ويختص الاستتار بضمير الرفع (١).
وينقسم المستتر إلى:
مستتر وجوبًا: وهو ما لا يخلفه ظاهر ولا ضمير منفصل (٢)، وهو: المرفوع بأمر الواحد (٣) كقم، أو بمضارع مبدوء بتاء خطاب الواحد (٤) كتقوم، أو بمضارع مبدوء بالهمزة كأقوم، أو بالنون كنقوم، أو بفعل استثناء؛ كخلا، وعدا، ولا يكون في ذلك قولك:
(١) اعلم أن هنالك فرقا بين المستتر والمحذوف؛ فالمستتر في حكم الحاضر الملفوظ وإن كان لا ينطق به. وهو نوع من المتصل، ولا يمكن الاستغناء عنه في الجملة، وهذا خاص بضمير الرفع. أما المحذوف فيكون في موضع رفع، أو نصب، أو جر، وليس في حكم الحاضر، ويمكن النطق به، كما يمكن الاستغناء عنه أحيانا.
(٢) أي: لا يقع محله اسم ظاهر ولا ضمير منفصل يرتفع بعامله الذي في الجملة، فالضمير المنفصل في "يقوم" مثلا، لا يصح أن يحل محله اسم ظاهر كمحمد، ولا ضمير منفصل. ولفظ "نحن" الذي ننطق به تعبيرا عن المستتر، ليس معمولا للفعل، وإنما هو توكيد له.
(٣) أي: بفعل الأمر المخاطب به الواحد المذكر. أما المخاطب به الواحدة نحو: قومي، أو المثنى نحو: قوما، أو الجمع نحو: قوموا وقمن، فيبرز ضميره، ويعرب فاعلا في الأمثلة.
(٤) أما المبدوء بتاء خطاب الواحدة؛ مثل: تقومين، أو المثنى أو الجمع بنوعيه، فيبرز، والمبدوء بتاء الغائبة مستتر جوازا؛ نحو: هند تقرأ.
стр. 107
قاموا ما خلا زيدًا، وما عدا عمرًا، ولا يكون زيدًا (١)، أو بأفعل في التعجب (٢)، أو بأفعل التفضيل (٣)؛ كما أحسن الزيدين، وهم أحسن أثاثًا، أو باسم فعل غير ماض؛ كـ"أَوَّه، ونزال" (٤).
وإلى مستتر جوازًا: وهو ما يخلفه ذلك (٥)، وهو: المرفوع بفعل الغائب أو الغائبة، أو الصفات المحضة (٦)، أو اسم الفعل الماضي؛ نحو: زيد قام، وهند قامت، وزيد قائم
(١) الضمير في أفعال الاستثناء مستتر وجوبًا، تقديره "هو" وسيأتي شرح موضعه في باب "الاستثناء".
(٢) فاعل فعل التعجب مستتر وجوبًا يعود على "ما".
(٣) أي: في غير مسألة "الكحل" المشهورة؛ فإنه يرفع فيها الظاهر باطراد، وكذلك يرفع البارز على لغة في نحو: مررت برجل أفضل منه أنت، إذا لم يعرب أنت مبتدأ.
(٤) بمعنى: أتوجع، وانزل. ومن المواضع التي يستتر فيها الضمير وجوبًا: أن يكون فاعلًا للمصدر النائب عن فعله الأمر؛ نحو: قياما للضيف؛ فقياما مصدر وفاعله مستتر جوبًا، تقديره أنت؛ لأنه بمعنى "قم" وقد اقتصر الناظم على هذا القسم، وذكر أربعة من المواضع بالأمثلة في قوله:
ومن ضمير الرفع ما يستتر … كافعل أوافق نغتبط إذ تشكر*
وهذه الأربعة هي: فعل الأمر للمذكر المخاطب؛ كـ"افعل"، والمضارع الذي في أوله همزة المتكلم؛ مثل: "أوافق، والذي في أوله النون؛ نحو: "نغتبط"، والمبدوء بتاء الخطاب للواحد؛ نحو: "تشكر".
(٥) أي: الظاهر، أو الضمير المنفصل؛ لأن عامله يرفع المستتر وغيره.
(٦) أي: الخالصة من شائبة الاسمية؛ كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة. وقد مثل لذلك المصنف. وبقيت أمثلة المبالغة؛ نحو: محمد ضراب، أو مضراب … إلخ، أما الصفات غير المحضة؛ وهي التي غلبت عليها الاسمية، فلا تتحمل ضميرًا؛ مثل: الأبطح، والأجرع، والأبيض، والأرحب.
стр. 108
أو مضروب أو حسن، وهيهات؛ ألا ترى أنه يجوز: زيد قام أبوه، أو ما قام إلا هو؟ وكذا الباقي.
تنبيه: هذا التقسيم تقسيم ابن مالك وابن يعيش (١) وغيرهما، وفيه نظر؛ إذ الاستتار في نحو: زيد قام، واجب؛ فإنه لا يقال: قام "هو" على الفاعلية (٢).
وأما زيد قام أبوه، أو ما قام إلا هو، فتركيب آخر (٣)، والتحقيق أن يقال: ينقسم العامل إلى ما لا يرفع إلا الضمير المستتر كأقوم، وإلى ما يرفعه وغيره كقام.
وينقسم المنفصل بحسب مواقع الإعراب إلى قسمين:
ما يختص بمحل الرفع وهو: أنا، وأنت، وهو، وفروعهن.
ففرع "أنا" نحن، وفرع "أنت": أنت، وأنتما، وأنتم، وأنتن، وفرع "هو" هي، وهما، وهم، وهن (٤).
(١) هو أبو البقاء، يعيش بن علي بن يعيش الحلبي النحوي. ولد بحلب سنة ٥٥٣ هـ، وأخذ عن علمائها، ورحل إلى بغداد ودمشق، وكان من كبار أئمة العربية ولا سيما النحو والصرف. وقد غالب فضلاء حلب، وتصدر للإقراء بها زمانًا وشاع صيته، مع حسن الفهم وظرف الشمائل. ومن تأليفه: "شرح المفصل" وهو معروف متداول، و"شرح تصريف ابن جني". ومات بحلب سنة ٦٤٣ هـ.
(٢) بل "هو" توكيد للفاعل المستتر كما قدمنا.
(٣) أسند فيه القيام إلى سببي زيد، أو إلى ضميره المحصور بإلا. وإنما يتجه هذا الاعتراض إذا كان قصد ابن مالك وابن يعيش من تعريف المستتر جوازا بأنه ما يخلفه الظاهر أو الضمير المستتر؛ أن أحدهما يخلفه في تأدية معناه، وهما لم يقصدا ذلك؛ وإنما مرادهما: أن أحدهما يخلفه في رفع العامل إياه وإن لم يكن المعنى واحدا، وبهذا يندفع الاعتراض.
(٤) الجملة اثنا عشر ضميرا: اثنان للمتكلم، وخمسة للمخاطب، ومثلها للغائب. وفيها يقول الناظم:
وذو ارتفاع وانفصال أنا هو … وأنت والفروع لا تشتبه*
أي: إن الضمير المرفوع المنفصل هو: "أنا" للمتكلم، و"هو" للغائب، و"أنت" للمخاطب، وفروعها معروفة، وقد بينها المصنف.
стр. 109
وما يختص بمحل النصب: وهو "إيَّا" مردفًا بما يدل على المعنى المراد (١)؛ نحو: إياي للمتكلم، وإياك للمخاطب، وإياه للغائب، وفروعها: إيَّانا، وإيَّاكَ، وإيَّاكِ وإيَّاكما، وإيَّاكم، وإيَّاكن، وإيَّاها، وإيَّاهما، وإيَّاهم، وإيَّاهن.
تنبيه: المختار أن الضمير نفس "إيَّا"، وأن اللواحق لها حروف تكلم، وخطاب، وغيبة (٢).
(١) أي: من تكلم أو خطاب أو غيبة، وتذكير أو تأنيث، وإفراد أو تثنية أو جمع، والجملة اثنا عشر ضميرا. وأقسامها كالسابقة، وفيها يقول الناظم:
وذو انتصاب وانفصال جعلا … "إياي" والتفريع ليس مشكلا*
أي: إن الضمير المنصوب المنفصل هو "إياي" للمتكلم، وفروعه معروفة، وقد أوضحها المصنف أيضًا، وليس هنالك ضمير منفصل بارز في محل جر، كما أنه ليس هناك ضمير متصل بارز في محل نصب فقط، أو جر فقط.
(٢) هذا مذهب سيبويه، وذهب الخليل إلى أن اللواحق ضمائر، و"إيا" ضمير مضاف إليها، واختار هذا ابن مالك، وهو رأي ضعيف؛ لأنه لم تعهد إضافة الضمائر. وأما قولهم: "وإذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب"، فشاذ. وذهب بعض البصريين وجمع من الكوفيين إلى أن اللواحق هي الضمائر، وكلمة "إيا" عماد؛ أي: زيادة تعتمد عليها اللواحق؛ ليتميز المنفصل من المتصل.
أما "أنا" و"أنت" وفروعه من ضمائر الرفع؛ فقيل: إن الضمير هو الهمزة والنون. أما الألف فزائدة، والتاء حرف خطاب، واللواحق الأخر لبيان المراد من إفراد وتثنية وجمع. وقيل -وهو الصحيح- أن الضمير مجموع "أنا" و"أنت". وأما "هو" وفروعه، فالمجموع هو الضمير.
стр. 110
فصل: القاعدة أنه متى تأتى اتصال الضمير لم يعدل إلى انفصاله (١).
فنحو: قمت، وأكرمتك، لا يقال فيهما: قام أنا، ولا أكرمت إياك.
فأما قوله:
إلا يزيدهم حبا إلي هم (٢)(١) ذلك لأن الضمير وضع للاختصار والمتصل أكثر اختصارًا في تكوينه، وفي هذا يقول الناظم:
وفي اختيار لا يجيء المنفصل … إذا تأتى أن يجيء المتصل*
أما إذا أمكن أن يؤتى بالضمير المتصل في أي موضع، فلا يعدل عنه إلى المنفصل اختيارا، إلا فيما سيذكر بعد.
(٢) هذا عجز بيت من البسيط، ينسب إلى زياد بن منقذ العدوي التميمي، من قصيدة في الحنين إلى وطنه. وفي الأغاني: أنه لبدر بن سعيد، وصدره:
وما أصاحب من قوم فأذكرهم
اللغة والإعراب:
"ما" نافية. "من قوم" مفعول أصاحب على زيادة "من" "فأذكرهم" الفاء للسبية، وأذكر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية الواقعة جوابا للنفي، ويجوز الرفع عطفا على أصاحب والفاعل أنا، و"هم" مفعول. "إلا" أداة استثناء ملغاة. "هم" مفعول أول ليزيد. "حبا" مفعوله الثاني. "إلى" متعلق بيزيد "هم" الثانية فاعل يزيد.
