ثم قال: وما أحسن ما حققه بعض المحققين نصرة للأولين حيث قال ما حاصله- مع ما فيه من عبارات غير مراد بها ظاهرها-: من انتهى في سلوكه إلى الله تعالى وفيه استغرق في بحر التوحيد والعرفان، فحينئذ تضمحل ذاته في ذاته، وصفاته في صفاته ويغيب عنه كل ما سواه، فلا يرى في الوجود إلا الله تعالى، وهذا هو الذي يسمونه الفناء في التوحيد، وإليه يشير الحديث الإلهي: "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فلئن سألني لأجيبنه، ولئن استعاذني لأعيذنه". وفي الحديث القدسي أيضاً عتاباً يوم القيامة لبعضهم: "مرضت فلم تعدني، جعت فلم تطعمني، عطشت فلم تسقني، فيقول: كيف ذلك وأنت رب العالمين؟ فيقول تعالى: مرض عبدي فلان فلم تعده، جاع عبدي فلان فلم تطعمه، عطش عبدي فلان فلم تسقه" الحديث١، وحينئذ فربما يصدر عن الولي عبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصور العبارة عن بيان تلك الحال، وتعذر الكشف عنها بالمثال، ونحن على ساحل التمني نحترف من بحر التوحيد بقدر الإمكان، ونغترف بأن طريق الفناء فيه العيان دون البرهان. انتهى.
فقد صرح أن ما في كتب ابن عربي كفر يجب تجنب ظواهره، فالفقيه إذا سمع من أحد كلمة كفر لا شك فيها يجب عليه الإفتاء على مقتضى ما يعلمه من الشريعة الغراء، وقد أطنب العلامة محمد أمين السويدي ﵀ الكلام في شرحه على التعرف، الذي سماه (قلائد الدرر في شرح رسالة ابن حجر) وأتى في هذا المقام بما يشفي السقام، وكذا العلامة صاحب التعطف على التعرف فعليك بهما.
والمقصود؛ أن من اتبع الشريعة الغراء ولم يبتدع في أقواله ولا أعماله يجب على كل مسلم حبه والذب عنه والترحم عليه، ومن خالف الشريعة وتكلم بالكفر
стр. 982
المصادم للشريعة والمخالف لنصوصها وبدل وحرف وغير وابتدع وترك ما كلف به -كغالب المدعين أنهم شيوخ العصر- فهجرهم وتضليلهم وتفسيقهم وتبديعهم واجب على كل مسلم، ولا يمدح من يكون ظهيراً لمثل هؤلاء ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ١.
الوجه الثامن: أن النبهاني شدد النكير أيضاً في هذا المقام على شيخ الإسلام من غير جرم جناه، سوى إخلاصه في التوحيد، وذم كتبه، وقال: إنها عديمة البركة. ومن جملة قدحه فيه: أنه حبس مراراً إلى أن توفي في الحبس ولم يرجع عما ظهر له أنه الحق من تلك البدع.
فنقول: إنا قد تكلمنا على مثل هذا الكلام مراراً، وبينا زيغ النبهاني فيه، وأن هذا رفض منه بسبب غلوه في محبة أصحابه ومشائخه، حتى أصمه عن سماع الحق وأعماه عن رؤية الحق، على مقتضى المثل السائر: "حبك الشيء يعمي ويصم"٢ وسبق منا قريباً ما نقلناه عن "إحياء القلوب" في بيان ما أصاب الأولياء والأصفياء
стр. 983
من أذى الناس، وأن ذلك كان دليلاً على علو شأن من ابتلاه الله بمثل ذلك.
وللشيخ تقي الدين ابن تيمية رسالة كتبها وهو في السجن إلى بعض إخوانه لما أرسلوا إليه يشيرون عليه بالرفق مع خصومه ليتخلص من السجن.
ولنذكر شيئاً منها توضيحاً للمقام، فأقول: قال ﵀ بعد البسملة:
الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً ﷺ تسليماً.
أما بعد: فقد وصلت الورقة التي فيها رسالة الشيخين الجليلين العالمين الناسكين القدوتين، أيدهما الله تعالى وسائر الإخوان بروح منه، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأدخلهم مدخل صدق، وأخرجهم مخرج صدق، وجعل لهم من لدنه ما يتم به السلطان؛ سلطان العلم والحجة بالبيان والبرهان، وسلطان القدرة والنصرة بالسنان والأعوان، وجعلهم من أوليائه المتقين، وحزبه الغالبين لمن ناوأهم من الأقران، ومن الأئمة المتقين الذين جمعوا بين الصبر والإيقان، والله محقق ذلك ومنجز وعده في السر والإعلان، ومنتقم من حزب الشيطان لعباد الرحمن، لكن اقتضت حكمته ومضت به سنته من الابتلاء والامتحان، الذي يميز الله به بين أهل الصدق والإيمان، من أهل النفاق والبهتان، إذ قد دل كتابه على أن لا بد من الفتنة لكل من ادّعى الإيمان، والعقوبة لذوي السيئات والطغيان، فقال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١ فأنكر سبحانه على من يظن أن أهل السيئات يفوتون الطالب الغالب، وأن مدّعي الإيمان يترك بلا فتنة تميز بين الصادق والكاذب، وأخبر في كتابه أن الصدق بالإيمان لا يكون إلا بالجهاد في سبيله فقال تعالى: ﴿قَالَتِ
стр. 984
الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ١ وأخبر سبحانه بخسران المنقلب على وجهه عند الفتنة، الذي يعبد الله فيها على حرف، وهو الجانب والطرف الذي لا يستقر ما هو عليه، بل لا يثبت على الإيمان إلا عند وجود ما يهواه من خير الدنيا، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ٤ وأخبر سبحانه أنه عند وجود المرتدين فلا بد من وجود المحبين المحبوبين المجاهدين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ٥ وهؤلاء الشاكرون لنعمة الإيمان الصابرون على الامتحان، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ٦.
فإذا أنعم الله على إنسان بالصبر والشكر كان جميع ما يقضي الله له من القضاء خيراً له، كما قال النبي ﷺ : "لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له؛ إن أصابته سراء فشكر كان خيراً له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له" ٧.
والصابر الشكور هو المؤمن الذي ذكره الله في غير موضع من كتابه، ومن لم ينعم الله عليه بالصبر والشكر فهو بشرَّ حال، وكل واحد من السراء والضراء في
стр. 985
حقه تفضي به إلى قبح المآل، فكيف إذا كان ذلك في الأمور العظيمة التي هي من محن الأنبياء والصديقين، وفيها تثبيت أصول الدين، وحفظه الإيمان والقرآن من كيد أهل النفاق والإلحاد والبهتان، فالحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه، وعز سلطانه وجلاله، والله المسؤول أن يثبتكم وسائر المؤمنين في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويتم نعمته عليكم الباطنة والظاهرة، وينصر دينه وكتابه ورسوله وعباده المؤمنين على الكافرين والمنافقين، الذين أمرنا بجهادهم والإغلاظ عليهم في كتابه المبين، انتهى كلامه.
وبه يعلم أن ما صادفه الشيخ من الأذى والمصائب في ذات الله مما يستوجب رفعة شأنه لا القدح فيه كما زعمه الزائغ.
الوجه التاسع: مما يرد على ما قاله النبهاني في هذا المقام أن قوله إن الله لم يقدر الانتفاع بعلم ابن تيمية وكتبه كالانتفاع بعلم ابن حجر وكتبه، وإن كتب ابن تيمية بقيت في زوايا الإهمال إلخ -ممنوع، بل هو يشبه كلام الصبيان والأطفال، وقد تكرر منه مثل هذا الكلام مراراً وأجبنا عنه بما يشفي صدور المؤمنين، ونقول هنا أيضاً: بلى إن الله تعالى قدر- وله الحمد- الانتفاع بعلمه وبكتبه في كل عصر، وأودع فيها البركة، حيث أنها تشرح صدور مطالعيها وتنور قلوبهم، بسبب ما اشتملت عليه من العلوم النبوية والوحي المنزل، وهي شفاء لصدور المؤمنين، وهي لأعين المبتدعين عمي، ولا زال أهل مذهبه يستفيدون منها، وكذلك المنصفون من سائر المذاهب، والشيخ- قدس الله روحه- لم يضمن في مصنفاته أن يفقه كلامه ميت القلب، جامد الذهن، فاسد القريحة، ولسان حاله يقول:
عليّ نحت القوافي من معادنها ... وما عليّ إذا لم تفهم البقر
بل ولا ضمن الله تعالى لهذا النوع أن يفقهوا عنه وعن رسله ما جاؤوا به من الهدى، وينتفعوا بما جاؤوا به من البينات ودين الحق والحجة والشفاء، قال
стр. 986
تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ ١ وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ٢ وما أحسن ما قيل:
فيا لك من آيات حق لو اهتدى ... بهن مريد الحق كن هواديا
سورة ولكن على تلك القلوب أكنة ... فليست وإن أصغت تجيب المناديا
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ٣.
وأما كتب ابن حجر التي فرح بها هذا الزائغ فإنها لا تصلح عند من له بصيرة ونظر لغير العطار والإسكاف، فهي إما مزاود للعقاقير، وإما بطائن للخفاف، حيث أنها قشور لا لب فيها، وهكذا كتب السبكي وابنه، وفي المثل: "رمتني بدائها وانسلَّت".
