← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 12037

ضياء السالك إلى أوضح المسالك

محمد عبد العزيز النجار

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وإذا لم يفد توكيد النكرة، لم يجز باتفاق (١)، وإن أفاد جاز عند الكوفيين، وهو الصحيح (٢). وتحصل الفقائدة بأن يكون المؤكد محدوداً (٣)، والتوكيد من ألفاظ الإحاطة؛ كاعتكف أسبوعا كله، وقوله: يا ليت عدة حول كله رجب (٤) رابطا في جملة الصلة أو الصفة أو الخبر؛ تقول: جاء الذي أكرمت نفسه، أي أكرمته، وجاء طلبة أكرمت كلهم، أي أكرمتهم كلهم، والطلبة أكرمت كلهم، أي أكرمتهم كلهم. ولا يتحد توكيد متعاطفين ما لم يتحد عاملهما معنى؛ فلا يجوز: مات محمد وعاش على كلاهما؛ فإن أتحد معنى جاز؛ تقول: انطلق زيد وذهب عمر كلاهما. (١) لأن الغرض من التوكيد زالة اللبس، وألفاظه معارف كما قدمنا، والنكرة تدل على الإبهام والشيوع، فهما متعارضان تعريفا وتنكيرا. (٢) لأن هذا يقربها من التعريف نوعا ما، ولوروده في الكلام العربي الفصيح، ويمنعه البصريون مطلقا، وفي هذا يقول الناظم: وإن يفد توكيد منكور قبل … وعن نحاة البصرة المنع شمل* أي أنه يجوز توكيد النكرة إذا أفادها التوكيد، ومنع نحاة البصريين توكيدها مطلقا، أفاد أو لم يفد. (٣) أي موضوعا للدلالة على زمن محدود ببدء ونهاية معينين؛ كيوم، وأسبوع، وشهر، وسنة .... إلخ. أو على شيء معلوم المقدار؛ كدرهم، ودينار .... إلخ. (٤) عجز بيت من البسيط، لعبد الله بن مسلم بن جندب الهذلي، وصدره: لكنه شاقه أن قيل ذا رجب* اللغة والإعراب: شاقة: أعجبه وهاجه، أو بعث الشوق إلى نفسه. والشوق: نزوع النفس إلى الشيء. حول: هو العام. "لكنه" لكن حرف استدراك ونصب، والهاء اسمها.

стр. 982

ومن أنشد "شهر" مكان "حول"؛ فقد حرفه (١)، ولا يجوز: صمت زمناً كله (٢)، ولا شهراً نفسه (٣). فصل: وإذا أكد ضمير مرفوع متصل (٤) بالنفس أو بالعين، وجب توكيده أولاً بالضمير المنفصل (٥)؛ نحو: قوموا أنتم أنفسكم، بخلاف قام الزيدون أنفسهم؛ فيمتنع "شاقه" فعل والهاء مفعوله. "أن" مصدرية. "قيل" فعل ماض للمجهول، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل شاق، وجملة شاق وفاعله خبر لكن، "ذا رجب" ذا مبتدأ، ورجب خبر، والجملة نائب فاعل قيل. "يا" للتنبيه. "ليت" حرف تمن ونصب. "عدة حول" عدة اسمها، وحول مضاف إليه. "كله" توكيد لحول. "رجب" الثانية خبر ليت، وهو مصروف، وإن أريد به معين، كما في المصباح. وقيل: إن أريد به معين منع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، أو للعدل عن الرجب ومثله في ذلك "صفر". المعنى: يقول: إنه أعجبه وبعث الشوق إلى نفسه، حين قيل: هذا الشهر رجب، وتمنى أن تكون شهور العام كلها "رجب" لما يجد فيها من الخير والأنس. الشاهد: توكيد النكرة؛ وهي "حول"، على رأي الكوفيين؛ لأنها محدودة؛ فالعام معلوم الأول والآخر، ولفظ التوكيد من الألفاظ الدالة على الإحاطة، وهو "كله". قيل: والصواب نصب "رجب" لا كما رواه النحاة؛ لأن البيت من قصيدة منصوبة الروي، ومطلعها: يا للرجال ليوم الأربعاء أما … ينفك يحدث لي بعد النهي طربا (١) لأنه يفسد المعنى؛ إذ لا يتصور أن يتمنى أن يكون الشهر كله رجبا؛ فإن الشهر لا يكون بعضه رجبا وبعضه غير رجب، حتى يتمنى أن يكون كله رجبا. (٢) لأن النكرة غير محدودة الوقت، ولا معلومة المقدار. (٣) لأن لفظ التوكيد ليس من ألفاظ الإحاطة والشمول. (٤) سواء أكان بارزا كما مثل المصنف، أم مستترا؛ نحو: محمد حضر هو نفسه. (٥) لوقوع اللبس أحيانا في مثل: هند خرجت نفسها، أو ذهبت عينها؛ إذ يحتمل أن المراد هو خروج نفسها التي بها حياتها، وذهاب عينها التي تبصر بها، فإذا جاء الفاصل منع هذا

стр. 983

الضمير (١)، وبخلاف: ضربتهم أنفسهم، ومررت بهم أنفسهم، وقاموا كلهم؛ فالضمير جائز واجب (٢). الاحتمال، واطرد الباب. ويعرب الضمير المنفصل توكيدا لفظيا للضمير السالف. وقيل: إن الشرط مطلق فاصل ولو غير ضمير، نحو: قوموا في الدار أنفسكم، ولكن الفصل بالضمير المنفصل أحسن وأفصح. (١) لأن المؤكد -"وهو الزيدون"- ليس ضمير متصلا مرفوعا؛ وإنما هو اسم ظاهر، والضمير لا يؤكد الظاهر؛ فإن الظاهر أقوى منه؛ لأنه لا يحتاج إلى مرجع تفسيره. (٢) لأن الضمير المؤكد في الأولين ليس مرفوعا؛ فهو منصوب المحل على المفعولية في الأول، ومجرور المحل بالباء في الثاني، فلا يلزم توكيده بالضمير المنفصل قبل توكيده بالنفس أو بالعين، ومع هذا يجوز توكيده بالضمير؛ تقول ضربتهم هم أنفسهم، ومررت بهم هم أنفسهم. ويجوز بغير توكيد بالضمير. والتوكيد في الثالث بغير النفس والعين. أما توكيد الضمير المرفوع المنفصل بالنفس أو بالعين، فحكمه حكم توكيد الاسم الظاهر بهما، لا يحتاج إلى فاصل، تقول: أنت نفسك حضرموت، وأنتما أنفسكما سافرتما، وأنتم أنفسكم أمتنعتم عن الإجابة .. إلخ. وفيما سبق يقول الناظم: وإن تؤكد الضمير المتصل … بالنفس والعين فبعد المنفصل عنيت ذات الرفع وأكدوا بما … سواهما والقيد لن يلتزما* أي إذا أردت أن تؤكد الضمير المتصل بالنفس أو بالعين؛ فينبغي أن يسبقها ضمير منفصل، يفصل بين التابع والمتبوع. ثم قال: عنيت ذا الرفع؛ أي قصدت الضمير المتصل المرفوع، ويجوز التوكيد بلفظ آخر غير النفس والعين، ولا يلتزم حينئذ الفصل بالضمير المنفصل؛ بل يجوز بغيره، وبدون فاصل. كما لا يلتزم الفصل إذا كان المتبوع ليس بضمير رفع متصل.

стр. 984

وأما التوكيد اللفظي؛ فهو المكرر به ما قبله (١)، فإن كان جملة، فالأكثر اقترانها بالعطف (٢)؛ نحو: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ *، ونحو: (١) إما بنصه وعينه، ولا يضر بعض تغيير يسير؛ نحو: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾؛ فكلمة "أمهل" توكيد لفظي لمهل، و"هم" عائدة على الكافرين لا محل لها من الإعراب. من الآية ١٧ من سورة الطارق. ومن هذه الآية يتبين: أنه يجوز في التوكيد اللفظي الفصل بين المؤكد والمؤكد. وإما بمرادفه قول الشاعر: أنت بالخير حقيق قمن أي جدير: والمرادف: لفظ يؤدي معنى لفظ آخر تماما، ويخالفه في حروفه، ويكون اسما؛ مثل: ذهب وتبر، وفعلا، مثل: قعد، وجلس، وحرفا؛ نحو: نعم، وجير، ولا يصح تكرار اللفظ المؤكد أكثر من ثلاث مرات؛ لأنه لم يسمع غير ذلك، والغرض من التوكيد اللفظي: تمكين السامع من تدارك لفظ لم يسمعه، أو لم يتبينه من أول الأمر. وقد يراد منه التهديد؛ كقوله تعالى -في خطاب المعاندين بالباطل: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وقد يكون للتهويل كقوله -سبحانه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. وأحياناً يقصد به التلذذ بترديد لفظ مرغوب فيه؛ نحو: الصحة الصحة أغلى شيء، الجنة الجنة نعم من يفوز بها، مصر مصر جنة الله في أرضه. وقد اقتصر الناظم على تعريف التوكيد اللفظي فقال: وما من التوكيد لفظي يجي … مكررًا كقولك ادرجي ادرجي* أي: والذي هو لفظي من التوكيد، يجيء مكررا، سواء كان التكرار باللفظ والمعنى، أم بالمعنى مع اختلاف اللفظ، كما أوضحنا. (٢) وهو "ثم" خاصة، وجعل الرضي الفاء كثم، ويؤيده: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾، والعطف هنا صوري، لأن بين الجملتين تمام الاتصال، فلا تعطف الثانية على الأولى عطفا حقيقيا،

стр. 985

﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾، وتأتي بدونه؛ نحو قوله ﵊: "والله لأغزون قريشاً"، ثلاث مرات (١). ويجب الترك عند إيهام التعدد؛ نحو: ضربت زيداً، ضربت زيداً (٢). وإن كان اسماً ظاهراً (٣)، أو ضميراً منفصلاً منصوباً، فوضاح (٤)؛ نحو: فنكاحها باطل باطل (٥)، وقوله: فإياك إياك المراء فإنه (٦) (١) أي كررها الرسول ﷺ ثلاث مرات. (٢) لأنه لو عطف بثم أو بالفاء، لتوهم تكرار الضرب. (٣) مثل: اسم الفعل. (٤) أي أن توكيده يكون بمجرد التكرار من غير شرط، ويتبع الثاني الأول في الضبط، ولا محل له من الإعراب، ويجب في الأسماء الموصولة عند توكيدها توكيدا لفظيا، إعادة لظفها وصلتها معها، ولا يجوز تكرار الموصول وحده دون صلته. (٥) هذا جزء من حديث، وهو: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير وليها فنكاحها .... " إلخ. (٦) صدر بيت من الطويل للفضل بن عبد الرحمن القرشي، وعجزه: إلى الشر دجعاء وللشر جالب اللغة والإعراب: المراء: الجدال والمعارضة بالباطل. دعاء: صيغة مبالغة من دعاء فلان فلانا، إذا طلب حضوره. جالب: مسبب له، مجلبه، إذا ساقه وجاء به. "فإياك" منصوب على التحذير بفعل محذوف وجوبا. "إياك" الثانية توكيد للأولى. "المراء" مفعول ثان لفعل التحذير المحذوف؛ أي أحذرك المراء. "فإنه" الفاء للتعليل، وإن واسمها. "إلى الشر" متعلق "بدعاء" الواقع خبرا لإن. "وللشر" جار ومجرور متعلق بـ"جالب" المعطوف بالواو على "دعاء". المعنى: أحذرك الجدال والمعارضة مع الناس من غير وجه حق؛ فإن ذلك كثيرا ما يجر إلى الشرور والخصومات، ويسبب لإنسان متاعب ومصاعب. الشاهد: توكيد الضمير المنفصل المنصوب -وهو "إياك"- بإعادة اللفظ بنفسه.

