← Акыда

Акыда · id 12034

غاية الأماني في الرد على النبهاني

محمود شكري الألوسي

Полный текст (1 119 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

اللهم إن بابك لم يزل مفتوحاً للسائلين، ورفدك ما برح مبذولاً للوافدين، من عودته مسألتك وحدك لم يسأل أحداً سواك، ومن منحته منائح رفدك لم يفد على غيرك ولم يحتم إلا بحماك، أنت الرب العظيم الكريم الأكرم، قصد باب غيرك على عبادك محرم، أنت الذي لا إله غيرك ولا معبود سواك، عز جارك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، لم تزل سنتك في خلقك جارية بامتحان أوليائك وأحبابك، فضلاً منك عليهم، وإحساناً من لدنك إليهم، ليزدادوا لك في جميع الحالات ذكراً، ولأنعمك في جميع التقلبات شكراً، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ ١ اللهم أنت العالم الذي لا يعلم، وأنت الكريم الذي لا يبخل، قد علمت يا عالم السر والعلانية أن قلوبنا لم تزل برفع إخلاص الدعاء صادقة، وألسننا في حالتي السر والعلانية ناطقة، أن تمتعنا بإمداد هذه الدولة المباركة الميمونة السلطانية الناصرية بمزيد العلا والرفعة والتمكين، وأن تحقق آمالنا فيها بإعلاء الكلمة، ففي ذلك رفع قواعد دعائم الدين، وقمع مكائد الملحدين، لأنها الدولة التي برئت من غشيان الجنف والحيف، وسلمت من طغيان القلم والسيف، والذي عهده المسلمون وتعوده المؤمنون، من المراحم الكريمة والعواطف الرحيمة، إكرام أهل الدين، وإعظام علماء المسلمين، والذي حمل على رفع هذه الأدعية الصريحة إلى الحضرة الشريفة- وإن كانت لم تزل مرفوعة إلى الله بالنية الصحيحة- قوله ﷺ : "الدين النصيحة، قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ". وقوله ﷺ : "الأعمال بالنيات". وهذان الحديثان مشهوران بالصحة مستفيضان في الأمة. ثم إن هذا الشيخ المعظم الجليل والإمام المكرم النبيل، أوحد الدهر، وفريد العصر، طراز المملكة الملكية، وعلم الدولة السلطانية، لو أقسم مقسم بالعظيم القدير أن هذا الإمام الكبير ليس له في عصره مماثل ولا نظير؛ لكانت

стр. 912

يمينه برة غنية عن التكفير، وقد خلت من وجود مثله السبع الأقاليم إلا هذا الإقليم، يوافق على ذلك كل منصف جبل على الطبع السليم، ولسنا بالثناء عليه نطريه، بل لو أطنب مطنب في مدحه والثناء عليه لما أتى على بعض الفضائل التي فيه، أحمد بن تيمية، درة يتيمة يتنافس فيها، تشترى ولا تباع، ليس في خزائن الملوك ما يماثلها ويؤاخيها، انقطعت عن وجود مثله الأطماع. لقد أصم الأسماع، وأوهى قوى المتبوعين والأتباع " سماع رفع أبي العباس أحمد بن تيمية إلى القلاع، وليس يقع من مثله أمر ينقم منه عليه إلا أن يكون أمرا قد لبس عليه، ونسب إلى ما لا ينسب مثله إليه، والتطويل على الحضرة العالية لا يليق، إن يكن في الدنيا قطب فهو القطب على التحقيق، وقد نصب الله السلطان أعلى الله شأنه في هذا الزمان منصب يوسف الصديق لما صرف الله وجوه أهل البلاد إليه، حيث أمحلت البلاد واحتاج أهلها إلى القوت المدخر لديه، والحاجة بالناس الآن إلى قوت الأرواح الروحانية أعظم من حاجتهم في ذلك الزمان إلى طعام الجثث الجسمانية، وأقوات الأرواح المشار إليها لإخفاء أنها العلوم الشريفة، والمعاني اللطيفة، وقد كانت بلاد المملكة السلطانية- حرسها الله تعالى- تكال الثناء جزافاً بغير أثمان، منحة عظيمة من الله ذي السلطان، ونعمة جسيمة إذ خص بلاد مملكته وإقليم دولته بما لا يوجد في غيرها من الأقاليم والبلدان، وقد كان وفد الوافدون من سائر الأمصار فوجدوا صاحب صواع الملك قد رفع إلى القلاع، ومثل هذه الميرة لا توجد في غير تلك البلاد لتشترى أو تباع، وصادف ذلك جدب الأرض ونواحيها جدبا أعطب أهاليها، حتى صاروا من شدة حاجتهم إلى الأقوات كالأموات، والذي عرض للمليك بالتضييق على صاحب صواعه مع شدة الحاجة إلى غذاء الأرواح لعله لم يتحقق عنده أن هذا الإمام من أكابر الأولياء وأعيان أهل الصلاح، وهذه نزغة من نزغات الشيطان، قال الله سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ ١.

стр. 913

وأما إزراء بعض العلماء عليه في فتواه وجوابه عن مسألة شد الرحال إلى زيارة القبور؛ فقد حمل جواب علماء هذه البلاد إلى نظرائهم من العلماء وقرنائهم من الفضلاء، وكلهم أفتى أن الصواب في الذي به أجاب، والظاهر بين الأنام أن إكرام هذا الإمام ومعاملته بالتبجيل والاحترام فيه من قوام الملك، ونظام الدولة، وإعزاز الملة واستجلاب الدعاء، وكبت الأعداء، وإذلال أهل البدع والأهواء، وإحياء الأمة، وكشف الغمة، ووفور الأجر، وعلو الذكر، ودفع البأس، ونفع الناس، ولسان حال المسلمين تالٍ قول الكبير المتعال: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ ١ والبضاعة المزجاة هي هذه الأوراق المرقومة بالأقلام، والميرة المطلوبة بالإفراج عن شيخ الإسلام، والذي حمل على هذا الإقدام قوله ﵇: "الدين النصيحة" والسلام.

стр. 914

(كتاب آخر لعلماء بغداد) وفيه بعد البسملة والحمدلة: اللهم فكما أيدت ملوك الإسلام وولاة الأمر بالقوة والقهر، وشيدت لهم ذكراً وجعلتهم للمقهور اللائذ بجنابهم ذخراً وللمكسور العائذ بأكناف بابهم جبراً فاشدد اللهم منهم بحسن معونتك لهم أسراً، وأعل لهم مجداً، وارفع لهم قدراً، وزدهم عزاً وعلى أعدائهم نصراً، وامنحهم توفيقاً مسدداً وتمكيناً مستمراً. وبعد؛ فإنه لما قرع أسماع أهل البلاد المشرقية والنواحي العراقية التضييق على شيخ الإسلام أبي العباس تقي الدين أحمد بن تيمية سلمه الله تعالى عظم ذلك على المسلمين، وشق على ذوي الدين، وارتفعت رؤوس الملحدين، وطابت نفوس أهل الأهواء والمبتدعين، ولما رأى علماء أهل هذه الناحية عظم هذه النازلة من شماتة أصحاب البدع، وأهل الأهواء بأكابر الأفاضل وأئمة العلماء أنهوا حال

стр. 915

هذا الأمر الفظيع والحال الشنيع إلى الحضرة الشريفة السلطانية- زادها الله شرفاً- وكتبوا أجوبتهم في تصويب ما أجاب به الشيخ سلمه الله تعالى في فتاواه، وذكروا من علمه وفضائله بعض ما هو فيه، وحملوا ذلك بين يدي مولانا ملك الأمراء أعز الله أنصاره، وضاعف اقتداره، غيرة منه على هذا الدين، ونصيحة للإسلام وأمراء المسلمين، والآراء المولوية العالية أولى بالتقديم، لأنها ممنوحة بالهداية إلى الصراط المستقيم. قلت: والظاهر أن هذه الكتب لم تصل للسلطان الملك الناصر، إما لعدم من يوصلها له أو لموت الشيخ قبل وصولها، وإلا لظهر لها نتيجة، ولم أقف على ذلك، وهذه الأجوبة والكتب وصلت كلها إلى دمشق. ثم إن الشيخ ﵀ استمر مقيماً بالقلعة سنتين وثلاثة أشهر وأياماً إلى أن توفي، وما زال في تلك المدة معظماً مكرماً، يكرمه نقيب القلعة ونائبها إكراماً كثيراً، ويقضيان حوائجه ويبالغان في قضائها، وما برح في هذه المدة مكباً على العبادة والتلاوة وتصنيف الكتب والرد على المخالفين، وكتب على تفسير القرآن جملة كثيرة تشتمل على نفائس جليلة، ونكت دقيقة، ومعاني لطيفة، وبين في ذلك مواضع كثيرة أشكلت على خلق من علماء أهل التفسير، وكتب في المسألة التي حبس بسببها عدة مجلدات، منها كتاب في الرد على الأخنائي قاضي المالكية، ومنها كتاب كبير حافل في الرد على بعض قضاة الشافعية، وأشياء كثيرة في هذا المعنى، وكان ما صنفه في هذه المدة قد خرج بعضه من عنده وكتبه بعض أصحابه وظهر واشتهر، فلما كان قبل وفاته بشهر ورد مرسوم بإخراج ما عنده كله، ولم يبق عنده كتاب ولا ورق ولا دواة ولا قلم، وكان بعد ذلك إذا كتب ورقة إلى بعض أصحابه كتبها بفحم، ولما أخرج ما عنده من الكتب والأوراق حمل إلى القاضي علاء الدين القونوي وجعل تحت يده في المدرسة العادلية.