المعنى: لا أصاحب قوما غير قومي وأذكر قومي أمامهم، إلا يزيد هؤلاء الآخرون حب قومي إلي؛ لما يسبغونه عليهم من الإطراء والثناء.
الشاهد: في "هم" آخر البيت، فقد أتى به منفصلًا للضرورة، والقياس أن يجيء به متصلًا بالفعل؛ فيقول: إلا يزيدونهم.
стр. 111
وقوله:
إياهم الأرض في دهر الدهارير (١)
فضرورة.
ومثال ما لم يتأت فيه الاتصال: أن يتقدم الضمير على عامله؛ نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، أو يلى "إلا"؛ نحو: ﴿أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾.
(١) هذا عجز بيت من البسيط للفرزدق، من قصيدة يمدح بها يزيد بن عبد الملك بن مروان. وصدره:
بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت
اللغة والإعراب:
الباعث: الذي يبعث الأموات بعد فنائها ويحييها. الوارث: الذي ترجع إليه الأملاك بعد فناء أصحابها. ضمنت: تضمنت واشتملت عليهم. الدهارير: الشدائد؛ يقال: دهر دهارير؛ أي: شديد، كما يقال: ليلة ليلاء، ونهار أنهر، ويوم أيوم. وقيل واحده دهر على غير قياس وقيل: لا واحد له. "بالباعث" متعلق بحلفت في قوله قبل:
إني حلفت ولم أحلف على فند … فناء بيت من الساعين معمور
"الوارث" صفة للباعث "الأموات" مضاف إليه أو منصوب على التنازع للباعث والوارث، وأعمل الثاني، وحذف الضمير من الأول؛ لكونه فضلة "إياهم" مفعول ضمنت. "الأرض" فاعل، والجملة في محل نصب حال من الأموات.
المعنى: أقسمت بالذي يبعث الأموات من قبورهم، ويرثهم بعد موتهم، وقد اشتملت عليهم الأرض، وضمتهم في أزمان الشدائد والمحن، والمقسم عليه في البيت بعده.
الشاهد: في "ضمنت إياهم" حيث أتى بالضمير منفصلًا لضرورة الوزن، والقياس أن يقول: ضمنتهم.
стр. 112
ومنه قوله:
وإنما … يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي (١)
لأن المعنى: ما يدفع عن أحسابهم إلا أنا.
ويستثنى من هذه القاعدة مسألتان:
إحداهما: أن يكون عامل الضمير عاملًا في ضمير آخر أعرف منه (٢)، مقدم عليه،
(١) هذا عجز بيت من الطويل للفرزدق، من قصيدة يعارض فيها جريرا ويهجوه ويفخر عليه. وصدره:
أنا الذائد الحامي الذمار …
اللغة والإعراب:
الذائد: المدافع، وهو اسم فاعل، من ذاد الشيء يذوده، دفعه ومنعه. الحامي: هو بمعنى الذائد؛ من الحماية، فهو تفسير له. الذمار: كل ما يلزم الإنسان حفظه وحمايته والدفاع عنه. أحسابهن: جمع حسب، وهو ما يعده الإنسان من مفاخر أصوله. "أنا الذائد" مبتدأ وخبر. "الحامي" صفة للذائد. "الذمار" مفعول الحامي أو مضاف إليه. "إنما" أداة حصر. "أنا" فاعل يدافع. "أو مثلي" معطوف عليه.
والمعنى: أنا الذي أدافع عن قومي وأحمي كل ما تجب حمايته لهم، من أموال وأعراض وغيرهما، ولا يدافع عن أحسابهم ومفاخرهم إلا أنا، أو من كان مثلي في الشجاعة والغيرة وصفات الكمال.
الشاهد: في "أنا" حيث جاء ضميرا منفصلا بعد "إلا" في المعنى والتأويل كما ذكر المصنف. هذا: ومن المواضع التي لا يتأتى فيها الاتصال أن يكون عامل الضمير محذوفا، وذلك في باب "التحذير والإغراء"؛ كما سيأتي؛ نحو: إياك والشر، أو يكون حرف نفي؛ نحو: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾، ﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ﴾. أو يقع بعد إما المكسورة الهمزة، نحو: إما أنا، وإما أنت. أو يكون منادى عند من يجيز نداء الضمير؛ نحو: يا أنت. أو يكون الضمير تابعا لكلمة تفصل بينه وبين عامله؛ نحو: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾. أو يقع الضمير بعد واو المعية؛ نحو: حضر زملائي وسأسافر وإياهم. أو يكون مبتدأ؛ نحو: أنت أخ وفي. أو يكون فاعلا لمصدر مضاف إلى مفعوله؛ نحو: بمساعدتكم نحن انتصرتم. أو مفعولًا لمصدر مضاف إلى فاعله، نحو: سررت من إكرام الزملاء إياك.
(٢) بينا سابقا أن ضمير المتكلم أعرف من ضمير المخاطب، وهذا أعرف من ضمير الغيبة.
стр. 113
وليس مرفوعًا (١)؛ فيجوز حينئذ في الضمير الثاني الوجهان (٢)، إن كان العامل فعلا غير ناسخ فالوصل أرجح (٣)؛ كالهاء من سلنيه (٤)؛ قال الله -تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ (٥)، ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ (٦)، ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا﴾ (٧).
ومن الفصل: "إن الله ملككم إياهم" (٨).
وإن كان اسما فالفصل أرجح (٩)؛ نحو: عجبت من حبي إياه.
ومن الوصل قوله:
لقد كان حبيك حقا يقينا (١٠)(١) أي: ليس الضمير المقدم مرفوعا، وهذا يستلزم أن يكون العامل من الأفعال التي تنصب مفعولين.
(٢) الاتصال على الأصل، والانفصال فرارا من توالي اتصالين في فضلتين؛ تقول: الكتاب أعطيتنيه؛ وأعطيتني إياه، وأعطيتكه، وأعطيتك إياه.
(٣) لأنه الأصل ولا مرجح لغيره كما مثلنا.
(٤) أي: في مثل قولك: الخير سلنيه، ومثله: الكتاب ملكنيه، ويجوز سلني إياه، وملكني إياه.
(٥) يكفي فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، و"الكاف" مفعول أول، و"هم" مفعول ثان، وفيه الشاهد.
(٦) الهمزة للاستفهام. "نلزم" مضارع، والفاعل نحن، والكاف مفعول أول، والميم علامة الجميع، والواو للإشباع، و"ها" ضمير منفصل مفعول ثان، وهو الشاهد.
(٧) يسأل: فعل مضارع مجزوم بإن الشرطية وهو فعل الشرط، والفاعل هو.
(٨) هذا جزء من حديث نبوي، وتمامه. "ولو شاء لملكهم إياكم"، والمراد الأرقاء. والفصل في الجزء الأخير واجب لا جائز؛ لأن الضمير الأول فيه للغائب، وهو غير أعرف من الثاني وهو ضمير المخاطب.
(٩) لأن الاسم إنما يعمل لمشابهته الفعل، فهو أقل اتصالا بالمفعول من الفعل. ويشترط أن يكون أول الضميرين مجرورا كما مثل، سواء كان فاعلًا كالمثال، أو مفعولا؛ نحو: الدرهم إعطاؤك إياه تفضل عليك، ومنعك إياه عقاب لك، والاسم يشمل المصدر واسم الفاعل.
(١٠) عجز بيت من المتقارب، من مختارات أبي تمام في الحماسة، ولم ينسبه. وصدره: =
стр. 114
وإن كان فعلًا ناسخًا؛ نحو: "خلتنيه"، فالأرجح عند الجمهور الفصل (١).
كقوله:
أخي حسبتك إياه … (٢)
=
لئن كان حبك لي كاذبا
اللغة والإعراب:
"لئن" اللام موطئة للقسم، و"إن" شرطية جازمة. "كان" فعل الشرط "حبك" اسمها مضاف إلى الكاف، من إضافة المصدر لفاعله. "كاذبا" خبر كان "لقد" اللام واقعة في جواب القسم. "حبيك" اسم كان مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه، وهي فاعل المصدر، والكاف مفعوله. "حقا" خبر كان "يقينا" صفة مؤكدة لـ"حقا"، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه.
المعنى: يقول لمحبوبته: لئن كنت كاذبة في حبك لي، فإن محبتي لك صادقة لا شك فيها.
الشاهد: في "حبيك"؛ حيث أتى بالضمير الثاني وهو ضمير المخاطبة متصلا، وذلك أمر سائغ، ولو أتى به منفصلا لقال: حبي إياك، وهو الأرجح.
(١) لأن الضمير خبر في الأصل، وحق الخبر الانفصال.
(٢) هذا جزء من صدر بيت من البسيط، ولم ينسب لقائل. وتمامه:
وقد ملئت … أرجاء صدرك بالأضغان والإحن
اللغة والإعراب: حسبتك إياه: ظننت أنك أخي، أرجاء: نواحي؛ جمع رجا كعصا، وهو الناحية. الأضعان الأحقاد: جمع ضغن؛ وهو الحقد. الإحن: جمع إحنة؛ وهي الحقد أيضا، فالعطف للتفسير والترادف. "أخي" مبتدأ. "حسبتك" فعل وفاعل، والكاف مفعول أول. "إياه" مفعوله الثاني، والجملة خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون "أخي" منادى" أو مفعولا بفعل محذوف يفسره. "حسبتك" ويكون من باب الاشتغال كما سيأتي. "وقد ملئت" الواو للحال وقد للتحقيق، ملئت فعل ماض للمجهول، و"أرجاء" نائب فاعل. "صدرك" مضاف إليه والجملة حال.
المعنى: لقد كنت أظنك أخي الحق؛ الذي يشد أزري عند الشدائد، ويدفع عني عوادي الزمن، ولكني وجدت منك صدرا مليئا بالأحقاد والضغائن علي.
الشاهد: في "حسبتك إياه"؛ حيث أتى بالضمير الثاني منفصلا، وهو مفعول لفعل ناسخ وهو حسب، وذلك أرجح عند الجمهور. ويجوز الوصل، ولو وصل لقال: حسبتكه.
стр. 115
وعند الناظم، والرماني (١)، وابن الطراوة (٢)؛ الوصل.
