باب الترخيم (١):
يجوز ترخيم المنادى؛ أي: حذف آخره تخفيفاً، وذلك بشروط (٢): كونه معرفة (٣)، غير مستغاث (٤)، ولا مندوب، ولا ذي إضافة (٥)، ولا ذي إسناد (٦)، فلا يرخم نحو قول
باب الترخيم:
(١) الترخيم في اللغة: ترقيق الصوت وتليينه، يقال: صوت رخيم؛ أي رقيق لين، وكلام رخيم؛ لين سهل، قال الشاعر:
لها بشر مثل الحرير ومنطق … رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر
وفي الاصطلاح: حذف آخر الكلمة في النداء بطريقة مخصوصة؛ للتخفيف غالبا، أو لداع آخر؛ كالتمليح، أو الاستهزاء.
وهو ثلاثة أقسام: ترخيم اللفظ للنداء، وترخيمه للضرورة الشعرية، وترخيمه للتصغير، والأولان هما موضوع هذا الباب، وفي ذلك يقول الناظم:
ترخيماً احذف آخر المنادى … كيا سعاً فيمن دعا "سعادا"
أي: أحذف آخر المنادى حذف ترخيم؛ كقولك: يا سعا، إاذا أردت أن تنادي من اسمها "سعاد".
(٢) هذه شروط عامة، لا بد منها لترخيم المنادى؛ سواء أكان مختوماً بتاء التأنيث، أم مجردا منها.
(٣) إما بالعلمية؛ كالمفرد العلم، أو بالقصد والإقبال؛ كالنكرة المقصودة، وإنما اختصت المعرفة بالترخيم؛ لأنها هي التي يكثر نداؤها؛ فلا يصح تريخم النكرة غير المقصودة.
(٤) أي مجرور باللام، ويجوز ترخيم المحذوف اللام عند سيبويه، وكثير من النحاة؛ تقول: يا فاطما لأخيها، وبعضهم يمنعه أيضاً.
(٥) أي لا يكون مضافا، ولا شبيها به.
(٦) أي لا يكون مركبا تركيبا إسناد، ويزاد على هذه الشروط: ألا يكون من الألفاظ المختصة بالنداء؛ كـ"فل" و"فلة"، ولا مبنيًا قبل النداء؛ كحذام، وخمسة عشر.
стр. 1122
الأعمى: يا إنساناً خذ بيدي، وقولك: يا لجعفر، وواجعفراه، ويا أمير المؤمنين، ويا تأبط شراء، وعن الكوفيين إجازة تريخم ذي الإضافة بحذف عجز المضاف إليه، تمسكاً بنحو قوله:
أبا عرو لا تبعد فكل ابن حرة (١)
وزعم ابن مالك، أنه يرخم ذو الإسناد (٢)، وأن "عمراً" نقل ذلك؛ وعمرو هذا: هو
(١) صدر بيت من الطويل، لم ينسب لقائل، وعجزه:
سيدعوه داعي ميتة فيجيب
اللغة والإعراب: لا تبعد: لا تهلك؛ من البعد، بمعنى الذهاب بالموت والهلاك. ابن حرة: يكنى بذلك عن الرجل الكريم، ويقال: ابن الأمة ما الأمه. ميتة: اسم هيئة من الموت. "أبا" منادى بحذف الياء منصوب بالألف نيابة عن الضمة. "عرو" مضاف إليه، وحذفت منه التاء للترخيم. "لا" حرف دعاء. "تبعد" فعل مضارع مجزوم به. "فكل" الفاء للتعليل، و"كل" مبتدأ. "ابن حرة" ابن مضاف إليه، وحرة مضاف إليه كذلك. "سيدعوهن" "ميتة" مضاف إليه. "فيجيب" معطوف على سيدعوه.
المعنى: لا تهلك نفسك أسى وحزنا على من مضى، فكل عظيم سصيبه الموت بسبب ما من أسبابه الكثيرة، ولا يستطيع أن ينجو منه؛ فتلك سنة الله في الخلق.
الشاهد: في قوله: "أبا عرو"؛ حيث رخم عجزه بحذف التاء وهو منادى مركب مضاف، وذلك جائز عند الكوفيين، ويمنعه البصريون؛ محتجين بأن المضاف إليه بمنزلة التنوين ما قبله، فليس بآخر المنادى حقيقة.
(٢) فتقول في تأبط شرا: يا تأبط، ونسب ذلك إلى سيبويه حيث يقول:
والعجز أحذف من مركب وقفل … ترخيم جملة وذا عمرو نقل
أي أنه يجوز ترخيم المركب المزجي، وترخيمه يكون بحذف عجزه، أما مركب الجملة وهو المركب الإسنادي -فترخيمه قليل، وقد نقل ذلك عن العرب "عمرو".
المشهور بسيبويه. ولاشتهار المنع عند سيبويه في هذه المسألة، عني الناظم بالتنبيه على أنه هو الذي نقل الجواز عن العرب.
стр. 1123
إمام النحويين ﵀ وسيبويه لقبه، وكنيته: أبو بشر.
ثم إن كان المنادى مختوماً بتاء التأنيث، جاز ترخيمه مطلقاً (١)؛ فتقول في "هبة"، علماً: ياهب (٢)، وفي "جارية"، لمعينة: يا جاري: قال:
جاري لا تستنكري عذيري (٣)(١) أي سواء كان علما، أو نكرة مقصودة، زائدة على الثلاثة، أم ثلاثيا غير التاء؛ لأن التاء في حكم الانفصال، أو أقل من ثلاثة كما مثل.
(٢) ومثله: قول العرب: "يا شا ادجني"؛ أي أقيمي في مكانك ولا تسرحي.
(٣) صدر بيت من الرجز؛ للعجاج بن رؤبة، يخاطب امرأته، وقد أنكرت عليه تأهبه للسفر، وعجزه:
سيري وإشفاقي على بعيري
اللغة والإعراب: لا تستنكري: لا تعديه أمرا منكرا. عذيري: العذير: ما يعذر الإنسان في عمله، فعلا كان أو تركا. والمراد هنا: الحال التي يزاولها، وعذير الرجل: من يعذره. "جاري" منادى بحذف الياء، وقد رخم بحذف التاء لأنه نكرة مقصودة، اي يا جارية، والجارية: الفتية من النساء. "لا" ناهية. "تستنكري" فعل مضارع مجزوم بها بحذف النون والياء فاعل. "عذيري". "وإشفاقي" معطوف عليه، أو الواو بمعنى "مع".
المعنى: لا تنكري علي يا جارية تأهبي للسفر، والذهاب في الأرض للبحث عن العيش، وعطفي وإشفاقي على بعيري؛ فالسعي واجب على كل إنسان، والعطف على الحيوان من الإيمان. قيل: إنه كان يعمل حلسا لبعيره استعددا للسفر فهزئت منه.
الشاهد: في "جاري"؛ فإنه منادى مرخم بحذف التاء من آخره، وهو نكرة مقصودة، وقد حذفت منه ياء النداء، ونداء اسم الجنس مع حذف حرف النداء مختلف في جوازه، فضلا عن ترخيمه.
стр. 1124
وإذا كان مجرداً من التاء، اشترط لجواز ترخيمه: كون علماً (١)؛ زائداً على ثلاثة (٢)؛ كجعفر، وسعاد. ولا يجوز ذلك في نحو: "إنسان" لمعين (٣)، ولا في نحو: زيد، ولا في نحو: حكم.
وقيل: يجوز في محرك الوسط دون ساكنه، وقيل: يجوز فيهما (٤).
(١) فلا يصح أن يكون نكرة مقصودة؛ لأن تعريفها بالقصد والإقبال.
(٢) فلا يصح ترخيم الثلاثي مطلقا؛ سواء كان ساكن الوسط أو متحركه، وقد أجازه بعض الكوفيين. وترخيم الأعلام الرباعية غير المختومة بالتاء حسن عند سيبويه.
(٣) لأن تعريفه بغير العلمية كما بينا.
(٤) القائل بجواز ترخيم محرك الوسط، الفراء، وبالجواز مطلقا بعض الكوفيين، وفي ترخيم المختوم بالتاء والمجرد منها، يقول الناظم:
وجوزنه مطلقا في كل ما … أنث بالها والذي قد رخما
بحذفها وفره بعد واحظلا … ترخيم ما من هذه الها قد خلا
إلا الرباعي فما فوق العلم … دون إضافة وإسناد متم
أي: جوز الترخيم في المنادى المؤنث بالهاء -أي بتاء التأنيث- مطلقاً؛ علما كان أو غير علم، ثلاثياً أو زائدا على الثلاثة، وما يرخم بحذفها لا يحذف منه شيء بعد ذلك.
واحظلا: أي أمنع ترخيم الخالي من التاء؛ إلا إذا كان رباعيا فأكثر، وكان علما، غير مضاف، ولا مركبا تركيب إسناد، تاما كاملا.