стр. 986

وإن كان ضميراً منفصلا مرفوعاً، جاز أن يؤكد به كل ضمير متصل (١)؛ نحو: قمت أنت، وأكرمتك أنت، ومررت بك أنت. وإن كان ضميراً متصلا، وصل بما وصل به المؤكد (٢)؛ نحو: عجبت منك منك. وإن كان فعلا أو حرفا جوابياً، فواضح (٣)؛ كقولك: قام قام زيد، وقوله: (١) أي مرفوع، أو منصوب، أو مجرور، ويكون على وجه الاستعارة في توكيد ضمير النصب والجر، وليس له محل إعرابي، ويؤكد به كذلك المنفصل المرفوع لا المنصوب، فلا يقال: إياك أنت أكرمت، وليس هناك ضمير منفصل مختص بالجر، وإلى ما تقدم يشير الناظم بقوله: ومضمر الرفع الذي قد انفصل … أكد به كل ضمير اتصل* أي أن الضمير المنفصل المرفوع يجوز أن يؤكد به كل ضمير متصل؛ لكن على وجه الاستعارة في توكيده ضمير النصب والجر كما سبق. (٢) أي يجب أن يعاد مع التوكيد اللفظ الذي يتصل بالمؤكد، اسما كان أو فعلا أو حرفا؛ لأن إعادته مجردا تخرجه عن الأتصال إلى الانفصال. وفي ذلك يقول الناظم: ولا تعد لفظ ضمير متصل … إلا مع اللفظ الذي به وصل** أي لا تكرر لفظ الضمير المتصل للتوكيد؛ إلا إذا أعدت معه اللفظ الذي اتصل بالمؤكد "المتبوع"، أي أنه لا بد من تماثل الضميرين -المؤكد والمؤكد- في اللفظ وفي المعنى، وفي الاتصال، وفي أن يكون مع كل منهما لفظ يماثل اللفظ الذي مع الآخر. (٣) أي يكون التوكيد اللفظي بتكرار الفعل وحده، أو الحرف بدون شرط ما. وحروف الجواب هي: ما يجاب بها عن سؤال سائل، سواء كان بالإيجاب؛ كنعم، وأجل، وجير، وإي، أو

стр. 987

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالنفي؛ مثل: لا، وبلى. وبهذه المناسبةن يحسن أن نلقي بعض الضوء على معاني هذه الحروف واستعمالها: أ- الأصل في استعمال "نعم"، و"جير"، و"أجل"، و"أي" أنها حروف جواب، تقرر حكم ما قبلها من إيجاب أو نفي، فإن كان مثبتا أبقته، على إثباته، وإن كان نفيا أبقته نفيا. فإذا جاءت بعد الاستفهام المثبت أفادات إثباته، وإذا أتت بعد استفهام منفي قررت إثبات نفيه. وتأتي "نعم" بعد الطلب فتفيد الوعد بإنجاز المطلوب؛ سواء كان الطلب أمرًا أم نهيا أم غيرهما من أنواع الطلب؛ تقول: أخبرني الصدق يا أخي، لا تغرر بي، لها صدقتني القول. فيقال: نعم أخبرك الصدق، نعم لا أغرر بك، نعم صدقتك، فهي تصديق لحديث متقدم. قيل: وبعد الاستفهام، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾، ﴿أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا﴾، وهو غير مطرد. وكذلك تأتي "نعم" بعد الجملة الخبرية مثبتة أو منفية؛ نحو: قام محمد، وما قام علي، فتفيد تصديق مضمونها وتقريره. وأما "أجل" فهي حرف جواب مثل "نعم"، وتجيء بعد الخبر والاستفهام، ولكنهما بعد الخبر أحسن من "نعم"؛ كما أن "نعم" بعد الاستفهام أحسن منها، وقال جماعة، منهم ابن مالك والزمخشري: إنها للخبر لا غير، ولا تقع بعد الاستفهام، والحق أنها تكثر فيها لا غير. وأما "جير" فحرف جواب بمعنى "نعم"، وتأخذ حكمها في كل ما تقدم. وأما "إي" فكذلك حرف جواب بمعنى "نعم" في جميع استعمالاتها. وزعم ابن الحاجب أنها تقع بعد الاستفهام؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾. واتفق الجميع على أنها لاتقع إلا قبل القسم. ب- أما "لا" فهي حرف جواب لنفي إثبات ما قبلها، ولا يجاب بها نفي أصلًا؛ فهي تناقض "نعم" في معناها، وكثير ما تحذف الجمل بعدها. وأما "بلي" فهي حرف جواب أيضاً، وهي عبارة عن "بل" التي للإضراب، و"لا" التي للنفي؛ ولذلك لا تقع إلا إضراباً عن النفي لتبطله وتصيره إيجابًا؛ فهي بعكس

стр. 988

لا لا أبوح بحب بثنة إنها (١) وإن كان غير جوابي، وجب أمران: أن يفصل بينهما (٢)، وأن يعاد مع التوكيد ما اتصل بالمؤكد أن كان مضمرا (٣)؛ نحو: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا "لا"، سواء كان لنفي مجردا؛ نحو: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾، أو مقرونا باستفهام، حقيقا كان؛ نحو: أليس زيد بقائم؟ فتقول: بلى. أو توبيخاً، نحو: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ، بَلَى﴾، أو تقريريا؛ نحو: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. وقد يجاب بـ"بلى" عن الاستفهام المجرد عن النفي؛ ففي صحيح البخاري أنه ﵊ قال لأصحابه: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: بلى" وفي صحيح مسلم: أن الرسول قال لرجل أراد زيادة بعض أولاده بالإعطاء: "أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: بلى". ومما سبق يتبين أن "لا" لا تأتي إلا بعد إيجاب. وأن "بلى" لا تأتي إلا بعد نفي غالبا، وأن "نعم" تأتي بعدهما. (١) صدر بيت من الكامل، لجميل بن عبد بن معمر العذري، المعروف بجميل بثينة؛ محبوبته وعجزه: أخذت علي موثقا وعهودا اللغة والإعراب: لا أبوح: لا أفشي ولا أظهر؛ من باح بسره، إذا أفشاه وتكلم به، موثق، وهو العهد والميثاق، "لا" نافية، والثانية توكيد لها. "بحب" متعلق بأبوح. "بثينة" مضاف إليه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. "مواثقا" مفعول أخذت. "وعهودا" معطوف على مواثقا عطف تفسير. المعنى: لا أفشي ولا أخبر أحد بالحب الذي بيني وبين بثينة؛ لأنها أخذت علي عهدا مؤكدا ألا أبوح بحبها ولا أظهره، ويجب أن أفي بعهدي لها. الشاهد: توكيد "لا" توكيدا لفظيا" وهي حرف جواب لا تحتاج للفصل بين المؤكد والمؤكد، ولا لشيء آخر كالحروف غير الجوابية؛ كما سيأتي. (٢) أي بين المؤكد والمؤكد بفاصل ما. (٣) أي إن كان ما اتصل بالحرف المؤكد مضمرا.

стр. 989

وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُون﴾ (١). وأن يعاد هو أو ضميره إن كان ظاهرا (٢)؛ نحو: زيداً إن زيداً فاضل، أو: إن زيداً إنه فاضل، وهو الأولى (٣). وشذ اتصال الحرفين؛ كقوله: إن إن الكريم يحلم ما لم (٤) (١) فأنكم الثانية مؤكدة لأنكم الأولى الواقعة مفعولا ثانيا ليعد، وفصل بينهما بالظرف وما بعده، وأعيد مع الثانية ما اتصل بالأولى، وهو الكاف والميم؛ لأنه مضمر. (٢) أي يعاد لفظ المتصل بالحرف أو ضميره، إن كان ما اتصل به الحرف اسما ظاهرا. (٣) أي أن إعادة الضمير أولى وأفصحج من إعادة اللفظ، لأنه الأصل، ويلزم من إعادة اللفظ التكرار، وإيهام أن الثاني غير الأول، وبه جاء التنزيل؛ قال تعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾، من الآية ١٠٧ من سورة آل عمران. أما إعادة الظاهر فمن وضعه موضع المضمر، وفي توكيد الحرف يقول الناظم: كذا الحروف غير ما تحصلا … به جواب كنعم وكبلى* أي: كما أن توكيد الضمير المتصل لا يكون إلا بإعادته وإعادة ما اتصل به كما سبق في البيت قبل، كذلك الحروف غير الجوابية؛ لا يعاد لفظها إلا مع اسم الظاهر المتصل بها، أو ضميره، أما حروف الجواب؛ كنعم وكبلى، فتعاد وحدها. (٤) صدر بيت من الخفيف، لم يعرف قائله، وعجزه: يرين من أجاره قد ضيما اللغة والإعراب: يحلم: من الحلم؛ وهو الأناة والتعقل. أجاره: جعله في جواره وحمايته. ضيم: فعل مبني للمجهول؛ أي ظلم وبخس حقه. "إن" حرف توكيد ونصب؟ "إن" الثانية توكيد لها. "الكريم" اسمها. "يحلم" الجملة خبر. "ما" مصدرية ظرفية حرف مبني لا محل له من الإعراب. "يرين" فلعل مضارع مؤكد بالنون الخفيفة في محل جزم بلم، و"ما" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بإضافة اسم زمان منصوب بيحلم؛

стр. 990

وأسهل منه قوله: حتى تراها وكأن وكأن (١) أي يحلم مدة عدم رؤيته … إلخ. "من" اسم موصول مفعول ليرى. "أجاره" الجملة صلة الموصول. "قد ضيما" قد حرف تحقيق، وضيم فعل ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود على من، والجملة في محل نصب صفة لمن، أو حال إن جعلت "يرى" بصرية، ومفعول ثان إن كانت علمية. المعنى: إن الرجل الكريم الخلق الأبي الطيب النفس، يتحلى بالحلم، والصبر، والتعقل في أحواله وتصرفاته، ما لم ير أن من أجاره وجعله في حماه، قد ظلم واعتدى عليه؛ فعند ذلك يذهب عنه حلمه، ويبطش بهذا الظالم، المعتدي على من التجأ إليه. الشاهد: توكيدالحرف "إن" بإعادتها من غير فاصل بينهما، مع أنها ليست من حروف الجواب، وهذا شاذ لا يقاس عليه. (١) صدر بيت من الرجز، ينسب لخطام المجاشعي، يصف إبلا. وقيل: هو للأغلب العجلي وعجزه: أعناقها مشددات بقرن اللغة والإعراب: أعناقها: جمع عنق؛ وهو الرقبة. قرن: حبل تربط به الإبل، ويقرن بعضها إلى بعض "حتى" حرف غاية وجر. "تراها" ترى فعل مضارع والفاعل أنت والضمير البارز مفعول، وهو عائد على الإبل في البيت قبله. "وكأن" الواو للحال، وكأن حرف تشبيه ونصب، "وكأن" الثانية توكيد، وخففت للقافية. "أعناقها" أعناق اسم كأن الأولى، وهو مضاف إلى الهاء. "مشددات" خبرها. "بقرن" متعلق بمشددات، وسكن للشعر. المعنى: يصف إبلا في سرعة سيرها وانتظامه؛ فيقول: إن أصحاب هذه الإبل يستحثونها على السير بنظام واعتدال، حتى يظن من يراها أن أعناقها مربوط بعضها إلى بعض بحبال، لانتظامها جميعا في السير. الشاهد: تأكيد "كأن" بمثلها، مع عدم الفاصل بمعمول الأولى، مع أنها ليست من حروف الجواب. وهذا أخف في الشذوذ من سابقه؛ لأنه فصل هنا بواو العطف.