стр. 916

(فصل في ذكر وفاة الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى) قال أهل التاريخ: كان مولد الشيخ ابن تيمية يوم الاثنين عاشر ربيع الأول بحران سنة إحدى وستين وستمائة، وكانت وفاته ليلة الاثنين لعشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، ولما أخرجت كتبه من عنده أقبل بعد إخراجها على العبادة والتلاوة والذكر والتهجد حتى أتاه اليقين، وكان يختم القرآن في كل عشرة أيام، وختم القرآن مدة إقامته بالقلعة إحدى وثمانين ختمة، انتهى في آخر ختمة إلى آخر اقتربت ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ١ ثم كملت عليه بعد وفاته وهو مسجى، وكانت مدة مرضه بضعة وعشرين يوماً، وكان إذ ذاك الملك شمس الدين الوزير بدمشق المحروسة، فلما علم بمرضه استأذن في الدخول عليه لعيادته فأذن الشيخ له في ذلك، فلما جلس عنده أخذ يعتذر له عن نفسه ويلتمس منه أن يحلله مما عساه أن يكون قد وقع منه في حقه من تقصير أو غيره، فأجابه الشيخ رضي الله تعالى عنه أني قد أحللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحق، وقال ما معناه: إني قد أحللت السلطان المعظم الملك الناصر من حبسه إياي لكونه فعل ذلك مقلداً غيره معذوراً ولم يفعله لحظ نفسه، بل لما بلغه مما ظنه حقا من مبلغه، والله يعلم أنه بخلافه، وقد أحللت كل أحد مما بيني وبينه إلا من كان عدوا لله ورسوله ﷺ . وأكثر الناس ما علموا بمرضه فلم يفجأ الخلق إلا نعيه، قال الشيخ علم الدين: وفي ليلة الاثنين لعشرين من ذي القعدة من سنة ثمان وعشرين وسبعمائة توفي الشيخ الإمام العلامة الفقيه الحافظ الزاهد القدوة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن شيخنا الإمام المفتي شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم ابن الشيخ الإمام شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني ثم الدمشقي بقلعة دمشق بالقاعة التي كان محبوساً فيها، فاشتد التأسف عليه وكثر البكاء والحزن، ودخل عليه أقاربه

стр. 917

وأصحابه، وازدحم الخلق على باب القلعة والطرقات، وامتلأ جامع دمشق، وحضر جمع كثير إلى القلعة، فأذن لهم في الدخول، وجلس جماعة ضده قبل الغسل وقرؤوا القرآن وتبركوا برؤيته وتقبيله ثم انصرفوا، وحضر جماعة من النساء ففعلن مثل ذلك، ثم انصرفن، واقتصر على من يغسله ويعين في غسله، وشرب جماعة الماء الذي فضل من غسله، وازدحم من حضر غسله من الخاصة والعامة على الماء المنفصل من غسله حتى حصل لكل واحد منهم شيء قليل، واقتسم جماعة بقية السدر الذي غسل به، وقيل إن الطاقية التي كانت على رأسه دفع فيها خمسمائة درهم، والخيط الذي فيه الزئبق وكان في عنقه بسبب القمل دفع فيه مائة وخمسون درهماً، فلما فرغوا من ذلك أخرج، وقد اجتمع الناس بالقلعة والطريق إلى جامع دمشق، وامتلأ الجامع وصحنه والكلاسين وباب البريد وباب الساعات إلى اللبادين والفوارة، ولم يبق في دمشق من يستطيع المجيء للصلاة عليه إلا حضر لذلك حتى غلقت الأسواق بدمشق وعطلت معائشها حينئذ، وحصل للناس بمصابه أمر شغلهم عن غالب أمورهم وأسبابهم، وخرج الأمراء والرؤساء والعلماء والفقهاء والأتراك والأجناد والرجال والنساء والصبيان من الخواص والعوام، قال بعض من حضر ولم يتخلف أحد فيما أعلم إلا ثلاثة أنفس كانوا قد اشتهروا بمعاندته فاختفوا من الناس خوفاً على أنفسهم بحيث غلب على ظنهم أنهم متى خرجوا رجمهم الناس. ولما أخرجت جنازته فما هي إلا أن رآها الناس فأكبوا عليها وحصل البكاء والضجيج والتضرع، واشتد الزحام من كل جانب، كل منهم يقصد التبرك١، حتى خشي على النعش أن يحطم قبل وصوله، فأحدق الأمراء والأجناد، واجتمع الأتراك فمنعوا الناس من الزحام عليها خشية سقوطها، وجعلوا يردونهم عن الجنازة بكل ما يمكنهم وهم لا يزدادون إلا زحاماً وكثرة، حتى دخلت جامع بني أمية المحروس ظناً منهم أنه يسع الناس، فبقي كثير من الناس خارج الجامع، فصلي عليه رضي الله تعالى عنه بجامع دمشق عقب صلاة الظهر، وكان صلي عليه

стр. 918

أولاً في القلعة، تقدم في الصلاة عليه الشيخ محمد بن تمام، ثم حمل إلى باب البريد على أيدي الكبراء والأشراف إلى ظاهر دمشق واشتد الزحام وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم للتبرك١، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها من شدة الزحام وكل باب أعظم زحمة من الآخر، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها من شدة الزحام، لكن المعظم من الأبواب الأربعة: باب الفرج الذي خرجت منه الجنازة، ومن باب الفراديس، وباب النصر، وباب الجابية، فلما خرجوا به لظاهر دمشق وضع بأرض فسيحة متسعة الأطراف، فصلى عليه الناس أيضاً، وتقدم في الصلاة عليه هناك أخوه زين الدين عبد الرحمن، قال بعض من حضر من الثقات: كنت ممن صلى عليه في الجامع وكان لي متشرف على المكان الذي صلي عليه فيه بظاهر دمشق فأحببت أن أنظر إلى الناس وكثرتهم فأشرفت عليهم حال الصلاة وجعلت أنظر يميناً وشمالاً ولا أرى أواخرهم بل رأيت الناس قد طبقوا تلك الأرض كلها. واتفق جماعة ممن حضر وشاهد الناس والمصلين عليه على أنهم يزيدون على نحو من خمسمائة ألف، وحضرها نساء كثير بحيث حزرن بخمسة عشر ألفا، قال أهل التاريخ: لم يسمع بجنازة تمثل هذا الجمع إلا جنازة الإمام أحمد بن حنبل. قال الدارقطني: سمعت أبا سهل بن زياد القطان يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم يوم الجنائز، قال أبو عبد الرحمن السلمي: إنه حزر الحزارون المصلين على جنازة أحمد فبلغ العدد بحزرهم ألف ألف وسبعمائة ألف سوى الذين كانوا في السفن. ثم حملت جنازة الشيخ إلى قبره في مقبرة الصوفية فوضع، وقد جاء الملك شمس الدين الوزير ولم يكن حاضراً قبل ذلك فصلى عليه أيضاً ومن معه من

стр. 919

الأمراء والكبراء ومن شاء الله من الناس، ثم دفن وقت العصر إلى جانب أخيه الشيخ الإمام العلامة البارع الحافظ الزاهد العابد الورع جمال الإسلام شرف الدين، وكان قد توفي سنة سبع وعشرين في أيام حبس أخيه تقي الدين، وصلي عليه في جامع دمشق، ثم حمل إلى باب القلعة فصلي عليه مرة أخرى، وصلى عليه أخواه تقي الدين وزين الدين وخلق من داخل القلعة، كان الصوت بالتكبير يبلغهم وكثر البكاء في تلك الساعة، وكان وقتاً مشهوداً، ثم صلي عليه مرة ثالثة ورابعة، وحضر جنازته جمع كثير وعالم عظيم، وكثر الثناء والتأسف عليه، وأثنى عليه الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، فقال: شرف الدين بارع في فنون عديدة من الفقه، والنحو، والأصول، ملازم لأنواع الخير، وتعليم العلم، حسن العبادة، قوي في دينه، جيد التفقه، مستحضر لمذهبه استحضاراً جيداً، مليح البحث صحيح الذهن، قوي الفهم رحمه الله تعالى. فلما دفن الشيخ تقي الدين إلى جانب أخيه؛ جعل الناس يأتون قبره للصلاة عليه من القرى والأطراف والأماكن والبلاد مشاة وركباناً، وتردد الناس إلى قبره أياماً كثيرة ليلاً ونهاراً، ورُئيت له منامات كثيرة صالحة. قال الحافظ الشيخ سراج الدين البزار: وما وصل خبر موته إلى بلد فيما نعلم إلا وصلي عليه في جميع جوامعه ومجامعه، خصوصاً أرض مصر ودمشق والعراق وتبريز والبصرة وقراها وغيرها، وختمت له الختمات الكثيرة في الليالي والأيام في أماكن كثيرة لم يضبط عددها، خصوصاً بدمشق ومصر والعراق، حتى جعل كثير من الناس القراءة له وأدار الربعة الشريفة على الناس للقراءة وإهدائها له وظيفة معتادة ١، قال: ولم ير في جنازة ما رُئي في جنازته من الوقار والهيبة، والعظمة والجلالة، وتعظيم الناس لها، وتوقيرهم إياها، وتفخيمهم أمر صاحبها، وثنائهم عليه بما كان عليه من العلم والعمل، والزهادة والعبادة، والإعراض عن الدنيا، والاشتغال بالآخرة، والفقر، وإيثار الكرم، والمروءة، والصبر، والثبات،

стр. 920

والشجاعة، والفراسة، والإقدام في الصدع بالحق، والإغلاظ على أعداء الله ورسوله والمنحرفين عن دينه، والتواضع لأولياء الله، والتذلل لهم والإكرام، والاعتذار والاحترام لجنابهم، وعدم الاكتراث بالدنيا وزخرفها ونعيمها ولذاتها، وشدة الرغبة في الآخرة والمواظبة على طلبها، حتى سمع ذلك ونحوه من الرجال والنساء والصبيان، وكل منهم يثني عليه بما يعلمه من ذلك ﵁ وأرضاه، ونفعنا به في الدنيا والآخرة، آمين. هذا وقد قال الحافظ ابن عبد الهادي بن قدامة في مناقبه- بعد أن أطال الكلام عليها-: وللشيخ فضائل كثيرة، وأسماء مصنفاته وسيرته وما جرى بينه وبين الفقهاء والدولة والمتصوفة وحبسه مرات وأحواله لا يحتمل ذكر جميعها هذا الكتاب" انتهى.