стр. 1125
فصل: والمحذوف للترخيم
إما حرف، وهو الغالب (١)؛ نحو: يا سعا، وقراءة بعضهم: ﴿يَا مَالِ﴾ (٢)، وإما حرفان؛ وذلك إذا كان الذي قبل الآخر من أحرف اللين، ساكناً (٣)، زائداً، مكملاً أربعة فصاعدا، وقبله حركة من جنسه لفظاً أو تقديراً (٤)؛ وذلك نحو: مروان، وسلمان، وأسماء، ومنصور، ومسكين، علماً؛ قال:
يا مرو إن مطيتي محبوسة (٥)(١) ولا يشترط فيه شيء غير ما تقدم.
(٢) من الآية ٧٧ من سورة الزخرف.
(٣) الواو والألف والياء التي يجمعها لفظ "واي": إذا وقعت ساكنة بعد حركة تجانسها؛ وهي الفتحة قبل الألف، والضمة قبل الواو، والكسرة قبل الياء، سميت حروف علة ومد ولين؛ نحو: قام، يقوم، مقيم: فإن سكنت وقبلها حركة لا تناسبها، سميت حروف علة ولين؛ نحو: فرعون، خير، فإن تحركت سميت حروف علة فقط؛ فكل مد ولين، وكل لين علة، ولا عكس، وعلى ذلك فذكر المصنف السكون مع اللين، للكشف والإيضاح، وفي بعض النسخ: من أحرف العلة.
(٤) لفظا: كمروان، ومسكين، ومنصور، وتقديرا: كمصطفون، ومصطفين، علمين.
(٥) صدر بيت من الكامل للفرزدق، يستجدي به مروان بن الحكم، وكان واليًا على المدينة، وقد مدحه فأبطأت عليه جائزته. وقد استشهد به سيبويه، وعجزه.
ترجو الحباء وربها لم ييأس
اللغة والإعراب: مطيتي: المطية الراحلة؛ من المطو؛ وهو الإسراع، أو من المطا؛ وهو الظهر، لأن راكبها يقتعد ظهرها محبوسة: يريد ممنوعة من العودة إلى منزلها صاحبها. الحباء: العطاء بلا جزاء، ربها، صاحبها. لم ييأس: لم يقطع الأمل في العطاء. "يا" للنداء. "مرو" منادى مرخم بحذف الألف والنون. "ترجو الحباء" الجملة في محل نصب حال من ضمير مطية، وإسناد الرجاء إليها مجاز، والمراد صاحبها. "
وربها" الواو للحال،
стр. 1126
وقال:
يا أسم صبراً على ما كان من حدث (١)
"ربها" مبتدأ ومضاف إليه، وجملة "لم ييأس" خبر، وييأس مجزوم بلم، وحرك بالكسر للروي، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب حال.
المعنى: يقول للمدوح: إنني باق هنا أنا ومطيتي، لم أبرح رحابك؛ انتظار لعطائك ولم أقطع الأمل في أن يصلها إلي، ولا يزال رجائي معقودا بك.
الشاهد: في قوله "يا مرو"؛ فقد رخم بحذف النون والألف قبلها، وأصله "يا مروان" وهو مستوف للشروط التي ذكرت.
(١) صدر بيت من البسيط للبيد بن ربيعة، وهو من شواهد سيبويه، وعجزه:
إن الحوادث ملقي ومنتظر
وقبله:
ترى الكثير قليلاً حين تسأله … ولا تخالجه المخلوجة الكثر
اللغة والإعراب: أسم: أصله أسماء. حدث: هو النازلة من نوازل الدهر. والجمع أحداث. ملقي: اسم مفعول من لقي. منتظر: مرتقب ومتوقع النزول. "يا" للنداء. "اسم" منادى مرخم بحذف الألف والهمزة. "صبرا" منصوب على المصدرية لفعل محذوف. "على" متعلق به. "ما" اسم موصول في محل جر. "كان" تامة بمعنى حدث ووقع، وفاعله يعود على "ما" الموصولة. "الحوادث" اسم "إن". "ملقي" خبر لمبتدأ محذوف، أو العكس؛ أي بعضها ملقي. "ومنتظر" معطوف عليه، والجملتان في موضوع رفع خبر إن، ويجوز أن يجعل "ملقي" خبر إن.
المعنى: اصبري يا أسماء على ما يطرأ من حوادث الدهر ونوازله؛ فإن حوادثه متتابعة محتومه، منها ما وقع وحصل، ومنها المنتظر وقوعه وحدوثه.
الشاهد: في "يا أسم"؛ فقد رخم بحذف الهمزة والألف قبلها، وأصله "يا أسماء"، ولا يصح في هذا النوع المستوفي للشروط، الاقتصار على حذف الآخر وحده، بل يجب أن يحذف معه الحرف الذي قبله، إلا المختوم بالتاء فتحذف وحدها، مع ملاحظة أن أصل الترخيم بحذف الآخر اختياري، ولكن إذا اختير الحذف في هذا النوع المستوفي الشروط، وجب التزام ما ذكرنا.
стр. 1127
بخلاف نحو: شمأل، علماً؛ فإن زائدة -وهو الهمزة- غير حرف لين، ونحو: هبيخ وقنور (١)، علمين؛ لتحرك حرف اللين، ونحو: مختار ومنقاد، علمين؛ لا صلة الألفين (٢)، ونحو: سعيد وثمود وعماد؛ لأن السابق على حرف اللين اثنان (٣).
وبخلاف نحو: فرعون وغرنيق، علماً لعدم مجانسة الحركة (٤).
ولا خلاف في نحو: مصطفون ومصطفين، علمين؛ لأن أصلهما مصطفيون،
(١) فيقال في ترخيمهما: يا هبي ويا قنو، بحذف الأخير فقط. والهبيخ: الغلام السمين الممتلئ لحما، والأنثى هبيخة، والقنور: الضخم الرأس، أو الصعب اليابس من كل شيء.
(٢) فإنهما منقلبان عن أصل؛ فتقول في ترخيمهما: يا مختا، ويا منقا، بحذف الآخر لا غير.
(٣) فيقال في ترخيمهن: يا سعي، ويا ثمو، ويا عما، بحذف الدال فيها لا غير.
(٤) فتقول في ترخيمهما: يا فرعو، ويا غرني، بحذف الآخر فقط.
ولا يشترط الجرمي والفراء المجانسة؛ فيقولان: يا فرع، ويا غرن؛ لبقاء الاسم على ثلاثة أحرف. وغرنيق: اسم لطائر طويل العنق من طيور الماء معروف. وفي الترخيم بحذف الحرفين الأخيرين يقول الناظم:
ومع الآخر احذف الذي تلا … إن زيد ليناً ساكناً مكملاً
أربعة فصاعداً والخلف في … واو وياء بهما فتح قفي
أي: يجب أن يحذف مع الحرف الأخير ما قبله، إن كان حرف لين ساكنا رابعا فصاعدا، وما كان قبل واوه أو يائه فتحة فيه خلاف كما أوضحنا، وقوله: تلا؛ أي تلاه الآخر، ولينا ساكنا: هو حرف المد، ومعنى قفي: تبع وجاء بعده حرف.
стр. 1128
ومصطفين؛ فالحركة المجانسة مقدرة.
وإما كلمة برأسها؛ وذلك في المركب المزجي؛ تقول في معد يكرب: يا معدي (١).
وإما كلمة وحرف، وذلك في "اثنا عشر"؛ تقول: يا أثن (٢)؛ لأن "عشر" في موضع النون؛ فنزلت هي والألف منزلة الزيادة في "اثنان" علماً.
فصل:
الأكثر أن ينوي المحذوف؛ فلا يغير ما بقي (٣)؛ تقول في جعفر: يا جعف
(١) وكذلك تفعل في "سيبويه"، و"خمسة عشر"، ونحوها، مسمى بهما؛ تقول يا سيب، ويا خمسة، ولا بد من وجود قرينة قوية تدل على الأصل. ومنع كثير من النحاة ترخيم المركب المزجي؛ لعدم سماعه عن العرب، ورأيهم أقرب إلى الصواب، ومنع الفراء ترخيم المركب العددي، ومنع أكثر الكوفيين ترخيم المختوم بويه.
وقد أشار الناظم إلى حذف عجز المركب المزجي بقوله: "والعجز احذف من مركب".
(٢) وتقول في اثنتا عشرة: يا اثنت، ولم يعرف الترخيم بحذف الآخر وحرف قبله في غاير هذين اللفظين من المركبات العددية، بشرط أن يسمى بهما؛ لئلا يلتبسا بنداء المثنى؛ وهو: اثنان، واثنتان.
