← Акыда

Акыда · id 12034

غاية الأماني في الرد على النبهاني

محمود شكري الألوسي

Полный текст (1 119 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

ظنكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره، وما الذي ظننتم به حتى جعلتم له شركاء، أظننتم أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان؟ أم ظننتم أنه يخفى عليه أحوال عباده حتى يحتاج إلى شركاء يعرفونه بها كالملوك؟ أم لا يقدر وحده على الاستقلال بتدبيرهم وقضاء حوائجهم؟ أم هو قاس فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده؟ أم ذليل فيحتاج إلى ولي يتكثر به من القلة ويتعزز به من الذلة؟ أم محتاج إلى ولد فيتخذ صاحبة يكون الولد منه ومنها؟ تعالى الله عن ذلك كله علواً كبيراً، ولو قدره المشركون حق قدره لما أشركوا به. وكذلك اسمه تعالى الرحيم، فإنه يدل على أنه بالغ في الرحمة غايتها، وإن رحمته عمت عباده ووسعت خلقه، فما بهم من النعم والإحسان والعطايا الباطنة والظاهرة فآثار رأفته ورحمته، ومن هذا فعله وهذا وصفه كيف يعدل المضطر إلى غيره في ضروراته وحاجاته وملماته؟ وفي الحديث القدسي: "كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم" الحديث بطوله. ومن رحمته وتودده إلى عباده أنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فينادي: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ الحديث معرف مشهور. وفي بعض الإسرائيليات أن الله تعالى يقول: ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء. وهذا قرروه بهذا المعنى في التفسير وفي الكلام على شرح الأسماء الحسنى، وفي الكلام على أحوال القلوب وسيرها وتوجهاتها إلى الملك العلي الأعلى. وعبارة البيضاوي في الكلام على أول فاتحة الكتاب: وإنما خص التسمية بهذه الأسماء ليعلم العارف أن المستحق لأن يستعان في مجامع الأمور هو المعبود الحقيقي الذي هو مولى النعم كلها، عاجلها وآجلها، جليلها وحقيرها، فيتوجه

стр. 1017

بشراشره إلى جانب القدس، ويتمسك بحبل التوفيق ويشغل سره بذكره والاستمداد به عن يغره. قال البيضاوي: "وإجراء هذه الأوصاف على الله تعالى- من كونه موجداً للعالمين رباً لهم منعماً عليهم بالنعم كلها باطنها وظاهرها، عاجلها وآجلها، مالكاً لأمورهم يوم الثواب والعقاب- للدلالة على أنه الحقيق بالحمد لا أحد أحق به منه، بل لا يستحقه على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على الوصف يشعر بعليته له وللإشعار من طريق المفهوم على أن من لم يتصف بتلك الصفات لا يتأهل لأن يحمد فضلاً عن أن يعبد ليكون دليلاً على ما بعده. فالوصف الأول لبيان ما هو الموجب للحمد وهو الإيجاد والتربية، والثاني والثالث للدلالة على أنه متفضل بذلك مختار فيه ليس يصدر منه الإيجاب بالذات أو وجوب عليه قضيت لسوابق الأعمال حتى يستحق به الحمد، والرابع لتحقيق الاختصاص، فإنه لا يقبل الشركة فيه، وتضمين الوعد للحامدين والوعيد للمعرضين" انتهى. وإن شئت المزيد على هذا ولم تكتف بما ذكرناه من التمثيل بالبسملة وما فيها من الأبحاث فنتكلم على فاتحة الكتاب بما قاله أهل العلم والتأويل لينتفع بذلك من وقف على كتابنا هذا. فاعلم أن (الحمد) على ما أفاده بعض المحققين: ذكر محاسن المحمود على وجه الثناء عليه بها مع محبته والرضا عنه والخضوع له، فلا يحمده من أعرض عن محبته والخضوع له، أو جعل له شريكاً في ذلك، ولا يرضى عنه من أعد غيره لحاجته وفاقته، واستغاث به في شدته وضرورته، وهذا الحد أتم وأكمل من تعريف بعضهم له بأنه اصطلاحاً فعل ينبىء عن تعظيم المنعم لوجوه لا تخفى على الذكي، فلا نطيل بذكرها، وإذا كانت أل فيه للاستغراق وعموم الأفراد كما هو الراجح، فجميع أوصاف الكمال ونعوت الجلال والجمال التي يحمد من قامت به ثابت لله أكملها لكمال صفاته وكثرتها، ولهذا لا يحصي أحد من خلقه ثناء

стр. 1018

عليه، وبها استدل على إلهيته، وأنه الإله الحق، ولذلك يستدل تعالى على بطلان إلهية ما سواه بفقد صفات الكمال التي يستحق بها أن يعبد ويعظم ويقصد، كما قال عن خليله في مخاطبته لأبيه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ ١ وقال في عباد العجل: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ ٢ فجعل نفي صفات الكمال موجباً لبطلان إلهيته وعبادته، وهذا يعرف بالفطر والعقول فهذه ثلاثة مواضع في أول كلمة من كتاب الله دلت على بطلان دعاء غيره وعبادته والاستعانة بسواه، والعبد وإن علت درجته وارتفعت رتبته فهو فقير إلى باريه وفاطره، لا نسبة لقدرته وعلمه وحكمته وفضله وكرمه وحياته إلى ما اتصف به خالقه وإلهه الحق من صفات الكمال، ونعوت الجلال. قال شيخ الإسلام: والفقر لي وصف ذات لازم أبداً ... كما الغنى أبداً وصف له ذاتي (وأما اسمه الله) فهو دال على الإلهية المتضمنة لسائر صفات الإلهية والكمال، مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال بالوضع والمطابقة على كونه مألوهاً معبوداً، تألهه الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً، ومفزعاً إليه في الحوائج والنوائب، بخلاف من آله سواه ممن لا يستحق الإلهية ولم يخرج عن رتبة العبودية، وصار مفزعه في الحوائج والنوائب إليه، واعتماده في المهمات والملمات عليه. فمن كان هكذا كعباد الملائكة والأنبياء والصالحين لم يعط هذا الاسم الشريف حقه من العبودية وإفراد الله بالإلهية. (وأما الرب) فهو دال على ربوبيته لجميع مخلوقاته، وكمال الربوبية هو بما اتصف به من صفات كمال كقدرته وعلمه ورحمته وقيوميته، وهو يرب عباده

стр. 1019

بالخلق والتدبير والملك، وهو من أكبر الأدلة وأوضحها وأجلاها على وجوب عبادته تعالى، وأن إلهية ما سواه وعبادة غيره من أبطل الباطل وأضل الضلال، ولهذا يستدل على إلهيته تعالى ووجوب توحيد بأفعاله الصادرة عن ربوبيته كخلقه وقيوميته، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ٢ وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ ٣. وهذا كثير في القرآن، ولكن يحول بين عباد القبور والصالحين وفهمه ما على قلوبهم من رين الشرك وطابعه. (وأما اسمه الرحمن) فهو كما تقدم دال على أن الرحمة وصفه وصف ذات لا ينفك عنه، ولهذا لا يطلق على غيره. (والرحيم) هو الراحم لعباده البالغ في إيصال الرحمة، لأن فعيل من صيغ المبالغة، لكن فعلان أبلغ، فسعة الرحمة وكثرتها وإحاطتها من أدلة عظمة الموصوف وكمال صفاته ووجوب عبادته وإلهيته وإنابة القلوب إليه، فالمستغيث بغيره الراغب إلى سواه فيما لا يقدر عليه غيره من الأمور المهمة العظام، وما ليس من جنس الأسباب العادية -كمن يستغيث بالأنبياء والصالحين والملائكة ويرجع إليهم في حاجاته وملماته- ما أعطى هذا الاسم حقه، ولا آمن به حق الإيمان الواجب، ولو استشعر شيئاً من كمال مدلوله وسعته وإحاطته لما عدل بربه سواه، ولا التفت إلى غير رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما. ومشهد الأسماء الحسنى والصفات العليا مشهد عظيم لا يعرفه ولا يسير به إلا الصديقون العارفون بالله وما يجب له وما يستحيل عليه، وأما من تعلق على غيره والتفت إلى سواه وصار مبلغ علمه وغاية حذقه وفهمه تعلقه على الأولياء والصالحين ورجاء رحمتهم وإحسانهم وعطفهم فهو محجوب عن هذا غير عارف

стр. 1020

بربه جاهل بصفات كماله ونعوت جلاله، قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ١ فسجل على من أمر بدعاء الصالحين والاستغاثة بهم بالجهالة، سواء سمى ذلك توسلاً وتشفعاً واستنصاراً وكرامة أو لم يسمه. (وأما مالك يوم الدين) فهو وصف كمال ومجد يقتضي وجوب معاملته وحده لا شريك له، وإسلام الوجه له، لأن الاختصاص والانفراد بالملك يوجب خوفه ورجاءه وطاعته، والتعلق على المملوك المقهور الذي لا شركة له ولا ملك بوجه من الوجوه، وقصده في طلب الإعطاء والمنع، والخفض والرفع، والنجاة من النار، والفوز بدار الأبرار سفه وضلال مبين. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ٢ وقد تمدح سبحانه باختصاصه بملك هذا اليوم في مواضع من كتابه مع أنه الملك المالك في الدنيا والآخرة لسر اقتضى ذلك وحكمة أوجبته، وهي انقطاع العلق والأسباب والمؤاخاة والوصل التي يتعامل بها أهل الدنيا في دنياهم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ٣ فاعرف ما في هذا الخطاب من العموم، وما دل عليه التنكير من الشمول المتناول لكل معبود مع الله ولو نبياً أو ملكاً، وما يجري على يد الشفعاء ذلك اليوم لا يرد على الآية، ولا ينفي العموم، لأنه لا يقع إلا بإذنه فيمن يرضى قوله وعمله، فعاد الأمر له جل ذكره بدءاً وعوداً، أولاً وآخراً. (والدين) هو الجزاء والمكافأة على الأعمال حسنها وقبيحها، وما لم ينزل به سلطان ولم ترد به حجة من الأعمال والديانات يجازى فاعله ويعاقب إن لم يمنع مانع كتوحيد الله والإيمان به وبرسله، وأي توحيد يبقى وينفع مع عبادة الأولياء والصالحين، والاتغاثة بهم وصرف الوجوه إليهم، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ

стр. 1021

لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١. قال جمع: عن شهادة أن لا إله إلا الله. وأما قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ففيها اختصاصه وانفراده بالعبادة والاستعانة، وأن ذلك حق له لا يشركه فيه نبي مرسل ولا ملك مقرب، والعبادة هي الغاية المقصودة من العباد المكلفين، والمؤمنون بالرسل أخلصوا له العبادة وأفردوه بالاستعانة، فهو معبودهم ومستعانهم، وجميع الأعمال داخلة في هاتين الكلمتين الشريفتين، وقد دلت صيغة الحصر والاختصاص فيهما على التوحيد، والعبد همام حارث لا بد له من ذلك، وهمه وحرثه غاية ووسيلة، فيجب أن يكون غاية قصده ومراده وجه الله والتماس طاعته ومرضاته، ويجب أن تكون الوسيلة إلى ذلك استعانة الله وحده والاستغاثة به، وهذا حال أهل الكمال، جمعوا بين عبادة الله واستعانته، بخلاف من عبد غيره واستعان بسواه، أو من عبده لكن قصر وأضاع ما يحصل به مقصوده من الاستعانة، أو من استعان به ولكن على ما لا يحبه وما لم يشرعه من الأعمال الصالحة أو وسائلها. ويدخل في النوع الثاني من تعلق على الأنبياء والصالحين عبادة واستغاثة واستعانة، كعباد القبور، فإنهم لم يعرفوا ما دلت عليه هاتان الكلمتان من وجوب العبادة والاستعانة. وفي حديث ابن عباس: "ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" الحديث. وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: إياك أن تستعين بغير الله فيكلك الله إليه. وقال أبو عبد الله القرشي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون. والكلام هنا يطول، وغرضنا التنبيه على أن القرآن كله دال على التوحيد، آمر به، مشير إليه، مستلزم له، مقرر لوصف أهله وما لهم من الكرامة في المعاد،

стр. 1022

ومبين لأحوال من تركه ولم يرفع به رأساً وأشرك في عبادته، وما لهذا الصنف من الجزاء والعقاب والإهانة في الدار الآخرة. وأما قوله: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعصت عليهم) فهذا فيه توحيد الطريق، وإن من سلك سواه وأراد الوصول من غيره فالسبل والطرق عليه مسدودة قاطعة غير موصلة، وفي حديث ابن مسعود: "خط لنا رسول الله ﷺ خطاً ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، وقال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ "١. إذا عرف هذا فالصراط المستقيم ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان من أئمة الهدى، ودعاء الأنبياء والصالحين والاستغاثة بهم والتوجه إليهم كل هذا ليس مما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، بل وليس عليه أحد من رسل الله وأوليائه وقد توافرت النصوص وتظاهرت على المنع منه، وقد مر منه جملة صالحة، فإذا كان خارجاً عن الصراط المستقيم ناهياً عنه سالكيه ومؤتميه فهو سبيل يفضي بسالكه إلى النيران والدخول في طاعة الشيطان، وأهل هذا الصراط المستقيم دأبهم وشأنهم إفراد الله بالعبادة والاستعانة والاستغاثة والإنابة والخوف والرجاء والتوكل والاعتماد، ومباينتهم في الأوصاف خروج عن صراطهم وطريقهم، قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كافيته الشافية: فلواحد كن واحدا في واحد ... أعني سبيل الحق والإيمان فسبيل الله واحد لا متعدد، ولا يمكن أن يأتي أحد بحجة ولا سلطان على أن

стр. 1023

دعاء الأولياء والصالحين من أهل القبور أو غيرهم مشروع مسنون أو مباح، ولا يمكن أن تأتي شريعة بهذا، وما يقوله الجاهلون من الشبه الواهية لا يعتد به ولا يلتفت إليه، بل هي قاطعة في الطريق حائلة بين أربابها وبين الصراط المستقيم، وما كان عليه رسول الله ﷺ ، وما جاء به من عند الله، وإن زعموا أنها أدلة وبينات فهي جهالات وخيالات وضلالات، كما تقدم الكلام على ما أورده النبهاني الزائغ منها ناقلاً لها عن أشياخه وأئمته الغلاة. وقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فغير صفة ونعت لما قبلها من الاسم الموصول على ما وجهه بعض المفسيرن، والمعنى: أن الذين أنعم الله عليهم خالفوا وباينوا المغضوب عليهم والضالين في صفاتهم الشنيعة وأفعالهم القبيحة، فالأولون عرفوا الحق ولم يتبعوه ولم يريدوه، بل آثروا أغراضهم الفاسدة، وشهواتهم القاطعة، واستمتعوا بخلاقهم، ولم يعبؤوا بما عداه مما فيه صلاح العبد وهداه، والآخرون غلبت عليهم الشبهات وتاهوا في أودية الجهالات والضلالات، ولم يهتدوا إلى ما نصبه تعالى من الآيات الواضحات، والأدلة الظاهرات على وجوب توحيده وآلهيته وصمديته، وتنزهه عن الصاحبة والولد، وأحق الناس بالوصف الأول اليهود وبالوصف الثاني النصاري، لغلبة الوصف الأول على اليهود وغلبة الثاني على النصارى، ولذلك جاء في حديث عدي بن حاتم: "اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون"١. لكن هذا الوصف لا يختص بهم، بل كل منحرف عن الصراط المستقيم إيثاراً لهواه ورأيه فله نصيب من الوصف الأول، ومن انحرف لجهله وعدم فقهه فله نصيب من الوصف الثاني، وهذا الانحراف إن بقي معه أصل الدين الذي لا يقوم الإيمان والتوحيد إلا به فهو من أهل الذنوب من المسلمين وأمره إلى الله، وإن كان الانحراف يخل بأصل الدين والإيمان ويمنع التوحيد- كحال من يدعو الملائكة والأنبياء والصالحين مع الله في مهماته وملماته ويعتمد عليهم ويستغيث بهم في شدائده- فهذا له حظ وافر ونصيب كامل من الضلال، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ

стр. 1024

وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ١. انظر هذا الاستفهام وحسن موقعه بعدما تقدم من الاستفهامات التي هي حجج وآيات على ما بعدها تعرف به فحش ما جاء به عباد القبور من دعاء الهتهم والاستغاثة بهم في الملمات والشدائد المذهلات، وأن أهل الجاهلية كانوا يخلصون في الشدائد ويعترفون بأنه المختص بإجابة المضطر وكشف السوء، وهؤلاء يشتد شركهم عند الضر ونزول الشدائد. ثم من المعلوم أن أخص أوصاف النصارى الضالين عبادة الأنبياء والصالحين وجعلهم شركاء لله فيما يختص به ويستحقه، وطاعة علمائهم وأحبارهم في التحليل والتحريم المخالف لما عهد إليهم في الكتب السماوية على ألسنة أنبيائهم، وعباد القبور ضربوا في هذا بسهم وافر، وحصلوا على نصيب من عبادة الأنبياء والصالحين ودعائهم مع الله استحقوا به إطلاق وصف الضلال عليهم فيما أتوا به وابتدعوه من طاعة الدعاة إلى عبادة القبور من المنتسبين إلى العبادة أو العلم. قال صاحب "منهاج التأسيس" عليه الرحمة- بعد أن ساق ما ذكرناه- وهذه إشارة تطلعك على ما وراءها: وفي فاتحة الكتاب والسبع المثاني من العلوم والتوحيد والرد على أصناف الضالين وشيع المبطلين ما لا يمكن حصره واستقصاؤه. انتهى. قلت: من أراد الوقوف على تفاصيل ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة فعليه بكتاب شرح "منازل السائرين" للشيخ الحافظ ابن القيم، ففيه من إظهار كنوز أسرارها ما ينشرح به الخاطر.

стр. 1025

(ذكر بعض آيات تدل على المقصود وما فسرت به) قد ذكرنا سابقاً أن القرآن الكريم من أوله إلى آخره ينادي بإخلاص التوحيد لله تعالى وإفراده سبحانه بخصائصه، وقد ذكرنا مثالاً لذلك وشاهداً عليه، وحباً لزيادة الإيضاح نذكر ما هو أصرح دلالة على مقصودنا من آيات الكتاب الكريم، فلعل النبهاني وأضرابه من عبدة القبور يهتدي ببعضها، ويكشف عن قلبه حجاب الضلال. من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ وهذه السورة العظيمة قد اشتملت على كنوز العلم، وهي تعدل ثلث القرآن، وقد بسط الكلام عليها الإمام تقي الدين بن تيمية وأفرد لتفسيرها سفراً كبيراً، وهو بحمد الله متداول. ومما قال: " (الصمد) فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة وليست كذلك، بل كلها صواب، والمشهور منها قولان: (أحدهما) أن الصمد هو الذي لا جوف له. (والثاني) أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج، والأول هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة، والثاني قول طائفة من السلف والخلف وجمهور اللغويين، والآثار المنقولة عن السلف بأسانيدها في كتب التفسير المسندة وفي كتب السنة وغير ذلك. قال: وقد كتبنا من الآثار في ذلك شيئاً كثيراً بإسناده فيما تقدم. ثم سرد أقوالاً كثيرة في معنى الصمد إلى أن ذكر فصلاً في سبب تنكير (أحد) وتعريف (الصمد) في السورة، وحاصله: أن لفظ (أحد) لم يوصف به شيء من الأعيان إلا الله وحده، وإنما يستعمل في غير الله في النفي، قال أهل اللغة: تقول لا أحد في الدار ولا تقل فيها أحد، ولهذا لم يجىء في القرآن إلا في غير الموجب، كقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ١ وكقوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ

стр. 1026

لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ١ وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ ٢ وفي الإضافة كقوله: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ ٣ ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ ٤. وأما اسم الصمد فقد استعمله أهل اللغة في حق المخلوقين كما تقدم، فلم يقل الله صمد بل قال: الله الصمد، فبين أنه المستحق لأن يكون هو الصمد دون ما سواه، فإنه المستوجب لغايته على الكمال. والمخلوق هان كان صمدا من بعض الوجوه فإن حقيقة الصمدية منتفية عنه، فإنه يقبل التفرق والتجزية، وهو أيضاً محتاج إلى غيره، فإن كل ما سوها الله محتاج إليه من كل وجه، فليس أحد يصمد إليه كل شيء ولا يصمد هو إلى شيء إلا الله، وليمس في المخلوقات إلا ما يقبل أن يتجزأ ويتفرق وينقسم وينفصل بعضه من بعض، والله سبحانه هو الصمد الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك، بل حقيقة الصمدية وكمالها له وحده واجبة لازمة لا يمكن عدم صمديته بوجه من الوجوه، كما لا يمكن تثنية أحديته بوجه من الوجوه، فهو أحد لا يماثله شيء من الأشياء، كما قال في آخر السورة: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ استعملها هنا في النفي، أي ليس شيء من الأشياء كفوا له في شيء من الأشياء، لأنه أحد، وقال رجل للنبي ﷺ : (أنت سيدنا، فقال: السيد الله) . ودل قوله الأحد الصمد على أنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فإن الصمد هو الذي لا جوف له ولا أحشاء، فلا يدخل فيه شيء، فلا يأكل ولا يشرب ، كما قال: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ ٦.

стр. 1027

ثم تكلم في مسائل مختلفة انتقل من بعضها إلى بعض وأتى بما يبهر العقول. والحاصل، أن كل كلمة من كلمات هذه السورة تقتضي أن يعبد الله وحده وأن لا يشرك به أحد ولا يلتجأ إلى ما سواه، فإذا كان معنى أحد أنه ليس كمثله شيء فينبغي أن يستغاث به وحده، لأنه الكامل في صفات الكمال والمنزه عن صفات النقص، وغيره ليس كذلك فكيف يسوغ الالتجاء إلى الناقص والإعراض عن الكامل؟ وإذا كان الله أحد كان هو الصمد بأي معنى فسر، فالأحدية دليل على الصمدية، فهو الملجأ لا غير، والصمدية تستلزم اتصاف الله تعالى بأنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحداً، وكل جملة فهي دليل لما بعدها، فمن يلد ليس بأحد ولا صمد فلا يلجأ إليه ولا يطلب منه ما يطلب من الله الأحد الصمد الذي لم يلد، ومن يولد كذلك، ومن كان له كفو أو نظير في ذاته وصفاته فهو لا يصلح أن يسند إليه خصائص الإلهية، فهذه السورة على اختصارها جمعت من دلائل الوحدانية، ما لم تشتمل سورة أخرى عليه، ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن، ومن أراد تفصيل ما تضمنته من العلوم فعليه بتفسيرها لشيخ الإسلام. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ إلى آخر السورة، تكلم أيضاً على هذه السورة شيخ الإسلام وتلميذه أحسن كلام، قال ابن القيم في كتابه "بدائع الفوائد": المقصود الكلام على هاتين السورتين- يعني المعوذتين- وبيان عظم منفعتهما وشدة الحاجة بل الضرورة إليهما، وأنه لا يستغني عنهما أحد قط، وأن لهما تأثيراً خاصاً في رفع السحر والعين وسائر الشرور، وأن حاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى التنفس والطعام والشراب واللباس، فنقول والله المستعان: قد اشتملت السورتان على ثلاثة أصول وهي: أصول الاستعاذة: أحدها: نفس الاستعاذة. والثاني: المستعاذ به. والثالث: المستعاذ منه.

стр. 1028

فبمعرفة ذلك يعرف شدة الحاجة والضرورة إلى هاتين السورتين. وقد عقد لكل أصل من هذه الأصول الثلاثة فصلاً وأطنب الكلام فيه، فمما قال في الفصل الأول: "اعلم أن لفظ عاذ وما تصرف منه يدل على التحرز والتحصن والالتجاء، وحقيقة معنى هذه الكلمة: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه. ولهذا يسمى المستعاذ به معاذاً كما يسمى ملجأ ووزراً، وفي الحديث: أن ابنة الجون لما أدخلت على النبي ﷺ فوضع يده عليها قالت: أعوذ بالله منك، قال: "لقد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك"١. فمعنى أعوذ: ألتجىء وأعتصم وأتحرز. ثم ذكر في أصله قولين، وقال- بعد أن ذكرهما- والقولان حق، والاستعاذة تنتظمهما معاً، فإن المستعيذ مستتر بمعاذ مستمسك به معتصم به، قد استمسك قلبه به ولزمه كما يلزم الولد أباه إذا شهر عدوه سيفاً وقصده به فهرب منه فعرض له أبوه في طريق هربه فإنه يلقي نفسه عليه ويستمسك به أعظم استمساك فكذلك العائذ قد هرب من عدوه الذي يبغي هلاكه إلى ربه ومالكه وفر إليه وألقى نفسه بين يديه واعتصم به واستجار به والتجأ إليه، وبعد فمعنى الاستعاذة القائم بقلبه وراء هذه العبارات، وإنما هي تمثيل وإشارة وتفهيم، وإلا فما يقوم بالقلب حينئذ من اللجاء والاعتصام والانطراح بين يدي الرب والافتقار إليه والتذلل بين يديه أمر لا تحيط به العبارة. ونظير هذا؛ التعبير عن محبته وخشيته وإجلاله ومهابته، فإن العبارة تقصر عن وصف ذلك، فلا يدرك إلا بالاتصاف بذلك لا بمجرد الصفة والخبر، كما أنك إذا وصفت لذة الوقاع لعنين لم تخلق له شهوته أصلاً فلو قربتها وشبهتها بما عساك أن تشبهها به لم تحصل حقيقة معرفتها في قلبه، فإذا وصفتها لمن خلقت فيه

стр. 1029

وركبت فيه عرفها بالوجود والذوق. ثم ذكر كلاماً طويلاً في الفرق بين الإعاذة والاستعاذة في غاية الدقة واللطف، وذكر سبب الإتيان (بقل) في السورتين وهو من أبدع الوجوه، ولا غرض لنا يتعلق به فإن أردته فارجع إليه. (ثم قال في الفصل الثاني) : والمستعاذ به الله وحده رب الفلق ورب الناس ملك الناس إله الناس، الذي لا تنبغي الاستعاذة إلا به، ولا يستعاذ بأحد من خلقه، بل هو الذي يعيذ المستعيذين ويعصمهم ويمنعهم من شر ما استعاذوا من شره، وقد أخبر تعالى في كتابه عمن استعاذ بخلقه أن استعاذته زادته طغياناً ورهقاً، فقال حكاية عن مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ١. جاء في التفسير: أنه كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا سافر فأمسى في أرض قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح. أي: فزاد الإنس الجن باستعاذتهم بسادتهم رهقاً أي طغياناً وغياً وإثماً وشراً، يقولون سدنا الإنس والجن، والرهق في كلام العرب الإثم وغشيان المحارم، فزادوهم بهذه الاستعاذة غشياناً لما كان محظوراً من الكبر والتعاظم وظنوا أنهم سادوا الإنس والجن. واحتج أهل السنة على المعتزلة في أن كلمات الله غير مخلوقة بأن النبي ﷺ استعاذ بها بقوله: "أعوذ بكلمات الله التامات" وهو ﷺ لا يستعيذ بمخلوق، ونظير ذلك قوله: "أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك" فدل على أن رضاه وعفوه من صفاته، وأنه غير مخلوق، فكذلك قوله: "أعوذ بعزة الله وقدرته". وقوله: "أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات"٢. وما استعاذ به النبي ﷺ

стр. 1030

فإنه غير مخلوق، لا يستعيذ إلا بالله أو بصفة من صفاته. وجاءت الاستعاذة في هاتين السورتين باسم الرب والملك والإله، وجاءت الربوبية فيها مضافة إلى الفلق وإلى الناس، ولا بد من أن يكون بين ما وصف به نفسه في هاتين السورتين مناسبة، وقد قررنا في مواضع متعددة أن الله سبحانه يدعى بأسمائه الحسنى، فنسأل لكل مطلوب باسم يناسبه ويقتضيه، وقد قال النبي ﷺ في هاتين السورتين أنه ما تعوذ المتعوذون بمثلهما، ولا بد أن يكون الاسم المستعاذ به مقتضياً للمطلوب، وهو دفع الشر المستعاذ منه أو رفعه، وإنما يتقرر هذا بالكلام في الفصل الثالث، وهو الشر المستعاذ منه، فبه تتبين المناسبة المذكور ة. وذكر في الفصل الثالث أنواع الشرور المستعاذ منها في هاتين السورتين، وأطنب في بيان ذلك، وأتى بالعجب العجاب. والمقصود؛ أن كلتا السورتين تدلان على أن الملجأ والمعاذ هو الله تعالى، فمن استغاث بمخلوق ملكاً كان أو نبياً أو ولياً فقد التجأ إليه، ومن التجأ إليه في طلب ما لا يقدر عليه أحد إلا الله فقد عبده، لأن الدعاء مخ العبادة، ومن عبد غير الله فقد أشرك، والآيات القرآنية في هذا الباب كثيرة، وقد ذكرنا فيما سبق بعضاً منها، ومن قرأ القرآن وتدبر معناه تحقق ذلك. وأما ما ورد من السنة النبوية فهو البحر الذي لا ساحل له، فقد كان ﷺ خصماً للمشركين، وعدوا للكافرين، وقد بعثه الله تعالى لمحق ما كان عليه أهل