كقوله:
بلغت صنع امرئ بر إخالكه (٣)(١) هو أبو الحسن علي بن عيسى المعروف بالرماني. ولد سنة ٢٧٦ هـ، واشتغل بالعربية، وأخذ عن ابن السراج والزجاج وابن دريد، إلى أن صار إماما في العربية ولا سيما النحو؛ حتى قيل: لم ير مثله قط علما بالنحو، واستخراجا للعويص، وإيضاحا للمشكل، مع فصاحة ودين وعفاف ونظافة، وكان يمزج النحو بالمنطق. وله مؤلفات كثيرة؛ منها: شرح كتاب سيبويه، والمقتضب، وشرح الألف واللام للمازني، ومات ﵀ سنة ٣٨٤ هـ في خلافة القادر بالله العباسي.
(٢) هو أبو الحسن سليمان بن محمد المالقي، المشهور بابن الطراوة. كان نحويا ماهرا، وأديبا بارعا يقرض الشعر، وينشئ الرسائل، وسمع على الأعلم كتاب سيبويه، وروى عنه القاضي عياض، وله آراء في النحو تفرد بها، وخالف فيها جمهور النحاة؛ فأثنى عليه بعضهم ونقده آخرون، كابن خروف ونسبه إلى الإعجاب بنفسه، وقد تجول كثيرا في بلاد الأندلس، وألف كتاب "الترشيح" في النحو، والمقدمات على كتاب سيبويه. ومات ﵀ سنة ٥٢٨ هـ عن سن عالية. ومن شعره في فقهاء مالقة:
إذا رأوا جملا يأتي على بعد … مدوا إليه جميعا كف مقتنص
أو جئتهم فارغا لزوك في قرن … وإن رأوا رشوة أتوك بالرحض
(٣) صدر بيت من البسيط، لم نقف على قائله. وعجزه:
إذ لم تزل لاكتساب الحمد مبتدرا
اللغة والإعراب:
بر: صادق، أو محسن كريم. إخالكه: أظنكه. مبتدرا: مسرعا؛ يقال: ابتدر الشيء، بادر إليه وأسرع إلى عمله. "بلغت" ماض للمجهول والتاء نائب فاعل، وهو مفعوله الأول. "صنع امرئ" مفعول ثان ومضاف إليه. "بر" صفة لامرئ "إخالكه" إخال فعل مضارع والفاعل أنا والكاف مفعول أول والهاء مفعول ثان. "إذ" حرف تعليل، أو ظرف في محل نصب متعلق بإخال. "لاكتساب" جار ومجرور متعلق بمبتدرا، الواقع خبر لـ"نزل".
المعنى: علمت بما صنعه امرؤ محسن صادق؛ من الكرم والبر، فظننتك إياه؛ لأني أعلم أنك لا تزال تسرع وتبادر إلى عمل الخير، واكتساب الثناء والحمد.
الشاهد: في "إخالكه" حيث أتى بالضمير الثاني -وهو الهاء- متصلا، وهو مفعول ثان لفعل ناسخ؛ وهو "إخال"، وهذا جائز، ويرجحه ابن مالك ومن معه. ويجوز الفصل، فتقول: إخالك إياه.
стр. 116
الثانية: أن يكون منصوبا بكان أو إحدى أخواتها (١)؛ نحو: الصديق كنته، أو كانه زيد، وفي الأرجح من الوجهين الخلاف المذكور (٢).
ومن ورود الوصل الحديث: "إن يكنه فلن تسلط عليه" (٣).
ومن ورود الفصل قوله:
لئن كان إياه لقد حال بعدنا (٤)(١) أي: إن المسألة الثانية المستثناة من القاعدة السابقة: أن يكون الضمير الثاني منصوبا، بكان أو إحدى أخواتها، سواء أكان السابق ضميرا؛ نحو: الصديق كنته، أو كنت إياه، أم غير ضمير؛ نحو: الصديق كانه محمد. وبذلك افترقت هذه المسألة عن الأولى. ومحل جواز الوجهين في كان وأخواتها في غير الاستثناء. أما فيه فيجب الفصل؛ نحو: محمد قام القوم ليس إياه، أو لا يكون إياه؛ لأنهما ناسخان أيضا.
(٢) أي: بين الجمهور والناظم ومن معه في "خلتنيه" ونحوه.
(٣) هذا جزء من حديث؛ قاله الرسول لعمر حين أراد أن يقتل ابن صياد لما أخبر أنه الدجال، وتمامه: "وإلا يكنه فلا خير لك في قتله".
الشاهد: في "يكنه". فقد وصل الضمير وهو الهاء، وهو خبر يكن، وعائد على الدجال. واسم يكن يعود على ابن صياد.
(٤) صدر بيت من الطويل، لعمر بن أبي ربيعة المخزومي. وعجزه:
عن العهد والإنسان قد يتغير
وهو من قصيدته المشهورة التي مطلعها: =
стр. 117
ولو كان الضمير السابق في المسألة الأولى مرفوعا، وجب الوصل (١)؛ نحو: ضربته.
=
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر … غداة غد أم رائح فمهجر
اللغة والإعراب:
حال: تغير وتحولت حالته. عن العهد: عما عهدناه فيه من الشباب والنضرة. "لئن" اللام موطئة للقسم، وإن شرطية. "كان" فعل الشرط واسمها يعود على عمر المعبر عنه بالمغيري في الأبيات قبله. "إياه" خبر كان. "لقد حال" اللام واقعة في جواب القسم المحذوف، وقد سد مسد جواب الشرط.
المعنى: لئن كان هذا الذي نراه هو عمر، فلقد تغيرت هيئته، وتحولت حاله عما كنا نعهده فيه، من القوة والشباب والحسن. ثم قال مسليا لها: والإنسان قد يتغير حاله بمرور الزمان وتقلبات الدهر.
الشاهد: في "كان إياه"؛ حيث أني بخبر كان الناسخة منفصلا، وذلك جائز، ولو وصل لقال: كانه. وقد أشار الناظم إلى المسألتين المذكورتين، وما فيهما من خلاف بقوله:
وصل أو افصل هاء "سلنيه" وما … أشبهه في "كنته" الخلف انتمى
كذاك "خلتنيه" واتصالا … أختار غيري اختار الانفصالا*
أي: إنه يجوز الوصل والفصل في هاء "سلنيه" وما أشبهه؛ من كل فعل غير ناسخ أو شبهه، ينصب ضميرين، أولهما أعرف من الثاني. ولم يبين ابن مالك الخلاف في هذه المسألة، وبين الخلاف في غيرها؛ فقال: إن الخلف انتمى -أي: اشتهر- في "كنته" وفي "خلتنيه"؛ من كل فعل ناسخ ينصب مفعولين. وهو يختار الاتصال، وغيره يختار الانفصال.
(١) هذا إذا كان العامل فعلا؛ ليكون متصلا بعامله، ولا يجوز في المثال ضربت إياه؛ تمشيا مع القاعدة؛ فإن كان العامل اسما جاز الأمران؛ تقول: سررت بإكراميك، أو بإكرامي إياك.
стр. 118
ولو كان غير أعرف وجب الفصل؛ نحو: أعطاه إياك أو إياي، أو أعطاك إياي (١)، ومن ثم (٢) وجب الفصل إذا اتحدت الرتبة (٣)؛ نحو: ملكتني إياي وملكتك إياك، وملكته إياه.
وقد يباح الوصل إن كان الاتحاد في الغيبة، واختلف لفظ الضميرين (٤)؛
(١) وفي هذا يقول الناظم:
وقدم الأخص في اتصال … وقدمن ما شئت في انفصال*
أي: إذا اجتمع ضميران منصوبان، أحدهما أخص من الآخر، وجب تقديم الأخص، إن كانا متصلين، ويجوز تقديم غير الأخص، إذا كانا منفصلين؛ وذلك بشرط أمن اللبس؛ فإن خيف اللبس؛ وذلك إذا صلح كل من المفعولين؛ لأن يكون فاعلًا؛ لم يجز؛ نحو: محمد أعطيتك إياه؛ فلا تقول. محمد أعطيته إياك؛ لأنه لا يعلم حينئذ هل محمد مأخوذ أو أخذ؟ وإن كان المعهود أن المتقدم هو الفاعل.
وأجاز المبرد، وكثير من القدماء الاتصال، مع تقديم غير الأعرف؛ تقول: الدرهم أعطيتهوك، ومنه قول عثمان ﵁: أراهمني الباطل شيطانا، والأصل: أراهم الباطل إياي شيطانا؛ أي: إن الباطل أرى القوم أني شيطان؛ فالباطل فاعل أرى، والهاء مفعول أول، والباء مفعول ثان، وشيطانا ثالث.
(٢) أي: من أجل وجوب الفصل، إذا تقدم غير الأعرف.
(٣) أي: تساويا في درجة التعريف؛ بأن كانا لمتكلم، أو مخاطب، أو غائب؛ لأنه يصدق عليه أن المتقدم غير أعرف.
(٤) أي: في التذكير والتأنيث، والإفراد وغيره. وفي هذا يقول الناظم:
وفي اتحاد الرتبة الزم فصلا … وقد يبيح الغيب فيه وصلا*
أي: إذا اتحد الضميران المذكوران في باب "سلنيه" و"خلتنيه" في الرتبة؛ بأن كان لمتكلمين أو مخاطبين أو غائبين، وجب الفصل في أحدهما، وقد يجوز الوصل إذا كانا لغائبين؛ واختلف لفظهما؛ تذكيرا أو تأنيثا، وإفرادا وتثنية وجمعا.
стр. 119
كقوله:
أنا لهماه قفو أكرم والد (١)
فصل: قد مضى أن ياء المتكلم من الضمائر المشتركة بين محلي النصب والخفض؛ فإن نصبها فعل، أو اسم فعل، أو ليت، وجب قبلها نون الوقاية (٢).
(١) عجز بيت من الطويل، لم ينسب لقائل، وصدره:
لوجهك في الإحسان بسط وبهجة
اللغة والإعراب:
بسط: بشاشة وطلاقة. بهجة: جمال وسرور. قفو: اتباع واقتداء. "لوجهك" جار ومجرور خبر مقدم. "بسط" مبتدأ مؤخر. "في الإحسان" متعلق به. "وبهجة" معطوفة على بسط. "أنالهماه" أنال فعل ماض متعد لاثنين؛ هما: ضمير تثنية مفعول ثان مقدم، عائد إلى البسط والبهجة، والهاء مفعول أول، يرجع إلى وجه. "قفو" فاعل مضاف إلى ما بعده، من إضافة المصدر لمفعوله.
المعنى: يقول: إن وجهك تظهر عليه البشاشة والحسن، عند الإحسان والعطاء، وهاتان الصفتان أورثهما لك اقتداؤك بوالدك، وهو أكرم والد.
الشاهد: في "أنالهماه"؛ حيث أتى بالضمير الثاني -وهو ضمير المفرد الغائب- متصلا، والأول ضمير غائب للمثنى. والأكثر في هذه الحالة الانفصال؛ وإنما خص جواز الاتصال والانفصال عند اتحاد الرتبة بضميري الغيبة؛ لصحة اختلاف لفظهما، واختلاف مدلولهما كما في البيت، فنزل ذلك اختلاف الضميرين.
