فيمن نصب نعله؛ فإن ما قبلها في تأويل ألقى ما يثقله (١). أو شبيهاً بالبعض (٢)؛ كقولك: أعجبتني الجارية حتى كلامها، ويمتنع: حتى ولدها (٣).
وضابط ذلك: أنه إن حسن الاستثناء حسن دخول حتى (٤).
والرابع: كونه غاية في زيادة حسية؛ نحو: فلان يهب الأعداد الكثيرة حتى الألوف، أو معنوية؛ نحو: مات الناس حتى الأنبياء أو الملوك (٥).
رحله: الرحل: ما يستصحبه المرء من المتاع، وهو أيضاً: ما يوضع على ظهر الناقة، بمنزلة السرج للفرس، والزاد: كل ما يستصحبه المسافر ليبلغه مقصده. "ألقى" فعل ماض، وفاعله يعود على المتلمس. "الصحيفة" مفعوله. "كي": حرف تعليل. "يخفف" فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد "كي". "والزاد" معطوف على الصحيفة. "حتى" حرف عطف. "نعله" معطوف على الزاد.
المعنى: أن المتلمس رمى بالصحيفة ليخفف ما معه من متاع، وألقى كذلك ما معه من زاد يتبلغ به، حتى نعله التي يلبسها رمى بها، وكان من أمر هذه الصحيفة: أنه وطرفة هجيًا عمرو بن هند الملك، ثم مدحاه بعد ذلك؛ فكتب لكل منهما صحيفة إلى عاملة بالحيرة وختمها، وأمره فيها بقتلهما. وأوهمهما أنه كتب لهما بصلة؛ فلما بلغا الحيرة فتح المتلمس صحيفة، وعلم بما فيها فألقاها في النهر وفر إلى الشام. وأبي طرفة أن يفتح صحيفة، ودفعها إلى العامل فقتله.
الشاهد: عطف "نعله" بحتى على ما قبله؛ لأنه بعض من المعطوف عليه بالتأويل كما بين المصنف، ويحتمل أنه منصوب بفعل محذوف يفسره "ألقاها"، وهذا على رواية النصب، وروي بالرفع؛ على أن "حتى" ابتدائية، و"نعله" مبتدأ، وجملة "ألقاها" في محل رفع خبر، كما روي بالجر، على أن "حتى" حرف غاية وجر، و"نعله" مجرور بها.
(١) ولا شك أن النعل بعض ما يثقله ويتعب حركته في الهرب.
(٢) أي في شدة الاتصال به؛ كالعرض الملازم للكل، من غير أن يدخل في تكوينه، مثل: العلم، واللون، والخلق، والصوت، والكلام … إلخ.
(٣) لأن الولد ليس جزءًا ولا شبيهاً بالجزء بخلاف الكلام كما أوضحنا.
(٤) المراد: الاستثناء المتصل؛ لأن شرط الاستثناء المتصل: أن يتناول ما قبل أداته ما بعدها نصًا.
(٥) فإن الأنبياء والملوك غاية الناس في الزيادة المعنوية؛ وهي الاتصاف بالنبوة والملك؛ ولهذا لا
стр. 1017
أو في نقص كذلك؛ نحو: المؤمن يجزى بالحسنات حتى مثقال الذرة؛ ونحو: غلبك الناس حتى الصبيان أو النساء (١). وأما "أم"، فضربان: منقطعة وستأتي، ومتصلة، وهي المسبوقة؛ إما بهمزة التسوية (٢)؛. . . . . . . . . . .
(١) غاية النقص المعنوي في الصبيان والنساء هي: الاتصاف بالصبا والأنوثة. وقد اجتمع المعنيان في قول الشاعر:
قهرناكمو حتى الكمأة فأنتم … تهابوننا حتى بنينا الأصاغرا
فإن فقد شرط من هذه الشروط لا تكون حتى عاطفة. و"حتى" العاطفة لمطلق الجمع، كالواو عند عدم القرينة. ولا تفيد ترتيبًا زمنيًا بين العاطف والمعطوف، والمعتبر فيها ترتيب أجزاء ما قبلها ذهنا من الأضعف إلى الأقوى وبالعكس. وإذا عطف بها آخر شيء، على معطوف مجرور بحرف، وجب إعادة هذا الحرف بعدها؛ لأن المعنى يلتبس بعدم إعادته، وتلتبس هي بالجارة؛ تقول: سافرت في الأسبوع الماضي حتى في آخره؛ إذا كان السفر في أوقات متقطعة في الأسبوع؛ فلو لم تذكر "في" ثانية، لاحتمل أن السفر متصل من أول الأسبوع إلى آخره.
ولا تعطف "حتى" نعتا على نعت، وتكون كالواو في عطفها الخاص على العام، وفي "حتى" وشروطها يقول الناظم:
بعضاً بحتى اعطف على "كل" ولا … يكون إلا غاية الذي تلا
أي اعطف بحتى بعضًا على كل، أي أن يكون المعطوف جزءًا من المعطوف عليه، ولا يكون المعطوف إلا غاية للذي تلاه، وهو المعطوف عليه. والمراد: الغاية في الزيادة أو النقص، كما أوضح المصنف.
(٢) سميت بذلك لوقوعها غالبا بعد لفظ "سواء"، أو: لا أبالي، أو" لا أدري، أو ما يشبهها؛ في الدلالة على أن الجملتين بعدها متساويتان في الحكم عند المتكلم.
стр. 1018
وهي الداخلة على جملة في محل المصدر (١).
وتكون هي والمعطوفة عليها: فعليتين؛ نحو: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢). أو اسميتين؛ كقوله:
أموتي ناء أمهو الآن واقع (٣)(١) بيان لعلامتها؛ وهي: أن تتوسط بين جملتين خبريتين قبلهما الهمزة، وكلتا الجملتين يصلح أن يحل محلها هي والهمزة مصدر مؤول منهما معًا.
(٢) أعرب الجمهور لفظ "سواء" خبرًا مقدمًا عن الجملة التي بعده، لتأويلها بمصدر؛ أي إنذارك وعدمه سواء، ويجوز العكس. وسوغ الابتداء بسواه، تعلق الجار والمجرور به وهذا من مواضع سبك الجملة بلا سابك. ومنها: الجملة المضاف إليها الظرف؛ نحو قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾، من الآية ١١٩ من سورة المائدة، ومنها قولهم: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"، بناء على عدم تقدير "أن" قبل تسمع.
(٣) عجز بيت من الطويل لم يعرف قائله، ويظهر أنه لمتمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك، وصدره:
ولست أبالي بعد فقدي مالكًا
اللغة والإعراب: أبالي: أكثرت وأعبأ. ناء: بعيد: وهو اسم فاعل من نأى ينأى؛ أي بعد. "لست" ليس واسمها. "أبالي" الجملة خبرها. "بعد"ظرف متعلق بأبالي. "فقدي" مضاف إليه، وهو مصدر مضاف إلى الياء، فاعله. "مالكاً مفعوله. "أموتي" الهمزة للاستفهام، و"موت" مبتدأ. "ناء" خبر مرفوع بضمة مقدرة على الباء المحذوفة، والجملة في محل نصب مفعول أبالي. وقد علق عن العمل في اللفظ بالاستفهام. "أم" عاطفة متصلة. "هو" ضمير منفصل مبتدأ. "الآن" منصوب على الظرفية الزمانية. "واقع" خبر المبتدأ.
المعنى: لست مهتمًا ولا مكترثًا بشيء في الحياة، بعد أن فقدت أخي مالكًا، ولا يعنيني -وقد فقدته- أن يكون موتي بعيدًا، أو ينزل بي الآن.
الشاهد: وقوع "أم" بين جملتين اسميتن، وقد عطفت إحداهما على الأخرى، والتقدير: لست أبالي نأي موتي أو وقوعه الآن.
стр. 1019
مختلفتني؛ نحو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ (١).
وإما بهزة يطلب بها، وبـ"أم التعيين (٢)،. . . . . . . . . . .
(١) الجملة المعطوف عليها فعلية، والمعطوف اسمية، والتقدير: سواء عليكم دعاؤكم إياهم -أي الأصنام- وصمتكم. من الآية ٩٣ من سورة الأعراف.
ومثال العكس: لا يبالي المخلص في عمله؛ أرئيسه حاضر أم يغيب. والمصدر المؤول هنا مفعول به، والتقدير: لا يبالي المخلص حضور رئيسه وغيابه.
ومما تقدم يتبين: أن "أم" المتصلة المسبوقة بهمزة التسوية لا تعطف إلا جملة على جملة، وعطفها للمفرد نادر لا يقاس عليه. وهمزة التسوية لا شأن لا بالاستفهام بعد أن تمحضت للتسوية.
(٢) قوله: "وإما بهمزة معطوف على قوله قبل: "إما بهمزة التسوية". وهمزة التعيين عند كثير من النحاة هي الواقعة بعد: ليت شعري، ولا أعلم، وما أدري، ونحوهما؛ لأن هذه الألفاظ ليست في حكم "لا أبالي" التي تكون الهمزة بعدها للتسوية، كما أسلفنا؛ لأن قائلها يريد: لا أدرين ولا أعلم، وليت شعري، جواب هذا الاستفهام، ولا يقصد التسوية. وهذا صحيح عند عدم القرينة؛ فإن دل السياق على غير ذلك. وجب النزول على ما يحدده السياق.
وعلامة "أم" المسبوقة بهمزة العيين: أن تقع بين شيئين ينسب لواحد منهما -غير معين- أمر ما معروف للمتكلم، وقبلهما همزة استفهام يقصد بها وبأم تعيين أحد هذين الشيئين، وتسد "أي" مسد الهمزة مع "أم" في طلب التعيين، وهما يغنيان عن "أي" في ذلك، وفي "أم" المتصلة بنوعيه يقول الناظم:
و"أم" بها اعطف إثر همزة التسويه … أو همزة عن لفظ "أي" مغنيه
أي: أن"أم" يعطف بها بعد همزة التسوية، وقد شرحها المصنف. وبعد الهمزة التي تغني مع "أم" عن لفظ "أي" في طلب التعيين، وهي الهمزة التي يطلب بها وبأم التعيين على النحو الذي بيناه. وسميت "أم" في هذين النوعين متصلة؛ لأنها تقع بين شيئين لا يكتفي
стр. 1020
وتقع بين مفردين؛ متوسطًا بينهما ما لا يسأل عنه؛ نحو: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمُ السَّمَاءُ﴾ (١).
أو متأخراً عنهما؛ نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ (٢). وبين فعليتين؛ كقوله:
فقلت أهي سرت أم عادني حلم (٣)
بأحدهما في تأدية المعنى المطلوب؛ لأن التسوية وطلب التعيين لا يكونان إلا بين متعدد، وتسمى كذلك: "أم" المعادلة، لمعادلتها الهمزة في إفادة التسوية في النوع الأول، وإفادة الاستفهام في النوع الثاني.
وتخالف همزة التسوية، الهمزة التي يطلب بها التعيين في أن الأولى لا تستلزم جوابًا؛ لأن الكلام معها خبر قابل للصدق والكذب. أما الثانية، فتتطلب جوابًا بتعيين أحد الشيئين؛ لأنها لم تنسلخ عن الاستفهام.
(١) الاستفهام هنا توبيخي، والسؤال عن المبتدأ وهو "أنتم"، والمعادل "السماءِ" المعطوفة على أنتم، وهما مفردان، وقد توسط بينهما غير المسئول عنه؛ وهو ﴿أَشَدُّ خَلْقًا﴾ الواقع خبرًا تقديرًا عن المتعاطفين. من الآية ٢٧ من سورة النازعات.
