← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 12037

ضياء السالك إلى أوضح المسالك

محمد عبد العزيز النجار

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الأول: بدل كل من كل؛ وهو بدل الشيء مما هو طبق معناه (١)؛ نحو: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ (٢). وسماه الناظم: "البدل المطابق"؛ لوقوعه في اسم الله تعالى؛ نحو: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾، فيمن قرأ بالجر (٣)؛ وإنما يطلق "كل" على ذي أجزاء، وذلك ممتنع هنا (٤). والثاني: بدل بعض من كل، وهو: بدل الجزء من كله (٥): قليلا كان ذلك الجزء، أو مساوياً، أو أكثر؛ كأكلت الرغيف ثلثه، أو نصفه، أو ثلثيه، ولا بد من اتصاله بضمير يرجع على المبدل منه (٦)؛ مذكور كالأمثلة المذكورة، وكقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا (١) أي: أن يكون الثاني مطابقًا ومساويًا للأول في المعنى تمام المطابقة، ويختلفان في اللفظ غالباً. (٢) فـ ﴿صِرَاطٍ﴾، الثانية بدل كل من كل من الأولى، سورة الفاتحة. (٣) فـ ﴿اللَّهِ﴾، بدل من ﴿الْعَزِيزِ﴾، بدل من مطابق، ولا يقال فيه بدل كل من كل؛ لما ذكره المصنف، وإن كانت هذه التسمية اصطلاحية، نقلت بعد التغليب على ما يدل على ذي أجزاء. من الآية ١، ٢ من سورة إبراهيم. (٤) لأن مسماه تعالى لا يقبل التجزئة. (٥) ضابطه: أن يكون البدل جزءًا حقيقيًا من المبدل منه، وأن يصح الاستغناء عنه بالمبدل منه، ولا يفسد المعنى بحذفه. (٦) أي ليربط البعض بكله. ويجب في هذا الضمير أن يطابق المتبوع في الإفراد والتذكير وفروعهما، ولا فرق بين أن يتصل هذا الضمير بالبدل مباشرة، أو بلفظ آخر له صلة بالبدل؛ نحو: قابلت العائدين من القتال أربعة منهم. وقد يغني عن الضمير في إفادة الربط "أل" عند أمن اللبس؛ نحو: إذا رأيت والدك فقبله اليد؛ أي يده، وإلا في الاستثناء، إذا كان المبدل منه هو المستثنى منه في كلام تام؛ حيث يجوز في المستثنى النصب على الاستثناء، أو الإتباع على البدلية؛ نحو: ما نجح الطلاب إلا واحدا.

стр. 1052

وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ (١)، أو مقدر كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾؛ أي: منهم (٢). والثالث: بدل الاشتمال؛ وهو: بدل شيء يشتمل عامله على معناه اشتمالًا بطريق الإجمال (٣)؛ كأعجبني زيد علمه، أو حسنه، وسرق زيد ثوبه، أو فرسه (٤). وأمره في الضمير كأمر بدل البعض؛ فمثال المذكور ما تقدم من الأمثلة؛ وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (٥). (١) ﴿كَثِيرٌ﴾، بدل من الواو الأولى في ﴿عَمُوا﴾، والثانية في ﴿صَمُّوا﴾، عائدة على ﴿كَثِيرٌ﴾؛ لأنه مقدم رتبة؛ إذ التقدير -والله أعلم- ثم عموا كثير منهم وصموا. والذي يحمل على ذلك أنه لو جعل بدلًا من الواوين معًا، لزم توارد عاملين على معمول واحد. (٢) ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾، بدل من ﴿النَّاسِ﴾، والضمير العائد على المبدل منه مقدر، كما بين المصنف، وفيه أعاريب أخرى. (٣) لتوضيح هذا التعريف نقول: إن بدل الاشتمال تابع يقصد به تعيين وتوضيح أمر في متبوعه، وهذا الأمر من الأمور العارضة الطارئة، التي ليست جزءًا أصيلًا من المتبوع، ويشتمل على هذا الأمر، ويدل عليه "العامل" في المبدل منه؛ ولكن بطريقة إجمالية؛ لأنه لا يليق نسبته إلى ذات المبدل منه. ويرى ابن مالك أن المشتمل هو المبدل منه، وذهب الفارسي إلى أنه البدل. وما رآه المصنف من أن المشتمل هو "العامل" جدير بالاتباع. وهذا الاشتمال: قد يكون في أمر مكتسب؛ كالعلم، والكرم، والزهد، أو غيره مكتسب؛ ولكنه ملازم لصاحبه: كالحسن، أو غير ملازم؛ كالكلام. وقد يكون الاشتمال بطريق التبعية كالثوب، والفرس … إلخ. (٤) فالعلم والحسن بدل اشتمال، وكلاهما يعين أمرًا عرضيًا في المتبوع؛ لأنه لا يدخل في تكوين الذات، ويشملهما الإعجاب إجمالًا، ولكن لا يناسب نسبته إلى ذات "زيد" التي هي عظم ولحم ودم؛ فيفهم أن المقصود نسبة الإعجاب إلى صفة من صفاته. وكذلك الثوب والفرس بدل اشتمال، ويقال فيهما ما ذكرنا؛ فالمقصود نسبة السرقة إلى شيء يتعلق بالمتبوع؛ فقد دل "العامل" على البدل بطريقة مجملة. (٥) فـ ﴿قِتَالِ﴾، بدل اشتمال من ﴿الشَّهْرَ﴾، والرابط بينهما الهاء المجرورة بفي، وهي

стр. 1053

ومثال المقدر قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ، النَّارِ﴾ (١)؛ أي: النار فيه، وقيل: الأصل "ناره" ثم نابت "أل" عن الضمير. والرابع: البدل المباين (٢)، وهو ثلاثة أقسام (٣)؛ لأنه لا بد أن يكون مقصودًا كما تقدم في الحد. ثم الأول (٤) إن لم يكن مقصوداً البتة؛ ولكن سبق إليه اللسان؛ فهو بدل الغلط؛ أي بدل عن اللفظ الذي هو غلط، لا أن البدل نفسه هو الغلط، كما قد يتوهم. وإن كان مقصوداً؛ فإن تبين بعد ذكره فساد قصده، فبدل نسيان؛ أي بدل شيء ذكر نسياناً. وقد ظهر أن الغلط متعلق باللسان، والنسيان متعلق بالجنان، والناظم وكثير من النحويين لم يفرقوا بينهما، فسموا النوعين بدل غلط (٥). متصلة بما يتعلق بالبدل. من الآية ٢١٧ من سورة البقرة. (١) هذا بناء على أن ﴿النَّارِ﴾، بدل اشتمال من ﴿الأُخْدُودِ﴾. والأخدود: الشق في الأرض. وأصحابه هم: أنطيانوس ملك الروم، وبختنصر ملك فارس. ويوسف ذو نواس ملك نجران؛ حفر كل منهم شقًا عظيمًا وملأه نارًا، وأمر بأن يلقى فيه كل من لم يكفر. و"أل" في ﴿الأُخْدُودِ﴾، للجنس؛ لأنها أخاديد، لا أخدود واحد. وبدل الاشتمال كبدل البعض، لا بد لصحته من صحة الاستغناء عنه بالمبدل منه مع صحة المعنى عند حذفه؛ فمثل: أعجبني علي أخوه، بدل إضراب لا بد اشتمال؛ لعدم صحة الاستغناء عنه بالأول. (٢) أي المغاير للمبدل منه. (٣) لا بد في كل من الأقسام الثلاثة أن يكون البدل هو المقصود بالحكم، وهذا النوع بأقسامه الثلاثة لا يحتاج إلى ضمير يربطه بالمتبوع. (٤) أي المبدل منه. (٥) وقد أشار الناظم إلى أنواع البدل الأربعة المتقدمة بقوله: مطابقًا أو بعضًا أو ما يشتمل … عليه يلفى أو كمعطوف ببل*

стр. 1054

وإن كان قصد كل واحد منهما صحيحًا (١)؛ فبدل الإضراب، ويسمى أيضًا: "بدل البداء" (٢). وقول الناظم: "خذ نبلًا مدًى، يحتمل الثلاثة، وذلك باختلاف التقادير؛ أي: يلفى البدل -أي يوجد- مطابقًا، أو بعضًا، أو شيئًا يشتمل على البدل اشتمالًا معنويًا - يريد العامل والمتبوع كما ذكرنا؛ أو كمعطوف بالحرف "بل"؛ وذلك هو البدل المباين؛ لأنه بأنواعه الثلاثة لا يخلو من الإضراب. (١) وذلك بأن ذكر المبدل منه قصدًا، ثم أضرب عنه وتركه، من غير أن يتعرض له بنفي أو إثبات. (٢) بفتح الباء؛ أي الطور؛ سمي بذلك لأن المتكلم بدا له ذكره بعد ذكر الأول قصدًا، لسبب ما؛ كأن يكون ظهر له الصواب بعد خفائه عليه. وهذا النوع من البدل لا يحتاج إلى ضمير يربطه بالمتبوع، وكثيرًا ما يوقع في لبس؛ فالأحسن عدم استعماله، وإليه أشاره الناظم بقوله: وذلًا للإضراب أعز إن قصداً صحب … ودون قصد غلط به سلب كزره خالدًا وقبله اليدا … واعرفه حقه وخذ نبلًا مدى* و"ذا" -أي هذا الذي يشبه "بل"- انسبه إلى الإضراب إن صحبه القصد من المتكلم. وإن لم يقصده المتكلم؛ فهو بدل جيء به ليسلب الغلط الذي حدث ويزيله. وقد مثل الناظم في البيت الثاني لأنواع البدل كلها، وذكر مثالًا للبدل المباين يحتمل أقسامه الثلاثة؛ وهيك الغلط، والإضراب، والنسيان. وإن كان لم يذكر في البيت الأول سوى نوعين؛ هما: الغلط والإضراب. وقد تكفل المصنف بإيضاح ذلك. و"خالد" اسم رجل، وهو بدل مطابق من الهاء في "زره" و"اليدا" بدل بعض من الهاء في "قبله"؛ أي يده، أو اليد منه، و"حقه بدل اشتمال من الهاء في "اعرفه". و"مدى" بدل مباين؛ غلط، أو نسيان، أو إضراب، من "نبلا".

