم، وأخبر أنهم شر الخلق والخليفة، مع قوله: "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم"٨.
فعلم أن مرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقط للقتال،
стр. 741
فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة ١. فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب. فأيما طائفة ممتنعة امتنعت عن الصلاة، أو الصيام أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والزنا أو الميسر أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، الذي يكفر/ الجاحد لوجوبها/٢، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها.
وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء. وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن، كركعتي الفجر أو الأذان والإقامة –عند من لا يقول بوجوبهما-٣ ونحو ذلك من الشعائر. فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟
فأما الواجبات أو المحرمات المذكورة ونحوها، فلا خلاف في القتال عليها.
وهؤلاء عند المحققين من العلماء، ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام.
والخارجين عن طاعته؛ كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو خارجون عليه لإزالة ولايته. وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام، بمنزلة مانعي الزكاة، أو بمنزلة الخوارج الذين قاتلهم علي رضي
стр. 742
الله عنه ولهذا اقترفت/سيرته/١ ﵁ في قتاله لأهل البصرة وأهل الشام، وفي قتاله لأهل النهروان، وإن كانت سيرته مع البصريون والشامي سيرة الأخ مع أخيه، ومع الخوارج بخلاف ذلك.
وثبتت النصوص عن النبي ﷺ بما استقر عليه إجماع الصحابة، من قتال الصديق لمانعي الزكاة٢، وقتال علي للخوارج٣" انتهى كلامه رحمه الله تعالى٤.
فتأمل –رحمك الله- تصريح هذا الإمام في هذه الفتوى، بأن من امتنع من شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة، كالصلوات الخمس أو الزكاة أو الحج، أو ترك المحرمات كالزنا، أو تحريم الدماء، والأموال، أو شرب الخمر أو المسكرات أو غير ذلك، أنه يجب قتال الطائفة الممتنعة عن ذلك، حتى يكون الدين كله لله، ويلتزموا شرائع الإسلام. وإن ذلك مما اتفق عليه الفقهاء من سائر الطوائف، من الصحابة فمن بعدهم، وأن ذلك
стр. 743
/عمل/١ بالكتاب والسنة.
فتبين لك أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقط للقتال، وأنهم يقاتلون قتال كفر وخروج عن الإسلام، كما صرح به في آخر الفتوى بقوله: وهؤلاء عند المحققين من العلماء/بمنزلة/٢ مانعي الزكاة. انتهى والله أعلم.
وقال في الإقناع من كتب الحنابلة التي تعتمد عندهم في الفتوى: "وأجمعوا على وجوب قتل المرتد، فمن أشرك بالله –تعالى-./فقد/٣ كفر بعد إسلامه، /لقوله/ ٤ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٥، أو جحد ربوبيته أو وحدانيته/ كفر، لأن جاحد ذلك مشرك بالله –تعالى- إلى أن قال: قال الشيخ: أو كان مبغضا لرسوله/٦ أو ما جاء به اتفاقا، أو جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم كفر إجماعا، لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٧ ٨.
стр. 744
فصل: تعريف الحنفية للكفر
...
"فصل"
وأما كلام الحنفية، فقال في كتاب: تبيين المحارم المذكورة في القرآن ٩: باب الكفر:
стр. 745
"وهو/١ / وجحود الحق وإنكاره، وهو أول ما ذكر في القرآن العظيم من المعاصي، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ الآية ٢ وهو أكبر الكبائر على الإطلاق، فلا كبيرة فوق الكفر. إلى أن قال: واعلم أن ما يلزم به الكفر أنواع: نوع يتعلق بالله –سبحانه-، نوع يتعلق بالقرآن وسائر الكتب المنزلة، ونوع يتعلق بنبينا محمد ﷺ وسائر الأنبياء والملائكة والعلماء، ونوع يتعلق بالأحكام. فأما ما يتعلق به –سبحانه-، إذا وصف الله سبحانه بما لا يليق به، بأن شبه الله سبحانه بشيء من المخلوقات، أو نفي صفاته، أو قال بالحلول أو الاتحاد معه قديم غيره، أو معه مدبر مستقل غيره، أو اعتقد أنه –سبحانه- حسم، أو محدث، أو غير حي، أو اعتقد أنه لا يعلم الجزئيات، أو سخر باسم من أسمائه أو أمره أو وعده، أو أنكرمها أو سجد لغير الله تعالى، أن سب الله سبحانه، أو ادعى له ولدا وصاحبة، أو أنه متولد من شيء كائن عنه، أو أشرك بعبادته شيئا من خلقه، أو افترى على الله – الكذب بادعائه الإلهية والرسالة. إلى أن قال: وما أشبه ذلك مما لا يليق به –سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا –يكفر بهذه الوجوه لأجل/ سوء فعله عمدا/ ٣ أو هزلا؛ يقتل إن أصر على ذلك. فإن تاب تاب الله عليه وسلم من القتل". انتهى كلامه –﵀ بحروفه ٤.
وقال الشيخ قاسم في شرح الدر: النذر الذي يقع من أكثر العوام، بأن يأتي إلى قبر
стр. 746
بعض الصلحاء قائلا: يا سيدي فلان، إن رد غائبي أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك من الذهب أو الطعام أو الشمع كذا، /باطل/١ إجماعا لوجوه، منها: أن النذر للمخلوق لا يجوز.