(٢) هي نون مكسورة؛ سميت بذلك لأنها في الغالب تقي الفعل وتصونه من وجود كسرة في آخره، عند إسناده لياء المتكلم، وتمنع اللبس، في مثل: أكرمني في الأمر؛ فلولاها لالتبست ياء المتكلم بياء المخاطبة، وأمر المذكور بأمر المؤنثة؛ كما تقي غير الفعل من تغيير آخر يلحق به؛ وتسمى كذلك "ياء النفس". وقد تحذف ياء المتكلم، وتبقى النون مكسورة للدلالة عليها نحو قوله -تعالى: ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِي الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾؛ أي: فبم تبشرونني؟
стр. 120
فأما "الفعل" نحو: دعاني، ويكرمني، وأعطني، وتقول: قام القوم ما خلاني وما عداني وحاشاني، إن قدرتهن أفعالا (١)، قال:
تمل الندامى ما عداني فإنني (٢)
وقوله: ما أفقرني إلى عفو الله، وما أحسنني إن اتقيت الله، وقال بعضهم: عليه رجلا ليسني (٣)، أي: ليلزم رجلا غيري، وأما تجويز الكوفي ما أحسني، فمبني على أن قوله: "أحسن" ونحوه اسم.
(١) أما إذا قدرتهن أحرف جر، و"ما" زائدة، فإن النون تسقط، وهذا قليل.
(٢) صدر بيت من الطويل، لم ينسب لقائل، وعجزه:
بكل الذي يهوى نديمي مولع
اللغة والإعراب:
تمل؛ من الملل وهو السأم؛ يقال: مل الشيء: سئمه. الندامى: جمع ندمان؛ وهو النديم: المسامر على الشراب. مولع: مغرم، من أولع بالشيء، أغرى به وأحبه. "الندامى" نائب فاعل. ما" مصدرية. "عداني" فعل ماض، والنون للوقاية، والياء مفعول، والفاعل عائد على البعض المفهوم من الفعل السابق، أو على اسم فاعل، كما سيأتي في بابه. "فإنني" الفاء للتعليل، وإن واسمها. "بكل الذي" متعلق بمولع، ومضاف إليه. "يهوى نديمي" الجملة من الفعل والفاعل صلة الذي، والعائد محذوف؛ أي: يهواه. "مولع" خبر إن.
المعنى: يمل الناس نداماهم وسمارهم إلا أنا، فلا أمل ولا يستغنى عني؛ لأني مغرم بقضاء كل ما يحبه مني نديمي.
الشاهد: في "ما عداني"؛ حيث دخلته نون الوقاية، وهو فعل ماض؛ بدليل تقدم "ما" المصدرية عليه.
(٣) قول لبعض العرب، حكاه سيبويه، وقد بلغه أن رجلا يهدده. "عليه" اسم فعل بمعنى المضارع المقترن بلام الأمر؛ أي: ليلزم. "رجلا" مفعول به. "ليسني" فعل ماض، واسمها يعود إلى رجل، والنون للوقاية، وياء المتكلم خبر، وقد لحقت النون "ليس"؛ بناء على الصحيح من أنها فعل لا حرف.
стр. 121
وأما قوله:
إذ ذهب القوم الكرام ليسي (١)
، فضرورة.
وأما نحو: ﴿تَأْمُرُونِي﴾ (٢)، فالصحيح أن المحذوف نون الرفع.
وأما "اسم الفعل" فنحو: دراكني، وتراكني، وعليكني؛ بمعنى أدركني، وبمعنى اتركني، وبمعنى الزمني.
(١) هذا رجز، لرؤبة على ما جاء في لسان العرب. وأوله:
عددت قومي كعديد الطيس
اللغة والإعراب:
عديد؛ عدد، يقال: هم عديد الثرى، أي: عدد التراب. الطيس: الكثير من الرمل ونحوه؛ وقد يسمى طيسلا. ليسي: المراد غيري. "قومي" مفعول عددت. "كعديد" متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف، أي: عدا كعديد "إذ" للمفاجأة، أو ظرف متعلق بعددت. "ليسي" ليس فعل ناقص، واسمها يعود على البعض المفهوم مما قبله؛ كما تقدم، وياء المتكلم خبرها.
المعنى: عددت قومي وأحصيتهم، فوجدتهم كثيري العدد؛ كذرات الرمل، ولكن لا خير فيهم؛ فقد ذهب القوم الكرام منهم سواي.
الشاهد: في "ليسي"؛ حيث حذفت نون الوقاية، التي تلحق الفعل عند اتصاله بياء المتكلم، وذلك شاذ؛ وقد سهله أن "ليس" فعل جامد لا يتصرف؛ فأشبه الاسم. وفيه شذوذ آخر؛ وهو: مجيء خبر ليس ضميرا متصلا. وقد أشار الناظم إلى ما تقدم مقتصرا على الفعل بقوله:
وقبل يا النفس مع الفعل التزم … نون وقاية و"ليسي" قد قد نظم*
أي: إذا اتصل بالفعل ياء المتكلم؛ لحقته لزومًا نون الوقاية، وورد حذفها مع ليس في النظم.
(٢) أي: بنون واحدة مخففة في قراءة نافع، وهو من الآية ٦٤ من سورة الزمر.
стр. 122
وأما "ليت" (١) فنحو: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. وأما قوله:
فيا ليتني إذا ما كان ذاكم (٢)
فضرورة عند سيبويه (٣).
(١) إنما وجبت معها النون؛ على الراجح؛ لقوة شبهها بالفعل في المعنى والعمل.
(٢) صدر بيت من الوافر، وعجزه:
ولجت وكنت أولهم ولوجا
وهو لورقة بن نوقل؛ ابن عم السيدة خديجة؛ قاله لها حين أخبرته بما حدثها به ميسرة غلامها؛ من كلام بحيرا الراهب له، وما شاهده من تظليل الغمام للرسول ﷺ ، أثناء سفره معه في تجارة لخديجة.
اللغة والإعراب:
كان ذاكم: كان تامة بمعنى حدث، واسم الإشارة يعود إلى ما حدث به ميسرة من كلام بحيرا؛ وأنه سيبعث رسولا وهاديا. ولجت: دخلت، يريد دخوله في الإسلام. "فيا ليتي" الفاء عاطفة، و"ياء" للنداء، والمنادى محذوف؛ أي: يا هؤلاء، و"ليت" حرف تمن ونصب، والياء اسمها. "إذا" ظرف مضمن معنى الشرط. "ما" زائدة. "ذا" فاعل كان التامة "ولجت" الجملة خبر ليت، أو جواب الشرط، وجملة الشرط وجوابه خبر. "ولوجا" تمييز.
المعنى: أتمنى إذا حدث ذلك الأمر أن أكون حيا وقتئذ، فأدخل في هذا الدين، وأكون أول الداخلين فيه، والمصدقين به.
الشاهد: في "ليتي"؛ حيث حذفت منها نون الوقاية؛ للضرورة، عند اتصالها بياء المتكلم، والأصل اقترانها بها.
(٣) هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، مولى بني الحارث بن كعب، إمام البصريين وسيبويه لقبه؛ ومعناه بالفارسية: "رائحة التفاح". قيل لقب بذلك للطافته ونظافته، وكانت وجنتاه كأنهما تفاحتان. أصله من فارس، ونشأ بالبصرة، وأخذ النحو والأدب عن الخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، والأخفش، وعيسى بن عمر، وغيرهم. وبرع فيهما حتى أصبح إماما لا يجارى في العربية. وكانت في لسانه حبسة، وقلمه من لسانه. وكان إذا أقبل على الخليل بن أحمد يجله ويقول: "مرحبا بزائر لا يمل". وما يقول هذا لغيره. وكتابه يعتبر خير الكتب التي ألفت في النحو، وأجمعها لمسائله، ولا يزال مرجع العلماء إلى اليوم. وقد اشتراه الجاحظ من ميراث الفراء، وأهداه إلى محمد بن عبد الملك الزيات؛ فسر به وقال: "والله ما أهدي إلي شيء أحب إلي منه". وقد قدم سيبويه إلى العراق في عهد الرشيد، وناظر الكسائي -إمام الكوفيين ببغداد- في حضرة يحيى بن خالد البرمكي، وكان مع الكسائي نحاة الكوفة، فناصروه على سيبويه؛ فخرج من المجلس مغموما، واتجه إلى فارس فأقام بها، ولم يعد إلى البصرة حتى مات سنة ١٨٠ هـ، وقد نيف على الأربعين، ودفن بشيراز.
стр. 123
وقال الفراء: يجوز ليتني وليتي (١).
وإن نصبها "لعل" فالحذف نحو: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ أكثر من الإثبات (٢)؛ كقوله:
أريني جوادًا مات هزلا لعلني (٣)(١) أي: في سعة الكلام من غير ضرورة ولا شذوذ؛ مستدلا بورود الاستعمالين في الكلام العربي الفصيح. والفراء: هو أبو زكريا يحيى بن زياد بن مروان الديلمي الكوفي، المعروف بالفراء. قيل: لقب بذلك؛ لأنه كان يفري الكلام. كان الفراء إماما في العربية، وأعلم الكوفيين بالنحو بعد الكسائي. وقد أخذ عنه وعن يونس؛ فجمع إلى علم الكوفيين علم البصريين، وكان يتردد بين الكوفة وبغداد، وكان متدينا ورعا على تيه وعجب. واتصل بالمأمون؛ فاتخذه مربي أولاده، وكان يقال: الفراء أمير المؤمنين في النحو، ولولاه ما كانت عربية؛ لأنه حصنها وضبطها. قال أبو بكر الأنباري: "لو لم يكن لأهل بغداد والكوفة من علماء العربية إلا الكسائي والفراء، لكان لهم بهما الافتخار على جميع الناس". وله مؤلفات كثيرة يستعمل فيها ألفاظ الفلاسفة، منها: "كتاب الحدود في النحو" ويراد بالحدود: التعاريف؛ كحد المعرفة، والنكرة، والنداء … إلخ، وكتاب "معاني القرآن"، و"البهاء فيما تلحن فيه العامة"، و"المقصور والممدود" و"الجمع والتثنية في القرآن" … إلخ. وتوفي سنة ٢٠٧ هـ في طريق مكة، عن سبع وستين سنة.
(٢) ذلك لأن "لعل" شبيهة بالحرف، بل إنها تستعمل أحيانا جارة.