стр. 991

لأن المؤكد حرفان (١)، فلم يتصل لفظ بمثله. وأشذ من قوله: ولا للما بهم أبدًا دواء (٢) لكون الحرف على حرف واحد. (١) وهما: الواو وكأن. (٢) عجز بيت من الوافر، لمسلم بن معبد الوالي الأسدي، وقيل: هو لرجل من بني أسد لم يعين. وصدره: فلا والله لا يلفي لما بي اللغة والإعراب: لا يلفي: لا يوجد من ألفى، إذا وجد. لما بي: أي للذي بي. "فلا" الفاء عاطفة، و"لا" زائدة لتوكيد القسم. "والله" حرف قسم وجر، ولفظ الجلالة مجرور به، والجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف. "لا" نافية. "يلفي" فعل مضارع للمجهول جواب القسم. "لما" اللام جارة، وما اسم موصول، والجار والمجرور متعلق بيلفي. "بي" متعلق بمحذوف صلة. "ولا للما بهم" ولا معطوف على ما قبله، واللام الأولى في "للما" جارة، والثانية توكيد للأولى، وما اسم موصول، وبهم متعلق بمحذوف صلة. "أبدا" ظرف متعلق بيلفي. "دواء" نائب فاعل يلفي. المعنى: يقسم أنه لا يوجد للذي به من الموجودة والألم. ولا الذي عند خصومه من الحقد والضغينة علاج، وليس هنالك أمل في المودة والمصالحة وإزالة الأحقاد والضغائن، بعد أن تفاقم الخطب وعظم الخلاف. قيل: إن السبب في هذه القصيدة التي منها هذا البيت، أن مسلما كان غابئا، فكُتبت إبله لعامل الزكاة، فظن أنه فعل به ذلك كيدا، ومنها قوله: بكت إبلي وحق لها البكاء … وفرقها المظالم والعداء الشاهد: في "للما" فإن اللام الثانية فيها توكيد للأولى الجارة، ولم يفصل بينهنما فاصل، مع أن اللام ليست من أحرف الجواب. وهذا شاذ بالغ الشذوذ؛ لأن الحرف المؤكد موضوع على حرف هجائي واحد لا يكاد يقوم بنفسه، ولو جاء على ما يقتضيه الصواب لقال: "لما لما بهم".

стр. 992

وأسهل منه قوله: فاصبحن لا يسألنه عن بما به (١) (١) صدر بيت الطويل للأسود بن يعفر، وعجزه: أصعد في علوى الهدى أم تصوبا اللغة والإعراب: أصعد: أي ارتفع وارتقى، تصوبا: نزل وتسفل. "فأصبحن" الفاء عاطفة، وأصبح فعل ماض نقاض ونون النسوة اسمها، وهي عائدة على الغواني. "لا يسألنه" الجملة خبر أصبح. "عن" جارة. "بما" الباء حرف جر بمعنى "عن" توكيد لها، و"ما" اسم موصول في محل جر بعن. "به" متعلق بمحذوف صلة. "أصعد" الهمزة للاستفهام، وصعد فعل ماض، والفاعل يعود على المحب لهن، وكذلك الضمير في "به". المعنى: أن هؤلاء الغواني أصبحن بعد أن وخط المحب الشيب، وهده الكبر، ونالت منه الشيخوخة، لا يكترثن به ولا يملن إليه، ولا يسألن عما به من ضعف أو غيره، وهل لا يزال يحلق في الهوى والحب، أم نزل إلى السفل ونسي كل شيء؟ الشاهد: في "عن بما" حيث أكد عن الجارة بلفظ مرادف؛ وهو الباء التي بمعنى "عن" المتصلة بما الموصولة، وهذا شاذ أيضاً لعدم الفاصل؛ ولكنه أهون من سابقه؛ لأن الحرف المؤكد -وهو"عن"- موضوع على حرفين، ولأن اللفظين مختلفان وإن اتفقا في المعنى؛ إذ يقال: سألت به وسألت عنه. تتمة: أ- يمتنع حذف المؤكد توكيدا لفظياً؛ لأن حذفه مناف لتكراره. ب- إذا أتبع المضير المتصل المنصوب بمنفصل منصوب؛ نحو: رأيتك إياك، فمذهب البصريين أنه بدل، ومذهب الكوفيين أنه توكيد، وهو الأصح. أما المرفوع فيجوز أن يكون توكيدا، كما يجوز أن يكون بدلا بالإجماع. جـ- من الأساليب الصحيحة: جاء القوم بأجمعهم، وتعرب "أجمع" توكيدا مجرورا اللفظ بالباء الزائدة؛ في محل رفع، أو نصب أو جر، وعلى حسب حالة المؤكد "المتبوع". وبعضهم يعربها بدلا وإن كانت تؤدي معنى التوكيد، وينبغي إضافتها إلى

стр. 993

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ضمير مطابق. د- تنفرد كلمتا: نفس، وعين، بجواز جرهما بالباء الزائدة؛ تقول: بنفسه أو بعينه، ويكونان في محل رفع أو نصب أو جر على حسب حالة المتبوع. هـ- لا يفصل بين المؤكد والمؤكد، بـ"إما" على الأصح، وأجاز الفراء: مررت بالقوم، إما أجمعين، وإما بعضهم.

стр. 994

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأسئلة والتمرينات: ١ عرف التوكيد، وبين الفرق بين التوكيد اللفظي والمعنوي بأمثلة موضحة. ٢ بم يؤكد بالنفس والعين؟ وما الذي تختص بهما عن بقية ألفاظ التوكيد؟ اشرح ذلك بأمثلة من الواقع. ثم بين ما يؤكد بجميع وعامة. وما يشترط فيهما. ٣ اشرح قول ابن مالك: واستعملوا أيضاً ككل فاعله من عم في التوكيد مثل النافله ٤ كيف تؤكد الضمير المتصل بالنفس والعين؟ وكذلك المنفصل؟ وضح بأمثلة. ٥ بين كيف تؤكد الحروف غير الجوابية، والجوابية؟ وما الفرق بينهما؟ ٦ فيما يأتي شواهد لبعض مسائل هذا الباب، وضح موضع الشاهد، وحكمه في المعنى والإعراب. قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا، وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾. ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. - إذا ما بدت من صاحب لك زلة … فكن أنت محتالاً لزلته عذرا - والنجم تستصغر الأبصار طلعته … والذنب للعين لا للنجم في الصغر - فلما تبينا الهدى كان كلنا … على طاعة الرحمن والحق والتقى - لا ينسك الأسى تأسياً فما … ما من حمام أحد معتصما - بلاد متى ما جئتها جئت جنة … لعينك فيها كل ما شئت رضوان - إلام الخلف بينكموا إلاما … وهذي الضجة الكبرى علاما - وقلن على الفردوس أول مشرب … أجل جير أن كانت أبيحت دعائره

стр. 995

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال صاحب المغني: الفردوس: روضة اليمامة. والدعثور: الحوض الممتلئ. ٧ أعرب ما تحته خط في البيتين الآتيين، وبين الشاهد فيهما في هذا الباب: أيا من لست أقلاه … ولا في البعد أنساه لك الله على ذاكا … لك الله لك الله ٨ بين فيما يأتي: ألفاظ التوكيد ونوعها، والمؤكد ونوعه، وموضع كل من الإعراب. كان الاعتداء الغاشم على بور سعيد سنة ١٩٥٦ امتحانا للشعوب العربية جميعا ولمبلغ قدرتها كلها على الدفاع، والوقوف في وجه المستعمر. ولقد وقف العرب أنفسهم، ومن ورائهم الشعوب المخلصة جميعها، وقفة أدهشت العالم أجمع؛ ولم يكن في مصر كلها متخاذل ولا متقاعد؛ بل كان الشعب عامة كرجل واحد؛ حتى اندحر المعتودن وارتدوا على أعقابهم خاسرين. وفي ٥ يونية ١٩٦٧ كان اعتداء إسرائيل بجمعها، ومن ورائها المستعمرون عامتهم، على البلاد العربية- تجربة أخرى، استطاعوا فيها بالخديعة الانتصار على العرب، وإصابتهم بنكسة مؤلمة، ولكن الشعب العربي المعروف بصلابته لم ييأس، وسينتصر وينتصر بمشيئة الله. فصبر صبرا، وإلى الأمام إلى الأمام، وشكرًا شكرًا لكل من يؤازرنا في هذه المحنة، بنفسه أو بماله. والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. ليت شعري هل ثم هل آتينهم … أم يحولن دون ذاك حمام ٩ أكد الفاعل، والمفعول، والضمير في العبارات الآتية بالنفس والعين، وبما يناسب من ألفاظ التوكيد الأخرى: جلست في الدرس منصتا، وأصغيت إلى أستاذي حين يتكلم. أمسك لسانك عن الشتم، ويديك عن الأذى. إياك أن تعظ الرجال وقد إياك … أصبحت محتاجا إلى الوعظ وقف الخلق ينظرون جميعا … كيف أبني قواعد المجد وحدي ١٠ عن ابن عباس ﵄ قال: لو قيل "نعم" في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ كان كفراً. بين السبب في ذلك؛ على ضوء ما عرفت في "نعم"، "بلى".