ونقول ثانياً: إنا لو سلمنا ما زعمه الزائغ أنها بقيت في زوايا الإهمال إلى آخر ما قال؛ فأي ضرر وعيب يلحقها؟
ولا يخل مثل ذلك بشأنها:
ليس الخمول بعار ... على امرىء ذي كمال
فليلة القدر تخفى ... وتلك خير الليالي
وفضل العلم أشهر من أن ينبه عليه، وأظهر من أن يشار إليه، ولا ينقص من أمره فقدان العارفين بقدره، فلا يسلب الدرة النفيسة ثوب النفاسة جهل الفحام بها وإلقاؤه إياها على الكناسة، وقد كان الله تعالى وهو القديم جل علاه كنزاً مخفياً أي لا عارف به سواه، فهل نقص ذلك من جلاله شيئاً؟ لا والله، فالله قبل العالم، والعالم وبعدهما لم يتفاوت جلاله وعلاه، وهذا مجمل ما قال بعض ذوي
стр. 987
العرفان، وهو سبحانه الآن على ما عليه كان.
ثم إن هذا الزائغ لو سئل عن كتب إمامه أين بقيت فماذا يجيب وهو يعلم علماً يقيناً أن كتاب (هز القحوف شرح قصيدة أبي شادوف) قد انتشرت نسخة في البلاد والأقطار انتشاراً لم يتفق مثله لكتب إمامه، ولو استقريت خزائن الكتب ما وجدت من كتاب (الأم) إلا نسختين أو ثلاث نسخ، ربما لم تكن سالمة من الخروم، وأكل الأرضة، ولو لم تسمح المطابع المصرية بطبعها لم يرها هذا الزائغ حتى يلج الجمل في سم الخياط، أفيقال إن الله لم يقدر الانتفاع بها وقدر الانتفاع بكتاب (هز القحوف) ونحوه.
ونسأله أين بقيت كتب الشافعي وأصحابه المتقدمين؟ وأين كتب المجتهدين كالمذاهب الأربعة وغيرهم، وكتب أصحابهم؟ وأين كتب الأندلسيين وقد كان منها في خزانة كتب الناصر لدين الله ما بلغ أسماؤها أربعين مجلداً؟ وأين الكتب التي كانت في خزائن العباسيين وخزائن مدارس بغداد؟ وأين كتب المدرسة النظامية؟ وأين كتب المدرسة المستنصرية؟ وأين الكتب المذكورة في تراجم مصنفيها مما لا يستوعبها البيان ولا يستقصيها اللسان؟
أفيقال إن مصنفي هذه الكتب كانوا أهل بدعة فلم يقدر الله الانتفاع بها بل بقيت في زوايا الإهمال أو أنها تلفت، وإن كتب ابن حجر هي كنوز السعادة فلذلك ترى الناس يتداولونها؟ لا أرى من يقول بذلك إلا من أصيب بعقله، وتاه في بيداء جهله، بل لا أرى حرمان المسلمين من كتب المتقدمين إلا من جملة مصائبهم ونوائبهم، ولذلك كثر الجهل في بلاد المسلمين لسوء عملهم، ونقصان تربيتهم وتعلمهم، وقصور كتبهم المتداولة، وأن غالبها كتب الأعاجم.
ونقول ثالثاً: إن كتب الشيخ بحمد الله محفوظة عند أهلها من أهل الحديث وناصري السنة، وأتباع الإمام أحمد نضر الله وجهه في الهند وبلاد نجد ومصر والشام والعراق، وهذه هي الكتب التي لا نظير لها، وأنها مما يتنافس بها المتنافسون فليت شعري أي كتاب فقد منها ولم يوجد منه نسخ كثيرة، وليت هذا
стр. 988
الزائغ راجع دفاتر خزائن دار السلطنة المحروسة، ودفاتر خزائن كتب مصر الخديوية وغيرها، وخزائن كتب الشام والعراق والهند وغير ذلك، حتى لا يهذي ذلك الهذيان، وأظنه رأى بياضاً في مواضع من كتاب (المنهاج) وكتاب (العقل والنقل) فقال ما قال، مع أن عدداً كثيراً من كتاب (المنهاج) في خزائن كتب دار السعادة وكلها بأحسن خط وأتقن ضبط، وفي الهند ونجد مثل ذلك، وكتاب (العقل والنقل) أيضاً كذلك، وفي خزانة راغب باشا في قسطنطينية المحروسة نسخة منه، يظن أنها بخط مؤلفها، وهي نسخة تامة كاملة لا نقص فيها.
والذي طبع كتاب (المنهاج) وما في الحاشية لم يتيسر له سوى ما طبع عليها، وإني أبشّر جناب الشيخ النبهاني أن كتب الشيخ تقي الدين وأصحابه ستستوعبها المطابع المصرية والهندية ولا يبقى منها شيء في زوايا الإهمال كما زعم، وحينئذ يرغم أنفه١.
ونقول رابعاً: إن انتشار الكتب وتداولها بين الأيدي لا تعلق له ببدعة ولا سنة فكم قد رأينا كتاباً، مشحوناً بالبدع ومصنفه من شيوخ المبتدعة ومع ذلك قد انتشر أكثر من انتشار كثير من كتب السنة، هذا (الكشاف) الذي صنفه الزمخشري وحاله معلوم في الاعتزال وتفسيره مشحون ببدع المعتزلة وآرائهم ومع ذلك قد انتشر انتشاراً لم يعهد مثله لتفسير آخر، والناس يستفيدون منه وينقلون عنه من عصر مصنفه إلى يومنا هذا، والمفسرون الذين بعده كلهم عيال عليه، فأي تأثير للبدعة في انتشار الكتب وعدم انتشارها.
وهذا كتاب (المفتاح) للسكاكي المعتزلي لم يزل أهل العلم يستفيدون من فوائده ويقرؤونه من عصر مصنفه إلى الآن، وقد عمت بركته القاصي والداني، وفيه من نزغات المعتزلة وبدعهم ما فيه ولم يصادم ذلك انتشاره.
стр. 989
وهذه كتب الماوردي، وهو إمام من أئمة الشافعية، وكان على طريقة أهل الاعتزال، وكتبه عم النفع بها وكثرت بركتها، فهلا اقتضت بدعة مصنفها بقاءها في زوايا الخمول؟ وهكذا كتب الروافض، والزيدية، والقدرية، والظاهرية، وكتب الجاحظ المعتزلي الشهير، وغيرها مما ليس هذا المقام مقام استقصائه. والمقصود؛ أن كلام النبهاني في حق كتب الشيخ تقي الدين لا وجه له، بل هو دليل على جهله، وتعصبه للباطل، واتباعه لهواه، وإن قوله هذا لا يصدر عن طفل مبتدىء في العلم، ولكن الله تعالى سبحانه فضحه بسبب تطاوله على خير عالم في الزمان الأخير، ولم يلتفت إلى ما هو فيه من المسلك والحال الذي ينبغي أن يرثي له من يشفق عليه، وباقي كلامه من هذا القبيل، فلا نتعب البنان بالتطويل.
وأعقب كلامه هذا بكلام ذكر فيه التحذير من موافقة ابن تيمية، ثم أعقبه بكلام ذكر فيه أنه ينبغي حمل أقوال هؤلاء من الجانبين على حسن النية، وبقي يخبط خبط عشواء فهو (كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً) ، وكل ذلك باد عواره لأقل من له بصيرة ونظر، على أنه قد تكرر منا إبطاله، والله ولي الهداية والتوفيق.
قال النبهاني عامله الله بعدله: الباب السادس: في نقل حكايات وآثار وردت عن العلماء والصالحين في الفوائد التي حصلت لهم من الاستغاثة بسيد المرسلين ﷺ ، قال: أخذت ذلك مما نقله الثقات، وذكره الأئمة الثلاثة الأثبات، أبو عبد الله بن النعمان الفاسي في كتابه "مصباح الظلام"، والقسطلاني في كتابه "المواهب اللدنية"، ونور الدين الحلبي في كتابه "بغية الأحلام"، وغيرهم، وذكر في الفصل الأول من هذا الباب من استغاث به ﷺ للمغفرة وغيرها، وذكر فيه قصة الأعرابي الذي قال:
يا خير من دفنت في القاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
стр. 990
وذكر قصصاً أخرى من هذا القبيل. وذكر في الفصل الثاني من استغاث به ﷺ من الأسرى ونحوهم ممن انقطع في البراري والبحار، أو وقع في غير ذلك من الشدائد والأسقام، وما أشبه ذلك من خوارق عاداته بعد وفاته ﷺ ، وذكر في هذا الفصل حكايات كثيرة عن أناس استغاثوا بالنبي ﷺ في حاجات كثيرة، فقضيت لهم، وكذلك استغاثوا ببعض الصالحين فحصل مقصودهم، ونقل عن الشيخ أحمد الرفاعي أنه قال: من كان له حاجة فليستقبل عبادان نحو قبري ويمشي سبع خطوات ويستغيث بي فإن حاجته تقضى. إلى غير ذلك من الخرافات التي يستقل لديها ما كان المشركون يفعلونه مع أصنامهم.