(٣) صدر بيت من الطويل؛ وهو لحاتم الطائي، يخاطب امرأته، وقد عذلته على كثرة الإنفاق ونسبه في الحماسة إلى غيره. وعجزه:
أرى ما ترين أو بخيلًا مخلدا
=
стр. 124
وهو أكثر من ليتي. وغلط ابن الناظم فجعل "ليتي" نادرًا، "ولعلني" ضرورة (١).
وإن نصبها بقية أخوات ليت ولعل (٢)، وهي: إن، وأن، ولكن، وكأن، فالوجهان؛ كقوله:
وإني على ليلى لزار وإنني (٣)
= اللغة والإعراب: جوادا: رجلا كريما يجود بماله. هزلا -بضم فسكون- هزالا وضعفا. بخيلا: ضنينا بماله لا ينفقه. مخلدا: دائم الحياة باقيا. "ذريني" فعل أمر مبني على حذف النون، وياء المخاطبة فاعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول أول. "جوادا" مفعول ثان لأرى "هزلا" منصوب على نزع الخافض" لعلني" لعل: حرف ترج ونصب، والنون للوقاية، والياء اسمها. "أرى" الجملة خبر لعل. "ما" اسم موصول مفعول أرى "ترين" مضارع مرفوع بثبوت النون، وياء المخاطبة فاعل، والجملة صلة ما. "أو بخيلا" معطوف على جوادا. "مخلدا" صفة.
المعنى: أريني أيتها العاذلة رجلا كريما، مات من الضعف والهزال، بسبب ضيق ذات يده من الكرم، أو بخيلا، خلده ماله الذي يضن به عن الإنفاق، لعلي أرى ما ترين من الإمساك والتقتير، وعدم البذل والجود.
الشاهد: لحوق نون الوقاية في لعل على قلة، والكثير في العربية حذفها. وبالحذف وحده جاء القرآن الكريم في أكثر من آية.
(١) أي: مع أن "ليتي" ضرورة عند سيبويه، و"لعلني" نادر، بل كثير كما تقدم. وهل مجرد المخالفة من إمام عظيم: كابن الناظم يعتبر غلطا؟ إن رأيه ينبغي أن يحترم، وابن الناظم هو: الإمام بدر الدين محمد بن محمد بن مالك بن جمال الدين الطائي الدمشقي، النحوي ابن النحوي. كان إماما ذكيا حاد الخاطر، بارعا في النحو، وعلوم البلاغة، والعروض، على الرغم من أنه لم ينظم شيئا من الشعر. أخذ عن والده، ووقع بينهما خلاف؛ فسكن بعلبك؛ فلما مات والده طلب إلى دمشق وولي وظيفة والده. وتصدى للاشتغال والتصنيف؛ فشرح ألفية والده، وكافيته ولاميته، وشرح التسهيل ولم يتمه، وصنف كثيرا غير ذلك. ومات بالقولنج في دمشق سنة ٦٨٦ هـ.
(٢) أي: من الحروف الناسخة الناصبة.
(٣) صدر بيت من الطولي، لقيس بن الملوح، المعروف بمجنون ليلى، وعجزه: =
стр. 125
وإن خفضها حرف؛ فإن كان "من" أو "عن"، وجبت النون (١) إلا في الضرورة؛ كقوله:
أيها السائل عنهم وعني … لست من قيس ولا قيس مني (٢)
=
على ذاك فيما بيننا مستديمها
اللغة والإعراب: زار عاتب؛ وهو اسم فاعل من زرى عليه -من باب ضرب- عتب عليه. مستديمها: طالب دوام مودتها وحبها. "إني" إن واسمها. "على ليلى" متعلق بزار الواقع خبرا لإن، واللام فيه للتوكيد. "على ذاك" متعلق بمنسد، الواقع خبرا لإن الثانية، والإشارة إلى الزرى وهو العتاب "فيما بيننا" متعلق بمستديمها، و"ما" اسم موصول، وما بعدها صلة لها.
المعنى: إني لعاتب على ليلى؛ لهجرها وصدودها، وعلى الرغم من ذلك، فإني مستبق مودتها، طالب دوام حبها؛ لأن ذلك يسعدني، فلعلها ترضيني، وتبادلني الحب والمودة.
الشاهد: حذف نون الوقاية من "إن" الأولى عند اتصالها بياء المتكلم، وإثباتها مع الثانية، والوجهان جائزان في سعة الكلام، وليس أحدهما أولى من الآخر؛ ومثل إن: أخواتها التي ذكرها المصنف.
(١) قيل: إن سبب ذلك المحافظة على بقاء السكون في الحروف؛ لأنه الأصل في البناء.
(٢) شاهد من بحر الرمل، لم ينسب لقائل، ولم يؤيد بمثله؛ لندرته، حتى قال فيه ابن هشام: "في النفس من هذا البيت شيء"، وقيل: إنه مصنوع.
اللغة والإعراب: قيس: هو ابن عيلان بن مضر بن نزار بن معد؛ أخو إلياس بن مضر. "السائل" نعت لأي. "عنهم" متعلق بالسائل "من قيس" خبر لست. "ولا" نافية مهملة. "قيس" مبتدأ ممنوع من الصرف، على إرادة القبيلة، للعلمية والتأنيث. "مني" متعلق بمحذوف خبر.
المعنى: يا من تسأل عن هؤلاء القوم وعني! لتعلم أني لست من هذه القبيلة ولا صلة بيننا، وليست لها أية صلة بي، ولعه يريد التنصل من أي علاقة بينه وبين هذه القبيلة؛ لعدم انسجامه معها.
الشاهد: في "عني، ومني" بالتخفيف؛ حيث حذفت نون الوقاية منهما عند إضافتهما لياء المتكلم؛ للضرورة النادرة. وفي حكم نون الوقاية مع الحروف، يقول ابن مالك مقتصرا على بعض الحروف الناسخة.
و"ليتني" فشا و"ليتي" ندرا … ومع "لعل" اعكس وكن مخيرا
في الباقيات واضطرارا خففا … "مني وعني" بعض من قد سلفا*
أي:: ن ثبوت نون الوقاية مع "ليت" كثير، ويندر حذفها، ومع "لعل" بالعكس، وأنت مخير في الباقيات من أخوات "ليت"، "لعل". وتلزم النون "من" و"عن"، وبعض المتقدمين يحذفها منهما؛ للتخفيف في الضرورة.
стр. 126
وإن كان غيرهما امتنعت، نحو: "لي" و"بي" و"فيَّ" و"خلاي"، و"عداي" و"حاشاي" (١).
قال:
في فتية جعلوا الصليب إلههم … "حاشاي" إني مسلم معذور (٢)(١) قيل: إن السبب في امتناع النون في "لي" و"بي" أنهما مبنيان على الكسر، وفي "فيَّ" أن سكونها أصلي، لا يزول عند اتصالها بياء المتكلم، بل تدغم الياءان، وأما "خلا" و"عدا" و"حاشا"، فإن الألف لا تقبل الحركة، وقد سبق أنها إذا قدرت أفعالا، لحقتها النون؛ ليجري الفعل مجرى واحدا.
(٢) بيت من الكامل للمغيرة بن عبد الله الأسدي الملقب بالأقيشر؛ لأنه كان أحمر الوجه أقشر، وهو شاعر إسلامي.
اللغة والإعراب:
معذور: مقطوع العذرة؛ وهي قلفة الذكر يقطعها الخاتن، ويقال له: مختون؛ من الختان. "في فتية" متعلق بما قبله. "الصليب" مفعول أول لجعل. "إلههم" مفعول ثان ومضاف إليه. "حاشاي" حرف جر، والياء مجرورة بها.
المعنى: ليست من القوم الذين يعبدون الصلبان، ويتخذونها آلهة لهم، وإني أنزه نفسي عن ذلك؛ أنما أنا مسلم مختون كالمسلمين؛ ذلك لأن النصارى لا يختتنون.
الشاهد: في "حاشاي" حيث حذفت منه النون عند اتصاله بياء المتكلم؛ لأنه حرف جر، آخره ألف لا تقبل الحركة، فلا يخشى كسر آخره، لمناسبة الياء.
стр. 127
وإن خفضها مضاف، فإن كان "لدن"، أو "قط"، أو "قد"، فالغالب الإثبات (١)، ويجوز الحذف فيه قليلا (٢)، ولا يختص بالضرورة، خلافا لسيبويه.
وغلط ابن الناظم (٣) فجعل الحذف في "قد" و"قط" أعرف من الإثبات، ومثالهما (٤):
﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ قرئ مشددًا ومخففًا.
وفي حديث النار (٥): "قطني قطني، وقطي قطي".
(١) " لدن" ظرف بمعنى عند، و"قد" و"قط" اسمان مبنيان على السكون بمعنى حسب؛ أي: كاف، ومحلهما على حسب موقعهما في الجملة. وإذا كانت "قد" و"قط" اسما فعل مضارع بمعنى يكفي؛ وجب الإتيان بنون الوقاية؛ لتفصلهما عن ياء المتكلم. أما "قد" الحرفية؛ في مثل: قد اعتدل الجو، و"قط" الظرفية؛ في مثل: ما فعلته قط؛ فلا تتصل بهما ياء المتكلم. وتختص "قد" الحرفية بالدخول على الفعل المتصرف المثبت المجرد من ناصب وجازم. ومن الخطأ قولهم: "قد لا أفعل كذا"، وتفيد التحقيق والتوكيد غالبا، وقد تدل على التقليل والتكثير. أما "قط" الظرفية؛ فظرف زمان لاستغراق الماضي، وتختص بالنفي غلبا؛ فتقول: ما فعلته قط، ومن الخطأ قولهم: "لا أفعله قط".
(٢) لأن "عند" و"حسب" اللتين بمعناهما لا تلحقهما النون، فكذلك ما كان بمعناهما.
(٣) يقال فيه ما قيل في سابقه قريبا.
(٤) أي: مثال الحذف والإثبات في الثلاثة.
(٥) لفظه؛ كما في اللسان: "إن النار تقول لربها: إنك وعدتني ملئي، فيضع فيها قدمه فتقول: قط، قط ويزوي -أي: يضم- بعضها إلى بعض، روي بسكون الطاء، وبكسرها مع الياء، وبدونها، وبنون الوقاية، وقط بالتنوين. والمراد بوضع قدمه فيها: التجلي عليها بقهره وكبريائه.
стр. 128
وقال:
قدني من نصر الخبيبين قدي (١)
وإن كان غيرهن امتنعت؛ خو: أبي وأخي.
(١) شاهد من الرجز لحميد بن مالك الأرقط. وعجزه:
ليس الإمام بالشحيح الملحد
قاله لعبد الملك بن مروان، يصف تقاعده عن عبد الله بن الزبير وأصحابه، ويمدح عبد الملك، ويعرض بابن الزبير.