стр. 996

باب: العطف (١) وهو ضربان: عطف نسق وسيأتي، وعطف بيان؛ وهو: التابع (٢) المشبه للصفة في توضيح متبوعه (٣) إن كان معرفة وتخصيصه إن كان نكرة. والأول (٤): متفق عليه؛ كقوله: اقسم بالله أبو حفص عمر (٥) والثاني (٦): أثبته الكوفيون وجماعة، وجوزوا أن يكون منه: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾، فيمن نون "كفارة"، ونحو: ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ (٧). باب: العطف (١) هو في الأصل: مصدر بمعنى الميل والرجوع إلى الشيء بعد الانصرف عنه، وأطلق على التابع المذكور، لأن المتكلم رجع إلى الأول فأوضحه بالثاني، أو أشركه معه في الحكم، كما سيأتي. (٢) يشترط فيه: أن يكون جامدا، بخلاف النعت فإنه لا يكون إلا مشتقا، أو مؤولا به. (٣) النعت يوضح متبوعه ببيان صفة من صفاته، ومعنى فيه أو في سببه، كما سبق. أما عطف البيان، فيوضح متبوعه ويزيل عنه شائبة الإبهام بنفسه. (٤) أي: وهو توضيح ذات متبوعه المعرفة، وإزالة ما قد يصيبها من الشيوع بسبب تعدد مدلولها. (٥) عجزه: ما مسها من نقب ولا دبر وقد تقدم شرح هذا البيت وقصته في باب العلم، في الجزء الأول، صفحة (١٣٥)، والشاهد فيه هنا: أن "عمر" عطف بيان على "أبو حفص"، وهو علم معرفة، وقد قصد به الإيضاح. (٦) أي: وهو تخصيص النكرة؛ فقد نفاه جمهور البصريين، وأثبته الكوفيون وبعض البصريين المتقدمين؛ كأبي علي الفارسي، وابن جني، وبعض المتأخرين؛ كالزمخشري، والناظم، وابنه، كما سترى بعد. (٧) فقد أعربوا "طعام" عطف بيان لكفارة، و"صديد" عطف بيان لـ"ماء"، وكلاهما نكرة والصديد: الدم المختلط بالقيح.

стр. 997

والباقون يوجبون في ذلك البدلية (١)، ويخصون عطف البيان بالمعارف (٢)، ويوافق متبوعه في أربعة من عشرة: أوجه الإعراب الثلاثة (٣)، والإفراد، والتذكير، والتنكير (٤)، وفروعهن. وقول الزمخشري: إن ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيم﴾ عطف على. . . . . . . . . . . (١) أي بدل كل من كل. (٢) حجتهم: أن عطف البيان -كاسمه- يقصد به البيان والإيضاح، والنكرة مجهولة، والمجهول لا يعين المجهول، ويقول المجيزون: إن بعض النكرات قد يكون أخص من بعض؛ فلا مانع من أن يبين الأخص غيره، والتخصيص نوع من البيان والإيضاح، وإلى ما تقدم يشير الناظم بقوله: العطف أما ذو بيان أو نسق … والغرض الآن بيان ما سبق فذو البيان تابع شبه الصفه … حقيقة القصد به منكشفه* أي أن العطف ينقسم إلى نوعين: عطف بيان، وعطف نسق، ونحن الآن في صدد تعريف وإيضاح عطف البيان؛ وهو: تابع يشبه الصفة؛ أي النعت؛ إلا أن بينهما فرقا؛ وهو أن عطف البيان يبين حقيقة متبوعه ويوضح ذاته نفسها، أما النعت فيبين معنى عارضا، وصفة من صفات الذات كما بينا. (٣) ويجوز فيه القطع كالنعت، وقد سبق إيضاح ذلك فارجع إليه. (٤) الصحيح أن هذا هو الأغلب، ويصح تخالفهما تعريفا وتنكيرا؛ بشرط أن يكون التابع هو المعرفة؛ ليتحقق الغرض من عطف البيان، وقد يقع عطف البيان بعد"أي" المفسرة؛ نحو: "هذا الخاتم لجين؛ أي: فضة". ويجوز أن يعرب في هذه الصورة بدلا. وفي موافقة العطف لمتبوعه يقول الناظم: فأولينه من وفاق الأول … ما من وفاق الأول النعت ولي

стр. 998

﴿آيَاتٍ بَيِّنَات﴾ (١)، مخالف لإجماعهم (٢). وقوله، وقول الجرجاني: يشترط كونه أوضح من متبوعه (٣)، مخالف لقول سيبويه في "يا هذا ذا الجمة": إن "ذا الجمة" عطف بيان، مع أن الإشارة أوضح من المضاف إلى ذي الأداة (٤)، ويصح في عطف البيان: أن يعرب بدل كل (٥) فقد يكونان منكرين … كما يكونان معرفين* أي أعطه من موافقة الأول "المتبوع"، مثل ما ولي وأخذ النعت، من موافقة لمنعوته في الأمور السابقة، ثم نص على أن عطف البيان ومتبوعه، يتماثلان تعريفا وتنكيرا؛ ليرد على القائلين بأن عطف البيان لا يكون إلا معرفة. (١) أي: مع أن ﴿مَقَامَ﴾ مخالف لـ ﴿آيَاتٌ﴾، في التنكير، والتأنيث، والجمع. والمراد بالآيات. أثر القدم في الصخرة، وغوصها فيها إلى الكعبين، وإبقاء هذا الأثر دون آثار سائر الأنبياء، وحفظه آلاف السنين. وسبب هذا الأثر: أنه لما ارتفع بناء الكعبة، قام إبراهيم على هذا الحجر؛ ليتمكن من رفع الحجارة فغاصت فيه قدماه. (٢) أي على وجوب مطابقة البيان للمبين، تعريفا وتنكيرا، وإفرادًا وغيره، وتذكيرا وغيره؛ فالوجه: أن ﴿مَقَامَ﴾ مبتدأ حذف خبره؛ أي منها مقام إبراهيم، أو العكس؛ أي بعضها مقام. وقيل: يجوز كونه بدلا من آيات، بدل بعض من كل. (٣) أي أعرف منه؛ لأنه يوضح حقيقته وذاته. (٤) لم يعرب سيبويه: "ذا الجمة" نعتا؛ لأن نعت اسم الإشارة لا يكون إلا محلى بأل، والجمة: الشعر الواصل إلى المنكب. (٥) وذلك إذا قصد به ما يقصد بالبدل، وحينئذ يتعين كونه بدلا.

стр. 999

إلا إن امتنع الاستغناء عنه (١)؛ نحو: هند قام زيد أخوها. أو إحلاله محل الأول؛ نحو: يا زيد الحارث (٢)، وقوله: أيا أخوينا عبد شمس ونوفلا (٣) (١) أي فيمتنع أن يكون بدلا. ومن ذلك -غير ما سيذكره الناظم- أن تفتقر جملة الخبر إالى رابط، وهو في التابع كمثال المصنف؛ فـ"أخوها" يتعين كونه عطف بيان؛ لأنه لو أعرب بدلا لخلت جملة الخبر عن الرابط؛ لأن البدل على نية تكرار العامل على الصحيح؛ فهو من جملة أخرى. وكذلك جملة الصلة والصفة؛ نحو: حضر الذي أو رجل، ضرب محمد أخوه، وجملة الحال؛ نحو: هذا محمد قام رجل أخوه. (٢) أي: مما فيه تابع المنادى محلى بأل، والمتبوع منادى خاليا منها، فيتعين كون "الحارث" عطف بيان من زيد، لا بدلا؛ لامتناع إحلاله محله؛ فلا يقال: يا الحارث؛ لأن "يا" و"أل" لا يجتمعان هنا. وإيضاح ما تقدم: أنه يصح في عطف البيان -إذا قصد به ما يقصد ببدل الكل- أن يعرب بدل كل إلا في حالتين. أ- ألا يمكن الاستغناء عن عطف البيان لمانع يحول دون صحة البدل. ب- وألا يمكن إحلال عطف البيان -لو صار بدلا- محل متبوعه؛ لمانع يحول دون البدلية، ووضع البدل مكان المبدل منه. (٣) صدر بيت من الطويل، لطالب بن أبي طالب بن عبد المطلب، أخي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، من قصيدة يمدح بها الرسول ﵇ ويبكي أصحاب القليب -البئر- من قريش، الذين قتلوا يوم بدر، وعجزه: أعيذكما بالله أن تحدثا حربا وروي في السيرة: فدى لكما لا تبعثوا بيننا حربا اللغة والإعراب: عبد شمس: فصيلة من قريش، منهم بنو أمية. نوفل: فصيلة أخرى من قريش أيضاً. أعيذكما بالله: يريد: ألجأ إلى الله من أجلكما، أو أحصنكما بالله وأجعلكما في رعايته؛ مخافة أن تشعلا نار الحرب بينكما "أيا" حرف للنداء. "أخوينا"

стр. 1000

وقوله: أنا ابن التارك البكري بشر (١) منادى منصوب بالياء لأنه مثنى مضاف إلى "نا" "عبد شمس" عبد عطف بيان على أخوينا، وشمس مضاف إليه. "ونوفلا" معطفو على عبد شمس. "أن تحدثا حربا" أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف متعلق بأعيذ؛ أي من أحداثكما حربا. المعنى: واضح، بعد ما تقدم من الشرح. الشاهد: تعين كون "عبد شمس" عطف بيان لأخوينا، و"نوفلا" عطف نسق بالواو عليه. ولا يجوز فيهما أن يكون "عبد شمس" بدلا؛ لعدم صحة حلوله محل "أخوينا"؛ لأن ذلك يستلزم ضم "نوفل" المعطوف عليه؛ لأنه مفرد علم يستحق البناء على الضم، والرواية بالنصب لا غير. ومن الصور التي يمتنع فيها البدل العام صحة إحلاله محل الأول: أن يكون تابع المنادى اسم إشارة؛ كيا محمد هذا، أو مقروناً بأل؛ نحو: يا علي الحسن، أو يتبع وصف "أي" في النداء، أو وصف اسم الإشارة بالخالي من أل؛ نحو: يا أيها الرجل محمد، ويا ذا الرجل غلام محمد، أو يضاف "أفعل" في التفضيل إلى اسم عام يتبع بقسميه؛ نحو: علي أفضل القوم الرجال والنساء، أو أن يتبع ما أضيف إليه "كلا وكلتا" بمتفرق؛ نحو: جاء كلا المجاهدين أحمد وعلي. ففي كل ما تقدم، يتعين أن يكون التابع عطف بيان، ويمتنع البدل للسبب المتقدم؛ فإن الفصيح أن يكون تابع اسم الإشارة مقرونا بأل، ودخول "أل" على المنادي ممنوع، وتابع "أي" في النداء لا بد أن يكون مقرونا بأل، أو اسم إشارة له تابع مقرون بها، وأفعل التفضيل لا بد أن يكون بعضا من المضاف إليه، ويلزم على البدلية أن يكون "علي" بعض النساء، وكلا وكلتا لا تضافان للمثنى المتفرق إلا شذوذًا. (١) صدر بيت من الوافر، للمرار بن سعيد الفقعسي، من قصيدة يفتخر فيها بأن جده خالد بن فضلة قتل بشر بن عمرو بن مرثد، زوج الخرنق أخت طرفة بن العبد البكري، الشاعر المشهور، وذلك في يوم "القلاب"، وعجزه: عليه الطير ترقبه وقوعا اللغة والإعراب: التارك: اسم فاعل من ترك. البكري: المنسوب إلى بكر بن وائل؛ وهي قبيلة مشهورة، منها: جساس، مرة قاتل كليب بن وائل، ترقه: تنتظره. "أنا"