(٣) بل يبقى على حاله قبل الحذف، من حركة، أو سكون، أو صحة، أو إعلال؛ لأن المحذوف في نية الملفوظ، ويستمر البناء على الضم واقعا على الحرف الأخير المحذوف، وتسمى هذه اللغة: لغة من ينتظر، وهي اللغة الفضلى؛ لأن المحذوف المنوي جدير بالمرعاة، وينبغي الاقتصار عليهما في ترخيم المنادى المختوم بتاء التأنيث عند خوف اللبس، كما سيأتي، وفي هذه اللغة يقول الناظم:
وإن نويت بعد حذف ما حذف … فالباقي استعمل بما فيه ألف
أي: إن نويت ما حذف بعد حذفه، فاستعمل الباقي بعد الحذف بما ألف فيه وعرف عنه قبل الحذف؛ أي أتركه على حاله المألوف قبل الحذف.
стр. 1129
بالفتح، وفي حارث، يا حار بالكسر، وفي منصور: يا منص بتلك الضمة، وفي هرقل: يا هرق بالسكون، وفي ثمود، وعلاوة (١)، وكروان: يا ثمود، ويا علاو، ويا كرو.
ويجوز: ألا ينوى فيجعل الباقي كأنه آخر الاسم في أصل الوضع (٢)؛ فتقول: يا جعف، ويا حار، ويا هرق، بالضم فيهن، وكذلك تقول: يا منص، بضمة حادثة للبناء (٣).
وتقول: "يا ثمي"، بإبدال الضمة كسرة، والواو ياء؛ كما تقول في جمع جرو، ودلو:
(١) العلاوة بالكسر: ما يعلق على البعير بعد تمام الوقر، والكروان: طائر طويل العنق معروف.
(٢) وعليه يقع البناء؛ لأن -ما حذف اعتبر- كأنه انفصل نهائياً، وتسمى هذه اللغة: لغة من لا ينتظر، وفيها يقول ابن مالك:
واجعله إن لم تنو محذوفاً كما … لو كان بالآخر وضعاً تمماً
فقل على الأول في ثمود "يا … ثمو" "ويا ثمي" على الثاني بيا
أي: أجعل الباقي من المنادى المرخم -إن لم تنو المحذوف- كما لو كان قد تمم الآخر بالوضع، وكأنه لم يحذف شيء يليه؛ فقل على الأول الذي ينتظر المحذوف في "ثمود"، علمًا: يا ثمو، بحذف الدال وترك الباقي على حاله، وعلى الثاني الذي لا ينتظر. يا ثمي، بقلب الواو ياء، والضمة كسرة؛ لأنه يعامل حينئذ معاملة الاسم التام.
(٣) اختار الصبان: أنه مبني على ضم مقدر، ويكون رفع التابع إتباعاً للضم المقدر، لا للضمة الملفوظ بها؛ وذلك خير من تكلف ذهاب ضمة أصلية وحدوث ضمة أخرى للبناء.
стр. 1130
الأجري، والأدلي (١)؛ لأنه ليس في العربية اسم معرب آخره واو لازمة مضموم ما قبلها.
وخرج بالاسم: الفعل؛ نحو: يدعو، وبالمعرب: المبني؛ نحو: هو، وبذكر الضم نحو: دلو، وغزو، وباللزوم نحو: هذا أبوك (٢)، وتقول: يا علاء، بإبدال الواو همزة لتطرفها بعد ألف زائدة؛ كما في اكساء، وتقول: يا كرا (٣)، بإبدال الواو ألفاً؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها كما في العصا.
فصل: يختص ما فيه تاء التأنيث بأحكام:
منها: أنه لا يشترط لترخيمه علمية، ولا زيادة على الثلاثة، كما مر وأنه إذا حذفت منه التاء توفر من الحذف، ولم يستتبع حذفها حذف حرف قبلها (٤)؛ فتقول في عقنباة: يا عقنبا (٥).
(١) أصلها: الأجرو، والأدلو؛ قلبت الضمة كسرة، والواو ياء لعدم النظير، كما ذكر المصنف.
ويرى بعض المحدثين: أنه قد انتشرت الآن الأسماء المعربة المختومة بالواو اللازمة الساكنة، التي قبلها ضمة، للأشخاص والأماكن؛ مثل: نهرو، كليمنصو، أرسو، إدفو، طوكيو، كونغو، فيكون من الخير واليسر أن ترخم بإبقائها على حالها، إذا فهمت ولم يحدث لبس.
(٢) فإن الواو فيثه غير لازمة؛ لقلبها ألفا في النصب، وياء في الحر.
(٣) ومنه المثل العربي: "أطرق كرا إن النعام في القرى" أي يا كروان، وهو مثل يضرب لمن يخدع بكلام يلطف له ويراد به الغائلة.
(٤) أي ولو كان لينا، ساكنا، زائدا، مكملا أربعة فصاعدا؛ ذلك لأن التاء في حكم كلمة منفصلة عما قبلها، وقد أشار الناظم إلى ذلك قبل، حيث قال:
والذي قد رخما … بحذفها وفره بعد. . . . . . . . . . .
(٥) أي بالألف والاقتصار على حذف التاء. وعقنباة: صفة للعقاب؛ إحدى الطيور الجارحة؛ يقال: هذه عقاب عقنباة؛ أي ذات مخالب قوية.
стр. 1131
وأنه لا يرخم إلا على نية المحذوف؛ تقول في مسلمة؛ وحارثة، وحفصة: يا مسلم، ويا حارث، ويا حفص، بالفتح؛ لئلا يلتبس بنداء مذكر لا ترخيم فيه؛ فإن لم يخلف لبس جاز؛ كما في نحو: همزة ومسلمة (١)، وإن نداه مرخما أكثر من ندائه تاماً؛ كقوله:
أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل (٢)(١) الهمزة: علم على المغتاب، يستوي فيه المذكر والمؤنث، و"مسلمة": علم على قائد مشهور، واسم لكثيرين من الصحابة؛ ومن ذلك: مسلمة بن عبد الملك بن مروان، ومثل مسلمة: حمزة، وطلحة، من الأعلام المشهورة التي فيها التاء ليست للفرق بين المذكر والمؤنث؛ وفي ذلك يقول الناظم:
والتزم الأول في كـ"مسلمة" … وجوز الوجهين في كـ"مسلمة"
أي التزم الترخيم على لغة من ينتظر الحرف المحذوف فيما فيه التاء للفرق بين المذكر والمؤنث؛ كمسلمة، وجوز الترخيم على اللغتين فيما فيه التاء ليست للفرق، كمسلمة، علما. ولعل من الخير أن يبتعد عن اللبس مطلقاً؛ سواء كان في المختوم بالتاء، أم في المجرد منها، أم في غيرهما، ولا معنى لقصره على المختوتم بالتاء. فإن لم يكن هنالك احتمال لبس، جاز اختيار إحدى الطريقتين، وأمر ذلك موكول إلى المتكلم، وإن كانت الطريقة الأولى أنسب؛ لبعدها عن اللبس غالباً؛ لأن عدم وجود الضمة يوحي بأن في اللفظ الحالي حذفا.
(٢) صدر بيت من الطويل لامرئ القيس، من معلقته المشهورة، وعجزه:
وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
اللغة والإعراب: مهلا: مصدر مهل فلي الشيء، عمله برفق ولم يعجل به. التدلل: أن يثق الشخص بحب غيره له فيجرؤ عليه ثقة به، وإظهار المرأة الغضب والتمنع ولست بغضبي. أزمعت: عزمت ووطنت النفس. صرمي: هجري وقطيعتي. فأجملي: فأحسني. "أفاطم" الهمزة للنداء، وفاطم منادى مرخم بحذف التاء. "مهلا" مفعول مطلق منصوب بمحذوف. "بعض" مفعول به لمحذوف أيضاً، أي دعي بعض. "هذا"
مضاف إليه. "التدلل"
стр. 1132
لكن يُشاركه في هذا: مالكٌ، وعامرٌ، وحارثٌ (١).
فصلٌ: ويجوزُ ترخيمُ غيرِ المنادَى بثلاثة شروطٍ:
أحَدُهَا: أَنْ يكونَ ذلك في الضرورة.
الثَّانِي: أَنْ يصلح الاسم للنداء (٢)، فَلا يجوزُ فِي نَحْوِ الغلامِ.
بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة. "وإن كنت" شرط وفعله، والتاء اسم كان. "قد أزمعت صرمي" الجملة خبر كان. "فأجملي" الفاء واقعة في جواب الشرط، وأجملي فعل أمر مبني على حذف النون والياء فاعل.
المعنى:- ترفقي بي يا فاطمة، واتركي الدلال وإظهار الهجر، وإن كنت قد اعتزمت هجري حقا، ووطنت نفسك عليه، فأحسني في ذلك، وكوني بي رفيقة رحيمة.
الشاهد:- في "أفاطم"؛ فهو اسم مؤنث رحم بحذف التاء، وهذا كثير، بل أكثر من غير المرخم.
(١) - فإن ترخيمها أكثر من تركه؛ لكثرة استعمالها في الشعر العربي في النداء، وأسماء للرجال.