стр. 921

(فصل فيما رثي به الشيخ من القصائد بعد موته وذلك كثير لا ينحصر) ولما مات الشيخ ابن تيمية ﵀ رثاه كثير من الفضلاء والأئمة العلماء بقصائد جمة لا يسع هذا المختصر ذكرها. قال الشيخ الإمام ابن فضل الله العمري: رثاه جماعات من الناس بالشام، ومصر، والعراق، والحجاز، والغرب- نسأل فضل رحمة الله عليه- وها أنا أذكر شيئاً من ذلك في هذا المختصر: فمنها: ما قاله الشيخ القاضي الإمام العالم شهاب الدين أبو العباس أحمد بن فضل الله العمري الشافعي نثراً ونظماً في حق الشيخ، قال في كلام طويل: ورفع إلى السلطان غير ما مرة، ورمي بالكبائر، وتربصت به الدوائر، وسعي به ليؤخذ بالجرائر، وحسده من لم ينل سعيه، وكثر فارتاب، وما تم وما زاد على أنه اغتاب، وأزعج من وطنه تارة إلى مصر ثم إلى الإسكندرية، وتارة إلى مجلس القلعة في دمشق، وفي جميعها يودع أخبية السجون، ويلدغ بزباني

стр. 922

المنون، وهو علي لينظر صحفه، ويدخر تحفه، حتى تستهدي أطراف البلاد طرفه، وتستطلع بقايا الأقاليم شرفه، إلى أن خطفه آخر مرة من سجنه عقاب المنايا، وجذبته إلى مهواتها قرارة الرزايا، وكان قبل موته قد منع الدواة والقلم، وطبع على قلبه منه طابع الألم، فكان مبدأ مرضه ومنشأ برضه، حتى نزل قفار المقابر، وترك فقار المنابر، وحل بساحل ربه وما يحاذر، واختار راحة قلبه من اللائم والعاذر، فمات وما مات لا بل حيّ، وعرف قدره لأن مثله ما رُئي، ما بري على المآثر إلى أن ضريحه أحله، وأتاه بشير الجنة يستعجله، فانتقل إلى الله والظن به أنه لا يخجله، وكان يوم دفنه يوماً مشهوداً، ووقتاً معدوداً، ضاقت به البلد وظواهرها، وتذكرت به أوائل الرزايا وأواخرها، ولم يكن أعظم منها منذ مئين من السنين جنازة رفعت على الرقاب، ووطئت في زحامها الأعقاب، وصار مرفوعاً على الرؤوس متبوعاً بالنفوس، تحدوه العبرات، وتتبعه الزفرات، وتقول له الأمم لا فقدت من غائب، ولأقلامه النافعة لا أبعدكن الله من شجرات، كان أمة وحده، وفرداً حتى نزل لحده، ثم قال: أهكذا في الدياجي يحجب القمر ... ويحبس النوء حتى يحبس المطر أهكذا تمنع الشمس المنيرة عن ... منافع الأرض أحيانا فتستتر أهكذا السيف لا تمضي مضاربه ... والسيف في الفتك ما في عزمه خور أهكذا القوس ترمى بالعراء وما ... تصمى الرمايا وما في باعها قصر أهكذا يترك البحر الخضم ولا ... يلوى عليه وفي أصدافه الدر أهكذا بتقي الدين قد عبثت ... أيدي العدى وتعدي نحوه الضرر إلى ابن تيمية ترمى سهام أذى ... من الأنام ويدمى الناب والظفر بر السوابق ممتد العبادة لا ... يناله ملل فيها ولا ضجر ولم يكن مثله بعد الصحابة في ... علم عظيم وزهد ماله خطر طريقة كان يمشي قبل مشيته ... بها أبو بكر الصديق أو عمر فرد المذاهب في أقوال أربعة ... جاؤوا على أثر السباق وابتدروا لما بنوا قبله علياً مذاهبهم ... بنى وعمر منها مثل ما عمروا

стр. 923

مثل الأئمة قد أحيا زمانهم ... كأنه كان فيهم وهو منتظر أن يرفعوهم جميعاً رفع مبتدأ ... فحقه الرفع أيضاً إنه خبر أمثله بينكم يلقى بمضيعة ... حتى يطيح له عمداً دم هدر يكون وهو أماني لغيركم ... تنوبه منكم الأحداث والغير والله لو أنه في غير أرضكم ... لكان منكم على أبوابه زمر مثل ابن تيمية ينسى بمحبسه ... حتى يموت ولم يكحل به بصر مثل ابن تيمية ترضى حواسده ... بحبسه ولكم في حبسه غدروا مثل ابن تيمية في السجن معتقل ... والسجن كالغمد وهو الصارم الذكر مثل ابن تيمية يرمى بكل أذى ... وليس يجلى قذى منه ولا نظر مثل ابن تيمية تذوى خمائله ... وليس يلقط من أفنانه الزهر مثل ابن تيمية شمس تغيب سدى ... وما تروق بها الآصال والبكر مثل ابن تيمية يمضي وما عبقت ... بمسكه العاطر الأردان والطرر مثل ابن تيمية يمضي وما نهلت ... له سيوف ولا خطية سمر ولا تجاري له خيل مسومة ... وجوه فرسانها الأوضاح والغرر ولا تحف به الأبطال دائرة ... كأنهم أنجم في وسطها قمر ولا تعبس حرب في مواقفه ... يوماً ويضحك في أرجائها الظفر حتى يقوم هذا الدين من ميل ... ويستقيم على منهاجه البشر بل هكذا السلف الأبرار ما برحوا ... يبلى اصطبارهم جهداً وهم صبر تأس بالأنبياء الطهر كم بلغت ... فيهم مضرة أقوام وكم هجروا في يوسف في دخول السجن منقبة ... لمن يكابد ما يلقى ويصطبر ما أهملوا أبداً بل أمهلوا لمدى ... والله يعقب تأييداً وينتصر أيذهب المنهل الصافي وما نقعت ... به الظماة ويبقى الحمأة الكدر مضى حميداً ولم يعلق به وضر ... وكلهم وضر في الناس أو ضرر طود من الحلم لا يرقى له فنن ... كأنما الطود من أحجاره حجر بحر من العلم قد فاضت بقيته ... فغاضت الأبحر العظمى وما شعروا

стр. 924

يا ليت شعري هل في الحاسدين له ... نظيره في جميع القوم إن ذكروا هل فيهم لحديث المصطفى أحد ... يميز النقد أو يروي له خبر هل فيهم من يضم البحث في نظر ... أو مثله من يضم البحث والنظر هلا جمعتم له من قومكم ملأ ... كفعل فرعون مع موسى ليعتذروا قولوا لهم قال هذا فابحثوا معه ... قدامنا وانظروا الجهّال إن قدروا يلقى الأباطيل أسحاراً لها دهش ... فليلقف الحق ما قالوا وما سحروا فليتهم مثل ذاك الرهط من ملأ ... حتى يكون لكم في شأنهم عبر وليتهم أذعنوا للحق مثلهم ... فآمنوا كلهم من بعدما كفروا يا طالما نفروا عنه مجانبة ... وليتهم نفعوا في الضيم أو نفروا هل فيهم صاح للحق مقوله ... أو خائض للوغى والحرب تستعر رمى إلى نحو غازان مواجهة ... سهامه من دعاء عونه القدر بتلّ راهط والأعداء قد غلبوا ... على الشآم وطار الشر والشرر وشق في المرج والأسياف مصلتة ... طوائف كلها أو بعضها تتر هذا وأعداؤه في الدور أشجعهم ... مثل النساء بظل الباب مستتر وبعدها كسروان والجبال وقد ... أقام أطوادها والطود منفطر واستحصد القوم بالأسياف جهدهم ... وطالما بطروا طغوى وما نظروا قالوا قبرناه قلنا إن ذا عجب ... حقاً وللكواكب الدري قد قبروا وليس يذهب معنى منه متقد ... وإنما تذهب الأجسام والصور لم يبكه ندماً من لم يصب دماً ... يجري به ديماً تهمي وتنهمر لهفي عليك أبا العباس كم كرم ... لما قضيت قضى من عمره العمر سقى ثراك من الوسمي صيبه ... وزار مغناك قطر كله قطر ولا يزال له برق يغازله ... حلو المراشف في أجفانه حور لفقد مثلك يا من ما له مثل ... تأسى المحاريب والآيات والسور يا وارثاً من علوم الأنبياء نهى ... أورثت قلبي ناراً وقدها الفكر يا واحداً لست أستثني به أحداً ... من الأنام ولا أبقي ولا أذر

стр. 925

يا عالماً بنقولى الفقه أجمعها ... أعنك تحفظ زلآت كما ذكروا يا قامع البدع اللاتي تحببها ... أهل الزمان وهذا البدو والحضر ومرشد الفرقة الضلال نهجهم ... من الطريق فلا حاروا ولا سهروا ألم تكن للنصارى واليهود معاً ... مجادلاً إذ هم في البحث قد حضروا وكم فتى جاهل غر أبنت له ... رشد المقال فزال الجهل والغرر ما أنكروا منك إلا أنهم جهلوا ... عظيم قدرك لكن ساعد القدر قالوا بأنك قد أخطأت مسألة ... وقد يكون فهلا منك تغتفر غلطت في الدهر أو أخطأت واحدة ... أما أجدت إصابات فتعتذر ومن يكون على التحقيق مجتهداً ... له الثواب على الحالين لا الوزر أم تكن بأحاديث النبي إذا ... سئلت تعرف ما تأتي وما تذر حاشاك من شبهة فيها ومن شبه ... كلاهما منك لا يبقى له أثر عليك في البحث أن تبدي غوامضه ... وما عليك إذا لم تفهم البقر قدمت لله ما قدمت من عمل ... وما عليك بهم ذموك أو شكروا هل كان مثلك من يخفى عليه هدى ... ومن سمائك تبدو الأنجم الزهر وكيف تحذر من شيء تزل به ... أنت التقي فماذا الخوف والحذر ومنها: للعلامة أبي حفص عمر بن الوردي الشافعي ناظم البهجة عليه الرحمة: قلوب الناس قاسية سلاط ... وليس لها إلى العليا نشاط أينشط قط بعد وفاة حبر ... لنا من نثر جوهره التقاط تقي الدين ذو ورع وعلم ... خروق المعضلات به تخاط توفي وهو مسجون فريد ... وليس له إلى الدنيا انبساط ولو حضروه حين قضى لألفوا ... ملائكة النعيم به أحاطوا قضى نحباً وليس له قرين ... ولا لنظيره لف القماط فتى في علمه أضحى فريداً ... وحل المشكلات به يناط وكان إلى التقى يدعو البرايا ... وينهى فرقة فسقوا ولاطوا