стр. 1031

الجاهلية وإبطال ضلالاتهم الشركية، وقد كان خلقه القرآن، وما أنزله الله عليه من البيان، وقد نظرنا إلى الكتب المؤلفة في أذكاره وأدعيته فلم نر فيها دعاء التجأ فيه إلى غير الله، هذا كتاب (الأذكار) للنووي فيه من الأدعية السنية ما هو معلوم الصحة، وهذا كتاب (نزل الأبرار في الأدعية والأذكار) ١ وهذا كتاب (الكلم الطيب والعمل الصالح) لشيخ الإسلام، وهذا كتاب (الحصن الحصين) للشيخ محمد الجزري، جميع ما في هذه الكتب من الأدعية كلها من الله تعالى، ليس فيها كلمة دالة على الطلب من غيره تعالى، والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٢ فينبغي أن يتأسى كل مسلم برسول الله ﷺ ، ويقتدي به في أقواله وأفعاله، ويسلك في ذلك مسلك الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الأئمة والمجتهدين رضوان الله عليهم أجمعين. ما كان يقوله ﷺ في طلب النصر: "اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم"٣ وكان إذا غزا قال: "اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول وبك أصول وبك أقاتل"٤ وعن أنس قال: (كنا مع النبي ﷺ في غزوة فلقي العدو، فسمعته يقول: " يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين". فلقد رأيت الرجال تصرعها تضربها الملائكة من بين أيديها ومن خلفها) ٥. وكان يقول: "حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، اعتصمنا بالله، استعنا بالله، توكلنا على الله" ويقول: (حصنتنا كلنا أجمعين بالحي القيوم الذي لا يموت أبداً، ودفعت عنا السوء بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) ويقول: (يا قديم الإحسان، يا من إحسانه فوق كل إحسان، يا مالك الدنيا والآخرة، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال

стр. 1032

والإكرام، يا من لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه، انصرنا على أعدائنا هؤلاء وغيرهم، وأظهرنا عليهم في عافية وسلامة عامة عاجلا) ١. وفي كتاب (الحصن الحصين) من ذلك شيء كثير، وهو للإمام الكبير محمد الجزري رحمه الله تعالى، وقد قال في خطبة الكتاب المذكور: "هذا الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين، وسلاح المؤمنين، من خزانة النبي الأمين، والهيكل العظيم من قول الرسول الكريم، والحرز المكنون، من لفظ المعصوم المأمون، بذلت فيه النصيحة، وأخرجته من الأحاديث الصحيحة، أبرزته عدة عند كل شدة، وجردته جنة تقي من شر الناس والجنة، تحصنت به فيما دهم من المصيبة، واعتصمت من كل ظالم بما حوى من السهام المصيبة، وقلت: ألا قولوا لشخص قد تقوى ... على ضعفي ولا يخشى رقيبه خبأت له سهاماً في الليالي ... وأرجو أن تكون له مصيبة قال: ولما أكملت ترتيبه وتهذيبه طلبني عدو لا يمكن أن يدفعه إلا الله تعالى فهربت منه مختفياً وتحصنت بهذا الحصن، فرأيت سيد المرسلين ﷺ وأنا جالس على يساره، وكأنه يقول: ما تريد؟ فقلت: يا رسول الله ادع الله لي وللمسلمين، فرفع يديه الكريمتين وأنا أنظر إليهما فدعا ثم مسح بهما وجهه الكريم، وكان ذلك ليلة الخميس، فهرب العدو ليلة الأحد، وفرج الله عني وعن المسلمين ببركة هذا الكتاب عنه ﷺ " انتهى. وما كان يقوله في دعاء الوتر وهو: "اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونستهديك ونؤمن بك ونتوكل عليك" إلى آخره٢، وفي رواية: "اللهم اهدني فيمن هديت،

стр. 1033

وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت " إلى آخره١. وما كان يقوله إذا أتى فراشه، وما يقوله إذا استيقظ من منامه، وما يقوله في. الليل، وما يقوله حال خروجه من بيته وإذا دخله، وما كان يقوله في غير ذلك من الأحوال، كالاستسقاء ونحوه مما هو خارج الصلاة أو داخلها؛ فشيء لا يسعه هذا المقام. والمقصود، أن جميع أدعيته ليس فيها استغاثة بمخلوق، ولا إقسام به، ولا توسط أحد ولا توسل به، ومن شرط كل مؤمن الإقتداء به ﷺ ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٢. وفي الأحاديث الصحيحة التي رواها الإمام البخاري والإمام مسلم وغيرهما ممن جمع الصحيح شيء كثير مما يتعلق بهذا الباب، كحديث ابن عباس، وفيه "إذا استعنت فاستعن بالله" وقد سبق ذكره. والرسول ﷺ أبطل دين المشركين، ومداره على الاستغاثة والالتجاء إلى غيره، وهي كانت عبادة الوثنيين، وكالذبح والنذر، غير أنهم كانوا عند النوائب يستغيثون بالله سبحانه، بخلاف عباد القبور في عصرنا. وأما ما ورد عن عباد الله الصالحين مما أخلصوا فيه الدعاء إلى الله والتجؤوا إليه سبحانه ولم يستعينوا فيه إلى مخلوق فهو كثير، وقد صنف الإمام أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال المتوفى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة كتابه الذي سماه (المستغيثين بالله عند الحاجات والمهمات والمتضرعين إلى الله بالرغبات) وهو كتاب جليل يسوء النبهاني إذا رآه.

стр. 1034

ومنه يعلم أن الصالحين والأولياء الكاملين كلهم كانوا في جميع حالاتهم مقتدين برسول الله ﷺ ، روى ابن بشكوال في كتابه هذا عن عبد الله بن المبارك أنه قال: كنت في غزوة فوقع فرسي ميتاً فرأيت رجلاً حسن الوجه طيب الرائحة، قال: أتحب أن تركب فرسك؟ قلت: نعم، فوضع يده على جبهة الفرس حتى انتهى إلى مؤخره. وقال: أقسمت عليك أيتها البغلة بعزة عزة الله، وبعظمة عظمة الله، وبجلال جلال الله، وبقدرة قدرة الله، وبسلطان سلطان الله، وبلا إله إلا الله، وبما جرى به القلم من عند الله، وبلا حول ولا قوة إلا بالله، إلا انصرفت. فوثب الفرس قائماً بإذن الله تعالى، وأخذ الرجل بركابي، وقال: اركب. فركبت، ولحقت بأصحابي ... إلى آخر القصة. ومن أدعية الإمام زين العابدين السجاد رضي الله تعالى عنه: "اللهم إن تشأ تعف عنا فبفضلك، وإن تشأ تعذبنا فبعدلك، فسهل لنا عفوك بمنك، وأجرنا من عذابك بتجاوزك، فإنه لا طاقة لنا بعدلك، ولا نجاة لأحد منا دون عفوك، يا غني الأغنياء، ها نحن عبادك بين يديك، وأنا أفقر الفقراء بين يديك، فاجبر فاقتنا بوسعك ولا تقطع رجاءنا بمنعك، فتكون قد أشقيت من استسعد بك، وحرمت من استرفد فضلك، فإلى من حينئذ منقلبنا عنك، وإلى أين مذهبنا عن بابك، سبحانك نحن المضطرون الذين أوجبت إجابتهم، وأهل السوء الذين وعدت الكشف عنهم، وأشبه الأشياء بمشيئتك وأولى الأمور في عظمتك رحمة من استرحمك، وغوث من استغاث بك، فارحم تضرعنا إليك، وأغثنا إذ طرحنا أنفسنا بين يديك، اللهم إن الشيطان قد شمت بنا إذ شايعناه على معصيتك، فصل على محمد وآله، ولا تشمته بنا بعد تركنا إياه لك، ورغبتنا عنه إليك". وكم له من مثل هذا الدعاء والالتجاء ما تنير منه أنوار التوحيد، ونشرق منه شموس الإيمان والتجريد، وأين هو من أدعية غلاة القبوريين، طهر الله تعالى الأرض منهم أجمعين. ومن وصايا الشيخ عبد القادر الكيلاني ﵁ ما قال لولده حين

стр. 1035

استوصاه وهو في مرض الموت: عليك بتقوى الله وطاعته، ولا تخف أحداً ولا ترجه، وكل الحوائج كلها إلى الله ، واطلبها منه، ولا تثق بأحد سوى الله ، ولا تعتمد إلا عليه سبحانه، التوحيد، التوحيد، التوحيد، وجماع الكل التوحيد. وقال في مرض موته: إذا صح القول مع الله لا يخلو منه شيء ولا يخرج منه شيء. وقال لأولاده: ابعدوا من حولي فأنا معكم بالظاهر ومع غيركم بالباطن. ثم قال: قد حضر عندي غيركم فوسعوا لهم وتأدبوا معهم، ههنا زحمة عظيمة ولا تضيقوا عليهم المكان، وأخبر بعض ولده أنه كان يقول وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، غفر الله لي ولكم، وتاب الله علي وعليكم، باسم الله غير مودعين. وله أحزاب كثيرة، ووصايا كلها على ما كان يدعو به رسول الله ﷺ ، ووصاياه على التوحيد وإفراد الله تعالى بخصائصه، كل ذلك مشهور متداول بين الناس، وأحزابه التي يقرأ كل حزب منها في يوم من أيام الأسبوع يقرأها الناس ويعرفونها، ومقامه في باب التوحيد واتباع السنن ليس يخفى على أحد، ولكنه خلف من بعده خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً. وقال ﵁ في كتابه "فتوح الغيب والغنية": "ينبغي لكل مسلم موحد أن لا يتكل إلا على الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يعتقد التصرف إلا لله، وأن يجعل مرآة عمله حديث ابن عباس، قال: كنت راكباً خلف رسول الله ﷺ فقال: "يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف". ويكفيك أيها المسترشد قوله تعالى في الفاتحة التي تقرأها في صلاتك