ومنها: أن ذلك كفر. إلى أن قال: قد ابتلي الناس بذلك ولا سيما في مولد أحمد البدوي٢. انتهى٣. فصرح بأن هذا النذر كفر يكفر به المسلم. والله أعلم./وصلى الله على محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا/٤.
стр. 747
الرسالة السادس والأربعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان
...
"الرسالة السادس والأربعون"١
قال جامع الرسائل:
وله قدس الله روحه ونور ضريحه رسالة إلى زيد بن محمد آل سليمان، قال فيها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم زيد بن محمد –سلمه الله تعالى-، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو على نعمه، جعلنا الله وإياك من الشاكرين الصابرين. ومن مدة ما جاءنا منكم خط. وعادة الإخوان يتفقد بعضهم بعضا، لا سيما أوقات الفتن التي تموج، وعند الحوادث التي هي على الأكثر تروج.
وأوصيك بتقوى الله –تعالى- والقوة في دينك ونشر العلم، خصوصا في كشف الشبهة التي راجت على من لا بصير له، ولم يفرق بين البغاة والمشركين، ولم يدر أن نصر من استنصر من الملة على أهل الشرك، واجب على أهل الإيمان والدين، قال –تعالى- فيمن ترك الهجرة واستنصر بالمسلمين: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ٢.
ومن عقيدة أهل السنة: الجهاد في سبيل الله، وأنه ماض مع كل إمام بر أو فاجر إلى يوم القيامة.
واكتب لي جوابا يكون عونا على البر والتقوى، وردعا لأهل الجهل والهوى، وبلغ سلامنا الشيخ حسين، وحسن، ورشيد، وخواص الإخوان، ومن لدينا العيال بخير وينهون السلام، والسلام.
стр. 748
الرسالة السابعة والأربعون: إلى زيد بن محمد
...
"الرسالة السابعة والأربعون"١
قال جامع الرسائل:
وله ﵀ رسالة إلى زيد بن محمد أيضا، وهي خطه بيده:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ زيد بن محمد سلمه الله –تعالى-، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأحمد إليك الله على إنعامه، والخط وصل، وسرنا سلامتك وعافيتك. وتعرف أن زمانك أشبه بزمن/الفترة/٢، وقل من يعرف حقيقة الإسلام فضلا عمن يعمل به، ولله على مثلك عبودية، هي من أفرض الفرائض وأوجب الواجبات، فلا تغفل عن نفسك ومعرفة ما أنت مطالب به ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣.
وبلغ عمك وأولادك وأولاده السلام. كذلك إخواننا في الله. والولد والعيال بخير وينهون السلام، والسلام.
стр. 749
الرسالة الثامنة والأربعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان
...
"الرسالة الثامنة والأربعون"١
قال جامع الرسائل:
وله قدس الله روحه ونور ضريحه رسالة أيضا إلى زيد بن محمد آل سليمان، وهذا نصها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم زيد بن محمد زاده الله علما وإيمانا وبصيرة وإيقانا سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، /وبعد/٢:
فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه. والخط وصل وصلك الله ما يرضيه، والله المسئول أن يمن علينا وعليكم بالثبات واليقين، والصبر على التزام ما يرضيه سبحانه، واختار لنا من الدين والقوة على جهاد المفتونين والمنقلبين.
ونخبرك أن الإمام عبد الله ومحمدا وتركيا وصلوا الرياض/ في الثامن والعشرين من شعبان/٣، نسأل الله أن يجعلها هجرة إليه وإلى رسوله، بالتزام الإيمان والمتابعة والبراءة من عابدي الأصنام والصلبان.
وبلغ السلام العيال، والشيخ حسين، وحسين، ورشيد، ومن لديك من الإخوان، ومن لدينا العيال يسلمون عليك. والسلام.
стр. 750
الرسالة التاسعة والأربعون: إلىإلى زيد بن محمد آل سليمان
...
"الرسالة التاسعة والأربعون"١
قال جامع الرسائل:
وله قدس الله روحه ونور ضريحه رسالة أيضا إلى زيد بن محمد آل سليمان، وهذا نصها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المحب زيد بن محمد –زاده الله علما، ووهب له حكما- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأحمد إليك الذي لا إله إلا هو على سوابغ نعمه. والخط وصل، وبه الأنس حصل، حيث أفاد سلامة من نحب ونشفق عليه. وما ذكرت من عدم المكاتبة، فليس ذلك عن إهمال، وإنما كثرة الاشتغال، وتشتت البال، وعدم الشعور بأكثر القادمين إليكم. والسؤال عنكم كثير، والدعاء لكم غير قليل، أرجو أنه في ذات الله ولجلاله.
وما ذكرت من حال أكثر الناس، وأنهم دخلوا الفتنة ولا أحسنوا الخروج منها؛ فالأمر كما وصفت، ولكن ذكر الحافظ الذهبي أن "حسبنا"٢ الصائغ قال للإمام أحمد: سألت أبا ثور عن اللفظية فقال: مبتدعة. فغضب أحمد وقال: اللفظية جهمية من أهل الكلام، ولا يفلح أهل الكلام. أو كما قال. فأنكر على أبي ثور التساهل في الإنكار، ورأى أن تعظيم الأمر والنهي يقتضي غير ذلك، من ذكر أوصافهم الخاصة الشنيعة، والغلظة في كل مقام بحسبه، وفتنة البغي فتحت باب الفتنة بالشرك والمكفرات، ووصل دخنها وشررها جمهور من خاض فيها من منتسب إلى العلم وغيره، والخلاص منها عزيز، إلا من تداركه الله ورده إلى الإسلام ومن عليه بالتوبة النصوح وعرف ذنبه.