(٢) المسئول في هذه الآية عن الخبر وهو قريب وبعيد، والمسئول عنه متأخر، وهو ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾؛ وذلك لأن شرط الهمزة المعادلة لأم أن يليها أحد الأمرين المطلوب تعيين أحدهما، ويلي "أم" المعادل الآخر؛ ليفهم السامع من أول الأمر ما يطلب تعيينه، ويرى سيبويه: أن إيلاء المسئول عنه الهمزة أولى لا واجب. وإذا عادلت "أم" بين مثبت ومنفي فالغالب أن يلي المثبت الهمزة والمنفي أم.
(٣) عجز بيت من البسيط لزياد بن حمل؛ وقيل: لزياد بن منقذ العدوي، من كلمة يحن فيها إلى وطنه، وصدره:
فقمت للطيف مرتاعًا فأرقني
وقبله:
زارت رقية شعثاً بعد ما هجعوا … لدى نواحل في أرساغها الخدم
اللغة والإعراب: الطيف: المراد به خيال المحبوبة الذي يراه في النوم. مرتاعًا: خائفًا؛
стр. 1021
لأن الأرجح كون "هي" فاعلاً بفعل محذوف.
واسميتين؛ كقوله:
شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر (١)
يقال: راعه فارتاع؛ أي أفزعه ففزع، ولا ترع؛ أي لا تخف. أرقني: أسهرني. أهي: بسكون الهاء؛ إجراء لهمزة الاستفهام مجرى واو العطف وفائه. سرت: من السرى؛ وهو السير ليلًا. عادني: زارني وأتاني بعد إعراض. "مرتاعًا" حال من التاء في قمت "فأرقني" الفاء عاطفة، وفاعل أرق يعود لى الطيف، والنون للوقاية، والياء مفعول، "أهي" الهمزة للاستفهام، و"هي" فاعل لفعل محذوف يفسره سرت. "أم" عاطفة متصلة. "عادني حلم" الجملة في محل نصب، معطوفة بأم على جملة مقول القول المحذوف، أي فقلت: أهي … إلخ.
المعنى: استيقظت من النوم فزعًا خائفة؛ لما رأيت في نومي من خيال المحبوبة؛ وقلت في نفسي -وقد أزعجني ذلك وأطار النوم من عيني- أهي المحبوبة جاءت إليَّ ليلا؟ أم ذلك حلم ومنام؟
الشاهد: وقوع "أم" المعادلة لهمزة الاستفهام بين جملتين فعليتين؛ فإن "هي" فاعل لفعل محذوف على الأرجح؛ لأن الاصل في الاستفهام أن يكون عن أحوال الذوات المتجددة، وذلك يكون الفعل.
(١) عجز بيت من الطويل؛ نسبه سيبويه للأسود بن يعفر التميمي، يهجو قبيلة شعيث بأنها لا تعزى إلى أب معين، ونسبه بعضهم إلى اللعين المنقري الشاعر: وصدره:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا
اللغة والإعراب: ما أدري: ما أعلم: داريًا: أي من أهل الدراية والعلم بالأنساب. شعيث: اسم حي من بني تميم. سهم: اسم حي من قيس عيلان. منقر: حي ينتهي إلى زيد مناهة بن تميم. "لعمرك" اللام للتوكيد، وعمرك مبتدأ ومصاف إليه، والخبر محذوف وجوبًا؛ أي قسمي. وقد تقدم مثل ذلك. "ما" نافية. "أدري" فعل مضارع. "وإن" الواو اعتراضية، وإن شرطية. "كنت" كان واسمها. "داريا" خبرها، والجملة اعتراضية. "شعيث" مبتدأ، وقد حذفت منه الهمزة. "ابن سهم" "ابن" خبر، وسهم مضاف إليه، والجملة في محل نصب مفعول لأدري، وقد علق عن العمل في اللفظ بالهمزة المحذوفة. "أم" عاطفة
стр. 1022
الأصل: أشعيث؟ فحذفت الهمزة والتنوين منهما (١).
متصلة. "شعيث ابن منقر" شعيث مبتدأ، و"ابن منقر" خبر ومضاف إليه.
المعنى: يقسم الشاعرلا أنه لا يعلم -وإن كان من أهل العلم والمعرفة بالأنساب- أي نسبي شعيث هو الصحيح والحق، أنسبتها إلى سهم، أم نسبتها إلى منقر؟
الشاهد: وقوع "أم" المعادلة بين جملتين اسميتين؛ ولهذا ثبتت همزة "ابن"؛ لأنها تحذف إذا كان "ابن" نعتًا لعلم، ومضافًا إلى علم، والثاني أبو الأول، وهو هنا خبر.
هذا: وقد ذكر سيبويه أنه إذا جاءت همزة التسوية بعد كلمة "سواء"؛ فلا بد من ذكر "أم" العاطفة، فإن لم تجئ الهمزة بعد "سواء" عطف الثاني على الأول بالحرف "أو"؛ نحو: سواء علينا رضي العدو أو سخط. وجاء في المغني: أنه لا يصح العطف بأو بعد "سواء" سواء ذكرت همزة التسوية أم حذفت. وقيل: إن قول الفقهاء: سواء كان كذا أو كذا خطأ، وصوابه "أم". وقد علمت أنه صواب على رأي سيبويه، وحقق بعض العلماء اجتماع همزة التسوية و"أو"، مخالفًا في ذلك رأي سيبويه، وهذا يدل على إباحة استعمال "أو" في جميع الحالات، وهو رأي فيه تيسير، ولا مانع من الأخذ به. أما العطف بـ"أو" بعد همزة الاستفهام فجائزة قياسًا؛ تقول: أسعيد عندك أو بكر، والمعنى: أحدهما عندك أم لا؟ وتخالف همزة التسوية الهمزة التي يطلب بها التعيين في أن الأولى لا تستحق جوابًا؛ لأن الكلام معها خبر قابل للصدق والكذب. أما الثانية فتتطلب جوابًا بتعيين أحد الشيئين؛ لأنها لم تنسلخ عن الاستفهام.
(١) أما حذف التنوين فللضرورة، بناء على أن "شعيثًا" مصروف نظرًا إلى الحي. ويحتمل أنه ممنوع من الصرف نظرًا إلى القبيلة. ولا ينافي ذلك الوصف بابن؛ لجواز رعايته التذكير والتأنيث باعتبارين، وأما حذف الهمزة فجائز اختيارًا.
ونقل الدماميني اطراد حذفها اختيارًا قبل أم المتصلة، لكثرته نظمًا ونثرًا، وذلك إن علم أمرها ولم يوقع حذفها في لبس، وفي ذلك يقول الناظم:
وربما أسقطت الهمزة إن … كان خفا المعنى بحذفها أمن
стр. 1023
والمنقطعةُ: هي الخاليةُ من ذلك (١)، ولا يُفَارقُهَا معنى الإضراب (٢)، وقد تقتضي مع ذلك استفهامًا حقيقيًّا؛ نحو: إنها لإبلٌ أم شَاءٌ؛ أي: بل أهيَ شَاءٌ (٣). وإنما قَدَّرْنَا بعدها مبتدأً؛ لأنها لا تدخلُ على المفردِ (٤).
أو إنكاريًّا؛ كقوله - تعالى -: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ﴾؛ أي: بل أله البناتُ؟ (٥). وقد لا
أي: قد تحذف الهمزة - سواء كانت همزة التسوية، أو الهمزة المغنية عن أي - إذا كان حذفها لا يؤدي إلى خفاء المعنى، والوقوع في اللبس. وتبقى "أم" متصلة كما كانت والهمزة موجودة. وقد تحذف "أم" مع معطوفها على قلة؛ كقول الشاعر:
دَعَانِي إِلَيْهَا القَلبُ إِنِّي لأمْرِهِ … سَمِيعٌ فَمَا أَدْري أَرُشْدٌ طِلَابُهَا
يريد: أرشد أم غي؟ وقيل: إن الهمزة للتصديق؛ فلا تحتاج لمعادل. ويجوز حذف المعطوف عليه، قبلها، كما سيأتي.
(١) - أي من المذكور في المتصلة؛ فلا تتقدم عليها همزة التسوية، ولا همزة يطلب بها وبأم التعيين. وسميت منقطعة، وقد تسمى منفصلة؛ لأنها تقع غالبا بين جملتين مستقلتين في معناها، لكل معنى خاص يخالف معنى الأخرى، ولا يتوقف أداء أحدهما وتمامه على الآخر.
(٢) - المقصود بالإضراب هنا: إبطال الحكم السابق ونفي مضمونه والانصراف عنه إلى ما بعدها، ويسمى هذا: الإضراب الإبطالي. وقد يراد الانتقال من غرض إلى آخر يخالفه، وحينئذ يسمى: الإضراب الانتقالي، وسيأتي زيادة إيضاح لذلك بعد.
(٣) - أخبر أولا بأنها إبل، ثم تحقق غير ذلك فأضرب عنه، مستفهما عن كونها شاء.
(٤) - لأنها غير عاطفة، بل هي بمعنى "بل" الابتدائية، وحرف الابتداء لا يدخل إلا على جملة، فـ "شاء" خبر لمبتدإ محذوف، وقيل تعطف المفرد بقلة.
(٥) - من الآية ٣٩ من سورة الطور. ولا يصح أن تقدر هنا للإضراب المحض؛ لأن ذلك يجعل الكلام إخبارا بنسبة البنات إليه - تعالى - والله - سبحانه - منزه عن ذلك. وقد تفيد مع ذلك الوعيد؛ كقوله - تعالى -: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾، من الآية ١٧ من سورة الملك والسخرية كقوله - سبحانه -: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾. من الآية ٧٩ من سورة الزخرف.
стр. 1024
تقتضيه البتة (١)؛ نحو: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ (٢)؛ أي: بل هل تستوي؛ إذ لا يدخل استفهام على استفهام، وكقول الشاعر:
هنالك أم في جنة أم جهنم (٣)(١) أي: فتكون للخبر المحض.
(٢) من الآية ١٦ من سورة الرعد.
(٣) عجز بيت من الطويل، لعمر بن أبي ربيعة المخزومي، وصدره:
وليت سليمي في المنام ضجيعتي
وقبله:
ألا ليت أني يوم تقضى منيتي … لثمت الذي ما بين عينيك والفم
وليت طهوري كان ريقك كله … وليت حنوطي من مشاشك والدم
اللغة والإعراب: سليمى: اسم محبوبته. المنام: النوم. ضجيعتي. مشاركتي في المضجع، وهو كان الرقاد. "سليمى" اسم ليت. "في المنام" متعلق بضجيعتي الواقع خبرًا لليت. "هنالك" هنا اسم إشارة إلى مكان النوم، في محل نصب بضجيعتي، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. "أم" حرف ابتداء بمعنى "بل" للإضراب. "في جنة" متعلق بمحذوف خبر ليت المحذوفة مع اسمها. "أم في جهنم" إعرابها كذلك.
المعنى: يتمنى أن تكون محبوبته سليمى معه، وضجيعته حيث ينام، ثم رأى أن ذلك غير متيسر فأضرب عنه، وتمنى أن كون ضجيعته في الجنة، ثم أضرب عن هذا لعدم يقينه من تحققه، وتمنى أن يكونا في جهنم معًا.
الشاهد: أن "أم" المنقطعة هنا تمخضت للإضراب بمعنى "بل"، ولا تدل على الاستفهام، ولا تقتضيه أصلًا؛ لأن الشاعر لا يريد الاستفهام؛ وإنما ساقه مساق التمني، ولهذا قدرنا بعدها جملة؛ لأن "أم" التي بمعنى "بل" لا يقع بعدها إلا الجمل، وفي "أم" المنقطعة يقول الناظم:
وبانقطاع وبمعنى "بل" وفت … إن تك مما قيدت به خلت
стр. 1025
إذ لا معنى للاستفهام.
