الشافعي، وأن مسألة تزوج المغربي بالمشرقي أو بالعكس ثم ولدت الزوجة ولداً يلحق بالأب وإن لم يجتمع الزوجان قط من أبشع المسائل المنقولة عن أبي حنيفة، وإن جواز التيمم بالثلج من أبشع المسائل المنقولة عن الإمام مالك، وهكذا إلى ما لا يسعه المقام، وأي إمام من الأئمة لم ينسب إليه أقوال شاذة؟! هذا إذا قلنا إن مسألة المنع من سفر الزيارة من الشواذ، مع أن الأمر ليس كما ذكروا، كيف والأدلة القطعية قائمة على ما قاله؟ وقد سبقه إليه الأئمة المقتدى بهم وقد سبق بيان ذلك مفصلاً فيما نقلناه عن الشيخ من الكتابين، وما نقله النبهاني من كلام الحافظ العسقلاني على (الرد الوافر) هو رد عليه، لأنه ليس فيه إلا الثناء والمدح، وتبرئته عما يوجب اللوم والقدح، ولم ينقل العبارة بعينها لأن ذلك مناقض لغرضه الفاسد، ومخالف لما يرومه من التلبيس والتدليس قالته الله ما أجهله، وها نحن ننقلها بنصها ليتبين ما ذكرناه أنه كان من أخلص الناس مودة لشيخ الإسلام:
قال العلامة المحدث السيد صفي الدين الحنفي البخاري نزيل نابلس عليه الرحمة في كتابه (القول الجليّ في ترجمة الشيخ تقي الدين بن تيمية الحنبلي) صورة تقريظ للإمام الحافظ في عصره بل حافظ الدنيا العلامة شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن العسقلاني قدس الله سره على (الرد الوافر) ١ لابن ناصر الدين الدمشقي الشافعي رحمه الله تعالى ولفظه:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وقفت على هذا التأليف النافع، والمجموع الذي هو للمقاصد التي جمع لها جامع، فتحققت سعة اطلاع الإمام الذي صنفه، وتضلعه من العلوم النافعة بما عظمه بين العلماء وشرفه، وشهرة إمامة الشيخ تقي الدين ابن تيمية أشهر من الشمس، وتلقيبه بشيخ الإسلام باق إلى الآن على الألسنة الزكية ويستمر غداً كما كان بالأمس، ولا ينكر ذلك إلا من جهل مقداره وتجنب الإنصاف، فما أكثر غلط من
стр. 457
تعاطى ذلك وأكثر عثاره، فالله تعالى هو المسؤول أن يقينا شرور نفوسنا، وحصائد ألسنتنا بمنه وفضله.
ولو لم يكن من فضل هذا الرجل١ إلا ما نبه عليه الحافظ الشهير علم الدين البرزالي في تاريخه؛ أنه لم يوجد في الإسلام من اجتمع في جنازته لما مات ما اجتمع في جنازة الشيخ تقي الدين لكفى، وأشار إلى أن جنازة الإمام أحمد كانت حافلة جداً شهدها مؤون ألوف، لكن لو كان بدمشق من الخلائق نظير ما كان ببغداد بل أضعاف ذلك لما تأخر أحد منهم من شهود جنازته، وأيضاً فجميع من كان ببغداد إلا الأقل كانوا يعتقدون إمامة الإمام أحمد، وكان أمير بغداد وخليفة الوقت إذ ذاك في غاية المحبة له والتعظيم، بخلاف ابن تيمية، وكان أمير البلد حين مات غائباً، وكان أكثر من في البلد من الفقهاء قد تعصبوا عليه حتى مات محبوساً بالقلعة، ومع هذا فلم يتخلف منهم عن حضور جنازته والترحم والتأسف عليه إلا ثلاثة أنفس تأخروا خشية على أنفسهم من العامة، ومع حضور هذا الجمع العظيم فلم يكن لذلك باعث إلا اعتقاد إمامته وبركته لا بجمع سلطان ولا غيره، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "أنتم شهداء الله في الأرض"٢.
ولقد قام على الشيخ تقي الدين جماعة من العلماء مراراً بسبب أشياء أنكروها عليه من الأصول والفروع، وعُقِدَتْ له بسبب ذلك عدة مجالس بالقاهرة ودمشق، ولا يعلم عن أحد منهم أنه أفتى بزندقته، ولا حكم بسفك دمه، مع شدة المتعصب عليه حينئذ من أهل الدولة، حتى حبس بالقاهرة ثم بالإسكندرية، ومع ذلك فكلهم يعترف بسعة علمه وزهده ووصفه بالسخاء والشجاعة، وغير ذلك من قيامه في نصرة الإسلام، والدعاء إلى الله تعالى في السر والعلانية، فكيف لا ينكر على من أطلق أنه كافر بل من أطلق على من سماه شيخ الإسلام الكفر، وليس في تسميته بذلك ما يقتضي ذلك فإنه شيخ مشايخ الإسلام في عصره بلا ريب. والمسائل التي أُنكِرَتْ عليه ما كان يقولها بالتشهّي، ولا يصر على القول بها بعد
стр. 458
قيام الدليل عليه عناداً. وهذه تصانيفه طافحة بالرد على من يقول بالتجسيم والتبرّي منه. ومع ذلك فهو بشر يخطىء ويصيب، فالذي أصاب فيه- وهو الأكثر- يستفاد منه ويترحّم عليه بسببه، والذي أخطأ فيه لا يقلد فيه بل هو معذور، لأن علماء الشريعة شهدوا له بأن أدوات الاجتهاد اجتمعت فيه، حتى كان أشد المتعصبين عليه العاملين في إيصال الشر إليه- وهو الشيخ كمال الدين الزملكاني- شهد له بذلك، وكذلك الشيخ صدر الدين ابن الوكيل الذي لم يثبت لمناظرته غيره.
ومن أعجب العجب أن هذا الرجل كان من أعظم الناس قياماً على أهل البدع من الروافض والحلولية والاتحادية، وتصانيفه في ذلك كثيرة شهيرة، وفتاويه فيهم لا تدخل تحت الحصر، فيا قرة أعينهم إذا سمعوا تكفيره، ويا سرورهم إذا رأوا من يكفره من أهل العلم. فالواجب على من تلبس بالعلم وكان له عقل أن يتأمل كلام الرجل من تصانيفه المشهورة، أو من ألسنة من يوثق به من أهل النقل، فيفرد من ذلك ما ينكر، فليحذر منه على قصد النصح، ويثني عليه بفضائله فيما أصاب من ذلك كدأب غيره من العلماء الأنجاب.
ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية، صاحب التصانيف النافعة السائرة، التي انتفع بها الموافق والمخالف؛ لكان غاية في الدلالة على عظم منزلته، فكيف وقد شهد بالتقدم في العلوم والتميز في المنطوق والمفهوم أئمة عصره من الشافعية وغيرهم فضلاً عن الحنابلة؟
فالذي يطلق عليه مع هذه الأشياء الكفر أو على من سماه شيخ الإسلام لا يلتفت إليه ولا يُعَوَّلُ في هذا المقام عليه، بل يجب ردعه عن ذاك إلى أن يراجع الحق ويذعن للصواب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
قال: وكتبه أحمد بن علي بن محمد بن حجر الشافعي عفا الله عنه، وذلك
стр. 459
التاسع من شهر ربيع الأول عام خمسة وثلاثين وثمانمائة، حامداً لله ومصلياً على محمد ومسلماً. هذا آخر كلامه.
فانظر أيها المنصف إلى كلام هذا الإمام في الذب عن شيخ الإسلام؛ هل تراه منتصراً له أم طاعناً عليه؟ وهل تجده مادحاً له أم موجهاً سهام الذم بين يديه؟
وانظر إلى تحريف النبهاني الذي سبق به تحريف أسلافه اليهود، فقد نقل منه ما ظن بزعمه أنه ينفعه، وترك ما هو شجي في فمه، كل ذلك لأجل ترويج ضلاله وهواه وباطله.
فبالله عليك أيها الواقف على مثل هذه الأحوال؛ هل يليق أن يولى هذا الرجل الحكم على أموال الناس وأعراضهم ودمائهم، وهو يخون- جهلاً واتباعاً لهواه- هذه الخيانة التي لم تخف على أحد من طلبة العلم فضلاً عن أكابر العلماء، ومحققي الفضلاء؟! فيا خسارة لمن تولى الحكم عليه هذا الغبي الجاهل، وعبث كما أداه إليه هواه في المحافل.
قال النبهاني: ومنهم السيد صفي الدين الحنفي البخاري نزيل نابلس ألف كتاباً مستقلاً سماه (القول الجلي في ترجمة الشيخ تقي الدين بن تيمية الحنبلي) ذكر فيه مناقبه وكلام العلماء في الثناء عليه، إلى أن قال: قال صفي الدين في كتابه المذكور: قد نص على أنه- أي ابن تيمية- بلغ رتبة الاجتهاد جمع من العلماء ولم يتفرد بمسألة منكرة قط، وإن كان قد خالف الأئمة الأربعة في مسائل فقد وافق فيها بعض الصحابة أو التابعين، ومن أشنع ما وقع له مسألة تحريم السفر إلى زيارة القبور، وقد قال به قبله أبو عبد الله بن بطة الحنبلي في "الإبانة الصغرى".
ثم قال صفي الدين في موضع آخر من كتابه: فإن قلت ما نقلته في هذا الجزء يدل على براءة الشيخ مما نسب إليه، فما بال عليّ القاري والتقي الحصني وابن حجر الهيتمي وغيرهم ينسبونه إلى أمور فظيعة.