والجواب عن ذلك كله ما ذكره شيخ الإسلام تقي الدين قدس الله روحه في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أهل الجحيم) بعد أن ذكر نحو تلك الشبه والحكايات عمن استدل بها من الغلاة، قال ﵀: "إنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه، وأما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف ونحن لو روي لنا مثل هذه الحكايات المسيبة أحاديث عمن لا ينطق عن الهوى لما جاز التمسك بها حتى تثبت، فكيف بالمنقول عن غيره؟ ومنها ما قد يكون صاحبه قاله أو فعله باجتهاد يخطىء أو يصيب، أو قاله بقيود وشروط كثيرة على وجه لا محذور فيه فحرف النقل عنه، كما أن النبي ﷺ لما أذن في زيارة القبور بعد النهي فهم المبطلون أن ذلك هو الزيارة التي يفعلونها، من حجها للصلاة عندها والاستغاثة بها، ثم سائر هذه الحجج دائرة بين نقل يجوز إثبات الشرع به أو قياس لا يجوز استحباب العبادات بمثله، مع العلم بأن الرسول ﷺ لم يشرعها، وتركه مع قيام المقتضي للفعل بمنزلة فعله، وإنما يثبت العبادات بمثل هذه الحكايات والمقاييس- من غير نقل عن الأنبياء- النصارى وأمثالهم، وإنما المتبع في إثبات أحكام الله كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسبيل السابقين الأولين، لا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصاً أو استنباطاً بحال.
قال: والجواب عنها من وجهين مجمل ومفصل:
стр. 991
أما المجمل؛ فالنقض، فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات من هذا النمط كثير، بل المشركون الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحياناً كما يستجاب لهؤلاء أحياناً، وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة، فإن كان هذا وحده دليلاً على أن الله تعالى يرضى ذلك ويحبه فليطرد الدليل، وذلك كفر متناقض، ثم إنك تجد كثيراً من هؤلاء الذين يستغيثون عند قبر أو غيره كل منهم قد اتخذ وثناً أحسن به الظن وأساء الظن بآخر، وكل منهم يزعم أن وثنه يستجاب عنده ولا يستجاب عند غيره، فمن المحال إصابتهم جميعاً، وموافقة بعضهم دون بعض تحكم وترجيح بلا مرجح، والتدين بدينهم جميعاً جمع بين الأضداد، فإن أكثر هؤلاء إنما يكون تأثرهم فيما يزعمون بقدر إقبالهم على وثنهم وانصرافهم عن غيره، وموافقتهم جميعاً فيما يثبتونه دون ما ينفونه يضعف التأثير على زعمهم، فإن الواحد إذا أحسن الظن بالإجابة عند هذا وهذا لم يكن تأثيره مثل تأثير الحسن الظن بواحد دون آخر، وهذه كلها من خصائص الأوثان".
ثم ذكر ﵀ الجواب المفصل وأطنب فيه كما هي عادته، ومما قال فيه: "وأما التحريم من جهة الطلب فيكون تارة لأنه دعاء لغير الله، مثل ما يفعله السحرة في مخاطبة الكواكب وعبادتها ونحو ذلك، فإنه قد يقضي عقب ذلك أنواع من القضاء إذا لم يعارضه معارض من دعاء أهل الإيمان وعبادتهم أو غير ذلك، ولهذا تنفذ هذه الأمور في زمان فترة الرسل وفي بلاد الكفر مالا تنفذ في دار الإيمان وزمانه، ومن هذا أني أعرف رجالاً يستغيثون ببعض الأحياء في شدائد تنزل بهم فتفرج عنهم، وربما يعاينون أموراً وذلك المستغاث به لم يشعر بذلك ولا علم به البتة، وفيهم من يدعو على أقوام ويتوجه في إيذائهم فيرى بعض الأحياء أو بعض الأموات يحول بينه وبين إيذاء أولئك، وربما رآه ضارباً له بالسيف، وإن كان الحائل لا شعور له بذلك، وإنما ذلك من فعل الله بسبب يكون بين المقصود وبين الرجل الدافع من اتباع له وطاعة فيما يأمره من طاعة الله ونحو ذلك، فهذا قريب، وقد يجري لعباد الأصنام أحياناً من هذا الجنس المحرم ما يظنونه محبة من الله بما
стр. 992
تفعله الشياطين لأعوانهم؛ فإذا كان الأثر قد يحصل عقب دعاء من قد تيقنا أنه لم يسمع الدعاء فكيف يتوهم أنه هو الذي تسبب في ذلك أو أن له فيه فعلاً؟ وإذا قيل: إن الله يفعله بذلك السبب فإذا كان السبب محرماً لم يجز كالأمراض التي يحدثها الله عقب أكل السموم، وقد يكون الدعاء المحرم في نفسه دعاء لغير الله أن يدعو الله، كما قال النصارى: يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الإله، وقد يكون دعاء لله لكنه توسل إليه بما لا يحب أن يتوسل به، كالمشركين الذين يتوسلون إلى الله بأوثانهم، وقد يكون دعاء لله بكلمات لا يصلح أن يناجي بها الله ويدعي بها لما في ذلك من الاعتداء، فهذه الأدعية ونحوها وإن كان قد يحصل لصاحبها أحياناً غرضه ولكنها محرمة لما فيها من الفساد الذي يربي على منفعتها، ولهذا كانت هذه فتنة في حق من لم يهده الله وينور قلبه، ويفرق بين أمر التكوين وأمر التشريع، ويفرق بين القدر والشرع، ويعلم أن الأقسام ثلاثة:
أمور قدرها الله وهو لا يحبها ويرضاها، فإن الأسباب المحصلة لهذه تكون محرمة موجبة لعقابه.
وأمور شرعها، فهو يحبها من العبد ويرضاها، لكن لم يعنه على حصولها، فهذه محمودة عنده مرضية وإن لم توجد.
والقسم الثالث: أن يعين الله العبد على ما يحبه منه.
فالأول إعانة الله، والثاني عبادة الله، والثالث جمع له بين العبادة والإعانة كما قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فما كان من الدعاء عين المباح إذا أثر فهو من باب الإعانة لا العبادة، كسائر الكفار والمنافقين والفساق، ولهذا قال تعالى في مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ ١ وكان النبي ﷺ يستعيذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر.
ومن رحمة الله تعالى أن الدعاء المتضمن شركاً كدعاء غيره أن يفعل ودعائه
стр. 993
أن يدعو أو نحو ذلك لا يحصل غرض صاحبه، ولا يورث حصول الغرض من شبهة إلا في الأمور الحقيرة، فأما الأمور العظيمة؛ كإنزال الغيث عند القحوط، أو كشف العذاب النازل، فلا ينفع فيه هذا الشرك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ٥.
فكون هذه المطالب العظيمة لا يستجيب فيها إلا الله سبحانه دل على توحيده وقطع شبهة من أشرك به، وعلم بذلك أن ما دون هذا من الإجابات أيضاً إنما فعله هو وحده لا شريك له وإن كانت تجري بأسباب محرمة أو مباحة، كما أن خلقه السموات والأرض والرياح والسحاب وغير ذلك من الأجسام العظيمة دل على وحدانيته وأنه خالق لكل شيء، وأن ما دون هذا بأن يكون خالقاً له أولى، إذ هو منفعل عن مخلوقاته العظيمة، فخالق السبب التام خالق للمسبب لا محالة.
وجماع الأمر؛ أن الشرك نوعان: شرك في ربوبيته بأن يجعل معه لغيره تدبير ما، كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي
стр. 994
السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ١ فبين أنهم لا يملكون مثقال ذرة استقلالاً، ولا يشركونه في شيء من ذلك، ولا يعينونه على ملكه، ومن لم يكن مالكاً ولا شريكاً ولا عوناً فقد انقطعت علاقته.
وشرك في الألوهية، بأن يدعى غيره دعاء عبادة أو دعاء مسألة، كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فكما أن إثبات المخلوقات أسباباً لا يقدح في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن الله خالق كل شيء، ولا يوجب أن يدعى المخلوق دعاء عبادة أو دعاء استعانة، كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك أو غيره أسباباً لا يقدح في توحيد الإلهية، ولا يمنع أن يكون الله هو الذي يستحق الدين الخالص، وهو يوجب أن لا تستعمل الكلمات والأفعال التي فيها شرك إذا كان الله يسخط من ذلك ويعاقب العبد عليه، وتكون مضرة ذلك على العبد أكثر من منفعته، إذ قد جعل الخير كله في أنا لا نعبد إلا إياه، ولا نستعين إلا إياه، وعامة آيات القرآن لتثبيت هذا الأصل، حتى أنه تعالى قطع أثر الشفاعة بدون إذنه، كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٢ وكقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ٣ وقوله: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيع﴾ ٤ وقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا﴾ الآية ٥. وقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ٦. وسورة الأنعام سورة عظيمة مشتملة على أصول الإيمان. وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا
стр. 995
شَفِيعٍ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿َالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢ وقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ٣ وسورة الزمر أصل عظيم في هذا.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ * يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ ٤. وكذلك قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ ٥. والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول" انتهى ما هو المقصود.
