← Акыда

Акыда · id 12034

غاية الأماني في الرد على النبهاني

محمود شكري الألوسي

Полный текст (1 119 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

أقول ما قاله العبد١ المنيب وقد ... أودى به السجن في بر وطاعات أنا الذليل أنا المسكين ذو شجن ... أنا الفقير إلى رب السموات ما زال يتبع آثار الرسول على الـ ... ـنهج القويم بأعلام الدلالات يهدي لسنته يفتي بشرعته ... يرعى لحرمته في كل ساعات قطب الزمان وتاج الناس كلهمو ... روح المعاني حوى كل العبادات حبر الوجود فريد في معارفه ... أفنى بسيف الهدى أهل الضلالات حوى من المصطفى علماً ومعرفة ... وجاءه منه إمداد النوالات ما جاءه سائل إلا ويمنحه ... إما بجود وإما بالمداراة ماذا أقول وقولي فيه منحصر ... في وصف أخلاقه كلّت عباراتي في علمه ما علمنا من يناسبه ... إلا أئمتنا أهل العنايات في جوده ما وجدنا من يماثله ... غير البرامك كانوا في سعادات في زهده ما سمعنا من يشاكله ... إلا رجال مضوا أهل الكرامات يجود وهو فقير إن ذا عجب ... هذا الذي ما سمعنا في الحكايات تلوح شمس المعالي في شمائله ... وفي صفا وجهه نور الهدايات بحر المعارف تاهوا في بدايته ... أهل المعاني وأرباب النهايات قطب الحقائق حاروا في فضائله ... أهل التصوف أصحاب الرياضات أعجوبة الدهر فرد في مظاهره ... علامة الوقت في الماضي وفي الآتي وألهف قلبي على من كان يجمعنا ... على فنون المعاني والإشارات

стр. 947

فارقت من كان يرويني برؤيته ... إذا تبدّى بداسر العبارات يروي الأحاديث عن سكان كاظمة ... فيطرب الكون من طيب الروايات ويطنب الذكر في إحسان حسنهم ... فيرقص القلب شوقا نحو ساداتي أفضى إلى الله والجنات مسكنه ... عليه من ربه أزكى تحيات ثم السلام على المختار ما همعت ... سحب الغمام وجادت بالزيادات والحمد لله حمداً لا انقطاع له ... أرجو به من إلهي محو زلاّتي قال العلامة الشيخ مرعي الحنبلي: وهذا آخر ما أردنا جمعه من بعض مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية وبعض مراثيه على سبيل التلخيص والاختصار ﵁ وأرضاه، ونفعنا به وأعاد علينا من بركته وبركات علومه آمين، ثم قال:

стр. 948

(خاتمة نصيحة وموعظة) قد علمت أيدك الله مما مر من سيرة الشيخ ومناقبه وغزارة علمه وقوة جهاده واتصافه بكل فعل جميل، كشهادة الأئمة له وثنائهم عليه نثراً ونظماً حياً وميتاً أنه من كبار الأئمة المحققين، وعلماء الأمة العاملين الراسخين، وأكابر الأولياء العارفين، بشهادة الإمامين الجليلين أبي حنيفة والشافعي، حيث قالا إذا لم تكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي، لاسيما وقد شهد له غير واحد من الأئمة، مع ما أعطاه الله من العلم والعمل، والزهادة والعبادة، ووقوفه مع الكتاب والسنة، لا يميله عنهما قول أحد كائنا من كان كما مر في مناقبه، هذا وقد تكلم فيه وبغى عليه من لا يخاف الله، واستحل الوقوع في عرضه ونسبه لقبائح هو منها بريء، وترى كثيرا ًمن الجهلة المتهوكين ينسبونه بغير علم لما لا يحل لهم أن ينسبوا إليه أعظم الجاهلين، فكيف بمن هو من العلماء الراسخين وأئمة الدين، والذاب عن شريعة سيد المرسلين، أترى هذا المفتري لم يسمع قول النبي ﷺ في خطبة حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم

стр. 949

هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت " ١ رواه البخاري ومسلم. وروى مسلم أيضاً عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :" كل المسلم على المسلم حرائم، دمه وعرضه وماله " ٢. أو ما درى هذا المتهوّك بلسانه قول الحافظ ابن عساكر: "لحوم العلماء مسمومة، وهتك أستار منقصتهم معلومة". وقوله أيضاً: "لحوم العلماء سم، من شمها مرض، ومن ذاقها مات ". أو ما بلغ هذا المتجري أنه قد جاء النهي عن ذكر مساوىء الأموات والأمر بذكر محاسنهم؟ فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم" ٣ رواه أبو داود والترمذي وابن أبي الدنيا. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" ٤ رواه الإمام أحمد والبخاري والنسائي. وفي رواية أخرى: "لا تذكروا موتاكم إلا بخير، إن يكونوا من أهل الجنة تأثموا، وإن يكونوا من أهل النار فحسبهم ما هم فيه" ٥. فلا يجوز لمن يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر أن يثلم عرض أحد من المسلمين بما لا يليق، فكيف بأئمة المسلمين وورثة النبيين، فكيف بالأموات منهم.

стр. 950

قال الشيخ تاج الدين السبكي: "ينبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع جميع الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلام الناس فيهم إلا ببرهان واضح، ثم إن قدرت على التأويل وتحسين الظن بحسب قدرتك فافعل وإلا فاضرب صفحا عما جرى بينهم، فإنك يا أخي لم تخلق لمثل هذا وإنما خلقت للاشتغال بما يعنيك من أمر دينك. قال: ولا يزال الطالب نبيلاً حتى يخوض فيما جرى بين الأمة فتلحقه الكآبة وظلمة الوجه " انتهى. فإن طعن على الشيخ ابن تيمية ﵀ من حيث العقيدة فعقيدته عقيدة السلف كما وقع الاتفاق على ذلك وقت المناظرة، فليطعن على السلف من طعن فيه. وإن طعن عليه من حيث إفتائه بمسألة الطلاق الثلاث- في كونه أوقع من ثلاث طلقات مجموعة أو متفرقة طلقة واحدة- فهو مجتهد، ولا يجوز الطعن على المجتهد فيما ذهب إليه مما قام عليه الدليل عنده، بل يجب عليه العمل به، على أن مسألة الطلاق قال بها غيره من أكابر الصحابة والتابعين، كما هو مروي عن علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، وقال: قوله ثلاث لا معنى له لأنه لم يطلق ثلاث مرات، وقال به عطاء، وطاووس، وعمرو بن دينار، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، ومحمد بن إسحق، والحجاج بن أرطأة، وقال به من شيوخ قرطبة جماعة منهم محمد بن عبد الحسين فقيه عصره، وأصبغ بن الحباب، وغيرهم. وإن كان الطعن فيه من حيث تحريمه زيارة قبور الصالحين وغيرهم فهو كذب وافتراء عليه، فإنه لا يمنع ذلك، وإنما حكى قولين فيمن شد الرحال لزيارتها ورجح النهي تبعاً لطائفة من الأئمة المجتهدين، والحجة في ذلك قوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد" الحديث، فكيف يسوخ الاعتراض عليه بذلك؟ لاسيما وقد وافقه على ذلك علماء بغداد من رواة المذاهب كلها. وقال الشيخ الإمام الحافظ سراج الدين أبو حفص عمر البزار في مناقبه:

стр. 951

أكثر في حقه الأقاويل- الزور والبهتان- من ظاهر حاله العدالة وباطنه مشحون بالفسق والجهالة، ولم يزل المبتدعون أهل الأهواء وآكلوا الدنيا بالدين متعاضدين متناصرين في عداوته، باذلين وسعهم في السعي بالفتك به، متخرصين عليه الكذب الصريح، مختلقين عليه وناسبين إليه ما لم يقله، ولم ينقل عنه ولم يوجد بخطه ولا وجد له في تصنيف ولا فتوى ولا سمع منه في مجلس. قال: وسبب عداوتهم له أن مقصودهم الأكبر طلب الجاه والرياسة وإقبال الخلق، ورأوه قد رقاه الله إلى ذروة السنام من ذلك بما أوقع الله له في قلوب الخاصة والعامة من المواهب التي منحه بها وهم عنها بمعزل، فنصبوا أنفسهم لعدواته، وحسدوه، وسعوا به بما سعوا، ولم يرقبوا الله واليوم الآخر فكان ما كان، وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون. هذا آخر ما وجدناه في كتاب "الكواكب الدرية في مناقب الإمام المجتهد ابن تيمية" للعلامة شيخ الفضلاء المتقنين، وعمدة الفقهاء والمحدثين، الشيخ مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي، المتوفي سنة ثلاث وثلاثين وألف، وقال على طرف كتابه مادحاً شيخ الإسلام: إمام المعالي والمعاني يعيبه ... على فضله من كان في الرتبة الدنيا ومن ذا يعيب البدر والبحر والهدى ... ومن كان فرداً بالفضائل في الدنيا وما ضر نور الشمس إن كان ناظراً ... إليه عيون لم تزل دهرها عميا وهل جاء في الدنيا كأحمد بعده ... وهل حل بدر في منازله العليا وبما ذكر في هذه المناقب يتبين أن مصنف "جلاء العينين" قد سبقه كثير من أفاضل العلماء وأساطين الأمة في الذب عن الإمام الشيخ تقي الدين بن تيمية، وتخطئة من نسب إليه الابتداع واعترض عليه بما ليس له أصل. ومنه يعلم أيضاً أن الزائغ النبهاني قد خاض طينة الخبال في الاعتراض عليه وعلى من أخذ بيده وذب عنه، وفي دعواه أنه على الهدى وأن مثل الشيخ تقي الدين ومن كان على منهجه وصراطه المستقيم من أهل البدعة والضلالة، والنبهاني