стр. 751
النصوح وعرف ذنبه.
وبلغ سلامنا الأولاد والإخوان، ومن لدينا عبد العزيز، وإخوانه، وإسماعيل وإخوانه، ينهون السلام، وأنت سالم والسلام.
стр. 752
الرسالة الخمسون: إلى محمد بن عمير
...
"الرسالة الخمسون"١
قال جامع الرسائل:
وله أيضا ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ محمد بن عمير –وفقه الله تعالى لفعل الإيمان والخير-، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
وصلتنا خطوطك ومنظومتك، والله – المسئول أن يمن علينا وعليك لمعرفة الحق بدليله، والدعوة إلى الله وإلى سبيله.
وتعرف أنا رأينا من أجناس المعاندين وأعيان المشركين خلقا كثيرا. ولم نر مثل هذا المفتون٢ في جهله وضلالته وشناعة معتقده ومقالته. وقد رأيت كتابه الذي سماه "جلاء الغمة" ورأيت حشوه من مسبة دين الله والصد عن سبيله، والكذب على الله وعلى رسوله، وعلى أولي العلم من خلقه، وأئمة الهدى ما لم نر مثله للمويس وابن فيروز والقباني وأمثالهم ممن تجرد لعداوة الدين ومسبة مشايخ المسلمين. فابتدأ مصنفه بمسبة الشيخ، وأن الله ابتلى به أهل نجد وجزيرة العرب؛ وأنه كفر الأمة عامها وخاصها، وجعل من يبني المساجد ويرفع المنار مشركين أصليين، وأن قوله يتناقض، وأنه أخذ أموال المسلمين وجعلها فيا له ولعياله، وأن خطاب النبي ﷺ وخطاب الموتى بطلب الشفاعة وغيرها من المطالب، ليس بشرك، ويستدل على ذلك بأحاديث موضوعة، وحكايات مكذوبة، ويزعم أن من له الشفاعة يوم القيامة، يجوز دعاؤه وطلبه في هذه الحياة الدنيا، ويسوغ التوجه إليه، وأن صاحب البردة قد أحسن
стр. 753
وأصاب ويستدل من جهله على ذلك بأنه رواها علن فلان وفلتان وهيان بن بيان وابن حج وأبي حيان، ونحو ذلك من طرائق الشيطان. ويرد بمثل هذه النصوص السنة والقرآن. نعوذ بالله من الجهل والحمق والخذلان.
وكان الرجل من رجال الجاهلية الأولى، لم يأنس بشيء مما جاءت به الأنبياء، ولم يدر ما كان عليه السلف الصالحون والأولياء المتقون، ويحتج على بطلان دعوة شيخنا، وبأن بلاده بلاد مسيلمة، ولم يدر أنه عاب بذلك أهل مصر والشام والعراق والحرمين وسائر البلدان التي سكنها من نازع الله في الربوبية والإلهية.
فيا ويحه إن لم تداركه توبة ... لسوف يرى للمجرمين مرافقا
وله من ركة القول وفهامة١ الخطاب، وعدم المعرفة بقواعد الإعراب ما يوصل تشبيهه بسائمة الأنعام، وثور الدولاب معدا.
حررت إليك بهذه البطاقة لتقرأها على الخاصة والجماعة، وتنذر من سمع شيئا من مقالته أن يغتر بجهالته وضلالته. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وسلام على إخواننا الصادقين، ورحمة الله وبركاته إلى يوم الدين آمين.
стр. 754
الرسالة الحادية والخمسون: إلى خالد آل قطنان ومحمد بن عيسى
...
"الرسالة الحادية والخمسون"١
قال جامع الرسائل:
وله –قدس الله روحه ونور ضريحه- رسالة إلى خالد آل قطنان ومحمد بن عيسى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم خالد بن إبراهيم آل قطنان ومحمد بن عيسى –سلمهما الله- تولاهما- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فنحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو على سوابغ نعمه، جعلنا الله وإياكم من عباده الشاكرين.
والخطوط وصلت وصلكم الله ما يرضيه، وأنا حريص على جوابها، لكن ما تيسر لي طارش٢ قبل حامل هذا الخط. ومن جهة الفائدة، فأجل الفوائد وأشرفها ما دل عليه الكتاب العزيز، من معرفة الله بصفات كماله ونعت جلاله، وآياته ومخلوقاته، ومعرفة ما يترتب على ذلك من عبادته وطاعته، وتعظيم أمره ونهيه، وأدلة ذلك مبسوطة في كتاب الله.