قلت: اعلم- وفقك الله تعالى- أن ابن تيمية رحمه الله تعالى كان رجلاً
стр. 460
مشهوراً بالعلم والفضل وحفظ السنة، وكان مبالغاً في مذهب الإثبات، وكان يكره التأويل أشد الكراهة، وكان يرد على الصوفية ما ذكروه في كتبهم من وحدة الوجود وما شاكلها على عادة أهل الحديث والفقهاء والمتكلمين، فرد على الشيخ محي الدين ابن العربي، والشيخ عمر بن الفارض، وعبد الحي بن سبعين وأضرابهم، وكان قد خالف الأئمة الأربعة في بعض الفروع كمسألة الزيارة والطلاق، وكان يناظر عليهما فقام عليه ناس وحسدوه وأبغضوه وأشاعوا عنه ما لم يقله من التشبيه والتجسيم وغير ذلك، فدخل ذلك على بعض أهل العلم من الحنفية والشافعية وغيرهم ولم يطلبوا تحقيق ذلك من كتبه المشهورة، واعتمدوا على السماع فوقع منهم ما قد وقع، وقد وقع مثل هذا لغير واحد من أهل العلم والفضل.
ثم قال: وقد أنكروا على الشيخ أشياء لا بأس بذكر الجواب عنها والاعتذار؛ فأقول: قالوا يقول بحرمة السفر إلى زيارة القبور، وقد خالف في ذلك الإجماع، قال صفي الدين: قلت وهو مخطىء في ذلك أشد الخطأ، ولكن لا يلزم من القول به التفسيق فضلاً عن التكفير، لأنه صدر ذلك عن شبهة ولو كان ذلك الدليل خطأ عندنا". انتهى كلام صفي الدين البخاري. ومثله العلماء الذين أثنوا على ابن تيمية ذكروا خطأه الفاحش في مسائله التي خالف فيها الإجماع". انتهى كلام النبهاني.
والجواب: أن كلام النبهاني هذا على نمط ما قبله، فإن السيد صفي الدين الحنفي عليه الرحمة ألف كتابه (القول الجلي في ترجمة الشيخ تقي الدين ابن تيمية الحنبلي) وذكر فيه أقوال أساطين العلماء الذين أثنوا عليه، وذب عنه وأجاب عما نسب إليه من الاختيارات بما لا مزيد عليه، وقال في خطبة كتابه:
"وبعد؛ فهذا جزء لطيف في ترجمة شيخ الإسلام، وبركة الأنام، علم الزهاد، وأوحد العباد، سيد الحفاظ، وفارس المعاني والألفاظ، تقي الدين أبي العباس، وذكر نسبه إلى أن قال ابن تيمية الحراني نزيل دمشق ﵀، لخصته مما اجتمع عندي من كلام الفقهاء والمحدثين، رجاء للثواب ونفعاً للأحباب ".
стр. 461
فانظر أيها المنصف كيف ساغ للنبهاني الجهول أن يذكر السيد صفي الدين هذا من جملة من رد على الشيخ ابن تيمية وينقل عنه ما يهدم بنيانه؟ وهل ذلك إلا من جملة أحكام منصبه التي يحكم بها بغير ما أنزل الله؟ قاتله الله تعالى ما أشغفه بالباطل واتباع الهوى!
والعبارة التي نقلها محرفة غير منقولة بتمامها، وكتاب السيد صفي الدين بين الأيدي فلا نتعب البنان بنقل كلامه في هذا المقام، وقد أسلفنا مراراً أن رد بعض العلماء على بعض لا يستوجب القدح على من رد عليه ولا تبديعه ولا تفسيقه بوجه، هذا فخر الدين الرازي قد حشى تفسيره من الرد على الإمام أبي حنيفة ﵀، وملأه من الهذيان عليه فأيّ قدح لحق بالإمام أبا حنيفة من ذلك؟ واعترض بعض علماء المالكية على الإمام الشافعي بما لا مزيد عليه فأفي نقص لحقه منه؟ وهكذا مما لا يسع المقام بيانه، هذا لو سلمنا أن السيد صفي الدين قد رد على الشيخ، فكيف والأمر بخلاف ذلك؟.
قال النبهاني: "ومنهم الحافظ عماد الدين بن كثير الشافعي، ثم نقل من كتاب السيد صفي الدين ما ذكره من عبارته المشتملة على الثناء على الحافظ ابن القيم، إلى أن قال: نعم أوذي بسبب قوله بقول الشيخ ابن تيمية في مسألة الطلاق، ومع أنه خالف الأئمة الأربعة في ذلك فلم ينفرد به كما هو مبين في موضعه، وهو وإن كان خطأ فاحشاً فلا يوجب التفسيق" انتهى.
والجواب: ما حكيناه سابقاً؛ فإن ما نقله من الكلام هو أيضاً على نسق ما قبله، فإن النبهاني ينقل ما ذكره السيد صفي الدين من أقوال العلماء الذابة عن الشيخ فيعكس النبهاني القضية ويجعل تلك الأقوال رادة عليه، ثم ذكر كلام البلقيني، والإمام السيوطي، والكزبري، والشيخ علي القاري، والخفاجي، وابن إسحاق المالكي، والزرقاني، والصفدي، والمناوي، في الرد على الشيخ بزعمه، مع أن غالب من ذُكِرَ كانوا من المثنين عليه والموالين له، وكلامهم الذي نقله عنهم يشهد لما قلناه، ولو سلم أن في كلام بعضهم غض على الشيخ استوجبه
стр. 462
التعصب والتقليد للأشياخ وعدم الإنصاف فلا نتعب البنان بنقل عباراتهم والكلام عليه.
قال النبهاني: "ومنهم صاحبنا العالم العامل الفاضل الكامل الشيخ مصطفى بن أحمد الشطي الحنبلي الدمشقي، قال: ألف حفظه الله رسالة مخصوصة سماها (النقول الشرعية في الرد على الوهّابية) وختمها بخاتمة في تأييد مذهب سادتنا الصوفية، وطبعها ونشرها، فمما قاله في المقالة الأولى منها- التي تكلم فيها على الاجتهاد-: "لا شك أن من ادّعى ذلك في هذا الزمان عليه إمارة البهتان، كما يقع دعوى ذلك من فرقة شاذة نسبت نفسها للحنابلة". إلى أن قال: "وقد ينكرون دعوى الاجتهاد ويحتجون بعبارة شيخ الإسلام ابن تيمية فقط مع أن الإمام المذكور قد خرج من مذهب الحنبلي في عدة مسائل تفرد بها وتهيأ بخصوصها للاجتهاد المطلق، إلا أنها لم تدون على كونها مذهباً له كما دونت فروع مسائل المذاهب الأربعة.
ثم ذكر بعض تلك المسائل إلى أن قال: وذكر في المقالة الرابعة من هذه الرسالة جواز التوسل والاستغاثة والاستشفاع بالأنبياء والأولياء والصالحين حال حياتهم وبعد مماتهم، وأقام الدليل على ذلك من الكتاب والسنة ... إلى آخر قوله".
والجواب: أن النبهاني كالغريق يتشبث بالحشيش، حيث استدل بكل قول سمعه ووافق هواه، ولو كان صادراً من الأطفال والصبيان، وقصده أن يعظم حجم كتابه ليهول به على أمثاله من الجهلة، ومن الشيخ مصطفى هذا الذي ذكره حتى يحتج بقوله في باب الجرح والتعديل؟! أيظن أنه بسبب انتمائه إلى مذاهب الحنابلة يؤخذ بقوله ويوثق بنقله؟ فهل يلزم أن من ينتمي إلى الشافعي كلهم كالسبكي وابن حجر المكي ونحوهما من الغلاة؟ لا والله؛ بل فيهم أئمة هادون مهديون، وأفاضل منصفون، وهكذا أصحاب كل مذهب والناس معادن.
وما كل مخضوب البنان بثينة ...
ولا كل مصقول الحديد يماني
стр. 463
هذا مع أن ما نقله عن صاحبه فلا حجة فيه لما هو بصدده.
أما مسألة انقطاع الاجتهاد التي ذكرها فقد تكلمنا عليها أول الكتاب بما لا مزيد عليه، وأما ما نقله عن شيخ الإسلام فهو حق وقد شهد له بالاجتهاد المطلق أكابر العلماء، وأما قوله بالاستغاثة والتوسل فقد مر الكلام على بطلانها مفصلاً، وأما ثناؤه على الصوفية فلم يبين الثناء منه كان على أي قسم منهم، فأما من كان منهم على منهج الجنيد وأضرابه فهم أهل للثناء، وأما من كان يقول منهم بوحدة الوجود ويتكلم بما يصادم الشريعة فمدحهم والثناء عليهم مما يأباه العلماء الربانيون، فما نقله عن صاحبه لا يفيده فيما هو بصدده من ذكر كلام الرادين على شيخ الإسلام، وقد ذكرنا أنه ليس في كلامه ما يرد عليه، وكتاب النقول الشرعية قد رد عليه علماء أهل السنة فلا نناقشه على ما ذكر من السقط.