стр. 952

ومن هو على شاكلته من أهل الدنيا مغمورون بالجهل والإعراض عن الآخرة، ومع ذلك تكلموا بما تكلموا، كبرت كلمة تخرج من أفواههم، ومثل هؤلاء ليسوا من فرسان هذا الميدان، وكلامهم في هذا الباب فضول من القول لا ينبغي أن يصغى إليه، والله ولي التوفيق، ومنه العصمة من الزلل. وربما اعترض معترض وعارض الكلام السابق بأن الشيخ تقي الدين ﵁ وغيره من الأئمة اعترضوا على أقوال غيرهم من الأكابر وضللوا قائليها، وقد حوا فيهم بما هو معلوم لمن طالع كتب الخف والجدل، فهلا يقال لهم مثل تلك الموعظة التي ذكرها الشيخ مرعي في آخر مناقبه وإلا فما الفرق؟ فالجواب عن هذا الاعتراض: أن ما قاله خصماء الشيخ تقي الدين منبعث عن محض هوى لم تقتضه مناظرة ولم يبعث عليه دليل، ولاسيما ما ذكره السبكي وولده، وابن حجر المكي، وأتباعهم ومقلدوهم، فكل أحد يعلم أن ما نسبوه إليه افتراء، وما قدحوه به مجرد شتم للشيخ تقي الدين استوجبه إبطال الشيخ لما تهواه نفوس هؤلاء من البدع والأهواء، والشيخ تقي الدين رضي الله تعالى عنه كان بحثه واعتراضه بما يقتضيه الدليل، ومقصوده إظهار الحقائق الدينية، لم يكن من مقاصده المكابرة والمجازفة، كما هو شأن أئمة أهل العلم الربانيين مثل الأئمة الأربعة وأصحابهم وما جرى بينهم من المناظرات والمخالفات. وقد رأيت نحو هذا الاعتراض والجواب في كتاب "بيان الدليل على بطلان التحليل" من مصنفات الشيخ قدس الله روحه، حيث تكلم على إبطال الحيل بكلام مفصل، ثم ذكر سؤالاً وجواباً يتعلق بذلك ونصه: "فإن قيل: هذه الحيل مما اختلف فيها العلماء، فإذا قلد الإنسان من يفتي بها فله ذلك، والإنكار في مسائل الخلاف غير سائغ، لاسيما على من كان متقيداً بمذهب من يرخص فيها، أو قد تفقه فيها ورأى الدليل يقتضي جوازها، وقد شاع العمل بها عن جماعات من الفقهاء، والقول بها معزو إلى مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وما قاله مثل هؤلاء الأئمة لا ينبغي الإنكار البليغ فيه، لاسيما على من

стр. 953

يعتقد أن الأئمة المجوزين لها أفضل من غيرهم، وقد ترجح عنده متابعة مذهبهم إما على سبيل الألف والاعتياد أو على طريق النظر والاجتهاد، وهب هذا الاعتقاد باطلا ألستم تعرفون فضل هؤلاء الأئمة ومكانهم من العلم والفقه والتقوى وكون بعضهم أرجح من غيره أو مساوياً له أو قريباً منه؟ فإذا قلد العامي أو المتفقه واحدا منهم- أما على القول بأن العامي لا يجب عليه الاجتهاد في أعين المفتين، أو على القول بوجوبه إذا ترجح عنده أن من يقلده فيها هو الأفضل، لاسيما إن كان فيها هو المذهب الذي التزمه- فلا وجه للإنكار عليه، إلا أن يقال إن المسألة قطعية لا يسوغ فيها الاجتهاد، وهذا إن قيل كان فيه طعن على الأئمة بمخالفة القواطع، وهذا قدح في إمامتهم، وحاش لله أن يقولوا ما يتضمن مثل هذا، ثم قد يفضي ذلك إلى المقابلة بمثله أو بأكثر منه، لاسيما ممن يحمله هوى دينه أو دنياه على ما هو أبلغ من ذلك، وفي ذلك خروج عن الاعتصام بحبل الله سبحانه، وركوب التفرق المنهي عنه وإفساد ذات البين، وحينئذ فتصير مسائل الفقه من باب الأهواء وهذا غير سائغ، وقد علمتم أن السلف كانوا يختلفون في المسائل الفرعية مع بقاء الإلفة والعصمة وصلاح ذات البين. فأجاب الشيخ ﵁ عن ذلك بقوله: قلنا: نعوذ بالله سبحانه مما يفضي إلى الوقيعة في أعراض الأئمة، أو انتقاص أحد منهم، أو عدم المعرفة بمقاديرهم وفضلهم، أو محادّتهم وترك محبتهم وموالاتهم، ونرجو من الله سبحانه أن نكون ممن يحبهم ويواليهم ويعرف من حقوقهم وفضلهم ما لا يعرفه أكثر الأتباع وأن يكون نصيبنا من ذلك أوفر نصيب وأعظم حظ، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقال: لكن دين الإسلام إنما يتم بأمرين: أحدهما: معرفة فضل الأئمة وحقوقهم ومقاديرهم وترك كل ما يجر إلى ثلبهم. والثاني: النصيحة لله سبحانه ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم،

стр. 954

وإبانة ما أنزل الله سبحانه من البينات والهدى، ولا منافاة أن الله سبحانه بين القسمين لمن شرح الله صدره، وإنما يضيق عن ذلك أحد رجلين: رجل جاهل بمقاديرهم ومعاذيرهم، أو رجل جاهل بالشريعة وأصول الأحكام. قال: وهذا المقصود يتلخص بوجوه: أحدها: أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة- وهو من الإسلام وأهله بمكانة عليا- قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لا يجوز أن يتبع فيها مع بقاء مكانته ومنزلته في قلوب المؤمنين. واعتبر ذلك بمناظرة الإمام عبد الله بن المبارك، قال: كنا في الكوفة فناظروني في ذلك- يعني النبيذ المختلف فيه- فقلت لهم: تعالوا فليحتج المحتج منكم عمن شاء من أصحاب النبي ﷺ بالرخصة، فإن لم يبين الرد عليه عن ذلك الرجل بشدة صحت عنه. فاحتجوا، فما جاءوا عن أحد برخصة إلا جئناهم عنه بشدة، فلما لم يبق في يد أحد منهم إلا عبد الله بن مسعود وليس الاحتجاج عنه في شدة النبيذ بشيء يصح عنه، إنما يصح عنه أنه لم ينبذ له في الجر الأخضر. قال ابن المبارك: فقلت للمحتج عنه في الرخصة: يا أحمق! عد أن ابن مسعود لو كان ههنا جالساً لقال هو لك حلال، وما وصفنا عن النبي ﷺ وأصحابه في الشدة كان ينبغي لك أن تحذر أو تجبن أو تخشى. فقال قائلهم: يا أبا عبد الرحمن؛ فالنخعي والشعبي- وسمى عدة معهما-كانوا يشربون الحرام. فقلت لهم: دعوا عند الاحتجاج تسمية الرجال فرب رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا، وعسى أن يكون منه زلة أفلأحد أن يحتج بها، فإن أبيتم فما قولكم في عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة؟ قالوا: كانوا خياراً. قلت: فما قولكم في الدرهم بالدرهمين؟ فقالوا: حرام.

стр. 955

فقال ابن المبارك: إن هؤلاء رأوه حلالاً فماتوا وهم يأكلون الحرام، فبهتوا وانقطعت حجتهم. قال ابن المبارك: ولقد أخبرني المعتمر بن سليمان، قال: رآني أبي وأنا أنشد الشعر، فقال لي: يا بني؛ لا تنشد الشعر، فقلت له؛ يا أبه كان الحسن ينشد، وكان ابن سيرين ينشد، فقال لي أبي: إن أخذت بشر ما في الحسن وبشر ما في ابن سيرين اجتمع فيك الشر كله. وهذا الذي ذكره ابن المبارك متفق عليه بين العلماء، فإنه ما من أحد من أعيان الأمة من السابقين الأولين ومن بعدهم إلا لهم أقوال وأفعال خفي عليهم فيها السنة، وهذا باب واسع لا يحصى مع أن ذلك لا يغض من أقدارهم، ولا يسوغ اتباعهم فيها، كما قال الله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ١. قال مجاهد والحكم بن عتيبة ومالك وغيرهم: ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ . قال سليمان التيمي: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله ٢. قال ابن عبد البر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً ٣. وقد روي عن النبي ﷺ وأصحابه في هذا المعنى ما ينبغي تأمله، فروى كثير بن عبد الله بن عمرو عن عوف المزني عن أبيه عن جده، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إني لأخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة"، قالوا: مما هي يا رسول الله؟ قال: "أخاف عليهم من زلة العالم، ومن حكم الجائر، ومن هوى متّبع" ٤.

стр. 956

وقال ابن زياد بن جدير، قال عمر: ثلاث تهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن والقرآن حق، وعلى القرآن منار كأعلام الطريق ١. وكان معاذ بن جبل يقول في خطبته كل يوم- قلما يخطئه أن يقول ذلك- الله حكم قسط، هلك المرتابون، إن وراءكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يقرأه المؤمن والمنافق، والمرأة والصبي، والأسود والأحمر، فيوشك أحدهم أن يقول قد قرأت القرآن، فما أظن أن يتبعوني حتى أبتدع لهم غيره، فإياك وما ابتدع، فإن كل بدعة ضلالة، وإياكم وزيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، هان المنافق قد يقول كلمة الحق، فتلقوا الحق عمن جاء به، فإن على الحق نوراً. قالوا: كيف زيغة الحكيم؟ قال: كلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه، فاحذروا زيغته، ولا يصدنكم عنه، فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق، وإن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة، فمن ابتغاهما وجدهما ٢. وقال سلمان الفارسي: كيف أنتم عند ثلاث: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم، فأما زلة العالم إن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، تقولون نصنع مثل ما يصنع فلان، وننتهي عما ينتهي عنه فلان، وإن أخطأ فلا تقطعوا إياسكم منه فتعينوا عليه الشيطان، وأما مجادلة منافق بالقرآن فإن للقرآن مناراً كمنار الطريق، فما عرفتم منه فخذوا، وما لم تعرفوه فكلوه إلى الله سبحانه، وأما دنيا تقطع أعناقكم فانظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم. وعن ابن عباس قال: ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: كيف ذاك؟ قال: يقول العالم شيئا برأيه ثم يجد من هو أعلم برسول الله منه فيترك قوله ذلك ثم يمضي الأتباع.