وأما أو: فإنها بعد الطلب (١) للتخيير: تزوج زينب أو أختها. أو للإباحة (٢)؛ نحو: جالس العلماء أو الزهاد.
والفرق بينهما: امتناع الجمع بين المتعاطفين في التخيير، وجوازه في الإباحة، وبعد
أي أن "أم" تكون منقطعة، ويترتب على ذلك أن تكون بمعنى "بل"، إذا خلت مما قيدت به في النوع السابق، وهو أن تسبقها همزة التسوية، أو همزة مغنية عن لفظ "أي"، فإذا خلت من هذا التقييد وفت بالانقطاع، وكانت مقيدة له، وقد تقع بعد أداة استفهام غير الهمزة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾. وجرى العلماء على تسميتها حرف عطف، والراجح أن "أم" المنقطعة ليست عاطفة؛ وإنما هي حرف ابتداء يفيد الإضراب، ولا يدخل إلا على الجمل. قيل: وقد تكون "أم زائدة" كما في قول ساعدة بن جؤية:
يا ليت شعري ولا منجى من الهرم … أم هل على العيش بعد الشيب من ندم
وهذا النوع مقصور على السماع؛ فلا يقاس عليه.
(١) المراد بالطلب: الصيغة التي تدل على معنى الأمر، سواء كانت فعل الأمر أم لام الأمر الداخلة على المضارع، لأن الإباحة والتخيير لا يتأتيان في الاستفهام، ولا في باقي الأنواع الطلبية على الصحيح، ولا فرق بين الأمر الملفوظ والملحوظ؛ كقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾؛ أي: فليفعل أي الثلاثة. الآية ١٩٦ من سورة البقرة.
(٢) التخيير: ترك المخاطب حرًّا في اختيار أحد المتعاطفين والاقتصار عليه، دون الجمع بينهما؛ لسبب يمنع الجمع، أما الإباحة فهي: حرية المخاطب في اختيار أحد المتعاطفين، أو اختيارهما معا، وله الجمع بينهما إذا أراد. والمراد: الإباحة بحسب العقل أو العرف، في وقت، وعند أي قوم لا الإباحة الشرعية.
стр. 1026
الخبر للشك (١)؛ نحو: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (٢). أو للإبهام (٣)؛ نحو: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٤)، وللتفصيل نحو: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾.
أو للتقسيم؛ نحو: الكملة اسم، أو فعل، أو حرف (٥).
وللإضراب عند الكوفيين وأبي علي. حكى الفراء؛ "اذهب إلى زيد، أو دع ذلك فلا تبرح اليوم" (٦).
(١) المارد بالخبر: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته. والشك يكون من المتكلم في الحكم؛ لعدم اقتناعه بسبب تعارض الأدلة.
(٢) من الآية ١٩ من سورة الكهف.
(٣) أي من المتكلم على المخاطب والسامع؛ وذلك بأن يخفي المتكلم الحقيقة المعروفة له، ويكتمها عن المخاطب والسامع، رغبة في عدم إثارتهما أو إقلاقهما أو نحو ذلك.
(٤) الشاهد في "أو" الأولى، وقيل في الثانية، وقيل فيهما. والمعنى: وإن أحد الفريقين منا ومنكم لثابت له أحد الأمرين، في كونه على هدى، أو كونه في ضلال مبين. وجاء بالكلام في صورة الاحتمال، مع العلم بأن من وحد الله وعبده فهو على هدى، ومن عبد غيره فهو في ضلال، توطينًا للمخاطب؛ ليكون أكثر قبولا لما يلقى إليه.
(٥) قيل: الفرق بين التفصيل والتقسيم: أن الأول تبيين للأمور المجتمعة بلفظ واحد؛ فـ"أو" في الآية تفصيل للإجمال في الواو في "قالوا" العائدة على اليهود والنصارى، أي قالت اليهود: كونوا هودًا، وقالت النصارى: كونوا نصارى. أما التقسيم فهو: تبيين لما دخل تحت حقيقة واحدة؛ كمثال المصنف. ويرى المحققون ألا فرق بينهما، ولا ضرر من توحيد معناهما وجعلهما مترادفين، والمسألة اصطلاحية محضة.
(٦) فـ"أو" في المثال للإضراب بمعنى بل. ومنه قول الشاعر:
كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية … لولا رجاؤك قد قتلت أولادي
وهل هي حرف لمجرد الإضراب لا للعطف؛ فما بعدها جملة مستقلة، أو أنها مع إفادة الإضراب حرف عطف؛ فما بعدها معطوف على ما قبلها؟ رأيان، والأول أنسب. واشتراط سيبويه في مجيئها للإضراب: تقدم نفي أو نهي، وإعادة العامل معها؛ نحو: ما قام محمد، أو ما قام علي، ولا يخرج محمدًا، أو لا يخرج علي. والمراد: بل ما قام علي وبل لا يخرج علي.
стр. 1027
وبمعنى الواو عند الكوفيين (١)، وذلك عند أمن اللبس كقوله:
ما بين ملجم مهره أو سافع (٢)(١) أي تكون للدلالة على الاشتراك ومطلق الجمع بين المتعاطفين، ويصح أن يحل محلها الواو. ووافق الكوفيين على ذلك: الجرمي، والأخفش.
(٢) عجز بيت من الكاملن لحميد بن ثور الهلالي، وصدره:
قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم
اللغة والإعراب: الصريخ: صوت المستصرخ المستغيث، ويطلق على المستغيث نفسه، وكلا المعنيين، يصلح هنا، وقد يطلق الصريخ على المغيث؛ قال تعالى: ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾؛ أي: لا مغيث. ملجم: جاعل اللجام في موضعه من الفرس. مهره: أصله الحصان الصغير، والمراد هنا: الحصان. سافع: قابض على ناصية فرسه. "قوم" خبر لمبتدأ محذوف. "إذا" ظرف مضمن معنى الشرط. "سمعوا" فعل الشرط وفالع. "رأيتهم" جواب الشرط. "ما بين" ما زائدة، و"بين" ظرف في موضع المفعول الثاني لرأيت. "ملجم مهره" مضاف إليه. "أو" عاطفة بمعنى الواو. "سافع" معطوف على ملجم.
المعنى: يصف القوم بالشجاعة والنجدة؛ فيقوم: إنهم إذا سمعوا استغاثة من أحد أسرعوا لإجابته ونجدته؛ فترى من يلجم فرسه، ومن يأخذ بناصية فرسه، حتى يحضر له غلام اللجام للإسراع في نجدة المستغيث … إلخ.
الشاهد: استعمال "أو" بمعنى الواو العاطفة؛ ذلك لأن "بين" لا تضاف إلا لمتعدد لفظًا ومعنى؛ فلو أبقيت "أو" على معناها -وهو أحد الشيئين أو الأشياء- لأضيفت "بين" إلى واحد، وهو غير سائغ في العربية، وفي معاني "أو" يقول الناظم:
خير أبح قسم بأو وأبهم … وأشكك وإضراب بها أيضًا نمي
وربما عاقبت الواو إذا … لم يلف ذو النطق للبس منفذًا
стр. 1028
وزعم أكثر النحويين: أن "إما" الثانية في الطلب والخبر؛ نحو: تزوج إما هنداً وإما أختها، وجاءني إما زيد وإما عمرو (١)؛ بمنزلة "أو" في العطف والمعنى (٢).
وقال أبو علي وابنا كيسان وبرهان (٣):
أي أن "أو" تؤدي هذه المعاني؛ وهي: التخيير، والإباحة، والتقسيم، والإبهام، والإضراب. وقد تعاقب الواو - أي تحل محلها وتؤدي معناها- إذا لم يجد المتكلم منفذًا للالتباس؛ أي ألا يكون استعمالها موقعا في اللبس. وعدم إدراك السامع أنها بمعنى الواو. وخلاصة ما تقدم من معاني "أو": أنها تكون للتخيير والإباحة بعد الأمر، وللشك والإبهام بعد الجمل الخبرية. أما التفصيل، والإضراب، ومعنى الواو؛ فتكون بعد الطلب وبعد الخبر. والأفضل في الإضراب: أن يسبقه نفي أو نهي، وأن يتكرر العامل معه. وهذه المعاني المسموعة خاضعة للسياق والقرائن لتبين نوع كل منها.
(١) المثال الأول للطلب، والثاني للخبر.
(٢) فتكون حرف عطف بمعنى "أو"، وتكون للتخيير والإباحة إذا سبقت بكلام يشتمل على أمر، وللشك والإبهام إذا كانت مسبوقة بجملة خبرية، وللتفصيل بعد الخبر أو الطلب، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، الآية ٣ من سورة والواو زائدة لازمه وانتصابهما على الحال، والعامل فيهما ﴿هَدَيْنَاهُ﴾ ولا تكون "إما" الثانية للإضراب، ولا بمعنى واو العطف؛ لأن "أو" مختصة بهما.
(٣) ابن برهان هو: أبو القاسم، عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي العكبري، نسبة إلى عكبرا، على دجلة فوق بغداد، كان عالمًا مجيدا للعربية واللغة والتاريخ وأيام العرب، وكان أول أمره منجمًا فصار نحويًا، وكان حنبليًا فصار حنفيًا متعصبًا لأبي حنيفة محترمًا بين أصحابه. وقد تصدر للتدريس ببغداد وأفاد كثيرًا. وكان في خلقه شدة على من يقرأ عليه، يقبل على الطلبة الغرباء، ويتكبر على أولاد الأغنياء، ديّنًا زاهدًا لا يعني بملبسه، ولا يضع على رأسه غطاء، ولولا هذا الشذوذ في أخلاقه وتعاليه على من يقرأ عليهم ويستمليهم لكانت له آثار باقية وكتب مروية؛ لعلمه وفضله وتبحره في النحو واللغة وتوفي في جمادى الآخرة سنة ٤٥٦ هـ. وانظر ترجمة ابن كيسان في الجزء الأول، صفحة ٢٤٧.
стр. 1029
هي مثلها في المعنى فقط (١)، ويؤيده قولهم: إنها مجامعة للواو لزوماً، والعاطف لا يدخل على العاطف، وأما قوله:
أيما إلى جنة أيما إلى نار (٢)
فشاذ، وكذلك فتح همزتها، وإبدال ميمها الأولى ياء (٣)،
(١) أي: وليست للعطف، وذكرها في باب العطف لمصاحبتها لحرفه.
(٢) عجز بيت من البسيط، لسعد بن قرط، من أبيات له يهجو فيها أمه، وكان عاقًا شريرًا، وصدره.
يا ليتنا أمنا شالت نعامتها
اللغة والإعراب: شالت نعامتها: كناية من كنايات العرب، ومعناها: ماتت، وأصل شالت: ارتفعت، والنعامة، باطن القدم، ومن مات ترتفع رجلاه وتنخفض رأسه؛ فتظهر نعامته، وقيل النعامة هنا: النعش. أيما: لغة في "إما". "يا" حرف تنبيه أو نداء، والمنادى محذوف. "ليت" حرف تمن وما زائدة. "أمنا" أم اسم ليت، ونا مضاف إليه.
"شالت نعامتها" الجملة خبر لبيت. ويجوز أن تكون "ما" كافة، وأمنا بالرفع مبتدأ، وجملة شالت نعامتها خبر المبتدأ. "أيما" حرف للتفصيل. "إلى جنة" متعلق بشالت. "أيما" الثانية عاطفة، وقد جاءت بدون الواو شذوذاً، وهو الشاهد.
المعنى: يتمنى هذا الشاعر العاق لأمه، أن تكون أمه قد ماتت، وسيان عنده بعد ذلك أن يكون مصيرها الذهاب إلى الجنة أو إلى النار.