قال النبهاني: ومنهم الإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي المكي، وهو أشدهم رداً على ابن تيمية محاماة عن الدين، وشفقة على المسلمين، من أن يسري إليهم شيء من غلطاته الفاحشة، ولاسيما فيما يتعلق بسيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن نظر بعين الإنصاف شهد لهذا الإمام ابن حجر بالولاية، وأنه ربما يكون قد أطلعه الله! على ما سيحصل في المستقبل من الأضرار العظيمة التي ترتبت على أقوال ابن تيمية، من فرقته الوهابية، التي هو أصل اعتقادها، وأساس فسادها، ولا يخفى ما خصل منها من الأضرار العظيمة في حق المسلمين والإسلام، ولاسيما في الحرمين الشريفين وجزيرة العرب، فمن المحتمل احتمالاً قريباً أن يكون الحق قد أطلع الإمام ابن حجر على ذلك على سبيل الكرامة! وهو أهل لذلك، فإنه ﵁ كان من أكابر العلماء العاملين، والأئمة الهادين المهديين، وهذا علمه وكتبه النافعة التي خدم بها الأمة المحمدية خدمة لم يشاركه فيها سواه من عصره إلى الآن قد ملأت الدنيا، وانتفع بها الخاص والعام في جميع بلاد الإسلام، ومن كان كذلك لا يستبعد عليه أن يكون الله تعالى قد أكرمه بإطلاعه على بعض المغيبات، ومنها ما حدث من فرقة الوهّابية أتباع ابن تيمية من المضار العظيمة على الشريعة
стр. 464
المحمدية، والملة الإسلامية، ولذلك كان ﵁ أشد أئمة المسلمين إنكاراً لبدع ابن تيمية ورداً عليه بأشد العبارات شفقة على المسلمين، ومحاماة عن هذا الدين المبين، وله في ذلك عبارات كثيرة في كتبه ولاسيما في الفتاوى الحديثية، ولم أر حاجة إلى نقلها هنا فمن شاءها فليراجعها.
أقول: إنا قد أسلفنا عن النبهاني هذا المفتري على الله ورسوله ﷺ أنه قد اتصف بصفات الخزي والسوء وعدم الأدب والحياء من الله ومن الناس فلا يستحى من كذب ولا يبالي بخزي، وأما مساويه فهي كما قال القائل:
مساو لو قسمن على الغواني ... لما أمهرن إلا بالطلاق
وهو- والأمر لله تعالى- لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فلا ينجع فيه كلام ولا يؤثر فيه سهام الملام، بل هو كما قال المتنبي:
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام
ولم يزل يبدي ويعيد بباطله، ويكرر كلامه مرة بعد أخرى، وينقل المسائل التي قد تكرر الرد عليها من العلماء الأعلام، ومزقوها بسهام الملام، ولم يؤثر فيه كل ذلك حتى كأنه لم يسمع بما قيل فيها وطعن عليها، بل يعتقدها وحياً منزلاً من الله ، فهو ممن قال الله تعالى فيه: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ١.
وقد ذكر في هذا الكلام كلاماً لابن حجر المكي- عامله الله بعدله - في قدح ابن تيمية وسبه وشتمه، وقال: إنه كان أشدهم رداً عليه.
والأحرى به أن يقول إنه كان أشد الناس عداوة للذين آمنوا، فإنه قد ملأ كتبه بشتم عباد الله الصالحين، أهل الحديث النبوي وخدّام السنة المطهرة والشريعة الغراء، وقد انتدب للرد عليه بعض أهل العلم من عصرنا وقبله وبينوا سقطاته
стр. 465
وغلطاته، وكذبه وافترائه، وخيانته في النقل، وتحريفه للكلم عن مواضعه، وغير ذلك من الأمور التي لا يقدم عليها من يؤمن بالله واليوم الآخر، ومزقوا بسهام أقلامهم جميع ما حاكه من نسج الأباطيل وزخرف الأقاويل بما لا مزيد عليه، كما قد ردوا على أسلافه الغلاة بمثل ذلك، وكتبهم مشهورة متداولة بين الأيدي، وفيها الكفاية لمن أخذت الهداية بيديه، ومن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وحيث أن النبهاني ميت القلب، بليد الطبع، جامد القريحة، يرى كلام متبوعيه وأسلافه كالشريعة المنزلة والدين المتّبع، ولا شك أن ذلك مما كان عليه أهل الجاهلية، ففي "شرح مسائل الجاهلية" التي أبطلها الإسلام للعلامة أبي عبد الله الشيخ محمد قوله: "ومنها الاقتداء بفسقة أهل العلم وجهالهم وعبادهم وقد حذرهم الله تعالى من ذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٢. إلى آيات أخر تنادي ببطلان الاقتداء بالفسقة وأهل الضلالة والغي، وذلك من سنن أهل الجاهلية، وطرائقهم المعوجة الردية.
قال: ومنها الاحتجاج بما كان عليه القرون السالفة من غير تحكيم العقل والأخذ بالدليل الصحيح، وقد أبطل الله ذلك بقوله: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى *كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ ٣ الآية. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآياتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا
стр. 466
الْأَوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ١. وقال عز ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ ٢. وفي آية أخرى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ ٣.
فجعلوا مدار احتجاجهم على عدم قبول ما جاءت به الرسل أنه لم يكن عليه أسلافهم ولا عرفوه منهم، فانظر إلى سوء مداركهم وجمود قرائحهم، ولو كانت لهم أعين يبصرون بها وآذان يسمعون بها لعرفوا الحق بدليله، وانقادوا لليقين من غير تعليله، وهكذا أخلافهم ووراثهم قد تشابهت قلوبهم"اهـ.
والنبهاني من هؤلاء القوم الذين تكلم عليهم في شرح المسائل، وهو مع جهله بكل علم ألف كتاباً ذكر فيه مباحث كأنه لم يسمع بردها، ولا علم بباطلها، وملأه من الهذيان والزور والبهتان، فكان ممن قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ .
ومع ذلك فنحن نتكلم على ما نقله هنا عن ابن حجر، ونجيب عنه بجوابين مجمل ومفصل.
أما الجواب المجمل؛ فهو أن ما نُقِلَ عن ابن حجر لا يضر شيخ الإسلام فإنه عدو له ومن خصومه الألداء، كما يدل على ذلك ما كان منه من الشتم والسب واللعن وغير ذلك مما لا ينبغي أن يذكر بعضه في حق أعداء الله كاليهود وغيرهم من أعداء الدين، وذلك خارج عن قوانين المناظرة المقصود منها إظهار الصواب، والحامل له على ذلك تعصبه للسبكي، فإن كثيراً من الشافعية لهم حظ وافر مما
стр. 467
كان عليه أهل الجاهلية من انتصار بعضهم لبعض ولو ظلماً، ولذلك قال ﷺ : "من تعزّى بعزاء الجاهلية فاعضّوه بِهنّ أبيه ولا تكنوا"١.
وفي "شرح المسائل" التي أبطلها الإسلام ما نصه: "ومن خصال الجاهلية أنهم لا يقبلون من الحق إلا ما تقول به طائفتهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
ومعنى (نؤمن بما أنزل علينا) أي: نستمر على الإيمان بالتوراة وما في حكمها مما أنزل في تقرير حكمها. ومرادهم بضمير المتكلم إما أنبياء بني إسرائيل وهو الظاهر وفيه إيماء إلى أن عدم إيمانهم بالقرآن كان بغياً وحسداً على نزوله على من ليس منهم، وإما أنفسهم، ومعنى الإنزال عليهم: تكليفهم بما في المنزل من الأحكام، وذموا على هذه المقالة لما فيها من التعريض بشأن القرآن، ودسائس اليهود مشهورة، أو لأنهم تأولوا الأمر المطلق العام ونزلوه على خاص هو الإيمان بما أنزل عليهم، كما هو ديدنهم في تأويل الكتاب بغير المراد منه.
(ويكفرون بما وراءه وهو الحق) أي: هم مقارنون لحقيقته أي عالمون بها. (مصدقاً لما معهم) لأن كتب الله يصدق بعضها بعضاً، فالتصديق لازم لا ينتقل، وقد قررت مضمون الخبر لأنها كالاستدلال عليه، ولهذا تضمنت رد قولهم:
стр. 468
﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ حيث أن من لم يصدق بما وافق التوراة لم يصدق بها ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أمر للنبي ﷺ أن يقول ذلك تسكيتاً لهم حيث قتلوا الأنبياء مع ادعاء الإيمان بالتوراة وهي لا تسوغه.
قال: ومنها التعصب للمذهب والإقرار بالحق للتوصل إلى دفعه، قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ١.
قال الحسن والسدي: تواطأ اثنا عشر رجلاً من أحبار يهود خيبر وقرى عرينة وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا آخر النهار، وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذاك، وظهر لنا كذبه وبطلان دينه، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم، وقالوا إنهم أهل كتاب وهم أعلم به، فيرجعون عن دينهم إلى دينكم" انتهى.
وما كان عليه ابن حجر المكي من الغلو في القبور والقول بأقوال المتصوفة الكاذبة وترويج بدعهم المعلومة أمر لا يسعه الإنكار، وكتبه طافحة بمثل هذه الأكاذيب، وشيخ الإسلام قد بين أحكام الله تعالى في هذه الفئة الزائغة، وذكر ما وردت به الشريعة من القول الحق الذي يذعن له كل من يسمعه ويصغي إليه، وذلك من المسلم حتى لدى خصومه.
فمن جملة ما كتبه أبو الحسن السبكي إلى الحافظ الذهبي أحد من أخذ على شيخ الإسلام في حق الشيخ تقي الدين ما نصه:
"وأما قول سيدي في الشيخ فالمملوك متحقق كبر قدره، وزخارة بحره، وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كل من
стр. 469
ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائماً، وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجل، مع ما جمع الله له من الورع والزهادة والديانة، ونصرة الحق والقيام فيه لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف وأخذه من ذاك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان بل من أزمان" انتهى.
والمقصود؛ أن كل ما اعترض به ابن حجر على شيخ الإسلام مردود عليه، فإن منه ما هو افتراء، ومنه ما هو مؤيد بالحجج والدلائل القطعية، ومنه ما لم ينفرد به بل قال بقوله جمع من المجتهدين، وإن ما كان من تهور ابن حجر ليس من الدين في شيء وإنما لمزيد حبه وغيه واتباعه لهواه، فكلامه الذي نقله الغبي النبهاني وغيره كله مردود عليه.