стр. 957

وهذه آثار مشهورة رواه ابن عبد البر غيره. فإذا كنا قد حذرنا زلة العالم، وقيل لنا إنها من أخوف ما يخاف علينا، وأمرنا مع ذلك أن لا نرجع عنه؛ فالواجب على من شرح الله صدره إذا بلغته مقالة ضعيفة عن بعض الأئمة أن لا يحكيها لمن يتقلدها بل يسكت عن ذكرها إن تيقن صحتها، وإلا توقف في قبولها، فما أكثر ما يحكى عن الأئمة مما لا حقيقة له؟ وكثير من المسائل خرجها بعض الأتباع على قاعدة متبوعة، مع أن ذلك الإمام لو رأى أنها تفضي إلى ذلك لما التزمها، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، ومن علم فقه الأئمة وورعهم علم أنهم لو رأوا هذه الحيل وما أفضت إليه من التلاعب بالدين لقطع بتحريمها من لم يقطع به أولا" انتهى ١. ثم ذكر رحمه الله تعالى جواباً ثانياً، وثالثاً، ورابعاً، وخامساً، عن ذلك السؤال وأطنب في كلامه. والمقصود منه؛ أن يعلم من تكلم الشيخ فيه وكلامه ليس من جنس كلام الغلاة- عاملهم الله بعدله- فيه، وهم إنما تكلموا زورا وبهتانا واتباعاً لهواهم، وشأن أتباع الرسل والعلماء العاملين أن يرضوا الله ويغضبوا لله، وأن يتبعوا الكتاب والسنة، وأن يقبلوا ما وافقهما ويتركوا ما خالفهما، وبذلك تتحقق محبة الله ورسوله ﷺ ، وبخلاف ما هنالك تكون العدواة. وما أحسن ما قال شيخ الإسلام ﵀ في "تفسير سورة الكوثر" وهو تفسير جليل:- "سورة الكوثر ما أجلها من سورة، وأغزر فوائدها على اختصارها وحقيقة معناها تعلمها من آخرها، فإنه سبحانه يبتر شانىء رسوله من كل خير، فيبتر ذكره وأهله وماله فيخسر ذلك في الآخرة، ويبتر حياته فلا ينتفع بها ولا يتزود فيها صالحاً لمعاده، ويبتر قلبه فلا يعي الخير ولا يؤهله لمعرفته ومحبته والإيمان

стр. 958

برسله، ويبتر أعماله فلا يستعمله في طاعته، ويبتره من الأنصار فلا يجد له ناصراً ولا عوناً، ويبتره من جميع القرب والأعمال الصالحة فلا يذوق لها طعماً ولا يجد لها حلاوة، وإن باشره بظاهره فقلبه شارد عنها، وهذا جزاء من شنأ بعض ما جاء به الرسول ﷺ ورده لأجل هواه أو متبوعه أو شيخه أو أميره أو كبيرة، كمن شنأ آيات الصفات وأحاديث الصفات وتأولها على غير ما أراد الله ورسوله سفها وظلما على ما يوافق مذهبه ومذهب طائفته، أو تمنى أن لا تكون آيات الصفات أنزلت، ولا أحاديث الصفات قالها رسول الله ﷺ ، ومن أقوى علامات شنآنه لها وكراهته لها أنه إذا سمعها حين يستدل بها أهل السنة على ما دلت عليه من الحق اشمأز من ذلك وحاد عن ذلك، لما في قلبه من البغض لها، فأي شنآن للرسول أعظم من هذا؟ وكذلك أهل السماع الذين يرقصون على سماع الغناء والقصائد، والدفوف والشبابات، وإذا سمعوا القرآن يتلى ويقرأ عليهم في مجالسهم استطالوا ذلك واستثقلوه، فأي شنآن أعظم من هذا؟ وقس على هذا سائر الطوائف في هذا الباب، وكذا من اثر كلام الناس وعلومهم على القرآن والسنة، فلولا أنه شانىء لما جاء به الرسول ما فعل ذلك، حتى أن بعضهم لينسى القرآن بعد أن حفظه، ويشتغل بقول فلان وفلان، ولكن من أعظم شنآنه ورده؛ من كفر به وجحده، وجعله أساطير الأولين وسحراً يؤثر، فهذا أعظم وأطم انبتاراً، وكل من شنأه له نصيب من الانبتار على قدر شنئه له، فهؤلاء شنؤوه وعادوه جازاهم الله بأن جعل الخير كله معادياً لهم فبترهم منه، وخص نبيه ﷺ بضد ذلك، وهو أن أعطاه الكوثر وهو الخير الكثير الذي آتاه الله في الدنيا والآخرة، وأعطاه في الدنيا الهدى والنصر والتأييد، وقرة العين والنفس، وانشراح الصدر، ونعم قلبه بذكره وحبه، بحيث لا يشبه نعيمه نعيم في الدنيا البتة، وأعطاه في الآخرة الوسيلة والمقام المحمود، وجعله أول من يفتح له ولأمته باب الجنة، وأعطاه في الآخرة لواء الحمد والحوض العظيم في موقف القيامة إلى غير ذلك، وجعل المؤمنين كلهم أولاده وهو أب لهم، وهذا ضد حال الأبتر الذي يشنأه

стр. 959

ويشنأ ما جاء به، وقوله: (إن شانئك) أي مبغضك (هو الأبتر) أي المقطوع النسل الذي لا يولد له خير ولا عمل صالح، فلا يتولد عنه خير ولا عمل صالح. قيل لأبي بكر بن عياش: إن في المسجد قوماً يجلسون ويجلس إليهم، فقال: من جلس للناس جلس الناس إليه، ولكن أهل السنة يموتون ويحيى ذكرهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم. لأن أهل السنة أحيوا بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، وأهل البدعة أماتوا ما جاء به الرسول ﷺ ، فكان لهم نصيب من قوله (إن شانئك هو الأبتر) . فالحذر الحذر أيها الرجل من أن تكره شيئاً مما جاء به الرسول، أو ترده لأجل هواك، أو انتصاراً لمذهبك أو شيخك، أو لأجل اشتغالك بالشهوات أو بالدنيا، فإن الله لم يوجب على أحد طاعة أحد إلا طاعة رسوله ﷺ والأخذ بما جاء به، بحيث لو خالف العبد جميع الخلق واتبع الرسول ما سأله الله تعالى عن مخالفة أحد، فإن كل من أطيع أو يطاع إنما يطاع تبعاً للرسول ﷺ ، ولو أمر بخلاف ما أمر به الرسول ما أطيع، فاعلم ذلك واسمع وأطع، واتبع ولا تبتدع تكن أبتر مردوداً عملك، بل لا خير في عمل أبتر من الاتباع، ولا خير في عامله" انتهى. فهذه أقوال أهل العلم فيمن انتقص أئمة الهدى وخيار الأمة كما فعل النبهاني وابن حجر المكي وسائر الغلاة، وقد كشف الله تعالى عن سوأتهم، وأراهم سوء منقلبهم، هذا بعض ما يستحقونه من عذاب الله وبطشه، ولعذاب الآخرة أشد. والنبهاني الغافل ظن أن أهل الحق ليس لهم أعوان ولا أنصار سوى مصنف (جلاء العينين) فأخذ يشنع عليه بأقواله الكاسدة، وما درى المسكين أن أنصار الله لا يحيط بهم نطاق الإحصاء، وما يعلم جنود ربك إلا هو، نسأله تعالى الهداية إلى صراطه المستقيم. قال النبهاني، وقد عقد فصلاً في الفرق بين الإمامين ابن حجر وابن تيمية:

стр. 960

من المعلوم أن كل مذهب من المذاهب الأربعة أهله أعلم وأدرى بأحوال علماء مذهبهم، لكثرة تدقيقهم في أقوالهم، وتنقيبهم عن أحوالهم، وتتبعهم لمحاسنهم ومساويهم، ويروي ذلك خلفهم عن سلفهم، ليأخذوا بأقوالهم في المذهب أو يردوها، أو يعتمدوها أو يضعفوها، وقد نظرنا إلى هذين الإمامين ابن حجر وابن تيمية، فوجدنا ابن حجر إماماً في مذهب الشافعي لا يعادله فيه أحد من الأئمة المتأخرين سوى الشمس الرملي على خلاف بين العلماء في الترجيح بينهما، أما إذا اتفقا على حكم وجب المصير إليه عند كافة علماء مذهب الشافعي على الإطلاق، فهذه منزلة ابن حجر في مذهبه، وهي معلومة لا ينكرها أحد، ولا يدّعي خلافها جاهل فضلاً عن عالم، ومؤلفاته في الفقه هي عمدة مذهب الشافعي من عصره إلى الآن، وكلها محررة مقبولة بإجماع أهل مذهبهم وغيرهم، وهي كثيرة، وأكثرها مطولات في عدة مجلدات: منها شرح العباب، وتحفة المحتاج شرح المنهاج، والإمداد شرح الإرشاد ثم اختصره في مجلدين، وسماه (فتح الجواد) وألّف عليه حاشيته، والفتاوى الكبرى، وشرح الحضرمية، وحاشية مناسك النووي، ومختصر المناسك المذكورة ومختصر الروض، هذا ما استحضرته الآن من كتبه الفقهية. وله مؤلفات كثيرة في الحديث وغيره، وكلها نالت منتهى القبول، والناس عليها في غاية الإقبال، وأكثرها مطولات، منها شرح مشكاة المصابيح، والزواجر عن اقتراف الكبائر، والصواعق المحرقة لأهل الرفض والزندقة، وأسنى المطالب في صلة الأقارب، وشرح الشمائل، وشرح الهمزية، وشرح الأربعين النووية، والإعلام بقواطع الإسلام، وكف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع، والإيضاح والبيان بما في ليلة الرغائب والنصف من شعبان، وغير ذلك مما لم يحضرني الآن ذكره. وكلها يتنافس باقتنائها المتنافسون، ويعتمد عليها من جميع المذاهب العلماء المحققون، ولا يخلو منها في الغالب مكتبة من المكاتب، فيا لها من مؤلفات جليلة خدم بها الدين، ونفع بها المسلمين، وانتشرت في العالمين،