وأكثر الناس ضل عن هذين الأصلين مع أنهما زبدة الرسالة ومقصود النبوة، ومدار الأحكام عليها. والعجب كل العجب، أن حفظة القرآن وجملة الأحاديث والآثار ضلوا عما هو محفوظ في صدورهم، متلو بألسنتهم وطلبوا العلم من غيره، فضلوا وأضلوا. فعليكم بطلب العلم النافع لا سيما ما يسأل عنه العبد في قبره: من ربك وما
стр. 755
دينك ومن نبيك اعرفوا تفاصيل هذا، ومعنى الرب في هذا المحل،
وتفقهوا في هذه الأصول قبل أن تزل قدم وتزول.
وأما الفرق بين المداراة والمداهنة:
فالمداهنة: ترك ما يجب لله، من الغيرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتغافل عن ذلك لغرض دنيوي وهوى نفساني؛ كما في حديث: "إن من كان قبلكم كانوا إذا فعلت فيهم الخطيئة أنكروها ظاهرا، ثم أصبحوا من الغد يجالسون أهلها، ويواكلونهم ويشاربونهم، كأن لم يفعلوا شيئا بالأمس"١، فالسكوت والمعاشرة مع القدرة على الإنكار، هي عين المداهنة.
وثمود لو لم يدهنوا في ربهم ... لم تدم ناقتهم بسيف قدار ٢
وأما المداراة: فهي درأ الشيء المفسد بالقول اللين، وترك الغلظة والإعراض عنه إذا خيف شره أو حصل منه أكبر مما هو ملابس. وفي الحديث: "شركم من اتقاه الناس خشية فحشه"٣ وعن عائشة –﵂: "أنه استأذن على النبي صلى الله
стр. 756
عليه وسلم رجل فقال: بئس أخ العشيرة هو، فلما دخل على النبي ﷺ ألان له الكلام؛ فقالت عائشة: قلت فيه يا رسول الله ما قلت. فقال: "إن الله يبغض الفحش والتف حش" ١. والمسالة تحتاج لبسط إذا جاء منيف نملي عليه إن شاء الله ما تيسر. وبلغوا سلامنا إخوانكم، وعيالكم، ومنيف، وابن عجيم. ولدينا الإمام وعيالنا طيبين ويبلغون السلام وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 757
الرسالة الثانية والخمسون: في الكلام على فضل طلب العلم
...
"الرسالة الثانية والخمسون"١
قال جامع الرسائل:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتب أخ لأخيه وهو في الرياض يطلب العلم: يكفيك يا أخي لطلب العلم سورة العصر، فإنها كما قال الشافعي: لو فكر الناس فيها لكفتهم ٢. فوقع الخط في يد الشيخ الفاضل العلم الكامل عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهم الله تعالى وعفا/عنهم/٣ آمين. فكتب على ظهر الخط:
اعلم أن قول الشافعي رحمه الله تعالى فيه دلالة ظاهرة على وجوب طلب العلم مع القدرة، في أي مكان. ومن استدل به على ترك الرحلة، والاكتفاء بمجرد التفكر في هذه السورة، فهو خلي الذهن من الفهم والعلم والفكرة إن كان في قلبه أدنى حياة ونهمة للخير، لأن الله افتتحها بالإقسام بالعصر الذي هو زمن تحصيل الأرباح للمؤمنين، وزمن الشقاء والخسران للمعرضين الضالين.
وطل بالعلم ومعرفة ما قصد به العبد من الخطاب الشرعي، أفضل الأرباح وعنوان الفلاح، والإعراض عن ذلك علامة الإفلاس والإبلاس٤. فلا ينبغي للعاقل العارف أن يضيع أوقات عمره، وساعات دهره إلا في طلب العلم النافع، والميراث المحمدي، كما قيل في المعنى: شعرا:
أليس من الخسران أن لياليا ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري
стр. 758
وفي قوله: ﴿إِنَّ الإنسَانَ﴾ ١ تنبيه على أن الجنس كله كذلك، إلا من استثنى الله، وهذا يوجب الهرب والفرار إلى الله بمعرفته وتوحيده والإنابة إليه. ومتى يحصل هذا للجاهل؟!.
وفي قوله تعالى: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ ٢ تنبيه على اختصاص خسره بنوع دون نوع، بل هو قد توجه إليه الخسران بحذافيره من جميع جهاته إلا من استثنى، وهذا لا يدخل في المستثنى من زهد في طلب العلم وآثر طنه وأهله على الميراث النبوي، وتجرع كأس الجهل طول حياته، حتى آل من أمره أن يستدل على ترك الطلب بالدليل على وجوب الطلب.
وفي قوله تعالى: ﴿إلا الَّذِينَءَامَنُوا﴾ ٣ ما يوجب الجد والاجتهاد في معرفة الإيمان والتزامه لينجو من الخسارة، ويلتحق بالأبرار والأخيار.
وقد اختلف الناس في الإيمان ومسماه، ولا سبيل إلى معرفة مراد الله به وما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في ذلك إلا بطلب العلم، ومعرفة ما عليه سلف الأمة وأئمتها. ثم له شعب وحقائق وأصول وفروع لا تعرف إلا بطلب العلم، وبذلك الجد والتشمير عن ساق الاجتهاد، ومن آثر الوطن والرفاهية، فإنه كثير من ذلك أو أكثر، بل ربما فاته كله. ولذلك تجد من يرغب عن طلب العلم، عمدته في هذه المباحث تقليد المشائخ والآباء وما كان عليه أهل محلته. وهذا لا يكفي في باب الإيمان ومعرفته. ولو كنت تدري قدر ما قلت لم تبد ٤.