وقال أيضاً في أثناء جوابه المفصل بعد أن تكلم بكلام يتعلق بحكم الدعاء عند القبر ما نصه: "ولم يذكر عن أحد من الأئمة أنه استحب أن يسأل النبي ﷺ بعد الموت، لا استغفاراً ولا غيره، وكلامه المنصوص عنه- أي الإمام مالك- وعن غيره ينافي هذا، وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي أنه أتى قبر النبي ﷺ وتلا هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ ٦ وأنشد بيتين:
يا خير من دفن في القاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
стр. 996
ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد مثل ذلك، واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يثبت بها حكم شرعي، لاسيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعاً مندوباً لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم، بل قضاء الله حاجة مثل هذا الإعرابي وأمثاله لها أسباب قد بسطت في غير هذا الموضع، وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعاً مأموراً به، فقد كان ﷺ يسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلاً، وتكون المسألة محرمة في حق السائل، حتى قال: "إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها ناراً". قالوا: يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: "يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل"١. وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحاً ولا يكون عالماً أنه منهي عنه فيثاب على قصده ويعفى عنه لعدم علمه، وهذا باب واسع.
وعامة العبادات المبتدعة المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس، ويحصل له بها نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها مشروعة، بل لو لم تكن مفسدتها أغلب من مصلحتها لما نهى عنها" انتهى ما قصدنا نقله٢.
والحاصل؛ أن ما ذكره النبهاني في هذا الباب من استغاثة بعض الناس بالموتى وأن مقاصد المستغيثين حصلت وأورد حكايات كثيرة شاهدة له بذلك كلام ساقط، فإن تلك الحكايات لو سلمت من الكذب والافتراء فلا تدل على المقصود من جواز الاستعانة والاستغاثة بغير الله تعالى، فإن الاستغاثة كما ذكرنا سابقاً دعاء والدعاء مخ العبادة، وهي لا تصلح إلا لله، ومن عبد غيره فقد أشرك.
ثم إن أصحاب تلك الحكايات ليسوا ممن يحتج بقولهم، فهم ليسوا بأنبياء ولا صحابة ولا من الأئمة المجتهدين المشهورين، والدين لا يثبت بفعل أمثال من ذكرهم من العوام والجهلة وبعض المتصوفة الغلاة، وقد ذكرنا سابقاً أن الدليل
стр. 997
ينبغي أن يكون من الكتاب والسنة وإجماع المجتهدين والفقهاء.
وأما أن المستغيثين قد نالوا مقصدهم ممن استغاثوا به من الأموات -كالأنبياء والأصفياء والأولياء- فمثل ذلك لا يدل أيضاً على مشروعية الاستغاثة كما ذكره الشيخ، فإن الأسباب التي يخلق الله بها الحوادث في الأرض والسماء لا يحصيها على الحقيقة إلا هو، أما أعيانها فبلا ريب، وكذلك أنواعها أيضاً لا يضبطها المخلوق لسعة ملكوت الله ، ولهذا كانت طريقة الأنبياء ﵈ أنهم يأمرون الخلق بما فيه صلاحهم، وينهون عما فيه فسادهم، ولا يشغلونهم في الكلام بأسباب الكائنات كما يفعل المتفلسفة، فإن ذلك كثير التعب قليل الفائدة أو موجب للضرر.
ومثال النبي مثال طبيب دخل على مريض فرأى مرضه فعلمه، فقال له اشرب كذا واجتنب كذا، ففعل ذلك فحصل غرضه من الشفاء، والمتفلسف قد يطول معه الكلام في سبب ذلك المرض وصفته وذمه وذم ما أوجبه، ولو قال له المريض فما الذي يشفيني منه لم يكن له بذلك علم تام، والكلام في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فيه فتنة لمن ضعف عقله ودينه، بحيث يختطف عقله فيتألهه إذا لم يرزق من العلم والإيمان ما يوجب له الهدى واليقين، ويكفي العاقل أن يعلم أن ما سوى المشروع لا يؤثر بحال فلا منفعة فيه، أو أنه وإن أثر فضرره أكثر من نفعه.
ثم سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة أن الرجل منهم قد يكون مضطراً ضرورة لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب، لصدق توجهه إلى الله تعالى، وإن كان تحرى الدعاء عند الوثن شركاً، ولو كان قد استجيب له على يد المتوسل به صاحب القبر أو غيره لاستغاثته فإنه يعاقب على ذلك ويهوى به في النار إذا لم يعف الله عنه، كما لو طلب من الله ما يكون فتنة له، كما أن ثعلبة لما سأل النبي ﷺ أن يدعو له بكثرة المال ونهاه النبي ﷺ عن ذلك مرة بعد مرة فلم ينته حتى دعا له كان ذلك سبب شقائه في الدنيا والآخرة، فكم من عبد دعا دعاء غير مباح فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكان سبب هلاكه في
стр. 998
الدنيا والآخرة، تارة بأن يسأله ما لا يصلح له مسألته كما فعل بلعام بن باعورا وثعلبة وخلق كثير دعوا بأشياء فحصلت لهم وكان فيها هلاكهم، وتارة بأن يسأل على الوجه الذي لا يحبه الله كما قال : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ١ فهو لا يحب المعتدين في صفة الدعاء ولا في السؤال، ولكن حاجتهم قد تقضى، كأقوام ناجوا الله تعالى في دعواتهم بمناجاة بها جراءة على الله واعتداء لحدوده، وأعطوا طلبتهم فتنة، ولما يشاء الله بل أشد من ذلك، ألست ترى السحر والطلسمات والعين وغير ذلك من المؤثرات في العالم بإذن الله قد يقضى بها كثير من أغراض النفوس، ومع هذا فقد قال : ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢ فإنهم معترفون بأنه لا ينفع في الآخرة، وأن صاحبه خاسر في الآخرة، وإنما يتشبثون بمنفعته في الدنيا لا غير، وقد قال ﵎: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ .
وكذلك أنواع من الداعين السائلين قد يدعون دعاء محرماً يحصل معه ذلك الغرض ويورثهم ضرراً أعظم منه، وقد يكون الدعاء مكروهاً ويستجاب له أيضاً.
ثم هذا التحريم والكراهة قد يعلمه الداعي وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه، بأن يكون فيه مجتهداً أو مقلداً، كالمجتهد والمقلد اللذين يعذران في سائر الأعمال المعذور فيها، وغيره قد يتجاوز عنه في ذلك الدعاء لكثرة حسناته وصدق قصده، أو لمحض رحمة الله به أو نحو ذلك من الأسباب، لكن الذي يستغيث بغير الله تعالى ويدعوه فهو مشرك، وإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وإن كان جاهلاً بهذا الحكم فيرجى له من الله العفو.
стр. 999
وما نقله النبهاني عن شيخه الرفاعي فإن صح نقله، وأن أحمد الرفاعي قال: من كانت له حاجة فليستقبل عبادان نحو قبري، ويمشي سبع خطوات ويستغيث بي فإن حاجته تقضى- فليس فيه دليل، لأن الرفاعي لم يكن نبياً ولا رسولاً يوحى إليه، بل كان فرداً من أفراد الأمة وواحداً منهم، وكان من ضعفاء المقلدين للإمام الشافعي ﵀، ولو قال صاحب مذهبه قولاً ليس عليه دليل لرد عليه فكيف بهذا المسكين، وكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله ﷺ ؟!
وهذا الكلام الذي أسنده النبهاني لأحمد الرفاعي؛ إن كان قاله جهلاً فالمرجو من الله أن يغفر له خطيئته ويعفو عن زلله، وإن كان قاله بعد قيام الحجة عليه وظهور البرهان على فساده وبطلانه فقد ذكرنا حكمه فيما سبق، وحسن الظن بأحمد الرفاعي أن ينزه عن قول الهذيان، ومثل هذا البهتان، كيف يدّعي الربوبية وقد كان ﵁ أعور العين وكل أحد يعلم أن الله ليس بأعور، وكل هذه الدعاوي الباطلة من النبهاني الشيطاني تقرباً إلى شيخه دجال العصر، فإنه أحد مردته، على أنه إن صح نسبة كتاب البرهان المؤيد للرفاعي فهو يبطل ما نسبه إليه النبهاني، فإن فيه ما هو خلاف هذا وهو حصر أنواع العبادة كلها لله، ولكن الذي نسب هذا الكتاب إليه دجال العصر شيخ الضلال منبع الكذب والافتراء، وكم له من مثل هذه المكايد والدسائس، وما أحسن ما قال الموصلي في مثله:
وفظ غليظ القلب أيقنت أنه ... على النفس ما شيء أشد من الفض
تعرفني في حاله الناس كلها ... وإني لأدرى الناس في لؤمة المحض
وقالوا لقد دس الخبيث بلفظه ... غداة عرضت الشعر من عرض العرض
دسائس لا تدري اليهود بعشرها ... دعته طباع السوء للنهش والعض
يهون لدغ العقربان بلدغه ... ولا شك بعض الشر أهون من بعض
إذا ما رأته العين أيقنت له ... تخلق من حقد وصور من بغض
وكم قد انتحل له كتاباً وافترى له دعاوى باطلة، وتسمية ذلك بالبرهان المؤيد لصاحب مداليد أوضح دليل على الانتحال، فإن أحمد الرفاعي لم يدع
стр. 1000
مداليد تلك الدعوى الكاذبة حتى يجعلها جزءاً من علم كتابه، ودجال العصر نسب إليه وإلى أصحابه كثيراً من الكتب المشحونة بالكذب وقول الزور، ولم نر أحداً ممن ترجمه ذكر أن له كتاباً سماه البرهان المؤيد لصاحب مداليد، ولا ذكروا له غيره من الكتب التي انتحلها له ذلك الزائغ، وما أحسن ما قال القائل:
لي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيله
من كان يخلق ما يقول ... فحيلتي فيه قليله
وهذا الخبيث له من المكائد والحيل ما يعجز الشيطان عن مثلها، كما فصل بعض ذلك في كتاب المسامير الذي ألف في بيان فضائحه ومساويه وخبائثه، وقد سرى شره إلى جميع مردته والمنتسبين إليه، ومنهم النبهاني الزائغ.