стр. 961

وتلقاها الناس بالقبول التام في جميع بلاد الإسلام، للاتفاق على أنه أحد الأئمة الأعلام، الذين لم يطعن فيهم أحد من علماء مذهب الإسلام من عصره إلى الآن، ولم ينسبه واحد منهم إلى بدعة أو مخالفة سنة، وقد كان يعتقد في ساداتنا الصوفية أحسن الاعتقاد، ويثني عليهم أحسن الثناء، ويجيب عنهم بأحسن الأجوبة، فشملته بركاتهم وعمته نفحاتهم، وبالجملة فقد كان من أكابر أئمة العلماء العاملين، الهداة المهديين، الذين جددوا وأيدوا بعلمهم هذا الدين المبين، وعم نفعهم جميع المسلمين، فوقع على قبوله والإقبال على كتبه الاتفاق في جميع الآفاق. قال: وأما ابن تيمية فهو أيضاً إمام من أئمة الإسلام، وقد كان من الممتازين في عصره في العلم والعمل، والتصلب في الدين، بحيث لا تأخذه في الحق لومة لائم، حتى أنه جرى عليه بسبب مخالفته لما عليه جمهور الأمة من بدعه المعلومة التي شذ بها إهانات كثيرة، وحبس بها مراراً، إلى أن توفي في الحبس، ولم يرجع عما ظهر له أنه الحق من تلك البدع، وكان من أكابر حفاظ الحديث، وله في علوم الدين مؤلفات كثيرة مطولات ومختصرات قل من وفقه الله لمثلها، ولكن الله تعالى لم يقدر الانتفاع بعلمه وكتبه كالانتفاع بعلم الإمام ابن حجر وكتبه، فإن كتبه ﵀ على كثرتها ونفاستها بقيت في زوايا الإهمال، ولم يقبل عليها جمهور العلماء وغيرهم، ولا تلقوها بالقبول، فذهب أكثرها ضياعاً، ولا يوجد منها الآن بين الناس إلا القليل، ومعلوم أن ذلك من الله وحده لا شريك له، فهو الذي نشر علم ابن حجر وكتبه في الأمة نشراً تاماً، بحيث انتفع بها الخاص والعام في سائر بلاد الإسلام، وهو سبحانه الذي صرف القلوب عن كتب ابن تيمية حتى لم يبق منها إلا القليل النادر، وقلما يوجد منها شيء في مكتبة من المكاتب الموقوفة والمملوكة، وإذا وجد لا ينتفع بها، مع أن كتبه كلها تدل على أنه من أكابر أئمة الإسلام، إلا أنه قلما يخلو كتاب منها من شذوذ يخالف به مذاهب المسلمين، ويشنع على علماء الدين، ولاسيما الأولياء العارفين. إلى أن قال: وأظن بل أتيقن أن السبب الوحيد لعدم انتفاع الناس بكتب ابن تيمية وعلمه مع جلالة قدره شذوذه في تلك

стр. 962

المسائل، واعتراضه على هؤلاء الأكابر، وما شبهت كتبه إلا بكنوز مملوءة من الجواهر النفيسة، ولكنها مرصودة من بدعه ومخالفته للأمة بحيات قاتلات، فهي تمنع الناس من الإقبال عليها والانتفاع بها ... إلى آخر ما هذى به. هذه جملة من كلام النبهاني فيما قاله في المحاكمة بين ابن حجر وابن تيمية، وكأنه تعلمها من قوانين الجزاء أو الحقوق، فإنها بعيدة عن العلم الذي أنزل الله به كتبه، وسقت هذا المقدار منه ليعلم أهل العلم المنصفون درجته في الجهل والحسد، وقد كتب هذا كله في مقابلة ما ذكره "مصنف جلاء العينين" من الحق الظاهر، وانحياد ابن حجر عنه وتقوّله على علماء الدين. وقال هذا الزائغ- قبل شروعه في مقالته هذه- ما نصه: ولما ظهر تحامل مصنف (جلاء العينين) في كتابه هذا على أهل السنة ومذهبهم، ولاسيما الإمام السبكي وابنه وابن حجر، وبالغ في التعصب بمدح ابن تيمية ومذهبه، وكل من كان على شاكلته- رأيت أن أذكر هنا الفرق بين ابن تيمية وابن حجر، ليظهر لكل أحد أنه حكم لابن تيمية على ابن حجر بالباطل، فأقول: إلى آخر مقالته التي نقلناها. وكلامه هنا متناقض، كما أنه كذلك في كل مقام، فتارة يقول عن ابن تيمية أنه إمام من أئمة المسلمين، وأخرى يبدعه ويجعله من المبتدعين، وهكذا كله كلام يوحيه الشيطان إلى أوليائه، والنبهاني الزائغ- كما لا يخفى على من وقع على جهله وضلاله- ليس من أهل الترجيح لأقوال أهل العلم بعضها على بعض، بل لا يحسن قراءة عبارتها، ولا يصلح أن يكون حكماً بين صبيين فضلاً عن أن يكون حكماً بين العلماء. ما أنت بالحكم لترضى حكومته ... ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل فإن من شرط الحكم أن يكون عالماً بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، ومذاهب المجتهدين، فمن أين لهذا الزائغ من هذه العلوم؟! قال شيخ الإسلام قدس الله روحه: "من المعلوم أنّا إذا تكلمنا في العلماء

стр. 963

والمشائخ المختلفين في العلم والدين وجب أن يكون الكلام بعلم وعدل، لا بجهل وظلم، فإن العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال، والظلم محرم مطلقاً لا يباح قط بحال، قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ١ وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار، وهو بغض مأمور به، فإذا كان البغض الذي أمر الله به قد نهي صاحبه أن يظلم من يبغضه فكيف في بغض مسلم بتأويل وشبهة أو بهوى نفس؟ فهو أحق أن لا يظلم بل يعدل عليه، وأصحاب رسول الله ﷺ أحق من عدل عليهم في القول والعمل، وهكذا أتباعهم، والعدل مما اتفق أهل الأرض على مدحه ومحبته والثناء على أهله ومحبتهم، والظلم مما اتفق على ذمه وتقبيحه وذم أهله وبغضهم، وليس المقصود الكلام في التحسين والتقبيح العقلي، فقد تكلمنا عليه في غير هذا الموضع في مصنف مفرد، ولكن المقصود أن العدل محمود محبوب باتفاق أهل الأرض، وهو محبوب في النفوس، مركوز حبه في القلوب، تحبه القلوب وتحمده، وهو من المعروف الذي تعرفه القلوب، والظلم من المنكر الذي تنكره القلوب فتبغضه وتذمه، والله تعالى أرسل الرسل ليقوم الناس بالقسط، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ٤ وقال: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٥ وقال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقّ﴾ ٦. فأمره أن يحكم بالقسط، وأن يحكم بما أنزل

стр. 964

الله، فدل ذلك على أن القسط هو ما أنزل الله، فما أنزل الله هو القسط، والقسط هو ما أنزل الله، ولهذا وجب على كل من حكم بين اثنين أن يحكم بالعدل، لقوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ فليس لحاكم أن يحكم بظلم أبداً. والشرع الذي يجب على حكام المسلمين الحكم به عدل كله، ليس في الشرع ظلم أصلاً، بل حكم الله أحسن الأحكام، والشرع هو ما أنزل الله، فكل من حكم بما أنزل الله فقد حكم بالعدل، لكن العدل قد يتنوع بتنوع الشرائع والمناهج، فيكون العدل في كل شرعة بحسبها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ١. ذكر سبحانه حكم التوراة والإنجيل، ثم ذكر أنه أنزل القرآن، وأمر نبيه أن يحكم بينهم بالقرآن ولا يتبع أهواءهم عما جاءه من الكتاب، وأخبر أنه جعل لك واحد من الأنبياء شرعة ومنهاجاً، فجعل لموسى وعيسى ما في التوراة والإنجيل

стр. 965

من الشرعة والمنهاج، وجعل للنبي ﷺ ما في القرآن من الشرعة والمنهاج، وأمره أن يحكم بما أنزل الله، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله، وأخبره أن ذلك هو حكم الله، ومن ابتغى غيره فقد ابتغى حكم الجاهلية، وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ . ولا ريب أن من لم يعتقد١ وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله، كسوالف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر، فإن كثيراً من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، وإلا كانوا جهّالاً كمن تقدم أمره٢.