стр. 1036

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فلا تعبد غيره، ولا تستعن إلا به، ولا تطلب إلا منه، فهذا هو التوحيد". اهـ. ومن كلام الشيخ محي الدين بن عربي شيخ الصوفية عند الكلام على قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ ١ قال: ومن أعظم المواثيق أن لا يسأل العبد سوى مولاه جل شأنه، وفي قصة أبي حمزة الخراساني ما يشهد بعظم شأنه، فقد عاهد ربه أن لا يسأل أحداً سواه، فاتفق أن وقع في بئر فلم يسأل أحداً من الناس المارين عليه إخراجه منها حتى جاء من أخرجه بغير سؤال، ولم ير من أخرجه، فهتف به هاتف كيف رأيت ثمرة التوكل؟! فينبغي الإقتداء به في الوفاء بالعهد على ما قال أيضاً، وقد أنكر ابن الجوزي فعل هذا الرجل وبين خطأه وأن التوكل لا ينافي الاستغاثة في تلك الحال، وذكر أن سفيان الثوري وغيره قالوا لو أن إنساناً جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار، ولا ينكر أن يكون الله تعالى قد لطف بأبي حمزة الجاهل، نعم لا ينبغي الاستغاثة بغير الله تعالى على النحو الذي يفعله الناس اليوم مع أهل القبور الذين يتخيلون فيهم ما يتخيلون، فآه ثم آه مما يفعلون. وقال الشيخ محي الدين أيضاً في (الفتوحات المكية) : أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: يا موسى لا تجعل غيري موضع حاجتك وسلني حتى الملح تلقيه في عجينتك، هذا تعلي ممن الله تعالى لنبيه ﵇. وقد رأيته سبحانه في النوم!! فقال: وكلني في أمورك فوكلته فما رإيت إلا عصمة محضة ولله الحمد على ذلك، ويكفي في التعليم قوله سبحانه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي لا نعبد سواك ولا نستعين بمخلوق، وحديث ابن عباس: "وإذا استعنت فاستعن بالله"، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ٢ وقوله

стр. 1037

تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ١ اهـ. وقال الإمام زين العابدين السجاد: كيف يسأل محتاج محتاجاً؟! وقال الإمام الغزالي: المؤمن لا يجعل بينه وبين الله تعالى وسائط في الطلب، قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ٢. وفي تفسير "روح المعاني" عند الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ٣ ما نصه: "ما أعظمها آية في النعي على من يستغيث بغير الله تعالى من الجمادات والأموات، ويطلب منه ما لا يستطيع خلقه لنفسه أو دفعه عنها". وقال بعض أكابر السادة الصوفية: إن الاستغاثة بالأولياء محظورة إلا من عارف يميز بين الحدوث والقدم، يستغيث بالولي لا من حيث نفسه بل من حيث ظهور الحق فيه، فإن ذلك غير محظور، لأنه استغاثة بالحق حينئذ. وأنا أقول: إذا كان الأمر كذلك فما الداعي للعدول عن الاستغاثة بالحق من أول الأمر؟ وأيضاً إذا ساغت الاستغاثة بالولي من هذه الحيثية فلتسغ الصلاة والصوم وسائر أنواع العبادة له من تلك الحيثية أيضاً، ولعل القائل بذلك قائل بهذا، بل قد رأيت لبعضهم ما يكون هذا القول بالنسبة إليه تسبيحاً، ولا يكاد يجري قلمي أو يفتح فمي بذكره، فالطريق المأمون عند كل رشيد، قصر الاستغاثة والاستعانة على الله ، فهو سبحانه الحي القادر العالم بمصالح عباده، فإياك والانتظام في سلك الذين يرجون النفع من غيره تعالى. وفي هذا التفسير أيضاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً﴾ ٤. إشارة إلى ذم الغالين في أولياء الله تعالى حيث يستغيثون بهم في الشدة غافلين عن

стр. 1038

الله تعالى، وينذرون لهم النذور، والعقلاء منهم يقولون إنهم وسائلنا إلى الله تعالى، وإنما ينذر له ، ويجعل ثوابه للولي، ولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى أشبه الناس بعبدة الأصنام، القائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١ ودعواهم الثانية لا بأس بها لو لم يطلبوا منهم بذلك شفاء مريضهم أو رد غائبهم أو نحو ذلك، والظاهر من حالهم الطلب، ويرشد إلى ذلك أنه لو قيل انذروا لله تعالى واجعلوا ثوابه لوالديكم فإنهم أحوج من أولئك الأولياء لم يفعلوا. ورأيت كثيراً منهم يسجد على أعتاب حجر القبور للأولياء، ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعاً في قبورهم، لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم، والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة، أو خمسة، وإذا طولبوا بالدليل قالوا ثبت ذلك بالكشف! قاتلهم الله تعالى ما أجهلهم وأكثر افتراءهم. ومنهم من يزعم أنهم يخرجون من القبور ويتشكلون بأشكال مختلفة، وعلماؤهم يقولون إنما تظهر أرواحهم متشكلة وتطوف حيث شاءت، وربما تشكلت بصورة أسد أو غزال أو نحوه، وكل ذلك باطل لا أصل له في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة، وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم، وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة من اليهود والنصارى، وكذا لأهل النحل والدهرية، فنسأل الله تعالى العفو والعافية. وفيه أيضاً عند الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ الآية٢. فيه إشارة إلى ذم المتصوفة الذين إذا سمعوا الآيات الرادة عليهم ظهر عليهم التجهم والبسور وهم في زماننا كثيرون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 1039

وقال لما تكلم على قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ ١ من سورة والنازعات: أنه إقسام من الله تعالى بطوائف من ملائكة الموت، وقيل غير ذلك، إلى أن قال: وفي حمل المدبرات على النجوم إيهام صحة ما يزعمه أهل الأحكام وجهلة المنجمين، وهو باطل عقلاً ونقلاً، كما أوضحنا ذلك فيما تقدم، وكذا في حملها على النفوس الفاضلة المفارقة إيهام صحة ما يزعمه كثير من سخفة العقول من أن الأولياء يتصرفون بعد وفاتهم بنحو شفاء المريض وإنقاذ الغريق والنصر على الأعداء، وغير ذلك مما يكون في عالم الكون والفساد، على معنى أن الله تعالى فوض إليهم ذلك، ومنهم من خص ذلك بخمسة من الأولياء، والكل جهل وإن كان الثاني أشد جهلا، إلى آخر ما قال. وفيه أيضاً على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ ٢. ذكر بعض الغلاة أنه إشارة إلى أنه لا ينبغي لمن يريد الدخول على الأولياء أن يدخل حتى يجد روح القبول والإذن بإفاضة المدد الروحاني على قلبه المشار إليه بالاستئناس، فإنه قد يكون للولي حال لا يليق للداخل أن يحضره فيه وربما يضره ذلك، وطرد بعض الصوفية ذلك فيمن يريد الدخول لزيارة قبور الأولياء، فقال: ينبغي لمن أراد ذلك أن يقف بالباب على أكمل ما يكون من الأدب ويجمع حواسه ويعتمد بقلبه طالباً الإذن، ويجعل شيخه واسطة بينه وبين الولي المزور في ذلك، فإن حصل له انشراح صدر ومدد روحاني وفيض باطني فليدخل دالا فليرجع، وهذا هو المعنى بأدب الزيارة عندهم. قال المفسر ﵀ في رده: ولم نجد ذلك عن أحد من السلف الصالح، والشيعة عند الزيارة للأئمة ينادي أحدهم أأدخل يا أمير المؤمنين؟ أو يا ابن بنت رسول الله؟ أو نحو ذلك، ويزعمون أن علامة الإذن حصول رقة القلب ودمع

стр. 1040

العين، وهو أيضاً مما لم نعرفه عن أحد من السلف، ولا ذكره فقهاؤنا، وما هو إلا بدعة، ولا يعد فاعلها إلا ضحكة للعقلاء، وكون المزور حياً في قبره لا يستدعي الاستئذان في الدخول لزيارته، وكذا ما ذكره بعض الفقهاء من أنه ينبغي للزائر التأدب مع المزور كما يتأدب معه حيا كما لا يخفى. قال: وقد رأيت بعد كتابتي هذا في (الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم) صلى الله تعالى على صاحبه وسلم لابن حجر المكي ما نصه: قال بعضهم: وينبغي أن يقف يعني الزائر بالباب وقفة لطيفة كالمستأذن في الدخول على العظماء، انتهى. وفيه: أنه لا أصل لذلك، ولا حال ولا أدب يقتضيه، انتهى. ومنه يعلم أنه إذا لم يشرع ذلك في زيارة قبره ﵊ فعدم مشروعيته في زيارة غيره من باب أولى، فاحفظ ذاك، والله تعالى يعصمنا من البدع وإياك. وفيه أيضاً على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ١. وقد رأينا كثيراً من الناس على نحو هذه الصفة التي وصف الله تعالى بها المشركين، يهشون لذكر أموات يستغيثون بهم، ويطلبه ن منهم، ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم توافق هواهم واعتقادهم فيه، ويعظمون من يحكي لهم ذلك وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده، ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه ، وسرد ما يدل على مزيد عظمته وجلاله، وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة وينسبونه إلى ما يكره. وقلت يوماً لرجل يستغيث في شدة ببعض الأموات وينادي يا فلان أغثني- فقلت له: قل يا الله، فقد قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ

стр. 1041

دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ١ فغضب وبلغني أنه قال: إن فلاناً منكر على الأولياء، وسمعت عن بعضهم أنه قال: الولي أسرع إجابة من الله !! وهذا من الكفر بمكان، نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزيغ والطغيان. وفيه أيضاً عند الكلام على قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ٢. لما كان يوم الفتح فرّ عكرمة بن أبي جهل فركب البحر فأصابتهم عاصف، فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة اخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً، فقال عكرمة: لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجني في البر غيره، اللهم إن لك عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفواً كريماً، قال: فجاء فأسلم. وظاهر الآية أنه ليس المراد تخصيص الدعاء فقط به سبحانه بل تخصيص العبادة به تعالى أيضاً لأنهم بمجرد ذلك لا يكونون مخلصين له الدين، وأياً ما كان فالآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال. وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير وخطب جسيم في بر أو بحر دعوا من لا يضر ولا ينفع ولا يرى ولا يسمع، فمنهم من يدعو الخضر وإلياس، ومنهم من ينادي أبا الخميس والعباس، ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشائخ الأمة، ولا ترى فيهم أحداً يخص مولاه بتضرعه ودعاه، ولا يكاد يمر له ببال أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال، فبالله تعالى عليك قل لي أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلاً، وأي الداعيين أقوم قيلاً، وإلى الله تعالى المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة،