(٣) أي: شاذان أيضًا على سبيل الاجتماع؛ أما فتح همزتها وحده فلا شذوذ فيه؛ بل هو لغة لجماعة من العرب؛ منهم: تميم، وقيس، وفي "إما" يقول الناظم:
ومثل "أو" في القصد "إما" الثانية … في نحو "إما ذي وإما النائية
стр. 1030
وأما لكن: فعاطفة خلافًا ليونس (١)؛ وإنما تعطف بشروط: إفراد معطوفها، وأن تسبق بنفي أو نهي، وألا تقترن بالواو؛ نحو: ما مررت برجل صالح لكن طالح، ونحو: لا يقم زيد لكن عمرو، وهي حرف ابتداء (٢)، إن تلتها جملة كقوله:
إن ابن ورقاء لا تخشى بوادره … لكن وقائعه في الحرب تنتظر (٣)
أي أن "إما" الثانية تفيد ما تفيده "أو" من المعاني؛ نحو: اقصد إما هذه الجهة وإما النائبة؛ أي الجهة البعيدة، وقد سكت المصنف والناظم عن "إما" الأولى؛ لأنه لا عمل لها في عطف أو غيره. ويرى بعض النحاة أن "إما" الثانية والأولى متشابهان في الحرفية، وفي تأدية المعاني المتقدمة، وأن كلام منهما ليس حرف عطف، أما الأولى؛ فلأنه ليس قبلها معطوف عليه، والثانية تقع دائماً بعد الواو العاطفة بلا فاصل، والعاطف لا يدخل على مثله، قيل: وهو رأي حسن يجدر الأخذ به.
وقد تحذف "إما" الثانية لوجود ما يغني عنها، والغالب أن يكون "وإلا"؛ تقول: إما أن يتكلم الإنسان بخير، وإلا فليسكت.
(١) فإنها عنده مخففة من الثقيلة، ومعناها الاستدراك، وما بعدها معمول لمحذوف يدل عليه المذكور قبلها، وإذا ذكرت معها الواو فالعطف بالواو لا بها.
(٢) أي: واستدراك أيضا، وليست عاطفة، والجملة بعدها مستقلة في إعرابها عن الجملة التي قبلها.
(٣) بيت من البسيط، من قصيدة لزهير بن أبي سلمى المزني، يمدح فيها الحارث بن ورقاء الصيداوي.
اللغة والإعراب: ورقاء: اسم رجل. بوادره: جمع بادرة، وهي ما يبدر من الإنسان عند الغضب. وقائعه: جمع وقيعة؛ وهي إنزال الشر بالأعداء. تنتظر: تخشى ويرتقب وقوعها. "ابن ورقاء" ابن اسم إن، ورقاء مضاف إليه. "لا تخشى بوارده" الجملة من الفعل ونائب الفاعل خبر إن. "لكن" حرف ابتداء واستدراك. "وقائعه" مبتدأ ومضاف إليه. "في الحرب" متعلق بتنتظر، وجملة "تنتظر" خبر المبتدأ.
المعنى: إن هذا الرجل لا يخاف منه عند غضبه وحدته؛ لأنه يملك نفسه عند الغضب؛ فلا يغدر ولا يخون، لكن فتكه بأعدائه في الحرب يرتقب ويخشى منه.
الشاهد: مجيء "لكن" حرف ابتداء لا عطف؛ لأن الواقع بعدها جملة لا مفرد.
стр. 1031
أو تلت واواً؛ نحو: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾؛ أي: ولكن كان رسول الله (١). وليس المنصوب معطوفًا بالواو (٢)؛ لأن متعاطفي الواو المفردين لا يختلفان بالسلب والإيجاب (٣). أو سبقت بإيجاب؛ نحو:
قام زيد لكن عمرو لم يقم (٤). ولا يجوز: "لكن عمرو على أنه معطوف (٥)؛ خلافاً للكوفيين.
وأما بل: فيعطف بها بشرطين: إفراد معطوفها (٦)، وأن تسبق بإيجاب، أو أمرٍ، أو نفي،
(١) بين بهذا التقدير أنه إذا سبقتها الواو وجب أن تقع بعدها جملة تعطف بالواو على ما قبلها، وتكون "لكن" حرف استدراك وابتداء لا غير. "ورسول الله" خبر لكان المحذوفة، ومضاف إليه. من الآية ٤٠ من سورة الأحزاب.
(٢) أي على أنه من عطف مفرد، وهو "رسول الله" على مفرد وهو "أنا أحد".
(٣) فإن المعطوف عليه؛ وهو "أبا أحد" منفي، والمعطوف؛ وهو "رسول الله" مثبت. أما عطف الجملتين بالواو، فيجوز تخالفهما نفيًا وإيجابًا؛ تقول: حضر محمد ولم يحضر علي.
(٤) فـ" لكن" هنا حرف استدراك وابتداء لا عاطفة، و"عمرو" مبتدأ، وجملة لم "يقم" خبر. وجملة المبتدأ والخبر مستقلة.
(٥) أي: وحده على زيد، لعدم تقدم نفي أو نهي.
ومما تقدم يتبين: أن "لكن" حرف استدراك دائما، وأنها لا تعطف إلا بالشروط الثلاثة المذكورة مجتمعة؛ فإن فقد منها شرط لم تكن عاطفة، ووجب دخولها على الجمل، وتكون حرف استدراك وابتداء معا. والاستدراك يستلزم أن يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها في الحكم. وبما أن ما قبلها يجب أن يكون منفيًا أو منهيًا عنه؛ فيكون كلام الذي بعدها مثبتا دائما.
(٦) ومعناه يختلف باختلاف ما قبله؛ من كلام مثبت، أو مشتمل على صيغة أمر، أو نفي، أو نهي، كما سيبين المصنف؛ فإن دخلت "بل" على جملة كانت حرف ابتداء، ومعناها الإضراب؛ إما الإيطالي؛ وهو الذي يقتضي نفي الحكم السابق، والقطع بأنه غير واقع؛ نحو قوله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُون﴾، ٢٦ من سورة الأنبياء؛ أي بل هم عباد؛ بناء على أن المضرب عنه المقول. أو الانتقالي؛ وهو: الذي يراد به الانتقال من غرض إلى غرض آخر، مع بقاء الحكم السابق، وعدم إلغائه؛ نحو: قوله سبحانه: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، من الآية: ٢٦ من سورة الأعلى.
стр. 1032
أو نهي. ومعناها بعد الأولين سلب الحكم عما قبلها لما بعدها؛ كقام زيد بل عمرو، وليقم زيد بل عمرو (١)، وبعد الأخيرين تقرير حكم ما قبلها، وجعل ضده لما بعدها، كما أن "لكن" كذلك؛ كقولك: "ما كنت في منزل ربيع؛ بل في أرض لا يهتدي بها" (٢)، و"لا يقم زيد بل عمرو. وأجاز المبرد كونها ناقلة معنى النفي والنهي لما بعدها؛ فيجوز على قوله: ما زيد قائما بل قاعداً، على مغني: بل ما هو قاعداً (٣).
(١) فإن القيام في المثالين مسكوت عنه بالنسبة لزيد، وثابت لعمرو؛ فالواو هنا حرف عطف وإضراب انتقالي.
(٢) أي لم أكن في مكان مخصب أهل؛ بل كنت في قفر مجهول؛ فهنا تقرير لنفي الكون في منزل ربيع، وإثبات الكون في الأرض المجهولة. وفي المثال بعد: تقرير نهي زيد عن القيام. وأمر عمرو به. فـ"بل" في المثالين حرف عطف واستدراك.
وخلاصة ما تقدم: أن "بل" مع الخبر المثبت والأمر تفيد إزالة الحكم عما قبلها؛ بحيث يصير كالمسكوت عنه، وجعله لما بعدها. وبعد النفي والنهي تفيد تقرير ما قبلها وإثبات نقيضه لما بعدها. وفي حكم "بل" يقول الناظم:
و"بل" كـ"لكن" بعد مصحوبيها … كلم أكن في مربع بل تيها*
أي أن "بل" مثل "لكن" في أنها تقرر حكم ما قبلها وتتركه على حاله، وتثبت ضده لما بعدها، إذا كانت بعد نفي أو نهي، وهما المراد بقوله "بعد مصحوبيها". والمربع: المكان الخصيب الذي ينزل فيه القوم زمن الربيع خاصة. والتيها: الأرض الصحراء التي يتيه فيها المرء، ولا يهتدي إلى مقصده.
(٣) قيل: إن مثل هذا الاستعمال لم يسمع عن العرب؛ لأنه يلزم عليه أن "ما" لا تعمل في "قائمًا" شيئا؛ لأن شرط عملها بقاء النفي في المعمول، وقد انتقل عنه. وقد أجيب بأن الانتقاض جاء بعد مضي العمل فلا يضر.
стр. 1033
ومذهب الجمهور: أنها لا تفيد نقل حكم ما قبلها لما بعدها، إلا بعد الإيجاب والأمر؛ نحو: قام زيد بل عمرو، واضرب زيداً بل عمراً (١).
وأما لا (٢): فيعطف بها بشروط:
إفراد معطوفها (٣)، وأن تسبق بإيجاب أو أمر اتفاقاً، كـ"هذا زيد لا عمرو، و"اضرب زيدًا لا عمرًا". أو نداء، خلافاً لابن سعدان (٤)؛ نحو: يا بن أخي لا ابن عمي.
(١) فالقاثم والمأمور بضربه عمرو، أما "زيد" فمسكوت عنه، وإلى هذا الاستعمال يشير الناظم بقوله:
وانقل بها للثان حكم الأول … في الخبر المثبت والأمر الجلي
أي أن "بل" بعد الكلام الموجب، وبعد صيغة الأمر تفيد الإضراب عن الأول، ويصبح مسكوتًا عنه، وتنقل حكمه إلى الثاني.
هذا: ولا يجوز العطف ببل بعد الاستفهام؛ فلا يجوز: أحفظت خطبة بل قصيدة؟ وقد تقع "لا النافية قبلها، فإن كانت "بل" للإضراب، وليست للعطف، كان معنى "لا" تقوية الإضراب وتوكيده.
(٢) "لا" حرف عطف ونفي تفيد نفي الحكم عن المعطوف بعد ثبوته للمعطوف عليه.
(٣) أي ولو تأويلًا؛ فيجوز: قلت: محمد قائم لا محمد قاعد، ولا يعطف بها جملة لا محل لها من الإعراب، ويشترط في المفرد: ألا يكون صالحًا لأن يكون صفة لموصوف مذكور، أو يكون خبرًا، أو حالًا، فإن صلح لشيء من ذلك كانت "لا" للنفي المحض وليست عاطفة، ووجب تكرارها؛ نحو ﴿لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾، ٦٨ من سورة البقرة، محمد لا كاتب ولا شاعر، جاء سعيد لا راضيًا ولا ساخطًا، كما يشترط ألا تقترن بعاطف، وإلا كان العطف به. وهي لإفادة نفي ما قبلها؛ نحو: جاء محمد لا بل علي.
(٤) فإنه منع ذلك؛ زاعمًا أنه لم يسمع عن العرب. وابن سعدان هو: أبو جعفر محمد بن سعدان الضرير، كان من النحاة الكوفيين الموثوق بهم، عالمًا بالعربية والقراءة، وقد أخذها عن أهل مكة والمدينة وغيرها، وكان يقرأ بقراءة حمزة، وصنف كتابًا في النحو، وآخر في القراءات، وتوفي يوم عيد الأضحى سنة ٢٣١ هـ، وأنجب ولدًا اسمه إبراهيم، كان من أهل العلم والفضل.
стр. 1034
وألا يصدق أحد متعاطفيها على الآخر (١)، نص عليه السهيلي، وهو حق؛ فلا يجوز: جاءني رجل لا زيد، ويجوز: جاءني لا زيد، ويجوز: جاءني رجل لا امرأة. وقال الزجاجي: وألا يكون المعطوف عليه معمول فعل ماض؛ فلا يجوز: جاءني لا زيد لا عمرو (٢)، ويرده قوله:
عقاب تنوفى لا عقاب القواعل (٣)(١) أي لا يكون داخلًا في مدلوله، ولا معدودًا من أفراده التي يطلق عليها اسمه.