(٢) - أي لمباشرة حرف النداء. ولا شك أن "الغلام" لا يصلح لذلك، بسبب وجود "أل"، وفي هذا يقول الناظم:
وَلَاضْطَرَارٍ رَخَّمُوا دُونَ نِدَا … مَا لِلنِّدَا يَصْلُحُ نَحْوُ "أَحْمَدَا" *
أي: رخموا للضرورة -في غير النداء- ما يصلح أن يكون منادى؛ نحو: "أحمد"، فنص الناظم على شرطين هما: أن يكون الترخيم للضرورة، وأن يكون المرخم صالحا للنداء، وقد عرفت باقي الشروط. ولا يشترط في المرخم للضرورة أن يكون معرفة، فقد ترخم النكرة كقول الشاعر:
* لَيْسَ حَيٌّ عَلَى المَنُونِ بِخَالِ *
أي: بخالد.
стр. 1133
الثَّالث: أَنْ يكونَ إِمَّا زَائِدًا عَلَى الثلاثة، أو بتاء التأنيث؛ كقوله:
* طريف بْنُ مَالٍ لَيْلَةَ الجُوعِ وَالخَصَرْ * (١)
وَلَا يمتنع عَلَى لغة مَنْ ينتظر المحذوف، خلافًا للمبرِّد؛ بدليل:
* وأَضحَتْ مِنْكَ شَاسعةً أُمَامَا * (٢)(١) - عجز بيت من الطويل لامرئ القيس الكندي، وصدره:
* لَنِعْمَ الفَتَى تَعْشُو إِلَى ضَوْء نَارِه *
وبعده: إِذَا الْبَازِلُ الكَوْمَاءُ رَاحَتْ عَشِيَّةً … تُلاوِزُ مَنْ صَوْت المُبَسبس بالسَّحَرْ
اللغة والإعراب:- الفتى يراد به هنا الرجل الجواد. تعشو: تنظر إلى ناره من بعيد؛ من عشا النار: رآها ليلا من بعد فقصدها مستضيئا. الخصر: شدة البرد. "لنعم" اللام للتوكيد، ونعم فعل ماض. "الفتى" فاعل، وجملة "تعشو" حال منه، أو صفة. "طريف" بدل من الفتى، أو مبتدأ مؤخر، وجملة "نعم" الفتى خبر مقدم، ويجوز أن يكون خبرا لمبتدإ محذوف، والعكس. "ابن" صفة لطريف. "مال" مضاف إليه. "ليلة" الجو ليلة ظرف لتعشو، والجوع مضاف إليه. "والحصر" معطوف على الجوع.
المعنى: - نعم الرجل السخي الكريم طريف بن مالك، يقصده الناس من بعيد، مستضيئة بناره في زمن الحاجة والمسغبة، عند اشتداد البرد. وزمن الشتاء عند العرب هو زمن الحاجة والمجاعة، وفيه يظهر الجواد والشحيح.
الشاهد - في قوله: "ابن مال"؛ حيث رخم في غير النداء للضرورة؛ وأصله: ابن مالك، ونون على لغة من لا ينتظر.
(٢) - عجز بيت من الوافر، لجرير بن عطية، الشاعر الأموي المشهور، وصدره:
* أَلا أَضْحَتْ حِبَالُكُمْ رِمَامَا *
اللغة والإعراب: - أضحت معناها هنا صارت وتحولت. حبالكم: المراد: عهودكم وأواصر الألفة وروابط المحبة بيننا وبينكم. رماما: بالية ضعيفة، جمع رمة؛ وهي القطعة البالية من الحبل. شاسعة: بعيدة بعدا كبيرا. "ألا" حرف تنبيه. "رماما" خبر أضحت الأولى. "شاسعة" خبر أضحت الثانية مقدم. "منك" جار ومجرور متعلق بها. "أماما" اسمها مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على التاء المحذوفة للترخيم، والألف للإطلاق.
стр. 1134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المعنى: - لقد تحول ما بيني وبينكم أيها القوم من أواصر الألفة وروابط المحبة، وصار ما بيننا من عهود الود وأسباب التواصل كأن لم يكن، وأصبحت محبوبتي "أمامة" بعيدة عني، ليس في وصلها والرجوع إليها مطمع.
الشاهد: - في "أماما"؛ حيث رخم للضرورة في غير النداء، بحذف التاء على لغة من لا ينتظر الحرف المحذوف، وهو حجة على المبرد الذي أوجب ترخيم مثل ذلك على لغة من لا ينتظر، ولو رخم على لغة من لا ينتظر لقيل أمام بالرفع.
تنبيه
أ - كثيرا ما يرد "صاح" منادى، وأصله "صاحب"؛ فنودي نداء ترخيم بحذف الباء على القاعدة، وهذا أولى من قول من يقول: إن أصلها: "صاحبي"؛ ورحمت شذوذا بحذف ياء المتكلم والباء؛ لأن الأخذ بما لا شذوذ فيه أولى، وبخاصة إذا كان المطرد ممكنا.
ب - ورد في الشعر ترخيم المتسغات المقرون بلام الاستغاثة وغير المقرون بها؛ فالأول كقول الشاعر:
كُلَّمَا نَادَى مُنَادٍ منْهُم … يَا لَتَيْمِ اللهِ قُلْنَا يَا لَمَالِ
فإنه أراد: يا لمالك؛ فرخمه بحذف آخره وهو الكاف، وهو مستغاث مقرون باللام، والثاني كقول أبي شريح الأحوص الكلابي:
تَمَنَّاني لِيَقْتُلَنِي لَقِيطٌ … أَعَامِ لَكَ ابْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ سَعْدِ
وفي هذا البيت شذوذ من وجهين:
استعمال الهمزة في نداء المستغاث، وترخيمه.
стр. 1135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسئلة والتمرينات
١ - عرف الترخيم، واذكر أنواعه، وبين المقصود منه هنا، مع التمثيل.
٢ - ما الذي يشترط في ترخيم المنادى مطلقا؟ وما الذي يختص به ما فيه التاء؟ مثل.
٣ - قد يرخم غير المنادى، بين الشروط المطلوبة لذلك، وما الذي يحذف للترخيم؟ ووضح بأمثلة من إنشائك.
٤ - بين الترخيم على لغة من ينتظر، ومن لا ينتظر، ومثل.
٥ - قد تدعو الضرورة إلى ترخيم المنادى، فما شرط ذلك؟ وضح بالمثال.
٦ - فيما يأتي شواهد لبعض موضوعات هذا الباب بين موضع الشاهد، وحكمه:
يَا عَبْلُ لا أَخْشَى الحَمَا وَإِنَّمَا … أَخْشَى عَلَى عَيْنَيْكِ وَقَتَ بُكَاكِ
كِلِينِي لِهَمٍ يَا أُمَيْمَةُ نَاصِبٍ … وَلَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيء الكَوَاكِبِ
وَهَذَا رِدَائي عِنْدَهُ يَسْتعيرُهُ … ليَسْلُبَني حَقِّيَ أَمَالُ بْنُ حَنْظَلِ
يَا جَارَ لَا أُرَمَيَنْ مِنْكُمْ بِدَاهِيَة … لَمْ يَلقَهَا سُوقَةٌ قَبْلِي وَلَا مَلِك
كُلَّمَا نَادَى مُنَادٍ مِنْهم … يَا لَتَيْمِ اللهِ قُلْنَا يَا لَمَالِ
٧ - اشرح قول ابن مالك:
وَالْعَجْزَ احْذَفَ مِنْ مُرَكَّبٍ وَقَلْ … تَرخِيمُ جُمْلَةٍ وَذَا عَمْرٌو نَقَلْ
وبين على ضوئه: حكم ترخيم المركب المزجي، والإسنادي، والعددي.
٨ - بين فيما يأتي: ما يجوز ترخيمه، وكيف يرخم، وما لا يجوز، وسبب عدم الجواز.
حارثة، سعفان، محمود، نومان، فتح الله، ماجدة، عمران إسماعيل، مختار، عبد الإله، حمدويه، عنتر، يا أماه، واحزناه، يالله للفدائيين!
٩ - بين الشاهد في قول عنترة الآتي، وأعرب الشطر الثاني منه:
ولَقَدْ شَفَى نَفْسي وَأَبْرَأَ سُقْمَهَا … قِيلُ الفَوَارِسِ وَيكَ عَنتَرَ أَقْدِمِ
١٠ - اشرح البيت الآتي، وأعرب الشطر الأول منه، وهو لحاتم الطائي:
أَمَاوِيَّ إِنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحٌ … وَيَبْقَى مِنَ الْمَالِ الأَحَادِيثُ وَالذِّكْرُ
стр. 1136
باب المنصوب على الاختصاص (١):
وهو: اسم معمول لأخص واجب الحذف؛ فن كان "أيها" أو "أيتها" استعملا كما يستعملان في النداء؛ فيضمان (٢) ويوصفان لزوماً باسم لازم الرفع محلى بأل؛ نحو: أنا أفعل كذا أيها الرجل (٣)، و"اللهم اغفر لنا أيتها العصابة". وإن كان غيرهما نصب (٤).