стр. 926

وكان الجن تفرق من سطاه ... بوعظ للقلوب هو السياط فيا لله ما قد ضم لحد ... ويالله ما غطى البلاط هم حسدوه لما لم ينالوا ... مناقبه فقد مكروا وشاطوا وكانوا عن طريقته كسالى ... ولكن في أذاه لهم نشاط وحبس الدر في الأصداف فخر ... وعند الشيخ بالسجن اغتباط بآل الهاشمي له اقتداء ... فقد ذاقوا المنون ولم يواطو بنوا تيمية كانوا فبانوا ... نجوم العلم أدركها انهباط ولكن يا ندامة حاسديه ... فشك الشرك كان به يماط ويا فرح اليهود بما فعلتم ... فإن الضد يعجبه الخباط ألم يك فيكم رجل رشيد ... يرى سجن الإمام فيستشاط إمام لا ولاية كان يرجو ... ولا وقف عليه ولا رباط ولا جاراكم في كسب مال ... ولم يعهد له بكم اختلاط ففيم سجنتموه وغظتموه ... أما لجزا أذيته اشتراط وسجن الشيخ لا يرضاه مثلي ... ففيه لقدر مثلكم انحطاط أما والله لولا كتم سري ... وخوف الشر لانحل الرباط وكنت أقول ما عندي ولكن ... لأهل العلم ما حسن اشتطاط فما أحد إلى الإنصاف يدعو ... وكل في هواه له انخراط سيظهر قصدكم يا حابسيه ... ويهنيكم إذا نصب الصراط فها هو مات عنكم واسترحتم ... فعاطوا ما أردتم أن تعاطوا وحلوا واعقدوا من غير رد ... عليكم وانطوى ذاك البساط ومما ينسب إليه أيضا: كان والله فقيهاً عالماً ... ذا عفاف وتقي ما يتهم غير لم يدر مداراة الورى ... ومداراة الورى أمر مهم ومنها: للشيخ الإمام محمد العراقي الجزري رضي الله تعالى عنه آمين:

стр. 927

عز عندي يوم الرحيل العزاء ... لنعي فيها الدموع دماء طرق الخافقين خطب جسيم ... أطرقت منه في الورى العلماء خفت أن ترهق السماء وكادت ... ترجف الأرض أو تمور السماء فقد المسلمون قطب المعالي ... فبكته الأغواث والأولياء كسف النيرين فقدك يا أحمـ ... ـد حقاً وغابت الجوزاء أظلمت جلق التي كنت فيها ... وأضاءت بغيرك البيداء يا طليق اللسان في كل فن ... فلقد شرفت بك العلياء إن تكن مت فللعلوم التي أحييـ ... ـت من بعد موتها أحياء مدحت فهمك الحروف جلالاً ... وكذاك الأفعال والأسماء يا مزيل الأشكال عن كل فهم ... وله عن كل زلة إغضاء لا الصباح صباح بعدك عندي ... في ضياء ولا المساء مساء ما حضرت الجدال بين أناس ... يقرؤون الحديث إلا وفاءوا أنت صخر الوجود في كل أرض ... والبرايا جميعها الخنساء من لعلم التفسير فيما رواه ... جابر أو مجاهد أو عطاء عطلت بعدك الدروس فما فيهـ ... ـا لرب الفهم السقيم شفاء من لعلم الفتيا إذا اشتبه الأ ... مر وحارت في ردها الأذكياء من لعلم الحديث بعدك فيما ... قاله الواصفون والأتقياء طاهر الأصل كم حويت خصالاً ... قصرت عن فروعها الفصحاء من تكن هذه السجايا سجاياه ... فلا تشتفي به الأعداء كل ميت يكون مثل تقي الدين ... فالموت عنده أحياء أيها القبر إن فيك لبحراً ... جللته مهابة وضياء وجلال وعفة ووقار ... وجمال وبهجة وسناء تعست ليلة الفراق وغابت ... أنجم أشرقت لها لألآء نعت الناعيات نعيك في الأ ... فق وناحت في دوحها الورقاء أيها الحبر أوحش الآن ربع ... كنت فيه ومنزل وفناء

стр. 928

هان قدر الحمراء عندك من ز ... هدك واستحقرت لك البيضاء ونبذت الدنيا فعشت فقيراً ... بصفات تودها الأغنياء يا ابن تيمية الذي حزن الدهر ... عليه وغاضت الأنواء كنت إنسان عين دهرك لا تعرف ... حقاً إلا لك الأشياء خضت بحراً ما فيه إلا إمام ... ذواجتها ولكن عداك العداء كنت في ذروة السنام من العلم ... وما قلت للأنام سواء ضاق ذرع الزمان منك فناء ... ليت شعري هل ضاق منك الفضاء وإذا حلت المنية يوماً ... بنفيس فليس يغنى الأساء نضر الله وجهك يا حسن المنـ ... ـظر يا من له السنى والسناء وسقى الله روضة أنت فيها ... ساريات تجري بها النكباء وعلا قبرك النجار فقيصوم ... ورند وفاح منه الكباء رضي الله عنك حياً وميتاً ... وسقى ربعك المصون الحياء قسماً بالإله لوأنصف الد ... هر لأضحى في كل بيت عزاء (ومنها للشيخ علاء الدين بن غانم رحمه الله تعالى) : أي حبر مضى وأيّ إمام ... فجعت فيه ملة الإسلام ابن تيمية التقي إمام الـ ... ـعصر من كان شامة في الشآم بحر علم قد غاض من بعد ما فا ... ض نداه وعم بالإنعام زاهد عابد تنزه في دنـ ... جاه عن كل ما بها من حطام كان كنزاً لكل طالب علم ... ولمن خاف أن يرى في حرام ولعاف قد جاء يشكو من الفقر ... لديه ينال كل مرام حاز علماً فما له من مساو ... فيه من عالم ولا من مسام لم يكن في الدنيا له من نظير ... في جميع العلوم والأحكام كم له في حنادس الخطب والناس ... نيام حتى الضحى من قيام وجميع الأنام من شدة الخوف ... نيام من الردى في منام وبنوا فارس قد افترسوا الناس ... افتراس الأسود سرح الحوامي

стр. 929

ودمشق الشام بعد انبساط ... من ضواحي رستاقها في انضمام إذ غزانا على العلوج غزاة ... وغزانا من فارس بالطغام فأعاد العزيز منا ذليلاً ... ذا صغار ينقاد كالأنعام فنضاه الجبار جل ثناه ... في وجوه العدا كحد الحسام فحمانا بالله من كل طاغ ... لا برمح وصارم وحسام يا له حين فر كل كمي ... من حماة الإسلام عنا يحامي يا ابن تيمية عليك خصوصاً ... وعموماً تحيتي وسلامي يا سليل العلى عليك القوافي ... قد بكت في الطروس والأقلام يا فقيد المثال علماً وحلماً ... وقريب المرمى بعيد المرام يا بطيء الإحجام إن عز خطب ... وكثير القيام جنح الظلام كف طرفي إن لذ من بعد إلا ... ترك أجفانه لذيذ المنام وبودي لفقد شخصك لو حا ... م على أيكة حمام حمامي ولعمري يا من له في فؤادي ... لحد ذكر دوامه في دوامي إن حللت الثرى فروحك حلت ... يا ابن عبد السلام دار السلام فسقى تربة حواك ثراها ... كل مزن بوابل ورهام وإذا سحت السواري بسح ... والغوادي جدناك بالدمع دام (ومنها لمحمود بن الأثير الحلبي عليه الرحمة) : يا دموعي سحي كسح الغمام ... هاطلات على الخدود سجام لفراق الشيخ الإمام المفدى ... ابن تيمية ونجل الكرام زاهد عابد تقي نقي ... فهمه لا يقاس بالأفهام ابن تيمية يتيمة دهر ... ماله من مساوم ومسامي فجعت فيه أهل كل البرايا ... جمعها للعلوم والأحكام أوحد في العلوم والفضل والز ... هد لا يرائي في ملة الإسلام بحر علم يغوص كل لبيب ... في معانيه حار كل الأنام فاق بالعلم والفضائل للخلق ... فأضحى إمام كل إمام

стр. 930

إن يكن غاب شخصه وتوارى ... ومضت روحه لدار السلام فمناقبه والفضائل تبقى ... في ممر الدهور والأعوام سيد قد علا بعلم وحلم ... فعداه لديه كالأنعام كم رماه الحساد بالكيد والبغي ... وهو لا ينثني عن الإقدام طالب الحق لا يخاف لحيف ... وهو يحمي عن ذروة الإسلام لا يخاف الملوك أيضاً ولا الخلـ ... ـق ولا العداة مع اللوم صدره للعلوم والقلب للرب ... ويداه للبذل والإنعام لا تلمني على المديح ودعني ... فهو شيخي وبغيتي ومرام كل من مات في هواه بوجد ... ما عليه في حتفه من ملام (ومنها للشيخ الإمام زين الدين عمر بن الحسام الشبلي رحمه الله تعالى) : لو كانت يقنعني عليك بكائي ... لجرت سوابق عبرتي بدماء أو كنت في يوم انتقالك للبلى ... صخراً لزدت على بكا الخنساء لكن أصبر عنك نفسي كاتماً ... للحزن خوف شماتة الأعداء أترى علمت وأنت أفضل عالم ... ما عندنا من لوعة وبلاء أسفي على تلك الديانة والتقى ... والجود آذن قربه بتناء أسفي عليك وما التأسف نافع ... صبا عليك مقلقل الأحشاء أسفي عليك نفى الكرى عن ناظري ... من فرط أحزاني وفرط عنائي غاضت بحار العلم بعد والو ... رى في غفلة يا سيد العلماء بأبي وحيداً مات منفرداً عن الـ ... ـأحباب كان بقية الصلحاء بحر العلوم حوى الفضائل كلها ... وسما سمو كواكب الجوزاء متفرد في كل علم دونه ... لعلو رتبته ذرى العلياء بالفضل قد شهدت له أعداؤه ... وبه سما فضلاً على النظراء شيخ العلوم وتابع السلف الألي ... تبعوا الرسول بشدة ورخاء وإمام أهل الأرض والمبدي لهم ... سنن الهدى عن صحة الأنباء ذو الصالحات وذو الشجاعة والتقى ... والجود والبركات والآلاء