لقد جربتم فرأيت منهم ... خبائث بالمهيمن نستجير
وهذا اللعين يدعي النسبة لابن الصياد ولعله اليهودي الشهير وأفعاله تصدقه في ذلك.
إن فاتكم أصل امرىء ففعاله ... تنبيكم عن أصله المتناهي
وهو اليوم أعظم بلاء على المسلمين، قد أضر الدولة والملة، وبواسطته توسد الأمور غير أهلها، وأضر بيت مال المسلمين.
ولو كان هذا موضع القول لاشتفى ... به القلب لكن للمقال مواضع
ادعى الشرف وهو ليس بشريف، وادعى أنه شيخ الطريقة وذكره تصفيق ورقص وضرب دف وإباحة المحرمات والمنكرات، وما أحسن ما يقول الموصلي:
ألا بلغ جناب الشيخ عني ... رسالة متقن بالأمر خبرا
وسل منه غداة يهز رأساً ... بحلقة ذكره ويدير دبراً
أقال الله صفق لي وغن ... وقل كفراً وسم الكفر ذكراً
وأي ولاية حصلت بجهل ... ومن ذا نال بالكفران أجراً
стр. 1001
فإن قلت اجتهدت بكل علم ... فأعرب لي إذا لاقيت عمراً
وما يكفيك هذا الفعل حتى ... كذبت على النبي وجئت نكراً
متى كانت هيازع من قريش ... فعددها لنا بطناً وظهراً
فلو تكن السيادة باخضرار ... لكان السلق أشرف منك قدراً
وأنت شققت للباري شريكاً ... فيملك دونه نفعاً وضرا
فويلك قد كفرت ولست تدري ... ولم تبرح على هذا مصرا
وويحك ما العبادة ضرب دف ... ولا في طول هذا الذقن فخرا
برؤيتك الأنام تظن خيراً ... ولو عقلت لظنت فيك شرا
والمقصود؛ أن ما ذكره النبهاني الشيخ الشيطاني مما يتعلق بباب الاستغاثة كله لا دليل له فيه، بل الدليل قام على خلاف قوله، وأن أقوال الرفاعي وأمثاله لا تصلح للاستدلال، فإن هؤلاء ليسوا ممن يقتدي بأقوالهم وأفعالهم، وأن اتباعهم كذبوا لهم وعليهم كذباً كثيراً لم يبق معه الوثوق بما ينقل عنهم فضلاً عن أن يجعل برهاناً لمثل هذه المطالب العالية.
وخير أمور الدين ما كان سنة ... وشر الأمور المحدثات البدائع
قال النبهاني: (الباب السابع) في جملة من الأدعية الواردة عن بعض أكابر الأولياء في أحزابهم وكتبهم قد استغاثوا فيها بالنبي ﷺ إلى الله تعالى لقضاء حاجاتهم، ومنها ما هو مأثور عن النبي ﷺ ، وهذا الباب هو حزب عظيم.
وذكر كلاماً طويلاً وأقوالاً كثيرة، منها صلوات على النبي ﷺ ولا كلام لنا فيها وليست من مجال النزاع، ومنها توسل بالنبي ﷺ وطلب من الله والكلام ليس فيه أيضاً، ومنها ما هو استغاثة بمخلوق وطلب منه ودعاء من غير الله وهو المقصود بالبحث، نقله عن مثل الشيخ ناصر الدين بن سويدان، وأبي الحسن البكري، والشعراني، وأضرابهم ممن لا يحتج بمثله.
فالجواب عن ذلك كله: أنا لم ندع أن جميع العالم موحدون، وهيهات
стр. 1002
ذلك، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١ وقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٢.
وما ذكره النبهاني إنما يصلح في الرد على من يدّعي أن الناس كلهم موحدون، وليس فيهم من يلتجىء إلى غير الله أو يستغيث بمن سواه، وحينئذ فكلامه الذي أورده يصلح جواباً عن تلك الدعوى، ثم إن المانعين من الاستغاثة بغير الله ونحوها لهم تفصيل يجب معرفته والوقوف عليه، ليكون الواقف على بصيرة من أمره، حتى لا يخبط في كلامه خبط عشواء كما خبط النبهاني.
وقد ورد لشيخ الإسلام تقي الدين سؤال في هذا الباب، فأجاب بأحسن جواب، وهذا نص السؤال وجوابه٣:
"سئل شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ﵁: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وفقهم الله لطاعته فيمن يقول لا يستغاث برسول الله ﷺ هل يحرم عليه هذا القول؟ وهل هو كفر أم لا؟ وإن استدل بآيات من كتاب الله وأحاديث رسول الله ﷺ هل ينفعه دليله أم لا؟ وإذا قام الدليل من الكتاب والسنة فما يجب على من يخالف ذلك؟ أفتونا مأجورين.
الجواب: الحمد لله، قد ثبت بالسنة المستفيضة بل المتواترة واتفاق الأمة أن نبينا ﷺ الشافع المشفع، وأنه يشفع في الخلائق يوم القيامة، وأن الناس يستشفعون به ويطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم، وأنه يشفع لهم.
ثم اتفق أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر وأنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد.
وأما الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر، ولم ينكروا شفاعته للمؤمنين وهؤلاء مبتدعة ضلال، وفي تكفيرهم نزاع وتفصيل، وأما من أنكر ما
стр. 1003
ثبت بالتواتر والإجماع فهو كافر بعد قيام الحجة، وسواء سمى هذا المعنى استغاثة أو لم يسمه، وأما من أقر بشفاعته وأنكر ما كان الصحابة يفعلونه من التوسل به والاستشفاع به كما رواه البخاري في صحيحه عن أنس: "أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون".
وفي سنن أبي داود وغيره: "أن أعرابياً قال للنبي ﷺ : جهدت الأنفس، وجاع العيال، وهلك المال، فادع الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فسبح رسول الله ﷺ حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال: ويحك إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك"١. وذكر تمام الحديث، فأنكر قوله نستشفع بالله عليك، ولم ينكر قوله: نستشفع بك على الله بل أقره عليه، فعلم جوازه، فمن أنكر هذا فهو ضال مخطىء مبتدع، وفي تكفيره نزاع وتفصيل.
وأما من أقر بما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع من شفاعته والتوسل به ونحو ذلك ولكن قال لا يدعى إلا الله وأن الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله لا تطلب إلا منه- مثل غفران الذنوب وهداية القلوب وإنزال المطر وإنبات النبات ونحو ذلك- فهذا مصيب في ذلك، بل هذا مما لا نزاع فيه بين المسلمين أيضاً، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٢ وقال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٣ وكما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ٤ وكما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ٥. وقال: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ
стр. 1004
نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ١.
فالمعاني الثابتة بالكتاب والسنة يجب إثباتها، والمعاني المنفية بالكتاب والسنة يجب نفيها، والعبارة الدالة على المعاني نفياً وإثباتاً إن وجدت في كلام الله ورسوله وجب إقرارها، وإن وجدت في كلام أحد وظهر مراده من ذلك رتب عليه حكمه وإلا رجع فيه إليه، وقد يكون في كلام الله ورسوله عبارة لها معنى صحيح، لكن بعض الناس يفهم من تلك غير مراد الله ورسوله، فهذا يرد عليه فهمه، كما روى الطبراني في "معجمه الكبير" أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال أبو بكر الصديق: قوموا بنا لنستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق. فقال النبي ﷺ : "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله"٢. فهذا إنما أراد به النبي ﷺ المعنى الثاني، وهو أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، وإلا فالصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء ويستسقون به، كما في "صحيح البخاري"٣ عن ابن عمر، قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وهو قول أبي طالب.
ولهذا قال العلماء المصنفون في أسماء الله تعالى يجب على كل مكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله، وأن كل غوث فمن عنده، وإن كان جعل على يدي غيره فالحقيقة له ، ولغيره مجاز، قالوا: من أسمائه تعالى المغيث والغياث، وجاء ذكر المغيث في حديث أبي هريرة، قالوا: واجتمعت الأمة على ذلك.
стр. 1005
وقال أبو عبد الله الحليمي: الغيّاث هو المغيث، وأكثر ما يقال غيّاث المستغيثين ومعناه: المدرك عباده في الشدائد إذا دعوه ومجيبهم ومخلصهم.
وفي خبر الاستسقاء في الصحيحين: "اللهم أغثنا اللهم أغثنا". يقال: أغائه إغاثة وغياثاً وغوثاً، وهذا الاسم في معنى المجيب والمستجيب، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ١ إلا أن الإغاثة أحق بالأفعال، والاستجابة أحق بالأقوال، وقد يقع كل منهما موقع الآخر.