стр. 1055

وذلك لأن النبل: اسم جمع للسهم، والمدى: جمع مدية؛ وهي السكين. فإن كان المتكلم إنما أراد الأمر بأخذ المدى؛ فسبقه لسانه إلى النبل؛ فبدل غلط. وإن كان أراد الأمر بأخذ النبل، ثم تبين له فساد تلك الإرادة، وأن الصواب الأمر بأخذ المدى، فبدل نسيان، وإن كان أراد الأول، ثم أضرب عنه إلى الأمر بأخذ المدى، وجعل الأول في حكم المتروك، فبدل إضراب وبداءٍ. والأحسن فيهن أن يؤتى ببل (١). (١) لئلا يتوهم أن "مدى" صفة لنبل. والمعنى: نبلًا حادًا. وإذا أتي بـ"بل" خرج عن كونه بدلًا، وصار عطف نسق. تتمة: أ- لا يلزم موافقة البدل لمتبوعه في التعريف والتنكير؛ فقد يكونان معرفتين؛ كقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾، بجر كلمة: ﴿اللَّهِ﴾، على أنها بدل من ﴿الْعَزِيزِ﴾، وقد يكونان نكرتين، كقوله : ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا، حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾. وقد تبدل المعرفة من النكرة؛ نحو: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ﴾. والعكس كقوله سبحانه: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾، سورة العلق. ب- أما الإفراد والتذكير وفروعهما؛ فإن كان بدل "كل" طابق متبوعه فيها، ما لم يمنع مانع من التثنية أو الجمع؛ كأن يكون أحدهما مصدرًا لا يثنى ولا يجمع، كالمصدر الميمي في الآية السابقة: ﴿مَفَازًا، حَدَائِقَ﴾، أو قصد التفضيل؛ كقول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة … ورجل رمى فيها الزمان فشلت أما غيره من أنواع البدل فلا يلزم موافقته فيها.

стр. 1056

فصل: يبدل الظاهر من الظاهر كما تقدم. ولا يبدل المضمر من المضمر (١)؛ ونحو: قمت أنت، ومررت بك أنت، توكيد اتفاقًا، وكذلك نحو: رأيتك إياك، عند الكوفيين، والناظم (٢). ولا يبدل مضمر من ظاهر، ونحو: رأيت يدًا إياه، من وضع النحويين وليس بمسموع. ويجوز عكسه مطلقًا (٣)؛ إن كان الضمير لغائب؛ نحو: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ في أحد الأوجه (٤). جـ- إذا اجتمعت التوابع كلها أو عدد منها، قدم النعت، ويليه عطف البيان؛ فالتوكيد فالبدل، فعطف النسق؛ كما قيل: قدم النعت فالبيان فأكد … ثم أبدل واختم بعطف الحروف (١) العلة في ذلك: عدم الورود عن العرب. (٢) لأنه لا فرق عندهم في تأكيد الضمير المتصل بالمنفصل، بين المرفوع وغيره، وذهب البصريون إلى أنه بدل؛ لما ثبت عن العرب، كما نقل عن سيبويه وتلقاه من بعده بالقول أنها إذا أرادت البدلية وافقت بين التابع والمتبوع، فقالت: جئت أنت، ورأيتك إياك، وممرت به به؛ فيتحد لفظ التوكيد والبدل في المرفوع، ويختلف في غيره. وذهب الكوفيون إلى أن الضمير الثاني في حالتي النصب والجر توكيد للأول، كما هو في حالة الرفع، ولو كان موافقا له؛ نحو: رأيتك إياك، ومررت بك بك، وبهذا أخذ ابن مالك. (٣) أي يجوز إبدال الظاهر من الضمير؛ سواء في ذلك بدل الكل، أو الاشتمال، أو المباينة. (٤) هو: إبدال ﴿الَّذِين﴾، من الواو في ﴿أَسَرُّوا﴾، بدل كل من كل، وقيل: ﴿الَّذِين﴾، فاعل أسروا، والواو حرف دال على الجمع لا ضمير، وهي لغة أكلوني البراغيث، وقيل: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، مبتدأ مؤخر، ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾، خبر مقدم. من الآية ٣ من سورة الأنبياء. ومثال بدل البعض: محمد أوثقته يديه، والاشتمال: على استحيائه عقله، والغلط: إبراهيم ضربته فرسه.

стр. 1057

أو كان لحاضر (١)؛ بشرط أن يكون بدل بعض؛ كأعجبتني وجهك (٢)، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ (٣). أو بدل اشتمال؛ كأعجبتني كلامك (٤)، وقول الشاعر: بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا (٥) (١) سواء كان لمتكم أو مخاطب. (٢) "وجهك" بدل مرفوع من تاء المخاطب، بدل بعض من كل. (٣) فـ"مَنْ" الموصولة المجرورة باللام في "لِمَنْ"، بدل من ضمير "لَكُمْ"، وأعيدت اللام مع البدل للفصل والتوكيد، وهذه الإعادة جائزة لا واجبة، والجر بها، لا باللام الأولى، ولا بأخرى مقدرة على الأصح. من الآية ٢١ من سورة الأحزاب. (٤) "كلامك" بالرفع، بدل اشتمال من تاء المخاطب. (٥) صدر بيت من الطويل، للنابغة الجعدي، من قصيدة أنشدها بين يدي حضرة الرسول ﵇ وعجزه: وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا اللغة والإعراب: بلغنا السماء: وصلنا إليها، وهو كناية عن علو المنزلة، مجدنا: المجد كرم الآباء. سناؤنا: السناء الشرف والرفعة. "السماء" مفعول بلغنا. "مجدنا" مجد بدل اشتمال من ضمير المتكلم في "بلغنا" الواقع فاعلًا، والضمير مضاف إليه. "وسناؤنا" معطوف على مجدنا. "لنرجو" اللام للتوكيد وجملة نرجو خبر إن. "فوق" ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من مظهرا. "ذلك" مضاف إليه. "مظهرًا" مفعول نرجو؛ وهو مصدر ميمي أو اسم مكان، معناه المصعد. قيل: ولا يبعد أنه مكان في الجنة. المعنى: يصف قومه بأنهم قد بلغوا الغاية التي يرجوها المؤمل؛ من ارتفاع القدر، وسمو المنزلة، وهم مع ذلك يرقبون منزلة أعلى، قيل إنه لما أنشد هذا بين يدي الرسول قال له: "إلى أين المظهر يا أبا ليلى؟ " فقال: إلى الجنة بك يا رسول الله، فقال الرسول: "أجل، إن شاء الله".

стр. 1058

أو بدل كل مفيد للإحاطة؛ نحو: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ (١). ويمتنع إن لم يفدها خلافاً للأخفش؛ فإنه أجاز: رأيتك زيداً، ورأيتني عمراً (٢). الشاهد: إبدال "مجدنا، وسناؤنا" بدل اشتمال من ضمير المتكلم البارز الواقع فاعلا في بلغنا. (١) فـ ﴿أَوَّلِنَا﴾، و ﴿آخِرِنَا﴾، بدل كل من الضمير "نا" المجرور باللام؛ ولهذا أعيدت اللام جوازًا مع البدل؛ مجاراة للمبدل منه، وهو مفيد للإحاطة والشمول؛ لأن المراد بـ ﴿أَوَّلِنَا﴾، ﴿وَآخِرِنَا﴾، جميعنا على عادة العرب؛ من ذكر طرفي الشيء، وإرادة جميعه؛ كقوله تعالى: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾؛ أي في كل وقت. وقد اقتصر الناظم في الحالات السابقة، على إبدال الظاهر من ضمير الحاضر فقال: ومن ضمير الحاضر الظاهر لا … تبدله إلا ما إحاطة جلا أو اقتضى بعضاً أو اشتمالًا … كإنك ابتهاجك استمالا* أي: لا تبدل الظاهر من ضمير، إلا إذا أظهر البدل إحاطة؛ أي دل عليها؛ بكونه بدل كل من كل. أو اقتضى بعضا؛ بأن دل على البعضية، أو دل على اشتمال، كقولك: إنك ابتهاجك استمال الليك القلوب وجذبها نحوك. (٢) أيك على أن "زيدا" و"عمرا"، بدلان من الكاف والياء المنصوبين محلا في رأيتك ورأيتني. ووجه الامتناع، إن لم يفد الإحاطة، عدم الفائدة حينئذ، وينبغي أن يفيد البدل ما لم يفده المبدل منه.

стр. 1059

فصل: يبدل كل من الاسم والفعل والجملة من مثله (١)؛ فالاسم كما تقدم، والفعل (١) ويرى بعض النحاة جواز إبدال الفعل من اسم يشبهه، والعكس؛ كما جاز في العطف؛ تقول: محمد متق يخاف ربه، ومحمد يخاف ربه متق. وقيل: إن هذا خبر بعد خبر.

стр. 1060

كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ﴾ (٢). والجملة كقوله تعالى: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ (٣). وقد تبدل الجملة من المفرد؛ كقوله: (٢) فالفعل "يُضَاعَفْ" بدل اشتمال من "يَلْقَ"؛ لأن لقي الآثام يستلزم مضاعفة العذاب. وقيل: بدل كل من كل؛ لأن مضاعفة العذاب هي لقي الآثام، ويشترط اتحاد الفعلين في الزمان دون النوع كما في العطف؛ فيجوز: إن جئتني تحسن إلي أكرمك. ولا يبدل الفعل من الفعل بدل بعض، ولا بدلًا مباينًا، وأجازهما بعض النحاة، ومثلوا للأول بقولهمك إن تصل تسجد لله يرحمك؛ فـ"تسجد" بدل بعض من "تصل"، وللثاني بنحو: إن تطعم الفقير تكسه تثب؛ فـ"تكسه" مباين من "تطعم"، والذي يدل على أن البد فيما سبق هو الفعل وحده، لا الجملة، مشاركة الفعل التابع لمتبوعه في نصبه أو جزمه؛ فهو من قبيل بدل المفرد، وفي بدل الفعل من الفعل يقول الناظم في إجمال: ويبدل الفعل من الفعل كـ"من … يصل إلينا يستعين بنا يعن"* "فيستعين بنا" بدل اشتمال من "يصل إلينا". (٣) جملة "أَمَدَّكُمْ" الثانية بدل بعض من كل من "أَمَدَّكُمْ" الأولى لأنها أخص منها؛ لأن "مَا تَعْلَمُونَ" يشمل الأنعام وغيرها. من الآيتين ١٣٢، ١٣٣ من سورة الشعراء. وتبدل الجملة من الجملة بدل اشتمال كقوله: أقول له أرحل لا تقيمن عندنا … وإلا فكن في السر والجهر مسلماً فجملة "لا تقيمن" بدل اشتمال من جملة "ارحل"؛ إذ يلزم من الرحيل عدم الإقامة. أما إبدال الجملة من الجملة بدل كل؛ فمنعه البعض، وأجازه آخرون بشرط أن تكون الجملة الثانية أدل من الأولى على بيان المراد؛ نحو: اقطع عنقود العنب اقطعه. ولا يحتاج هذا النوع من البدل إلى ضمير يعود على المبدل منه؛ لتعذر عودته على الفعل أو على الجملة.