стр. 931

من كان لا يني لطالب جوده ... حتى يبلغه لكل رجاء يجفو المضاجع راكعاً أو ساجداً ... أو ذاكراً لله في الظلماء كالصبر في حنك العدو مذاقه ... وألذ من شهد إلى الجلساء المانح البحر الهمام العالم الـ ... ـحبر الإمام وحجة الفقهاء الواهب المال الجزيل وغامر الـ ... ـضيف النزيل بوافر النعماء المحسن لكافي السؤال وحاسم الـ ... ـداء العضال وكاشف الغماء صدر المدارس والمجالس أحمد ... المحمود في عود وفي إبداء وإذا المسائل في الفتاوى أفحمت ... أهل العلوم وحجبت بخفاء وأتت تقي الدين أظهر ما اختفى ... منها وأبداه لعين الرائي قيرى سهاها في الخفاء بكشفه ... كالشمس مشرقة بصحو سماء ويرى البصير الحق فيما قاله ... والحق لا يخفى على البصراء سجنوه خشية أن يرى متبذلاً ... صوناً فنال منازل الشهداء للمؤمنين له وعند عدوهم ... ذل الكثير وعزة الخلفاء في المحدثين أتى بفضل باهر ... ومناقب أربت على القدماء أي خاشع أي شاكر أي ذاكر ... لله في الإصباح والإمساء أي زاهد أي حامد أي باذل ... للمسلمين نصائح النصحاء خير الصفات صفاته وثناؤه ... بالجود بين الناس خير ثناء ويظل يسأل جوده عن سائل ... ذي فاقة ليبره بعطاء وتراه يشرق وجهه متهللاً ... للسائلين له شروق ذكاء بادي التبسم عند بذل نواله ... لطفاً إلى الفقراء والضعفاء أزرى على فض البرامكة الألي ... وطوت مكارمه حديث الطائي من جاء يسأله يشاهد عنده ... بذل الملوك وعيشة الفقراء يربى على سح السحائب جوده ... وكذا تكون مواهب الكرماء والجود يرفع أهله بين الورى ... أبداً ويهوي البخل بالبخلاء وله إذا اصطدم القتال شجاعة ... قامت بنصر الدين في الهيجاء

стр. 932

سل عنه غازانا وسل أمراءه ... لما أتوا بطلائع الأسراء والمغل قد ملكوا البلاد وأهلها ... كم فك من عان بغير عناء وكذا بشقحب التتار قد أقبلوا ... كالطم في أمم بغير مراء والمسلمون على النزول قد أجمعوا ... والمغل عنهم نظرة للرائي من حرض السلطان والأمرا على ... ترك النزول سواه عند مساء قال أثبتوا فلكم دليل النصر قد ... وافى فكان النصر عند لقاء وأتى جبال الكسروان فآذنت ... بدمارها من بعد طول بقاء وله بكل مدينة ذكر أتى ... كالمسك فهو معطر الأرجاء سير إذا نظمتها سارت بها الـ ... ـركبان دون قصائد الشعراء وإذا إمام المسلمين وشيخهم ... ولي وعز على عزاه عزائي أدعو إله العرش يجمع بيننا ... في جنة الفردوس فهو رجائي وعليه من رب السماء تحية ... تبقى له أبدا بغير فناء (ومنها للشيخ جمال الدين عبد الصمد بن إبراهيم البغدادي الحنبلي المعروف بابن الحصري) : عش ما تشاء فإن آخره الفنا ... الموت ما لا بد منه ولا غنى والدهر إن يوماً أعان فطالما ... بالسوء عان فعونه عين العنا لا بد من يوم يسوءك حتفه ... حتما نأى الأجل المقدر أودنا للنفس سهم من سهام نوائب ... يرمي فيصمي من هناك ومن هنا من غره الأمل المديد فإنه ... غر لأن طعامه لن يهتنا شمس الحياة تضيفت ومشيبه ... ضيف يجرمن المنية ضيفنا من حين أوجد كان نفس وجوده ... في الكون بالعدم المحقق مؤذنا يا من يعد الدهر صاحب دهره ... ويعد فيه للإقامة موطنا أو ما رأيت الموت كيف سطا بمن ... في الخلق عن محض العلوم تكونا ندب مباح الصدر حظر بعده ... فلم استحال وكان شيئاً ممكنا بذ الأنام مع البذاذة فضله ... إذ لم يكن بسوى التقى متزينا

стр. 933

ترك الجميع على الجموع فلم يهب ... تلك الجموع ولا استراب ولا ونى ولكم مقامات له في الحق لا ... بيض الظبا يخشى ولا سمر القنا بالعرف يأمر ناهياً عن منكر ... متقرباً وهو البعيد عن الخنا ما حال عن نهج الصواب ولا اعتدى ... وبغير تحصيل الفضائل ما اعتنى أما تبارزه تجده مبرزاً ... في أي علم شئت حبراً متقنا وإذا تجاريه فماء السيل إن ... لما جرى في بحثه متفننا متزهداً متعبداً متهجداً ... متخشعاً متورعاً متديناً في كل عصرسيد هوحجة الـ ... ـباري على كل الخلائق في الدنا وترى أحق من استحق محامداً ... من للإمامة لم يزل متعينا شيخ الأنام وحجة الإسلام من ... أغناه نشر الذكر عن ذكر الكنى أعني أبا العباس أحمد بل ... تقي الدين حقاً والعليم الممعنا في الله ليس يخاف لومة لائم ... ويرى النوى فيه نهايات المنى لما تحقق أن كل مخلف ... يفنى وإن كان النفيس المثمنا لم يدخر قوتاً لأجل غد ولا ... أبقى له إرثاً لسوى حسن الثنا صدر حوى في صدره لكماله ... من كل علم معنوي معدنا ظهرت أمارات الولاية بعده ... واسأل لتصبح بالحقائق موقنا واسمع مقالة أحمد متوعداً ... أعداءه يوم الجنائز بيننا فأحق ما يبكى عليه فقده ... ما موت هذا الحبر رزءاً هينا فيض النفوس يقل فيه تأسفاً ... وأعن عيوناً فضن فيه أعينا يا من أعاد أولي التشدق علمه ... خرساً وأنطق بالثناء الألسنا يا دوحة الفضل التي في أصلها ... طيب وزاكي فرعها حلو الجنا يا حبربل يا بحركم حيرت من ... حبر تصير ذا الفصاحة ألكنا يا خاتم الفضلاء علمك معجز ... بهر الورى فصدرت عنه مؤمنا إن كان ذا حفظاً فوقتك ضيق ... عنه ولو كان الزمان له أنا لكنه من فضل من هو قاذف ... بالحق من نور الولاية والسنا

стр. 934

أسست بنيانا على تقوى ورضـ ... وان فللأسمى قد ارتفع السنا غبرت يا من لا يشق غباره ... في أوجه الفضلاء قدماً قبلنا جاهدت في ذات المهيمن صابراً ... عند الأذى فأتت بشارات الهنا إن الذين يجاهدون عدونا ... فينا لنهديهم إلينا سبلنا والله قد أثنى على العلماء في ... نص الكتاب وأنت أولى من عنى لا غرو إن كنت ابتليت بحاسد ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا أشكو إليك وأنت أصل شكايتي ... من فرط ضر في افتقادك مسنا قد عبرت عبراتنا عن حزننا ... وبما نجن من الجوى نطق الضنا سقياً لتلك الروح من سحب الرضا ... وتبوأت جنات عدن مسكنا لو كان فيها الموت يقبل فدية ... كان الأنام فدى وأولهم أنا (ومنها للشيخ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن عبد الكريم بن أنوشروان التبريزي الحنفي عليه الرحمة) : صبراً جميلاً فالمصاب كبير ... كادت جبال الأرض منه تمور وجسيم خطب قد علا كل الورى ... فقد الضياء وأظلم الديجور وانهد ركن فضائل وفواضل ... فعليهما ركن الأسى معمور وعلى تقي الدين أحزان الورى ... لسحائب الدمع الغزير تثير لولا ابتغاء الأجر لم يحمد على ... صبر على هذا المصاب صبور أفلت شموس المكرمات وأظلم الـ ... ـشام المنير وزال عنه النور نور الفتى التيمي والقطب الذي ... فلك العلوم عليه كان يدور حبر به كان الزمان ومن به ... يزهو ويشرق في الدجى وينير علم التعبد والتزهد والتقى ... في سائر الدنيا له منشور ورسوخه في كل علم نافع ... فحديثه بين الورى مشهور قد كان صدراً في الصدور فمذ نأى ... ضاقت على صدر الصدور صدور لا غرو إن فاضت عليه مدامع ... حروان قصمت عليه ظهور تبكي السماء عليه والأرض التي ... بصفائها لفراقه تكدير