стр. 1001

وتجوز البدلية في هذا عند الفراء؛ لإجازته: الضارب زيد (١) وليس بمرضي. ضمير منفصل مبتدأ. "ابن التارك" خبر ومضاف إليه. "البكري" مضاف إليه من إضافة الوصف لمفعوله. "بشر" عطف بيان للبكري. "عليه الطير" خبر مقدم، والطير مبتدأ مؤخر، والجملة حال من البكري. "ترقبه" الجملة حال من ضمير الطير المستتر في عليه "وقوعا" مفعول لأجله حذف متعلقه؛ أي ترقبه لأجل وقوعها عليه، أو حل من الضمير المستتر في ترقب. المعنى: يصف نفسه بالشجاعة، وأنه ابن الذي ترك البكري -بشرا- مجندلا في العراء، مثخنا بالجراح، في حالة يرثى لها، تنتظر الطير خروج روحه لتهبط عليه وتنهش من جسده، فهو شجاع من نسل شجعان. الشاهد: تعين كون "بشر" عطف بيان؛ لأنه لو أعرب بدلا -والبدل على نية تكرار العامل- لكان التقدير: أنا ابن التارك البكري، التارك بشر؛ فيضاف الوصف المقترن بأل، إلى اسم مجرد منها ومن الإضافة إلى المقترن بها، أو إلى ضميره. وذلك غير جائز، كما تقدم في باب الإضافة. (١) مذهبه: جوازا إضافة الوصف المقترن بأل إلى جمع المعارف، وهو غير مرضي عند الجمهور، وفيما تقدم يقول الناظم: وصالحاً لبدلية يرى … في غير نحو "يا غلام يعمرا" ونحو "بشر" تابع "البكري" … وليس أن يبدل بالمرضي* أي أن عطف البيان يصلح للبدلية في غير التركيب الذي يشبه "يا غلام يعمر"، ويعمر: اسم شخص، وهو أن يكون التابع مفردا معرفة معربا، والمتبوع منادى؛ فيتعين أن يكون "يعمر" عطف بيان؛ لأنه لو جعل بدلا لوجب بناؤه على الضم، وهو منصوب. وكذلك

стр. 1002

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إذا كان التابع خاليا من أل؛ كـ"بشر"، والمتبوع بأل "كالبكري"، وقد أضيفت إليه صفة بأل، نحو: أنا ابن التارك البكري بشر فيتعين كون "بشر" عطف بيان لما بيناه. وليس إعرابه بدلاً مرضيا عند المصنف والجمهور، وهاتان المسألتان اللتان ذكرهما الناظم، هما من أفراد النوع الثاني الذي ذكره المصنف أما الأول، وهو أن يكون التابع غير مستغني عنه في التركيب؛ فلم يتعرض له. هذا: وعلى الرغم من أن بين عطف البيان، وبدل الكل من الكل مشابهة كبيرة في المعنى والإعراب، فإن عطف البيان يقصد به إيضاح الذات نفسها أو تخصيصها، لا أمرًا عرضيا طارئا عليها؛ فهو بمنزلة التفسير للمتبوع. أما البدل فيدل على ذات المتبوع بلفظ آخر يساويه في المعنى؛ بحيث يقع اللفظان على ذات واحدة وفرد معين واحد في حقيقته، ولا شأن له بالإيضاح والتخصيص. ويذكر النحاة فروقا أخر من جهة الصناعة؛ منها: أ- أن عطف البيان لا يكون ضميرا، ولا تابعا لضمير؛ ولهذا امتنع إعراب "مخصوص حبذا" عطف بيان. ب- ولا يكون مخالفا لمتبوعه في التعريف والتنكير على الصحيح. جـ- ولا يقع جملة ولا تابعا لجملة، ولا فعلا ولا تابعا لفعل. د- وأنه لا يلحظ فيه إحلاله محل الأول. هـ- ولا يعد متبوعه في حكم الطرح. ولا يعد في جملة أخرى مستقلة عن جملة متبوعه؛ بخلاف البدل في ذلك كله. وفي بعض تلك الأمور خلاف بين العلماء. ولهذا يرى الإمام الرضي وفريق من النحاة: أنه لا فرق بين عطف البيان والبدل؛ فإن المشابهة بينهما تامة. وما ذكر من الفروق مبني على دعوى أن البدل على نية تكرار العامل، وهو دعوى لا تثبت عند التمحيص. على أنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، أي يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع.

стр. 1003

باب: عطف النسق (١) وهو تابع يتوسط بينه وبين متبوعه أحد الأحرف الآتي ذكرها (٢)؛ وهي نوعان: ما يتقضي التشريك في اللفظ والمعنى (٣)؛ إما مطلقاً، وهو: الواو، والفاء، وثم، وحتى (٤)، باب: عطف النسق (١) النسق -بالفتح- اسم مصدر، وبالسكون -مصدر نسقت الكلام أنسقه- من باب نصر- عطفت بعضه على بعض، وربطت بعض اجزائه ببعض. وهو بمعنى المنسوق، من إطلاق المصدر على اسم المفعول؛ فالمراد: العطف على الكلام المنسوق بعضه على بعض. (٢) وفي تعريف عطف النسق يقول الناظم: تال بحرف متبع عطف النسق … كاخصص بود وثناء من صدق* أي أن التالي والتابع بسبب حرف متبع -أي مشرك- ما بعده لما قبله في الحكم والإعراب، يسمى عطف النسق. ثم ساق الناظم مثلا للتشريك في الحكم لـ"ود" هو الثناء؛ وعلى هذا فليست "أي" التفسيرية من حروف العطف عند الجمهور؛ لأنها لا تتبع ما بعدها لما قبلها وما بعدها بدل أو عطف بيان، خلافا للكوفيين الذين يعدونها عاطفة ومعناها التفسير. فخرج بقول المصنف: "يتوسط … إلخ" التوابع كلها ما عدا عطف النسق، وبالتقييد بالحروف المذكورة "أي" التفسيرية كما ذكرنا. (٣) أما في اللفظ فبوجوه الإعراب، وأما في المعنى فباحتمال كل من المتعاطفين للمعنى المراد؛ نفيا، وإثباتا، وصلاحية له. وهذا إذا كانا مفردين؛ فإن كان المعطوف غير مفرد، فقد لا يفيد التشريك؛ نحو: حضر التلميذ ولم يحضر والده. (٤) يرى الكوفيين أن "حتى" لا تكون حرف عطف، بل هي حرف ابتداء دائما. ويقدورن عاملا لما بعدها تتم به الجملة؛ ففي مثل: قدم الحجاج حتى المشاة، يقدرون: حتى قدم المشاة.

стр. 1004

وما مقيدًا؛ وهو: أو، وأم (١)، فشرطهما ألا يقتضيا إضرابًا (٢). وما يقتضي التشريك في اللفظ دون المعنى؛ إما لكونه يثبت لما بعده ما انتفى عما قبله؛ وهو "بل" عند الجميع، و"لكن" عند سيبويه وموافقيه (٣). وإما لكونه بالعكس (٤)، وهو "لا" عند الجميع (٥)، و"ليس" عند البغداديين؛ كقوله: (١) ذهب أبو عبيدة إلى أن "أم" حرف استفهام كالهمزة. (٢) فإن اقتضيا إضرابا كانا مشتركين في اللفظ فقط، مثل "بل"، وإلى الحروف الستة المذكورة أشار الناظم بقوله: فالعطف مطلقا بواو ثم فا … حتى أم أو كـ "فيك صدق ووفا"* أي أنه يعطف بالواو، وثم، والفاء، وحتى، وأم، وأو، فتفيد مشاركة المعطوف مع المعطوف عليه مطلقا؛ أي في اللفظ والمعنى. (٣) يرى يونس: أن "لكن" حرف استدراك دائماً، وعندما تأتي عاطفة تكون قبلها الواو؛ لتكون هي العاطفة، وسيأتي بيان واف عن "لكن" قريباً. (٤) وهو أن ينفي عما بعده ما ثبت لما قبله. (٥) سيأتي بيان شاف لكل منها، وإلى ذلك يشير الناظم بقوله: وأتبعت لفظا فحسب بل ولا … لكن كـ" لم يبد امرؤ لكن طلا"** أي: وأتبعت وأفادت مشاركة المعطوف للمعطوف عليه في اللفظ فقط؛ أي في الإعراب لا في المعنى، "بلن ولا، ولكن" والطلا -بالقصر- ولد الظبية حين يولد، أو ولد البقرة الوحشية، أو ولد ذات الظلف مطلقا وجمعه أطلاء.

стр. 1005

إنما يجزي الفتى ليس الجمل (١) (١) عجز بيت من الرمل، للبيد بن ربيعة العامري، يحث على المعروف وحسن الكافأة، وصدره: وإذا أقرضت قرضاً فأجزه وهذا البيت من قصيدته التي مطلعها: إن تقوى الله من خير نفل … وبإذن الله ريثي والعجل اللغة والإعراب: النفل: الغنيمة، الريث: الإبطاء والتمهل. أقرضت قرضا: أعطيت شيئا من المال على سبيل القرض لتؤديه بعد؛ والمراد: قدمت إليك معونة ما، أو صنع معك معروف، فأجزه: كافئ صاحبه الفتى: الإنسان. الجمل: الحيوان المعروف، وقد يراد بالفتى الشاب الذي في طراوة الشباب، وبالجمل الرجل الذي تقدمت به السن. "وإذا" ظرف للزمان المستقبل مضمن معنى الشرط. "أقرضت" فعل ماض للمجهول، فعل الشرط، والتاء نائب فاعل. "فاجزه" الفاء واقعة في جواب الشرط، واجزه فعل أمر، والفاعل أنت والهاء مفعوله؛ "إنما" أداة حصر. "يجزى الفتى" فعل وفاعل. "ليس" حرف عطف بمعنى "لا"، على مذهب البغداديين. "الجمل" معطوف على الفتى. المعنى: استعمال "ليس" حرف عطف بمعنى "لا"، لتنفي عما بعدها صنع الخير الذي ثبت لما قبلها. وهذا قول البغداديين، تبعا لابن عصفور وبعض الكوفيينن وجرى عليه الناظم في التسهيل، ويخرجه المانعون على أن "ليس" فعل ماض ناقص، و"الجمل" اسمها، وخبرها محذوف؛ أي ليس الجمل جازيا.

стр. 1006

فصل: أما الواو؛ فلمطلق الجمع (١)؛ فتعطف متأخراً في الحكم، نحو: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ (٢). (١) أي الاجتماع والاشتراك بين المتعاطفين في المعنى والحكم، من غير دلالة على مصاحبة، أو ترتيب زني، أو مهلة، أو نحو ذلك. وخالف في ذلك البعض وقالوا إنها للترتيب. (٢) من الآية: ٢٦ من سورة الحديد.