اللغة والإعراب:
قدني اسم بمعنى حسبي، أو اسم فعل بمعنى يكفيني. الخبيبين: المراد بهما: عبد الله بن الزبير؛ الذي يكنى أبا خبيب باسم ابنه خبيب، وأخوه مصعب بن الزبير على سبيل التغليب. الشحيح: البخيل. الملحد: الذي يستحل حرمات الله. "قدني" قد: مبتدأ مبني على السكون في محل رفع، والنون للوقاية، والياء مضاف إليه. "من نصر" متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، أو قدني: اسم فعل مضارع بمعنى يكفيني، والياء مفعوله "من نصر" فاعله على زيادة من. "الخبيبين" مضاف إليه. "قدي" توكيد لقدني مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم. "بالشحيح" خبر ليس على زيادة الباء.
المعنى: يكفي ما أحرزه هذان الرجلان من نصر؛ فإمامنا سخي كريم منزه عن الشح والإلحاد، اللذين يتصف بهما ابن الزبير، وقد كان مبخلا لا تبض يده بشيء.
الشاهد: في "قدني، وقدي"؛ حيث أثبت النون في الأولى، وحذفها من الثانية، على قلة. والوجهان جائزان عند ابن مالك قياسا. ويرى سيبويه لزوم النون مع "قد" و"قط"؛ لأنهما اسمان بمعنى "حسب"، وسقوطهما ضرورة. ويرى الكوفيون أنهما إذا كانتا بمعنى. "حسب" لم تقترن بهما النون، وإن اعتبرنا اسم فعل وجبت النون. وفي حكم "لدن" و"قد" و"قط" بالنسبة للاقتران بالنون وعدمه يقول ابن مالك:
وفي لدني "لدني" قَلَّ وفي … "قَدني وقَطْني" الحذف أيضا قد يفي*
=
стр. 129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أي: قل حذف النون من "لدني" فيقال: "لدني" بالتخفيف، وكذلك يقل الحذف في "قد" و"قط" والكثير إثبات النون، فيقال: "قدني" و"قطني".
فائدة: إذا اجتمعت نون الوقاية مع نون الرفع، وذلك في الأفعال الخمسة؛ نحو: أنتم تعرفوني، أنتما تساعدانني، أنت تشاركينني؛ جاز بقاء النونين على حالهما كما ذكرنا، وجاز إدماغهما؛ تقول: تعرفني، تساعداني، تشاركني، وتحذف واو الجماعة وياء المخاطبة؛ لالتقاء الساكنين. ويجوز حذف إحدى النونين تخفيفًا؛ تقول: تعرفوني، تساعداني، تشاركيني، والمختار أن المحذوف هو نون الوقاية إذا كان المضارع مرفوعا؛ فيقال في إعرابه: مرفوع بثبوت النون. ونون الأفعال الخمسة إذا كان منصوبًا أو مجزوما؛ فيقال في إعرابه: منصوب أو مجزوم بحذف النون، والنون الموجودة للوقاية.
стр. 130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسئلة والتمرينات:
١ عرف كلا من المعرفة والنكرة، واذكر أقسام المعرفة، ومثل لها.
٢ عرف كلا من الضمير المتصل والمنفصل، وأيهما الأصل؟ ولماذ؟
٣ أذكر الضمائر المتصلة المختصة بالرفع، والمشتركة بين النصب والجر، وضع كلا في عبارة مفيدة من إنشائك.
٤ ما الفرق بين المستتر والمحذوف؟ اشرح ذلك، ومثل لما تقول.
٥ اذكر المواضع التي يجب فيها استتار الضمير، ومثل لما تقول.
٦ متى يجب انفصال الضمير؟ ومتى يجب اتصاله؟ ومتى يجوز الأمران؟ وضح ما تقول بالأمثلة:
٧ وضح حكم الضميرين، اتصالا وانفصالا؛ إذا كان العامل فعلا ناسخا، أو اسما.
٨ اشرح قول ابن مالك:
وصل أو افصل هاء سلنيه وما … أشبهه في كنته الخلف انتمى
٩ متى تجب نون الوقاية في الكلمة؟ ومتى تمتنع؟ ومتى تجوز؟ على قلة أو كثرة؟
١٠ يستشهد النحويون بما يأتي في باب النكرة والمعرفة. بين موضع الاستشهاد، وأعرب ما تحته خط:
قال -تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾، ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾، ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾، ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾. وقال ﵇: "غير الدجال أخوفني عليكم".
أعوذ برب العرش من فئة بغت … علي فما لي عوض إلاه ناصر
فآليت لا أنفك أحذو قصيدة … تكون وإياها بها مثلا بعدي
كأني غداة البين يوم تحملوا … لدى سمرات الحي ناقف حنظل
فقلت أعيراني القدوم لعلني … أخط بها قبرا لأبيض ماجد
إن هو مستوليًا على أحد … إلا على أضعف المجانين
=
стр. 131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب … لعلك تهديك القرون الأوائل
وليس الموافيني ليرقد خائبا … فإن له أضعاف ما كان أملا
١١ أعرب ما تحته خط في البيتين الآتيين، وبين الشاهد فيهما، وهما لأبي الأسود الدؤلي. ينهى غلامه عن شرب الخمر:
دع الخمر يشربها الغواة فإنني … رأيت أخاها مجزئًا بمكانها
فإن لا تكنها أو تكنه فإنه … أخوها غذته أمه بلبانها
١٢ بين فيما يأتي:
أ- الضمائر المتصلة والمنفصلة، ومحل كل من الإعراب.
ب- المستتر جوازا ووجوبا.
جـ- نون الوقاية.
د- إعراب ما تحته خط:
أخي، هذه نصيحة مخلصة أسديها إليك، ودرة غالية أهديكها، فهي قبس من هديه ﵊: "اعلم أن الناس لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك".
كأني بك وقد علقتها، تسألني عن الطريق التي تسلكها، فهأنذاك أعرفكها: لا تخش في الحق لومة لائم، ولا تبخل بما منحك مولاك، فما أنت إلا وكيل فيما أعطاك من نعم زادك الله إياها، واجعل شعارك قول الله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾.
стр. 132
هذا باب العلم:
وهو نوعان:
جنسي وسيأتي:
وشخصي وهو: اسم يعيَّن مسماه تعيينًا مطلقًا (١).
فخرج بذكر التعيين النكرات (٢)، وبذكر الإطلاق ما عدا العلم من المعارف؛ فإن تعيينها لمسمياتها تعيين مقيد؛ ألا ترى أن ذا الألف واللام مثلًا، إنما يعين مسماه ما دامت فيه "أل"؟ فإذا فارقته فارقه التَّعْين، ونحو "هذا" إنما يعين مسماه ما دام حاضرًا، وكذا الباقي (٣).
فصل: ومسماه نوعان:
أولو العلم: من المذكرين كجعفر (٤)، والمؤنثات كخِرِنقَ (٥).
وما يؤلف: (٦) كالقبائل كقرن (٧)، والبلاد كعدن والخيل كلاحق (٨)، والإبل
هذا باب العلم:
(١) أي: غير مقيد بقرينة تكلم، أو إشارة حسية أو معنوية، أو زيادة لفظية؛ كالصلة، أو غير ذلك من القرائن التي توضح مدلوله، وتحدد المراد منه، بل بمجرد الوضع أو الغلبة.
(٢) فإنها تدل على شيء غير معين، كما أسلفنا في أول النكرة والمعرفة.
(٣) فالموصول يعين مسماه بالصلة، والضمير عين مسماه بالتكلم أو الخطاب أو الغيبة، والمضاف يعين مسماه بالمضاف إليه.
(٤) أصل الجعفر: النهر عامة، أو الصغير فوق الجدول، أو الملآن، ثم سمي به رجل معين.
(٥) الخرنق: ولد الأرنب للذكر والأنثى، أو الفتي من الأرنب، ثم سميت به امرأة شاعرة، هي أخت طرفة بن العبد لأمه.
(٦) أي: النوع الثاني من قسم العلم: الأشياء الأليفة من غير أولي العلم، التي يكون للواحد منها علم خاص به.
(٧) اسم قبيلة من مراد؛ ينسب إليها أويس القرني ﵁.
(٨) علم فرس، كان لمعاوية بن أبي سفيان.
стр. 133
كشذقم (١)، والبقر كعرار (٢)، والغنم كهيلة (٣)، والكلاب كواشق.
فصل:
وينقسم إلى:
مرتجل (٤)؛ وهو: ما استعمل من أول الأمر علمًا؛ كـ"أُدَدْ" لرجل (٥)، و"سعاد" لامرأة.
ومنقول، وهو الغالب؛ وهو: ما استعمل قبل العلمية لغيرها.
(١) اسم فحل من الإبل، كان للنعمان بن المنذر.
(٢) عرار -كقطام- اسم بقرة كانت في سبط من بني إسرائيل.
(٣) علم لعنز كانت لإحدى نساء العرب. ومن هذا النوع كل ما يتصل بحياة الناس وأعمالهم، وله اسم خاص به؛ كأسماء المصانع، والطائرات، والعلوم، والكتب. وقد أشار الناظم إلى ما تقدم بقوله:
اسم يُعيِّن المسمى مطلقا … علمه كجعفر وخرنقا
وقرن وعدن ولاحق … وشذقم وهيلة وواشق*
أي: إن العلم هو: الاسم الذي يدل على تعيين مسماه مطلقًا؛ بلا قيد تكلم أو خطاب أو غيبة، ويشمل ذلك مسميات الأعلام العقلاء: من الأناسي، وغيرهم من المألوفات، كما مثل الناظم.
(٤) من الارتجال، وهو الابتكار والبدء بالشيء من غير سابقة. وهذا التقسيم للعلم من حيث وضعه، وأصالته في العلمية أو عدم أصالته.
(٥) هو أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن حمير، أو قبيلة باليمن.
стр. 134
ونقله: إما من اسم: إما لحدث (١)؛ كزيد وفضل، أو لعين (٢)؛ كأسد وثور.
وإما من وصف: إما لفاعل؛ كحارث وحسن، أو لمفعول؛ كمنصور ومحمد.
وإما من فعل (٣): إما ماض كشمر (٤)، أو مضارع كيشكر (٥).
وإما من جملة: إما فعلية؛ كشاب قرناها (٦)، أو اسمية؛ كزيد منطلق، وليس بمسموع (٧)، ولكنهم قاسوه (٨).
(١) أي: مصدر يبين معنى من المعاني العقلية؛ فإن أصل زيد: مصدر زاد يزيد، وفضل: مصدر فضل يفضل.
(٢) أي: ذات مجسمة محسوسة.
(٣) أي: من الفعل وحده، من غير أن يكون معه فاعل ظاهر، أو ضمير مستتر، أو بارز، وإلا كان جملة؛ كما سيأتي.