باب المنصوب على الاختصاص:
(١) الاختصاص: مصدر اختصصته بكذا، أي خصصته به وقصرته عليه؛ فهو لغة: قصر الكم على بعض أفراد المذكور أولًا، واصطلاحاً: إصدار حكم على ضمير مبهم لغير الغائب، بعده اسم ظاهر معرفة، يفسره ويوضحه، ويختص بهذا الحكم. وهو معمول لأخص محذوفًا وجوبًا، ومثل أخص: أعني، أقصد، أريد، أو ما شاكل هذا؛ غير أن لفظ "أخص" هو المشهور؛ ومنه سمي الاختصاص. والباعث عليه: إرادة القصر والتخصيص، وقد يكون الفخر؛ نحو: أنا -العربي- لا أستكين للمذلة، أو التواضع؛ نحو: إني -أيها الضعيف- قوي بالإيمان، وقد يكون الغرض منه تفصيل وبيان ما يراد من الضمير؛ من جنس، أو نوع أوعدد؛ نحو: نحن -بني الإنسان- نخطئ ونصيب، نحن -الجنود- قدوة في الكفاح، نحن -العشرة- أعضاء الاتحاد.
(٢) أي: يبنيان على الضم في محل نصب على المفعولية بالفعل المحذوف، ولا بد أن يتصل بآخرهما لفظ "ها" للتنبيه، وأن يلتزما هذه الصيغة، إفرادا، وتثنية، وجمعا؛ "أي"
للمذكر، و"أية" للمؤنث.
(٣) "أنا" ضمير مبتدأ. "أفعل" الجملة خبر. "أي" منادى في محل نصب مفعول به لفعل محذوف مع فاعله. "ها" حرف للتنبيه مبني على. "الرجل" نعت لأي بإعتبار اللفظ، وضمته ضمة إتباع، وجملة الاختصاص في محل نصب على الحال، ومعناه: أنا أفعل كذا مخصوصًا من بين الرجال. ويصح تأخير جملة الخبر؛ وهي: أفعل كذا، في نهاية الجملة؛ فتقول: أنا أيها الرجل أفعل كذا.
(٤) أي وجوبا؛ سوا كان معرفا بالإضافة؛ كما مثل المصنف، أو بأل؛ نحو:
نحن العرب أسخى من بذل
أو كان علما غير مضاف، وذلك قليل؛ نحو: أنا الطبيب لا أتوانى عن إجابة الداعي،
стр. 1137
نحو: نحن معاشر الأنبياء لا نورث (١). ويفارق المنادى في أحكام.
أحدها: أنه ليس معه حرف نداء، لا لفظاً ولا تقديراً.
الثاني: أنه لا يقع في أول الكلام، بل في أثنائه، كالواقع بعد "نحن" في الحديث المتقدم، أو بعد تمامه، كالواقع بعد "أنا" و"نا" في المثالين قبله.
الثالث: أنه يشترط أن يكون المقدم عليه اسماً بمعناه (٢).
والغالب كونه ضمير تكلم، وقد يكون ضمير خطاب؛ كقول بعضهم: "بك الله نرجو الفضل" (٣).
ومنه قول رؤبة:
بنا تميماً يكشف الضباب
(١) هذا جزء من حديث، وتمامه: "ما تركناه صدقة". "ما" اسم موصول مبتدأ. "تركناه" الجملة صلة. "صدقة" خبر المبتدأ.
هذا: وبين الاختصاص والنداء تشابه في أمور؛ هي:
أ- إن كلا منهما يفيد الاختصاص وهو في هذا الباب خاص بالمتكلم أو المخاطب، وفي باب النداء مقصور على المخاطب.
ب- أن كلا منهما للحاضر؛ أي المتكلم أو المخاطب، وإن كان النداء لا يكون للمتكلم.
جـ- أن كلان منهما يرى معه الاسم أحياناً مبنيًا على الضم في محل نصب في "اي" و"أية"، مع وجود "ها" التنبيه، والنعت بعدهما، وتارة يكون منصوبًا.
د- أن الاختصاص يقصد به تقوية المعنى وتوكيده، وكذلك يكون النداء أحياناً، أما الأمور التي يختلفان فيها فقد أوضحها المصنف.
(٢) - أي: أن يكون المراد منهما شيئاً واحدًا.
(٣) "بك" جار مجرور متعلق بنرجو. "الله" منصوب على الاختصاص بفعل محذوف وجوبًا؛ وهو علم. "الفضل" مفعول نرجو. وفي هذا المثال ولي المختص ضمير المخاطب، وهو قليل، والأكثر أن يلي ضمير المتكلم؛ واحدا، أو مثنى، أو مجموعا، وكذلك جاء علما وهو نادر، ولا يقع المختص بعد ضمير غيبة، ولا بعد اسم ظاهر.
стр. 1138
والرابع والخامس: أنه يقل كونه علما، وأنه ينتصب (١) مع كونه مفرداً، كما في هذا المثال.
والسادس: أنه يكون بأل قياساً؛ كقولهم: "نحن العرب أقرى الناس للضيف".
(١) أي لفظاً لا محلا فقط، وهذا في غير "أي"، و"أية"؛ فإن نصبهما محلي لا غير، وهما مبنيان على الضم في محل نصب، ومن الفروق غير ذلك: أن "اي"، و"اية" توصفان في النداء باسم الإشارة، وهنا لا توصفان به، وصفتهما واجبة الرفع اتفاقا، بخلافهما في النداء. والمختص لا يكون موصولا، ولا ضميرا، ولا مستغاثا ولا مندوبا، ولا يرخم، بخلاف النداء في ذلك كله. والعامل هنا محذوف وجوبا مع فاعله بدون تعويض، أما في النداء فحرف النداء عوض عنهما. وهذه الفروق كلها راجعة إلى اللفظ.
ويفترقان معنى في أن الكلام مع الاختصاص خبر، ومع النداء إنشاء، وأنه قد يفيد الفخر والتواضع، بخلاف النداء؛ فإن الغرض الأصلي منه طلب الإقبال، وأن الغرض منه تخصيص مدلوله من بين أمثاله بما نسب إليه، وليس الأمر كذلك في النداء. وقد اقتصر الناظم على بعض ما سبق بيانه؛ فأجمل موضوع الاختصاص في بيتين؛ هما:
الاختصاص كنداء دون يا … كـ"أيها الفتى" بإثر "أرجوانيا"
وقد يرى ذو دون "أي" "أل" … كمثل "نحن العرب أسخى من بذل"
أي: أن الاختصاص يشبه النداء لفظاً، بدون حرف نداء. ولا بد أن يسبقه شيء، وأن تصاحبه الألف واللام غالبًا؛ كالمثال الذي ذكره؛ وهو: "أيها الفتى" بإثر -أي بعد- "ارجوني". وقد يرى الاختصاص مستعملا من غير لفظ "أي"، أو "أية" ويكون اسما مشتملا على "أل"؛ كقولك: "نحن العرب أسخى من بذل"؛ أي: أكرم من أعطى ماله.
стр. 1139
باب: التحذير
وهو: تنبيه المخاطب على أمر مكروه ليجتنبه (١)، فإن ذكر المحذر بلفظ "إيا"؛ فالعامل محذوف لزومًا (٢)؛ سواء عطفت عليه، أم كررته، أم لم تعطف، ولم تكرر (٣)؛ تقول: إياك والأسد، والأصل:
باب التحذير:
(١) هذا التعريف شبه لغوي؛ لأن التحذير مصدر معناه التخويف. والمناسب للنحوي الذي يبحث عن أحوال الكلم إعرابًا وبناء، أن يقال في التعريف: اسم منصوب معمول لفعل مضمر تقديره: أحذر ونحوه. والأصل في أسلوب التحذير: أن يشتمل على ثلاثة أشياء: المحذر؛ وهو المتكلم الذي يوجه التحذير لغيره، والمحذر، وهو الذي يتوجه إليه التنبيه والتحذير، والمحذر منه؛ وهو الشيء الذي يطلبه تجنبه والبعد عنه، وقد يقتصر على بعض هذه الأمور كما سنبينه بعد. ويكون التحذير بأمور كثيرة؛ كصورة الأمر، أو النهي؛ تقول: افعل كذا، ولا تفعله، ولكن المقصود في هذا الباب أساليب خاصة، تخضع لضوابط وقواعد، وضعها النحاة، ويكون بثلاث طرق:
أ- ذكر المحذر؛ وهو إاياك، وفروعه: إياكما، إياكم، إياكن، إما بعطف المحذور منه على إياك؛ نحو: إياك والأسد، أو بخفضه بمن؛ نحو: إياك من الإهمال.
ب- ذكر المحل المخوف عليه، ويكون بذكره نائبا عن "إيا" مضافا إلى كاف خطاب للمحذر من غير عطف ولا تكرار، أو مع العطف أو التكرار؛ مثل: يدك نفسك؛ أي: نفسك والأسد، أو نفسك نفسك.