وأما الجواب المفصل؛ فنقول: أما قول ابن حجر فيه ما قال فذلك قول النبهاني هو أشدهم رداً على ابن تيمية محاماة عن الدين وشفقة على المسلمين إلخ.. فقد صدق في جملة من هاتين الجملتين وكذب في الأخرى، أما ما صدق فيها فقوله عن ابن حجر أنه أشد الناس رداً عليه، والأمر كما قال. والسبب في ذلك ما ذكرناه سابقاً من الحب للبدع والكراهة للسنن النبوية، فإن من نظر إلى كتب الشيخ ابن تيمية وجدها ديناً خالصاً، وكلاماً أشبه شيء بالذهب المُصَفّى، وعلم منها حرصه ﵀ على السنة والمحاماة للشريعة، والحط على أعداء الدين وخصماء السنة، ومزيد حبه للرسول ﷺ ، ومن راجع بعض فصول كتابه (الصارم المسلول) تبين له ما قلناه.
كل ذلك بخلاف ما كان عليه ابن حجر، فتراه في كثير من كتبه يروّج البدع ويدافع عنها، ويذب عن أهلها، ويخاصم أتباع السنن، ويعادي أهل الحديث أشد العداوة، وينسب إليهم كل ما خطر على باله وجرى على لسان قلمه من الإفك والزور والبهتان، انظر إلى ما ذكره في فتاواه الحديثية بل البدعية تجدها مشحونة من العدوان على ابن تيمية، وقبل أن تنشر كتب شيخ الإسلام تقي الدين ربما كان يظن من يظن أنه صادق في منقوله، فلما انتشرت وتداولتها الأيدي تبين لكل ذي عينين أن ابن حجر كذب وافترى ولم يتوثق به أحد بعد ذلك، وسقط من درجة
стр. 470
الاعتبار بالكلية إلا لدى من أعمى الله عين بصيرته من الأغبياء.
وبذلك يظهر كذب النبهاني في الجملة الأخرى، وهي أن إنكاره كان شفقة على الدين.. إلخ، بل لو أنصف لقال: إن إنكاره كان من بغضه للدين، فإنه شوق الناس على البدع والأهواء، وحذرهم من كتب السنة ومحبة أهلها والمحامين لها، ولذلك ترى من اغتر بأقواله الكاسدة في ظلمات من الجهل والغي والعمى، لا ينجع فيهم كلام ولا تمضي فيهم سهام الملام.
وأما من طالع كتب السنة- ولاسيما كتب شيخ الإسلام- تراه قد انكشفت عن بصيرته غشاوة التعصب واتبع ما اقتضاه الدليل، وهكذا الفرق بين المبتدع والسني، ترى المبتدعة يصرفون النصوص والدلائل إلى ما تهواه أنفسهم، وأهل السنة يذهبون إلى ما يقوده إليهم الدليل، ويتركون له ما تهواه أنفسهم، وهذا بحمد الله بين.
وأما قوله: "ومن نظر بعين الإنصاف شهد لهذا الإمام ابن حجر بالولاية، وأنه ربما يكون قد أطلعه الله على ما سيحصل في المستقبل من الأضرار العظيمة".
فجوابه من وجوه:
أما أولاً: فيقال: إن الولاية والكرامة إنما تكون لصلحاء الأمة، أهل التقوى والورع والكرامة، لا تكون لمثل ابن حجر من الكذابين المفترين المتناقضين في أقوالهم المضطربين في دينهم، وما أحسن ما في كتاب "إنباء الأبناء بأحسن الأنباء": "يا بني؛ من رأيتموه يطير في الهواء أو يمشي على وجه الماء- وقد خالف شيئاً من الشريعة الغراء- فذاك من أولياء الشيطان، لا من أولياء الرحمن، فإياكم وإياه، واشتغلوا عنه بتقوى الله، وقال شيخ الإسلام في كتابه "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان": ومن حيث بعث الله محمداً ﷺ جعله الفارق بين أولياء الله وأعدائه، فلا يكون ولي الله إلا من آمن به واتبعه ظاهراً وباطناً، ومن ادّعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه فليس من أولياء الله، بل من خالفه كان من
стр. 471
أعداء الله وأولياء الشيطان قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ١. قال الحسن البصري: ادّعى قوم أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الآية محنة لهم٢.
وقد بين الله فيها أن من اتبع الرسول فإن الله يحبه، ومن ادّعى محبة الله ولم يتبع الرسول فليس من أولياء الله تعالى، وإن كان كثير من الناس يظنون في أنفسهم أو في غيرهم أنهم من أولياء الله ولا يكونون من أولياء الله، فإن اليهود والنصارى يعدون أنهم أولياء الله وأنه لا يدخل الجنة إلا من كان منهم، بل يذعون أنهم أبناء الله وأحباؤه قال تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٤. وكان مشركوا العرب يدعون أنهم أهل الله لسكناهم مكة ومجاورتهم البيت، وكانوا يستكبرون به على غيرهم كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٦. فبين أن المشركين ليسوا أولياءه ولا أولياء بيته إنما أولياؤه المتقون.
وثبت في الصحيحين عن عمرو بن العاصر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول جهاراً غير سر: " إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين"٧. وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ إلى قوله:
стр. 472
﴿ظَهِيرٌ﴾ ١. وصالحوا المؤمنين المتقون أولياء الله، ودخل في ذلك أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة، وكانوا ألفاً وأربعمائة كلهم في الجنة، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة "٢. ومثل هذا الحديث الآخر: "إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا"٣.
كما أن من الكفار من يدّعي أنه ولي الله وليس ولياً لله بل عدواً له، وكذلك من المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويقرون في الظاهر بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنه مرسل إلى جميع الإنس، بل إلى الثقلين الإنس والجن. ويعتقدون في البواطن ما يناقض ذلك، مثل أن لا يقروا في الباطن أنه رسول الله، إنما كان ملكاً مطاعاً ساس الناس برأيه من جنس غيره من الملوك، أو يقول إنه رسول الله إلى الأميين دون أهل الكتاب؛ كما يقول كثير من اليهود والنصارى، أو يقول: إنه مرسل إلى عامة الخلق وأن لله أولياء خاصة لم يرسل إ ليهم ولا يحتاجون إليه، أو أن لهم طريقاً إلى الله من غير جهته كما كان الخضر مع موسى، أو أنهم يأخذون عن الله كلما يحتاجون إليه وينتفعون به من غير واسطة، أو أنه مرسل بالشرائع الظاهرة وهم موافقون له فيها، وأما الحقائق الباطنية فلم يرسل بها ولم يكن يعرفها، أو هم أعرف منه أو يعرفونها بمثل ما يعرفها هو من غير طريقته، وقد يقول بعض هؤلاء إن أهل الصفة كانوا مستغنين عنه ولم يرسل إليهم" إلى آخر ما ذكره من التفصيل الذي لا تجده في غيره.
ومنه يعلم أن ابن حجر المكي ليس منهم في شيء، فإنه كان ممن يُجَوِّزُ الالتجاء إلى غير الله تعالى، والاستغاثة بالأنبياء والصالحين، والاستعانة بهم والتوسل، وغير ذلك مما أسلفنا حكمه، وبينا اختلاف أهل العلم في إيمانه
стр. 473
وإسلامه، هذا ما عدا ما ذكره في تضاعيف كلامه ولاسيما في كتابه (الجوهر المنظم) وما عدا ما اقترف من الإثم في شتم خيار الأمة وسبّهم ولعنهم، والافتراء عليهم، فإن هذه الأمور متى اتصف بها شخص كان حكمه معلوماً، فكيف يجعل من الأولياء ويثبت له كرامات وخوارق؟! نعم، إنه يليق أن يكون لدى النبهاني من الأولياء، وإن الشياطين بعضهم أولياء بعض.
وأما ثانياً: فلأن الأضرار التي ادّعاها لموافقي ابن تيمية لم يبيّن ما هي، ونحن نعلم أن كل ما يخالف الكتاب والسنة فوجوده ضرر محض، ومن وافق ابن تيمية في أقواله إنما نهى عن المنكرات التي كانت بين الناس مما لم يكن مثلها في الجاهلية الأولى، وأمر بالمعروف الذي يحبه الله ورسوله، كل ذلك معلوم لدى العقلاء، فلِمَ لَمْ يُطْلِع اللهُ ابنَ حجر- إذا كان ولياً وصاحب كرامة- على ما حدث في الإسلام من الزيغ والاعوجاج والمنكرات الكثيرة في أخص بلاد الإسلام وأشرفها، وما صادم الدين المبين من القواعد والأحكام التي يعرفها النبهاني ولا يحتاج إلى أن ينبه عليها، فإنها اختلطت بلحمه وعظمه وعليها مدار معاشه وانتعاشه؟ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ١.
وأما ثالثاً: فإن قوله: "إن الأضرار التي ترتبت على أقوال ابن تيمية من فرقته الوهابية".. إلخ.
ليس له محصّل ولا حاصل، فنحن نطالبه ببيان تلك الأضرار التي ادّعاها أنها ترتبت على أقوال ابن تيمية، مع أن أقواله هي عن الكتاب والسنة، وما يترتب على الكتاب والسنة يترتب على الأقوال المأخوذة عنها، والله سبحانه هو الذي أمر بجهاد المشركين ومحوهم من الأرض، أفيقال أن ذلك من المضار وفي الكتاب والسنة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما هو معلوم لدى كل ذي بصر؟ أفيقال إن ما يترتب على ذلك هو ضرر والكتاب والسنة أَوْجَبَا إزالة البدع والأهواء
стр. 474
وإبطالها وإن أضر بأهلها؟ أفيقال: إن ما يترتب على ذلك يعد من الضرر؟ والكتاب والسنة نهيا عن جميع الكبائر والمحرمات المفصلة في غير هذا الموضع، فهل لوحظ ما يترتب على ذلك من الضرر على من تعاطاه؟ فقول النبهاني هذا ساقط ليس له وجه.