стр. 1061

إلى الله أشكو بالمدينة حاجة … وبالشام أخرى كيف يلتقيان (١) أبدل "كيف يلتقيان" من "حاجة" و"أخرى"؛ أي: إلى الله أشكو هاتين الحاجتين تعذر التقائهما. (١) بيت من الطويل، ينسب للفرزدق الشاعر المشهور، يشكو من تفرق حاجاته وأغراضه وتباعد ما بينها، وأنه موزع القلب مشتت البال، وبعده: سأعمل نص العيش حتى يكفني … غنى المال يوماً أو غنى الحدثان اللغة والإعراب: معاني المفردات واضحة. "إلى الله" متعلق بأشكو. "بالمدينة" متعلق بمحذوف، حال من "حاجة" تقدمت عليها. "حاجة" مفعول أشكو. "وبالشام" معطوف على الجار والمجرور. "أخرى" معطوف على حاجة، وهما معمولان لأشكو. "كيف" اسم استفهام، حال تقدمت على صاحبها وعاملها. "يلتقيان" فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والألف فاعل، والجملة بدل اشتمال من حاجة وأخرى. والشاهد: إبدال جملة "كيف يلتقيان" من المفرد -وهو حاجة وأخرى- بدل كل، وسوغ ذلك أن الجملة في التقدير بمنزلة المفرد، كما بين المصنف، والذي ذهب إليه المصنف رأي ابن جني ومن جاء بعده. وقال الدماميني: يحتمل أن يكون "كيف يلتقيان" جملة مستأنفة؛ أريد بها التنبيه على سبب الشكوى؛ وهو استبعاد اجتماع هاتين الحالتين. وقد يبدل المفرد من الجملة، كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا، قَيِّمًا﴾، فكلمة ﴿قَيِّمًا﴾ بدل من جملة ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾؛ لأنها في معنى المفرد أي جعله مستقيمًا.

стр. 1062

فصل: وإذا أبدل اسم من اسم مضمن معنى حرف استفهام، أو حرف شرط، ذكر ذلك الحرف مع البدل (١)؛ فالأول كقولك: كم مالك؟ أعشرون أم ثلاثون؟ ومن (١) وذلك ليوافق البدل المبد منه في تأدية المعنى، وهذا بشرط ألا يظهر حرف الاستفهام مع المبدل منه، فإن ظهر فلا يلي البدل ذلك، ومعنى تضمنه معنى همزة الاستفهام: أنه استفهام يؤدي معنى الهمزة، وهذا الاستفهام عام مجمل، وما بعد الهمزة من البدل. فرد

стр. 1063

رأيت؟ أزيدًا أم عمرًا؟ وما صنعت؟ أخيراً أم شرًا؟ (١) والثاني نحو: من قيم، إن زيد وإن عمرو، أقم معه، وما تصنع، إن خيرًا وإن شرًا، تجز به، ومتى تسافر، إن غدًا وإن بعد غدٍ، أسافر معك (٢). يدخل ضمنًا في اسم الاستفهام المبدل منه، وكذلك يقال في الشرط. (١) فـ"عشرون" وما عطف عليه بدل تفصيل من "كم"، و"زيدا" وما عطف عليه بدل من "من"، و"خيرا" وما عطف عليه بدل من "ما". وقرن الجميع بالهمزة؛ لتضمن المبدل منه معنى الاستفهام. وتكرير الأمثلة، لأن الاستفهام الذي يتضمنه المتبوع قد يكون عن الكمية؛ أي المقدار، أو عن تعيين الذات، أو عن معنى من المعاني. (٢) فزيد وعمر وبدلان من "من" بدل تفصيل، وخيرًا وشرًا بدلًا من "ما" الشرطية. وغدًا وبعد غد بدلًا من "متى"، وقرنت كلها بإن لتضمن المبدل منه معنى الشرط. وكرر الأمثلة؛ لان الشرط الذي يتضمنه المتبوع قد يكون للعاقل أو غيره، وللزمان وللمكان، وقد اقتصر الناظم على الكلام على البدل ممن ضمن الاستفهام؛ فقال: وبدل المضمن الهمز يلي … همزاً كـ"من ذا" أسعيد أم علي* أي أن البدل من المضمن همزة الاستفهام لابد أن تسبقه الهمزة كالمثال الذي ذكره.

стр. 1064

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأسئلة والتمرينات: ١ عرف البدل، واذكر أنواعه، ومثل لكل، وبين كيف يبدل من المجررو؟ ٢ ما الذي يشترط في كلنوع من أنواع البدل؟ ولماذا؟ ٣ ما شرط الإبدال من الضمير؟ وكيف تبدل مما ضمن معنى الاستفهام، أو الشرط؟ ٤ اذكر أقسام البدل المباين، وبين الفرق بينهما، موضحًا ذلك بأمثلة من عندك. ٥ اشرح قول ابن مالك: واعطف على اسم شبه فعل فعلا … وعكساً استعمل تجده سهلا وما رأي النحاة في عطف الجملة على الجملة؟ اشرح ذلك. وهل يشترط فيه شيء؟ ٦ فيما يأتي شواهد لأنواع البدل ومسائله، وما يتعين كونه عطف بيان أو بدل، وما يجوز فيه الأمران، بين موضع الشاهد، وأعربه: قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾، ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾، ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾، ﴿وَمَا أَنْسَانِي إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾، ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾، ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾. قال ﵇: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" … إلخ. وقال: "اجتنبوا السبع الموبقات، الشرك بالله، والسحر .... " إلخ. إن النجوم نجوم الأفق أصغرها … في العين أذهبها في الجو إصعادا ذريني إن أمرك لن يطاعا … وما ألفيتني حلمي مضاعا رحم الله أعظمًا دفنوها … بسجستان طلحة الطلحات أداوي جحود القلب بالبر والتقى … ولا يستوي القلبان قاس وراحم أقول له أرحل لا تقيمن عندنا … وإلا فكن في السر والجهر مسلمًا

стр. 1065

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ٧ بين الفرق بين بدل المطابقة، وبدل الاشتمال، موضحًا ذلك بأمثلة كافية. ٨ ما رأيك فيما ذكر النحاة من فروق بين عطف البيان والبدل؟ وفي القولة المشهورة عن الإمام الرضي، ونصها كما في الصبان في آخر باب عطف البيان: "أنا للآن لم يظهر لي فرق جلي بين بدل الكل من الكل، وعطف البيان؛ بل ما أرى عطف البيان إلا البدل، كما هو ظاهر كلام سيبويه". ٩ بين فيما يأتي: أنواع التوابع التي مرت بك، ومتبوعها، وأعرب ما تحته خط. هل تعلم أن سلطان العلماء المعز بن عبد السلام وفد على مصر المعزية من دمشق حاضرة سورية، في عهد السلطان نجم الدين أيوب؟ وقد رشحته موهبته العظيمة، وأدبه الجم، وطلاقه لسانه، أن يتولى الخطابة في مسجد الإمام عمرو بن العاص؛ كما رشحه علمه وورعه أن يتولى القضاء، وأنه أفتى ببيع السادة المماليك. وقد تم ذلك، ونودي ببيعهم على رءوس الأشهاد، صغيرهم وكبيرهم، ووضعت الأموال أثمانهم في بيت المال، خزانة المالية وقتئذ؟ ذلك ما حدث لا ريب فيه، وقد سجله التاريخ. إن علي الله أن تبايعا … تؤخذ كرهًا أو تجيء طائعا ١٠ بعض انواع البدل لا بد فيه من ضمير يربطه بالمتبوع، اذكر ذلك النوع، وهل هنالك ما يغني عن الضمير في الربط؟ وضح ذلك بأمثلة من إنشائك. ١١ أعرب البيت الآتي واشرحه، وبين الشاهد فيه. ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل … عفاف وإقدام وحزم ونائل

стр. 1066

باب: النداء (١) وفيه فصول الفصل الأول: في الأحرف التي ينبه بها المنادى، وأحكامها وهذه الأحرف ثمانية: الهمزة و"أي" مقصورتين وممدودتين (٢)، و"يا"، و"أيا"، و"هيا"، و"وا". فالهمزة المقصورة للقريب (٣)؛ إلا إن نزل منزلة البعيد (٤)؛ فله بقية الأحرف، كما أنها للبعيد الحقيقي. وأعمها "يا"؛ فإنها تدخل على كل نداء (٥). وتتعين في نداء اسم الله تعالى (٦)، وفي باب الاستغاثة؛ نحو: يا لله للمسلمين، وتتعين هي، أو "وا" في باب الندبة، و"وا" أكثر استعمالًا منها في ذلك الباب؛ وإنما تدخل "يا" إذا أمن اللبس (٧)؛ باب النداء وفيه فصول: (١) النداء معناه لغة: الطلب وتوجيه الدعوة بأي لفظ كان. واصطلاحًا: طلب المتكلم إقبال المخاطب إليه بالحرف "يا"، أو إحدى أخواتها، سواء كان الإقبال حقيقيًا، أو مجازيًا يقصد به طلب الاستجابة؛ كنداء الله . (٢) تقول في حالة القصر: أمحمد؛ أي محمد، وفي حالة المد: آمحمد؛ أي محمد. أما بقية الأحرف فممدودة. (٣) أي للمخاطب القيب في المكان من الداعي، حسيًا كان أو معنويًا؛ نحو: أرب الكون ما أعظم قدرتك! ومثلها "أي" عند المبرد. وقال ابن مالك: هي لنداء البعيد كيا. (٤) وذلك بسبب نوم، أو سهو، أو ارتفاع مكانة؛ كنداء العبد لربه، أو انخفاضها؛ كالعكس. أما الهمزة الممدودة فللبعيد؛ لأنه يحتاج إلى مد الصوت ليسمع النداء. (٥) سواء كان خالصًا من الندبة والاستغاثة، أم مصحوبًا بهما؛ ولهذا لا يقدر غيرها عند الحذف. وهي لنداء البعيد عند جمهور النحاة. (٦) أي في لفظ الجلالة "الله"، وكذلك في نداء لفظ "أيها" و"أيتها"؛ إذ لم يرد عن العرب نداء هذه الأشياء بحرف آخر. (٧) فلا يلتبس المندوب بغير المندوب.