стр. 1042

وتلاطمت أمواج الضلالة، وخرقت سفينة الشريعة، واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف، ومالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف. وفيه أيضاً في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١. وقد أورد كلاماً حاصله: أن يلتجىء الإنسان في المهمات إليه تعالى، ثم قال: وفي الآية إعلام بأن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفو الله تعالى وكرمه أعظم وأجل، وما ألطف قول أبي نواس غفر الله تعالى له: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فبمن يلوذ ويستجير المجرم ومما ينسب للإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا ربي لعفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما وكم في هذا التفسير الجليل الشأن من مسائل تتعلق بوجوب تحقيق توحيد الملك الديان، وإفراده سبحانه بأن يستغاث ويستعان. وفي كتاب ابن أبي الدنيا- الذي ألفه في كلام المحتضرين- شيء كثير من كلام الصالحين، والأولياء والعارفين، الذي تكلموا في آخر عمرهم، وقدس حصروا الاستعانة والالتجاء به تعالى، وأنه لا ينبغي أن يستغاث بغيره، نظماً ونثراً، وقد أفرد له الغزالي باباً في "الإحياء"، وأتى الزبيدي في شرحه بملخص كتاب المحتضرين لابن أبي الدنيا، تركنا ذكره لطوله ولكونه متداولاً هذا الكتاب بين الناس.

стр. 1043

ومن المنظوم في هذا الباب ما قاله الشاعر الشهير الشيخ صالح تجاوز الله عنه: يا سائلاً غير إله السما ... بشراك بالخيبة والرد إن الذي سواك من نطفة ... يغنيك عن مسألة العبد ولآخر: لا تسألن من ابن آدم حاجة ... وسل الذي أبوابه لا تحجب الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب وللعلامة الجليل، والفاضل النبيل، محدث عصره، وحافظ مصره، الشيخ علي السويدي، صاحب كتاب "العقد الثمين" عليه الرحمة: يا نفس كم لا تعبئين بحالي ... هل اتعظت بفرقة الأمثال ذهب الزمان بأهله وتخلفت ... أخلاف سوء عادموا أفضال بئس الخلائق هم ولا ذكرى لهم ... أشباح أهواء ومحض خيال أخلاقهم نقض العهود ودأبهم ... خلف الوعود وزخرف الأقوال لا يعرفون وداد من صافاهم ... ويرون ذلك شعبة لضلال لا يسألون عن الصديق كأنهم ... جلوا عن الأشباه والأمثال ألفوا الجفاء فمن أتى منهم بما ... فيه الوفاء فقد أتى بمحال أديانهم دنيا بدت تبدي لنا ... ما فيهم من أسوء الأفعال يتفاخرون بجمع أموال غدت ... نسباً شريفاً وابتهاج جمال أفلا يرون بني اليهود وعابدي الـ ... ـأنداد أجمع منهم للمال إني بلوتهم فلم أر فيهم ... إلا البلاء وأعظم البلبال لا خير فيهم غير أن وفاقهم ... نكد وهم مؤذن بوبال يا نفس عدي عنهم وتصبري ... فهم الغثاء ودمنة الأطلال وتخيلي لمثالهم من طينة ... غبراء وانظرمقتضى التمثال وثقي بمن خلق السموات العلى ... الواحد المتكبر المتعالي

стр. 1044

والله ما أسفي غدا إلا على ... ما ضاع مني سابق الأحوال مع أنني من فضل ربي ليس لي ... طمع بجاه عندهم وبمال يا صاحب النفس الملومة إنني ... أنهاك دهشتها بيوم كلال صاح استمع نصحاً أتاك مفصلاً ... كتفصل العقيان فوق لئال بادر بقايا عمرك الفاني فلا ... تصرفه إلا في الرضى المتوالي واشغل فؤادك دائباً متفكراً ... فيما يليق بمنصب الإجلال وأخلص عبادتك التي باشرتها ... في القول والأحوال والأفعال واشغل بذكر الله قلبك لاهجاً ... بصفاته العليا بلا إملال واجعل مماتك نصب عينك إنه ... أولى الأمور وأنصح الأحوال واعلم بأنك بعد ذاك محاسب ... فاضبطه لا تك فيه ذا إهمال واعلم بأنك بعد ذلك صائر ... إما إلى بؤس أو الأفضال وادأب على حفظ الشريعة سالكاً ... سبل الهدى لا قالياً أو غالي وابدأ بحفظ القلب عن شبهاته ... واعرف مساويها على الإجمال وكذاك فاحفظه عن الشهوات إذ ... بالحفظ من هذين كل كمال ثم اسقه ماء الحياة بواعظ ... من محكم التنزيل في إجلال واحرس فراغك بالتذكر إنه ... عمر إذا ما ضاع منك لغالي واحفظ جوارحك التي أوتيتها ... عن كل ما يقضى بكل نكال واعلم بأنك ما خلقت سبهللاً ... فاعبد إله العرش بالإقبال واجعل سلاحك دعوة بإنابة ... والجأ إلى مولاك غير مبال واسأله لا تسأم فإنك عبده ... فهو الكريم ورب كل نوال يا رب فاقطع عن فؤادي كل ما ... أرجوه إلا منك من آمال واغسله من درن الظنون فإنه ... مرض القلوب وموجب الإعلال وأرحه من نظر العباد فإنه ... أصل الفساد وأفسد الأشغال وارزقه خشيتك التي تستوجب الـ ... حسنى لدى المقبول من أعمال يا رب وفقني لما فيه الرضى ... فلقد وعدت إجابة التسآل

стр. 1045

واختم لنا بالخير عاجله الذي ... تبدو حلاوة ذوقه بمآل يا رب إني عبدك الجاني على ... نفسي تجاوز عن قبيح فعالي واجعل صلاتك دائماً تترى على ... كنز المعالي السيد المفضال وكذا على آل له وصحابة ... أهل العلى والعز والإجلال فانظر إلى قوله: واسأله لا تسأم إلخ، وفي نسخة: واسأله لا تسأل سواه فإنه الـ ... ـولى الكريم ورب كل نوال وقوله: يا رب فاقطع إلخ، وإلى قوله: وأرحه من نظر العباد إلخ، وإلى سائر أقواله تجد أنوار التوحيد تشرق منها، وهكذا المؤمن المتبع لما جاء به الرسول ﷺ لا يستمد ولا يستغيث ولا يلتجىء ولا يستعين إلا بالله، ومن كان على قلبه حجاب الغفلة وصدأ الضلال وداء الزيغ أعرض عن الله، ونادى غيره، وأقبل على ما سواه وشرع يتشبث بالشبهات الواهية، والدلائل الفاسدة، والحكايات الكاذبة، ولم يلتفت إلى نصوص الشريعة الغراء، وما ورد من الأحاديث الصحيحة الصريحة، وعليك بما ألفه هذا الناظم الفاضل في العقائد السلفية، وهو كتاب (العقد الثمين) وقد بلغني أن بعض أفاضل الحنفية كتب في وصيته لبنيه أن يقرؤوا هذا الكتاب، ويعقدوا خناصر قلوبهم على حفظه، فإن النجاة فيه وفي أمثاله من كتب حفاظ الحديث وعلماء السنة النبوية، وهذا الكتاب جمع جميع ما يجب على المكلف معرفته، ولذلك قال فيه العالم العلامة الشيخ محمد خليل الدمشقي الشهير بابن الخشة مقرظاً ومادحاً لهذا الكتاب وذاكراً فيه بدع الغلاة وهو قوله: لله در إمام ساد كل على ... فحق بالحق أن يدعى بملا علي أهدى إلينا كتاباً من براعته ... هو الشفاء لمرضى الغي والخطل أبدي به من رقيق الفكر فانفجرت ... منه عيون الهدى أحلى من العسل لا غرو فهو إمام العصر جهبذه ... بل قد غلا وعلا فيه على الأول لا ضير إن أشرقت فينا طوالعه ... فالشمس راد الضحى كالشمس في الطفل

стр. 1046

عقائد هي عين الحق هادية ... إلى صراط سوي جل عن دغل من سنة المصطفى والآي قد نسجت ... تلك البرود فكانت أشرف الحلل وطرزت بدراري العقل ساطعة ... منها البراهين تمحو غيهب الزلل قد أظهرت بدعاً صارت ترى سنناً ... لدى الألي سكروا عن شرعة الرسل قوم هم نهجوا سبل الغواية إذ ... زاغوا فعندهم إبليس خير ولي والقطب والغوث والأبدال من تركوا ... شرائع الدين أو سبوه بالجمل قلنا لهم لم يصلوا قيل عندكم ... وبعضهم قال هم عنها لفي شغل جهال قلنا فقالوا اللب عندهم ... والقشر عندكم للرد والجدل فساق قلنا فقالوا يسترون على ... أحوالهم كي تظنوهم من السفل قلنا زناة فقالوا ذاك عن حكم ... أقلها سد ثقب الفلك عن خلل قلنا لهم يأكلون السحت قيل هم ... بحر ولا تقذر الأمواج بالبصل برهانهم من حكايات مزخرفة ... هي الغرور من الشيطان للختل عمي عن الحق صم حيث عالمهم ... لا يدرك الفرق بين الجذب والخبل تباً وتباً لسياراتهم فلقد ... غشت على عين شرع الله بالقذل تكونت من مناكير منغصة ... ومن جنون ومن حمق ومن ثمل ولو ترى لرأيت النكر غشولهم ... وثور أعلامهم من أسمج الحيل وطالما مر من للدين منتسب ... مخشوشع ضارع يبكي بكا العيل وهزهم للتوابيت التي ارتفعت ... ونكس أرؤسهم باللثم والقبل وقولهم يا بني يحيى عليك به ... فخذه واقتله وانصرني على عجل وغائبي يوم تأتيني به عجلا ... نذري إليك كذا يأتي بلا مهل كم غصة قتلت كم رجفة قصمت ... ظهر الأريب وكم نبل من الأسل حتى أقامت به الأعداء حجتهم ... من كل منتقص للدين أو لولي واضيعة الدين إذ أهل الكتاب غدت ... تظن ذا دين خير الرسل واخجلي ويا خسارتهم يا قبح ما فعلوا ... كأنهم لم يميزوا الرب من هبل ويا شقاوة قوم بين أظهرهم ... لو نافقوا وتلوا متناً من الخبل