стр. 935

وبكى مصلاه ومنبره ومو ... ضع درسه والجامع المعمور وبكى الغمام لفقده وتفطرت ... عن أعين تجري عليه صخور وكذاك ربات الخدور بكينه ... وتهتكت منها عليه ستور نشرت له العذبات بانات اللوى ... عوض الشعور وما لهن شعور وعليه حن على الأراك حمائم ... يندبنه أسفاً وهن طيور فالصب إن صب المدامع بعد من ... يهوى ومات فإنه معذور والناس في حزن عليه وإنه ... عبد بلقيا ربه مسرور غار الإله عليه من أغياره ... فزواه عنهم والمحب غيور فخلا به يتلو عليه كلامه ... وله الحبيب مؤانس وسمير حتى إذا اشتد التشوق زفه ... زف العروس وذيلها مجرور وشعار كل مشيع لسريره الـ ... ـتسبيح والتهليل والتكبير ولقد سرت فوق الرقاب سريره ... فعجبت كيف الراسيات تسير ما كنت أعلم قبل يوم وفاته ... أن البحار الزاخرات تغور ولقد سرت لسريره لما سرى ... سير لها حتى النشور نشور تفنى الليالي والزمان وذكره ... متجدد بين الورى مذكور قد كان في الدنيا هلالاً لائحاً ... كل إليه بالبنان يشير وكذا جنازته تعالى الله لم ... ينظر لها في العالمين نظير ومن العجائب أنها نطقت على ... صمت بما هو كامن مستور إن المشيع للجنازة لم يعد ... إلا وسائر ذنبه مغفور هذا هو الفضل المبين وهذه ... نعم عليها ربنا مشكور لا أوحش الله الوجود من الذي ... أنست به في الموحشات قبور وإلى جنان الله راحت روحه ... يلقاه منها بهجة وسرور طوبى لميت جاور القبر الذي ... فيه فتى تيمية مقبور بل فاز نزال ثووا بجنابه ... إن الكريم نزيله مغفور فينال حتى الحشر من بركاته ... وعليه تنزل رحمة وحبور

стр. 936

يا رب فاجمع بيننا في جنة ... المأوى فأنت لما تشاء قدير وله رحمه الله تعالى: عم المصاب فلا تبكوا بغير دم ... على ابن تيمية ذي العلم والحكم حبر البرية ولى وهو في دعة ... وكل جفن فلا يبكي عليه عمي لو أن كل تقي في الأنام فدى ... نفس الإمام تقي الدين لم يلم إذا تذكره من كان يألفه ... يهزه الشوق من فرق إلى قدم يا ثلمة ثلمت في الدين واتسعت ... فلست حتى اللقا والحشر تلتئمي هيهات هل تسمح الدنيا بمثل فتى ... تيمية أو يرى في عالم الحلم كانت به تفخر الدنيا وقد بقيت ... به تفاخر أجداث وذو رمم فالعلم والحلم والتقوى بهن غدا ... في الناس أشهر من نار على علم والزهد في زخرف الدنيا وزينتها ... من وصفه كان مضموماً إلى الكرم مولى على حبه الأرواح قد جبلت ... ولست في القول والدعوى بمتهم ما ذاك إلا لما قد كان خصصه ... به الإله من الأخلاق والشيم من للمسائل قد أعيت فيوضحها ... وضوح برق لموع لاح في الظلم كالبحر يزخر إن بث العلوم وكالـ ... ـسيل الذي مده صوب من الديم ما إن رأى الناس أبهى من جنازته ... لما استقلت على الأعناق والقمم وحوله وهو يجلى كالعروس على ... سريره أمم ناهيك من أمم أظمى الأنام إليه حجبه فبدا ... على السرير فرواهم بدمعهم بكى عليه مصلاه ومنبره ... وفي الخدور بكته أعين الحرم والأرض تبكي عليه والسماء كذا ... قد جاء عن سيد الأعراب والعجم لأنه العالم الحبر الذي أبداً ... تتلى مناقبه جهراً بكل فم هذا هو المجد حق الافتخار به ... لا بالتكاثر والأموال والحشم يا جنة الخلد وافيه مزخرفة ... وأنت يا نار أشواق الورى اضطرمي ويا شموس العلى غيبي لغيبته ... ويا مباني المعالي بعده انهدمي فأعظم الله أجر الفاقدين له ... الواجدين ذوي الإخلاص كلهم

стр. 937

وأكرم الله مثواه ومضجعه ... بوابل من سحاب الجور والكرم وهي طويلة أربعة وثلاثون بيتاً، وله في الشيخ مرائي أخر. وللفاضل برهان الدين ولد شهاب الدين التبريزي الحنفي المتقدم ذكره عليهما الرحمة: جودي بانسجام الدمع يا مقلة العاني ... إلى أن تروي الأرض من فيض أجفاني وذق يا فؤادي كل يوم وليلة ... مرارة أشواق ولوعة أشجان إلى أن أرى وجه ابن تيمية الذي ... به الله من أهل الضلالة نجاني ومن لي بأن ألقاه والموت قد أتى ... فغيبه في الترب عن كل إنسان فيا وحشة الدنيا لأنوار وجهه ... ويا لهف إخوان عليه وجيران يحق لعين لاترجي لقاءه ... إلى الحشر أن ينهل مدمعها القاني لقد عم أهل الأرض رزء مصابه ... ولم ينج فيهم منه قاص ولا دان لقد كانت الدنيا به ذات بهجة ... ونور وإشراق وروح وريحان وما كان إلا آية في زمانه ... وفي كل فضل حاز ليس له ثان إمام هدى يدعو إلى سبل ربه ... دعاء نصوح مشفق غير خوان فمذهبه ما جاء عن خير مرسل ... وأصحابه والتابعين بإحسان أتى بعلوم حيرت كل واصف ... على أنه يهدى بثا كل حيران فكم مبطل وافاه يبغي جداً له ... فأنصقه في البحث من غير عدوان ويكشف عنه شبهة بعد شبهة ... إلى أن يبين الحق أحسن تبيان فيصبح عن تلك المقالة معرضاً ... ولو كان من أحبار سوء ورهبان يغار على الإسلام من كل بدعة ... وما زال منها هادماً كل بنيان وفي الله لم تأخذه لومة لائم ... ولم يخش مخلوقاً من الإنس والجان ولم ينتقم في الدهر يوماً لنفسه ... ولكنه يؤذى فيعفو عن الجاني وأما سماح الكف فالبحر دونه ... ولم يك في بذل العطاء بمنان ولو وزنوا أهل الشجاعة كلهم ... به رجح الشجعان في كل ميزان فمن جاهد الأعداء في الدين مثله ... ومن سل سيف العزم في وجه غازان

стр. 938

ومن قال للناس اثبتوا يوم شقحب ... فإن الأعادي في انهزام وخذلان فمن خشي الرحمن بالغيب واتقى ... إله البرايا خافه كل سلطان وما ضره إن طال في السجن مكثه ... إذا كان في نسك وطاعة رحمن منيباً إلى مولاه يقطع وقته ... بنقل حديث أو بتفسير قرآن ولم يك مشغوفاً بحب رياسة ... ولا شد بغلات ولا حسن غلمان ولا كان مشغولاً بجاه ومنصب ... ولا رفع بنيان ولا غرس بستان ولكن بعلم نافع وعبادة ... وزهد وإخلاص وصبر وإيمان وفي موته قد كان للناس عبرة ... لما شاهدوا من غير زور وبهتان إذ انتشروا مثل الجراد وكاد أن ... تزيغ عقول من رجال ونسوان وسار على أعناقهم نحو قبره ... يجاور مولى ذا امتنان وغفران إلى الذهب الغالي دعاه إلهه ... وذاك له خير من الخزف الفاني دعاه إلى جنات عدن وطيبها ... ومتعه فيها بحور وولدان فنسأل رب العرش يجمع شملنا ... به في جنان الخلد من قبل حرمان ويجبرنا بعد انكسار قلوبنا ... ويروي برؤيا وجهه كل ظمآن (ومنها لبعض الفضلاء من جند مصر أرسلها بعد عرضها على الإمام أبي حيان النحوي) : خطب دهى فبكى له الإسلام ... وبكت لعظم بكائه الأيام وبكت لعبرتها السماء فأمطرت ... في غير فصل تسمح الأعوام وبكت له الأرض الجليدة بعدما ... أضحى عليها وحشة وقتام وتزلزلت كل القلوب لفقده ... وتواترت من بعده الآلام وتفجع الدين القويم لفقده ... وبقي غريباً يبتلى ويضام مذمات ناصره الذي أوصافه ... أبداً تكون على سواه حرام لتقي دين الله وصف باهر ... وخصائص خضعت له الأفهام ومواهب من ذي الجلال تمده ... ليتم فخر شامخ ومقام وعزا تقي الدين أحمد ماله ... حد فتحمل فقده الأجسام

стр. 939

العالم الحبر الإمام ومن غدا ... في راحتيه من العلوم زمام ذو المنصب الأعلى الذي نصبت له ... في الأرض في أقطارها الأعلام بحر العلوم وكنز كل فضيلة ... في الدهر فرد في الزمان إمام حبر تخيره الإله لدينه ... ختم لأعلام الهدى وختام فوفى بأحكام الكتاب وكم له ... في نصر توحيد الإله قيام والسنة البيضاء أحيا ميتها ... فغدا عليها حرمة وذمام وأمات من بدع الضلال عوائداً ... لا يستطيع لدفعها الصمصام أس الفضائل والمعارف والذي ... لا تهتدي لفنونه الأوهام وأناله رب السموات العلى ... في العلم سبقاً ما إليه مرام ونعوته في العلم قول محمد ... صلى عليه الخالق العلام إن المنزه ربنا سبحانه ... يقضي بما تأتي به الأحكام يبدي لكم في كل قرن قادم ... للدين من يهدي به الأقوام فلئن تأخر في القرن لثامن ... فلقد تقدم في العلوم إمام فاق القرون سوى الثلاث فإنها ... خير القرون يزينهن تمام وسوى ابن حنبل إنه علم الهدى ... حبر إمام صابر قوام لكن أحمد مثل أحمد قد حوى ... علماً وزهداً في العلوم تؤام حدث بلا حرج وقل عن زهده ... ما شئت لا رد ولا آثام هجر المطاعم والملابس والدنا ... ولعزمه في تركها أحزام ترك المآكل والمنام ولا يرى ... لبني الدنا في قلبه إعظام وتراه يصمت لا لعي دائماً ... إلا لعلم يقتنى ويرام وإذا تكلم لا يراجع هيبة ... وسكينة وكلامه إبرام ألقي عليه مهابة من ربه ... فخطابه الإجلال والإكرام وإذا رُئي فترى الرجال ذليلة ... فكأنها في نفسها إحجام بشر يعظم بالقلوب وقدره ... أبداً يعظم بعد وهو غلام منن يخص بها المهيمن من يشا ... من خلقه والجاهلون نيام