стр. 966

وقد أمر الله المسلمين كلهم إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ١ وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٢. فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزماً لحكم الله ورسوله باطناً وظاهراً لكن عصى واتبع هواه فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة، وهذه الآية مما يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما أنزل الله ثم يزعمون أن اعتقادهم هو حكم الله، وقد تكلم الناس بما يطول ذكره ههنا، وما ذكرته يدل عليه سياق الآية. والمقصود؛ أن الحكم بالعدل واجب مطلقاً في كل زمان ومكان على كل أحد ولكل أحد، والحكم بما أنزل الله على محمد ﷺ هو عدل خاص، وهو أكمل أنواع العدل وأحسنها، والحكم به واجب على النبي ﷺ وكل من اتبعه، ومن لم يلتزم حكم الله ورسوله فهو كافر، وهذا واجب على الأمة في كل ما تنازعت فيه من الأمور الاعتقادية والعملية، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ٤ وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٥. فالأمور المشتركة بين الأمة لا يحكم فيها إلا الكتاب والسنة ليس لأحد أن

стр. 967

يلزم الناس بقول عالم ولا أمير ولا شيخ ولا ملك، ومن اعتقد أنه يحكم بين الناس بشيء من ذلك ولا يحكم بينهم بالكتاب والسنة فهو كافر، وحكام المسلمين يحكمون في الأمور المعينة لا يحكمون في الأمور الكلية، وإذا حكموا في المعينات فعليهم أن يحكموا بما في كتاب الله، فإن لم يكن فبما في سنة رسول الله ﷺ ، فإن لم يجدوا اجتهد الحاكم برأيه. وقد قال النبي ﷺ : "القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، فمن علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ومن علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار ومن قضى للناس على جهل فهو في النار". وإذا حكم بعلم وعدل فإذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن النبي ﷺ من وجهين. والمقصود هنا؛ أنه إذا وجب فيما شجر بين عموم المؤمنين أن لا يتكلم إلا بعلم وعدل ويرد ذلك إلى الله والرسول فذاك في أمر الصحابة أظهر، فلو طعن طاعن في بعض ولاة الأمور من ملك وحاكم وأمير وشيخ ونحو ذلك وجعله كافراً متعدياً على غيره في ولاية غيرها، وجعل غيره هو العالم العادل المبرأ من كل خطأ وذنب، وجعل كل من أحب الأول وتولاّه كافراً أو ظالماً مستحقاً للسب وأخذ يسبه- فإنه يجب الكلام في ذلك بعلم وعدل. والرافضة سلكوا في الصحابة مسلك التفرق، فوالوا بعضهم وغلوا فيه، وعادوا بعضهم وغلوا في معاداته. وقد يسلك كثير من الناس ما يشبه هذا في أمرائهم وملوكهم، وعلمائهم وشيوخهم، فيحصل بينهم رفض في غير الصحابة، تجد أحد الحزبين يتولى فلاناً ومحبيه ويبغض فلاناً ومحبيه، وقد يسب ذلك بغير حق، وهذا كله من التفرق والتشيع الذي نهى الله عنه ورسوله، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ

стр. 968

اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٢. قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة. ولهذا كان أبو أمامة الباهلي وغيره يتأولها في الخوارج. فالله تعالى قد أمر المؤمنين كلهم أن يعتصموا بحبله جميعاً ولا يتفرقوا، وقد فسر حبله بكتابه،. وبدينه، وبالإسلام وبالإخلاص، وبأمره، وبعهده، وبطاعته، وبالجماعة، وهذه كلها منقولة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وكلها صحيحة، فإن القرآن يأمر بدين الإسلام، وذلك هو عهده وأمره وطاعته، والاعتصام به جميعاً إنما يكون في الجماعة، ودين الإسلام حقيقته الإخلاص لله. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاّه الله أمركم". والله تعالى قد حرم ظلم المسلمين أحيائهم وأمواتهم، وحرم دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت إلاّ ليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع" انتهى، ما هو المقصود من كلامه ﵀. وبه علم أن النبهاني قد حكم بغير ما أنزل الله، فإنه لم يستند في كتابه كله فضلاً عن هذا المقام بكتاب ولا بسنة، ولا بدع أن يصدر ذلك منه فإنه قد تعود

стр. 969

الحكم بغير ما أنزل الله كسائر أحكامه في محكمته، فهو في هذا الحكم وغيره أحد القاضيين. وأما مصنف (جلاء العينين) فإنه أسند جميع ما جاء به إلى الكتاب والسنة، فهو متبع في أحكامه كلها ما أنزل الله، وهذا هو الوجه الأول مما ورد على كلام النبهاني في هذا المقام. والوجه الثاني: أن التصدي لبيان الفرق بين ابن حجر وكتبه وبين الشيخ تقي الدين ابن تيمية وكتبه كالتصدي لبيان الفرق بين الحصى والدر، والخزف والذهب، والظل والحرور، والماء العذب والمالح، وأين السماء من الأرض، وأين السمك من السمّاك، وأين الليل من النهار، وأين السواد من الظلام، وأين الأموات من الأحياء، وأين النائم من اليقظان، وأين الفقير من الغني، وأين الجاهل من العالم؟ إلى غير ذلك من النسب بين الأضداد، والموازنة بين العاقل والجماد. عدمتك قد بان التباين في الورى ... وفيما برى الباري فسبحان من برى ضللت الهدى إذ بالحصى قست جوهراً ... عداك الحجى أين الثريا من الثرى وأين حصى الحصباء من درر البحر فما مادر فيهم سواء وحاتم ... ولا كهجان الخيل خيل كرائم فهل يستوي سيف كهام وصارم ... وهل يستوي لا در درك عالم وفهّ جهول ناقص الدين والحجر قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. فابن حجر بالنسبة إلى الشيخ طفل راقد في مهد طفوليته، بل إن من رجح الشيخ على ابن حجر لم ينصف ولم يحكم بالحق:

стр. 970

ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف خير من العصا إن ابن تيمية قد تسابق مع أكابر المجتهدين على ما سمعت ممن صنف في مناقبه، وما كان ثناء أكابر أهل العلم عليه، فلو أن النبهاني أجرى الموازنة بينه وبين إمام ابن حجر الكبير؛ لكان ذلك أيضاً محل إشكال ونظر. إن آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار الوجه الثالث: أن النبهاني لم يعرف طريق الموازنة ووجهها، وليته طالع كتاب الموازنة بين أبي تمام والبحتري، ولو أنه طالعه لعرف طريقها، وإن كانت تلك في شعر وما نحن فيه فن آخر، فإن أصول الموازنة لا تختلف، وحينئذ كان اللازم عليه أن يوازن بين كتاب وكتاب اتفقا في الموضوع، كأن يوازن بين "الصواعق المحرقة" لابن حجر وكتاب " منهاج السنة" للشيخ تقي الدين ابن تيمية، فإن كلا الكتابين في الرد على الروافض، وبعد الموازنة بين هذين الكتابين يظهر للمنصف معنى قول القائل وفي الحيوان يشترك اضطراراً ... أرسطا طاليس والكلب العقور أو أن يوازن بين تحفة ابن حجر أو غيره من كتبه الفقهية وبين شرح العمدة في الفقه لشيخ الإسلام، وهكذا يأتي بكل كتاب وما يناسبه في موضوعه، ويوازن بين ما اشتملا عليه من المسائل والدلائل، وسلاسة العبارة ووفائها بالمقصود، فحينئذ ينجلي الغبار، ويتميز الليل من النهار،ولكن يبقى عليه نحو ثلاثمائة مصنف للشيخ بل أكثر ليس لابن حجر في مقابلتها شيء، بل لم تخطر على بال ابن حجر، فماذا يصنع حينئذ وبأي شيء يوازن تلك الكتب؟ والجهل وعدم الحياء يوقعان من اتصف بهما بأعظم من ذلك، نسأله تعالى العفو والعافية، والمنصف يعلم يقيناً أن الموازنة وبيان الفرق بين كتب ابن حجر أو غيره من غلاة الشافعية وبين كتب الشيخ كالموازنة بين قرآن مسيلمة الكذاب وبين كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فأين ما قاله ذلك الكذاب من الكتاب الذي أنزل بالحكمة وفصل الخطاب؟ وعندي أن هذا الشبيه

стр. 971

حق، فإن غالب كتب ابن حجر مشحونة بالكذب، والافتراء، وقول الزور، والآراء التي لم تستند إلى كتاب ولا سنة صحيحة، والدعوة إلى غير الله، ونحو ذلك من البدع والضلالات. وكتب الشيخ تقي الدين تملأ قلوب مطالعيها نوراً وإيماناً وحكمة ويقيناً، وهي كما قال الإمام الحافظ الشيخ عبد الله العراقي في كتابه الذي أرسله إلى بعض تلامذة شيخ الإسلام بعد وفاته وقد ذكرناه سابقاً: فما أشبه كلام هذا الرجل بالتبر الخالص المصفى، وقد يقع في كلام غيره من الغش والشبه المدلس بالتبر ما لا يخفى على طالب الحق بحرص وعدم هوى. إلى آخر ما قال. الوجه الرابع: إن كتب ابن حجر كلها منتقدة في نظر أهل البصائر بأن البعض منها منتحل على ما سبق بيانه، فإن كتاب الزواجر انتحله من كتاب الكبائر لابن القيم أحد تلامذة شيخ الإسلام، كما لا يخفى على من طالع الكتابين، ولا يمكن أن يقال إن ذلك من باب توارد الخواطر، فإن التوافق لم يقع من الأول إلى الآخر، وابن القيم ﵀ متقدم عليه بزمن طويل. وكذلك الإعلام بقواطع الإسلام، انتحله أيضاً من كتاب شيخ الإسلام إما بواسطة أو بغير واسطة، ولسان الكتابين يخالف لسان ابن حجر في كثير من كتبه، لاسيما الجوهر المنظم، والصواعق، ونحوهما من كتبه، التي يصون أهل العلم ألسنتهم عن التكلم بمثلها، فقد اشتملت على أحاديث موضوعة مكذوبة على النبي ﷺ ، وأقاويل لا يتكلم بها ابن يوم كما لا يخفى على من وقف على ما صنف من الردود عليها. وأما التحفة، وسائر كتبه الفقهية فهي مما لا يجوز لمسلم أن يطالعها لما اشتملت عليه من الغموض والخفاء، والدقة في التعبير، وأهل العلم نهوا عن أقل من ذلك، بل قد صرح بعضهم بمنع المفتين أن يفتوا بكتب ابن حجر، لما أنهم لا يأمنون من الخطأ لما اشتملت عليه من ضيق العبارة والألغاز والتعقيد المنافي كل ذلك للإفادة والاستفادة، على أن المسلمين في غنى عنها، فإن كتب السادة