(٢) حجته: أن العامل يقدر بعد العاطف، ولا يصح أن يقال: لا جاء عمر، إلا على سبيل الدعاء.
(٣) عجز بيت من الطويل، لامرئ القيس الكندي، وصدره:
كأن دثاراً حلقت بلبونه
الغة والإعراب: دثار: اسم رجل كان راعيا لامرئ القيس؛ وهو: دثاء بن فقعس، أحد بني أسد. حلقت: ذهبت وارتفعت. بلبونه: اللبون: الإبل ذوات اللبن. عقاب: طائر معروف من الطيور الكواسر. تنوفي: اسم موضع مرتفع في جبال طيء، أغير على إبل امرئ القيس من ناحيته. القواعل: موضع دون تنوفى. "دثارًا" اسم كأن. "حلقت" الجملة خبرها. "عقاب تنوفى" عقاب فاعل حلقت، وتنوفى مضاف إليه. "لا" عاطفة. "عقاب القواعل". معطوف على عقاب تنوفي، ومضاف إليه.
المعنى: كأن هذا الراعي حين أغار عليه الأعداء، وشردت إبله بعيدًا قد طارت بإبله عقبان ذلك الجبل العظيم، وارتفعت بها فوقه؛ فهو لا يستطيع ردها، ولا الوصول إليها، لا عقبان هذا الجبل الصغير.
الشاهد: أن "لا" عطفت "عقاب العواقل" على "عقاب تنوفي" والمعطوف عليه معمول لفعل ماض؛ وهو "حلقت"؛ فهو رد على الزجاجي الذي يمنع ذلك.
وقد جمع الناظم حكم "لكن" المتقدمة، وحكم "لا" في بيت واحد؛ هو:
стр. 1035
فصل: يعطف على الظاهر، والضمير المنفصل، والضمير المنفصل، والضمير المتصل المنصوب، بلا شرط؛ كـ"قام زيد وعمرو، و"إياك والأسد"؛ ونحو: ﴿جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ﴾ (١).
ولا يحسن العطف على الضمير المرفوع المتصل، بارزًا كان، أو مستترًا، إلا بعد توكيده بضمير منفصل (٢)؛ نحو: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾، أو وجود فاصل، أي فاصل كان، بين المتبوع والتابع (٣)؛ نحو: ﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ (٤).
أو فصل بـ"لا" بين العاطف والمعطوف؛ نحو: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ (٥).
وأول "لكن" نفياً أو نهيًا و"لا" … نداء أو أمرًا أو اثباتًا تلا*
أي اجعل "لكن" والية -أي واقعة- بعد نفي أو نهي، و"لا" تتبع نداء أو أمرًا أو إثباتًا، ولا تكون عاطفة إلا إذا وقعت بعد أحدها. وقد أوضح المصنف ما في البيت من قصور.
هذا: وقد أجاز بعض النحاة وقوع "لا" العاطفة بعد الدعاء والتحضيض؛ نحو: أطال الله عمرك لا عمر عدوك، هلا تكرم المجد لا الخامل. كما أجاز البعض وقوعها بعد الاستفهام؛ تقول: أفرغت من رسائل الطلبة لا الطالبات؟
(١) ﴿الأَوَّلِينَ﴾ معطوف على "كم"، من الآية ٣٨ من سورة المرسلات.
(٢) قيل في سبب ذلك: إن المتصل المرفوع كالجزء من عامله المتصل به لفظًا ومعنى؛ فالعطف عليه يكون كالعطف على جزء الكلمة؛ فإذا أكد دل على انفصاله؛ فحصل له نوع استقلال.
(٣) أبي بين المعطوف والمعطوف عليه.
(٤) فقوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ معطوف على الواو في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، والفاصل بينهما "ها".
(٥) فقوله: ﴿آبَاؤُنَا﴾ معطوف على "نا" في ﴿أَشْرَكْنَا﴾ بالواو، و"لا" فاصلة بين العاطف والمعطوف، الآية ٤٨ من سورة الأنعام.
стр. 1036
وقد اجتمع الفصلان في نحو: ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ﴾ (١).
ويضعف بدون ذلك، كمررت برجل سواء والعدم (٢)؛ أي مستوٍ هو والعدم. وهو فاش في الشعر؛ كقوله:
ما لم يكن وأب له لينالا (٣)
ولا يكثر العطف على الضمير المخفوض إلا بإعادة الخافض: حرفاً كان أو اسماً؛ نحو: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ﴾،
(١) فقد فصل بين ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ المعطوف على الواو في ﴿تَعْلَمُوا﴾ بالتوكيد؛ وهو ﴿أَنْتُمْ﴾. وفصل بين العاطف وهو الواو، و ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ المعطوف بلا. ٩١ من سورة الأنعام.
(٢) أي: برفع "العدم" بالعطف على الضمير المستتر في "سواء"؛ لأنه مؤول بالمشتق؛ فيتحمل الضمير، وليس بينها فاصل. وهذه عبارة مأثورة عن بعض العرب.
(٣) عجز بيت من الكامل، لجرير الشاعر الأموي المشهور، من قصيدة يهجو فيها الأخطل التغلبي وقومه، وصدره:
ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه
اللغة والإعراب: رجا: أمل من الرجاء؛ وهو الأمل في الحصول على الشيء.
الأخيطل: تصغير الأخطل. سفاهة رأيه: ضعف رأيه وفساده. "الأخيطل" فاعل رجا. "من" حرف جر للتعليل. "سفاهة رأيه" مجرور بمن ومضاف إليه. "ما" اسم موصول، أو نكرة مفعول رجا. "يكن" فعل مضارع نقاص مجزوم بلم. "وأب" معطوف على الضمير المستتر في يكن الواقع اسما لها، والعائد على الأخطل. "له" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لأب. "لينالا" اللام لام الجحود، و"ينالا" فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد اللام، والألف للتثنية فاعل، والجملة خبر يكن.
المعنى: أن الأخطل يرجو ويتمنى؛ لخفته وضعف رأيه وعدم حصافته، ما لا يمكن أن يناله هو وأبوه من الآمال والأحلام، مما لم تجر العادة بأن ينال مثله.
الشاهد: عطف "أب" وهو اسم ظاهر، على اسم يكن المرفوع المستتر بغير تأكيد أو فاصل بينهما، وإلى ما تقدم يشير الناظم بقوله:
стр. 1037
﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ (١)، وليس وفاقاً ليونس والأخفش والكوفيين (٢)؛ بدليل قراءة ابن عباس، والحسن، وغيرهما: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ (٣)، وحكاية قطرب: "ما فيها غيره وفرسه" (٤).
وإن على ضمير رفع متصل … عطف فافصل بالضمير المنفصل
أو فاصل ما وبلا فصل يرد … في النظم فاشيًا وضعفه اعتقد*
أي: إذا كان المعطوف عليه ضميرًا مرفوعًا متصلًا فافصل بالضمير المنفصل بين المتعاطفين، أو افصل بأي فاصل غير الضمير. وورد عدم الفصل كثيرًا في الشعر، وهو مع كثرته ضعيف، ويمكن القياس عليه شعرًا ما دام كثيرًا.
(١) فقوله تعالى: ﴿وَلِلأَرْضِ﴾ معطوف على الهاء في ﴿لَهَا﴾ المجرور باللام، وأعيدت مع المعطوف. من الآية ١١ من سورة فصلت، و ﴿آبَائِكُ﴾ معطوف على الكاف المجرور بإضافة "إله"، وقد أعيد المضاف مع المعطوف. من الآية ١٣٣ من سورة البقرة.
(٢) أي: لا يلزم إعادة الخافض عند هؤلاء، وتبعهم الناظم في ذلك.
(٣) أي بجر ﴿الأَرْحَامِ﴾ وعطفه على الضمير المجرور بالباء بدون إعادة الجار؛ أي: وبالأرحام.
(٤) بجر كلمة "وفرسه" بالعطف على الهاء المجرورة بإضافة "غير" إلهيا من غير إعادة الجار؛ وهو المضاف. وهذه العبارة قوله لبعض العرب.
وقطرب هو: أبو علي محمد بن المستنير البصري النحوي الملقب بقطرب. لازم سيبويه وأخذ عنه كثيراً، وكان يدلج إليه؛ فإذا خرج سيبويه سحرًا رآه على بابه؛ فقال له: ما أنت إلا قطرب ليل، فلقب به. والقطرب: دويبة لا تستريح نهارها سعيًا.
стр. 1038
قيل: ومنه ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١)؛ إذ ليس العطف على "السبيل"؛ لأنه صلة المصدر (٢)، وقد عطف عليه "كفر" ولا يعطف على المصدر حتى تكمل معمولاته (٣).
وقد أخذ قطرب كذلك عن عيسى بن عمر، وجماعة من علماء البصرة. قيل أنه لم يكن ثقة في اللغة، وله تصانيف كثيرة؛ منها: العلل، والنحو، والأضداد، وإعراب القرآن. ومات سنة ٢٠٦ هـ، وكان يقول الشعر قليلًا، ومن شعره:
لقد غرت الدنيا رجالا فأصبحوا … بمنزلة ما بعدها متحول
(١) فقوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ معطوف على الهاء في ﴿بِهِ﴾ من غير إعادة الجار. قال في المغني: والصواب أن ﴿الْمَسْجِدِ﴾ مجرور بباء محذوفة لدلالة ما قبلها عليها لا بالعطف، ومجموع الجار والمجرور معطوف على ﴿بِهِ﴾ ٢١٧ من سورة البقرة.
(٢) أي وهو ﴿صَدَّ﴾ لأنه متعلق به.
(٣) وذلك لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي؛ فلو عطف ﴿الْمَسْجِدِ﴾ على ﴿سَبِيلِ﴾ لكان من جملة معمولات ﴿صَدَّ﴾؛ لأن المعطوف على معمول المصدر من جملة معمولاته، وفي العطف على الضمير المخفوض يقول الناظم:
وعود خافض لدى عطف على … ضميرخفض لازمًا قد جعلا
وليس عندي لازمًا إذ قد أتى … في النثر والنظم الصحيح مثبتا*
стр. 1039
ويعطف الفعل على الفعل (١)، بشرط اتحاد زمانيهما (٢)؛ سواء اتحد نوعاهما؛ نحو: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ﴾، ونحو: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ (٣)، أم اختلفا؛ نحو: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ (٤)، ونحو: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ (٥).
(١) أي وحده من غير مرفوعه، وذلك من قبيل عطف المفردات بعضها على بعض؛ كما يعطف الاسم على نظيره عطف مفردات.
(٢) أي في الماضي، أو الحال، أو الاستقبال.
(٣) فقد عطف ﴿تَتَّقُوا﴾، على ﴿تُؤْمِنُوا﴾، و ﴿يَسْأَلْكُمْ﴾، على ﴿يُؤْتِكُمُ﴾، من عطف الشرط على الشرط، والجواب على الجواب؛ بدليل الجزم فيهما، وكلاهما فعل مضارع.
(٤) عطف ﴿أَوْرَدَ﴾، على ﴿يَقْدُمُ﴾، والأول ماض، ولكنه مستقبل المعنى؛ لأنه بمعنى يورد، والثاني مضارع.