стр. 940

وجفا العباد لشغله بحبيبه ... فوداده للأقربين سلام وله مقام في الوصول لربه ... ومكانة نطقت بها الأغتام وله فتوح من غيوب إلهه ... وتحزن وتمسكن وكلام وتصوف وتقشف وتعفف ... وقراءة وعبادة وصيام وعناية وحماية ووقاية ... وصيانة وأمانة ومقام وله كرامات سمت وتعددت ... ولها على مر الدهور دوام من رد من أرض الشآم بعزمه ... من صد وجه الكفر وهو حسام من رد غازان الهمام بحسرة ... من خلص الأسرى وهم أيتام من قام بالفتح المبين مؤيداً ... في كسروان وهم طغاة عظام من جد في بدع الضلالة حربه ... فإذا لهم بعد الرضاع فطام من سار في سنن الرسول ونصرها ... حتى استقر لأمرهن نظام من قام في خذل الصليب ودينه ... لما تداعوا للأنأم وقاموا فوهوا وردوا خائبين بذلة ... وعليهم فوق الوجوه ظلام فالأمر بالمعروف يفقد بعده ... والفاعلون النكر ليس يلاموا فكأن أشراط القيامة قد دنت ... وانحل من سرج الزمان حزام فالعلم فينا ليس يقبض دفعة ... كلا ولا يأتي حماه حمام لكن بقبض الراسخين ذهابه ... وزواله وبقي رعاع طغام لله ما لاقى تقي الدين من ... محن تتابعه وهن ضخام ومكاره حفت بكل شديدة ... ومواقف زلت بها الأقدام ومكايد نصبت له وحبائل ... قصدا إليه فردها الإقدام فحكى ابن حنبل في فنون بلائه ... بجنان ثبت ليس فيه مذام وبسجنه وبحصره ونكاله ... حتى رثى العذال واللوام فأراد رب العرش ﷻ ... للقائه مذ حانه الإعدام وأتاه آتِ الموت يخطب نفسه ... فأجابه طوعاً له القمقام فخلت منابره وأوحش ربعه ... وتهدمت عند الرحيل خيام

стр. 941

وتفجعت كل القلوب لفقده ... وعداً عليها حسرة وسقام ومضت جنازته الشريفة بعدما ... سد المسالك صارخ وزحام وأتت روايات الشام بجمعها ... خبراً صحيحاً ليس فيه أثام إن الألى شهدوا الصلاة وشيعوا ... والله لا تحصيهم الأقلام فعليه أفضل رحمة تهدى له ... ومن الإله تحية وسلام ما دامت الأفلاك في دورانها ... أو ناح من فوق الغصون حمام ومنها للشيخ تقي الدين محمود بن علي الدقوقي البغدادي المحدث- ولم ير الشيخ: مضى عالم الدنيا الذي جل فقده ... وأضرم نار في الجوانح بعده فدمعي طليق فوق خدي مسلسل ... أكفكفه حيناً وجفني يرده ويرجو التلاقي والفراق يصده ... وما حيلة الراجي إذا خاب قصده مضى الطاهر الأثواب ذو العلم والحـ ... ـجى ولم يتدنس قط بالإثم برده مضى الزاهد الندب ابن تيمية الذي ... أقر له بالعلم والفضل ضده بكته بلاد الشام طراً وأهلها ... وجامعها وانماع للحزن صلده يحن إليه في النهار صيامه ... ويشتاقه في ظلمة الليل ورده ويبكي له نوع الكلام وجنسه ... ويندبه فصل الخطاب وجده حمى نفسه الدنيا وعف تكرماً ... ولما يصعر للدنيات خده ولم يجتمع زوجان من شهواتها ... لديه وبين الناس قد صح زهده ويؤثر عن فقر وفيه قناعة ... ويعجبه من كل شيء أشده عليم بمنسوخ الحديث وحكمه ... وناسخه فخر الزمان ومجده قؤول فعول طيب الجسم طاهر ... إمام له في كل حكم أشده فما قال في دنياه هجراً ولا هوى ... ولا زاغ عن حق تبين رشده علوم كنشر المسك من كل سيرة ... يسدد دين المصطفى ويجده فلله ما ضم التراب وما حوى ... من الفضل فليفخر على الأرض لحده فيا نعشه ماذا حملت من امرىء ... جميع الورى فيه وفوقك فرده

стр. 942

وكان لنا بحراً من العلم زاخراً ... فما باله لم يصف مذ غاب ورده وما مات من تبقى التصانيف بعده ... مخلدة والعلم والفضل ولده وخلف آثاراً حساناً حميدة ... إذا عددت زادت على ما تعده ولست مطيقاً شرح ذاك مفصلاً ... ولكن على الإجمال يعكس طرده لقد فارق الأصحاب منه مصاحباً ... يراعي وداد الخل إن خان وده قضى نحبه والله راض بفعله ... ولله فيما قد قضى فيه حمده يدل تراب القبر من جاء زائراً ... إليه بطيب فيه يعبق نده ولا تحسبوا ما فاح عطر حنوطه ... ولكنه حسن الثناء ومجده وكان لأهل العلم تاجاً مكللاً ... يحوطهم من مبطل خيف حقده وما كان إلا التبر عند امتحانه ... يبين لعين الحاذق النقد نقده وكان يقول الحق والحق حلوه ... مرير لهذا كان يكره رده وفي الحق لم تأخذه لومة لائم ... ولا خاف من غمر تشدد حرده وما كان إلا السيف غارت يد العلا ... عليه فردته كما غار غمده ولم تلهه الدنيا وزخرفها الذي ... يروق لمن لم يونس الدهر رشده لقد فقدت منه المحافل زينها ... ولما يفارق علمه الجم وجده وخضبت الأقلام بعد مدادها ... عليه دماً قد فاض في الطرس مده فلله ما ضم الثرى من محقق ... ويا لك من عضب تدقق حده وكان إماماً يستضاء بنوره ... وبحراً من الأفضال قد غيض عده وكنت أرجي أن أراه ونلتقي ... ولكن قضاء الله من ذا يرده ترى الموت مألوف الطباع وربما ... يعلل بالمألوف من لا يوده فآه على تفريق شمل مجمع ... وحر فؤاد لا يؤمل برده ألا إنها نفس وللنفس حسرة ... وقلب وقد يشجى ويضنيه وجده ولست بناس عهد خل تغيبت ... محاسنه والخل يحفظ عهده وما عذر جفن لا يجيش بدمعه ... غداة نأى عنه الصدّيق ورفده يروم الأماني والمنايا تصده ... وما حيلة الراجي إذا خاب قصده

стр. 943

عليك أبا العباس فاضت مدامعي ... وقلبي ببعدي عنك أجج وقده على مثلك الآن المراثي مباحة ... وإن غاض دمعي فالدماء تمده شددت عرى الإسلام شدة عارف ... قوي على الأعداء لم يأل جهده تركت لهم دنياهم ترك عالم ... علا قدره عند الإله ومجده وكنت لمجموع الطوائف مقتدى ... وعقداً لهذا الدين أبرم عقده وكنت ربيعاً للمريد وعصمة ... فمذ صرت تحت اورض صوح ورده جمعت علوم الأولين مع التقى ... إلى الورع الشافي الذي شاع جهده وكنت تقي الدين معنى وصورة ... وقولاً وخير القول عندك جده رحلت وخلفت القلوب جريحة ... تذوب وجيش الصبر قد فل جنده عليك سلام الله حياً وميتاً ... مدى ما بدى نجم وأشرق سعده (وله أيضاً رحمه الله تعالى) : قف بالربوع الهامدات وعدد ... واذر الدموع الجامدات وبدد واحبس مطيك في المنازل ساعة ... واسأل ولاتك في سؤالك معتدي واقطع علائقك التي هي فتنة ... واتبع سبيل أولي الهداية تهتدي ودّع صباك ودّع أباطيل المنى ... واهجر دنيات الأمور وسدد واقنع من الدنيا القليل ولازم الـ ... ـفعل الجميل وسر بسير مجرد وتوخ فعل الخير واصحب أهله ... متحبباً متجنباً فعل الردي لا تعتبن مفارقاً يبكي على ... أحبابه وارحمه إن لم تسعد ودع المروع بالبعاد وعذله ... فالعذل أمضى من فعال مهند ماذا الوقوف عن السرى وصحابنا ... ساروا وصاروا بالعراء الغرقد لا أخضر بعدهم العقيق ولا شدت ... ورق الحمام فويق برقة ثهمد أما أنا فلأبكين فإن وني ... دمعي سفكت حشاشة القلب الصدي أين المعين على الخطوب إذا عرت ... أين المساعد عند فقد المسعد أوما درى من كنت تعرف إذ مضى ... لسبيله في ضنك لحد موصد أين المحامي عن شريعة أحمد ... أين المحقق نهج مذهب أحمد

стр. 944

مات الإمام العالم الحبر الذي ... بهداه عالم كل قوم يهتدي من لليهود وللنصارى بعده ... يرميهم بمقالة المتشدد سل عنه ديّان اليهود أما غدا ... متلفعاً بصغاره المتهود نشأت على فعل التقى أطواره ... فعنت له التقوى وأعطت عن يد ورث الزهادة كابراً عن كابر ... والعلم إرثاً سيداً عن سيد قف إن مررت بقاسيون على ثرى ... فيه ضريح العالم المتفرد واعجب لقبر ضم بحراً زاخراً ... بالفضل يقذف بالعلا والسؤدد بشر يبشر بالغنى من جاءه ... يسر يسرّ فؤاد عان مزهدى كانت به أرض الشآم أمينة ... من مبطل متهوك صل ردي لو تستطيع بنات نعش أن ترى ... يوماً تسير بنعش ميت ملحد كانت تسير بنعشه وتحطه ... فوق السماك وفوق فرق الفرقد مات الذي جمع العلوم إلى التقى ... والفضل والورع الصحيح الجيد شيخ الأنام تقي دين محمد ... وجمال مذهب ذي الفضائل أحمد ودّعت قلبي يوم جاء بنعيه ... فتقاعدي يا عين بي أو أنجدي سقت العهاد عراص قبر حله ... جسد حوى خلقاً وحسن تودد من مبلغ العذال فرط صبابتي ... وتعلقي يوم النوى وتسهدى ما بعد رزئك في الزمان رزية ... تصمى المقاتل بالفراق ولا تدي بددت شمل الملحدين جميعهم ... وجمعت شمل ذوي التقى المتبدد يا من ترى أقواله مبيضة ... في كل ذي قول ووجه أسود يا كاليء الإسلام من أعدائه ... وسمام كل أخي نفاق ملحد يا واحد الدنيا ويا فرد الورى ... أنت الذي جددت دين محمد إلى أن قال: لله درك من إمام كامل ... تقفوا الأئمة أثره بل تقتدي صنفت كتباً قد حوت كل الهدى ... وبهديها قد ضل من لا يهتدي فيها رددت على الفلاسفة الألى ... زاغوا عن الحق الصريح الأيدي