стр. 972

الشافعية وغيرهم قد ملأت العالم، وكلها شافية كافية، فما الحاجة إلى كتب ابن حجر المنتحلة من كتب من سبقه، ألا ترى أن الشافعية لما اشتغلوا بها قل العلم والعلماء فيهم، بخلافهم لما كانوا يشتغلون بغيرها من الكتب الواضحة المبسوطة. وأما كتب شيخ الإسلام فلا يقوم غيرها مقامها من الكتب السابقة واللاحقة على ما لا يخفى على المنصف. الوجه الخامس: أن مذهب الشافعي ليس مدار الأحكام في كثير من بلاد الإسلام، إنما مدارها في مشارق الأرض ومغاربها على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁، وفقهاء السادة الحنفية قد أغنوا العالم عن مثل ابن حجر، هؤلاء مسلموا البلاد الهندية كلهم حنفيون، وهكذا بلاد الصين، والأتراك في آسيا الوسطى، وهكذا بلاد الدولة العثمانية حرسها الله، والحنفيون غالبهم حنفيون. وأما مذهب الشافعي فيكاد ينقرض من الأرض ويرتفع من الدنيا، فلا تكاد ترى حكماً يدور على مذهبه، كما انقرض مذهب أهل الظاهر وغيره، نعم للشافعي اليوم مقلدون في العبادات فقط، وغالبهم ممن لا يفرق بين اليمين والشمال، هذا حال أصل المذهب، فأين بقيت كتب ابن حجر؟ وبطل قول النبهاني: وكلها يتنافس باقتنائها الححتنافسون، ويعتمد عليها من جميع المذاهب المحققون. وليت شعري من اعتمد عليها من علماء السادة الحنفية؟ وأين بقيت كتبهم التي انتشرت في مشارق الأرض ومغاربها؟ والذي أعلمه أن كتب ابن حجر وغيره من غلاة الشافعية لا تساوي عندهم قلامة ظفر، وكذلك السادة المالكية والحنابلة. فقول النبهاني: وتلقاها الناس بالقبول التام في جميع بلاد الإسلام. كذب ظاهر، وكيف يتلقاها أحد من أهل البصائر بالقبول وهي آراء محضة لم يستند فيها

стр. 973

إلى كتاب ولا سنة؟ نعم كان بعض جهلة الشافعية مغترين ببعضها قبل أن تنتشر كتب المتقدمين وتظهر كنوز العلم بواسطة الطبع. الوجه السادس: قوله في بيان سبب انتشار كتبه وتعليله للاتفاق على أنه أحد الأئمة الأعلام، الذين لم يطعن فيهم أحد من علماء مذاهب الإسلام، من عصره إلى الآن، ولم ينسبه واحد منهم إلى بدعة إلخ؛ كذب ظاهر، بل قد طعنوا به وبكتبه، كما مر غير مرة، على أنه لو سلم ذلك فليس فيه ما يستوجب المدح، بل ما يستوجب خلافه، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ ١ والسواد الأعظم لا يرضون عن أحد حتى يوافقهم على أهوائهم وعقائدهم الزائغة، أو أن أهل العلم لم يعبؤوا بمثله، ولا التفتوا إليه، فإن ابن حجر مما لا أهمية به. إن الرياح إذا اشتدت عواصفها ... فليس ترمي سوى العالي من الشجر ألا ترى أنك لا تجد عالماً مشهوراً، وفاضلاً مذكوراً إلا ووجه الناس إليه سهام الملام، وعاداه جمع كثير من الأنام، وذلك فخر لأهل العلم ودليل على علو شأنهم. قال الإمام الرافعي في كتابه (إحياء القلوب) : واعلم أن كثرة الإنكار والأعداء مما يثبت لك أسوة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ٢ فعلم أن عداوة المؤمنين للعبد من شقاوته، لأن قلوب المؤمنين لا تمقت إلا بحق، لأنهم لا يجتمعون على ضلالة، وأعظم نصابهم أربع. واعلم أن الدنيا ليست موضع ظهور الجزاء للتكليف، فكل إنسان فيها مشغول بنفسه، مطلوب بأداء ما كلف به من العمل، فمن علم هذا لم يبالِ كيف أصبح ولا أمسى عند الخلق، ولم يلتفت لمدحهم ولا ذمهم، لأنهم في محل

стр. 974

الحجاب، وانظر إلى أحواله ﷺ في الدنيا لم يظهر لنا منها إلا ما أخبرنا الحق تعالى من علو مرتبته، ولولا ذلك جهلنا قدره في الآخرة، يظهر مقامه للخاص والعام فلا يظهر كماله إلا في الآخرة، وكذلك كمل الرجال لأنها دار ظهور النتائج، وأما الدنيا فإنما هي دار أعمال، فمن طلب ظهور النتائج فيها فقد قلب الموضوع، وباع آخرته بعرض من الدنيا فافهم. قال: وقال أبو الحسن الشاذلي: لما علم الله أنه لا بد أن يتكلم في أنبيائه وأصفيائه قضى على قوم بالشقاوة فنسبوه إلى اتخاذ الصاحبة والولد، حتى إذا ضاق الولي ذرعاً من كلام قيل فيه؛ نادته هواتف الحق: هذا وصفك لولا لطفي بك. فافهم وطب نفساً وقر عيناً بجميع ما يقال فيك، فإن جميع المنكرين رحمة من الله عليك، وإلا لو عكس الأمر وجعلك منكراً عليه كالكافر أو العاصي ماذا كنت تفعل، فاحمد الله ، واسلك سبيل الأصفياء. وكثرة المدح من جميع الخلق لا يغني عنك من الله شيئاً وأنت عنده بخلاف ذلك، وكثرة الذم والأذى من الخلق لا يضرك شيئاً وأنت عنده بخلاف ذلك، بل جميع المنكرين يفارقونك بالموت، فهل ينزلون معك في القبر فيتعصبون عليك ويتولون سؤالك أو حسابك في الآخرة؟ واحذر حين مدح الخلق لك أن تظهر التواضع فتحقر نفسك لما يعظمونك، فإن ذلك يزيدك تعظيماً عندهم، بل اسكت إيهاماً لهم بأنك تحب المدح بما ليس فيك، هذا هو الأصلح لك دائماً فافهم. فإن قال لك الشيطان: هذا مما ينفر القلوب منك وأنت تنفع الناس وتعلمهم الخير وإنما يليق هذا الحال بالسواح الذين خربوا حالهم، فقل له: إنما أنظر إلى المحرك لهم وهو الله تعالى، فإن أقام في باطنهم تعظيماً لي عظموني ولا يمكنهم أن يحقروني، وأشهد ذلك فضلاً منه، وإن أقام في باطنهم تحقيراً لي لا يمكنهم التعظيم لي ولو أظهرت لهم كل كرامة فافهم.

стр. 975

وبالجملة؛ فمن كان قصده التعظيم عند الخلق لم يزل في تكدير، لأنه لا بد في الوجود من منكر عليه، وطلبه من جميع الخلق أن يقبلوا عليه بالثناء والحمد والاعتقاد جهل منه، فلا بد له من ذام ومادح ولو كان في فضل نحو الصحابة ﵃، وقد كان شخص يذم الإمام علي بن أبي طالب ﵁ وينكر عليه فاجتمع به المنكر فأثنى عليه بحضرة الصحابة ﵃ على خلاف عادته، فقال الإمام علي ﵁: أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك. فافهم فهمنا الله وإياك، فإن من رضي بعلم الله فيه لا يتغير، ولو توجه إليه الثقلان بالذم والتنقيص، ولا يغيره على الله شيء، بل شأن العبد الغفلة عما الناس فيه مطلقاً شغلاً بسيده، وقد رأيت هاتفاً يقول على لسان الحق تعالى: من شهد الأمور كلها مني لم يتغير لوجدان ولا فقد، ومن خرج من مضرتي سلطت عليه أعدائي، فلا يلومن إلا نفسه، والسلام، فافهم فهمنا الله وإياك. انتهى. ثم نقل الإمام الرافعي عن ابن عطاء الله الإسكندري أنه قال في حكمه: إنما أجرى عليك الأذى على يديهم، كيلا تكون ساكناً إليهم، أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء. قال شارحها ابن عباد: وجود أذية الناس للعبد نعمة عظيمة عليه، لاسيما ممن اعتاد منه الملاطفة والإكرام، والمبرة والاحترام، لأن ذلك يفيده عدم السكون إليهم، وترك الاعتماد عليهم، وفقد الأنس بهم، فيتحقق بذلك عبوديته لربه . قال الأستاذ أبو الحسن الشاذلي: آذاني إنسان مرة، فضقت به ذرعاً، فنمت فرأيت قائلاً يقول لي: من علامة الصديقية كثرة أعدائها ثم لا يبالي بهم. وقال بعض العارفين: الصحبة مع العدو سوط الله يضرب به القلوب إذا