стр. 1067

كقوله: وقمت فيه بأمر الله يا عمرا (١) (١) عجز بيت من البسيط لجرير، يرثي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁، وصدره: حملت أمرًا عظيمًا فاصطبرت له وقبله: نعى النعاة أمير المؤمنين لنا … يا خير من حج بيت الله واعتمرا وبعده: فالشمس طالعة ليست بكاسفة … تبكي عليك نجوم الليل والقمرا اللغة والإعراب: حملت: كلفت. أمرًا عظيمًا: هو الخلافة وتبعاتها الشاقة. اصطبرت: بالغت في الصبر والاحتمال. "حملت" فعل ماض للمجهول، والتاء نائب فاعل مفعول أول. "أمرا" مفعول ثان. "فاصطبرت" معطوف على حملت. "لها" جار ومجرور في محل نصب مفعول اصطبرت. "يا عمرًا" يا حرف نداء وندبة، "عمرا" منادى مندوب مبني على ضم مقدر على آخر، منع من ظهوره الفتحة العارضة لمناسبة ألف الندبة. والمعنى: كلفت الخلافة وعهد إليك بشئون المسلمين، في وقت عم فيه الظلم وفشا الجور؛ فصبرت على تلك المشاق، وقمت بما أمرك الله، فقضيت على الفساد ونشرت العدل بين الناس، فأرضيت الخلق والخالق. والشاهد: استعمال "يا" للندبة لأمن اللبس؛ فإن صدور ذلك بعد موت عمر، دليل على أن المقصود الرثاء والتوجع، لا النداء، وكذلك اتصال ألف الندبة في آخره دليل على أنه أراد الندبة لا النداء. وفي بيان أدوات النداء، ومواضع استعمالها، يقول الناظم: وللمنادى الناء أو كالناء "يا" … و"أي" و"آ" كذا "أيا" ثم "هيا" والهمز للداني و"وا" لمن ندب … أو "يا" وغير "وا" لدى اللبس اجتنب* أي أنه يستعمل للمنادى النائي؛ أي البعيد، أو ماي يشبهه مما ذكرناه، هذه الأحرف الخمسة التي سردها، وأن الهمزة تستعمل لنداء الداني؛ أي القريب، وأن "وا" للمندوب، وكذلك "يا"، بشرط أمن اللبس، فإن خيف لبس بالمنادى، تعينت "وا" كما إذا كنت تندب شخصًا اسمه "علي"، وبحضرتك مسمى بهذا الاسم؛ فإنه لو أتي بيا احتمل نداء الحاضر. هذا: ويجوز نداء القريب بما للبعيد؛ لعلة بلاغية؛ كالتوكيد، والحث على الإصغاء.

стр. 1068

ويجوز حذف الحرف (١)؛ نحو: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾، ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾، ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّه﴾ (٢). إلا في ثمان مسائل: المندوب (٣)؛ نحو: يا عمرا. والمستغاث (٤)؛ نحو: يا لله. والمنادى البعيد؛ لأن المراد فيهن إطالة الصوت والحذف ينافيه. واسم الجنس غير المعين (٥)؛ كقول الأعمى: يا رجلا خذ بيدي والمضمر (٦)، ونداؤه شاذ، ويأتي على صيغتي المنصوب والمرفوع، كقول بعضهم: يا إياك قد كفيتك (٧)، وقول الآخر: ويمتنع العكس إلا في حالة التنزيل المذكور. (١) أي لفظا فقط، مع مراعاة تقديره، ويتعين تقديره "يا" عند الحذف كما أسلفنا؛ لأنها تستعمل في جميع أنواع المنادى. (٢) أي بتقدير حرف النداء "يا" في الجميع. وقد مثل بثلاثة أمثلة للمنادى: المفرد، والشبيه به، والمضاف. وقيل: أن ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ مفعول ﴿أَدُّوا﴾، ومضاف إليه، ولا شاهد فيه حينئذ. (٣) وهو المتفجع عليه، أو المتوجع منه، وسيأتي إيضاحه في بابه. (٤) وهو من ينادي ليخلص من شدة، أو يساعد في دفعها، وقريبًا نوضحه في مكانه، ومنه المتعجب منه، نحو: يا للماء! إذا تعجب من كثرته. (٥) هو: النكرة غير المقصود؛ لأنها غير متهيئة فتحتاج إلى زيادة تنبيه. (٦) المراد ضمير المخاطب؛ لأن غيره لا ينادي مطلقاً؛ فلا يقال: يا أنا، ولا يا هو. وإنما امتنع الحذف لأن حذف الحرف معه يفوت الدلالة على النداء. (٧) قيل: إن الأحوص اليربوعي وفد مع ابنه على معاوية، فقام الأب فخطب؛ فلما انتهى قام الابن ليخطب فقال له الأب ذلك؛ أي قد أغنيتك عن القول. وبعضهم أعرب "يا" للتنبيه، و"إياك" مفعول لفعل محذوف يفسره "كفيتك" المذكور، ويكون من باب الاشتغال، ولا شاهد فيه.

стр. 1069

يا أبجر بن أبجر يا أنتا (١) واسم الله تعالى إذا لم يعوض في آخره الميم المشددة (٢) وأجازه بعضهم، وعليه قول أمية بن أبي الصلت: رضيت بك اللهم ربا فلن أرى … أدين إلهاً غيرك الله راضياً (٣) (١) صدر بيت من الرجز، نسبة العيني للأحوص اليربوعي، وصوب بعضهم: أنه لسالم بن دارة، في مر بن واقع، وصدره: يامريا بن واقع يا أنتا والعجز في الحالتين: أنت الذي طلقت عام جعتا اللغة والإعراب: الأبجر: المنتفخ البطن. طلقت: فارقت حلائلك. عام جعتا: أي في الوقت الذي وقعت فيه المجاعة. "يا" للنداء. "أبجر" الجر بالفتحة لوزن الفعل، ولكنه صرف لضرورة الوزن. "يا" للنداء. "أنتا" منادى مبني على ضم مقدر منع منه حركة البناء الأصلي، والألف للإطلاق. "أنت الذي" مبتدأ وخبر. "طلقت" الجملة صلة الذي. "عام" ظرف متعلق بطلقت. "جعتا" الجملة في محل جر بإضافة عام. والمعنى: يذم المخاطب بقوله: يا عظيم البطن، وابن عظيمها، أنت الذي فارقت زوجاتك حين لم تجد ما تسد به رمقك، وتملأ به كرشك، وأبيت السعي لجلب رزقهن. والشاهد: في "يا أنتا" حيث نادى الضمير الذي في موضع الرفع. وقيل: إن "يا" للتنبيه، و"أنت" الأولى مبتدأ، والثانية توكيد، والموصول خبر، ولا شاهد فيه. (٢) لأن نداءه على خلاف الأصل، لوجود "أل" فيه؛ فلو حذف حرف النداء من غير تعويض، لم يدم عليه دليل، فإن عوض فالحذف واجب، كما سيأتي. (٣) بيت من الطويل، من قصيدة طويلة في سيرة ابن هشام. وأمية هذا: شاعر ثقفي مشهور في الجاهلية، كان عالما بالأخبار، وقد قرأ كثيرًا من الكتب، وعلم أن الله سيرسل رسولًا في ذلك الوقت، فرجا أن يكون هو الرسول؛ فلما بعث النبي ﵇ حسده وكذبه، ولم يوفق للإيمان به. وقيل: إنه هو الذي نزل فيه في سورة الأعراف قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾.

стр. 1070

واسم الإشارة، واسم الجنس لمعين (١) خلافاً للكوفيين فيهما (٢)؛ احتجوا بقوله: بمثلك هذا لوعة وغرام (٣) اللغة والإعراب: أدين: أتخذ دينًا؛ من دان بالشيء: أتخذه دينا. "اللهم" منادى مبني على الضم، والميم المشددة عوض عن حرف النداء المحذوف. "ربا" مفعول رضيت، أو تمييز، أو حال من لفظ الجلالة. "فلن" الفاء للتفريع، و"لن" حرف نفي ونصب. "أرى" فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل أنا. "أدين" فعل مضارع ارتفع بعد حذف الناصب، وأصله: أن أدين، على حد: "تسمع بالمعيدي". "الهاء" مفعوله. "غيرك" غير صفة لإله، والكاف مضاف إليه. "الله" منادى بحذف حرف النداء بدون تعويض، على رأي. "راضيا" حال من فاعل رضيت، أو أدين، أو هو مفعول مطلق لرضيت على حد، قم قائما؛ أي قياما. والمعنى: رضيت رضا ربا يا الله، فلن أرى أن أتخذ إلها غيرك أعبده وأدين له. والشاهد: في قوله "الله" حيث أعرب منادى مع حذف حرف النداء، وبدون تعويض بالميم المشددة، وذلك ممنوع، كما أنه يجب حذف الحرف معه إذا لحقته الميم؛ لأنه لا يجمع بين العوض والمعوض، وهذا هو القياس. وما جاء على غير ذلك فهو مخالف للقياس. (١) المراد به: النكرة المقصودة المبنية على الضم عند ندائها. وعلة امتناع الحذف عندهم: أن حرف النداء في اسم الجنس كالعوض عن أداة التعريف؛ فلا يحذف كما لا تحذف. وكذلك اسم الإشارة. (٢) فقد أجازوا نداء اسم الإشارة على قلة؛ بشرط ألا تتصل به كاف الخطاب، إلا في الندبة؛ فيصح، فإن اتصلت به الكاف ففي جواز ندائه خلاف؛ والصحيح المنع لاستلزامه اجتماع النقيضين؛ لأن مدلول كاف الخطاب يخالف مدلول المنادى. وكذلك يجوز نداء اسم الجنس المعين قليلا. (٣) عجز بيت من الطويل، من قصيدة لذي الرمة، غيلان بن عقبة، وصدره: إذا هملت عيني لها قال صاحبي ومطلع القصيدة: عليكن يا أطلال مي بشارع … على ما مضى من عهدكن سلام اللغة والإعراب: هملت العين: فاض دمعها وسال. لوعة: اللوعة: حرقة في القلب؛

стр. 1071

وقولهم: أطرق كرا (١)، وافتد مخنوق (٢)، وأصبح ليل (٣). وذلك عند البصريين ضرورة وشذوذ (٤). من ألم الحب والهوى، أو الحزن. غرام: ولوع وشدة رغبة. "إذا" شرطية. "هملت" فعل الشرط، والتاء للتأنيث. "عيني" فاعله. "لها" متعلق بهملت، واللام للتعليل؛ أي لأجل المحبوبة. "قال" فعل ماض، جواب الشرط. "صاحبي" فاعله مضاف للياء. "بمثلك" جار ومجرور خبر مقدم. "هذا" ها للتنبيه، و"ذا" اسم إشارة منادى على حذف حرف النداء. "لوعة" مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب مقول القول. "وغرام" معطوف على لوعة. والمعنى: كلما بكى وانهمر دمعه عند تذكر محبوبته، قال له صاحبه: يا هذا: إنك شديد الحب لها، والغرام بها. وهو لا يستطيع أن يعمل له شيئاً يخفف من لوعته وغرامه، ويذهب عنه بعض ألامه. الشاهد: نداء اسم الإشارة، وهو "هذا" مع حذف النداء، على رأي الكوفيين. (١) هذا جزء من مثل، وتمامه: إن النعام في القرى، وهو مثل يضرب لمن تكبر وقد تواضع من هو أحسن وأشرف منه؛ أي أخفض يا كرا عنقك للصيد؛ فإن من هو أكبر وأطول عنقا منك -وهو النعام- قد صيد وجيء به من مكانه إلى القرى. وأصله: يا كروان؛ فرخم بحذف النون والألف، كما سيأتي إيضاحه، ثم قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وشذوذه من وجهين: حذف حرف الناء، وترخيمه. (٢) مثل يضرب لكل مضطر وقع في شدة وضيق، وهو يبخل بافتداء نفسه بشيء من ماله؛ أي افتد نفسك يا مخنوق. (٣) مثل يضرب لمن يظهر الكراهة والبغض للشيء، أي: لتذهب أيها الليل بهمومك، وليأت الصبح بديلًا عنك؛ فقد حذف حرف النداء في هذه الأمثلة، مع أن المنادى اسم إشارة في المثال الأول، واسم جنس في الأخيرين. وبذلك احتج الكوفيون على الجواز، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾، على أن هؤلاء اسم إشارة منادى. (٤) أي: ضرورة إذا وقع في النظم، وشذوذ إذا ورد في النثر، ومن ذلك قول المتنبي: هذي برزت لنا فهجت رسيسا … ثم انصرفت وما شفيت نسيسا أي: يا هذي. وقيل: المتنبي كوفي؛ فجاء كلامه على مذهبهم. ومعنى هجت: أثرت.