قالوا: الفرق بين المستغيث والدّاعي؛ أن المستغيث ينادي بالغوث، والداعي ينادي بالمدعو والمغيث، وهذا فيه نظر، فإن من صيغة الاستغاثة بالله للمسلمين، وقد روى عن معروف الكرخي أنه كان يكثر أن يقول: واغوثاه، ويقول: إني سمعت الله يقول: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ . وفي الدعاء المأثور: "يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك"٢. والاستغاثة برحمته استغاثة به في الحقيقة، كما أن الاستعاذة بصفاته استعاذة به في الحقيقة، وكما أن القسم بصفاته قسم به في الحقيقة ففي الحديث: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق"٣. وفيه: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"٤. ولهذا استدل الأئمة فيما استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق بقوله: (أعوذ بكلمات الله التّامات) قالوا: والاستعاذة لا تصلح بالمخلوق.
وكذلك القسم قد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "من كان حالفاً
стр. 1006
فليحلف بالله أو ليصمت"١. وفي لفظ: "من حلف بغير الله فقد أشرك" ٢، رواه الترمذي وصححه.
ثم قد ثبت في الصحيح الحلف بعزة الله٣، ولعمر الله٤، ونحو ذلك مما اتفق المسلمون على أنه ليس من الحلف بغير الله الذي نهي عنه، والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم.
ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به، وإما مخطىء ضال. وأما بالمعنى الذي نفاه رسول الله ﷺ فهو أيضاً مما يجب نفيه، ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضاً كافر، إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها، ومن هذا الباب قول أبي يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وقول الشيخ أبي عبد الله القرشي المشهور بالديار المصرية: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون.
وفي دعاء موسى ﵇: "اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك".
ولما كان هذا المعنى هو المفهوم منها عند الإطلاق وكان مختصاً بالله صح إطلاق نفيه عما سواه، ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوز مطلق الاستغاثة بغير الله، ولا أنكر على من نفى مطلق الاستغاثة عن غير الله.
وكذلك الاستعانة أيضاً فيها ما لا يصلح إلا لله، وهي المشار إليها بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله، وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه، وكذلك الاستنصار، قال الله تعالى:
стр. 1007
﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ١ والنصر المطلق هو خلق ما به يغلب العدو، ولا يقدر عليه إلا الله، ومن خالف ما ثبت بالكتاب والسنة فإنه يكون إما كافراً وإما فاسقاً وإما عاصياً، إلا أن يكون مؤمناً مجتهداً مخطئاً فيثاب على اجتهاده ويغفر له خطؤه، وكذلك إن كان لم يبلغه العلم الذي تقوم عليه به الحجة، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ٢ وأما إذا قامت عليه الحجة الثابتة بالكتاب والسنة فخالفها فإنه يعاقب بحسب ذلك إما بالقتل وإما بدونه، والله أعلم".
стр. 1008
(سؤال آخر وجواب الشيخ أيضاً عنه متعلق بهذا الباب)
سئل شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية ﵁ عمن قال يجوز الاستغاثة بالنبي ﷺ في كل ما يستغاث الله فيه على معنى أنه وسيلة من وسائل الله في طلب الغوث، وكذلك يستغاث بسائر الأنبياء والصالحين في كل ما يستغاث بالله فيه، وأن من نفى الاستغاثة بالنبي ﷺ يكفر، لأنه نقص من قدره وما يستحقه، إلى آخر ما قال.
فأجاب شيخ الإسلام ﵀ بقوله: "الحمد لله رب العالمين، لم يقل أحد من المسلمين أنه يستغاث بشيء من المخلوقات في كل ما يستغاث فيه بالله تعالى لا بنبي ولا بملك ولا صالح ولا غير ذلك، بل هذا ما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاقه، ولم يقل أحد أن التوسل بشيء هو الاستغاثة به، بل العامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بأمور، كقول أحدهم نتوسل إليك بحق الشيخ فلان أو بحرمته، أو أتوسل إليك باللوح والقلم أو بالكعبة أو غير ذلك مما يقولونه في أدعيتهم يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور، فإن المستغيث بالشيء طالب منه سائل له، والمتوسل به لا يدعى ولا يطلب منه ولا يسأل، وإنما
يطلب
стр. 1009
به، وكل أحد يفرق بين المدعو به والمدعو، والاستغاثة طلب الغوث وهو إزالة الشدة، والاستنصار طلب النصرة، والاستعانة طلب العون، والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّين﴾ ١ وقال: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ٢ وكما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ٣ وأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يطلب إلا من الله.
ولهذا كان المسلمون يستشفعون بالنبي ﷺ ويستسقون به ويتوسلون به، كما في صحيح البخاري "أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس، وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون"٤. وفي سنن أبي داود: "أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله، فقال: شأن الله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه"٥. فأقره على قوله ونستشفع بك على الله، وأنكر عليه قوله نستشفع بالله عليك، وقد اتفق المسلمون على أن نبينا ﷺ شفيع يوم القيامة، وأن الخلق يطلبون منه الشفاعة، لكن عند أهل السنة أنه يشفع في أهل الكبائر، وعند الوعيدية إنما يشفع في زيادة الثواب.
وقول القائل: إن من قال أتوسل إليك برسولك فقد استغاث برسوله حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم قد كذب عليهم، فما يعرف هذا في لغة أحد من بني آدم، بل الجميع يعلمون أن المستغاث به مسؤول مدعو، ويفرقون بين المسؤول والمسؤول به، سواء استغيث بالخالق أو بالمخلوق، فإنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على التصرف به، والنبي ﷺ أفضل مخلوق يستغاث به في
стр. 1010
مثل ذلك، ولو قال قائل لمن يستغيث به أسألك بفلان أو بحق فلان لم يقل أحد أنه استغاث بمن توسل به، بل إنما استغاث بمن دعاه وسأله.
ولهذا قال المصنفون في شرح أسماء الله الحسنى: إن المغيث بمعنى المجيب، لكن الإغاثة أخص بالأفعال، والإجابة أخص بالأقوال، والتوسل إلى الله بغير نبينا ﷺ سواء سمي استغاثة أو لم يسم لا يعلم أحد من السلف فعله، ولا يروي فيه أثر، ولا يعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ عز الدين من المنع.
وأما التوسل بالنبي ﷺ ففيه حديث في السنن، رواه النسائي والترمذي وغيرهما؛ "أن أعرابياً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أصبت في بصري فادع الله لي، قال له النبي ﷺ توضأ وصل ركعتين وقل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ ، وفي لفظ: أتوسل إليك بنبيك، يا محمد إني أتشفع إليك في رد بصري اللهم شفعه فيّ". فعلم أن النبي ﷺ شفع له فسأل الله أن يشفعه فيه، وقال له النبي ﷺ : "إن كان لك حاجة فمثل ذلك" فرد الله بصره، فلأجل هذا الحديث استثنى الشيخ عز الدين بن عبد السلام التوسل به.
وللناس في معنى ذلك قولان:
أحدهما: أن هذا التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب ﵁ لما قال: "كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فأسقنا فيسقون". فقد ذكر أنهم كانوا يتوسلون به في حياته في الاستسقاء، ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته، وتوسلهم به هو استسقاؤهم به بحيث يدعو ويدعون معه ويكون وسيلتهم إلى الله، وهذا لم يفعله الصحابة به بعد موته ولا في مغيبه، والنبي كان في مثل ذلك شافعاً داعياً.
القول الثاني: أن التوسل به يكون في حياته وبعد موته ومغيبه وحضرته، ولم يقل أحد من قال بالقول الأول فقد كفر، ولا وجه لتكفيره، فإن هذه مسألة خفية وليست أدلتها جلية، والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين بالضرورة، أو بإنكار الأحكام المجمع عليها، واختلاف الناس فيما يشرع من الدعاء وما لا
стр. 1011
يشرع كاختلافهم هل تشرع الصلاة عليه عند الذبح، وليس ذلك من مسائل السبب.
وأما من قال: إن من نفى التوسل الذي سماه استغاثة بغيره كفر وتكفير من قال بقول الشيخ عز الدين وأمثاله- فأظهر من أن يحتاج إلى جواب، بل المكفر بمثل هذه الأمور يستحق من غليظ العقوبة والتعزير ما يستحقه أمثاله من المفترين على الدين، لاسيما مع قول النبي ﷺ : "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما".
وأما من قال مالا يقدر عليه إلا الله فلا يستغاث فيه إلا به فقد قال الحق، بل لو قال كما قال أبو يزيد: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وكما قال الشيخ أبو عبد الله القرشي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون- لكان قد أحسن، فإن مطلق هذا الكلام يفهم الاستغاثة المطلق، كما قال النبي ﷺ لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله".
وإذا نفى الرسول ﷺ عن نفسه أمراً كان هو الصادق المصدوق في ذلك كما هو الصادق المصدوق في كل ما يخبر به من نفي وإثبات، ومن رد خبره تعظيماً له أشبه النصارى الذين كذبوا المسيح بإخباره عن نفسه بالعبودية تعظيماً له، ويجوز لنا أن ننفي ما نفاه، وليس لأحد أن يقابل نفيه بنقيض ذلك البتة، والله أعلم".
ففي كلام الشيخ ما يرد على النبهاني من وجوه كثيرة، فإن النبهاني لم يفرق في شبهه التي أوردها بين التوسل والاستغاثة والصلاة على النبي ﷺ ، حيث جعل كلا من التوسل والصلاة التي ذكرها العلماء في أحزابهم استغاثة، وقال إن العلماء استغاثوا برسول الله ﷺ ، ولم يفرق أيضاً بين قسمي الاستغاثة اللذين ذكرهما الشيخ.