стр. 1047

أدواء لا يرتجى برء لعلتها ... إلا بشرب حبوب الموت بالعلل ألم يروا نقم الله التي اشتعلت ... ترمي جمالات صفر من لظى الجلل سكرى ثملت بدن من معتقة ... ما شيب فيها سوى الدردي بالأصل ماست رويداً وكان النشر يقعدها ... حتى ارتوت بغبوق النهل والعلل واستحكم السكر منها فانثنت طرباً ... تهتز في خبب رقصاً وفي رمل هاجت بها ريح نجد بالصبا سحراً ... وناح صدح رخيم الناي بالزجل غنت عراقاً وغنت بالحجاز على ... برج النوى بأفانين من الغزل وقودها الناس بل من غيضها شهقت ... بالطفل والحمل والأنعام للنزل فتكاً وذبحاً وبقراً للبطون على ... عقر البهائم بعد القطع للسبل ولات حين مناص حيث داهية ... دهماء قد سطرت في سابق الأزل كأنما صيحة الله التي عقلت ... أودت بعقل أولي الألباب ذي الدول وهكذا يصنع الله متى انتهكت ... شرائع الدين صوناً منه عن بدل هلا رجعنا لمحو الذنب حين ربا ... مستمطرين الدما من صيب المقل مستمسكين بعروى دين أحمدنا ... مستوثقين بمولى خير متكل تذب عن بيضة الإسلام من كثب ... بصارم الشرع نرجو منة النفل يا سيد الدهر ما هذا الأنين على ... آثار سعدى وسعد الدين في زحل ويا بديع المعاني راح يلمزها ... قوماً غدوا يعدلون الذر بالجمل ناديت صماً ولكن لا حياة لهم ... هيهات هيهات عن ذا الكل في شغل رشيت نبلاً ولكن لا حراك لها ... هل يخرق السهم صم الصخر والجبل وهل منار السهى وازى الحضيض علا ... وهل يطابق معوج بمعتدل حركت مني هوى قد لج في كبدي ... نضيحة خلط الأخلاق بالعضل وأنت كشاف غم المعضلات إذا ... غبطاً يقولون جار الله معتزلي خفرت ذمة أهل الله فأتمنوا ... وجزت فيهم صراط الناسك النكل شكراً لسعيك قد وفيت عهدك لا ... تخشى السوى حبذا من عالم بطل قفوت آثار آل كلهم منن ... على البرية إذ جلوا عن المثل

стр. 1048

غر فضائلهم عز فواضلهم ... نور شمائلهم بالعلم والعمل أدنى الخطا لمعالي نيل سؤددهم ... لو رامها البدر في عامين لم يصل لو لم يكونوا أسوداً ما جرى مثلاً ... ما في السويدا رجال يوم مرتحل باتوا فكانت سويدا القلب مسكنهم على ... الحقيقة خوفاً من عتا المقل كفى كفى الناس عزا منكم وبكم ... كما كفى الشعر عزا أنه بعلي وكان هذا الفاضل رحمه الله تعالى من أعيان علماء دمشق الشام، وكان سلفي العقيدة، وكم له من قصائد غراء منع فيها الاستغاثة والالتجاء بغير الله تعالى، وكان سيفاً في أعناق الغلاة المبتدعة عبدة القبور، ولا بدع ففي دمشق أنصار الدين، وأئمة الحديث، وحفظة السنة، لا هتك الله لهم حريماً، ولا مزق لهم أديماً، ولا أخلى الله تعالى الزمان من مثلهم. ومن ذلك الأبيات المشهورة، وقد قالوا إنها استغاثة مباركة ما دعا بها أحد في حاجة إلا قضيت ولا توسل بها مريض إلا شفي بإذن الله تعالى- وهي: يا من يرى ما في الضمير ويسمع ... أنت المعد لكل ما يتوقع يا من يرجى للشدائد كلها ... يا من إليه المشتكى والمفزع يا من خزائن ملكه في قول كن ... امنن فإن الخير عندك أجمع مالي سوى فقري إليك وسيلة ... فبالافتقار إليك فقري أدفع مالي سوى قرعي لبابك حيلة ... ولئن طردت فأي باب أقرع ومن الذي أدعو وأهتف باسمه ... إن كان فضلك عن فقيرك يمنع حاشا لجودك أن تقنط عاصياً ... الفضل أجزل والمواهب أوسع بالذل قد وافيت بابك عالماً ... إن التذلل عند بابك ينفع وجعلت معتمدي عليك توكلاً ... وبسطت كفي سائلا أتضرع فاجعل لنا من كل ضيق مخرجاً ... والطف بنا يا من إليه المرجع ثم الصلاة على النبي وآله ... خير الخلائق شافع ومشفع ومن ذلك قول بعض العارفين- وهي استغاثة مباركة أيضاً لم يزل الصالحون

стр. 1049

يناجون مولاهم بها ويستمطرون سحائب لطفه تعالى: لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا ... وبت أشكو إلى مولاي ما أجد وقلت يا أملي في كل نائبة ... ومن عليه لكشف الضر أعتمد أشكو إليك أمورا أنت تعلمها ... مالي على حملها صبر ولا جلد وقد مددت يدي بالذل مبتهلاً ... إليك يا خير من مدت إليه يد فلا تردنها يا رب خائبة ... فبحر جودك يروي كل من يرد ومن ذلك ما قاله البستي في قصيدته الشهيرة: يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته ... أتطلب الربح مما فيه خسران من يتق الله يحمد في عواقبه ... ويكفه شر من عزوا ومن هانوا من استعان بغير الله في طلب ... فإن ناصره عجز وخذلان ولبعض الصالحين، وهي قصيدة مشهورة- وقد خمسها بعض أهل الزهد وهذا الأصل والتخميس: رفعت مقامي منة وتفضلاً ... وكملتني بالعلم والحلم والولا ومنك ملأت الكف لي لا من الملا ... لك الحمد يا ذا الجود والمجد والعلا تباركت تعطي من تشاء وتمنع عروس التجلي في فؤادي تنجلي ... وإن وعائي بالمعارف ممتلي وأرجوك يا مولاي يا ذا التفضل ... إلهي وخلاقي وسؤلي وموئلي إليك لدى الأعسار واليسر أفزع إذا كنت لي في جملة الأمر معتنى ... وقد نلت هذا الحظ من فضلك السني فلست أبالي مع عيوبي ... إلهي لئن خيبتني وطردتني فمن ذا الذي أرجو ومن ذا أشفع أنا العبد عبد الرق في كل حالة ... ولست بعبد في الرخا أو بشدة

стр. 1050

لك الأمر في الحرمان أو في العطية ... إلهي لئن جلت وجمت خطيئتي فعفوك عن ذنبي أجل وأوسع إذا سلكت دنياي بالحال سبلها ... وأظهرت الأيام في العبد جهلها فلست يئوساً بل أقول لعلها ... إلهي لئن أعطيت نفسى سؤلها فها أنا في روض الندامة أرتع إليك رجائي ينتمي وإضافتي ... ومنك أرى سكري بدا وإفاقتي وهب أنني أخرت عن سير ناقتي ... إلهي ترى حالي وفقري وفاقتي وأنت مناجاتي الخفية تسمع بحبك ثوبي في البرية منصبغ ... ولا زال بالأشواق جلدي يندبغ وقلبي على الحالين من أمره لدغ ... إلهي فلا تقطع رجائي ولا تزغ فؤادي فلي في سيب جودك مطمع جداري على تأسيس جدواك قد بنى ... ولا زال قلبي بالتذكر يعتني وإني أنادي كلما الوجد حثني ... إلهي أجرني من عذابك إنني أسير ذليل خائف لك أخضع رفعت إلى علياء جاهك قصتي ... عسى تكشف الآن بقربك غصتي إذا أنت بالتوحيد طبق محجتي ... إلهي فأنسني بتلقين حجتي إذا كان لي في القبر مثوى ومضجع أنا العبد ملق بالرجا وسط لجة ... ورجت غراماً أرض نفسي بسرجة ولست أرى عذراً ولا بعض حجة ... إلهي لئن عذبتني ألف حجة فحبل رجائي منك لا يتقطع سألتك تعفو عن ذنوبي تفضلاً ... فإني لقد أكثرت فيك التوكلا بأسمائك الحسنى دعوت توسلاً ... إلهي أذقني طعم عفوك يوم لا بنون ولا مال هنالك ينفع