جـ- ذكر المحذر منه مكررا، أو معطوفا عليه، أو بدونهما؛ نحو: البرد البرد، البرد والمطر، وسيأتي مزيد إيضاح لذلك كله.
(٢) لأنه لما كثر التحذير بلفظ "إيا"، جعلوه عوضا عن اللفظ بالفعل، والتزموا معه إضمار العامل، ولا يجمع بين العوض والمعوض. وهو منصوب باعتباره مفعولا به للمحذوف، ولا بد من أن يذكر بعده المحذر منه.
(٣) الأحسن أنه إذا سبقت الاسم المذكور بعد إياك واو العطف أن يختار فعل يناسب المعطوف، غير الفعل الناسب لإياك؛ فيكون في الأسلوب فعلان محذوفان وجوبا مع مرفوعيهما.
стр. 1140
احذر تلاقي نفسك والأسد (١)، ثم حذف الفعل وفاعله، ثم المضاف الاول، وأنيب عنه الثاني فانتصب (٢)، ثم الثاني، وأنيب عنه الثالث فانتصب وانفصل (٣). وتقول: إياك من الأسد (٤)، والأصل: باعد نفسك من الأسد، ثم حذف "باعد" وفاعله والمضاف (٥). وقيل: التقدير: أحذرك من الاسد؛ فنحو: إياك الأسد، ممتنع على التقدير الأول، وهو قول الجمهور (٦). وجائز على الثاني، وهو رأي ابن الناظم (٧).
ولا خلاف في جواز: إياك أن تفعل (٨)؛ لصلاحيته لتقدير "من". ولا تكون "إيًّا" في
(١) بجر "نفس" و"الأسد".
(٢) فصار: نفسك والأسد، بنصبهما.
(٣) أي بعد أن كان مجرورا متصلا؛ وذلك لتعذر اتصاله؛ فصار: "إياك" ويقال في إعرابه: "إياك" في محل نصب مفعول به بفعل محذوف وجوبا تقديره: احذر ونحوه، والكاف حرف خطاب، و"الأسد" معطوف على إياك، والأحسن أن يكون منصوبًا بفعل آخر مضمر وجوبًا يناسب الكلام كما أسلفنا، ويكون من عطف الجمل.
(٤) أي: بجر المحذر منه "بمن"، بدلا من العطف بالواو.
(٥) أي: وهو "نفس"، فانفصل الضمير وانتصب، "فإياك" منصوب بباعد المحذوف، و"من الأسد" متعلق به.
(٦) لأن "باعد" لا يتعدى بنفسه إلى مفعولين، ولا يجوز نصب "الأسد" بنزع الخافض؛ وهو "من"؛ لأن ذلك سماعي في غير أن، وإن، وكي، كما تقدم في موضعه. انظر صفحة ٩٨، جزء ثان.
(٧) لأن "احذر" يتعدى إلى مفعولين بنفسه؛ قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وينبني على التقديرين: أن الكلام على تقدير الجمهور إنشائي، وعلى تقدير ابن الناظم خبري، والحق -كما رأى بعض المحققين- أنه لا يتعين تقدير "باعد"، ولا "أحذر" ولا غيرهما، بل الواجب تقدير ما يؤدي الغرض ويناسب الحال؛ مثل: دع، اتق، نح … إلخ؛ لأن المقدر ليس أمرًا متعبدا به لا يعدل عنه. وينبغي الأخذ بهذا الرأي عند تقدير المحذوف في كل ما يحتاج إلى تقدير.
(٨) أي مما فيه المحذر منه "أن" المصدرية وصلتها؛ لأن حذف الجار قبل "أن" جائز في سعة الكلام.
стр. 1141
هذا الباب لمتكلم (١). وشذ قول عمر ﵁ "لتذك لكم الأسل والرماح والسهام، وإياي وأن يحذف أحدكم الأرنب" (٢)، وأصله: إياي باعدوا عن حذف الأرنب، وباعدوا أنفسكم أن يحذف أحدكم الأرنب (٣)، ثم حذف من الأول المحذور (٤)، ومن الثاني المحذرد (٥).
ولا يكون لغائب (٦)، وشذ قول بعضهم: "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب (٧)، والتقدير: فليحذر تلاقي نفسه وأنفس الشواب (٨).
وفيه شذوذان؛ أحدهما: اجتماع حذف الفعل وحذف حرف الأمر (٩).
والثاني: إقامة الضمير -وهو "إيًّا"- مقام الظاهر؛ وهو الأنفس؛ لأن المستحق
(١) لأن المتكلم لا يحذر نفسه، ولما يلزم عليه من اتحاد المحذور والمحذر.
(٢) "لتذك" اللام لام الأمر، وتذك فعل مضارع مجزوم بها، من التذكية؛ وهي الذبح. "الأسل" أصله: الشوك الطويل من شوك الشجر، والمراد به هنا: ما رق وأرهف من الحديد؛ كالسيف والسكين ونحوهما.
المعنى: - يأمر ﵁ أن يكون الذبح بالأسل، أو الرماح، أو السهام عند الرمي بها، وينهي عن حذف الأرنب وغيره بنحو حجر؛ فإن ذلك لا يحله.
(٣) الصواب: أنهما تحذيران حذف من كل منهما نظير ما أثبته في الآخر، وهو قول الجمهور والزجاج.
(٤) أي: وهو حذف الأرنب.
(٥) وهو: أنفسكم.
(٦) وذلك لاختصاص التحذير بالمخاطب، والغائب لا يحذر.
(٧) قول سمع عن العرب كما قال سيبويه، والشواب: جمع شابة، ويروى: السوءات، جمع سوأة، ومعناه: إذا بلغ الرجل ستين سنة، فلا ينبغي له أن يولع بشابة، أو أن يفعل سوأة.
(٨) فقد حذف الفعل مع فاعله، ثم المضاف الأول؛ وهو "تلاقي"، وأنيب عنه الثاني؛ وهو "نفس"، ثم الثاني فانفصل الضمير وانتصب، وأبد أنفس بإيا.
(٩) ولام الأمر لا تحذف إلا في الضرورة؛ فحذفها مع مجزومها أشد.
стр. 1142
للإضافة إلى الأسماء الظاهرة إنما هو المظهر لا المضمر (١). وإن ذكر المحذر بغير لفظ "إياه"، أو اقتصر على ذكر المحذر منه؛ فإنما يجب الحذف، إن كررت أو عطفت (٢)؛ فالأول نحو: نفسك نفسك، والثاني نحو: الأسد الأسد. و ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ (٣).
وفي غير ذلك يجوز الإظهار؛ كقوله:
خل الطريق لمن يبني المنار به (٤)(١) ذلك لأن الإضافة للتعريف أو التخصيص، والضمير في غنى عن ذلك؛ لأنه أعرف المعارف؛ قال صاحب اللمع: ويجوز أن يكون المحذر منه ضميرا غائبا معطوفا على المحذر، كقول الشاعر:
فلا تصحب أخا الجهل
وإياك وإياه
وعلى ذلك لا يكون التحذير بضميري الغائب والمتكلم شاذا، إلا إذا كان محذرا لا محذرا منه، وهذا وما قبله هما الأسلوبان الثاني والثالث من أساليب التحذير اللذان أشرنا إليهما أول الباب.
(٢) ذلك لأنهم جعلوا العطف والتكرار كالبدل من الفعل، ولا يكون العطف إلا بالواو خاصة.
(٣) ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ ناقة منصوب بفعل مضمر وجوبا على التحذير، ولفظ الجلالة مضاف إليه. و ﴿سُقْيَاهَا﴾ معطوف على الناقة؛ أي: ذروا ناقة الله وسقياها فلا تمنعوها عنها؛ فقد عطفت الواو محذرا منه على مثله. ويجوز في هذا أن تكون الواو للمعية؛ فينصب ما بعدها على أنه مفعول معه، وحينئذ يجوز إظهار العامل لعدم العطف. الآية ١٣ من سورة الشمس.
(٤) صدر بيت من البسيط، لجرير، من قصيدة يهجو فيها عمر بن لجإ التيمي، وهو من شواهد سيبويه، وعجزه:
وابرز ببرزة حيث اضطر القدر
اللغة والإعراب: خل: فعل أمر؛ من التخلية؛ أي اترك ودع. الطريق: المراد هنا سبيل المجد والشرف. المنار: علامات توضع في الطريق ليهتدي بها السالكون. أبرز:
стр. 1143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اظهر. برزة: اسم أم عمر بن لجإ. "الطريق" مفعول لفعل الأمر "خل". "لمن" متعلق به، ومن اسم موصول. "يبني المنار" الجملة صلة. "حيث" ظرف مكان معمول لابرز. "اضطرك القدر" الجملة في محل جر بإضافة حيث إليها.
المعنى: اترك طريق المجد وسبيل العظمة والشرف لمن يعمل له، ويأخذ في أسبابه؛ فلست له أهلا، واسلك مع أمك طريق الغي والضلال. حيث ألجأك القدر الذي لا يغالب.