والحاصل: أن في كلام الشيخ ما يرد على القبوريين من وجوه:
стр. 1012
الوجه الأول: أن قول الشيخ: وأما التوسل بالنبي ﷺ ففيه حديث في السنن يريد بالتوسل ما ذكره هو في كلامه، لا يريد التوسل في عرف النبهاني وعباد القبور، وهو دعاء المخلوق والاستغاثة به، وإنما يريد به سؤال الله تعالى أن يشفع عبده فيه بإجابة دعائه لهذا السائل، وأرشده في هذا التوسل إلى الله بالصلاة التي هي أفضل العبادات البدنية، وأن يوحده بالدعاء والمسألة في أن يقبل شفاعة نبيه أي دعاءه له، وهذا ليس الكلام فيه، وليس من توسل عباد القبور، وتقدم قول الشيخ أن هذا لا يسمى استغاثة، وفرق بين التوسل والاستغاثة.
الوجه الثاني: أن الذي رجح الشيخ ومن وافقه من المحققين أن هذا خاص في حياته، لأن المقصود به شفاعته بالدعاء، كما كان يستغفر لأصحابه ويدعو لهم، وهذا هو الذي فهمه الفاروق، وناهيك به، فإنه قال: "كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا" وهو ﷺ كان يدعو لهم فتجاب دعوته، وبعد موته لا يشرع طلب الدعاء منه، لأن عمر عدل إلى العباس ولم ينكره منكر، ولم يذهب إلى القبر الشريف أحد من أفاضل الأمة وأكابرها، مع أن قبره ﷺ بين ظهرانيهم، وهذا اتفاق على تصويب عمر ومتابعته، وهذا من باب التنزل، وإلا فعدم مشروعية هذا في سائر الكتب السماوية معلومة من الدين بالضرورة.
الوجه الثالث: أن الحديث إن صح فهو مخصوص بالنبي ﷺ عند من قال بالجواز كابن عبد السلام، فسؤال الله بغيره لم يقل به أحد ممن حكى الشيخ قولهم بالجواز، قال الشيخ: ولا يعلم أحد من السلف فعله، ولا روي فيه أثر، ولا يعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ عز الدين من المنع، وعباد القبور يسألون الله بجاه من اعتقدوا فيه، بل آل الأمر إلى أن يسأل الله تعالى بجاه كل من رفع قبره وجعلت عليه قبة، بل وبالبله والمجانين الذين يعتقدهم عباد القبور.
стр. 1013
(ما يعارض به ما أورده النبهاني مما فيه استغاثة والتجاء بغير الله تعالى)
اعلم أن ما ذكره النبهاني من الأحزاب ليس في جميعها ما يدل على ما زعمه، فقد ذكرنا أن بعضها مشتمل على توسل والتوسل غير الاستغاثة على ما حققه الشيخ، ومنها ما فيه صلوات وهي أيضاً من هذا القبيل، والصلاة عليه ﷺ لها فوائد عظيمة ذكرها الحافظ ابن القيم في كتابه (جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام) ومنها ما فيه مقصده ولكن لا يحتج بقول أصحابها، وكل أحد يؤخذ منه ويرد عليه إلا المعصوم، وقد فصلنا الكلام في ذلك بعض التفصيل بحمد الله. ونحن نورد في هذا المقام ما نعارض به كلام هؤلاء الذي أورده النبهاني بكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام المتبعين له:-
(أما القرآن الكريم) وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فأعظم مقاصده إفراد الإله سبحانه وتوحيده بخصائصه، فلا تجد سورة من السور إلا وهي منادية على وجوب توحيده وإفراده بالعبادة، وترى الأدعية والأذكار التي اشتمل عليها القرآن كلها خالصة لله كقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ١ وكقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ٢.
وهكذا أدعية نوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، وموسى وعيسى، وغيرهم من الأنبياء والرسل كلهم، وقد ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم، وليس فيها التجاء إلى غيره، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل
стр. 1014
كلهم أخلصوا الدعاء له، وخصوه بالالتجاء والاستغاثة والاستعانة دون من سواه، فلو استوعبنا ذكر ذلك كله طال الكلام وضاق عنه المقام.
ونحن نذكر بعض السور والآيات الناطقة بوجوب الالتجاء إلى الله وعدم الميل إلى ما سواه مع بيان ما قاله المفسرون وأهل العلم في تفاسيرهم، والقرآن كله يدل على وجوب عبادة الله والبراءة من عبادة ما سواه، وإسلام الوجوه له على اختلاف أنواع الدلالات مطابقة وتضمناً والتزاماً وقياساً صحيحاً.
ومن أمثلة ذلك ما قاله أهل العلم في معنى البسملة وتفسيرها، قالوا في الباء من (بسم الله) إن معناها الاستعانة، ورجحوا هذا القول لوجوه مقررة في محلها، وقالوا: قد جاءت السنة بأن "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه (ببسم الله الرحمن الرحيم) فهو أبتر أو أجذم أو أقطع"١ وذكروا فيه روايات، والمعنى أنه لا يكمل أمر ولا يحصل تمامه إلا بذكر الله، ولا يكون أصله ولا يوجد منه شيء إلا بمعونته.
قالوا: وقد قالت طائفة من أهل العلم أن البسملة من الفاتحة، وقالت طائفة أخرى هي آية من القرآن فاصلة بين السور.
وعلى القول الأول: فالإتيان بها من العبادات الواجبة، والاستعانة هي مضمونها، فتكون واجبة به تعالى.
وعلى القول الآخر: يكون الإتيان بها مستحباً والاستعانة بالله واجبة لا بخصوص هذا اللفظ.
ثم قالوا: إن المتعلق يتعين أن يقدر مؤخراً لإفادة الحصر والاختصاص، وهذا يدل على القول بوجوب الاستعانة، لأن ما اختص به تعالى واستحقه دون ما سواه لا يصرف لغيره، والقاعدة العربية تفيد أن تقديم المتأخر وتأخير المتقدم يقتضي الحصر، فهذان موضعان يدلان على وجوب الاستعانة به وحده في أول حرف من كتاب الله مع متعلقة.
стр. 1015
الموضع الثالث من الأبحاث: في الباء وتأخير متعلقها، قولهم: إن الحصر هنا حصر إفراد وقصره لا قصر قلب، ورجحه أساطينهم بأن المشركين إنما اعتقدوا الشركة لآلهتهم لا الاستقلال، فالحصر باعتبار معتقدهم حصر إفراد، قالوا وأكثر الكفار اعتقدوا الشركة لآلهتهم لا الاستقلال، فمعنى التسمية عند الموحد إفراده بالاستعانة عما عبد معه من الآلهة، وعلى القول بأن الاختصاص والحصر للقلب إنما يتجه باعتبار معتقد من يدعي الاستقلال لمعبوده كمعطلة الصانع.
البحث الرابع في اسم الله " قولهم: إنه من أَلِهَ إلهة وألوهية، فهو إله فعّال، بمعنى مفعول بمعنى عبد يعبد عبادة، والمستعين بغير الله متأله عابد، لاسيما فيما لا يقدر عليه إلا الله، وإذا ثبت أن الاستعانة تأله وأن التأله عبادة فالبرهان قائم على أن العبادة لا يستحقها غير الله تعالى.
الخامس: قول ابن عباس وتفسيره للاسم الشريف الأقدس بأنه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. وقد أخذه المفسرون وقرروه واستحسنوه، فإذا كان تعالى هو صاحب ذلك ومستحقه فصرفه إلى غيره شرك، وصرف للحق في غير موضعه وهذا يدخل فيه جميع العبادات التي يصدق عليها التأله والألوهية والعبادة والعبودية لاسيما الدعاء فإنه من أجل أنواعه.
قال الإمام البخاري في (كتاب الإيمان) من صحيحه: باب دعاؤكم إيمانكم، وساق حديث ابن عمر. وكثيراً ما يترجم بما صح عنده ولم يكن على شرطه.
السادس: قولهم في اسمه الرحمن أنه الموصوف بغاية الرحمة ومنتهاها، وأنه وصف ذات لا ينفك عنه كسائر أوصافه المقدسة الذاتية، ودعاء غير الموصوف بهذا الوصف وقصده من دونه والتعرض للوسائط والشفعاء سوء ظن بصفات كماله ونعوت جلاله، وإنما دعا إلى عبادته ودعائه والاستعانة به بما اتصف به من الصفات المقدسة، والنعوت الكاملة الجميلة، واستدلوا على ذلك بقول الخليل ﵇ لقومه: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١ قالوا: أي فما
стр. 1016
ظنكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره، وما الذي ظننتم به حتى جعلتم له شركاء، أظننتم أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان؟ أم ظننتم أنه يخفى عليه أحوال عباده حتى يحتاج إلى شركاء يعرفونه بها كالملوك؟ أم لا يقدر وحده على الاستقلال بتدبيرهم وقضاء حوائجهم؟ أم هو قاس فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده؟ أم ذليل فيحتاج إلى ولي يتكثر به من القلة ويتعزز به من الذلة؟ أم محتاج إلى ولد فيتخذ صاحبة يكون الولد منه ومنها؟ تعالى الله عن ذلك كله علواً كبيراً، ولو قدره المشركون حق قدره لما أشركوا به.