стр. 1007

ومتقدماً؛ نحو: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (١)، ومصاحباً؛ نحو: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَة﴾ (٢). وتنفرد الواو (٣) بانها تعطف اسما على اسم لا يكتفي الكلام به (٤)؛ كـ"اختصم زيد وعمرو، واصطف زيد وعمرو، وجلست بين زيد وعمرو؛ إذا الاختصام والتضارب والاصطفاف والبينية، من المعاني النسبية التي لا تقوم إلا باثنين فصاعداً (٥). ومن هنا قال (١) من الآية: ٣ من سورة الشورى؛ فـ"الذين" معطوف على الكاف مع إعادة الجار، عطف متقدم على متأخر. (٢) فـ"أصحاب السفينة" معطوف على الهاء عطف مصاحب في الإنجاء على مصاحبه، ومضاف إليه، وإلى ما تقدم يشير الناظم بقوله: فاعطف بواو لاحقاً أو سابقاً … في الحكم أو مصاحباً موافقا أي أعطف بالواو: اللاحق والسابق والمصاحب في الحكم كما مثل المصنف؛ لأنها تدل على مطلق الاجتماع والاشتراك في الحكم بلا قيد ما؛ وإنما تفيد ذلك إذا كان المتعاطفان مفردين، ولم تقع بعدها "إما" الثانية، ولم تكن هنالك قرينة تدل على عدم التجرد للتشريك، المطلق؛ فإن وقعت بعدها "إما" الثانية، فمعناها يوحي به المقام كما سيأتي. وإن وجدت قرينة، وجب الأخذ بما تدل عليه. هذا: واستعمالها في المعية والمصاحبة أكثر، وفي تقدم ما قبلها كثير، وفي تأخره قليل. (٣) أي من بين سائر حروف العطف. ولها مواضع أخرى تنفرد بها تقدم بعضها. (٤) أي بالمعطوف عليه في أداء معناه؛ وذلك حين يتطلب الحكم متعددا؛ كالاختصام، والمساواة، ونحوها، كما مثل المصنف. (٥) أي: ولا يمكن أن تكون من طرف واحد؛ وذلك مثل: تنازع، وتصالح، وتشارك، وتعاون … إلخ؛ وإنما انفردت الواو بهذا؛ لأنها لمطلق الجمع؛ وتترجح فيها المعية، قال الناظم مشيرا إلى ذلك:

стр. 1008

الأصمعي: الصواب أن يقال: بين الدخول وحومل بالواو (١) واخصص بها عطف الذي لا يغني … متبوعه كـ"اصطف هذا و ابني" أي اخصص الواو -من بين حروف العطف- بأن يعطف بها، حيث لا يكتفي بالمعطوف عليه في تحقيق معنى العامل؛ كالمثال الذي ذكره الناظم؛ فإن الاصطفاف يتطلب أكثر من واحد. (١) لأن البينية لا يتحقق معناها بواحد. ولا يعطف فيها بالفاء؛ لأن الفاء تدل على الترتيب، وهذا بعض بيت من الطويل، لامرئ القيس بن حجر الكندي، وهو مطلع معلقته وأوله: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل … بسقط اللوى. . . . . . . . . . . اللغة والإعراب: قفا: فعل أمر من الوقوف، والألف فيه للاثنين. وقيل منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة، والمخاطب واحد، وعوملت الكلمة في الوصل، كما تعامل في الوقف. ذكرى: مصدر بمعنى التذكر. سقط اللوى: السقط -بتثليث السين وسكون القاف- منقطع الرمل حيث يستدق طرفه، واللوى: رمل يتلوى وينحني، الدخول: اسم موضع، وكذلك حومل. "نبك" فعل مضارع مجزوم في جواب الأمر. "من ذكرى" متعلق بنبك. "حبيب" مضاف إليه. "بسقط اللوى" بسقط جار ومجرور، واللوى مضاف إليه متعلق بمحذوف، صفة لمنزل. "بين الدخول" بين ظرف مكان، والدخول مضاف إليه، صفة ثانية. "فحومل" معطوف على الدخول. المعنى: قفا يا صاحبي وشاركاني في البكاء وإرسال الدموع؛ من أجل تذكر حبيب كان يقيم هنا، ومنزل كان عامرا به، بين هذين الموضعين. الشاهد: في قوله: "بين الدخول وحومل"؛ فإن "بين" لا تضاف إلا إلى متعدد والفاء تدل على الترتيب من غير مهملة؛ فالبينية غير متحققة هنا؛ وإنما تتحقق بالعطف بالواو التي تدل على اشتراك العاطف والمعطوف معا دفعة واحدة في مدلول العامل؛ ولهذا خطأ الأصمعي امرأ القيس. وقد عني العلماء بتصحيح قول امرئ القيس، كما بين ذلك المصنف.

стр. 1009

وحجة الجماعة: أن التقدير: بين أماكن الدخول فأماكن حومل (١)؛ فهو بمنزلة: اختصم الزيدون فالعمرون (٢). (١) أي أن كلمتي الدخول وحومل هنا، لا يراد بهما جزئي مشخص؛ وإنما يراد بهما أجزاء هذين المكانين، وهنالك مضاف محوذف يفيد هذا التعدد؛ مثل: أماكن، أو مواضع، أو أجزاء الدخول وحومل. وقدر يعقوب بين أهل الدخول .... إلخ. (٢) يقال هذا إذا كان كل فرد من كل فريق خصمًا لمن هو من فريقه، فيكون اختصاص العمرين بعضهم مع بعض عقب اختصام الزيدين بعضهم مع بعض. هذا: وتختص الواو كذلك بعطف الشيء على مرادفه، لتقوية معنى المعطوف عليه وتأكيده؛ نحو: البغي والظلم وبال على صاحبه، ومنه قوله تعالى: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. وبعطف النعوت المتعددة المتفرقة التي منعوتها متعدد غير متفرق؛ نحو: أصبحت بلادنا زراعية وصناعية وتجارية. وبوقوعها قبل "إما" المسبوقة بمثلها؛ نحو: إنكار المعروف إما جهل، وإما عدم تقدير. وبوقوع "لا" النافية بعدها إذا عطفت مفدرا بعد نفي أو نهي، نحو: الكريم لا يحب البخل ولا الرياء، ومنه قوله تعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ … إلخ، من الآية ٢ من سورة المائدة، فتكرار "لا" يفيد أن النفي والنهي واقعان على كل من الصفتين وحدها، وعدم تكرارها يوهم أنهما مقصوران على حالة اجتماعهما. وباقترانهما بالحرف "لكن"، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، فالواو هي العاطفة، أما "لكن" فحرف استدراك. وبعطف العام على الخاص؛ نحو قوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ من الآية ٢٨ من سورة نوح. أما عطف الخاص على العام لمزية في الخاص؛ فتشاركها فيه "حتى" نحو: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ … الآية، ومات الناس حتى الأنبياءز وتختص كذلك بالعطف في التحذير، والإغراء؛ نحو: المروءة والنجدة، ومنه قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾، وغير ذلك كثير. قد أوصل النحاة ما تختص به الواو، إلى واحد وعشرين نوعا، وسيذكر المصنف في آخر الباب بعضاً آخر مما تختص به.

стр. 1010

وأما الفاء: فللترتيب (١) والتعقيب (٢)؛ نحو: ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ (٣). وكثيراً ما تقتضي أيضاً التسبب (٤)، إن كان المعطوف جملة (٥)؛ نحو: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾. واعترض على الأول (٦) بقوله تعالى: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ (٧). ونحو "توضأ فغسل وجه ويديه" … الحديث (٨). والجواب، أن المعنى: أردنا إهلاكها، وأراد الوضوء (٩). (١) أي بنوعيه: المعنوي، والذكرى والمراد بالترتيب المعنوي: أن يكون زمن تحقق المعنى في المعطوف، متأخرا عنه في المعطوف عليه؛ نحو: من الخير الإنصات؛ فالسماع، فمحاولة الفهم. أما الترتيب الذكري، فهو: وقوع المعطوف بعد المعطوف عليه بحسب التحدث عنهما، لا بحسب زمان وقوع المعنى على أحدهما؛ نحو: حدثنا المعلم عن أبي بكر فعثمان فعمر. (٢) التعقيب هو: اتصال المعطوف بالمعطوف عليه بلا مهلة، وقصر المدة التي بين وقوع المعنى عليهما، والتعقيب في كل شيء بحسبه. (٣) من الآية ٢١ من سورة عبس. (٤) أي الدلالة على السببية؛ بأن يكون المعطوف متسبباً عن المعطوف عليه، ولكنها لا تسمى فاء السببية، إلا إذا دخلت على مضارع منصوب بأن المصدرية المضمرة، كما سيأتي في موضعه. (٥) أي في الغالب، وكذلك إذا كان المعطوف وصفا مشتقا؛ نحو: الطلبة واثقون بأنفسهم فمقبلون على الاختبار؛ ففائزون، ومثل قوله تعالى: ﴿لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ، فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾. الآيتان ٥٢، ٥٣ من سورة الواقعة. (٦) وهو الترتيب المعنوي. (٧) من الآية ٤ من سورة الأعراف. (٨) فإن الإهلاك متأخر عن مجيء البأس في المعنى، وهو متقدم عليه في التلاوة والذكر وغسل الأعضاء الأربعة متقدم في المعنى، ومتأخر عن الوضوء في الذكر. (٩) وبهذا انتفى الاعتراض؛ فإن إرادة الإهلاك متقدمة على البأس، وإرادة الوضوء سابقًا على غسل الأعضاء. وأجيب أيضاً: بأن الفاء في الآية والحديث للترتيب الذكري لا المعنوي، لأن ما بعدها تفصيل للمجمل قبلها.

стр. 1011

وعلى الثاني (١) بقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾ (٢). والجواب: أن التقدير: فمضت مدة فجعله غثاء (٣)، أو بأن "الفاء" نابت عن "ثم" كما جاء عكسه، وسيأتي. وتختص الفاء: بأنها تعطف على الصلة ما لا يصح كونه صلة؛ لخلوه من العائد (٤)؛ نحو: اللذان يقومان فيغضب زيد أخواك (٥). وعكسه (٦)؛ نحو: الذي يقدم أخواك فيغضب هو زيد (٧). (١) أي وهو التعقيب. (٢) أي: بعد قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾؛ فإن جعله غثاء أحوى، لا يعقب إخراج المرعى، ولا يتصل به، ومعنى غثاء: جافا هشيماً. والأحوى: الأسود. من الآية ٥ من سورة الأعلى. (٣) أي فيكون المعطوف عليه محذوفا، وقد قيل: إن هذا لا يدفع الاعتراض؛ لأن مضي المدة لا يعقب الإخراج، وأجيب بأنه يكفي أن يكون أول أجزاء المضي متعقبا للإخراج، وإن لم يحصل بتمامه إلا في زمن طويل؛ نحو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾، من الآية ٣٣ من سورة الحج. فإن اخضرار الأرض يبتدي بعد نزول المطر، لكن لا يتم إلا في مدة ومهلة. (٤) ذلك لأن ما في الفاء من معنى السببية، جعل ما بعدها مع ما قبلها في حكم جملة واحدة، فأغنى ذلك عن الرابط. (٥) "اللذان" مبتدأ. "يقومان" الجملة صلة. "فيغضب زيد" الجملة معطوفة بالفاء على جملة يقومان الواقعة صلة، وكان القياس عدم صحة العطف؛ لخلوها عن ضمير يعود إلى الموصول؛ لأنها رفعت الظاهر، وهو "زيد"، ولكن عطفها بالفاء سوغ ذلك؛ لما في الفاء من معنى السبب كما بينا. "أخواك" خبر المبتدأ. (٦) أي: وهو أن تعطف الفاء ما يصلح أن يكون صلة، على ما لا يصلح لذلك. (٧) "الذي" اسم موصول مبتدأ. "يقوم أخواك" الجملة صلة، وهي خالية من ضمير يعود إلى الموصول؛ فكان القياس عدم صلاحيتها، ولكن عطف جملة "فيغضب هو" عليها بالفاء، وهي مشتملة على عائد إلى الموصول، سوغ ذلك. "زيد" خبر المبتدأ، والعائد هو الضمير