стр. 1072

الفصل الثاني: في أقسام المنادى وأحكامه المنادى على أربعة أقسام: أحدها: ما يجب فيه أن يبنى على ما يرفع به (١) لو كان معرباً، وهو ما اجتمع فيه أمران: أحدهما: التعريف؛ سواء كان ذلك التعريف سابقًا على النداء؛ نحو: يا زيد، أو رسيسا: هما. نسيسا: بقية نفس. أما الآية فمؤولة على أن ﴿هَؤُلاءِ﴾ بمعنى الذين، وهو خير عن ﴿أَنْتُمْ﴾، أو بالعكس، وجملة ﴿تَقْتُلُونَ﴾ صلة، أو أن ﴿هَؤُلاءِ﴾ اسم إشارة وجملة ﴿تَقْتُلُونَ﴾ حال. وقد اقتصر الناظم في مواضع الحذف على قوله: وغير مندوب ومضمر وما … جا مستغاثًا قد يعرى فاعلما وذاك في اسم الجنس والمشار له … قل ومن يمنعه فانصر عاذلة* أي: قد يعرى -أي يتجرد- المنادى من حرف النداء، إذا كان المنادى غير مندوب، وغير مضمر، وغير مستغاث. وحذف حرف النداء قليل في اسم الجنس المعين، والمشار له، أي اسم الإشارة، بشرط خلوة من مضيره المخاطب، وقد منعه كثير من النحاة، ومن يمنع ذلك فانصر لائمه؛ لأنه لا حجة له في المنع، فقد وردت أمثلة كثيرة عن العرب تكفي للقياس عليه. (١) فيبنى على الضم الظاهر أو المقدر في: المفرد الحقيقي، وما يلحق به؛ كأسماء الإشارة، والأسماء الموصولة غير المبدوءةبأل، وفي جمع التكسير، وجمع المؤنث السالم، وعلى الألف في المثنى، وعلى الواو في جمع المذكر السالم. وعلل النحويون البناء بمشابهة الكاف الاسمية في نحو: "أدعوك"؛ خطابًا، وإفراد، وتعريفًا، وهذه تشبه الكاف الحرفية لفظا ومعنى، فهو مشبه للحرف بالواسطة.

стр. 1073

عارضاً في النداء بسبب القصد والإقبال (١)؛ نحو: يا رجل، تريد به معيناً. والثاني: الإفراد، ونعني به ألا يكون مضافاً، ولا شبيهاً به، فيدخل في ذلك: المركب المزجي (٢)، والمثنى، والمجموع (٣)، نحو: يا معد كرب، ويا زيدان، ويا زيدون، ويا رجلان، ويا مسلمون، ويا هندات (٤). وما كان مبنياً قبل النداء؛ كسيبويه، وحذام، في (١) أي قصد المنكر بعينه، مما يزيل عنه الإبهام، وإقبال المتكلم عليه وإلقائه الكلام نحوه، فالعلم المفرد بعد النداء معرفة من غير شك، سواء كان التعريف سابقًا على النداء، وهو الأرجح، أو تجدد بسبب النداء. والنكرة المقصودة هي: التي تستفيد التعريف من النداء، وحكمها البناء على الضمة أو ما ينوب عنها، في محل نصب، فهي كالمفرد العلم في ذلك، بشرط أن تكون مفردة، وغير موصوفة قبل النداء، كما سيأتي. (٢) وكذلك العددي؛ كخمسة عشر، والإسنادي؛ كفتح الله. ويبنى المزجي على ضم الجزء الثاني، وكذلك الإسنادي، والعددي على فتح الجزأين. (٣) قال الصبان: الظاهر أن نحو: يا زيدان، ويا زيدون، من النكرة المقصودة لا من العلم، وأن العلمية زالت؛ إذ لا يثنى العلم، ولا يجمع، إلا بعد اعتبار تنكيره؛ ولهذا دخلت عليهما أل، فتعريفهما بالقصد والإقبال. (٤) الأول مبني على ضم الجزء الثاني، والأخير كذلك؛ لأنه جمع مؤنث، والباقي على الألف والواو، والجميع في محل نصب؛ لأن المنادى بمنزلة المفعول به. وقد اختلف في ناصبه؛ فعند سيبويه والجمهور: أن الناصب له فعل مضمر وجوبًا، وحذف لكثرة الاستعمال، فنابت عنه "يا"، أو إحدى أخواتها، وصار المفعول به منادى مبنيًا على الضم في محل نصب؛ فأصل يا محمد: أدعوا محمدًا؛ حذف الفعل، ونابت منابه "يا". ويرى المبرد والفارسي: أن النصب بحرف النداء الذي سد مسد الفعل المستتر، وقد استتر الفاعل فيه، والمنادى مشبه بالمفعول به. ويعتبر النحاة حرف النداء مع المنادى جملة فعلية إنشائية للطلب، على الرغم من أنها قبل النداء خبرية.

стр. 1074

لغة أهل الحجاز قدرت فيه الضمة (١). ويظهر أثر ذلك في تابعه؛ فتقول: يا سيبويه العالم، برفع العالم ونصبه (٢)، كما تفعل في تابع ما تجدد بناؤه؛ نحو: يا زيد الفاضل، والمحكي كالمبنى (٣)؛ تقول: يا تأبط شرًا المقدام أو المقدام. (١) أي كما تقدر في المعتل؛ كفتى، وقاض. (٢) الرفع مراعاة للضم المقدر، والنصب مراعاة للمحل. ولا يجوز الجر مراعاة للكسر؛ لأنها حركة بناء. ويقال في إعرابه: مبني على ضم مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة البناء الأصلي، في محل نصب، "وسيبويه" منادى مبني على ضم مقدر، منع منه اشتغال المحل بحركة البناء الأصلي، في محل نصب. (٣) أي يبنى على مقدر، منع من ظهوره حركة الحكاية، في محل نصب، ويرفع تابعه وينصب على النحو المبين في المبني. وإذا نودي المنقوص؛ كقاض، حذف تنوينه ورجعت الياء، وبني على ضم مقدر عليها، وإذا نودي: أثنا عشر، واثنتا عشرة -علمين- جاز أن يقال: يا اثنا عشر، ويا اثنتا عشرة، بالبناء على الألف، وتبقى عشر وعشرة مبنية على الفتح؛ لأنها بمنزلة نون المثنى، وهمزتها للقطع ما داما علمين. ويجوز أن يقال: يا اثني عشر، ويا اثنتي عشرة، بالنصب بالياء، واعتبار عشر وعشرة بمنزلة المضاف إليه صورة، وقد أشار الناظم إلى القسم المتقدم بقوله: وابن المعرف المنادى المفردا … على الذي في رفعه قد عهدا وانو انضمام ما بنو قبل الندا … وليجر مجرى ذي بناء جدد* أي ينبغي أن يبنى المنادى المفرد المعرف، وأن يكون بناؤه على العلامة المعهودة فيه

стр. 1075

و الثاني: ما يجب نصبه وهو ثلاثة أنواع: أحدها: النكرة غير المقصودة (١)؛ كقول الواعظ: يا غافلاً والموت يطلبه (٢)، وقول الأعمى: يا رجلاً خذ بيدي، وقول الشاعر: أيا راكباً إما عرضت فبلغن (٣) في حالة رفعه قبل النداء؛ فما علامته الضمة يبنى عليها، وما علامته الألف؛ كالمثنى، أو الواو؛ كجمع المذكر، يبنى عليهما. ومثل المفرد العلم: النكرة المقصودة؛ لأنها عرفت بالنداء كما بينا. وما كان من الأسماء مبنيًا قبل النداء، يجب تقدير بنائه على الضم، وإجراؤه مجرى المعرب الذي زال إعرابه وتجدد بناؤه بالنداء، أو مجرى المبني الذي زال بناؤه القديم، وحل محله بناء جديد؛ وذلك بأن يتبع بالرفع مراعاة للضم المقدر فيه، وبالنصب مراعاة للمحل، على النحو الذي شرحناه. (١) أي الباقية على إبهامها وشيوعها، ولا تدل على فرد معين مقصود بالمناداة، وتسمى: اسم الجنس غير المعين. (٢) هذا إذا جعلت الواو استئنافية؛ فإن جعلت حالية كان من أمثلة الشبيه بالمضاف؛ لعمله النصب في الجملة التي هي حال من ضمير "غافلا" المستقر فيه. (٣) صدر بيت من الطويل، لعبد يغوث بن وقاص الحارثي، أحد شعراء الجاهلية، من قصيدة ينوح فيها على نفسه، عندما أسرته تيم الرباب في يوم الكلاب الثاني، وعجزه: نداماي من نجران أن لا تلاقيا ومطلع القصيدة: ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا … فما لكما في اللوم خير ولا ليا اللغة والإعراب: عرضت: أي ظهرت، وقيل معناه: أتيت العروض، والعروض: اسم لمكة والمدينة وما حولهما، نداماي: جمع ندمان، وهو المؤنس في مجلس الشراب. نجران: بلد باليمن. "أيا" حرف نداء. "راكبا" منادى منصوب. "أما" إن شرطية مدغمة في "ما" الزائدة. "عرضت" فعل الشرط. "فبلغن" الفا واقعة في جواب الشرط. وبلغن فعل أمر

стр. 1076

وعن المازني أنه أحال وجود هذا القسم. الثاني: المضاف (١)؛ سواء كانت الإضافة محضة؛ نحو: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾، أو غير محضة؛ نحو: يا حسن الوجه. وعن ثعلب إجازة الضم في غير المحضة (٢). الثالث: الشبيه بالمضاف، وهو ما اتصل به شيء من تمام معناه (٣)؛ نحو: يا حسناً مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة. "نداماي" مفعوهل منصوب بفتحة مقدرة على الألف، وهو مضاف إلى ياء المتكلم. "من نجران" متعلق بمحذوف حال من الندامي، ونجران ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. "أن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. "لا" نافية للجنس. "تلاقيا" اسمها والألف للإطلاق، والخبر محذوف، والجملة في محل رفع خبر "أن" المخففة، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر، مفعول ثان لبلغن. والمعنى: يندب الشاعر حظه وينادي الركبان، وهو في الأسر؛ فيقول: إذا بلغتم العروض فبلغوا ندمائي ورفاقي، وأهلي وأحبابي، أنه لا تلاقي بيننا، فنحن في الأسر لا ندري ما الله صانع بنا. والشاهد: في قوله "فيا راكبا"؛ فهو منادى منصوب لأنه نكرة غير مقصودة؛ فإن الشاعر لا يقصد راكباً معيناً. وفي هذا وأمثاله رد على المازني الذي زعم استحالة وجود هذا النوع؛ بدعوى أن نداء غير المعين لا يمكن، وقال: إن التنوين في ذلك شاذ أو ضرورة. (١) بشرط أن تكون إضافته لغير ضمير لمخاطب غير المضاف. (٢) حجته: أن الإضافة فيها في نية الانفصال. ورد بأن علة البناء مشابهة الضمير، وهي مفقودة هنا: لإن الصفة المضافة إلى معمولها ليست بهذه المنزلة، ولم يسمع عن العرب ما يسيغ ذلك. وقد تفصل لام الجر الزائد بين المنادى المضاف، والمضاف إليه، في الضرورة الشعرية؛ كقول سعيد بن مالك: يا بؤس للحرب التي … وضعت أراهط فاستراحوا (٣) أي جاء بعده معمول يتمم معناه؛ سواء كان هذا المعمول مرفوعا به، أم منصوبا، أم مجرورا بالحرف، والجار والمجرور متعلقان بالمنادى، أم معطوفا على المنادى قبل النداء، ومنه النكرة الموصوفة عند كثير من النحاة؛ سواء وصفت بمفرد أو بغيره؛ نحو: يا حليمًا لا يعجل؛ لأنه قد اتصل بهما شيء تمم معناها.