وفي قوله – تعالى-: ﴿وَعَمٍلُوا الَصَّالحََاتِ﴾ ٥، حث وحظ على العلم وطلبه؛
стр. 759
لأن العامل بغير علم وبصيرة، ليس من عمله على طائل، بل ربما جاءه هلاك، والآفة من جهة عمله، كالحاطب في ظلماء، والسالك في عمياء، ولا سبيل إلى العمل إلا بالعلم. ومعرفة صلاح العمل وفساده لا بد منه. ولا يدرك إلا بنور العلم وبصيرته.
وقوله –تعالى-: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالحَقِ﴾ ١، /يحتاج/٢ مريده وفاعله إلى العلم، حاجة وضرورة ظاهرة، لأن الحكم على الشيء بكونه حقا، يتوقف على الدليل والبرهان، وإن كانت "أل" في الحق للاستغراق، فالأمر اعمّ وأجل وأشمل.
وأما الصبر، فمعرفة حده وتعريفه، ومعرفة حكمه وجوبا واستحبابا، ومعرة أنواعه وأقسامه ومحله من الإيمان، من أهم ما يجب على العبد ويلزمه. وما أحسن ما قيل:
إن العلا حدثتني وهي صادقة ... فيما تحدث أن العز في النقل ٣
فظهر أ، معنى قول الشافعي رحمه الله تعالى كفتهم في طلبه لا في تركه.
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين، وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه. وروينا عن الشافعي ﵀ أنه قال: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة. ونص على ذلك أبو حنيفة ﵀. ومن فارق الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلى الله والجنة سوى الكتاب والسنة. وكل دليل لم يصحبه دليل القرآن والسنة فهو من طريق الجحيم والشيطان. فالعلم ما قام عليه الدليل النافع، منه ما جاء به الرسول ﷺ ".
وقال أبو الفضل البامجي من مشايخ القوم الكبار رحمه الله تعالى: "ذهاب الإسلام من أربعة أصناف: صنف لا يعلمون بما يعملون، وصنف يمنعون الناس من
стр. 760
التعلم والتعليم". وقال عمرو بن عثمان المكي١: "العلم قائد والخوف سائق، والنفس حرون٢ بين ذلك جموح خدعة رواغة فاحذرها وراعها بسياسة العلم، وسقها بتهديد الخوف يتم لك ما تريد"٣.
وقال أبو الوزير رحمه الله تعالى: "عملت في المجاهدة ثلاثين سنة، فما وجدت شيئا عليّ أشدد من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لبقيت".
وقال الجنيد ٤: "الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى آثار الرسول ﷺ ، ومن لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث، لا يتقدى به في هذا الأمر؛ لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة"٥. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
قاله وكتبه عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، رحمهم الله تعالى، آمين.
стр. 761
الرسالة الثالثة والخمسون: إلى راشد بن عيسى
...
"الرسالة الثالثة والخمسون"١
قال جامع الرسائل:
وله أيضا قدس الله روحه رسالة إلى راشد بن عيسى صاحب البحرين على لسان فيصل:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من فيصل بن تركي، إلى الأخ الشيخ راشد بن عيسى سلمه الله وهداه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فالموجب لتحريره ما بلغنا من ظهور البدع في البحرين؛ بدعة الرافضة وبدعة الجهمية، وذلك بسبب تقديم حسن دعبوش الرافضي ونصبه قاضيا في البحرين. ومثلك ما كان يذخر النصح والتبيين لعيال خليفة وغيرهم. وتعرف الحديث الصحيح: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ مسلم بغير حق ليهريق دمه" رواه ابن عباس ٢.
وقد علمت أنه –تعالى- أكرم نبيه محمد ﷺ ، وخصه بصحبة خير خلقه وخلاصة بريته. وقد أثنى الله على أصحاب نبيه في كتابه. ومدحهم بما حجة ظاهرة على إبطال مذهب من عابهم أو نال منهم وسبهم، كما هو مذهب الرافضة. وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية٣، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ الآية ٤، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ
стр. 762
اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية١، وكانوا ألفا وأربعمائة، أولهم وأسبقهم إلى هذه البيعة أبو بكر وعمر، وعثمان بايع النبي ﷺ مع غيبته، وهذا يدل على فضله وثبات إيمانه ويقينه، وأن رسول الله ﷺ علم ذلك واستقر عنده، ولذلك بايع له فضرب بيمينه على شماله وقال: "هذه عن عثمان" ٢ وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ الآية٣، وهذا نص على أن الله رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وبلال، من أسبق الناس إلى الإيمان بالله ورسوله. وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ الآية ٥. وقد استدل بهذه الآية بعض أهل العلم على كفر من اغتاض وحنق على أصحاب محمد رسول الله ﷺ كالرافضة.
وقد نص الله تعالى على إيمان أصحاب رسول الله ﷺ بقوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ الآية٦، وقوله –تعالى-: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية٧، وقال –تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ ٨،وإنما عني به أصحاب رسول الله صلى
стр. 763
الله عليه وسلم ١ ففيه مدحهم وتزكيتهم وفضلهم، لأن اسم الإيمان وإطلاقه في كتاب الله يدل على ذلك. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢ في خطابهم، وذلك في مواضع من كتابه والأحاديث الدالة على فضلهم وسابقتهم أكثر من أن تحصى عموما وخصوصا، كقوله صح عنه ﷺ : "هل أنتم تاركوا لي أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحدٍ ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه" ٣. وقوله: "افترقت بني إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة. قالوا: من هم يا رسول الله. قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي" ٤ وقال: "آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار" ٥ وقوله ﷺ : "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم" ٦.