стр. 976

ساكنت غيره، لولا ذلك لرقد القلب في ظل العز والجاه، وهو حجاب عن الله عظيم. وقال الأستاذ عبد السلام أستاذ أبي الحسن الشاذلي في دعائه: اللهم إن قوماً سألوك أن تسخّر لهم خلقك فسخرت لهم خلقك فرضوا منك بذلك، اللهم وإني أسألك اعوجاج الخلق عليّ حتى لا يكون ملجئي إلا إليك. وقال أبو الحسن الوراق النيسابوري: الأنس بالخلق وحشة، والطمأنينة إليهم حمق، والسكون إليهم عجز، والاعتماد عليهم وهن، والثقة بهم ضياع، وإذا أراد الله بعبد خيراً جعل أنسه به وبذكره، وتوكله عليه، وصان سره عن النظر إليهم، وظاهره عن الاعتماد عليهم، وقد كان الزهاد يخرجون المال من الكيس، تقرباً إلى الله تعالى، وأهل الصفا والوفا يخرجون الخلق والمعارف من القلب، تحققاً بالله . قال الإمام الشعراني في "لطائف المنن": اعلم أن أولياء الله تعالى حكمهم في بداياتهم أن يسلط عليهم الخلق ليطهروا من البقايا، وتتكمل فيهم المزايا، وكيلا يساكنوا هذا الخلق باعتماد، أو يميلوا إليهم باستناد، ومن آذاك فقد أعتقك من رق إحسانه، ومن أحسن إليك فقد استرقك بوجود امتنانه، ولذلك قال ﷺ : "من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تقدروا فادعوا له"١. كل ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان الخلق، وليتعلق بالواحد الحق. قال: وقال الشيخ أبو الحسن: اهرب من خير الناس أكثر مما تهرب من شرهم، فإن خيرهم يصيبك في قلبك، وشرهم يصيبك في بدنك. إلى آخر ما قال. والحاصل: أن تسليط الخلق على أولياء الله تعالى في مبدأ ظهورهم سنة الله

стр. 977

في أحبابه وأصفيائه، وللصوفية من هذا البلاء الحظ الأوفر، فإن العارف بالله ابن أبي جمرة لما اختصر البخاري وشرحه وعرض فيه بأنه يرى المصطفى ﷺ يقظة؛ قاموا عليه وعقدوا له مجلساً، وألزم بالجلوس في بيته، فلزمه، فلم يخرج إلا للجمعة حتى مات، ولما ألف الحكيم الترمذي "نوادر الأصول" و"ختم الأولياء" و"علل الشريعة"؛ ثاروا عليه ورموه بالعظائم، وبطشوا به، فجمع كتبه كلها وألقاها في البحر، قيل فاستمرت فيه ثم لفظها على حالها فانتفع الناس بها. وثاروا على البوشنجي ونفوه من بلده فسكن نيسابور إلى أن مات. وأفتوا بتكفير أبي الحسن الخراز بمواضع التقطوها من كتبه، ونفوه من بلده، وشهدوا على الشبلي بالكفر مراراً مع كمال علمه، وكثرة مجاهداته وزهده واتباعه للسنة، وشهد عليه آخرون بالجنون، وأدخل (البيمارستان) ثم نفوه إلى أن مات. وقام أهل المغرب على الإمام أبي بكر النابلسي- مع علمه وزهده وورعه وتمسكه بالسنة وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر- فأخرجوه من بلاد المغرب بالقيد والزند إلى مصر، وشهدوا عليه عند السلطان بكلمات من كلمات القوم، فأقر بها وأصر عليها، فأمر بسلخه حياً منكوساً، ففعل به ذلك، فصار- وهو كذلك- يقرأ القرآن. وأنكروا على أبي القاسم النصرآبادي مع علمه وصلاحه، وزهده واستقامة طريقه، واتباعه للسنة، ونفوه إلى مكة، فلم يزل فيها حتى مات. وقاموا على أبي عبد الله السجزي صاحب الفوائد الحديثية وأخرجوه ونفوه. وقاموا على ابن سمعون الواعظ وآذوه وضربوه ومنعوه من الجلوس للوعظ في الجامع، فانقطع في بيته حتى مات، فمنعوا الناس من حضور جنازته مع كماله وجلالته.

стр. 978

وطعنوا علي أبي القاسم بن جميل ورموه بالعظائم، فلم يتزلزل عما هو فيه من الاشتغال بالفقه والحديث وصيام الدهر والتزهد والتعبد حتى مات. وآذوا الإمام أبا الحسن الشاذلي وأخرجوه من بلاد المغرب بأتباعه، ثم كاتبوا نائب الإسكندرية بأنه زنديق فاحذروا منه على أنفسكم وأهل بلدتكم، ووشوا به إلى السلطان، فحج في جماعته وكان الحج قد انقطع لكثرة قطاع الطريق، فما رأوا إلا خيراً، فاعتقده الناس وعظموه وأجمعوا عليه حينئذ. وقتلوا الحلاج، والإمام أبا القاسم ابن قسي صاحب كتاب خلع النعلين، وابن برجان صاحب التفسير المشهور، والجرجاني، مع كونهم أئمة يقتدى بهم، ولما قام عليهم الحاسدون عجزوا عن أن يثبتوا عليهم ما يوجب القتل، فحملوا عليهم الحيلة، وقالوا للسلطان إنه خطب لابن برجان من نحو مائة وثلاثين بلداً فأمر بقتلهم. وقاموا على العفيف التلمساني صاحب التآليف المشهورة وقالوا هو لحم خنزير في صحن صيني وضربوه ونفوه. وعقدوا للشيخ عز الدين ابن عبد السلام عدة مجالس بسبب كلمة قالها في العقائد ولطف الله به وظفره. وغيروا السلطان بيبرس على قاضي القضاة ابن بنت الأعز بعدما كان بينهما من كمال المودة حتى أمر بشنقه ثم أمده الله بلطفه في حكاية طويلة. وكان الشيخ عمارة اليمني متضلعاً من الفقه والحديث وغيرهما فأغروا به السلطان صلاح الدين وقالوا إنه هجاك بقصيدة، فلم يتغير السلطان لما كان عليه من مزيد الحلم، حتى قالوا إنه ينتقص النبي ﷺ في شعره، ولم يثبت عليه ذلك، بل أنكر أن تلك القصيدة التي ذكر ذلك فيها من نظمه، فحسن له القاضي الفاضل قتله فقتله.

стр. 979

وحسدوا شيخ الإسلام ابن أبي شريف، وانتهزوا الفرصة بإغراء السلطان عليه حتى تشوش منه بسبب إفتائه بعدم جواز قتل امرأة ورجل أجنبيين وجدا في خلوة فهم بالبطش به، ثم شنق المرأة والرجل على باب داره، وأمره بالخروج من البلد إلى بلده بيت المقدس، فوافق ذلك قدوم الخبر بأن السلطان سليم قدم إلى حلب يريد غزوه فاشتغل بنفسه. إلى غير ذلك من الوقائع التي لا يمكن حصرها، ولا يضيع الله حقاً لأحد، والله عند قول كل قائل، فليتق الله عبد ولينظر ما يقول. هذا كله من كتاب (إحياء القلوب) للرافعي، وبه يعلم ما في كلام النبهاني من الخلل، حيث جعل سكوت العامة عن ابن حجر دليلاً على علو قدره وجلالة شأنه، ويفهم منه أن عدم رضاهم دليل الجهل وعدم العدالة. ومقصوده من ذلك كله الحط على ابن تيمية بسبب ما كان من الجهلة في شأنه، ومعاداة الغلاة له. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ١. الوجه السابع: أن قول النبهاني: وقد كان ﵀ مع كونه إماماً فقيهاً يعتقد في ساداتنا الصوفية أحسن الاعتقاد، ويثني عليهم أحسن الثناء، ويجيب عنهم بأحسن الأجوبة، فشملته بركاتهم وعمته نفحاتهم؛ لا يستوجب ترجيح صاحبه على مجتهدي الأمة وأكابر العلماء، والمسلمون كلهم يعتقدون الخير في الصوفية المتبعين لما جاء الرسول به، لا المتبعين لأهوائهم المبتدعين، ولاسيما شيخ الإسلام فقد كان ﵁ من أكابر الصوفية والزهاد، وقد بين في كتابه (الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن) ما ينشرح به صدر كل موحد. وليس كل من ادعى أنه صوفي يسلم له الزهد والورع، لاسيما صوفية هذا

стр. 980

العصر فإنهم ذئاب، عليهم من جلود الشياه ثياب، كما نسمع عن شيخ مبتدعة الرفاعية في دار السلطنة، فإنه قد فاق على إبليس في مكره وحيله، وخبثه وزندقته، وكما نسمع عن شيخ القادرية في بغداد ممن ينتسب إلى الكيلاني، ويرشدون الناس، وعندهم خاتم كبير يختمون به ما يعطونه لمن يسلك عليهم، مكتوب لا إله إلا الله (عبد القادر شي لله) وقد كفروا بذلك كما ذكره فقهاء السادة الحنفية، ففي منظومة ابن وهبان: بدرويش درويشان كفر بعضهم ... كذا قول شي لله بعض يكفر والنقيب وأولاده وسائر أفراد عائلتهم هم أعظم الناس بلاء على الأمة، ليست معصية في الدنيا إلا وقد استباحوها، وكبيرهم النقيب بل الذيب، هو بريد الشر على العراق، وهم أرفاض زنادقة، يسبون أصحاب رسول الله ﷺ علناً، ويشربون الخمور، ويتعاطون كل منكر، وعسى الله يعين على إفراد كتاب نبسط فيه أحوال هؤلاء الزنادقة وتحذير المسلمين منهم، هؤلاء شيوخ صوفية عصرنا والأمر لله. وابن حجر إن عظّم أمثال هؤلاء الفجرة فهو لا شك من أعداء الله، وإن أحسن الاعتقاد فيمن تبع منهم الشريعة الغراء فكل المسلمين والعلماء العاملين كذلك، فلا مزية له على غيره، وقد ذكر في كتابه (التعرف في الأصلين والتصوف) ما يوافق ما ذكرناه، حيث قال: وطريق أبي القاسم الجنيد سيد الطائفة طريق مقوم، لأنه خال من البدع، دائر على التسليم والتفويض، والتبري من النفس والتوحيد بالحق، وما وقع في كتب جمع من متأخري الصوفية- كابن عربي وأتباعه بحق وهم الأقلون- يجب تجنب ظواهره الموهمة لما لا يحل اعتقاده، بل لما هو كفر في كثير منها، كما وقع ذلك في "فصوص الحكم" و"الفتوحات المكية" وغيرهما، لكنهم جارون على اصطلاحهم ستراً له عن دعاة الباطل، وإلا فهم على الحق المبرأ عن وصمة الحلول والاتحاد وغيرهما من الوصمات التي نسبها إليهم من لم يحط بحقيقة أحوالهم، أو التي يعتقدها عن حقيقة طريقهم فنسبها إليهم زعماً أنه متأس بهم، حاشاهم الله من ذلك.