(٤) علم لفرس، أو لرجل.
(٥) علم على رجل، وهو نوح ﵇.
(٦) علم على امرأة؛ ومثله فتح الله، علم لرجل. والقرنان: ذؤابتا الشعر. قال الأسدي:
كذبتم وبيت الله لا تنكحونها … بني شاب قرناها تصر وتحلب
(٧) كثر النقل من الجمل الاسمية الآن؛ مثل: "ما شاء الله" علم امرأة، وكذلك "ست الدار"، و"ست البلد".
(٨) أي: على ما سمع من الجمل الفعلية، وجعلوه قسيما له على تقدير التسمية به. وفي قسمي العلم المذكورين يقول الناظم:
ومنه منقول كفضل وأسد … وذو ارتجال كسعاد وأدد*
=
стр. 135
وعن سيبويه: الأعلام كلها منقولة (١)، وعن الزجاج (٢): كلها مرتجلة (٣).
فصل: وينقسم أيضًا إلى:
مفرد؛ كزيد وهند، وإلى مركب (٤)؛ وهو ثلاثة أنواع:
مركب إسنادي (٥): كـ"برق نحره"، و"شاب قرناها". وهذا حكمه الحكاية (٦).
قال:
نبئت أخوالي بني يزيد (٧)(١) لأن الأصل في الأسماء التنكير، ولا يضر جهل المعنى الأصلي لما يظن أنه مرتجل منها.
(٢) هو أبو إسحاق: إبراهيم بن السري بن سهل، المشهور بالزجاج النحوي: كان من أهل الفضل والدين، جميل المذهب، حسن الاعتقاد، وكانت صناعته خرط الزجاج، فنسب إلى ذلك. ثم مال إلى النحو، فلزم المبرد لتعلمه، وكان يعلم بالأجر، وشرط أن يعطيه من كسبه كل يوم درهما حتى يفرق الموت بينهما؛ وذلك ليبالغ في تعليمه. وما زال يلازمه حتى نبغ في النحو، ووفى بشرطه. وكان نديما للمكتفي بالله، وله تصانيف كثيرة منها مختصر في النحو، وشرح أبيات سيبويه، والنوادر، "والاشتقاق"، وكتاب "ما ينصرف وما لا ينصرف" ومات في جمادى الآخرة سنة ٣١١ هـ، ودفن ببغداد، وآخر ما سمع منه: اللهم احشرني على مذهب أحمد بن حنبل ﵄.
(٣) لأن المرتجل عنده هو: ما لم يتحقق عند وضعه قصد نقله من معنى سابق، وهذا القصد غير متحقق. وموافقة بعض الأعلام -وصفا أو غيره- مجرد اتفاق غير مقصود.
(٤) هذا التقسيم باعتبار لفظه. والمفرد: ما تكون من كلمة واحدة، أما المركب فهو ما تكون من كلمتين أو أكثر.
(٥) هو كل تركيب أسندت وانضمت فيه كلمة إلى أخرى، على وجه يفيد حصول شيء أو عدم حصوله، ولا يكون ذلك إلا بجملة فعلية أو اسمية.
(٦) أي إنه يبقى على ما كان عليه قبل التسمية، ويعرب بحركات مقدرة على آخره، منع من ظهورها الحكاية، فيكون من المعربات التقديرية، لا من المبنيات.
(٧) صدر بيت من الرجز لرؤبة بن العجاج، وعجزه: =
стр. 136
ومركب مزجي (١): وهو كل كلمتين نزلت ثانيتهما منزلة تاء التأنيث مما قبلها (٢).
فحكم الأول: أن يفتح آخره؛ "كبعلبك" و"حضرموت"، إلا إن كان باء فيسكن كـ"معديكرب"، و"قالي قلا" (٣).
وحكم الثاني أن يعرب بالضمة والفتحة (٤)، إلا إن كان كلمة "ويه" فيبنى على الكسر؛ كـ"سيبويه" و"عمرويه".
ومركب إضافي (٥): وهو الغالب؛ وهو كل اسمين نزل ثانيهما منزلة التنوين مما
=
ظلما علينا لهم فديد
اللغة والإعراب: نبئت: أخبرت وأعلمت. فديد: صياح وجلبة. "نبئت" فعل ونائب فاعل هو المفعول الأول. "أخوالي" مفعول ثان. "بني" بدل أو عطف بيان لأخوالي. "يزيد" مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة منع من ظهورها حركة الحكاية. "ظلما" مفعول لأجله وناصبه محذوف؛ أي: يصيحون. "علينا" متعلق بذلك المحذوف. "لهم فديد" الجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب مفعول ثالث لنبئت.
المعنى: أخبرت أن أخوالي بني يزيد يرفعون أصواتهم في جلبة وصياح بظلمنا، والنيل منا بغير حق.
الشاهد: في "يزيد"؛ فإنه مسمى به، مرفوع على الحكاية؛ لأن القوافي كلها مرفوعة، وهو منقول من جملة، وفيه ضمير هو الفاعل، لا من الفعل وحده، وإلا لأعرب إعراب ما لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل، وجر بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه مضاف إليه.
(١) مزج الشيء: خلطه، سمي بذلك؛ لأن الكلمتين امتزجتا واختلطتا حتى صارتا كالكلمة الواحدة، ويجري الإعراب والبناء على آخر الثانية.
(٢) أي: في لزوم ما قبلها حالة واحدة في أحوال الإعراب الثلاثة، وجريان حركات الإعراب.
(٣) معديكرب رجل، وقال قلا: اسم بلد بالشام.
(٤) أي: يعرب بالضمة في حالة الرفع، وبالفتحة في حالتي النصب والجر، وإعراب ما لا ينصرف للعلمية والتركيب.
(٥) سمي بذلك؛ لأن الأكثر فيه أن يكون بالكنى، وهي مضافة.
стр. 137
قبله (١)؛ كـ"عبد الله" و"أبي قحافة".
وحكمه أن يجري الأول بحسب العوامل الثلاثة: رفعًا ونصبًا وجرا، ويجر الثاني بالإضافة.
(١) أي: في أن الجزء الأول: تجري عليه وجوه الإعراب المختلفة على حسب العوامل، والثاني: يلتزم حالة واحدة؛ كالتنوين الملازم للسكون. وقد أشار الناظم إلى الأنواع الثلاثة للعلم المركب بقوله:
وجملة وما بمزج ركبا … ذا إن بغير "ويه" تم أعربا
وشاع في الأعلام ذو الإضافه … كعبد شمس وأبي قحافه*
أي: إن المركب الإسنادي -وهو المراد بقوله "وجملة"، والمركب المزجي غير المختوم بويه -يعربان على حسب الجملة. وذكر في البيت الثاني المركب الإضافي، ولم يذكر حكمه؛ وقد بيناه. وعبد شمس: علم على جد معاوية بن أبي سفيان، وأبي قحافة علم على والد أبي بكر الصديق.
стр. 138
فصل: وينقسم العلم إلى اسم، وكنية، ولقب (١)
فالكنية: كل مركب إضافي، في صدره أب أو أم (٢)؛ كأبي بكر، وأم كلثوم.
(١) هذا التقسيم باعتبار دلالته أو عدمها، على معنى زائد على العلمية.
(٢) وكذلك: ابن وبنت، وأخ وأخت، وعم وعمة، وخال وخالة. وليس منه مثل: أب لعلي، وأم لزينب، وأخ لمحمد، ونحو ذلك من كل تركيب لا إضافة فيه.
стр. 139
واللقب: كل ما أشعر برفعة المسمى أو ضعته (١)؛ كزين العابدين، وأنف الناقة (٢).
والاسم: ما عداهما (٣)، وهو الغالب؛ كزيد وعمرو. ويؤخر اللقب عن الاسم (٤)؛ كزيد زين العابدين، وربما يقدم كقوله:
أنا ابن مُزَيْقِيا عَمْرٍ وجدي (٥)
ولا ترتيب بين الكنية وغيرها
(١) أي: فوق دلالته على ذات معينة.
(٢) لقب جعفر بن قريع، وهو أبو بطن من سعد بن زيد بن مناة. قيل: لقب بذلك؛ لأن أباه ذبح ناقة وقسمها بين نسائه؛ فلما بعثته أمه إلى أبيه لم يجد إلا رأس الناقة، فأخذه وجعل يجره واضعا يده في الأنف؛ فلقب به. وكانوا يغضبون من هذا اللقب حتى مدحهم الحطيئة بقوله:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم … ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا
(٣) الاسم هنا: هو العلم الذي يدل على ذات معينة، دون غرض آخر من مدح أو ذم.
(٤) أي: وجوبا، إن لم يكن اللقب أشهر، وإلا جاز الأمران. ويعلل النحويون وجوب التأخير: بأن اللقب يشبه النعت في الإشعار بالمدح أو الذم، والنعت لا يتقدم. وبأن الغالب في اللقب أن يكون منقولًا عن اسم غير إنسان، وتقدمه قد يوهم السامع أن الغرض هو المسمى الذي نقل عنه.
(٥) صدر بيت من الوافر، لأوس بن الصامت الصحابي، أخو عبادة بن الصامت وعجزه:
أبوه منذر ماء السماء
اللغة والإعراب:
مزيقيا: لقب عمرو بن مالك، أحد ملوك اليمن، ومن أجداد أوس وجد الأنصار. قيل: لقب بذلك؛ لأنه كان يلبس كل يوم ثوبا، فإذا أمسى مزقه ووهبه لأصحابه. منذر ماء السماء: هو منذر بن امرئ القيس بن النعمان ملك الحيرة، أحد أجداد أوس لأمه، ولقب بماء السماء لحسنه، أو هو لقب لأمه فاشتهر به. "أنا ابن مزيقيا" مبتدأ وخبر ومضاف إليه. "عمرو" بالجر عطف بيان لمزيقيا. "وجدي" مبتدأ أول. "أبوه منذر". مبتدأ وخبر، والجملة خبر الأول. "ما السماء" عطف بيان ومضاف إليه.
المعنى: يريد أوس أن يبين أنه كريم الطرفين، نسيب الجهتين، لأبيه، وأمه.
الشاهد: في "مزيقيا" حيث تقدم -وهو لقب- على الاسم "عمرو". وهذا جائز، إذا كان اللقب مشهورا؛ كما بينا.
وإلى أقسام العلم، وتأخر اللقب، يشير الناظم بقوله:
واسما أتى وكنية ولقبا … وأخرن ذا إن سواه صحبا*
أي: إن العلم ثلاثة أنواع: اسم، وكنية، ولقب، وأن ذا -أي: اللقب- يتأخر إن صحب سواه من القسمين الآخرين، والمشهور أنه لا يتأخر إلا مع الاسم فقط، بالشرط الذي ذكرناه، ولهذا يقولون إنه كان الأولى أن يقول: "وأخرن ذا إن سواها صحبا".