стр. 1012

ومثل ذلك جار في الخبر، والصفة، والحال (١)؛ نحو: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ (٢). وقوله: وإنسان عيني يحسر الماء تارة … فيبدو. . . . . . . . . . . (٣) المستتر في "يغضب"، أما لفظ "هو" فتوكيد له. ويجوز: أن يكون مبتدأ، و"زيد" خبره، والجملة خبر الذي، كما يحتمل أن يكون فاعلا ليغضب، وأبرز لدفع توهم كون "زيد" فاعلا. (١) فتعطف بالفاء على كل منها ما لا يصلح أن يكون خبرا أو صفة أو حالا، وبالعكس؛ "أي" تعطف جملة تصلح لتلك الأشياء على جملة لا تصلح. (٢) جملة ﴿فَتُصْبِحُ الأَرْضُ﴾ معطوفة بالفاء على جملة ﴿أُنْزِلَ﴾ الواقعة خبرا لأن، وهي خالية من ضمير يعود على اسم "أن"؛ ولكن اقترانها بالفاء سوغ ذلك. (٣) جزء من بيت الطويل لذي الرمة، غيلان بن عقبة وتمامه: وتارات يجم فيغرق اللغة والإعراب: إنسان عيني: هو النقطة السوداء اللامعة وسط سواد العين. يحسر: ينكشف وينزاح. فيبدو: فيظهر. يجم: يكثر. "إنسان عيني" إنسان مبتدأ، وعيني مضاف إليه. "الماء" فاعل يحسر على أنه مبني للمعلوم، ونائب فاعل إذا بني للمجهول، والجملة خبر المبتدأ "تارة" مفعول مطلق. "فيبدو" الفاء عاطفة، و"يبدو" فعل مضارع، والفاعل يعود على إنسان العين. "وتارات" معطوف على تارة. "يجم" الجملة خبر لـ مبتدأ محذوف؛ أي هو يجم. "فيغرق" معطوف على يجم. المعنى: أن إنسان العين ينكشف عنه الماء ويزول أحياناً، فيظهر الإنسان للرائي، وأحياناً يكثر الماء في العين فيغرق إنسانها ويستتر ولا يرى. الشاهد: عطف جملة "فيبدو"- وهي تصلح أن تكون خبرا عن المبتدأ، وهو "إنسان"؛ لاشتمالها على ضمير يعود إليه- على جملة لا تصلح لذلك لخلوها من ذلك الضمير؛ وهي جملة "يحسر الماء". ومثال عطفها جملة لا تصلح أن تكون صفة لخلوها من عائد يعود على الموصوف، على أخرى تصلح لذلك: هذا قائد يسهر على حراسة الشعب فتسعد الرعية، وعكسه نحو: هذا قائد شكت الرعية فأزال أسباب الشكوى، ومثال عطفها جملة لا تصلح حالا، على

стр. 1013

وأما "ثم" فللترتيب والتراخي (١)؛ نحو: ﴿فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (٢). وقد توضع موضع الفاء؛ كقوله: جرى في الأنابيب ثم اضطرب (٣) أخرى تصلح أن تقول: أقبل محمد يضحك فتنشرح قلوب الزملاء، وعكسه نحو: أقبل محمد تنشرح قلوب الزملاء فيضحك، وإلى ما تقدم يشير الناظم بقوله: واخصص بفاء عطف ما ليس صله … على الذي استقر أنه الصلة أي تختص الفاء بأنها تعطف جملة لا تصلح أن تكون صلة لخلوها من الرابط على جملة أخرى تصلح صلة لاشتمالها على الرابط، ومثل الصلة: الخبر، والصفة، والحال، كما بينا. ومن أحكام الفاء: أنها لا تنفصل من معطوفها بفاصل مطلقا، وتعطف المفردات، كما تعطف الجمل، ويجوز حذفها بقرينة؛ تقول: أنفقت المال جنيها، جنهين، ثلاثة. وتشترك مع الواو في أن كلا منهما يعطف عاملا قد حذف وبقي معموله؛ تقول: اشتريت الكتاب بدينار فصاعدا، أي فذهب الثمن صاعدا. وسيأتي إيضاح ذلك، وإن كلا يجوز حذفه عند أمن اللبس، وحذف الواو أكثر. (١) التراخي هو: انقضاء مدة زمنية بين وقوع المعنى على المعطوف عليه، ووقوعه على المعطوف. وتحديد هذه المدة متروك للعرف. و"ثم" تعطف المفردات والجمل، وقد تدخل عليها تاء التأنيث لتأنيث اللفظ، فتختص بعطف الجمل؛ نحو: من ظفر بمطلوبه ثم أهمل في الحفاظ عليه فلا يلومن إلا نفسه. وتكتب بتاء غير مربوطة. (٢) الآية ٢٢ من سورة عبس. (٣) عجز بيت من المتقارب لأبي داؤد، حارثة بن الحجاج الإيادي، من قصيدة يصف فيها فرسه، وصدره: كهز الرديني تحت العجاج اللغة والإعراب: الرديني: الرمح المنسوب إلى ردينة، وهي امرأة اشتهرت بصنع

стр. 1014

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الرماح بهجر. العجاج: الغبار، والمراد: ما تثيره أقدام المتحاربين أو خيولهم الأنابيب: جمع أنبوب، وهوما بين كل عقدتين من القصب. "كهز" جار ومجرور، خبر لمبتدأ محذوف. "الرديني" مضاف إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله. والمشبه: اهتزاز فرس كانت تحت الممدوح. "تحت العجاج" تحت ظرف مكان منصوب بهز، والعجاج مضاف إليه. "جرى" فعل ماض فاعله يعود على الهز. "ثم" حرف عطف بمعنى الفاء. "اضطرب" فعل ماض مبني على الفتح، وسكن للروي. والمعنى: إن اهتزاز هذا الفرس، وسرعة عدوه ذهابا وجيئة أثناء القتال، يشبه اهتزاز الرمح واضطرابه، في سرعة وخفة في كل ناحية تحت غبار المعركة. الشاهد: في قوله: "ثم اضطرب"؛ فإن "ثم" هنا بمعنى الفاء؛ لأن اضطراب الرمح يحدث عقب اهتزاز أنابيبه مباشرة في لحظات من غير مهلة. وفي معنى "الفاء" و"ثم" يقول الناظم: والفاء للترتيب باتصال … و"ثم" للترتيب بانفصال ومعنى "باتصال" أي من غير مهلة زمنية، وهو ما يعبر عنه بالتعقيب. ومعنى "بانفصال": أي بمهلة زمنية؛ وهي التراخي. هذا: وقد ترد "ثم" للترتيب الذكري الإخباري، أي الذي يقصد به مجر الإخبار وسرد المعطوفات، من غير ملاحظة ترتيب كلامي سابق، ولا ترتيب زمني حقيقي، كقول الشاعر: إن من ساد ثم ساد أبوه … ثم قد ساد قبل ذلك جده هذا: وقد تدخل همزة الاستفهام على ثم، والواو، والفاء؛ مثل: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾، ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْض﴾. فقيل: إن الهمزة تقدمت على العاطف لأصالتها في التصدير، وقيل: إن هذه حروف استئناف داخلة على جملة مستأنفة.

стр. 1015

وأما "حتى" (١): فالعطف بها قليل، والكوفيون ينكرونه (٢)، وشرطه أربعة أمور: أحدها: كون المعطوف اسماً (٣). والثاني: كون المعطوف اسما (٤). والثالث: كونه بعضاً من المعطوف عليه، إما بالتحقيق (٥)؛ نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، أو بالتأويل (٦) كقوله: ألقى الصحيفة كي يخفف رحله … والزاد حتى نعله ألقاها (٧) (١) معناها: ترتيب أجزاء ما قبلها ذهنا، والدلالة على أن المعطوف بلغ الغاية في الزيادة أو النقص، بالنسبة للمعطوف عليه؛ سواء كانت هذه الغاية حسية أو معنوية، محمودة أو مذمومة. وكل هذا بحسب التخيل. (٢) ويعربونها ابتدائية في مثل: جاء الطلبة حتى محمد، ورأيت المسافرين حتى عليا، ومررت بالعائدين حتى أخيك، وما بعدها معمول لعامل محذوف. (٣) فلا يصح أن يكون فعلا، ولا حرفا، ولا جملة -على العطف- صفحت عن المذنب حتى خجل. وأما على الحرف؛ فلأن الحرف لا يدخل على نظيره غالباً إلا في التوكيد اللفظي أو الضرورة الشعرية. وإذا دخلت على جملة فعلية، أو على جملة اسمية، كانت حروف ابتداء. (٤) حقق بعض العلماء الاستغناء عن هذا الشرط، وأجاز المثل المذكور، وفيه تيسير مقبول انظر ترجمة الخضراوي صفحة ٤٩، جزء ثان. (٥) وذلك بأن يكون جزءًا من كل؛ كمثال المصنف، أو فردًا من جمع؛ نحو: عاقبت التلاميذ حتى عليًا، أو نوعًا من جنس؛ نحو: أعجبني العنب حتى البناني. (٦) أي بتقدير أنه كالبعض؛ لملازمته الكل في كثير من الأحيان، ولأهميته. (٧) بيت من الكامل، من كلام أبي مروان النحوي في المتلمس، حين فر من عمرو بن هند لما أراد قتله. والمتلمس: لقب جرير بن عبد المسيح، وبعد هذا البيت: ومضى يظن بريد عمرو خلفه … خوفا وفارق أرضه وقلاها اللغة والإعراب: ألقى: رمى إلى الأرض. الصحيفة: ما يكتب فيه من ورق وغيره.