وأما رابعاً: فإن الذين أطلق عليهم اسم الوهابية- إطلاقاً غلطأً- هم أهل نجد وهم حنابلة من خيار أهل السنة، وهم من أتباع الإمام أحمد في الفروع لا من أتباع ابن تيمية، وأما في العقائد والأصول فهم ليسوا بمقلّدين لأحد فيها، وهم لم يبتدعوا شيئاً في الدين يكونون به فرقة أخرى، ولم يتخذوا مع الله آلهة أخرى كما اتخذه الغلاة.
وأما خامساً: فأي مضار ترتبت على موافقي ابن تيمية وهم الذين فعلوا ما أمر به النبي ﷺ ، وامتثلوا أمره في الطاعة لوليّ الأمر، ويعتقدون أن مخالفته من خصال الجاهلية، ففي "شرح المسائل": "أن مخالفة ولي الأمر وعدم الانقياد له عندهم فضيلة، وبعضهم يجعله ديناً، فخالفهم النبي ﷺ في ذلك، وأمرهم بالصبر على جور الولاة، والسمع والطاعة والنصيحة لهم، وغلظ في ذلك وأبدى وأعاد، وهذه الثلاث هي التي ورد فيها ما في الصحيح عنه ﷺ : "إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم" ١ وروى البخاري عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية"٢. وروى أيضاً عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهي مريض، فقلنا: أصلحك الله حدث بحديث ينفعك الله به سمعته من النبي ﷺ ، قال: "دعانا النبي ﷺ فبايعنا فكان فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً
стр. 475
بواحاً عندكم من الله فيه برهان"١. والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة، ولم يقع خلل في دين الناس أو دنياهم إلا من الإخلال بهذه الوصية" انتهى.
وما كان من الحروب في نجد بين رؤسائهم أي ذنب لهم فيه، وهم لم يبدأوا أحداً بحرب ولا ضرب حتى يبدأ الغير به، فحينئذ يدافعون عن أنفسهم، ودفع الصائل مأمور به، فلم يحصل منهم ضرر على الشريعة بل هم أكثر المسلمين محاماة عليها كما سبق.
وأما سادساً: أن ما ينقل عن أهل نجد مما فعلوه بالحرمين لا أصل له كما لا يخفى على من طالع كتب تواريخهم، وفي كتاب (منهاج التأسيس في الرد على ابن جرجيس) وتتمته نبذة من ذلك، وجزيرة العرب تشمل الحرمين، بل هما الجزيرة بلسان الشرع، فلا وجه لعطف الجزيرة على الحرمين.
وأما قوله: ولذلك كان ﵁ أشد أئمة المسلمين إنكاراً لبدع ابن تيمية إلخ.
فجوابه: إنا قد ذكرنا سابقاً أن ما كان منه من التهور والتجاوز على ابن تيمية اتباعاً لهواه، وابن تيمية من أعظم الناس اتباعاً للسنة وأكثرهم رداً للبدع، وقول النبهاني شبيه بقول إخوانه المشركين، ففي كتاب "شرح المسائل التي أبطلها الإسلام من خصال الجاهلية": تسميتهم أتباع الإسلام شركاً، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢.
أخرج ابن إسحق بسنده حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الإسلام قالوا: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران- نصراني يقال له
стр. 476
الرئيس-: أو ذاك تريد منا يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ : "معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غيره؛ ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني" فأنزل الله تعالى الآية١ انتهى.
وأظن أن النبهاني لا يفرق بين البدعة والسنة، ولا ما يطلق عليه كل واحدة منهما، بل لا يعرف الإيمان من ضده، ولذلك سمى ابن تيمية مبتدعاً، وسمى نفسه وأضرابه مؤمناً ومن أهل السنة، وقُل له منشداً:
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل
وقل له:
أيها المدّعي لسلمى انتساباً ... لست منها ولا قلامة ظفر
ولا بد من الكلام على البدعة حتى يعلم بعد معرفتها من المبتدع الذي أطلقه على شيخ الإسلام.
стр. 477
(كلام مفيد في تعريف البدعة) ٢.
اعلم أن البدعة لغة: المحدثة مطلقاً. واصطلاحاً: إذا قوبلت بالسنة يراد بها المحدثة في الدين، إما بزيادة أو نقصان، وهي السيئة التي ليس لها أصل ظاهر من الكتاب والسنة أو سند صحيح استنبطه علماء الأمة. فأما ما كانت حسنة ناشئة عن هذه الأصول فهي قد تكون مباحة، كالمواظبة على أكل لب الحنطة مثلاً، وقد تكون مستحبة كبناء المنارة وتصنيف الكتب، وقد تكون واجبة كنظم الدلائل لرد
стр. 478
كيد الملاحدة وشبه الفرق الضالة. وقد وقع من ذلك عن الصحابة شيء كثير، كما وقع لأبي بكر وعمر، ولزيد بن ثابت في جمع القرآن، فإن عمر أشار به على أبي بكر خوفاً من اندراس القرآن بموت الصحابة رضوان الله عليهم لما كثر فيهم القتل يوم اليمامة وغيره، فتوقف أبو بكر لكونه صورة بدعة، ثم شرح الله صدره لفعله لأنه ظهر له أنه يرجع إلى الدين وأنه غير خارج عنه. ولما دعا زيد بن ثابت وأمره بالجمع قال له: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال: والله إنه حق.
وكما وقع لعمر في جمع الناس لصلاة التراويح في المسجد مع تركه ﷺ لذلك بعد أن كان فعله ليالي، وقال: "نعمت البدعة هي" لأنها وإن سماها بدعة باعتبار معناها اللغوي فليس فيها رد لما مضى وزيادة في الدين، بل هي من الدين لأنه ﷺ علّل الترك بخشية الافتراض وقد زال بوفاته ﷺ ، ومنشأ الذم ما قاد إلى شيء من مخالفة السنة ودعا إلى الضلالة١.
ثم قال الفاضل السويدي: والقول الفصل الموضح لما تقدم هو أن البدعة لها معنيان: (أحدهما) لغوي، وهو المحدث مطلقاً سواء من العادات أو العبادات. (وثانيهما) شرعي؛ وهو الزيادة في الدين أو النقصان منه من غير إذن من الشارع، لا قولاً ولا فعلاً ولا تصريحاً ولا إشارة. فالبدعة التي هي ضلالة كما في الحديث؛ هي بحسب معناها الشرعي، فيقتصر بها على غير العادات من العبادات التي هي لأصول الشريعة من الكتاب والسنة والإذن من الشارع مخالفات، فالمنارة عون لأعلام وقت الصلاة، وتصنيف الكتب عون للتعليم، ونظم الدلائل لرد الشبه ذب عن الدين، فكل ذلك مأذون فيه، لأن البدعة الحسنة٢ ما لم يحتج إليه الأوائل واحتاج إليه الأواخر، وعند الاستقراء لا توجد
стр. 479
هذه البدعة في العبادات البدنية المحضة كالصوم والصلاة والذكر والقراءة، بل لا تكون البدعة فيها إلا سيئة.
قال صاحب "مجالس الأبرار" ما ملخصه: لأن عدم وقوع الفعل في الصدر الأول إما لعدم الحاجة إليها، أو لوجود مانع، أو لعدم تنبه، أو لتكاسل، أو لكراهة، أو لعدم مشروعية. والأولان منتفيان في العبادات البدنية المحضة، لأن الحاجة في التقرب إلى الله تعالى لا تنقطع، وبعد ظهور الإسلام لم يكن منها مانع، ولا يظن بالنبي ﷺ التنبه أو التكاسل، فذاك أسوأ الظن المؤدي إلى الكفر، فلم يبق إلا كونها سيئة غير مشروعة.
وكذلك يقال لك من أتى في العبادات البدنية المحضة بصفة لم تكن في زمن الصحابة، إذ لو كان وصف العبادة في الفعل المبتدع يقتضي كونه بدعة حسنة لما وجد في العبادات ما هو بدعة مكروهة، ولما جعل الفقهاء مل صلاة الرغائب والجماعة فيها، ومثل أنواع النغمات الواقعة في الخطب وفي الأذان، وقراءة القرآن في الركوع مثلاً والجهر بالذكر أمام الجنازة من البدع المنكرة، فمن قال بحسنها قيل له: ما ثبت حسنه بالأدلة الشرعية؛ فهو إما غير بدعة فيبقى عموم العام في حديث: "كل بدعة ضلالة". وحديث: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد"١ على حاله، أو يكون مخصوصاً من هذا العام، والعام المخصوص دليل فيما عَدَا ما خُصّ منه، فمن ادّعى الخصوص فيما أحدث أيضاً احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص من كتاب أو سنة أو إجماع مختص بأهل الاجتهاد، ولا نظر للعوام ولعادة أكثر البلاد فيه، فمن أحدث شيئاً يتقرب به إلى الله تعالى من قول أو فعل فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، فعلم أن كل بدعة في العبادات البدنية المحضة لا تكون إلا سيئة.