стр. 1077

وجهه، ويا طالعا جبلاً، ويا رفيقاً بالعباد، ويا ثلاثة وثلاثين، فيمن سميته بذلك (١). ويمتنع إدخال "يا" على ثلاثين (٢)، خلافاً لبعضهم. فإن ناديت جماعة هذه عدتها؛ فإن كانت غير معينة، نصبتهما أيضاً (٣)، وإن كانت معينة، ضممت الأول (٤)، وعرفت الثاني بأل (٥)، ونصبته أو رفعته (٦)، إلا أن أعيدت معه "يا"؛ فيجب ضمه وتجريده من أل (٧). ومنع ابن خروف (٨) إعادة "يا"، وتخييره في إلحاق أل مردود (٩). و الثالث: ما يجوز ضمه وفتحه وهو نوعان: (١) أي: قبل النداء، وهذا مثال للمنادى المعطوف عليه قبل النداء؛ وإنما وجب نصبها للطول؛ أما الأول فلشبهه بالمضاف؛ لأن الثاني معمول له لوقوع التسمية بهما، وأما الثاني فبالعطف بالواو. (٢) لأنه جزء علم؛ كشمس، من عبد شمس، وقيس، من عبد قيس، أما المخالف فقد نظر إلى الأصل. (٣) أي ما دمت تريد المجموع؛ أما الأول فلأنه نكرة غير مقصودة، وأما الثاني فللعطف. (٤) لأنه نكرة مقصودة، ما دمت أردت به جماعة معينة. (٥) لأنه اسم جنس أريد به معين أيضاً؛ فتدخل عليه "أل" لتفيده التعريف، ولم يكف تعريف النداء؛ لأن "يا" لم تدخل عليه مباشرة. (٦) أي: عطفا على محل المتبوع أو لفظه، من غير مراعاة لبنائه. (٧) أما الضم فلأنه نكرة مقصودة. والمقصود بالضم: البناء على ما يرفع به. وأما تجريده من "أل"؛ فلأن "يا" لا تجامع أل إلا في مواضع ستأتي، وليس هذا منها. (٨) انظر صفحة "٧٤"، جزء ثان. (٩) قوله: مردود، خبر منع. ووجه الرد على الشطر الأول أن الثاني ليس بجزء علم حتى تمتنع معه "يا"، وعلى الشطر الثاني: أن اسم الجنس أريد به معين؛ فيجب تعريفه بأل لا التخيير، وإلى هذا القسم أشار الناظم بقوله:

стр. 1078

أحدهما: أن يكون علماً مفرداً (١)، موصوفاً بابن، متصل به، مضاف إلى علم (٢)؛ نحو: يا زيد بن سعيد (٣). والمختار عند البصريين -غير المبرد- الفتح، ومنه قوله: يا حكم بن المنذر بن الجارود (٤) والمفرد المنكور والمضافا … وشبهه أنصب عادماً خلافا* أي: إذا كان المنادى مفردا نكرة غير مقصودة، أو كان مضافا، أو مشبها به، فانصبه بغير خلاف في ذلك. ولم يعتد الناظم برأي ثعلب المخالف؛ لضعفه. (١) فلا يكون مثنى ولا مجموعا، وأن يكون آخره مما يقبل الحركة؛ فلا يكون معتل الآخر؛ فنحو: يا موسى بن محمد، يتعين فيه الضم. (٢) سواء كان كل من العلمية: اسما، أو كنية، أو لقبا. ومتى اجتمعت هذه الشروط في نداء أو غيره، وجب حذف همزة الوصل وألفها من ابن وابنة كتابة ونطقا، إلا لضرورة الشعر أو وقوع إحداهما في أول السطر، فتثبت حينئذ كتابة. انظر صفحة ١٣٣، باب العلم، من الجزء الأول. (٣) فيجوز في "زيد" البناء على الضم في محل نصب على الأصل؛ لأنه مفرد علم، وعلى الفتح في محل نصب أيضاً؛ إما لتركيبه مع الصفة وجعلهما شيئًا واحدًا كخمسة عشر، أو على الإتباع لفتحه "ابن"؛ لأن الحاجز بين آخر المنادي وآخر صفته حرف واحد ساكن، فالفصل به كلا فصل؛ لأنه حاجز غير حصين. ويقال في إعرابه: مبني على ضم مقدر منع من ظهوره فتحه الإتباع في محل نصب، وكلمة "ابن" صفة منصوبة باعتبار المحل، ويجوز من ظهوره فتحة الإتباع في محل نصب، وكلمة "ابن" صفة منصوبة باعتبار المحل، ويجوز أن يكون المنادى معربا منصوباً مضافا إلى سعيد، وكلمة "ابن" مقحمة بين المضاف والمضاف إليه، لا توصف بإعراب ولا بناء ولا محل لها، ولا شك أن هذا تكلف لا مبرر له. (٤) صدر بيت من الرجز، نسبه الجوهري لرؤبة، ونسبه غيره لرجل من بني الحرماز، يمدح الحكم بن المنذر العبدي، أمير البصرة، على عهد هشام بن عبد الملك، وعجزه:

стр. 1079

ويتعين الضم في نحو: يا رجل ابن عمرو، ويا زيد ابن أخينا؛ لانتفاء علمية المنادى في الأولى؛ وعلمية المضاف إليه في الثانية، وفي نحو: يا زيد الفاضل ابن عمرو؛ لوجود الفصل، وفي نحو: يا زيد الفاضل؛ لأن الصفة غير "ابن"، ولم يشترط ذلك (١) الكوفيون، وأنشدوا: بأجود منك يا عمر الجوادا (٢)، بفتح عمر. ساردق المد عليك ممدود اللغة والإعراب: الجارود: لقب الجد الممدوح، قيل: لقب بذلك لأنه أغار على قوم فاكتسح أموالهم، فشبهوه بالسيل الشديد الذي يجرف أمامه كل شيء. سرادق. هو ما يمد فوق صحن الدار. المجد: علو المنزلة وسمو القدر. "يا" حرف نداء. "حكم"منادى، وقد ورد بالفتح، فهو مبني على ضم مقدر في محل نصب منع منه حركة الإتباع، أو على الفتح لتركيبه مع "ابن" صفة للحكم على اللفظ أو المحل. "المنذر" مضاف إليه. "ابن" الثانية مجرورة صفة المنذر. "الجارود" مضاف إليه وسكن للوقف. "سرادق المجد" مبتدأ ومضاف إليه. "ممدود" خبر. والمعنى: أن الممدوح ذو شرف وسيادة، وقد جعل المجد ذا سرادق منصوب عليه، على سبيل الاستعارة بالكناية. والشاهد: فتح "حكم" على الرواية، ويجوز الضم. وقد اشترط في جواز الوجهين: كون الابن صفة؛ فلو -جعل بدلا، أو عطف بيان، أو منادى حذف منه حرف النداء، أو -مفعولا- بفعل محوذف تقديره: أعني ونحوه، تعين الضم. (١) أي كون الوصف "ابنا". وحجتهم: أن علة الفتح التركيب. وقد جاء في باب "لا" نحو: لا رجل ظريف، بفتحهما فيجوز هنا. (٢) عجز بيت من الوافر الجرير، من قصيدة يمدح فيها عمر بن عبد العزيز، وصدره: فما كعب بن مامة وابن سعدى ومطلع القصيدة: أبت عيناك بالحسن الرقادا … وأنكرت الأصادق والبلادا اللغة والإعراب: كعب بن مامة: هو كعب الأيادي: الذي يضرب به المثل في الإيثار؛ لأنه آثر رفيقه في السفر بالماء حتى مات عطشا، ومامة: اسم أمه، وابن سعدى: هو أوس

стр. 1080

والوصف بابنة كالوصف بابن؛ نحو: يا هند بنت عمرو. ولا أثر للوصف ببنت؛ فنحو: يا هند بنت عمرو، واجب الضم (١). الثاني: أن يكرر (٢) مضافاً؛ نحو: يا سعد سعد الأوس؛ فالثاني واجب النصب، ابن حارثة الطائي الجواد المشهور، وسعدى: اسم أمه. "فما" ما نافية حجازية. "كعب" اسمها. "ابن مامة" ابن صفة، ومامة مضاف إليه ممنوع الصرف للعلمية والتأنيث، وابن أروى معطوف على سابقة ومضاف إليه. "بأجود" خبر. "ما" على زيادة الباء. "يا عمر" يا للنداء، وعمر منادى مبنى على الفتح، أو على ضم مقدر منه من ظهوره فتح الإتباع. "الجواد" صفة. والمعنى: واضح. والشاهد: أن "عمر" منادى مبني على الفتح، وقد وصف بغير "ابن"؛ وهو الجوادا، على رأي الكوفيين؛ بدليل قوافي القصيدة، ويحمله البصريون على أن "عمر" حذفت منه الألف. وأصله "يا عمر" فهو كالمندوب، والألف المحذوفة كألف الندبة والفتحة فتحة المناسبة، لا حركة العامل، وهو تكلف بعيد. (١) ويمتنع الفتح لتعذر الإتباع، لأن بينهما حاجزا حصينا وهو تحرك الباء. وقد أشار الناظم إلى هذا النوع بقوله: ونحو "زيد" ضم وافتحن من … نحو "أزيد بن سعيد" لا تهن والضم إن لم يل الابن علما … أو يل الابن علم قد حتما أي أنه إذا كان المنادى علما مفردا، موصوفا بكلمة ابن أو ابنة مضافيين إلى علم، جازف فيه البناء على الضم والفتح. ولم يذكر المصنف هذه الشروط اكتفاء بالمثال، وقد بينت بإيضاح. والضم محتوم. ويمتنع الفتح إن لم يقع "ابن" بعد علم، أو لم يقع بعده علم، وباقي المحترزات بينها المصنف. (٢) أي المنادى المفرد المعرفة؛ سواء كان علما أم اسن جنس، وفي التمثيل بـ"سعد سعد