стр. 1051

حديث غرامي فيك لا زال شايعاً ... وأنت اشتريت النفس مذ كنت بايعا فجد لي بأمن منك لا أك رايعاً ... إلهي لئن لم ترعني كنت ضايعا وإن كنت ترعاني فلست أضيع عليك ثنائي من جميعي بألسن ... على كل فعل من فعالك بي سني أتيت بذنب لي عن الغير مرسن ... إلهي إذا لم تعف عن غير محسن فمن لمسيء الهوى يتمتع هو العبد من مولاه بالمنة ارتقى ... غداة له كأس المحبة قد سقى عليك اتكالي قد عدمت لك البقا ... إلهي لئن قصرت في طلب التقى فلست سوى أبواب فضلك أقرع دفعت عذول الحب عني بالتي ... وفيك فتى أصبحت نحوك ما فتي فإن عثرت رجلي وجلت خطيئتي ... إلهي أقلني عثرتي وامح زلتي فإني مقر خائف متضرع محبك لما أنت جدت له فنب ... فهيهات أن تلقاه بالخير معتنب وها أنا راجي الفضل ما عنك أنثني ... إلهي لئن خيبتني وطردتني فما حيلتي يا رب أم كيف أصنع جمالك باه في الملاحة باهر ... ومنك يواقيت بدت وجواهر أأبقى ومنه قد تجلت مظاهر ... إلهي حليف الحب بالليل ساهر يناجي ويبكي والقفول يهجع مقامك أضحى بانتسابي عالياً ... فأخرجت من أصداف علمي لئاليا وحزني أولوا التحقيق راموا مرامياً ... وكلهم يرجو نوالك راجيا وإلا فبالذنب المدمر أصرع لوجهك قوم أولعوا بجماله ... وكل تفاني طامعا ًبوصاله

стр. 1052

فبدل لنا نقص الهوى بكماله ... إلهي بعلم الهاشمي وآله وتوحيد أبرارهم لك أخشع ظهورك بي عندي أراه علامة ... على أنك المسدي إلي كرامة وإن رامت الأغيار مني انتقامة ... إلهي أنلني من رجائي سلامة وقبح خطيئاتي علي يشنع مقام الترجي للنوال هو الذي ... أقام فؤادي بالتردد يغتذي وإن لساني في ثنا مدحه بذي ... إلهي لئن تعفو فعفوك منقذي وإني يا رب الورى لك أخضع إمام الهدى إني وراءك مقتدي ... ولي فيك قلب من تشوقه صدى وقد بت أستجدي بأحشاء مكمد ... إلهي فانشرني على دين أحمد منيباً تقياً قانتاً لك أضرع سماء العطايا قد رفعت لها يدي ... وأصبحت أرجو زهر روضتها الندي وأشهدت هذا الباب في كل مشهد ... فلا تحرمني يا إلهي وسيدي شفاعته الكبرى فذاك المشفع هو المصطفى المختار طه محمد ... نبي الهدى رؤياه للعين أثمد سلامك من عبد الغني له يد ... وصل عليه ما دعاك موحد وناجاك أحياء ببابك ركع وللزمخشري المفسر الشهير- مع أنه كان يرمى بالاعتزال- مناجياً مولاه ومستغيثاً بالله- وهكذا فليكن من يدعي التوحيد، ويعتقد أنه على الرأي السديد-: يا من يرى مد البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى مناط عروقها في نحرها ... والمخ في تلك العظام النحل ويرى مكان المشي من أقدامها ... وخطيطها في مشيها المستعجل

стр. 1053

ويرى مكان الدم من أعضائها ... متنقلاً من مفصل في مفصل ويرى ويسمع حس ما هو صوتها ... في قعر بحر غامض متجدول أصواتها مرفوعة عند الندا ... أرزاقها مقسومة للسؤل اغفر لعبد تاب عن فرطاته ... ما فات منه في الزمان الأول وقد استشهد ببعض هذه الأبيات في تفسير سورة البقرة من الكشاف، وهذه الأبيات تشرق بأنوار التوحيد. وكان الشيخ شهاب الدين السهروردي يواظب على قراءة حذه الاستغاثة، وذكروا لها خواص كثيرة وفوائد عظيمة لمن يداوم على قراءتها، وهي: سبحانك لا إله إلا أنت، يا رب كل شيء ووارثه، يا إله الآلهة الرفيع جلاله، يا الله المحمود في كل حال فعاله، كل يوم هو في شأن، يا حي لا حي في ديمومية ملكه وبقائه، يا قيوم فلا يفوت شيء من علمه ولا يؤوده، يا واحد الباقي أول كل شيء وآخره، يا صمد من غير شبهة ولا شيء كمثله، يا بادىء النفوس فلا شيء كفؤه يدانيه ولا إمكان لوصفه، يا كبير أنت الذي لا تهتدي العقول لوصف عظمته، يا بارىء النفوس بلا مثال خلا من غيره، يا زاكي الطاهر من كل آفة تقدس جلاله، يا كافي الموسع لما خلق من عطايا فضله، يا نقيا من كل جور لم يرضه ولم يخالطه فعاله، يا حنان أنت الذي وسعت كل شيء رحمة وعلماً، يا منان ذو الإحسان قد عمّ كل الخلائق منه، يا ديان للعباد كل يقوم خاضعاً لرهبته ورغبته، يا خالق من في السموات والأرض كل إليه معاده، يا تام فلا تصف الألسن كنه جلالة ملكه وعزه، يا رحيم كل صريخ ومكروب وعياذه وغياثه وملاذه، يا مبدع البدائع لم يبغ في إنشائها عوناً، يا علام الغيوب فلا يؤوده شيء من حفظه، يا حليم ذا الإنابة فلا يعادله شيء من خلقه، يا معيد لما أفناه إذا برز الخلائق لدعوته، يا حميد الفعال ذا المن على جميع خلقه بلطفه، يا عزيز المنع الغالب على أمره فلا يعادله، يا قاهر ذا البطش الشديد أنت الذي لا يطاق انتقامه، يا قريب، يا متعال فوق كل شيء علو ارتفاعه، يا مذل كل جبار بقهر عزيز سلطانه، يا نور كل شيء وهداه أنت الذي فلق الظلمات بنوره، يا علي الشامخ فوق كل شيء علو ارتفاعه،

стр. 1054

يا قدوس الطاهر من كل سوء فلا شيء يعادله، يا مبدىء البرايا ومعيدها بعد فناء خلقه، يا جليل المتكبر عن كل شيء فالعدل أمره والصدق وعده، يا محمود فلا تبلغ الأوهام كل كنه ثنائه وعزه ومجده، يا كريم ذو العفو والعدل أنت الذي ملأ كل شيء عدله، يا عظيم ذو الثناء الفاخر والعز والمجد والكبرياء، فلا يذل عزه، يا مجيب، يا عزيز فلا تنطق الألسن بكل آلائه وثنائه ومجده وعزه، يا غياثي عند كل كربة، ومجيبي عند كل شدة- أسألك أماناً من عقوبات الدين والدنيا والآخرة، وأن تصرف عني كل سوء ومحذور، برحمتك يا أرحم الراحمين اهـ. وله حزب مشهور وهو استغاثة والتجاء بالله سبحانه، أوله: إلهي وإله جميع الموجودات. فيه من المناجاة والتضرع إلى الله وطلب الغوث منه والاستعانة به ما يليق بحال العارفين والصفوة والمتبعين. وللشيخ الدمياطي قصيدة طويلة دعا الله تعالى بأسمائه الحسنى فيها واستغاثه بها، ومنها قوله في آخرها: بأسمائك الحسنى دعوتك سيدي ... وجئت بها يا خالقي متوسلا ومبتهلاً ربي إليك بفضلها ... وأرجو بها كل الأمور مسهلا فقابل إلهي بالرضا منك واكفني ... صروف زماني مكثراً ومقللا وجد واعف وارحم وانصر على العدى ... وتب واهد وأصلح كل حال تخلخلا وفي كتاب (شفاء العليل) : كما أن من صفات الكمال وأفعال الحمد والثناء أنه يجود ويعطي ويمنح، فمنها أن يعيذ وينصر ويغيث، فكما يحب أن يلوذ به اللائذون يحب أن يعوذ به العائذون، وكمال الملوك أن يلوذ بهم أولياؤهم ويعوذوا بهم، كما قال أحمد بن حسين الكندي في ممدوحه: يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ... ولا يهيضون عظماً أنت جابره ولو قال ذلك في ربه وفاطره لكان أسعد به من مخلوق مثله. والمقصود: أن ملك الملوك يحب أن يلوذ به ممالكيه وأن يعوذوا به كما أمر

стр. 1055

رسوله أن يستعيذ به من الشيطان الرجيم في غير موضع من كتابه اهـ. وقد رأيت أحزاباً كثيرة لجماعة من الصالحين، وليس فيها طلب شيء من مخلوق، بل كلها مناجاة لله واستغاثة به سبحانه، نعم رأيت في بعضها توسلاً بالنبي ﷺ نحو قول قائلهم: أسألك إلهي بجاه المصطفى ﷺ أو حقه أو نحو ذلك، وهذا ليس استغاثة، فاستشهد بكل كلام رأى فيه توسلاً وصلاة ونحو ذلك يظن أنه استغاثة وذلك من الجهل بمكان. وقد أبطلنا بحمد الله كلامه وأظهرنا من جهله ما أصبح به بين الأنام مثلة وفضيحة. فقل للعيون الرمد للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع وقد أورد أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال في كتاب (المستغيثين بالله عند الحاجات والمهمات والمتضرعين إلى الله بالرغبات) ما يضيق هذا المقام عن ذكره فعلى طالب الحق أن يراجعه ويجعله مرآة عمله، وبه يعلم أن النبهاني كذب على عباد الله الصالحين. قال النبهاني: (الباب الثامن) فيما ورد من النظم في استغاثة العلماء والفضلاء به ﷺ ، ومن قرأها أو بعضها بنية قضاء حاجاته يرجى له حصول المقصود ببركة الاستغاثة به ﷺ ، قال: ومعظم هذه الاستغاثات أخذتها من بعض قصائد المجموعة النبهانية، وما لم يكن منها نبهت عليه. ثم أورد الشعر مرتبا على حروف الهجاء وأورد في كل حرف كثيراً من الأبيات لشعراء متفرقين، ولا حاجة بنا إلى نقله في هذا المقام لكون كتابه منتشراً. والجواب عن جميع ما أورده في هذا الباب من وجوه كثيرة يستوجب ذكرها طولاً، بل نقتصر على بعضها طلباً للاختصار، على أنه قد سبق غير مرة ما يعلم منه الجواب أيضاً فنقول:
следующие страницы →