والحاصل أن كل ما أحدث ينظر في سببه؛ فإن كان لداعي الحاجة بعد أن لم
стр. 480
يكن- كنظم الدلائل لرد الشبه التي لم تكن في عصر الصحابة، أو كان وقد ترك لعارض زال بموت النبي ﷺ كجمع القرآن؛ فإن المانع منه كون الوحي لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء وقد زال- كان حسناً، وإلا فإحداثه بصرف العبادات البدنية القولية والفعلية تغيير لدين الله تعالى، مثلاً الأذان في الجمعة سنة، وقبل صلاة العيد بدعة، ومع ذلك فإنه يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ ٢. فيقول قائل: هذا زيادة عمل صالح لا يضر. فإنه يقال له: هكذا تتغير شرائع الرسل، فإن الزيادة لو جازت لجاز أن يصلي الفجر أربعاً والظهر ستاً. ويقال: هذا عمل صالح زيادته لا تضر، لكن أهل السنة يتبعون النبي ﷺ وأصحابه في الفعل والترك، فإن الله تعالى قد بين لنا الشرائع وأتم لنا الدين، فهذا هو من غير زيادة أو نقص، فالزيادة عليه كالنقصان، فنعبده بما شرع، ولا نعبده بالبدع، فعقولنا عن مثل ذلك قاصرة، وآراؤنا إذاً كاسدة خاسرة، والعقول لا تهتدي إلى الأسرار الإلهية، فيما شرعه من الأحكام الدينية، أو ما ترى كيف نوديت إلى الصلاة دائماً، ونهيت عنها في الأوقات الخمسة، وذلك ينتهي إلى قدر ثلث النهار، فينبغي لك أن تكون حريصاً على التفتيش عن أحوال الصحابة وأعمالهم فهم السواد الأعظم، ومنهم يعرف الحسن من القبيح، والمرجوح من الرجيح، وإذا وقع أمر ينظر فيه إلى قواعد المجتهدين الذين هم السلف لمن خلف، فإن وافق أصولهم قبله المتبع بقلبه، وإلا فلينبذه وراء ظهره وليتبصر في جلية آمره، ولا تغرنك عوائد الناس فإنها السموم القاتلة والداء العضال، وعين المشاقة المؤدية إلى الضلال، وقد كان هشام بن عروة يقول: لا تسألوا الناس اليوم عما أحدثوه فإنهم قد أعدوا له جواباً، لكن سلوهم عن السنة فإنهم لا يعرفونها.
وأخرج أبو داود عن حذيفة ﵁، قال: "كل عبادة لم تفعلها
стр. 481
الصحابة فلا تفعلوها"١. وأخرج البيهقي أن ابن عباس قال: "أبغض الأمور إلى الله تعالى البدع".
فمن البدع السيئة ما خالفت شيئاً من ذلك صريحاً أو التزاماً، وقد تنتهي إلى ما يوجب التحريم تارة والكراهة أخرى، وإلى ما يظن أنه طاعة وقربة.
فمن الأول: الانتماء إلى جماعة يزعمون التصوف ويخالفون ما كان عليه مشائخ الطريق من الزهد والورع وسائر الكمالات المشهورة عنهم، بل كثير من أولئك إباحية لا يحرمون حراماً لتلبيس الشيطان عليهم أحوالهم القبيحة الشنيعة، فهم باسم الفسق أو الكفر أحق منهم باسم التصوف أو الفقر.
ومنه ما عمت به البلوى من تزيين الشيطان للعامة تخليق حائط أو عمود، أو تعظيم نحو عين أو حجر أو شجرة، لرجاء شفاء أو قضاء حاجة، وقبائحهم في هذا ظاهرة غنية عن الإيضاح والبيان. وقد صح أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم مروا بشجرة سدر قبل حنين كان المشركون يعظّمونها وينوطون بها أسلحتهم- أي: يعلقونها بها-، فقالوا: يا رسول الله؛ اجعل لنا ذوات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر، هذا كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم"٢.
ومن الثاني: ومنشأه أن الشارع يخص عبادة بزمن أو مكان أو شخص أو حال، فيعممونها جهلاً وظناً أنها طاعة مطلقاً، نحو صوم يوم الشك أو التشريق والوصال، ومنه التعريف بغير عرفة، ومنه صلاة ليلة الرغائب أول جمعة في رجب، وليلة النصف من شعبان؛ فهما بدعتان مذمومتان.
стр. 482
قال السويدي: ومن أعظم البدع، الغلو في تعظيم القبور، فلقد اتخذوها في هذا الزمان معابد يعتقدون أن الصلاة عندها أفضل من الصلاة في جميع بيوت الله، وهم وإن لم يصرحوا؛ ولكن طبعت قلوبهم على ذلك، فتراهم يقصدونها من الأماكن البعيدة وربما أن تكون بحذائهم مساجد مهجورة فيعطلونها، وإذا لحقوا على الصلاة فيها ولو في أوقات الكراهة كانت أفضل عندهم من الصلاة في الأوقات الفضيلة في المساجد، وتلك المساجد التي بحذاء القبور ليست مقصودة لكونها بيوتاً لله بل لكونها حضرات لمن انتسبت إليه من أهل تلك القبور، يدلك على ذلك كله أنهم لا يسمونها إلا حضرات، فإذا قلت لأحدهم: أين صليت؟ قال لك: صليت في حضرة الشيخ فلان! وليس مقصودهم به إلا التقرب به وبحضرته، وكلما أكثر الرجل الترداد إلى القبور- ولو كانت مشتملة على أنواع المنكرات من ستور الحرير والديباج والترصيع بالفضة والعقيان فضلاً عن غيرها- كان مشهوراً بين الناس بالديانات، مغفور الزلات، مقرباً عند أصحاب تلك الحضرات، ولقد امتلأت قلوب العوام من رجائهم ومخافتهم، فتراهم إذا عضلت عليهم الأمور أوصى بعضهم بعضاً بقصد أصحاب القبور، وكذلك إذا وقع على أحد يمين بالله حلف به من غير أدنى وجل أو حذر، وإذا قيل له احلف بفلان عند قبره خصوصاً إذا أمره بالغسل لهذا اليمين ليكون ذلك من أقوى العبادات؛ خاف خوفاً يظهر على جميع جوارحه، فلو سلمنا أنه أدخل إلى قبره وتعدت فرائصه وانحلت قواه، وربما أن أحدهم- لكثرة أوهامه وشدة خوفه- تبطل حواسه فيزدادون كفراً، وتضحك عليهم الشياطين جهراً، وترى كثيراً منهم يعلقون مرضاهم عليهم، فيأخذون المريض وهو في غاية شدته فيدخلونه على قبره، والسعيد عندهم من يدخلونه داخل شباكه ويتعلق بستر قبره، والرزية العظمى أنهم في حالتي السراء والضراء يتلاعب إبليس بهم، فإن مات مريضهم قالوا ما قبلنا الشيخ فلان يعنون به صاحب القبر، وإن صادت القدر فعوفي سيما إذا وافق مطلوبهم ذلك الوقت فرحوا بما عندهم من الكفر، فأرسلوا القرابين ومعها شموع العسل موقدة من بيوتهم، إظهاراً لقدر صاحب القبر وتنبيهاً على فضيلته، وكثيراً ما ينشرون الرايات له على
стр. 483
طريقة أهل الجهل من الأعراب أن من فعل شيئاً عظيماً نشرت له راية بيضاء، وقد رأيت من لم يفعل ذلك ولكنه ينصب راية بيضاء على سطح داره ثلاثة أيام يصيح كل يوم وقت المغرب بأعلى صوته الراية البيضاء المبنية لفلان بيض الله وجهه.
قال: وبالجملة؛ فأكثر البدع الخبيثة نشأت من هنالك، حتى أني رأيت بدمشق الشام أناساً ينذرون للشيخ عبد القادر الجيلي قنديلاً يعلقونه في رؤوس المنابر، ويستقبلون به جهة بغداد، ويبقى موقداً إلى الصباح، وهم يعتقدون أن ذلك من أتم القربات إليه، كأنهم يقولون بلسان حالهم: أينما توقدوا فثم عبد القادر.
فيالله العجب! ما هذه الخرافات؟! وأين دين الله الذي قد مات؟ بال الشيطان في عقولهم وأضلهم عن سبيلهم، ولا ترى أحداً ينهى وينكر أمثال ذلك.
وأعظم مما هنالك ومن أقبح المنكرات: ما يستعملها جميع الناس عند وضع الإناث ولاسيما في شدة الطلق، فإنهن يستغثن بعلي بن أبي طالب، وكلما اشتد الطلق صاحت النساء بأعلى أصواتهن داعيات ومستغيثات به ليفرج عنهن ما قد كربهن، ومن يسمعهن يتيقن إشراكهن، وقلما تسلم امرأة منهن في هذا الحال العظيم، والخطب الجسيم، وكثير منهن يزعمن أنه الموكل بالأرحام، والموكل إليه في هذه الأحوال العظام.
ومن البدع المنكرة؛ أن كثيراً من أهل الهند وأهل الأماكن القاصية يرسلون الهدايا العظيمة، والأموال الكثيرة، إما لإجراء القنوات لأجل المجاورين عند قبورهم، فإنهم عندهم أفضل خلق الله، ومن جاور عندهم فكأنما ابتاع منهم قطعة من الجنان، وإما لعمل قبابهم بصفائح الذهب والعقيان، وبعضهم يرسل هدايا عظيمة ليرسل له السدنة أعلاماً ينشرونها على فلكهم إذا وقعوا في شدتهم، فيكون اسمه المكتوب في تلك الأعلام المرسلة إليهم كشافاً لكربتهم نفاعاً لهم بإنجاح بغيتهم.
قال: وأكثر نساء بغداد إذا قمن صحيحات من وضعهن يخبزن خبزاً يسمينه
стр. 484
عباس المستعجل يزعمن أن العباس بن علي بن أبي طالب هو المتكفل بهذه الأمور العظام.
ومن ذلك عند الناس شيء كثير، من أحجار وآبار، وصخور وأشجار، يزعمون منها شفاء الأمراض وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات. ولو بسطت الكلام في ذلك- مما يستعمله الرجال والنساء، أو يختص بالنساء، من أشياء يعلقنها عليهن، ويبين خواصها وتأثيراتها في أزواجهن، ويسمينها بأسماء لو رجعت الجاهلية الأولى لعجزت عن أقل القليل من هذه الجهالات وسوء الاعتقادات- لاحتمل مجلدات، والويل كل الويل لمن أنكر ذلك، أو تكلم بأدنى شيء ينجى من تلكم المهالك.