стр. 1081

والوجهان في الأول؛ فإن صممته (١)، فالثاني بيان أو بدل، أو بإضمار "يا"، أو "أعني" (٢). وإن فتحته؛ فقال سيبويه: مضاف لما بعد الثاني، والثاني مقحم بينهما (٣). وقال المبرد: مضاف لمحذوف مماثل لما أضيف إليه الثاني (٤). وقال الفراء: الاسمان مضافان للمذكور (٥)، وقال بعضهم: الاسمان مركبان تركيب الأوس "إشارة إلى بيت من أبيات من الطويل، قيل: إن هاتفا هتف بها في أهل مكة قبل إسلام سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة؛ وهي: فإن يسلم السعدان يصبح محمد … بمكة لا يخشى خلاف المخالف أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصراً … ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا … على الله في الفردوس منية عارف وسعد الأوس هو: سعد بن معاذ ﵁، وسعد الخزرج هو: سعد بن عبادة. (١) أي: لأنه مفرد معرفة، يبنى على الضم في محل نصب. (٢) أي أنه مفعول به لفعل محذوف تقديره: أعني، فهو كالنعت المقطوع إلى النصب. (٣) أي متوسط بين المتضايفين. ونصبه؛ إما لأنه توكيد لفظي للأول، ولم ينون لقصد المشاكلة بين الاسمين، أو فتحته فتحة إتباع للأول. وقيل: هو زائد؛ على القول بزيادة الأسماء زيادة مطلقة لا توصف فيها بإعراب ولا بناء، والفصل جائز بين المتضايفين، وفتحته أيضاً فتحة إتباع للأول. (٤) ويكون نصب الثاني حينئذ على أحد الأوجه المذكورة عند ضم الأول؛ وهو أن يكون منادى، أو عطف بيان، أو بدلا .. إلخ. والأصل: يا سعد الأوس سعد الأوس؛ فحذفت من الأول لدلالة الثاني عليه. (٥) وهو رأي ضعيف؛ لأن فيه توارد عاملين على معمول واحد.

стр. 1082

خمسة عشر ثم أضيفا (١). (١) وتكون فتحة الثاني على هذا فتحة بناء. وقد أشار الناظم إلى هذا النوع ببيت سيأتي في آخر فصل تابع المنادى، وهو: في نكو سعد سعد الأوس ينتصب … ثان وضم وافتح أولاً تصب* أي: في مثل يا سعد سعد الأوس، مما وقعت فيه المنادى مفردا مكررا، والثاني مضاف، يجب نصب الثاني منهما، أما الأول فيجوز فيه الضم والفتح على النحو والتوجيه الذي بينه المصنف. وإذا كان الاسم الثاني غير مضاف؛ نحو: يا محمد محمد، أو يا سعد، جاز بناؤه على الضم؛ على أنه منادى حذف قبله حرف النداء، أو بدل، وجاز رفعه ونصبه باعتباره توكيد لفظياً، على اللفظ أو المحل.

стр. 1083

الرابع: ما يجوز ضمه ونصبه وهو المنادى المستحق للضم، إذا اضطر الشاعر إلى تنويته؛ كقوله سلام الله يا مطر عليها (١)، وقوله: أعبد حل في شعبي غريبا (٢) (١) صدر بيت من الوافر للأحوص، محمد بن عبد عاصم الأوسي، وعجزه: وليس عليك مطر السلام اللغة والإعراب: "سلام الله" مبتدأ ومضاف إليه. "يا" للنداء. "مطر" منادى مبني على الضم في محل نصب. ونون لضرورة الشعر. "عليها" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. "عليك" خبر ليس مقدم. "السلام" اسمها مؤخر. والمعنى: واضح. والشاهد: في "يا مطر" الأول؛ حيث جاء منونا مرفوعا لضرورة الشعر، وهو مفرد علم واجب البناء على الضم. (٢) عجزه: ألؤما لا أبالك واغترابا وهو لجرير، وقد تقدم شرحه في باب المفعول المطلق، صفحة ١٣٢ جزء ثان. والشاهد: فيه هنا: نصب "عبدا" وتنوينه للضرورة، مع أنه منادى مفرد معرفة، لأنه نكرة

стр. 1084

واختار الخليل وسيبويه الضم، وأبو عمرو (١) وعيسى (٢) النصب. ووافق الناظم والأعلم، سيبويه في العلم (٣)، وأبا عمرو وعيسى في اسم الجنس (٤). مقصودة، وقيل: يجوز نصب لأنه شبيه بالمضاف؛ إذ هو نكرة موصوفة، كما يجوز أن يكون "عبدا" حالا من فالع فعل محذوف؛ كأنه قال: أتفخر عبدا؟ أي: وأنت عبد؟ ولا يليق الفخر بالعبيد. (١) اسمه كنيته، وقيل: اسمه زبان بن العلاء بن عمار التميمي المازني البصري، أخذ العربية عن ابن أبي إسحاق، أول من مد القياس وشرح العلل، وكان أبو عمرو أوسع منه علما بكلام العرب ولغاتها وغريبها، كما كان من جلة القراء. وأحد أئمة القراءات السبع الموثوق بهم، وكان أبو عمرو يسلم للعرب ولا يطعن عليها، وفيه يقول الفرزدق: ما زلت أفتح أبواباً وأغلقها … حتى أتيت أبا عمرو بن عمار سمع أبو عمرو رجلا ينشد بيت المرقش الأصغر: ومن يلق خيراً يحمد الناس أمره … ومن يغو لا يعدم على الغي لائما فقال له: قل ومن يغو بكسر الواو؛ ألا ترى إلى قول الله ﴿فَغَوَى﴾، وتوفي أبو عمرو في طريق الشام سنة ١٥٤ هـ. (٢) هو أبو عمرو، عيسى بن عمر الثقفي، مولى خالد بن الوليد المخزومي، كان إماماً في النحو والعربية. أخذ عن ابن إسحاق وأبي عمرو بن العلاء، وروى عن الحسن البصري، وعنه أخذ الأصمعي والخليل وغيرهما، وكان عيسى يطعن على العرب، ويخطئ المشاهير منهم؛ كالنابغة في بعض أشعاره، كما كان صاحب تقعير في كلامه واستعمال للغريب فيه، وله مصنفات كثيرة؛ يقال إنها تربى على السبعين؛ ومنها: الإكمال، والجامع، في النحو، وفيها يقول الخليل: بطل النحو جميعاً كله … غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك "إكمال" وهذا جامع … فهما للناس شمس وقمر قال السيرافي: لم يقع هذان الكتابان إلينا، ولا رأينا أحدا ذكر أنه رآهما، ومات عيسى بن عمر سنة ١٤٩ هـ، قبل ابي عمرو بن العلاء بسنوات. (٣) أي: الضم فيه كـ"مطر" في البيت السابق، وذلك لشدة شبهه بالضمير. (٤) أي في نصبه كـ"عبدا" في البيت الثاني، وذلك لضعف شبهه بالضمير.

стр. 1085

فصل: ولا يجوز نداء ما فيه "أل" (١)، إلا في أربع صور: إحداها: اسم الله تعالى (٢)، أجمعوا على ذلك؛ تقول "يا الله" بإثبات الألفين، و"يلله": بحذفهما، و"يا لله" بحذف الثانية فقط. والأكثر أن يحذف حرف النداء ويعوض عنه الميم المشددة؛ فتقول: "اللهم" (٣)، وقد يجمع بينهما في الضرورة النادرة؛ كقوله: أقول يا اللهم يا اللهما (٤) وخير في النظم بين الضم والنصب مع التنوين للضرورة؛ فقال: واصمم أو انصب اضطراراً نوناً … مما له استحقاق ضم بينا أي: اضمم أو انصب ما نون اضطرارا، من كان له استحقاق ضم بين فيما سبق، وذلك هو: المفرد العلم، والنكرة القصودة. وإذا نون المبني على الضم بقي على بنائه، أما في حالة تنوينه منصوبا، فالأحسن أنه معرب منصوب للضرورة. هذا: ويجوز في تابع المنون المضموم: الضم مراعاة للفظه، والنصب مراعاة لمحله. أما تابع المنون المنصوب فيجب نصبه. (١) لما فيه من الجمع بين معرفين ظاهرين: النداء، وأل؛ وذلك ما لم يعهد في الأساليب العربية، سواء كان النداء بيا، أو إحدى أخواتها. أما دخول "يا" أو غيرها من أحرف النداء على العلم فلا مانع منه؛ لأن العلمية ليست بأداة ظاهرة. (٢) وذلك للزوم "أل" له، حتى صارت كالجزء منه. (٣) وهو من الألفاظ الملازمة للنداء. ويقال في إعرابه: "الله" منادى مبني على الضم في محل نصب، والميم المشددة عوض عن حرف النداء "يا". (٤) عجز بيت من الرجز، لأبي خراش الهذلي. ويقال: هو لأمية بن أبي الصلت، وصدره: إني إذا ما حدث ألما اللغة والإعراب: حدث: حادث طارئ من مكاره الدنيا، ألما: نزل. "إني" إن حرف توكيد ونصب، والياء اسمها. "إذا" ظرف فيه معنى الشرط. "ما" زائدة. "حدث" فاعل

стр. 1086

الثانية: الجمل المحكية؛ نحو: يا "المنطلق زيد" فيمن سمى بذلك (١). نص على لفعل محذوف يفسره؛ "ألم"، وهو فعل الشرط "ألما" فعل ماض والألف للإطلاق. "أقول" الجملة خبر "إن" وهو يدل على جواب إذا، أو هو الجواب، وجملة الشرط وجوابه خبر. "يا" حرف نداء. "اللهم" منادى مبني على الضم، والميم حرف، وأصلها عوض عن "ياء" عند حذفها، وقد جمع بينهما للضرورة. "يا اللهم" الثانية إعرابها كذلك. وجملة النداء في محل نصب مقول القول. والمعنى: إذا نزل بي حادث من حوادث الدهرن وطرأ على ما أحتاج فيه إلى المعونة، ألجأ إلى الله وأناديه؛ فإنه -جلت قدرته- هو المعين وحده. والشاهد: الجمع في "يا اللهم" بين "يا" والميم المشددة التي تأتي عوضاً عنها، وذلك نادر؛ لأنه جمع بين العوض والمعوض، وهذا ما لم يعهد في العربية. هذا: وقد تحذف "أل" من اللهم؛ فيقال: لا هم، وتكون كلمة "لاه" هي المنادى المبني على الضم، وهو كثير في الشعر، ومنه قول القائل: لاهم إن العبد يمنع رحله فامتع رحالك وقد تخرج "اللهم" عن النداء المحض؛ فتستعمل قبل أحرف الجواب؛ لتقوي الجواب وتؤكد مضمونه في نفس السامع؛ كأن يقال: أصحيح أنك مسافر؟ فتقول: اللهم نعم. أو: لا، فكأنك تقول: والله نعم، أو: والله لا. وقد تستعمل لإفادة الندرة والدلالة على قلة الشيء؛ كأن يقال: سأسافر غدا، اللهم إلا إذا تغير الجو. ومنه قول المؤلفين: اللهم إلا أن يقال كذا أو كذا. وهي في الاستعمالين منادى صورة؛ فتعرب كما يعرف المنادى الحقيقي، ويقال: إن النداء غير حقيقي، وإنه خرج عن معناه الأصلي إلى معنى آخر؛ هو تقوية الجواب، أو إفادة الندرة. (١) أي من الجمل الاسمية بأل. ويقال في إعرابه: مبني على ضم المقدر للحكاية في محل نصب. ويجب قطع همزته وإثباتها نطقا وكتابة في جميع الأحوال مع ثبوت ألف "يا"؛ لأن المبدوء بهمزة الوصل إذا سمي به يجب قطع همزته، لا فرق بين الفعل وغيره، ولا بين الجملة وسواها؛ لصيرورتها جزءا من الاسم، ما عدا لفظ الجلالة "الله" فله حكمه الخاص الذي سلف.