وقيل: إن المراد ببرزة: الأرض الواسعة، والباء فيه للظرفية بمعنى "في".
الشاهد: في "خل الطريق"؛ حيث أظهر العامل -وهو "خل"- في التحذير؛ لأن المحذر منه -وهو الطريق- غير مكرر ولا معطوف عليه.
وفي الأمثلة التي يجوز فيها ذكر العامل أو حذفه يصح رفع المحذور منه على أنه مبتدأ خبره محذوف، ولا يكون مما نحن فيه.
الخلاصة: أنه إذا كان التحذير بـ"إيا" وفروعها، وجب نصب هذا الضمير بعامل محذوف مع مرفوعه وجوبا؛ سواء كان هذا الضمير مكررا أولا، معطوفا عليه أو لا، ولك أن تخفض المحذور بـ"من"؛ فتقول: إياك من الإهمال، أو تنصبه بغير عطف؛ فتقول: إياك الأسد. وإن كان التحذير بغير ذلك وجب نصب الاسم بعامل محذوف مع مرفوعه وجوبًا، بشرط العطف أو التكرار، فإن لم يوجد عطف ولا تكرار، كان النصب بعامل محذوف جوازا. ويجوز ضبط الاسم بغير النصب، ولا يتعين الأسلوب للتحذير، وفي هذا الباب يقول الناظم في إجمال:
"إياك والشر" ونحوه نصب … محذرا بما استتاره وجب
ودون عطف ذا "لإيا" انسب وما … سواه ستر فعله لن يلزما
إلا مع العطف أو التكرار … كـ"الضيغم الضيغم يا ذا الساري"
وشذ "إياي" و"إياه" أشذ … وعن سبيل القصد من قاس انتبذ
стр. 1144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي نصب المحذر أسلوب "إياك والشر" ونحوه، بعامل محذوف وجوبًا إن اشتمل على عاطف؛ كما مثل، وانسب هذا الحكم لـ"إيا" عند عدم العطف عليها. أمَّا ما سواها فحذف الفعل الناصب ليس لازما، إلا مع العطف أو التكرار. ثم ذكر أن التحذير بـ"إيا" وفروعها، يكون للمخاطب، وشذ مجيئها لضمير المتكلم، وأشذ منه مجيئها لضمير الغائب، ومن قاس على ذلك فقد انتبذ؛ أي بعد عن الصواب.
стр. 1145
باب: الإغراء (١)
وهو تنبيه المخاطب على أمر محمود ليفعله (٢). وحكم الاسم فيه حكم التحذير الذي لم يذكر فيه "إيا"؛ فلا يلزم حذف فاعله إلا في عطف أو تكرار؛ كقولك: المروءة والنجدة؛ بتقدير: الزم، وقوله:
أخاك أخاك إن من لا أخًا له (٣)
باب الإغراء:
(١) الإغراء: مصدر أغريت فلانا بكذا: حببته إليه، وحملته على فعله.
(٢) يقال في هذا التعريف ما قيل في التحذير، والفعل المقدر هنا: الزم ونحوه، وأسلوب الإغراء يشمل: المغرِي؛ وهو المتكلمُ، والمغرَى؛ وهو المخاطب، والمغرَي به؛ وهو الأمر المحبوب.
(٣) صدر بيت من الطويل، لمسكين الدارمي، وقيل: هو لإبراهيم بن هرمة القرشي، والصواب أنه لمسكين، وعجزه:
كساع إلى الهيجا بغير سلاح
اللغة والإعراب: الهيجاء: الحرب، وهي تمد وتقصر. "أخاك" منصوب على الإغراء بتقدير الزم محذوفا وجوبا للتكرار. "أخاك" الثاني توكيد: "من" اسم موصول اسم إن. "لا" نافية للجنس. "أخا" اسمها مبني على فتح مقدر على الألف. "له" جار ومجرور خبرها، وقيل: الأحسن أن يكون خبر "لا" محذوفا، و"أخا" مضاف إلى ضمير "له"، واللام زائدة؛ أي إن الذي لا أخاه موجود، والجملة من لا ومعموليها صلة الموصول. "كساع" متعلق بمحذوف خبر إن. "إلى الهيجا" متعلق به.
المعنى: الزم أخاك ولا تفارقه واحرص عليه؛ فالشخص الذي ليس له أخ يعينه ويعضده؛ كمن يذهب إلى الحرب وليس معه عدتها ولا أداتها. والظاهر أنه يريد أخا النسب، لا أخا الصداقة والألفة كما يراه بعضهم؛ لقوله بعد ذلك:
وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه … وهل ينهص البازي بغير جناح
فيكون قد أوصى أولا على التمسك بالأخوة، ثم بأبناء العم.
الشاهد: نصب "أخاك" بعامل واجب الحذف؛ لأنه مكرر.
стр. 1146
ويقال: "الصلاة جامعة"، فتنصب "الصلاة" بتقدير: احضروا، و"جامعة" على الحال، ولو صرح بالعامل لجاز (١).
(١) أي لعدم العطف والتكرار. ويجوز في هذه العبارة رفعهما على الابتداء والخبر، كما يجوز رفع الأول على الابتداء، والخبر محذوف، ونصب "جامعة" على الحال من فاعل الخبر المحذوف، وقد أشار الناظم إلى الإغراء وحكمه، بقوله:
وكمحذر بلا "إيا" اجعلا … مغرى به في كل ما قد فصلا
أي أن الاسم المغرى به؛ كالاسم المحذر الذي بغير "إيا" في جميع أحكامه التي سبقت.
تتمة:
١ الغالب في أساليب الإغراء والتحذير: أن تكون إنشائية، تبعا لعاملها الدال على الطلب.
٢ يلحق بالتحذير والإغراء في وجوب النصب، وفي التزام إضمار الناصب، بعض الأمثال المشهورة المسموعة بالنصب، وبعض العبارات التي تشبه المثل، ولكنها لم تبلغ مبلغه في الشهرة؛ فمن الأمثال:
أ- "الكلاب على البقر": وهو مثل يضرب لمن يترك الخير والشر يصطرعان ويطلب السلامة لنفسه؛ أي: خل الناس خيرهم وشرهم، واغتنم أنت طريق السلامة، وتقديره: اترك الكلاب على البقر.
ب- "أحشفًا وسوء كيلة": مثل يضرب لمن يسيء إلى غيره من جهتين، ويظلم الناس من ناحيتين، والحشف: أردأ التمر، وسوء الكلية، الظلم في الكيل وتقديره: أتبيع حشفا، وتزيد على ذلك سوء كيلة؟
جـ- "كليهما وتمرًا" مثل يضرب لمن خير بين شيئين ليختار أحدهما، فطلبهما معا، بل وطلب الزيادة عليهما، ومعناه: أعطني كليهما، وزدني تمرا.
стр. 1147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن العبارات التي تشبه المثل وتجري مجراه:
أ- قوله تعالى: ﴿انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ من الآية ١٧١ من سورة النساء؛ أي انتهوا عن التثليث واتركوا الإشراك بالله، واصنعوا خيرا لكم.
ب- من أنت؟ خالدًا. يقال لمن يذكر عظيمًا رفيع القدر بسوء، والتقدير: من أنت؟ تذكر خالدًا.
جـ- مرحبا، وأهلًا، وسهلًا، التقدير: وجدت مرحبا، وأتيت أهلا، ونزلت سهلا.
٣ - الواو في الإغراء لا يتحتم أن تكون عاطفة؛ فقد تكون للمعية؛ نحو: الاستذكار والفهم كي تنتفع بما تقرأ، وقد تكون للعطف وحده، وقد يتسع المجال للأمرين؛ فيراعى ما يقتضيه المقام.
стр. 1148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسئلة والتمرينات:
١ عرف الاختصاص، واذكر أهم الأغراض التي تبعث عليه، ومثل لكل بأمثلة من عندك.
٢ يوافق الاختصاص النداء في أمور، ويخالفه في أخرى، بين أوجه الاتفاق والخلاف، ووضح بالأمثلة.
٣ ما حكم عامل الاختصاص من حيث الذكر والحذف؟ وكيف تعرب "أيها" و"أيتها" في الاختصاص، وما حكم التابع لهما؟ وضح ما تقول بالأمثلة.
٤ عرف كلا من التحذير والإغراء تعريفًا نحويا، واذكر أساليب كل مع التمثيل.
٥ متى يجب حذف عامل التحذير والإغراء؟ ومتى يجوز؟ اذكر أمثلة لكل.