ومن أسخف البدع؛ أنك تسمع وقت خسوف القمر من الضرب بالطسوس والنحاس شيئاً عظيماً، ولا تكاد تسمع برجل دخل بيتاً من بيوت الله للصلاة فيه أو صلى في بيته أو استغفر أو تاب أو تصدق، فبالله نستعين على زمان أميتت فيه السنن واستؤنس بالبدع، اللهم وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين آمين.
ومن البدع المنكرة؛ ما يستعمله المتصوفة من أذكار اشتملت على الدفوف والطبلات والغناء وأنواع الرقص ويسمونه حالاً، وتراهم يعملون ذلك ومغنيهم ينشدهم من الشعر المشتمل على ما لا يرضي الله تعالى، ويحضره الفسقة والمرد والنساء، فيحصل من ذلك ما تظهر به شعائر الفسق والعصيان، وترى الشيخ لو حصلت له مواجهة الظلمة وظفر بدراهمهم لعدها من أطيب المكاسب، وأقرب المراتب، لا أكثر الله من أمثالهم.
وأعظم الناس بلاء في هذا العصر على الدين والدولة؛ مبتدعة الرفاعية، فلا تجد بدعة إلا ومنهم مصدرها وعنهم موردها ومأخذها، فذكرهم عبارة عن رقص وغناء والتجاء إلى غير الله وعبادة مشائخهم، وأعمالهم عبارة عن مسك الحيات والعقارب ونحو ذلك.
стр. 485
قال ابن خلدون في (كتابه العبر) : "قد كثر الزغل في أصحاب الشيخ أحمد وتجددت لهم أحوال شيطانية منذ أخذ التتار العراق، من دخول النيران، وركوب السباع، واللعب بالحيات، وهذا لا يعرفه الشيخ ولا صلحاء أصحابه، فنعوذ بالله من الشيطان الرجيم" انتهى.
وشيخ الإسلام ابن تيمية قد أطنب في بيان ضلالاتهم وجهالاتهم وحيلهم، وما يخدعون به الجهال وغير ذلك من أفعالهم وأعمالهم، ولهم معه حوادث ومجالس، فمن أراد الوقوف على ذلك فعليه بمراجعة كتابه الذي ألّفه في بيان أحوالهم وسماه: (كشف حال المشائخ الأحمدية وبيان أحوالهم الشيطانية) ولولا طول الكلام لأتحفنا القراء بذكر شيء منه.
والحاصل؛ أنه لو أراد الإنسان أن يفصل منكرات القبور وتكيات الصوفية ومنكرات الحيطان والآبار والصخور والأحجار والتماثيل، وكذا منكرات المساجد والحمامات والطرقات والأسواق والبوادي والأمصار، فضلاً عن الدخول في منكرات المجالس والملابس والبيع والشراء، وما ابتدعوه فيها وجعلوه كالسنة المأمور بها؛ لضاق عنه التحرير، وعجز عن ضبطه من تصدى للتسطير، وعسى الله أن يرسل في هذه الأمة من يجدد لها أمر الدين، ويتبع سبيل المؤمنين.
والمقصود؛ أن النبهاني لم يعرف معنى البدعة ولا محل إطلاقها، فلذلك جعل شيخ الإسلام مبتدعاً وجعل نفسه متبعاً، مع قوله بوحدة الوجود، ونداء غير الله في الحاجات والضرورات، وصرف عمره بأحكام العدلية وقوانينها،. واعتقاده بألوهية النبي ﷺ ، إلى غير ذلك من الأمور التي لو اعتقد أحد أمراً واحداً منها كفى في إخراجه عن الدين المبين، وزيغه عن اتباع سبيل المؤمنين، وما أحقه بقول القائل من الأكابر والأماثل:
مساو لو قسمن على الغواني ... لما أمهرن إلا بالطلاق
وأما شيخ الإسلام وعلم الأعلام؛ فقيامه بنصرة الدين أمر معلوم، وجهاده
стр. 486
في الله حق الجهاد لا ينكره ذوو الفهوم. وقول النبهاني هذا كما حكى الله عن إخوانه الجاهليين، ففي "شرح المسائل من خصالهم": الإيمان بالجبت والطاغوت، وتفضيل المشركين على المسلمين، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ١.
قالوا: نزلت هذه الآية في حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف في جمع من يهود، وذلك أنهم خرجوا إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله ﷺ وينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ ، فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد ﷺ صاحب كتاب؛ فلا يؤمن هذا أن يكون مكراً منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ففعل، ثم قال كعب: يا أهل مكة، ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق نحن أم محمد؟ قال كعب: اعرضوا عليّ دينكم. فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجر الكوماء، ونسقيهم اللبن، ونقري الضيف، ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وديننا القديم، ودين محمد الحديث. فقال كعب: أنت والله أهدى سبيلاً مما عليه محمد. فأنزل الله في ذلك الآية٢.
والجبت في الأصل: اسم صنم فاستعمل في كل معبود غير الله.
стр. 487
والطاغوت: يطلق على كل باطل من معبود أو غيره. ومعنى الإيمان بهما: إما التصديق بأنهما آلهة وإشراكهما بالعبادة مع الله تعالى، وإما طاعتهما وموافقتهما على ما هما عليه من الباطل، وإما القدر المشترك بين المعنيين كالتعظيم مثلاً، والمتبادر المعنى الأول؛ أي: أنهم يصدّقون بألوهية هذين الباطلين ويشركونهما في العبادة مع الإله الحق ويسجدون لهما. اهـ.
قال النبهاني: فقد ثبت وتحقق وظهر ظهور الشمس في رابعة النهار أن علماء المذاهب الأربعة قد اتفقوا على رد بدعة ابن تيمية، ومنهم من طعن بصحة نقله كما طعن بكمال عقله، فضلاً عن شدة تشنيعهم عليه في خطئه الفاحش في تلك المسائل التي شذ بها في الدين، وخالف بها إجماع المسلمين، ولاسيما فيما يتعلق بسيد المرسلين.
الجواب عنه: أنه قد ثبت وتحقق لدى كل منصف أن علماء المذاهب الأربعة أثنوا عليه، واعترفوا بفضله، وألفوا في مناقبه كتباً مفصّلة، ومن شذّ منهم وطعن عليه أُلْقِمَ الحجر ورُدَّ عليه كلامه، وإن اعتراضه كان لجهل أو غرض أو تعصب أو نحو ذلك. وتبين أن ابن تيمية لم يبتدع شيئاً في الدين، وما اختار شيئاً إلا وأقام عليه الدلائل الصحيحة والبراهين، ومن طعن بصحة نقله فهو عدو له مبين، ولم يسلم أحد من لسان الخلق حتى رب العالمين، وسيد الأوّلين والآخرين، وغزارة عقمه من سعة عقله وكمال فضله، وما ذهب إليه من المسائل هو الحق، الحقيق بالقبول، وحديث الإجماع على خلافها كذب عند علماء المنقول والمعقول.
قال الحافظ الذهبي: "ما رأيت أشد استحضاراً للمتون وعزوها منه، وكانت السنة بين عينيه وعلى طرف لسانه، بعبارة رشيقة، وعين مفتوحة".
وقال حافظ الإسلام الحبر النبيل أستاذ أئمة الجرح والتعديل شيخ المحدثين جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الركن عبد الرحمن المزّي الشافعي في ابن تيمية: "ما رأيتُ مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحداً أعلم بكتاب الله
стр. 488
وسنة رسوله ﷺ ولا أتبع لهما منه"١. وناهيك بهذا الكلام من الحافظين العدلين المستوعبين أبي الحجاج المزي وأبي عبد الله الذهبي.
وقال الشيخ الإمام بقية المجتهدين تقي الدين ابن دقيق العيد الشافعي لما اجتمع به وسمع كلامه: "كنت أظن أن الله تعالى ما بقى يخلق مثلك" وقال أيضاً: "رأيت رجلاً العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد، ويدع ما يريد"٢.
وقال الحافظ عماد الدين ابن كثير الشافعي: "وبالجملة كان رحمه الله تعالى من كبار العلماء، وممن يخطىء ويصيب، ولكن خطؤه بالنسبة لصوابه كنقطة في بحر لجيّ، وخطؤه أيضاً مغفور له لما صح في صحيح البخاري: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر"٣.
قال السيد صفي الدين الحنفي في ترجمة ابن تيمية: "قد نص على أنه بلغ رتبة الاجتهاد جمع من العلماء؛ منهم الإمام أبو عبد الله الذهبي، والحافظ ابن حجر، والحافظ السيوطي في طبقات الحفاظ، ولم يتفرد بمسألة منكرة قط، وإن كان قد خالف الأئمة الأربعة في مسائل فقد وافق فيها بعض الصحابة أو التابعين" إلخ انتهى.
وسنفرد له إن شاء الله فصلاً مفصّلاً في ذكر مناقبه.
وبهذا أيضاً تبين إلحاد النبهاني وزوره وكذبه واتباعه لهواه، وقد جادل بغير علم، وذلك كما كان عليه أهل الجاهلية.
(وفي شرح المسائل) : "الجدال بغير علم كما ترى كثيراً من أهل الجهل يجادلون أهل العلم عند نهيهم عما ألفوه من البدع والضلالات، وهي خصلة جاهلية نهانا الله تعالى عن التخلق بها، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ
стр. 489
فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١.
أخرج ابن إسحاق وابن جرير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً. وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانياً، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية المنادية على جهلهم وغباوتهم"٢. انتهى.