وقوله ﷺ : "أكرموا أصحابي فإنهم خياركم" ٧. وقوله: "يأتي على الناس زمان، فغزو فئام من الناس فيقال لهم أفيكم من صاحب رسول الله صلى
стр. 764
الله عليه وسلم، فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس فيقال لهم أفيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ، فيقولون نعم، فيفتح لهم: كاد بعضهم: حتى يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس فيقال هل فيكم من صاحب أصحاب أصحاب رسول الله ﷺ ... " ١ ٢.
стр. 765
الرسالة الرابعة والخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز
...
"الرسالة الرابعة والخمسون"١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم حمد بن عبد العزيز٢ -سلمه الله تعالى- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه. والخط وصل، وما ذكرت من غربة الدين فالأمر أجل وأكبر من الغربة، أكثر أصوله وشعبه معدومة في الخواص، فكيف بالسوقة ومن لا نهمة لهم في معرفة ما جاءت به الرسل؛ كالغيرة لله ولحرماته، وتعظيم أوامره، ومجاهدة أعداء دينه، والبراءة من موالاة المشركين وأعداء رب العالمين، والتحيز إلى أهل الإيمان وموالاتهم ونصرهم ولزوم جماعة المسلمين وغير ذلك من حقائق الدين, وشعب الإيمان؟ وهذه معدومة نسأل الله لنا ولكم الثبات على دينه والتمسك به عند فساد الزمان.
وما ذكرت من مسألة الولي، فالمشهور الذي عليه الأكثر، تقديم المكلف الرشيد في تزويج وليته، على من هو أقرب منه ممن لم يبلغ التكليف، ولم يعرف مصالح النكاح.
وأما مسألة الله بحق نبيه أو وليه؛ فلا تصدر إلا من جاهل لأحكام الشريعة وما يستحب وما يكره. والأولى تنبيه هذا الخطيب على أن هذا قد منعه أئمة الإسلام، وأهل الحل والعقد في الأحكام.
تمت.
стр. 766
الرسالة الخامسة والخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز
...
"الرسالة الخامسة والخمسون"١
قال جامع الرسائل:
وله قدس الله روحه رسالة إلى حمد بن عبد العزيز أيضا، راعي ثادق.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم المحب حمد بن عبد العزيز –سلمه الله تعالى- وتولاه سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
موجب الخط إبلاغ السلام والتحية، والسؤال عن أخلاقك المرضية سلك الله بها منهج الطريقة المحمدية. ولا يخفاك أيها الأخ حال أهل الزمان وغربة الإسلام، وندرة الإيمان بينهم، وقد ابتلوا بما رأيت من الفتن والمحن والتقاطع والتدابر والبغضاء، وصاروا أشتاتا بعد أن كانوا مجتمعين، وشيعا بعد أن كانوا عليه من الإسلام متعصبين، ونسي العلم والتوحيد، واقفرت الديار من الناصح الرشيد، وهدم الإسلام، وخلت الديار من ذوي العلم والأفهام، ولا شيء أقرب إلى الله وسيلة وأرجى من الخيرات فضيلة من الدعوة إلى سبيله وإرشاد عبيده، وردهم إلى الله، وتعليم دينه. وقد أهَّلك الله وله الحمد والمنة لذلك، ووضع لك القبول فيما هنالك، وقد اجتمع الرأي والمشورة على إلزامك بالدعوة إلى الله، والتذكير بدينه، وتنبيه عبيده على أصل دينهم وما يجب فيه، وعلى ما يضاده وينافيه، من المكفرات والشركيات، وتعطيل الشرائع والنبوات. فاغتنم أخي ذلك المشهد، وسارع إليه؛ فإن الجزاء خطير والثواب كبير شهير. وهذا خط الإمام عبد الرحمن، وأوصلك، فلا تجاوب بلا ولن، فإنهما داعية الهم والحزن، ولولا أني أخشى على نفسي من كثير من أهل نجد لتحشمت القيام بذلك ولوجدتني حول المياه وبين المسالك، وإلى الله المشتكى من عدم المعين والنصير، وغلبت الجهل والكثير.
стр. 767
ونسأل الله المعونة على مرضاته وذكره وشكره، وأن يجعلنا من الدعاة إلى سبيله. قال بعضهم على تفسير قوله تعالى عن المسيح ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ ١ أي مذكرا بالله داعيا إلى سبيله ٢.
وبلغ سلامنا من يجالسك ويرغب في الخير من جماعتكم، ومن لدينا الإمام عبد/٣ /والعيال ينهون السلام. وكاتبه أحمد بن عبيد يبلغ السلام.
حرر في ١١ج. ونسخَهُ من كتب أحمد حرفا بحرف، سعد بن حمد بن عبد العزيز. وكتبه من خط من سمى نفسه، حرفا بحرف، عبد الله بن إبراهيم الربيعي، وذلك في ٣ من جمادى الأول سنة ١٣٤٦هـ.