(٥) عطف ﴿يَجْعَلُ﴾، -وهو مضارع- على ﴿جَعَلَ﴾، الماضي؛ لأنه في محل جزم، وهو مستقبل بسبب أداة الشرط الجازمة التي تستلزم أن يكون فعل زمن الشرط والجواب مستقبلا، ولا فرق في عطف الفعل على الفعل، بين أن يكون بالواو وبالفاء؛ كما مثل، أو بثم؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾، كما أنه لا فرق بين أن يكون العطف قبل تمام الفائدة؛ كعطف الشرط على الشرط، أو بعد تمامها؛ كعطف الجواب على الجواب. وقد أشار الناظم إلى ما تقدم بعجز البيت الآتي، وصدره سيأتي في آخر الباب في موضوع آخر.
وعطفك الفعل على الفعل يصح
ويلاحظ: أن المصنف مثل للماضي والمضارع، ولم يمثل للأمر؛ وذلك لأن فعل الأمر،
стр. 1040
ويعطف الفعل على الاسم المشبه له في المعنى (١)؛ نحو: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ﴾ (٢)؛ ونحو: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ (٣)، ويجوز العكس؛ كقوله:
أم صبي قد حبا أو دارج (٤)
بدون فاعله، لا يكون معطوفًا ولا معطوفًا عليه على الصحيح؛ لأنه لا يفارق فاعله لا لفظًا ولا تقديرًا. ويعرف عطف الفعل وحده على آخر كذلك، إذا نصب الفعلان أو جزمًا بغير تكرار الناصب أو الجازم. أما في حالة الرفع في المضارعين، فيجوز أن يكون من عطف المفرد أو الجملة، والقرينة هي التي توضح المراد.
(١) هو الاسم المشتق العامل؛ كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، والمصدر الصريح أيضاً، واسم الفعل في بعض أحواله.
(٢) ﴿أَثَرْنَ﴾، فعل ماض معطوف على المغيرات، وهي اسم فاعل مشبه للفعل؛ لأنه في تأويل: واللائي أغرن. واختلف في موضع ﴿أَثَرْنَ﴾، من الإعراب؛ فقيل: لا محل لها لعطفها على صلة أل وهي كذلك، وجرها بالعارية من أل، وقيل: هي في محل جر بالتبعية.
(٣) عطف ﴿يَقْبِضْنَ﴾؛ وهو مضارع، على ﴿صَافَّاتٍ﴾، وهو اسم فاعل؛ لأنها في معنى يصففن، ومعنى ﴿صَّافَّاتِ﴾: ناشرات أجنحتهن في الجو، ومعنى ﴿يَقْبِضْنَ﴾: يضممن الأجنحة إلى الأجسام. الآية ١٩ من سورة الملك.
(٤) عجز بيت من الرجز، لراجز اسمه جندب بن عمرو، يذكر امرأة الشماخ بن ضرار الغطفاني، شاعر معروف، وصدره:
يارب بيضاء من العواهج
وقبله:
يا ليتني علقت غير حارج … قبل الصباح ذات خلق بارج
اللغة والإعراب: بارج: حسن وجميل. العواهج: جمع عوهج؛ وهي في الأصل: الطويلة العنق من الظباء والنوق والنعام، والمراد هنا: المرأة التامة الخلق. حبا: زحف ومشى على عجزه. دارج: اسم فاعل، من درج الصبي إذا مشى هينا متقارب الخطو. "يا" للتنبيه. "بيضاء" مبتدأ مجرور برب لفظا في محل رفع. "من العواهج" جار ومجرور متعلق
стр. 1041
وجعل منه الناظم: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾، وقدر الزمخشري عطف ﴿مُخْرِجُ﴾، على ﴿فَالِقُ﴾ (١).
بمحذوف صفة لبيضاء. "أم" بالجر، بدل أو عطف بيان لبيضاء باعتبار اللفظ، وبالرفع باعتبار المحل، أو خبر لمبتدأ محذوف. "صبي" مضاف إليه. "حبا" فعل ماض، والجملة صفة لصبي. "أو دراج" معطوف على حبا؛ لتأويله بدرج.
المعنى: يريد الشاعر امرأة تامة الخلق، تشبه الظباء في طول عنقها، ولا يكون معها غير صبي يحبو، أو قريب عهد بالمشي، لا يكاد يدرك؛ حتى لا ينم عن اتصاله بها.
الشاهد: عطف الاسم المشبه للفعل -وهو "دارج"- على الفعل؛ وهو "حبا"، وفي هذا الشاهد تسامح؛ لأن المعطوف عليه محل جملة "حبا"؛ لأنها صفة لنكرة، فهو من العطف على الجملة لا على الفعل.
وعليه يكون قوله: "أم صبي" بدلًا، أو عطف بيان من "ذات خلق بارج".
(١) فيكون من عطف الاسم. من الآية ٩٥ من سورة الأنعام، وفي عطف الفعل على الفعل، وعلى اسم يشبهه أو العكس، يقول الناظم:
واعطف على اسم شبه فعل فعلا … وعكسا استعمل تجده سهلا*
أي: اعطف الفعل على الاسم المشبه للفعل؛ كاسم الفاعل ونحوه، واستعمل العكس؛ وهو: أن تعطف الاسم على الفعل الواقع موقع الاسم تجد الأمر سهلا ومستساغًا.
هذا: ويجوز عطف الجملة الاسمية على نظيرتها، كما يجوز عطف الجملة الفعلية على مثلها، بشرط اتفاقهما خبرًا أو إنشاء، ويمنع إن اختلفا في ذلك على الصحيح.
أما عطف الاسمية على الفعلية، والعكس، فجائز على الراجح، ومن الحكم المأثورة: "للباطل جولة ثم يضمحل"؛ فالجملة المضارعية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، وقد تعطف الجملة على المفرد أو العكس، إذا كانت الجملة في الحالتين مؤولة بالمفرد؛ كأن تكون نعتًا؛ أو خبرًا أو حالا، كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾؛ أي أو قائلين، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾؛ فقاعدا معطوف على قوله: ﴿لِجَنْبِهِ﴾.
стр. 1042
فصل: تختص الفاء والواو بجواز حذفهما لدليل (١)، مثاله في الفاء: ﴿أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾؛ أي: فضرب فانبجست (٢)، وهذا الفعل المحذوف معطوف على ﴿أَوْحَيْنَا﴾ (٣)، ومثاله في الواو قوله:
فما كان بين الخير لو جاء سالمًا … أبو حجر إلا ليال قلائل (٤)(١) وتشاركهما في ذلك "أم" المتصلة؛ كقول الشاعر:
دعاني إليها القلب إني لأمره … سميع فما أدري أرشد طلابها
التقدير: أرشد طلابها أم غي؟ وقيل: إن الهمزة للتصديق؛ فلا تحتاج لمعادل.
(٢) أصله فضرب فانبجست، فتكون: ﴿انْبَجَسَتْ﴾، معطوفة على ﴿فَضَرْبَ﴾، المحذوفة.
(٣) أي: من قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾، وإنما لم يكن العطف على أوحينا؛ كما هي القاعدة من أن المعطوفات عليه ما قبله مما يقتضيه المعنى.
(٤) بيت من الطويل، من قصيدة للنابغة الذبياني، يرثي فيها أبا حجر النعمان بن الحارث بن أبي شمر الغساني.
اللغة والإعراب: معاني المفردات واضحة. "فما" الفاء عاطفة، و"ما" نافية. "بين الخير" بين ظرف، والخير مضاف إليه. وهو متعلق بمحذوف، خبر كان مقدم .. "إلا" أداة حصر. "ليال" اسمها مؤخر، مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة. "قلائل" صفة ليال "لو" شرطية غير جازمة. "جاء" فعل الشرط. "أبو حجر" أبو فاعل جاء، وحجر مضاف إليه. "سالمًا" حال من أبو حجر، وجواب الشرط محذوف يدل عليه الكلام. وجملة الشرط وجوابه معترضة بين خبر كان واسمها.
المعنى: لم يكن بيني وبين ما كنت أرجو وأطمع فيه من خير ونعمة إلا مدة قليلة، لو سلم النعمان وجاء إلينا. ولكن القدر كان له بالمرصاد، فذهبت آمالي سدى.
стр. 1043
أي بين الخير وبيني، وقولهم: راكب الناقة طليحان؛ أي: والناقة (١).
وتختص الواو بجواز عطفها عاملاً قد حذف وبقي معموله؛ مرفوعاً كان؛ نحو: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾؛ أي: وليسكن زوجك (٢).
أو منصوباً؛ نحو: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾، أي: وألفوا الإيمان.
أو مجرورًا؛ نحو: "ما كل سوداء تمرة، ولا بيضاء شحمة"؛ أي: ولا كل بيضاء (٣).
وإنما لم يجعل العطف فيهن على الموجود في الكلام، لئلا يلزم في الأول رفع فعل الامر للاسم الظاهر (٤)، وفي الثاني: كون الإيمان متبوًا؛ وإنما يتبوأ المنزل (٥). وفي الثالث: العطف على معمولي عاملين (٦). ولا يجوز في الثاني أن يكون الإيمان مفعولًا معه؛ لعدم
الشاهد: حذف الواو ومعطوفها؛ وهو "وبيني"، والدليل على ذلك: أن كلمة "بين" يجب أن تضاف لمتعدد كما أسلفنا.
(١) قول لبعض العربن ومعنى طليحان: متعبان ضعيفان. والدليل على المحذوف تثنية الخبر، ويقاس على هذا: كل مبتدأ مضاف، أخبر عنه بخبر مطابق في التثنية أو الجمع للمضاف مع المضاف إليه، من غير عطف.
(٢) ﴿زَوْجُكَ﴾، فاعل بفعل محذوف، معطوف على ﴿اسْكُنْ﴾ بالواو، من عطف فعل الأمر على الأمر، والآية بعده من عطف الجملة على الجملة.
(٣) "بيضاء" مجرور بمضاف محذوف، معطوف على "كل"، كما ذكر المصنف.
(٤) ﴿زَوْجُكَ﴾، فاعل بفعل محذوف، معطوف على ﴿اسْكُنْ﴾، المستتر لكان شريكه في عامله، والأمر لا يرفع الظاهر.
(٥) أي: لو جعل ﴿الإِيمَانِ﴾، معطوفًا على ﴿الدَّارِ﴾، لكان معمولا لتبوءوا، والتبوؤ معناه التهيؤ. وقيل: إنه يقال: تبوأ فلان الدار إذا لزمها، وعلى هذا يصح العطف، ولا يحتاج إلى تقدير عامل.
(٦) ذلك لأن "سوداء" معمول لـ"كل"، و"تمرة" معمول لـ"ما" فلو عطف بيضاء على سوداء، وشحمة على تمرة لزم ذلك المحذور، وهو غير جائز على الأصح عند الجمهور.
стр. 1044
الفائدة في تقييد الأنصار (١) بمصاحبة الإيمان؛ إذ هو أمر معلوم، ويجوز حذف المعطوف عليه بالواو والفاء (٢)؛ فالاول كقول بعضهم: وبك وأهلًا وسهلًا، جواباً لمن قال له: مرحباً، والتقدير: ومرحباً بك وأهلًا (٣)، والثاني نحو: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾؛ أي أنهملكم فنضرب؟ ونحو: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾؛
(١) في بعض النسخ: "المهاجرين" بدل الأنصار، وهو سهو؛ لأن الآية واردة في الأنصار، وفي مواضع الحذف السابقة يقول الناظم:
والفاء قد تحذف مع ما عطفت … والواو إذ لا لبس وهي انفردت
بعطف عامل مزال قد بقي … معموله دفعاً لوهم اتقي*
أي: أن الفاء قد تحذف مع معطوفها؛ وكذلك الواو، إذ دل على ذلك دليل ولم يحدث لبس. وتنفرد الواو من بين حروف العطف، بأنها تعطف عاملًا مزالًا؛ أي محذوفا بقي معموله، والذي يدعو لتقدير المحذوف دفع وهم لا يستقيم الأمر إلا بدفعه وإزالته.