فَوَازِنْ بين النبهاني وبين إخوانه تجد الفريقين كما قال القائل:
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... باسم داج عوض لا نتفرق
وأما قوله: ولاسيما فيما يتعلق بسيد المرسلين.. إلخ.
стр. 490
[الرد على النبهاني فيما ادّعاه من أن ابن تيمية مُخِلٌّ بحقوق النبي ﷺ ]
فإنه يدل على أن ابن تيمية مخل بحقوق النبي ﷺ ، وبه صرح مراراً، حيث قال: إن ابن تيمية حيث لم يجوّز الاستغاثة بالنبي ﷺ لا دعاءه ولا الالتجاء إليه ولا شد الرحل إلى زيارة قبره.
فاعلم أن حب النبي ﷺ وتعظيمه باتباع شريعته، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وحبه وتعظيمه بما ذكره الخصم؛ هو من قبيل تعظيم النصارى لعيسى، وغلوهم في الأنبياء والرسل ﵈، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ٣.
стр. 491
والغلو في المخلوق هو أعظم أسباب عبادة الأصنام والصالحين، كما كان في قوم نوح من عبادة نسر وسواع ويغوث ويعوق ونحوهم، وكما كان من عبادة النصارى للمسيح ﵇، وهذا هو القول على الله بغير الحق.
والمقصود؛ أن مراعاة حقوق النبي ﷺ إنما تكون بالمحافظة على شريعته لا بما يقول النبهاني الغبي، ومن المعلوم ما كان عليه ابن تيمية من اتباع السنن، والمحافظة على الشريعة الغراء، ومزيد الأدب مع رسول الله ﷺ ، حتى أنه عقد فصلاً في كتابه (الصارم المسلول) لبذل الأموال وسفك الدماء في تعزير رسول الله ﷺ وتوقيره. وفصلاً آخر في فرض الله علينا تعزيره وتوقيره. وفصلاً آخر في أن قيام المدحة والتعظيم والثناء عليه ﷺ قيام الدين كله. وفصلاً آخر في أن شاتم الرسول ﷺ يتعين قتله. وفصلاً آخر في أن الله تعالى أوجب لنبيه ﷺ حقوقاً زائدة على القلب واللسان والجوارح، وأن سبه سب لجميع المسلمين، وطعن في دينهم. وفصلاً آخر في أن التعظيم والمحبة للرسول ﷺ لازم للإيمان. وفصلاً آخر في بيان حكم الطعن في نسبه أو خلقه أو خُلقه أو أمانته أو وفائه أو صدقه. وذكر فصولاً أخرى مهمة كلها تدل على ما انطوى عليه من مزيد حبه وأدبه لرسول الله ﷺ ، حتى إنه قال نقلاً عن القاضي عياض: "جميع من سب النبي ﷺ أو عابه أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به شبهة بشيء على طريق السب له والإزراء عليه أو البغض منه والعيب له؛ فهو سابٌّ له، والحكم فيه حكم الساب يقتل، ولا تستثن فصلاً من فصول هذا الباب عن هذا المقصد، ولا تمتر فيه تصريحاً كان أو تلويحاً، وكذلك من لعنه، أو تمنى مضرة له، أو دعا عليه، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عيبه في جهة الغريزة بسخف من الكلام، وهجر ومنكر من القول وزوراً، أو عيره بشيء مما يجري من البلاء والمحنة عليه، أو غمضه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهود لديه، قال: وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن أصحابه، وهلم جراً.
وقال ابن القاسم؛ عن مالك: من سب النبي ﷺ قُتل، ولم يُستتب. قال ابن
стр. 492
القاسم: أو شتمه أو عابه أو تنقّصه، فإنه يقتل كالزنديق، وقد فرض الله توقيره.
وكذلك قال مالك في رواية المدنيين عنه من سب رسول الله ﷺ أو شتمه أو عابه أو تنقصه قتل مسلماً كان أو كافراً ولا يستتاب. وروى ابن وهب عن مالك: من قال إن رداء النبي ﷺ وسخ وأراد به عيبه قتل. وروى بعض المالكية إجماع العلماء على من دعا على نبي من الأنبياء بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة. وذكر القاضي عياض أجوبة جماعة من فقهاء المالكية المشاهير بالقتل بلا استتابة في قضايا متعددة أفتى في كل قضية بعضهم وفصلها" انتهى ما قصدنا نقله من كتاب (الصارم المسلول) ١. وهو كتاب جليل يدل دلالة صريحة على ما كان عليه مؤلفه من المحبة بالاتباع، وبه يسقط كل ما هذى به النبهاني من الباطل والزور.
قال النبهاني: ويقوي عدم اعتبار نقل ابن تيمية في بعض ما ينقله ما قاله في حقه الحافظ العراقي الكبير، وها أنا أنقله تتميماً للفائدة وتقوية للحجة، وإن لم يكن مما نحن فيه، فأقول: قد اطلعت على جزء لطيف تأليف الحافظ العراقي، شيخ الحافظ ابن حجر والإمام العيني، تكلم فيه على أكل الدجاج والحبوب والتوسعة على العيال يوم عاشوراء، رد به على الإمام ابن تيمية في منعه ذلك، ثم إنه أورد الرسالة بتمامها.
جوابه: أن ما ذكرناه سابقاً بل ويأتي أيضاً من ثناء أهل العلم وأكابر المحدثين وعدهم له من أكابر الحفاظ يستوجب سقوط ما ذكره النبهاني من عدم اعتبار نقله، وهو الثقة الصدوق، شهد له بذلك أحباؤه وخصومه، ولم يخالف في ذلك أحد، حتى إن علماء الحديث قالوا: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فهو ليس بحديث، فانظر إلى هذه المنزلة العظيمة والدرجة العليا من الصدق، وما نقله عن العراقي- إن صح نقله- فهو دليل على جهله وعدم معرفته بأحكام الدين، فإن تخصيص يوم عاشوراء بشيء من الأمور الدينية والدنيوية مما لا أصل له، كما عليه
стр. 493
أئمة المذاهب وفقهاؤها والأحاديث التي أوردها منها ما هو موضوع، ومنها ما لا يدل على الغرض المقصود، وتفصيل الكلام فيها يخرجنا عن موضوع الكتاب١.
ولقد تكثر النبهاني من ذكر خصوم الشيخ والطاعنين فيه مع أن الاعتماد على الكثرة والسواد الأعظم والاحتجاج على بطلان الشيء بقلة أهله من الجهل بمكان، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٢ فالكثرة على خلاف الحق لا تستوجب العدول عن اتباعه لمن كان له بصيرة وقلب فالحق أحق بالاتباع وإن قل أنصاره، كما قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ٣.
فأخبر الله عن أهل الحق أنهم قليلون غير أن القلة لا تضرهم، فإن من له بصيرة نظر إلى الدليل، وأخذ بما اقتضاه البرهان وإن قل العارفون به والمنقادون له، ومن أخذ بما عليه الأكثر وما ألفته العامة من غير نظر إلى دليل؛ فهو مخطىء سالك غير سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 494
[الكلام على كتب ومصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية]
قال النبهاني: الكلام على بعض كتب ابن تيمية و"تلبيس إبليس" لابن الجوزي.
قال: فمن كتب ابن تيمية (الجواب الصحيح في الرد على من بدل دين المسيح) وهو أربعة مجلدات متوسطة، وهو في غاية النفاسة لو خلا من التعرض لبدعه التي انفرد بها وشذّ عن المسلمين من منعه الاستغاثة به ﷺ كسائر الأنبياء
стр. 495
والصالحين، وكتعرضه لأكابر أولياء الله بالتكفير والتشنيع فضلاً عن التبديع، كسيدي محيي الدين بن العربي، وسيدي عمر بن الفارض وغيرهم ممن ذكر بعضهم في كتابه "الفرقان " وشنع عليهم وكفّرهم وجعلهم أولياء الشيطان، وهذا دأبه عفا الله عنه في كتبه، ولذلك قلل الله النفع بها، كما جرت عادته تعالى فيمن يتعرض لأوليائه بالسوء، إذ قد ورد في الحديث القدسي: "من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب" وأي أذية أعظم من تكفيرهم وإخراجهم من دائرة الإسلام بالكلية؟!
أقول: جوابه: إن كتب شيخ الإسلام جميعها من الكتب التي أنعم الله تعالى بها على الأمة، وهي على اختلاف أنواعها وفنونها ليس لها نظير في بابها، وقد ذكرها الحافظ ابن القيم في "الكافية الشافية" وحث على مطالعتها فقال:
فاقرأ تصانيف الإمام حقيقة ... شيخ الوجود العالم الرباني
أعني أبا العباس أحمد ذاك الـ ... ـبحر المحيط بسائر الخلجان
وأقرأ كتاب العقل والنقل الذي ... ما في الوجود له نظير ثان
وكذاك منهاج له في رده ... قول الروافض شيعة الشيطان
وكذاك أهل الاعتزال فإنه ... أرداهم في حفرة الجبان
وكذلك التأسيس أصبح نقضه ... أعجوبة للعالم الرباني
وكذاك أجوبة له مصرية ... في ست أسفار كتبن سمان
وكذا جواب للنصارى فيه ما ... يشفي الصدور وإنه سفران
وكذاك شرح عقيدة للأصبها ... ني شارح المحصول شرح بيان
فيها النبوات التي إثباتها ... في غاية التقرير والتبيان
والله ما لأولي الكلام نظيره ... أبداً وكتبهم بكل مكان
وكذا حدوث العالم العلوي والـ ... ـسفلي فيه في أتم بيان
وكذا قواعد الاستقامة إنها ... سفران فيما بيننا ضخمان
وقرأت أكثرها عليه فزادني ... والله في علم وفي إيمان
هذا ولو حدثت نفسي أنه ...
قبلي يموت لكان غير الشان