стр. 945

وكذا على أهل الكلام وحزبهم ... من كل مبتدع خؤون معتدي فعليك مني ألف ألف تحية ... تغشى ضريحك يا قرين الفرقد (وللحافظ الذهبي ﵀ يرثي الشيخ) : يا موت خذ من أردت أو فدع ... محوت رسم العلوم والورع أخذت شيخ الإسلام وانفصمت ... عرى التقى واشتفى أولوا البدع غيبت بحراً مفسراً جبلاً ... حبراً تقياً مجانب الشبع فإن يحدث فمسلم ثقة ... وإن يناظر فصاحب اللمع وإن يخض نحو سيبويه يفه ... بكل معنى في الفن مخترع وصار عالي الإسناد حافظه ... كشعبة أو سعيد الضبعي والفقه فيه فكان مجتهداً ... وذا جهاد عار من الجزع وجوده الحاتمي مشتهر ... وزهده القادري في الطبع أسكنه الله في الجنان ولا ... زال علياً في أجمل الخلع مع مالك والإمام أحمد والـ ... ـنعمان والشافعي والنخعي مضى ابن تيمية وموعده ... مع خصمه يوم نفخة الفزع وقال أحد أدباء عصره: أشكو إلى الله إلمام الملمات ... وما أقاسيه من حزن ولوعات خف الخليط ودار القاطنين ... وأقفرت منهم أرضي وساحاتي خلت وأقبلت يوم جد البيت في حلل ... سود سليمى على تلك اللييلات يا أيها الصب لا تجزع على وطن ... فإن للدهر أطواراً وحالات وجمل النفس بالصبر الجميل ولا ... تذر الدموع على تلك الأويقات ما كنت أعلم قربي في محبتهم ... حتى رمتني إلى الأبعاد راياتي فاندب على ما مضى من عيشة وصفي ... وابك على ما جرى يا قلبي العاتي واذكر مصارع قوم كيف قد شربوا ... بعد الزلال بكاسات المنيات وأنت من بعدهم تسري كسيرهم ... إما لدار هوان أو بجنات

стр. 946

أقول ما قاله العبد١ المنيب وقد ... أودى به السجن في بر وطاعات أنا الذليل أنا المسكين ذو شجن ... أنا الفقير إلى رب السموات ما زال يتبع آثار الرسول على الـ ... ـنهج القويم بأعلام الدلالات يهدي لسنته يفتي بشرعته ... يرعى لحرمته في كل ساعات قطب الزمان وتاج الناس كلهمو ... روح المعاني حوى كل العبادات حبر الوجود فريد في معارفه ... أفنى بسيف الهدى أهل الضلالات حوى من المصطفى علماً ومعرفة ... وجاءه منه إمداد النوالات ما جاءه سائل إلا ويمنحه ... إما بجود وإما بالمداراة ماذا أقول وقولي فيه منحصر ... في وصف أخلاقه كلّت عباراتي في علمه ما علمنا من يناسبه ... إلا أئمتنا أهل العنايات في جوده ما وجدنا من يماثله ... غير البرامك كانوا في سعادات في زهده ما سمعنا من يشاكله ... إلا رجال مضوا أهل الكرامات يجود وهو فقير إن ذا عجب ... هذا الذي ما سمعنا في الحكايات تلوح شمس المعالي في شمائله ... وفي صفا وجهه نور الهدايات بحر المعارف تاهوا في بدايته ... أهل المعاني وأرباب النهايات قطب الحقائق حاروا في فضائله ... أهل التصوف أصحاب الرياضات أعجوبة الدهر فرد في مظاهره ... علامة الوقت في الماضي وفي الآتي وألهف قلبي على من كان يجمعنا ... على فنون المعاني والإشارات

стр. 947

فارقت من كان يرويني برؤيته ... إذا تبدّى بداسر العبارات يروي الأحاديث عن سكان كاظمة ... فيطرب الكون من طيب الروايات ويطنب الذكر في إحسان حسنهم ... فيرقص القلب شوقا نحو ساداتي أفضى إلى الله والجنات مسكنه ... عليه من ربه أزكى تحيات ثم السلام على المختار ما همعت ... سحب الغمام وجادت بالزيادات والحمد لله حمداً لا انقطاع له ... أرجو به من إلهي محو زلاّتي قال العلامة الشيخ مرعي الحنبلي: وهذا آخر ما أردنا جمعه من بعض مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية وبعض مراثيه على سبيل التلخيص والاختصار ﵁ وأرضاه، ونفعنا به وأعاد علينا من بركته وبركات علومه آمين، ثم قال:

стр. 948

(خاتمة نصيحة وموعظة) قد علمت أيدك الله مما مر من سيرة الشيخ ومناقبه وغزارة علمه وقوة جهاده واتصافه بكل فعل جميل، كشهادة الأئمة له وثنائهم عليه نثراً ونظماً حياً وميتاً أنه من كبار الأئمة المحققين، وعلماء الأمة العاملين الراسخين، وأكابر الأولياء العارفين، بشهادة الإمامين الجليلين أبي حنيفة والشافعي، حيث قالا إذا لم تكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي، لاسيما وقد شهد له غير واحد من الأئمة، مع ما أعطاه الله من العلم والعمل، والزهادة والعبادة، ووقوفه مع الكتاب والسنة، لا يميله عنهما قول أحد كائنا من كان كما مر في مناقبه، هذا وقد تكلم فيه وبغى عليه من لا يخاف الله، واستحل الوقوع في عرضه ونسبه لقبائح هو منها بريء، وترى كثيرا ًمن الجهلة المتهوكين ينسبونه بغير علم لما لا يحل لهم أن ينسبوا إليه أعظم الجاهلين، فكيف بمن هو من العلماء الراسخين وأئمة الدين، والذاب عن شريعة سيد المرسلين، أترى هذا المفتري لم يسمع قول النبي ﷺ في خطبة حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم

стр. 949

هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت " ١ رواه البخاري ومسلم. وروى مسلم أيضاً عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :" كل المسلم على المسلم حرائم، دمه وعرضه وماله " ٢. أو ما درى هذا المتهوّك بلسانه قول الحافظ ابن عساكر: "لحوم العلماء مسمومة، وهتك أستار منقصتهم معلومة". وقوله أيضاً: "لحوم العلماء سم، من شمها مرض، ومن ذاقها مات ". أو ما بلغ هذا المتجري أنه قد جاء النهي عن ذكر مساوىء الأموات والأمر بذكر محاسنهم؟ فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم" ٣ رواه أبو داود والترمذي وابن أبي الدنيا. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" ٤ رواه الإمام أحمد والبخاري والنسائي. وفي رواية أخرى: "لا تذكروا موتاكم إلا بخير، إن يكونوا من أهل الجنة تأثموا، وإن يكونوا من أهل النار فحسبهم ما هم فيه" ٥. فلا يجوز لمن يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر أن يثلم عرض أحد من المسلمين بما لا يليق، فكيف بأئمة المسلمين وورثة النبيين، فكيف بالأموات منهم.

стр. 950

قال الشيخ تاج الدين السبكي: "ينبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع جميع الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلام الناس فيهم إلا ببرهان واضح، ثم إن قدرت على التأويل وتحسين الظن بحسب قدرتك فافعل وإلا فاضرب صفحا عما جرى بينهم، فإنك يا أخي لم تخلق لمثل هذا وإنما خلقت للاشتغال بما يعنيك من أمر دينك. قال: ولا يزال الطالب نبيلاً حتى يخوض فيما جرى بين الأمة فتلحقه الكآبة وظلمة الوجه " انتهى. فإن طعن على الشيخ ابن تيمية ﵀ من حيث العقيدة فعقيدته عقيدة السلف كما وقع الاتفاق على ذلك وقت المناظرة، فليطعن على السلف من طعن فيه. وإن طعن عليه من حيث إفتائه بمسألة الطلاق الثلاث- في كونه أوقع من ثلاث طلقات مجموعة أو متفرقة طلقة واحدة- فهو مجتهد، ولا يجوز الطعن على المجتهد فيما ذهب إليه مما قام عليه الدليل عنده، بل يجب عليه العمل به، على أن مسألة الطلاق قال بها غيره من أكابر الصحابة والتابعين، كما هو مروي عن علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، وقال: قوله ثلاث لا معنى له لأنه لم يطلق ثلاث مرات، وقال به عطاء، وطاووس، وعمرو بن دينار، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، ومحمد بن إسحق، والحجاج بن أرطأة، وقال به من شيوخ قرطبة جماعة منهم محمد بن عبد الحسين فقيه عصره، وأصبغ بن الحباب، وغيرهم. وإن كان الطعن فيه من حيث تحريمه زيارة قبور الصالحين وغيرهم فهو كذب وافتراء عليه، فإنه لا يمنع ذلك، وإنما حكى قولين فيمن شد الرحال لزيارتها ورجح النهي تبعاً لطائفة من الأئمة المجتهدين، والحجة في ذلك قوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد" الحديث، فكيف يسوخ الاعتراض عليه بذلك؟ لاسيما وقد وافقه على ذلك علماء بغداد من رواة المذاهب كلها. وقال الشيخ الإمام الحافظ سراج الدين أبو حفص عمر البزار في مناقبه:
следующие страницы →