стр. 768
الرسالة السادسة الخمسون: إلى حمد بن عبد العزيز
...
"الرسالة السادسة الخمسون"١
قال جامع الرسائل:
وله رحمه الله تعالى رسالة أيضا إلى حمد المذكور:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المحب حمد بن عبد العزيز سلمه الله تعالى، وأسبغ عليه سحائب فضله ووالى سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه. والخط وصل وصلك الله ما يرضيه. وسرنا ما ذكرت من سلامتكم وعافيتكم جعلنا الله وإياكم من أهل العافية في الدين والآخرة.
والذي أوصيك به القيام لله في هذه الفتنة الشركية، التي أشربتها قلوب أكثر الناس. واذكر قول ابن القيم رحمه الله تعالى في إغاثته: لا ينجو من شرك هذا الشرك إلا من عادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله ... إلى آخره ٢.
والمرء قد يكره الشرك ويحب التوحيد، ولكن يأتيه الخلل من جهة عدم البراءة من أهل الشرك، وترك موالاة أهل التوحيد ونصرتهم، فيكون متبعا لهواه داخلا من الشرك في شعب تهدم دينه وما بناه، تاركا من التوحيد أصولا وشعبا، لا يستقيم معها إيمانه الذي ارتضاه مولاه، ولا يحب ولا يبغض لله، ولا يعادي ولا يوالي لجلال من أنشأه وسواه. وكل هذا يؤخذ من شهادة أن لا إله إلا الله. فلا تذخر المذاكرة بهذا في كل مجلس وكل مجمع. وإن اجتمعت بعبد العزيز بن حسن، فدارجه بالنصيحة عسى أن ينتفع ويقوم لله، ويبلغ عن رسول الله، فيكون لك عونا في ناحيتك.
стр. 769
وأخبار سعود ووروده الخرج، بلغتكم، ولا حصل شيء، والظاهر أنه أجنب. وتفصيل الأخبار من رؤوس القادمين إليكم أبلغ.
وبلغ سلامنا العيال والخواص والجماعة، ومن لدينا تركي والعيال ينهون إليك السلام، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ونسخه من أصلها حرفا بحرف سعد بن حمد بن عبد العزيز سلم على من نظر فيها، وصلى الله على محمد وآله وصحبه ونقله من قلم من سمى نفسه حرفا بحرف عبد الله بن إبراهيم الربيعي، يسلم على من نظر فيها. ونقله من أصله بغير تاريخ. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. ١
стр. 770
ثانيا: الرسائل الخاصة بالفتاوى في الفروع
الرسالة السابعة والخمسون: سؤال من الشيخ لوالده
...
الرسالة السابعة والخمسون
قال جامع الرسائل:
وله أيضا قدس الله روحه ونور ضريحه سؤال سأل/عنه/١ والده الشيخ الإمام المبجل الفاضل النبيل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ثم ذيل عليه الشيخ عبد اللطيف ذيلا. وهذا نصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: فإني قد سألت والدي قدس الله روحه، ونور ضريحه عما يفعله بعض الأمراء بنجد، من أخذ ابن العم بجريرة ابن عمه أو غير ابن العم من الأصول والفروع؛ هل له مستند شرعي أو لا مستند له؟.
فأجاب –رحمه الله تعالى - بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين، وإمام المتقين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا، أما بعد: فقد سألني من لا تسعني مخالفته، أن أكتب فيما يفعله الأئمة من أخذ ابن العم وحبسه فيما يأخذه ابن عمه من مال وغيره بغير حق؛ هل له مسوغ في الشرع أم لا؟
فالجواب: اعلم وفقك الله أن أهل نجد قبل ظهور هذه الدعوة الإسلامية فيهم، بأسوأ حال. أما الأعراب فلا يلتفت أحد منهم لشريعة الإسلام، لا في العبادات ولا في غيرها من الأحكام، في الدماء ولا في الأموال ولا في النكاح والطلاق والمواريث وغير ذلك. وكانوا في شر عظيم فيما بينهم من الحروب، كل طائفة تقاتل الأخرى، وتستحل دماءها وأموالها. والحضر عندهم في غاية الذل، يأخذون المال منهم كرها. فلما منَّ الله بهذه الدعوة، وأقام الجهاد، أجلبوا كلهم على محاربة من دعاهم إلى
стр. 771
الإسلام، والتزام شرائعه وأحكامه، فحصل التأييد من الله لمن قام بدينه، فجاهدوا الأعراب وغيرهم على طاعة ربهم، والتزام ما شرعه؛ فبقوا على جهاد الأعراب، كلما أسلمت قبيلة جاهدوا بها الأخرى، فما زالوا يجاهدونهم على أن يسلموا ويُصَلُّوا ويزكُّوا، وأكثرهم ألقى السلم لأهل الإسلام، لكن بقي من البغي والظلم والعدوان على من قدروا عليه واستضعفوه، ممن قد دخل فيما قد دخلوا فيه من الإسلام ١. فكل من نهب أو قطع طريقا أو قتل، استند إلى قبيلة، فلا يقدر أحد من ولاة الأمر أن يأخذ الحق منهم والحالة هذه؛ فلو تركوا رأسا ولم ينظر إلى جنايتهم، ونظر إلى جناية المباشر فقط، لفهم يفهمه بعض القاصرين من حديث: "لا يجني جان إلا على نفسه"٢، لضاعت حقوق الناس ودماؤهم وأموالهم، وعطلت القاعدة الشرعية، وقصر بالحديث عما يتناوله ويدل عليه عند إمعان النظر.