وكذلك اسمه تعالى الرحيم، فإنه يدل على أنه بالغ في الرحمة غايتها، وإن رحمته عمت عباده ووسعت خلقه، فما بهم من النعم والإحسان والعطايا الباطنة والظاهرة فآثار رأفته ورحمته، ومن هذا فعله وهذا وصفه كيف يعدل المضطر إلى غيره في ضروراته وحاجاته وملماته؟ وفي الحديث القدسي: "كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم" الحديث بطوله. ومن رحمته وتودده إلى عباده أنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فينادي: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ الحديث معرف مشهور.
وفي بعض الإسرائيليات أن الله تعالى يقول: ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء.
وهذا قرروه بهذا المعنى في التفسير وفي الكلام على شرح الأسماء الحسنى، وفي الكلام على أحوال القلوب وسيرها وتوجهاتها إلى الملك العلي الأعلى.
وعبارة البيضاوي في الكلام على أول فاتحة الكتاب: وإنما خص التسمية بهذه الأسماء ليعلم العارف أن المستحق لأن يستعان في مجامع الأمور هو المعبود الحقيقي الذي هو مولى النعم كلها، عاجلها وآجلها، جليلها وحقيرها، فيتوجه
стр. 1017
بشراشره إلى جانب القدس، ويتمسك بحبل التوفيق ويشغل سره بذكره والاستمداد به عن يغره.
قال البيضاوي: "وإجراء هذه الأوصاف على الله تعالى- من كونه موجداً للعالمين رباً لهم منعماً عليهم بالنعم كلها باطنها وظاهرها، عاجلها وآجلها، مالكاً لأمورهم يوم الثواب والعقاب- للدلالة على أنه الحقيق بالحمد لا أحد أحق به منه، بل لا يستحقه على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على الوصف يشعر بعليته له وللإشعار من طريق المفهوم على أن من لم يتصف بتلك الصفات لا يتأهل لأن يحمد فضلاً عن أن يعبد ليكون دليلاً على ما بعده.
فالوصف الأول لبيان ما هو الموجب للحمد وهو الإيجاد والتربية، والثاني والثالث للدلالة على أنه متفضل بذلك مختار فيه ليس يصدر منه الإيجاب بالذات أو وجوب عليه قضيت لسوابق الأعمال حتى يستحق به الحمد، والرابع لتحقيق الاختصاص، فإنه لا يقبل الشركة فيه، وتضمين الوعد للحامدين والوعيد للمعرضين" انتهى.
وإن شئت المزيد على هذا ولم تكتف بما ذكرناه من التمثيل بالبسملة وما فيها من الأبحاث فنتكلم على فاتحة الكتاب بما قاله أهل العلم والتأويل لينتفع بذلك من وقف على كتابنا هذا.
فاعلم أن (الحمد) على ما أفاده بعض المحققين: ذكر محاسن المحمود على وجه الثناء عليه بها مع محبته والرضا عنه والخضوع له، فلا يحمده من أعرض عن محبته والخضوع له، أو جعل له شريكاً في ذلك، ولا يرضى عنه من أعد غيره لحاجته وفاقته، واستغاث به في شدته وضرورته، وهذا الحد أتم وأكمل من تعريف بعضهم له بأنه اصطلاحاً فعل ينبىء عن تعظيم المنعم لوجوه لا تخفى على الذكي، فلا نطيل بذكرها، وإذا كانت أل فيه للاستغراق وعموم الأفراد كما هو الراجح، فجميع أوصاف الكمال ونعوت الجلال والجمال التي يحمد من قامت به ثابت لله أكملها لكمال صفاته وكثرتها، ولهذا لا يحصي أحد من خلقه ثناء
стр. 1018
عليه، وبها استدل على إلهيته، وأنه الإله الحق، ولذلك يستدل تعالى على بطلان إلهية ما سواه بفقد صفات الكمال التي يستحق بها أن يعبد ويعظم ويقصد، كما قال عن خليله في مخاطبته لأبيه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ ١ وقال في عباد العجل: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ ٢ فجعل نفي صفات الكمال موجباً لبطلان إلهيته وعبادته، وهذا يعرف بالفطر والعقول فهذه ثلاثة مواضع في أول كلمة من كتاب الله دلت على بطلان دعاء غيره وعبادته والاستعانة بسواه، والعبد وإن علت درجته وارتفعت رتبته فهو فقير إلى باريه وفاطره، لا نسبة لقدرته وعلمه وحكمته وفضله وكرمه وحياته إلى ما اتصف به خالقه وإلهه الحق من صفات الكمال، ونعوت الجلال.
قال شيخ الإسلام:
والفقر لي وصف ذات لازم أبداً ... كما الغنى أبداً وصف له ذاتي
(وأما اسمه الله) فهو دال على الإلهية المتضمنة لسائر صفات الإلهية والكمال، مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال بالوضع والمطابقة على كونه مألوهاً معبوداً، تألهه الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً، ومفزعاً إليه في الحوائج والنوائب، بخلاف من آله سواه ممن لا يستحق الإلهية ولم يخرج عن رتبة العبودية، وصار مفزعه في الحوائج والنوائب إليه، واعتماده في المهمات والملمات عليه.
فمن كان هكذا كعباد الملائكة والأنبياء والصالحين لم يعط هذا الاسم الشريف حقه من العبودية وإفراد الله بالإلهية.
(وأما الرب) فهو دال على ربوبيته لجميع مخلوقاته، وكمال الربوبية هو بما اتصف به من صفات كمال كقدرته وعلمه ورحمته وقيوميته، وهو يرب عباده
стр. 1019
بالخلق والتدبير والملك، وهو من أكبر الأدلة وأوضحها وأجلاها على وجوب عبادته تعالى، وأن إلهية ما سواه وعبادة غيره من أبطل الباطل وأضل الضلال، ولهذا يستدل على إلهيته تعالى ووجوب توحيد بأفعاله الصادرة عن ربوبيته كخلقه وقيوميته، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ٢ وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ ٣. وهذا كثير في القرآن، ولكن يحول بين عباد القبور والصالحين وفهمه ما على قلوبهم من رين الشرك وطابعه.
(وأما اسمه الرحمن) فهو كما تقدم دال على أن الرحمة وصفه وصف ذات لا ينفك عنه، ولهذا لا يطلق على غيره.
(والرحيم) هو الراحم لعباده البالغ في إيصال الرحمة، لأن فعيل من صيغ المبالغة، لكن فعلان أبلغ، فسعة الرحمة وكثرتها وإحاطتها من أدلة عظمة الموصوف وكمال صفاته ووجوب عبادته وإلهيته وإنابة القلوب إليه، فالمستغيث بغيره الراغب إلى سواه فيما لا يقدر عليه غيره من الأمور المهمة العظام، وما ليس من جنس الأسباب العادية -كمن يستغيث بالأنبياء والصالحين والملائكة ويرجع إليهم في حاجاته وملماته- ما أعطى هذا الاسم حقه، ولا آمن به حق الإيمان الواجب، ولو استشعر شيئاً من كمال مدلوله وسعته وإحاطته لما عدل بربه سواه، ولا التفت إلى غير رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما.
ومشهد الأسماء الحسنى والصفات العليا مشهد عظيم لا يعرفه ولا يسير به إلا الصديقون العارفون بالله وما يجب له وما يستحيل عليه، وأما من تعلق على غيره والتفت إلى سواه وصار مبلغ علمه وغاية حذقه وفهمه تعلقه على الأولياء والصالحين ورجاء رحمتهم وإحسانهم وعطفهم فهو محجوب عن هذا غير عارف
стр. 1020
بربه جاهل بصفات كماله ونعوت جلاله، قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ١ فسجل على من أمر بدعاء الصالحين والاستغاثة بهم بالجهالة، سواء سمى ذلك توسلاً وتشفعاً واستنصاراً وكرامة أو لم يسمه.
(وأما مالك يوم الدين) فهو وصف كمال ومجد يقتضي وجوب معاملته وحده لا شريك له، وإسلام الوجه له، لأن الاختصاص والانفراد بالملك يوجب خوفه ورجاءه وطاعته، والتعلق على المملوك المقهور الذي لا شركة له ولا ملك بوجه من الوجوه، وقصده في طلب الإعطاء والمنع، والخفض والرفع، والنجاة من النار، والفوز بدار الأبرار سفه وضلال مبين. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ٢ وقد تمدح سبحانه باختصاصه بملك هذا اليوم في مواضع من كتابه مع أنه الملك المالك في الدنيا والآخرة لسر اقتضى ذلك وحكمة أوجبته، وهي انقطاع العلق والأسباب والمؤاخاة والوصل التي يتعامل بها أهل الدنيا في دنياهم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ٣ فاعرف ما في هذا الخطاب من العموم، وما دل عليه التنكير من الشمول المتناول لكل معبود مع الله ولو نبياً أو ملكاً، وما يجري على يد الشفعاء ذلك اليوم لا يرد على الآية، ولا ينفي العموم، لأنه لا يقع إلا بإذنه فيمن يرضى قوله وعمله، فعاد الأمر له جل ذكره بدءاً وعوداً، أولاً وآخراً.
(والدين) هو الجزاء والمكافأة على الأعمال حسنها وقبيحها، وما لم ينزل به سلطان ولم ترد به حجة من الأعمال والديانات يجازى فاعله ويعاقب إن لم يمنع مانع كتوحيد الله والإيمان به وبرسله، وأي توحيد يبقى وينفع مع عبادة الأولياء والصالحين، والاتغاثة بهم وصرف الوجوه إليهم، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