стр. 140
قال:
أقسم بالله أبو حفص عمر (١)(١) رجز قاله بعض الأعراب لعمر بن الخطاب، وقد شكا إليه ضعف ناقته، وطلب أن يحمله من بيت المال؛ فأبى عمر وكذبه. وبعده:
ما مسها من نقب ولا دبر … فاغفر له اللهم إن كان فجر
اللغة والإعراب:
أبو حفص: كنية عمر بن الخطاب؛ والحفص: الأسد؛ وكني بذلك لجرأته وشجاعته. نقب: هو رقة أخفاف البعير؛ يقال: نقب البعير: رقت أخفافه، وبعير أنقب وناقة نقباء. دبر: هو القرح في ظهر البعير. فجر: كذب وحاد عن الصدق. "أبو حفص" فاعل أقسم، ومضاف إليه. "عمر" بدل من أبو حفص. "ما" نافية. "من نقب" فاعل مسها على زيادة من.
المعنى: حلف عمر بالله أن ناقتي لم يصبها حفي، ولا حدثت بها قروح في ظهرها، ثم طلب من الله أن يغفر له؛ إن كان قد حنث في يمينه.
الشاهد: تقديم الكنية -وهي: "أبو حفص"- على الاسم، وذلك جائز باتفاق وكذلك عكسه.
стр. 141
وقال حسان:
وما اهتز عرش الله من أجل هالك … سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو (١)
وفي نسخة من الخلاصة (٢) ما يقتضي أن اللقب يجب تأخيره عن الكنية؛ كأبي عبد الله أنف الناقة، وليس كذلك.
ثم إن كان اللقب وما قبله مضافين؛ كعبد الله زين العابدين، أو كان الأول مفردا والثاني مضافًا، كزيد زين العابدين، أو كانا العكس؛ كعبد الله كرز (٣)، أتبعت الثاني للأول (٤): إما بدلًا (٥)، أو عطف بيان، أو قطعته عن التبعية؛ إما برفعه خبر لمبتدأ محذوف، أو بنصبه مفعولًا لفعل محذوف (٦).
(١) بيت من الطويل؛ ينسب إلى سيدنا حسان بن ثابت، شاعر الرسول؛ في رثاء سعد بن معاذ؛ سيد الأوس، وقيل هو لرجل من الأنصار.
اللغة والإعراب:
اهتز: تحرك. عرش الله: أخذه الشاعر من قوله ﵇ حين مات سعد بن معاذ، من إثر جرح، من سهم أصابه يوم الخندق، فمات منه بعد ذلك بشهر: "اهتز العرش لموت سعد بن معاذ". هالك: ميت. "ما" نافية. "عرش الله" فاعل اهتز، ومضاف إليه. "سمعنا به" الجملة صفة لهالك. "إلا" أداة استثناء ملغاة "لسعد" متعلق باهتز. "أبي" بدل من سعد. "عمرو" مضاف إليه.
الشاهد: في "لسعد أبي عمر"؛ حيث قدم الاسم على الكنية، بعكس الشاهد السابق.
(٢) فقد روت هذه النسخة بيت ابن مالك؛ كما قدمناه: "وأخرن ذا إن سواه صحبا"؛ والمراد بـ"إذا" اللقب، والضمير في سواه يعود إلى اللقب أيضًا؛ ويراد بما سواه: الاسم والكنية، وهذا ما يعترض عليه المصنف. أما النسخة الأخرى؛ ففيها: "وأخرن ذا سواها صحبا"، وهذا يتمشى مع رأي المصنف؛ وهو المشهور الذي عليه الجمهور.
(٣) الكرز في الأصل: خرج الراعي، ثم لقب به.
(٤) ويعرب الأول على حسب حاجة العامل.
(٥) أي: بدل كل من كل.
(٦) أما المركب المزجي، والمركب الإسنادي، فلا يعتد بتركيبهما، ويعتبر كل منهما بمنزلة المفرد عند اجتماعه بغيره، وتجري عليه أحكام المفرد.
стр. 142
وإن كانا مفردين (١)؛ كسعيد كرز، جاز ذلك، ووجه آخر؛ وهو إضافة الأول إلى الثاني (٢).
وجمهور البصريون يوجب هذا الوجه. ويرده النظر (٣)، وقولهم: هذا يحيى عينان (٤).
(١) ولا بد أن يكون أحدهما اسما، والآخر لقبا؛ لأن الكنية لا تكون إلا مركبة؛ تركيبا إضافيا كما أسلفنا مثل "سعيد كرز": "قيس قفة"، و"زيد بطة".
(٢) بشرط ألا يمنع من الإضافة مانع؛ كوجود "أل" في العلم الأول منهما؛ نحو: الحارث كرز، أو يكون اللقب في الأصل وصفا مقرونا بأل؛ نحو: هارون الرشيد.
(٣) لأن فيه إضافة الشيء إلى نفسه، وذلك ممنوع، ويجاب على هذا بأنهما مختلفان تأويلا؛ فأحدهما -وهو المضاف إليه- يراد به الاسم المجرد، والآخر -وهو المضاف- يراد به المسمى.
(٤) قيل: هذا الرجل اسمه "يحيى" ولقبه "عينان"؛ لضخم عينيه. فـ"يحيى" خبر المبتدأ وهو "هذا" و"عينان" بدل، ولو أضيف لقيل: "عينيه". ويجيب البصريون على هذا: بأنه جاء على لغة من يلزم المثنى الألف. ومن عجب أن يرد المصنف هذا الوجه؛ مع إجازته له.
وقد اختاره الناظم؛ فقال في ذلك -مبينا الإعراب في المركب الإضافي:
وإن يكونا مفردين فأضف … حتما وإلا أتبع الذي ردف*
أي: إذا كان اللقب، وما قبله مفردين، وجب إعرابهما إعراب المتضايفين؛ فيكون الأول بحسب العوامل، والثاني مضاف إليه. وإن يكونا غير مفردين؛ بأن كانا مركبين تركيب إضافة، أو كان الأول مركبا، والثاني مفردا، أو بالعكس؛ أعرب الأول على حسب الجملة، أما الثاني الذي ردف الأول -أي: جاء بعده- فيتبعه في حركة إعرابه؛ فيكون بدلا أو عطف بيان .. إلخ، كما أوضح المصنف.
стр. 143
فصل: والعلم الجنسي (١):
اسم يعين مسماه بغير قيد، تعيين ذي الأداة الجنسية أو الحضورية؛ تقول: أسامة أجرأ من ثعالة؛ فيكون بمنزلة قولك: الأسد أجرأ من الثعلب (٢)، و"أل" في هذين للجنس (٣)، وتقول: هذا أسامة مقبلا؛ فيكون بمنزلة قولك: هذا الأسد مقبلا، و"أل" في هذا لتعريف الحضور (٤).
وهذا العلم: يشبه علم الشخص من جهة الأحكام اللفظية؛ فإنه يمتنع من أل، ومن الإضافة، ومن الصرف، إن كان ذا سبب آخر؛ كالتأنيث في "أسامة، وثعالة"، وكوزن الفعل في "بنات أوبر (٥)، وابن آوى"، ويبتدأ به.
(١) هذا هو النوع الثاني للعلم، الذي وعد المصنف به في أول الباب، وهو: اسم موضوع للصورة، والحقيقة الخيالية التي في ذهن الإنسان وعقله، ممثلة في فرد شائع من أفراد هذا الحقيقة الذهنية. فالعقل لا يمكن أن يدرك هذه الحقيقة من غير أن يتخيل صورة أي فرد من ذلك الجنس، فكلمة "أسامة" لا يدرك العقل معناها إلا مصحوبة بصورة "أسد"، وكلمة "ثعالة" لا يفهم معناها من غير أن يتصور "الثعلب". وهذا بخلاف كلمتي: "أسد" و"ثعلب".
(٢) ظاهر هذا: أن علم الجنس بمنزلة اسم الجنس، وقد أوضحنا لك علم الجنس. أما اسم الجنس فهو اسم موضوع للصورة الذهنية المجردة، من غير حاجة إلى استحضار لصورة فرد من أفرادها الخارجية، ومن غير ربط بين اللفظ ومدلوله الخارجي؛ فإذا سمع الإنسان الكلمات: شجر، عنب، نخل، انطبع في العقل بمجرد سماعه لها صورة مجردة، أو حقيقة ذهنية لشيء، له صفات مشتركة بين أفراد الخارجية، والنكرة هي نفس الفرد الشائع بين نظائره، وهي المدلول الحقيقي الخارجي لاسم الجنس هذا، ومن النحاة من لا يرى فرقا بين النكرة واسم الجنس.
(٣) أي: وليست للعهد؛ لأن كلا منهما اسم جنس.
(٤) وقد استفيد هذا من الإشارة إلى الجنس، وإن كان المعهود في الحضور: الإشارة إلى فرد حاضر.
(٥) علم على نوع من الكمأة صغير، له زغب رديء الطعم، على لون التراب.
стр. 144
ويأتي الحال منه؛ كما تقدم في المثالين (١).
ويشبه النكرة من جهة المعنى؛ لأنه شائع في أمته لا يختص به واحد دون آخر.
(١) المثالان هما: أسامة أجرؤ من ثعالة، وقد وقع علم الجنس مبتدأ، والثاني: هذا أسامة مقبلا، وقد جاء فيه الحال من علم الجنس.
وفيما تقدم يقول ابن مالك:
ووضعوا لبعض الأجناس علم … كعلم الأشخاص لفظا وهو عم*
أي: وضع العرب علما لبعض الأجناس؛ مثل علم الأشخاص في أحكامه اللفظية؛ من حيث منعه من الصرف، ومجيء الحال منه، وعدم دخول الألف واللام عليه … إلخ. وهذا العلم أعم من علم الشخص في معناه؛ لأنه مثل النكرة كما بينا.
стр. 145
فصل: ومسمى علم الجنس ثلاثة أنواع:
أحدها: وهو الغالب؛ أعيان لا تؤلف؛ كالسباع والحشرات؛ كأسامة، وثعالة، وأبي جعدة للذئب، وأم عريط للعقرب.
والثاني: أعيان تؤلف؛ كـ"هيان بن بيان" للمجهول العين والنسب، و"أبي المضاء" للفرس، و"أبي الدغفاء" للأحمق (١).
(١) أي: من غير تعيين لشخص بذاته؛ قال الشاعر:
أبا الدغفاء ولدها فقارا
أي: شيئا لا رأس له، ولا ذنب. يريد: كلفها ما لا تطيق، وما لا يكون، يقال هذا للأحمق؛ والدغف كالمنع: الأخذ الكثير.