هذا: وقد يحذف العاطف وحده، ولا يكون ذلك إلا في الواو، والفاء، وأو؛ فمثال الواو: قوله ﵇: "تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره"، ومثال الفاء: ذاكرت النحو بابا بابا، وادخلو المدرسة واحدا واحدا؛ أي باب فبابا، وواحدا فواحدا، ومثال "أو": أعط السائل قرشًا، قرشين، ثلاثة، أي قرشا، أو قرشين، أو ثلاثة.
(٢) ومثلهما: "أم" المتصلة، وذلك عند أمن اللبس في الجميع.
(٣) الجار والمجرور -وهو "بك"- متعلقان بكلمة "مرحبًا" المحذوفة، "وأهلا" الواو عاطفة، و"أهلا" معطوف على مرحبا المحذوفة، عطف مفرد على مفرد؛ فالمعطوف عليه محذوف وهو محل الشاهد، و"سهلا" معطوف مرحبا المحذوفة، فالمعطوف عليه محذوف. وسيبويه يجعل "مرحبا" و"أهلا" منصوبين على المصدر.
стр. 1045
أي: أعموا فلم يروا؟ (١).
ونظير هذه العبارة قول القائل: "وعليكم السلام"، جوابًا لمن قال: "السلام عليكم"؛ فالواو في الجواب لعطف كلام المتكلم المجيب على كلام المخاطب، مثلها في العبارة السابقة.
(١) كل من جملتي "نَضْرِبُ"، و"لَمْ يَرَوْا" معطوف بالفاء على جملة محذوفة بينهما وبين الهمزة؛ لأن المعطوف عليه بالفاء خاص بالجمل، والهمزة في الموضعين في موضعها الأصلي، وهذا رأي الزمخشري ومن تبعه، واختاره المصنف. ويرى سيبويه والجمهور: أن الهمزة قدمت من تأخير؛ تنبيهًا على أصالتها في التصدير ومحلها الأصلي بعد الفاء؛ والأصل: فانضرب، فألم يروا. ومثال الحذف مع بقاء "أم" المتصلة قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾؛ فإن التقدير: أعلمتم أن الجنة حفت بالمكاره؟ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة … إلخ. وقد أشار الناظم إلى ما تقدم بصدر بيت سبق عجزه في موضوع آخر. صفحة ٢١٩؛ وهو:
وحذف متبوع بدا هنا استبح .... . . . . . . . . . . *
أي: استبح حذف معطوف عليه ظهر وذكر في هذا الموضع؛ وهو: العطف بالواو، والفاء، وأم.
تتمة:
أ- لا يجوز تقديم المعطوف على المعطوف إليه، وما ورد من ذلك فهو شاذ يقتصر فيه على المسموع. ومنه قول الأحوص:
ألا يا نخلة من ذات عرق … عليك ورحمة الله السلام
ب- يجوز الفصل بين الواو ومعطوفها بظرف أو جار ومجرور، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾، ولا يجوز بين الفاء ومعطوفها إلا في الضرورة الشعرية.
ج- الأصل في عطف النسق المغايرة بين المتعاطفين؛ فلا يصح عطف الشيء على نفسه، وأجاز بعضهم ذلك إذا اختلف اللفظان لغرض بلاغي، أو لقصد التفسير والتوضيح،
стр. 1046
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومنه قوله الشاعر:
وألفى قولها كذبًا ومينًا
د- الصحيح جواز عطف الخبر على الإنشاء، والجملة الاسمية على الفعلية، والعكس.
هـ- مما تنفرد به الواو عطف كلمة "أي" على مثلها؛ كقول الشاعر:
فلئن لقيتك خاليين لتعلمن … أيي وأيك فارس الأحزاب
و- لا يجوز العطف بـ"بل" الواقع بعد الاستفهام؛ فلا تقول: أقرأت كتابًا بل كتابين
стр. 1047
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسئلة والتمرينات:
١ عرف عطف البيان، ووضح الفرق بينه وبين البدل بأمثلة من إنشائك.
٢ عرف عطف النسق، واذكر حروفه، وما يدل عليه كل حرف، مع التوضيح.
٣ تختص كل من الفاء والواو العاطفتين بأشياء، اذكر ما تختص به كل منهما، ووضح ذلك بأمثلة.
٤ ما شروط العطف بحتى؟ وما حكم المجرور بعدها؟ اذكر أمثلة موضحة.
٥ ما الفرق بين "أو"، "وإما" المعاني التي تأتي لها كل منهما؟ مثل لما تقول.
٦ اشرح قول ابن مالك:
وأول "لكن" نفيا أو نهيا و"لا" … نداء أو أمرًا أو إثباتًا تلا
٧ ما الفرق بين همزة التسوية وهمزة التعيين؟ اشرح معنى كل بأمثلة موضحة، ثم اذكر الفرق بين "أم" المتصلة والمنقطعة، مع التمثيل بأمثلة من عندك.
٨ فيما يأتي شواهد في باب العطف، بين مواضع الشاهد، وحكمه في الإعراب:
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾، ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾، ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ﴿أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾، ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمُ ارْتَابُوا﴾، ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾.
стр. 1048
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الحديث.
"كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس"، "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته".
إذا سيدنا منا مضى لسبيله … أقام عمود الدين آخر سيد
صبرت على ما كان بيني وبينه … وما يستوي حرب الأقارب والسلم
كيف أصبحت كيف أمسيت مما … يغرس الود في فؤاد الكريم
إن من ساد ثم ساد أبوه … ثم قد ساد قبل ذلك جده
أراك فلا أدري أهم هممته … وذو الهم قدمًا خاشع متضائل
نال الخلافة أو كانت له قدرًا … كما أتى ربه موسى على قدر
ذعرتم أجمعون ومن يليكم … برؤيتنا وكنا الظافرينا
فاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا … فاذهب فما بك والأيام من عجب
دعاني إليها القلب أني لأمره … سميع فما أدري أرشد طلابها
٩ أعرب البيت الآتي، وبين ما فيه من شاهد، ثم اشرحه شرحًا أدبيًا:
إني مقسم ما ملكت فجاعل … أجراً لآخره ودنيا تنفع
١٠ يكثر في تعبير الفقهاء: "سواء كان كذا أو كذا"، ويقول بعض النحاة: إن هذا التعبير، خطأ، اشرح القول في ذلك، على ضوء ما بينا في موضعه.
١١ ما الفرق بين التخيير والإباحة؟ وبعد أي صيغة يقعان؟ اذكر مثالين من إنشائك يلقيان الضوء على ما تذكر من فروق.
١٢ كيف تعطف على ما يأتي؟
أ- على الضمير المرفوع المتصل.
ب- على الضمير المخفوض، ثم وضح بأمثلة من عندك.
١٣ ما شرط عطف الفعل على الفعل؟ وضح ذلك بأمثلة من إنشائك.
١٤ متى تكون "بل" للإضراب؟ ومتى تتمخض للعطف؟ وما الفرق بين الإضراب الإبطالي والانتقالي؟ وضح ما تقول بأمثلة من عندك.
١٥ قد تعطف الجملة على المفرد، أو العكس، فمتى يكون ذلك؟ وضح ما تقول بأمثله.
стр. 1049
باب البدل (١):
وهو: التابع المقصود بالحكم (٢) بلا واسطة (٣). فخرج بالفصل الأول (٤): النعت، والبيان، والتوكيد؛ فإنها مكملات للمقصود بالحكم (٥).
وأما النسق فثلاثة أنواع:
أحدها: ما ليس مقصوداً بالحكم (٦)؛ كجاء زيد لا عمرو، وما جاء زيد بل عمرو، أو لكن عمرو، أما الأول فواضح؛ لأن الحكم السابق منفي عنه، وأما الآخران؛ فلأن الحكم السابق هو نفي المجيء، والمقصود به إنما هو الأول.
النوع الثاني: ما هو مقصود بالحكم هو وما قبله، فيصدق عليه أنه مقصود بالحكم، لا أنه المقصود (٧)
باب البدل:
(١) معناه في اللغة: العوض وفي الاصطلاح: ما ذكره المصنف.
(٢) أي: الحكم المنسوب إلى متبوعه، إثباتاً أو نفياً.
(٣) أي: من غير واسطة لفظية؛ تتوسط وتذكر بين التابع والمتبوع. والمراد بالواسطة هنا: حرف العطف؛ لأن البدل من المجرور قد يكون بواسطة إعادة حرف الجر الداخل على المبدل منه؛ نحو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾، ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾.
(٤) أي: وهو المقصود بالحكم.
(٥) أي: وهو متبوعها إما بتخصيصه أو إيضاحه، أو رفع الاحتمال عنه، أو أي وجه من الوجوه التي سبقت في أبوابها. أما هي فليست مقصودة بالحكم.
(٦) وهو المعطوف "بلا" بعد الإيجاب، وبـ"بل" و"لكن" بعد النفي، كما مثل المصنف.
(٧) أي وحده؛ بل يشاركه في الحكم غيره أن يكون مقصوداً هو أيضا. أما عبارة "المقصود بالحكم" فتدل على أنه مقصود بالحكم وحده، ولا يشاركه غيره.
стр. 1050
وذلك كالمعطوف بالواو (١)؛ نحو: جاء زيد وعمرو، وما جاء زيد ولا عمرو، وهذان النوعان خارجان بما خرج به النعت، والتوكيد، والبيان (٢).
النوع الثالث: ما هو مقصود بالحكم دون ما قبله، وهذا هو المعطوف بـ"بل" بعد الإثبات؛ نحو: جاءني زيد بل عمرو، وهذا النوع خارج بقولنا: بلا واسطة. وسلم الحد بذلك للبدل. وإذا تأملت ما ذكرته في تفسير هذا الحد، وما ذكره الناظم وابنه من قلدهما، علمت أنهم عن إصابة الغرض بمعزلٍ.
وأقسام البدل أربعة (٣):
(١) أي: في حال الإثبات أو النفي، وقد مثل المصنف للحالتين.
(٢) أما الأول؛ فلأن المقصود بالحكم هو المتبوع، وأما الثاني؛ فلأن التابع ليس هو المقصود وحده بالحكم؛ وفي تعريف البدل يقول الناظم:
التابع المقصود بالحكم بلا … واسطة هو المسمى بدلًا*
والغرض من البدل: تقرير الحكم السابق وتقويته، بتعيين المراد وإيضاحه ورفع الاحتمال عنه؛ ذلك لأن الحكم ينسب للمتبوع أولًا، ثم يأتي بعده التابع؛ فكأن الحكم ذكر مرتين. ولهذا يقولون: إن البدل في حكم تكرير العامل، ولا يصح أن يتحد لفظ البدل والمبدل منه، إلا إذا أفاد الثاني زيادة بيان وإيضاح.
(٣) زاد بعض الناة نوعًا خامسًا سماه: بدل الكل من البعض، واستدل بأمثلة متعددة من الشعر العربي، وفي القرآن الكريم: ﴿فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا، جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾؛ فجنات بدل "كل" من الجنة، وهي جمع والجنة مفرد، وقال الشاعر:
كأني غداة البين يوم تحملوا … لدى سمرات الحي ناقف حنظل
"فاليوم" بدل من "غداة"، مع أنه يشملها، وهي جزء منه، وسمرات: جمع سمرة؛ وهي شجرة الطلح. ناقف: جامع. وجامع الحنظل تدمع عيناه؛ فلهذا شبه به وعيناه تدمعان.
стр. 1051
الأول: بدل كل من كل؛ وهو بدل الشيء مما هو طبق معناه (١)؛ نحو: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ (٢). وسماه الناظم: "البدل المطابق"؛ لوقوعه في اسم الله تعالى؛ نحو: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾، فيمن قرأ بالجر (٣)؛ وإنما يطلق "كل" على ذي أجزاء، وذلك ممتنع هنا (٤).