стр. 1087

ذلك سيبويه، وزاد عليه المبرد: ما سمي به من موصول مبدوء بأل (١)؛ نحو: الذي، والتي، وصوبه الناظم. الثالثة: اسم الجنس المشبه به (٢)؛ كقولك: "يا الخليفة هيبة". نص على ذلك ابن سعدان. الرابعة: ضرورة الشعرة كقوله: عباس يا الملك المتوج والذي (٣) ولا يجوز ذلك في النثر، خلافاً للبغداديين. (١) بشرط أن يكون مع صلته علما؛ نحو: "يا الذي سافر"، في نداء من سمي بذلك؛ لأن الموصول مع صلته بمنزلة اسم واحد، أما الموصول وحده المسمى به، فمتفق على منع ندائه. (٢) بشرط أن يذكر معه وجه الشبه، كما مثل المصنف. وتقديره: يا مثل الخليفة هيبة. فـ"يا" لم تدخل على "أل"، بل دخلت في الحقيقة على منادى محذوف قد حل محله المضاف إليه بعد حذفه، فـ"الخليفة" منادى منصوب؛ لأنه مضاف تقديرًا بعد حذف المضاف وإقامته مقامه في الإعراب، و"هيبة" تمييز. (٣) صدر بيت من الكامل، لم نقف على قائله، وعجزه: عرفت له بيت العلا عدنان اللغة والإعراب: المتوج: الذي ألبس التاج. عرفت: اعترفت. العلا: الشرف. عدنان: المراد عدنان أبو العرب. "عباس" منادى بحرف نداء محذوف مبني على الضم في محل نصب "يا" حرف نداء. "الملك" منادى مبني على الضم في محل نصب. "المتوج" بالرفع والنصب - صفته على اللفظ أو المحل. "والذي" معطوف على الملك. "بيت العلاط بيت مفعول عرفت مقدم، والعلا مضاف إليه. "عدنان" فاعل مؤخر. والمعنى: واضح. والشاهد: إدخال حرف النداء "يا" على الاسم المقترن بأل؛ وهو "الملك" وذلك ضرورة من ضرورات الشعر. ويجيز الكوفيون نداء الاسم المقترن بأل كمنا سبقت الإشارة إليه. وفيما سبق من حكم اجتماع أل، وحرف النداء؛ يقول للناظم مقتصرا على بعض الصور: وباضطرار خص جمع "يا" و"أل" … إلا مع "الله" ومحكي الجمل

стр. 1088

الفصل الثالث: في أقسام تابع المنادى المبني (١) وأحكامه وأقسامه أربعة: أحدها: ما يجب نصه مراعاة لمحل المنادى، وهو ما اجتمع فيه أمران: أحدهما: أن يكون نعتاً (٢)، أو بياناً، أو توكيداً. الثاني: أن يكون مضافاص مجرداً من أل (٣)؛ نحو: يا زيد صاحب عمرو، ويا زيد أبا والأكثر "اللهم" بالتعويض … وشذ "يا اللهم" في قريض* أي أن الجمع بين حرف النداء و"أل" خاص بضرورة الشعر. أما مع لفظ الجلالة "الله"، والجمل المحكية المبدوءة باللام، فجائز. والأكثر في نداء اسم الله "اللهم"، بميم مشددة معوضة من حرف النداء. وشد الجمع بين حرف النداء والميم في قريض؛ أي في شعر وقد ذكر الناظم الجمع بين "يا" و"أل"، والمقصود حروف النداء، لا خصوص "يا". ومن مواضع جواز الجمع بين حرف النداء و"أل": المنادى المستغاث به المجرور باللام؛ نحو: يا للموسرين للمحتاجين، وسيأتي في بابه قريباً، إن شاء الله. (١) أما المنادى المنصوب اللفظ؛ فإن كان تابعه نعتًا، أو عطف بيان، أو توكيدًا، وجب نصب التابع مراعاة للفظ المتبوع؛ نحو: يا مجاهدًا مخلصًا لا تحجم عن لقاء العدو، يا عربا أهل اللغة الواحدة، أو كلكم، أجيبوا داعي الوطن. وإن كان التابع بدلا أو عطف نسق مجردا من "أل" فالأحسن أن يكون منصوب الفظ أيضًا؛ نحو: بوركت يا ابن الخطاب عمر، أو بوركتما يا بن الخاطب وعليا. وبعضهم يجعل ذلك في حكم المنادى المستقل. (٢) بشرط ألا يكون منعوته -وهو المنادى- اسم إشارة، ولا كلمة "أي" أو "أية" وإلا وجب رفع النعت كما في الحال الثانية الآتية. (٣) ويشترط أن تكون الإضافة في الثلاثة محضة على الراجح، وإلا جاز رفع التابع مراعاة

стр. 1089

عبد الله، ويا تميم كلهم، أو كلكم (١). والثاني: (٢) ما يجب رفععه مراعاة للفظ المنادى؛ وهو: نعت "أي" و"أية"، ونعت اسم الإشارة، إذا كان اسم الإشارة وصلة لندائه (٣)؛ نحو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاس﴾، ﴿يَا أَيَّتُهَا للفظ المنادى؛ نحو: يا رجل ضارب محمد، بالضم والنصب. ووجوب النصب بهذين الشرطين، مذهب جمهور النحاة. وعن جماعة من الكوفيين: جواز النصب والرفع تبعا للمحل واللفظ. ومثل المضاف شبهه. (١) إذا كان تابع المنادى مشتملا على ضمير؛ جاز أن يكون للمخاطب لأنه مخاطب، وتلك قاعدة عامة تسري على توابع المنادى المنصوب اللفظ وغير المنصوب، إلا إذا كان التابع اسم إشارة؛ فلا يجوز أن تتصل بآخره علامة خطاب. وإلى هذا القسم أشار ابن مالك بقوله: تابع ذي الضم المضاف دون "أل" … ألزمه نصباً كأزيد ذا الحيل* أي: أن تابع المنادى المبني على الضم، إذا كان مضافا مجردا من أل، يجب نصبه؛ نحو: أزيد ذا الحيل؛ أي صاحب الحي؛ فـ"زيد" منادى مبني على الضم، و"ذا" نعت له منصوب بفتحة مقدرة على الألف، و"الحيل" مضاف إليه. ويراد بالتابع، ما عدا عطف النسق والبدل، كما يشير إلى ذلك بعد، وشمل قوله "ذي الضم": العلم، والنكرة المقصودة، ولو كانا مبنيين قبل النداء. (٢) "أي" في التذكير، و"أية" في التأنيث؛ وإنما وجب الرفع؛ لأن المقصود بالنداء هو التابع وهو مفرد. أما "أي" و"أية" فكلاهما صلة لندائه. وهما مبنيان على الضم؛ لأن كلا منهما نكرة مقصودة، و"ها" حرف تنبيه زائد زيادة لازمة لا تفارقهما. (٣) أي: نداء النعت المبدوء بأل؛ لأن المبدوء بها لا يجوز نداؤه بغير واسطة، إلا في المواضع التي سبقت، ويكون هو المقصود بالنداء؛ فإن قصد نداء اسم الإشارة وحده، لم يلزم رفع وصفه؛ بل يجوز في تابعه الأمران، كما سيأتي.

стр. 1090

النَّفْسُ﴾ (١)، وقولك: "يا هذا الرجل، إن كان المراد أولا نداء الرجل. ولا يوصف اسم الإشارة أبداً إلا بما فيه "أل" (٢). ولا يوصف "أي" و"أية" في هذا الباب. إلا بما فيه أل (٣)، أو باسم الإشارة (٤)؛ نحو: يا أيهذا الرجل (٥). والثالث: ما يجوز رفعه ونصبه وهو نوعان: (١) " أي" و"أية" نكرتان مقصودتان مبنيتان على الضم في محل نصب، و"ها" زائدة للتنبيه لا محل لها ﴿النَّاس﴾، ﴿النَّفْسُ﴾ نعتان لأي مرفوعان باعتبار اللفظ، وحركتها إتباع على الصحيح، ٢١ من سورة البقرة، ٢٧ من سورة الفجر. (٢) أي الجنسية، والتي تصير بعد النداء للعهد الحضوري، أو باسم موصول مبدوء بأل؛ نحو: يا هذا الغافل تنبه. ويجوز إعراب هذا الاسم المبدوء بأل، عطف بيان لاسم الإشارة، والأفضل إعراب المشتق نعتا، والجامد عطف بيان. (٣) أي الجنسية، أو المتصلة باسم موصول، كما تقدم في اسم الإشارة. (٤) بشرط أن يكون مجردا من كاف الخطاب، ويغلب حينئذ وصفه أيضاً باسم مقرون بأل، كمثال المصنف، وكقول الشاعر: أيها ذا الشاكي وما بك داء … كن جميلا تر الوجود جميلا وقد يجيء نعته بدون أل، نحو: يا أيهذا أقبل. (٥) "أي" منادى. "ها" للتنبيه. "ذا" اسم إشارة صفة في محل رفع. "الرجل" صفة لذا، أو عطف بيان. هذا: ويجب إفراد "أي" و"أية" في النداءِ؛ سواء كانت صفتهما مفردة أم غير مفردة؛ تقول: يا أيها الطالب، يا أيها الصديقان، يا أيها الزملاء، ويحسن أن تماثل كل منهما صفتهما في التذكير والتأنيث؛ تقول: يا أيتها الفتاة؛ يا أيتها الفتاتان، يا أيتها المجدات، وفي هذا القسم يقول ابن مالك:
следующие страницы →