стр. 1016

فيمن نصب نعله؛ فإن ما قبلها في تأويل ألقى ما يثقله (١). أو شبيهاً بالبعض (٢)؛ كقولك: أعجبتني الجارية حتى كلامها، ويمتنع: حتى ولدها (٣). وضابط ذلك: أنه إن حسن الاستثناء حسن دخول حتى (٤). والرابع: كونه غاية في زيادة حسية؛ نحو: فلان يهب الأعداد الكثيرة حتى الألوف، أو معنوية؛ نحو: مات الناس حتى الأنبياء أو الملوك (٥). رحله: الرحل: ما يستصحبه المرء من المتاع، وهو أيضاً: ما يوضع على ظهر الناقة، بمنزلة السرج للفرس، والزاد: كل ما يستصحبه المسافر ليبلغه مقصده. "ألقى" فعل ماض، وفاعله يعود على المتلمس. "الصحيفة" مفعوله. "كي": حرف تعليل. "يخفف" فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد "كي". "والزاد" معطوف على الصحيفة. "حتى" حرف عطف. "نعله" معطوف على الزاد. المعنى: أن المتلمس رمى بالصحيفة ليخفف ما معه من متاع، وألقى كذلك ما معه من زاد يتبلغ به، حتى نعله التي يلبسها رمى بها، وكان من أمر هذه الصحيفة: أنه وطرفة هجيًا عمرو بن هند الملك، ثم مدحاه بعد ذلك؛ فكتب لكل منهما صحيفة إلى عاملة بالحيرة وختمها، وأمره فيها بقتلهما. وأوهمهما أنه كتب لهما بصلة؛ فلما بلغا الحيرة فتح المتلمس صحيفة، وعلم بما فيها فألقاها في النهر وفر إلى الشام. وأبي طرفة أن يفتح صحيفة، ودفعها إلى العامل فقتله. الشاهد: عطف "نعله" بحتى على ما قبله؛ لأنه بعض من المعطوف عليه بالتأويل كما بين المصنف، ويحتمل أنه منصوب بفعل محذوف يفسره "ألقاها"، وهذا على رواية النصب، وروي بالرفع؛ على أن "حتى" ابتدائية، و"نعله" مبتدأ، وجملة "ألقاها" في محل رفع خبر، كما روي بالجر، على أن "حتى" حرف غاية وجر، و"نعله" مجرور بها. (١) ولا شك أن النعل بعض ما يثقله ويتعب حركته في الهرب. (٢) أي في شدة الاتصال به؛ كالعرض الملازم للكل، من غير أن يدخل في تكوينه، مثل: العلم، واللون، والخلق، والصوت، والكلام … إلخ. (٣) لأن الولد ليس جزءًا ولا شبيهاً بالجزء بخلاف الكلام كما أوضحنا. (٤) المراد: الاستثناء المتصل؛ لأن شرط الاستثناء المتصل: أن يتناول ما قبل أداته ما بعدها نصًا. (٥) فإن الأنبياء والملوك غاية الناس في الزيادة المعنوية؛ وهي الاتصاف بالنبوة والملك؛ ولهذا لا

стр. 1017

أو في نقص كذلك؛ نحو: المؤمن يجزى بالحسنات حتى مثقال الذرة؛ ونحو: غلبك الناس حتى الصبيان أو النساء (١). وأما "أم"، فضربان: منقطعة وستأتي، ومتصلة، وهي المسبوقة؛ إما بهمزة التسوية (٢)؛. . . . . . . . . . . (١) غاية النقص المعنوي في الصبيان والنساء هي: الاتصاف بالصبا والأنوثة. وقد اجتمع المعنيان في قول الشاعر: قهرناكمو حتى الكمأة فأنتم … تهابوننا حتى بنينا الأصاغرا فإن فقد شرط من هذه الشروط لا تكون حتى عاطفة. و"حتى" العاطفة لمطلق الجمع، كالواو عند عدم القرينة. ولا تفيد ترتيبًا زمنيًا بين العاطف والمعطوف، والمعتبر فيها ترتيب أجزاء ما قبلها ذهنا من الأضعف إلى الأقوى وبالعكس. وإذا عطف بها آخر شيء، على معطوف مجرور بحرف، وجب إعادة هذا الحرف بعدها؛ لأن المعنى يلتبس بعدم إعادته، وتلتبس هي بالجارة؛ تقول: سافرت في الأسبوع الماضي حتى في آخره؛ إذا كان السفر في أوقات متقطعة في الأسبوع؛ فلو لم تذكر "في" ثانية، لاحتمل أن السفر متصل من أول الأسبوع إلى آخره. ولا تعطف "حتى" نعتا على نعت، وتكون كالواو في عطفها الخاص على العام، وفي "حتى" وشروطها يقول الناظم: بعضاً بحتى اعطف على "كل" ولا … يكون إلا غاية الذي تلا أي اعطف بحتى بعضًا على كل، أي أن يكون المعطوف جزءًا من المعطوف عليه، ولا يكون المعطوف إلا غاية للذي تلاه، وهو المعطوف عليه. والمراد: الغاية في الزيادة أو النقص، كما أوضح المصنف. (٢) سميت بذلك لوقوعها غالبا بعد لفظ "سواء"، أو: لا أبالي، أو" لا أدري، أو ما يشبهها؛ في الدلالة على أن الجملتين بعدها متساويتان في الحكم عند المتكلم.

стр. 1018

وهي الداخلة على جملة في محل المصدر (١). وتكون هي والمعطوفة عليها: فعليتين؛ نحو: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢). أو اسميتين؛ كقوله: أموتي ناء أمهو الآن واقع (٣) (١) بيان لعلامتها؛ وهي: أن تتوسط بين جملتين خبريتين قبلهما الهمزة، وكلتا الجملتين يصلح أن يحل محلها هي والهمزة مصدر مؤول منهما معًا. (٢) أعرب الجمهور لفظ "سواء" خبرًا مقدمًا عن الجملة التي بعده، لتأويلها بمصدر؛ أي إنذارك وعدمه سواء، ويجوز العكس. وسوغ الابتداء بسواه، تعلق الجار والمجرور به وهذا من مواضع سبك الجملة بلا سابك. ومنها: الجملة المضاف إليها الظرف؛ نحو قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾، من الآية ١١٩ من سورة المائدة، ومنها قولهم: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"، بناء على عدم تقدير "أن" قبل تسمع. (٣) عجز بيت من الطويل لم يعرف قائله، ويظهر أنه لمتمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك، وصدره: ولست أبالي بعد فقدي مالكًا اللغة والإعراب: أبالي: أكثرت وأعبأ. ناء: بعيد: وهو اسم فاعل من نأى ينأى؛ أي بعد. "لست" ليس واسمها. "أبالي" الجملة خبرها. "بعد"ظرف متعلق بأبالي. "فقدي" مضاف إليه، وهو مصدر مضاف إلى الياء، فاعله. "مالكاً مفعوله. "أموتي" الهمزة للاستفهام، و"موت" مبتدأ. "ناء" خبر مرفوع بضمة مقدرة على الباء المحذوفة، والجملة في محل نصب مفعول أبالي. وقد علق عن العمل في اللفظ بالاستفهام. "أم" عاطفة متصلة. "هو" ضمير منفصل مبتدأ. "الآن" منصوب على الظرفية الزمانية. "واقع" خبر المبتدأ. المعنى: لست مهتمًا ولا مكترثًا بشيء في الحياة، بعد أن فقدت أخي مالكًا، ولا يعنيني -وقد فقدته- أن يكون موتي بعيدًا، أو ينزل بي الآن. الشاهد: وقوع "أم" بين جملتين اسميتن، وقد عطفت إحداهما على الأخرى، والتقدير: لست أبالي نأي موتي أو وقوعه الآن.

стр. 1019

مختلفتني؛ نحو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ (١). وإما بهزة يطلب بها، وبـ"أم التعيين (٢)،. . . . . . . . . . . (١) الجملة المعطوف عليها فعلية، والمعطوف اسمية، والتقدير: سواء عليكم دعاؤكم إياهم -أي الأصنام- وصمتكم. من الآية ٩٣ من سورة الأعراف. ومثال العكس: لا يبالي المخلص في عمله؛ أرئيسه حاضر أم يغيب. والمصدر المؤول هنا مفعول به، والتقدير: لا يبالي المخلص حضور رئيسه وغيابه. ومما تقدم يتبين: أن "أم" المتصلة المسبوقة بهمزة التسوية لا تعطف إلا جملة على جملة، وعطفها للمفرد نادر لا يقاس عليه. وهمزة التسوية لا شأن لا بالاستفهام بعد أن تمحضت للتسوية. (٢) قوله: "وإما بهمزة معطوف على قوله قبل: "إما بهمزة التسوية". وهمزة التعيين عند كثير من النحاة هي الواقعة بعد: ليت شعري، ولا أعلم، وما أدري، ونحوهما؛ لأن هذه الألفاظ ليست في حكم "لا أبالي" التي تكون الهمزة بعدها للتسوية، كما أسلفنا؛ لأن قائلها يريد: لا أدرين ولا أعلم، وليت شعري، جواب هذا الاستفهام، ولا يقصد التسوية. وهذا صحيح عند عدم القرينة؛ فإن دل السياق على غير ذلك. وجب النزول على ما يحدده السياق. وعلامة "أم" المسبوقة بهمزة العيين: أن تقع بين شيئين ينسب لواحد منهما -غير معين- أمر ما معروف للمتكلم، وقبلهما همزة استفهام يقصد بها وبأم تعيين أحد هذين الشيئين، وتسد "أي" مسد الهمزة مع "أم" في طلب التعيين، وهما يغنيان عن "أي" في ذلك، وفي "أم" المتصلة بنوعيه يقول الناظم: و"أم" بها اعطف إثر همزة التسويه … أو همزة عن لفظ "أي" مغنيه أي: أن"أم" يعطف بها بعد همزة التسوية، وقد شرحها المصنف. وبعد الهمزة التي تغني مع "أم" عن لفظ "أي" في طلب التعيين، وهي الهمزة التي يطلب بها وبأم التعيين على النحو الذي بيناه. وسميت "أم" في هذين النوعين متصلة؛ لأنها تقع بين شيئين لا يكتفي

стр. 1020

وتقع بين مفردين؛ متوسطًا بينهما ما لا يسأل عنه؛ نحو: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمُ السَّمَاءُ﴾ (١). أو متأخراً عنهما؛ نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ (٢). وبين فعليتين؛ كقوله: فقلت أهي سرت أم عادني حلم (٣) بأحدهما في تأدية المعنى المطلوب؛ لأن التسوية وطلب التعيين لا يكونان إلا بين متعدد، وتسمى كذلك: "أم" المعادلة، لمعادلتها الهمزة في إفادة التسوية في النوع الأول، وإفادة الاستفهام في النوع الثاني. وتخالف همزة التسوية، الهمزة التي يطلب بها التعيين في أن الأولى لا تستلزم جوابًا؛ لأن الكلام معها خبر قابل للصدق والكذب. أما الثانية، فتتطلب جوابًا بتعيين أحد الشيئين؛ لأنها لم تنسلخ عن الاستفهام. (١) الاستفهام هنا توبيخي، والسؤال عن المبتدأ وهو "أنتم"، والمعادل "السماءِ" المعطوفة على أنتم، وهما مفردان، وقد توسط بينهما غير المسئول عنه؛ وهو ﴿أَشَدُّ خَلْقًا﴾ الواقع خبرًا تقديرًا عن المتعاطفين. من الآية ٢٧ من سورة النازعات. (٢) المسئول في هذه الآية عن الخبر وهو قريب وبعيد، والمسئول عنه متأخر، وهو ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾؛ وذلك لأن شرط الهمزة المعادلة لأم أن يليها أحد الأمرين المطلوب تعيين أحدهما، ويلي "أم" المعادل الآخر؛ ليفهم السامع من أول الأمر ما يطلب تعيينه، ويرى سيبويه: أن إيلاء المسئول عنه الهمزة أولى لا واجب. وإذا عادلت "أم" بين مثبت ومنفي فالغالب أن يلي المثبت الهمزة والمنفي أم. (٣) عجز بيت من البسيط لزياد بن حمل؛ وقيل: لزياد بن منقذ العدوي، من كلمة يحن فيها إلى وطنه، وصدره: فقمت للطيف مرتاعًا فأرقني وقبله: زارت رقية شعثاً بعد ما هجعوا … لدى نواحل في أرساغها الخدم اللغة والإعراب: الطيف: المراد به خيال المحبوبة الذي يراه في النوم. مرتاعًا: خائفًا؛
следующие страницы →