стр. 981

ثم قال: وما أحسن ما حققه بعض المحققين نصرة للأولين حيث قال ما حاصله- مع ما فيه من عبارات غير مراد بها ظاهرها-: من انتهى في سلوكه إلى الله تعالى وفيه استغرق في بحر التوحيد والعرفان، فحينئذ تضمحل ذاته في ذاته، وصفاته في صفاته ويغيب عنه كل ما سواه، فلا يرى في الوجود إلا الله تعالى، وهذا هو الذي يسمونه الفناء في التوحيد، وإليه يشير الحديث الإلهي: "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فلئن سألني لأجيبنه، ولئن استعاذني لأعيذنه". وفي الحديث القدسي أيضاً عتاباً يوم القيامة لبعضهم: "مرضت فلم تعدني، جعت فلم تطعمني، عطشت فلم تسقني، فيقول: كيف ذلك وأنت رب العالمين؟ فيقول تعالى: مرض عبدي فلان فلم تعده، جاع عبدي فلان فلم تطعمه، عطش عبدي فلان فلم تسقه" الحديث١، وحينئذ فربما يصدر عن الولي عبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصور العبارة عن بيان تلك الحال، وتعذر الكشف عنها بالمثال، ونحن على ساحل التمني نحترف من بحر التوحيد بقدر الإمكان، ونغترف بأن طريق الفناء فيه العيان دون البرهان. انتهى. فقد صرح أن ما في كتب ابن عربي كفر يجب تجنب ظواهره، فالفقيه إذا سمع من أحد كلمة كفر لا شك فيها يجب عليه الإفتاء على مقتضى ما يعلمه من الشريعة الغراء، وقد أطنب العلامة محمد أمين السويدي ﵀ الكلام في شرحه على التعرف، الذي سماه (قلائد الدرر في شرح رسالة ابن حجر) وأتى في هذا المقام بما يشفي السقام، وكذا العلامة صاحب التعطف على التعرف فعليك بهما. والمقصود؛ أن من اتبع الشريعة الغراء ولم يبتدع في أقواله ولا أعماله يجب على كل مسلم حبه والذب عنه والترحم عليه، ومن خالف الشريعة وتكلم بالكفر

стр. 982

المصادم للشريعة والمخالف لنصوصها وبدل وحرف وغير وابتدع وترك ما كلف به -كغالب المدعين أنهم شيوخ العصر- فهجرهم وتضليلهم وتفسيقهم وتبديعهم واجب على كل مسلم، ولا يمدح من يكون ظهيراً لمثل هؤلاء ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ١. الوجه الثامن: أن النبهاني شدد النكير أيضاً في هذا المقام على شيخ الإسلام من غير جرم جناه، سوى إخلاصه في التوحيد، وذم كتبه، وقال: إنها عديمة البركة. ومن جملة قدحه فيه: أنه حبس مراراً إلى أن توفي في الحبس ولم يرجع عما ظهر له أنه الحق من تلك البدع. فنقول: إنا قد تكلمنا على مثل هذا الكلام مراراً، وبينا زيغ النبهاني فيه، وأن هذا رفض منه بسبب غلوه في محبة أصحابه ومشائخه، حتى أصمه عن سماع الحق وأعماه عن رؤية الحق، على مقتضى المثل السائر: "حبك الشيء يعمي ويصم"٢ وسبق منا قريباً ما نقلناه عن "إحياء القلوب" في بيان ما أصاب الأولياء والأصفياء

стр. 983

من أذى الناس، وأن ذلك كان دليلاً على علو شأن من ابتلاه الله بمثل ذلك. وللشيخ تقي الدين ابن تيمية رسالة كتبها وهو في السجن إلى بعض إخوانه لما أرسلوا إليه يشيرون عليه بالرفق مع خصومه ليتخلص من السجن. ولنذكر شيئاً منها توضيحاً للمقام، فأقول: قال ﵀ بعد البسملة: الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً ﷺ تسليماً. أما بعد: فقد وصلت الورقة التي فيها رسالة الشيخين الجليلين العالمين الناسكين القدوتين، أيدهما الله تعالى وسائر الإخوان بروح منه، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأدخلهم مدخل صدق، وأخرجهم مخرج صدق، وجعل لهم من لدنه ما يتم به السلطان؛ سلطان العلم والحجة بالبيان والبرهان، وسلطان القدرة والنصرة بالسنان والأعوان، وجعلهم من أوليائه المتقين، وحزبه الغالبين لمن ناوأهم من الأقران، ومن الأئمة المتقين الذين جمعوا بين الصبر والإيقان، والله محقق ذلك ومنجز وعده في السر والإعلان، ومنتقم من حزب الشيطان لعباد الرحمن، لكن اقتضت حكمته ومضت به سنته من الابتلاء والامتحان، الذي يميز الله به بين أهل الصدق والإيمان، من أهل النفاق والبهتان، إذ قد دل كتابه على أن لا بد من الفتنة لكل من ادّعى الإيمان، والعقوبة لذوي السيئات والطغيان، فقال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١ فأنكر سبحانه على من يظن أن أهل السيئات يفوتون الطالب الغالب، وأن مدّعي الإيمان يترك بلا فتنة تميز بين الصادق والكاذب، وأخبر في كتابه أن الصدق بالإيمان لا يكون إلا بالجهاد في سبيله فقال تعالى: ﴿قَالَتِ

стр. 984

الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ١ وأخبر سبحانه بخسران المنقلب على وجهه عند الفتنة، الذي يعبد الله فيها على حرف، وهو الجانب والطرف الذي لا يستقر ما هو عليه، بل لا يثبت على الإيمان إلا عند وجود ما يهواه من خير الدنيا، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ٤ وأخبر سبحانه أنه عند وجود المرتدين فلا بد من وجود المحبين المحبوبين المجاهدين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ٥ وهؤلاء الشاكرون لنعمة الإيمان الصابرون على الامتحان، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ٦. فإذا أنعم الله على إنسان بالصبر والشكر كان جميع ما يقضي الله له من القضاء خيراً له، كما قال النبي ﷺ : "لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له؛ إن أصابته سراء فشكر كان خيراً له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له" ٧. والصابر الشكور هو المؤمن الذي ذكره الله في غير موضع من كتابه، ومن لم ينعم الله عليه بالصبر والشكر فهو بشرَّ حال، وكل واحد من السراء والضراء في

стр. 985

حقه تفضي به إلى قبح المآل، فكيف إذا كان ذلك في الأمور العظيمة التي هي من محن الأنبياء والصديقين، وفيها تثبيت أصول الدين، وحفظه الإيمان والقرآن من كيد أهل النفاق والإلحاد والبهتان، فالحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه، وعز سلطانه وجلاله، والله المسؤول أن يثبتكم وسائر المؤمنين في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويتم نعمته عليكم الباطنة والظاهرة، وينصر دينه وكتابه ورسوله وعباده المؤمنين على الكافرين والمنافقين، الذين أمرنا بجهادهم والإغلاظ عليهم في كتابه المبين، انتهى كلامه. وبه يعلم أن ما صادفه الشيخ من الأذى والمصائب في ذات الله مما يستوجب رفعة شأنه لا القدح فيه كما زعمه الزائغ. الوجه التاسع: مما يرد على ما قاله النبهاني في هذا المقام أن قوله إن الله لم يقدر الانتفاع بعلم ابن تيمية وكتبه كالانتفاع بعلم ابن حجر وكتبه، وإن كتب ابن تيمية بقيت في زوايا الإهمال إلخ -ممنوع، بل هو يشبه كلام الصبيان والأطفال، وقد تكرر منه مثل هذا الكلام مراراً وأجبنا عنه بما يشفي صدور المؤمنين، ونقول هنا أيضاً: بلى إن الله تعالى قدر- وله الحمد- الانتفاع بعلمه وبكتبه في كل عصر، وأودع فيها البركة، حيث أنها تشرح صدور مطالعيها وتنور قلوبهم، بسبب ما اشتملت عليه من العلوم النبوية والوحي المنزل، وهي شفاء لصدور المؤمنين، وهي لأعين المبتدعين عمي، ولا زال أهل مذهبه يستفيدون منها، وكذلك المنصفون من سائر المذاهب، والشيخ- قدس الله روحه- لم يضمن في مصنفاته أن يفقه كلامه ميت القلب، جامد الذهن، فاسد القريحة، ولسان حاله يقول: عليّ نحت القوافي من معادنها ... وما عليّ إذا لم تفهم البقر بل ولا ضمن الله تعالى لهذا النوع أن يفقهوا عنه وعن رسله ما جاؤوا به من الهدى، وينتفعوا بما جاؤوا به من البينات ودين الحق والحجة والشفاء، قال
следующие страницы →