فعلى قدر ما أحدثوا من البغي والظلم والعدوان، والتعاون على ذلك؛ ساغ للأئمة أن يحبسوا ابن عمه، ليقوم بأداء ما وجب عليه من الحق، والطاعة في المعروف، من نصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، والبراءة من المحاربين وقطع السبيل.
ومثل هذه القبائل لما تركوا ما وجب من أمر الشارع، مع القدرة على القيام، ورضوا بمحاربة الله ورسوله، ساغ للأئمة ما ذكر؛ و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" ٣. وأيضا فلو خلوا بين أهل الإسلام، وبين هذا الجاني من أبناء عمهم، لتمكن المظلوم من أخذ حقه، ورد مظلمته؛ فهم قد آووا محدثا، وفي الحديث: "لعن الله من آوى محدثا"٤.
стр. 772
وفي الحقيقة هذا إحسان إلى القبيلة، وسبب لتخليصهم من ارتكاب ما حرم الله؛ وهذا الذي أخذ في ابن عمه، لم يقصد ماله، بل حبس لأخذ ما بيد مولاه، الذي هو ابن عمه.
وبالجملة فهذا من أسباب صلاح الناس وصيانتهم. وهذا الذي ذكرنا، هو الذي تأوله الأئمة، وظهرت مصلحته، وقلت مفسدته. والذي أخذ النبي ﷺ ناقته العضباء، قال له: لم تأخذ سابقة الحاج؟ قال: "أخذتها بجريرة حلفائك من ثقيف: "أو كما قال ﷺ تسليما كثيرا ١. وعلى أله وأصحابه والتابعين.
قلت ٢: فظهر من هذا البيان الذي أفاده شيخنا ﵀ أن الحكم خاص بأهل القوة والنصرة، بخلاف المستضعف الذي لا /قدرة/٣ له ولا جناية، ولا مصلحة في حبسه، ولا يُؤْبَه له عند قبيلته؛ فعلى الحاكم إمعان النظر في جلب المصالح ودفع المفاسد.
قال جامع الرسائل:
أملاه شيخنا عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، قدس الله روحه ونور ضريحه. ثم ذيل على ذلك ذيلا، فقال ﵀:
ما قاله شيخنا ووالدنا حفظه الله في أسر ابن العم للمصلحة، فهو الحكم العدل،
стр. 773
وهو الذي عليه أكثر السلف. فإن الرجل إذا قطع السبيل وأخافه، وامتنع بنفسه، وتُرك من يؤويه وينصره، صار قوة له، وإعانة له على ظلمه. فإن أُخِذَ بجريرته وأسر فيه، حصل له ردع وامتناع. وهذا يعلم بالاضطرار.
قال الخطابي١ في شرح سنن أبي داود، في باب النذر فيما لا يملك ابن آدم: حدثنا سليمان بن حرب٢ ومحمد بن عيسى٣، قالا: حدثنا حماد٤، عن أيوب٥، عن أبي قلابة٦، عن أبي المهلب٧، عن عمران بن حصين٨ قال:
стр. 774
كانت العضباء لرجل من عقيل، وكانت من سوابق الحاج ١، قال: فأسر، فأُتي به النبي ﷺ وهو في وثاق، والنبي ﷺ على حمار عليه قطيفة، فقال: يا محمد علام تأخذني وتأخذ سابقة الحاج؟ قال: "نأخذك/٢ بجريرة حلفائك/ ثقيف/٣ " وكان ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب النبي ﷺ ... "٤.
قال الشيخ ٥: "قوله: "آخذك بجريرة حلفائك من ثقيف" اختلفوا في تأويله: فقال بعضهم: هذا يدل على/ أنهم كانوا عاقدوا بني عقيل /٦ أن لا يتعرضوا للمسلمين، ولا أحد من حلفائهم، فنقض حلفاؤهم العهد، ولم ينكره بنو عقيل؛ /فأُخِذَ/٧ بجريرتهم.
وقال آخرون: هذا الرجل كافر لا عهد له، وقد يجوز أخذه وأسره وقتله؛ فإن جاز أن يؤخذ بجريرة نفسه وهي كفره، جاز أن يؤخذ بجريرة غيره، ممن كان على مثل حاله من حليف وغيره. ويحكى معنى هذا عن الشافعي.
وفيه وجه ثالث، وهو: أن يكون في الكلام إضمار؛ يريد: إنك إنما أُخذت ليدفع بك جريرة حلفائك، ويفدوا بك الأسيرين الذين أسرتهما ثقيف. ألا تراه يقول: فقدي
стр. 775
الرَّجُل بعد بالرجلين، انتهى١. فتأمل هذا، فإنه يُدلك على صواب الحكم.
والآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٢، ليس فيها ما يدفع هذا، ولا يرده، والله الموفق للصواب والله أعلم بمواقع الخطاب. وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
قال الناسخ: أملاه شيخنا الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ﵏ – تعالى - وعفا عنهم.