والثاني: بدل بعض من كل، وهو: بدل الجزء من كله (٥): قليلا كان ذلك الجزء، أو مساوياً، أو أكثر؛ كأكلت الرغيف ثلثه، أو نصفه، أو ثلثيه، ولا بد من اتصاله بضمير يرجع على المبدل منه (٦)؛ مذكور كالأمثلة المذكورة، وكقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا
(١) أي: أن يكون الثاني مطابقًا ومساويًا للأول في المعنى تمام المطابقة، ويختلفان في اللفظ غالباً.
(٢) فـ ﴿صِرَاطٍ﴾، الثانية بدل كل من كل من الأولى، سورة الفاتحة.
(٣) فـ ﴿اللَّهِ﴾، بدل من ﴿الْعَزِيزِ﴾، بدل من مطابق، ولا يقال فيه بدل كل من كل؛ لما ذكره المصنف، وإن كانت هذه التسمية اصطلاحية، نقلت بعد التغليب على ما يدل على ذي أجزاء. من الآية ١، ٢ من سورة إبراهيم.
(٤) لأن مسماه تعالى لا يقبل التجزئة.
(٥) ضابطه: أن يكون البدل جزءًا حقيقيًا من المبدل منه، وأن يصح الاستغناء عنه بالمبدل منه، ولا يفسد المعنى بحذفه.
(٦) أي ليربط البعض بكله. ويجب في هذا الضمير أن يطابق المتبوع في الإفراد والتذكير وفروعهما، ولا فرق بين أن يتصل هذا الضمير بالبدل مباشرة، أو بلفظ آخر له صلة بالبدل؛ نحو: قابلت العائدين من القتال أربعة منهم. وقد يغني عن الضمير في إفادة الربط "أل" عند أمن اللبس؛ نحو: إذا رأيت والدك فقبله اليد؛ أي يده، وإلا في الاستثناء، إذا كان المبدل منه هو المستثنى منه في كلام تام؛ حيث يجوز في المستثنى النصب على الاستثناء، أو الإتباع على البدلية؛ نحو: ما نجح الطلاب إلا واحدا.
стр. 1052
وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ (١)، أو مقدر كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾؛ أي: منهم (٢).
والثالث: بدل الاشتمال؛ وهو: بدل شيء يشتمل عامله على معناه اشتمالًا بطريق الإجمال (٣)؛ كأعجبني زيد علمه، أو حسنه، وسرق زيد ثوبه، أو فرسه (٤). وأمره في الضمير كأمر بدل البعض؛ فمثال المذكور ما تقدم من الأمثلة؛ وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (٥).
(١) ﴿كَثِيرٌ﴾، بدل من الواو الأولى في ﴿عَمُوا﴾، والثانية في ﴿صَمُّوا﴾، عائدة على ﴿كَثِيرٌ﴾؛ لأنه مقدم رتبة؛ إذ التقدير -والله أعلم- ثم عموا كثير منهم وصموا. والذي يحمل على ذلك أنه لو جعل بدلًا من الواوين معًا، لزم توارد عاملين على معمول واحد.
(٢) ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾، بدل من ﴿النَّاسِ﴾، والضمير العائد على المبدل منه مقدر، كما بين المصنف، وفيه أعاريب أخرى.
(٣) لتوضيح هذا التعريف نقول: إن بدل الاشتمال تابع يقصد به تعيين وتوضيح أمر في متبوعه، وهذا الأمر من الأمور العارضة الطارئة، التي ليست جزءًا أصيلًا من المتبوع، ويشتمل على هذا الأمر، ويدل عليه "العامل" في المبدل منه؛ ولكن بطريقة إجمالية؛ لأنه لا يليق نسبته إلى ذات المبدل منه.
ويرى ابن مالك أن المشتمل هو المبدل منه، وذهب الفارسي إلى أنه البدل. وما رآه المصنف من أن المشتمل هو "العامل" جدير بالاتباع. وهذا الاشتمال: قد يكون في أمر مكتسب؛ كالعلم، والكرم، والزهد، أو غيره مكتسب؛ ولكنه ملازم لصاحبه: كالحسن، أو غير ملازم؛ كالكلام. وقد يكون الاشتمال بطريق التبعية كالثوب، والفرس … إلخ.
(٤) فالعلم والحسن بدل اشتمال، وكلاهما يعين أمرًا عرضيًا في المتبوع؛ لأنه لا يدخل في تكوين الذات، ويشملهما الإعجاب إجمالًا، ولكن لا يناسب نسبته إلى ذات "زيد" التي هي عظم ولحم ودم؛ فيفهم أن المقصود نسبة الإعجاب إلى صفة من صفاته. وكذلك الثوب والفرس بدل اشتمال، ويقال فيهما ما ذكرنا؛ فالمقصود نسبة السرقة إلى شيء يتعلق بالمتبوع؛ فقد دل "العامل" على البدل بطريقة مجملة.
(٥) فـ ﴿قِتَالِ﴾، بدل اشتمال من ﴿الشَّهْرَ﴾، والرابط بينهما الهاء المجرورة بفي، وهي
стр. 1053
ومثال المقدر قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ، النَّارِ﴾ (١)؛ أي: النار فيه، وقيل: الأصل "ناره" ثم نابت "أل" عن الضمير.
والرابع: البدل المباين (٢)، وهو ثلاثة أقسام (٣)؛ لأنه لا بد أن يكون مقصودًا كما تقدم في الحد.
ثم الأول (٤) إن لم يكن مقصوداً البتة؛ ولكن سبق إليه اللسان؛ فهو بدل الغلط؛ أي بدل عن اللفظ الذي هو غلط، لا أن البدل نفسه هو الغلط، كما قد يتوهم. وإن كان مقصوداً؛ فإن تبين بعد ذكره فساد قصده، فبدل نسيان؛ أي بدل شيء ذكر نسياناً.
وقد ظهر أن الغلط متعلق باللسان، والنسيان متعلق بالجنان، والناظم وكثير من النحويين لم يفرقوا بينهما، فسموا النوعين بدل غلط (٥).
متصلة بما يتعلق بالبدل. من الآية ٢١٧ من سورة البقرة.
(١) هذا بناء على أن ﴿النَّارِ﴾، بدل اشتمال من ﴿الأُخْدُودِ﴾. والأخدود: الشق في الأرض. وأصحابه هم: أنطيانوس ملك الروم، وبختنصر ملك فارس. ويوسف ذو نواس ملك نجران؛ حفر كل منهم شقًا عظيمًا وملأه نارًا، وأمر بأن يلقى فيه كل من لم يكفر. و"أل" في ﴿الأُخْدُودِ﴾، للجنس؛ لأنها أخاديد، لا أخدود واحد. وبدل الاشتمال كبدل البعض، لا بد لصحته من صحة الاستغناء عنه بالمبدل منه مع صحة المعنى عند حذفه؛ فمثل: أعجبني علي أخوه، بدل إضراب لا بد اشتمال؛ لعدم صحة الاستغناء عنه بالأول.
(٢) أي المغاير للمبدل منه.
(٣) لا بد في كل من الأقسام الثلاثة أن يكون البدل هو المقصود بالحكم، وهذا النوع بأقسامه الثلاثة لا يحتاج إلى ضمير يربطه بالمتبوع.
(٤) أي المبدل منه.
(٥) وقد أشار الناظم إلى أنواع البدل الأربعة المتقدمة بقوله:
مطابقًا أو بعضًا أو ما يشتمل … عليه يلفى أو كمعطوف ببل*
стр. 1054
وإن كان قصد كل واحد منهما صحيحًا (١)؛ فبدل الإضراب، ويسمى أيضًا: "بدل البداء" (٢). وقول الناظم: "خذ نبلًا مدًى، يحتمل الثلاثة، وذلك باختلاف التقادير؛
أي: يلفى البدل -أي يوجد- مطابقًا، أو بعضًا، أو شيئًا يشتمل على البدل اشتمالًا معنويًا - يريد العامل والمتبوع كما ذكرنا؛ أو كمعطوف بالحرف "بل"؛ وذلك هو البدل المباين؛ لأنه بأنواعه الثلاثة لا يخلو من الإضراب.
(١) وذلك بأن ذكر المبدل منه قصدًا، ثم أضرب عنه وتركه، من غير أن يتعرض له بنفي أو إثبات.
(٢) بفتح الباء؛ أي الطور؛ سمي بذلك لأن المتكلم بدا له ذكره بعد ذكر الأول قصدًا، لسبب ما؛ كأن يكون ظهر له الصواب بعد خفائه عليه. وهذا النوع من البدل لا يحتاج إلى ضمير يربطه بالمتبوع، وكثيرًا ما يوقع في لبس؛ فالأحسن عدم استعماله، وإليه أشاره الناظم بقوله:
وذلًا للإضراب أعز إن قصداً صحب … ودون قصد غلط به سلب
كزره خالدًا وقبله اليدا … واعرفه حقه وخذ نبلًا مدى*
و"ذا" -أي هذا الذي يشبه "بل"- انسبه إلى الإضراب إن صحبه القصد من المتكلم. وإن لم يقصده المتكلم؛ فهو بدل جيء به ليسلب الغلط الذي حدث ويزيله. وقد مثل الناظم في البيت الثاني لأنواع البدل كلها، وذكر مثالًا للبدل المباين يحتمل أقسامه الثلاثة؛ وهيك الغلط، والإضراب، والنسيان. وإن كان لم يذكر في البيت الأول سوى نوعين؛ هما: الغلط والإضراب. وقد تكفل المصنف بإيضاح ذلك.
و"خالد" اسم رجل، وهو بدل مطابق من الهاء في "زره" و"اليدا" بدل بعض من الهاء في "قبله"؛ أي يده، أو اليد منه، و"حقه بدل اشتمال من الهاء في "اعرفه". و"مدى" بدل مباين؛ غلط، أو نسيان، أو إضراب، من "نبلا".
стр. 1055
وذلك لأن النبل: اسم جمع للسهم، والمدى: جمع مدية؛ وهي السكين. فإن كان المتكلم إنما أراد الأمر بأخذ المدى؛ فسبقه لسانه إلى النبل؛ فبدل غلط. وإن كان أراد الأمر بأخذ النبل، ثم تبين له فساد تلك الإرادة، وأن الصواب الأمر بأخذ المدى، فبدل نسيان، وإن كان أراد الأول، ثم أضرب عنه إلى الأمر بأخذ المدى، وجعل الأول في حكم المتروك، فبدل إضراب وبداءٍ. والأحسن فيهن أن يؤتى ببل (١).
(١) لئلا يتوهم أن "مدى" صفة لنبل. والمعنى: نبلًا حادًا. وإذا أتي بـ"بل" خرج عن كونه بدلًا، وصار عطف نسق.
تتمة:
أ- لا يلزم موافقة البدل لمتبوعه في التعريف والتنكير؛ فقد يكونان معرفتين؛ كقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾، بجر كلمة: ﴿اللَّهِ﴾، على أنها بدل من ﴿الْعَزِيزِ﴾، وقد يكونان نكرتين، كقوله : ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا، حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾. وقد تبدل المعرفة من النكرة؛ نحو: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ﴾. والعكس كقوله سبحانه: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾، سورة العلق.
ب- أما الإفراد والتذكير وفروعهما؛ فإن كان بدل "كل" طابق متبوعه فيها، ما لم يمنع مانع من التثنية أو الجمع؛ كأن يكون أحدهما مصدرًا لا يثنى ولا يجمع، كالمصدر الميمي في الآية السابقة: ﴿مَفَازًا، حَدَائِقَ﴾، أو قصد التفضيل؛ كقول الشاعر:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة … ورجل رمى فيها الزمان فشلت
أما غيره من أنواع البدل فلا يلزم موافقته فيها.