٦ فيما يأتي شواهد لبعض مسائل التحذير، والإغراء، والاختصاص، بين ذلك:
إياك أن تعظ الرجال وقد … أصبحت محتاجًا إلى الوعظ
وما لي لا أعطي الحياة إذا دعت … بلادي حياتي للبلاد ومالي
جد بعفو فإنني أيها العبـ … ـد إلى العفو يا إلهي فقير
فإياك إياك المراء فإنه … إلى الشر دعاء وللشر جالب
٧ اشرح قول ابن مالك الآتي، وعلل له:
وشذ إياي وإياه أشذ … وعن سبيل القصد من قاس انتبذ
٨ كون ثلاث جمل للاختصاص في جهاد الأعداء المستعمرين، ومثلها للتحذير والإغراء؛ بحيث تستوعب أنواع كل.
٩ اشكل ما تحته خط فيما يأتي، وبين نوعه، وموقعه من الإعراب:
إننا -معشر الشرقيين- لا نستسلم لمعتد أو مستعمر، وشعارنا - أيها الغافلون عن عبر التاريخ: النار ولا العار، والعدل والإنصاف حتى مع الأعداء؛ فالجهاد الجهاد في سبيل الشرف والكرامة، وإياكم والاستسلام، والبعد عن المثبطين واللئام. موطنك لا تفرط في ذرة من رماله، دينك وخلقك، ولا تقل نفلسي نفسي؛ فالوطن أغلى من كل شيء، ومبدؤنا - نحن بني العروبة- أن نعيش مع الناس كافة عيشة حرة كريمة، وأن نسالم من يسالمنا، ونعادي من يعادينا.
стр. 1149
باب: أسماء الأفعال (١)
اسم الفعل: ما ناب عن الفعل معنى واستعمالًا؛ كـ"شتان" (٢)، و"صه"، و"أوه".
والمراد بالاستعمال: كونه عاملًا غير معمول (٣)؛ فخرجت المصادر والصفات في نحو: ضربًا زيدًا؛ وأقائم الزيدان؛ فإن العوامل تدخل عليها (٤). ووروده بمعنى الأمر كثير؛ كـ"صه" ومه، وآمين"؛ بمعنى: اسكت، وانكفف، واستجب. ونزال وبابه (٥).
باب: أسماء الأفعال
(١) اسم الفعل هو: اسم ينوب عن فعل معين، ويتضمن معناه وزمنه، ويعمل عمله من غير أن يقبل أو يتأثر بالعوامل، ويمتاز عن الفعل الذي هو بمعناه بأنه أقوى منه في الدلالة على أداء المعنى وإبرازه كاملًا، مع إيجاز في اللفظ أحيانًا؛ لالتزامه صورة واحدة، لا تتغير غالبًا مع الإفراد والتذكير وفروعهما.
وكونه اسما هو الصحيح، ومدلوله لفظ الفعل من حيث دلالته على معناه الموضوع له.
(٢) شتان معناه: افترق. والصحيح أن يكون الافتراق خاصا بالأمور المعنوية؛ كالعلم، والفهم، فلا يقال: شتان المتخاصمان، وهو يطلب فاعلا متعددا بواو العطف لا غير، وقد تزاد بعدها "ما"؛ تقول: شتان ما علي ومعاوية في الشجاعة، وقد تزاد "ما بين"؛ كقول ربيعة بن ثابت، يمدح يزيد بن حاتم المهلبي، ويهجو يزيد بن أسيد السلمي:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى … يزيد سليم والأغر بن حاتم
"فاليزيدين" فاعل مرفوع تقديرًا، و"ما بين" زائدة. والظاهر: أن شتان في مثل هذا بمعنى "بعد: ". ولا تزاد "بين" وحدها، وأما قول الشاعر:
جازيتموني بالوصال قطيعة … شتان بين صنيعكم وصنيعي
فلم يستعمله العرب، ويخرج على أن "ما" مضمرة قبل "بين".
(٣) أي غير معمول لعامل يقتضيه؛ فاعلا أو مفعولا، مثلا، وهذا لا يمنع أن يكون معمولا للحروف الناصبة أو الجازمة.
(٤) أي: وتعمل فيها؛ فإن "ضربا" منصوب بما ناب عنه؛ وهو: "اضرب"، و"أقائم" مرفوع بالابتداء.
(٥) مر ما ينقاس فيه "فعال" في باب "أسماء لازمت النداء".
стр. 1150
وبمعنى الماضي والمضارع قليل؛ كـ"شتان، هيهات"؛ بمعنى افترق وبعده، و"أوه، وأف"؛ بمعنى أتوجع وأتضجر، و"وا" بمعنى أتوجع وأتضجر، و"أو"، و"واهًا"؛ بمعنى أعجب؛ كقوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (١)؛ أي: أعجب لعدم فلاح الكافرين، وقول الشاعر:
وا بأبي أنت وفوك الأشنب (٢)
وقول الآخر:
واهًا لسلمى ثم واهًا واهًا (٣)(١) " وَيْ" اسم فعل مضارع بمعنى أعجب، مبني على السكون لا محل له، وفاعله أنا "كَأَنَّهُ" الكاف حرف تعليل وجر، وأن مدخولها في تأويل مصدر مجرور بالكاف. وقيل: "كأن" بتمامها حرف تشبيه ونصب، والهاء اسمها وجملة ﴿لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ خبرها.
(٢) رجز، ينسب لراجز من بني تميم، لم يعين اسمه، وبعده:
كأنما ذر عليه الزرنب
أو زنجبيل وهو عندي أطيب
اللغة والإعراب: فوك: فمك. الأشنب: من الشنب؛ وهو عذوبة ماء الفم مع رقة الأسنان. ذر: فرق ورش. الزرنب: نبت من نبات البادية، طيب الرائحة. الزنجبيل: نبت معروف، ويطلق كذلك على الخمر. "وا" اسم فعل مضارع بمعنى أعجب والفاعل أنا "بأبي" جار وجرور خبر مقدم. "أنت" ضمير منفصل، مبتدأ مؤخر، و"فوك" الواو للاستئناف. "فوك" مبتدأ مرفوع بالواو، والكاف مضاف إليه. "الأشنب" صفة له. "كأنما" كأن حرف تشبيه ونصب. "ما" كافة. "ذر" فعل ماض للمجهول. "عليه" متعلق بذر. "الزرنب" نائب فاعل، والجملة خبر "فوك".
المعنى: يعجب من جمال محبوبته، ويقول لها: أفديك بأبي، ويصف فمها بالعذوبة ورقة الأسنان، والرائحة الطيبة المنبعثة منها.
الشاهد: في "وا"؛ فإنه اسم فعل مضارع بمعنى أعجب.
(٣) رجز ينسب لأبي النجم، الفضل بن قدامة العجلي، وينسبه بعضهم لرؤبة بن العجاج، وقيل: لغيرهما، وبعده:
هي المنى لو أننا نلناها
يا ليت عيناها لنا وفاها … بثمن نرضي به أباها
стр. 1151
فصل: اسم الفعل ضربان (١):
أحدهما: ما وضع من أول الأمر كذلك (٢)؛ كـ"شتان"، و"صه"، و"وي".
إن أباها وأبا اباها
قد بلغا في المجد غايتاها
اللغة والإعراب: المنى: ما يتمناه الإنسان، جمع منية. نلناها ظفرنا بها. والنيل: الظفر والمراد. "واها" اسم فعل مضارع بمعنى أعجب؛ قال الجوهري: إذا تعجبت من طيب شيء، قلت واها له؛ أي ما أطيبه. "لسلمى" جار ومجرور به، وهو ممنوع من الصرف لألف التأنيث المقصورة. "ثم" حرف عطف. "واها" الثانية معطوف على الأولى، و"واها" الثالثة توكيد.
المعنى: يعجب لحسن محبوبته سلمى، ويؤكد عجبه بذلك ويقول: إنها كل ما يتمناه ويرجوه في هذه الحياة لو ظفر بها.
الشاهد: في "واها" في المواضع الثلاثة؛ فإنه اسم فعل بمعنى أعجب، وقد عمل عمله، وفيما تقدم يقول الناظم:
ما ناب عن فعل كـ"شتان وصه" … هو اسم فعل وكذا "أو ومه"
وما بمعنى أفعل كـ"آمين" كثر … وغيره كـ"وي وهيهات نزر
أي أن الذي ينوب عن الفعل، ويقوم مقامه في الدلالة على معناه وفي عمله يسمى اسم فعل؛ مثل: شتان، صه، أوه، مه. والذي بمعنى "افعل" -أي فعل الأمر- كثير؛ مثل: آمين بمعنى استجب. أما الذي بمعنى غيره -وهو الماضي والمضارع- فقليل؛ مثل "وي" بمعنى أعجب، و"هيهات" بمعنى بعد، ومعنى نزر: قل.
(١) هذا التقسيم من حيث الوضع والأصالة في الدلالة على الفعل.
(٢) أي أنه لم يستعمل في غيره من قبل؛ ولذلك يسمى: المرتجل.
стр. 1152
الثاني: ما نقل من غيره إليه (١)؛ وهو نوعان:
منقول من ظرف أو جار ومجرور؛ نحو: عليك؛ بمعنى الزم، ومنه: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُم﴾ (٢)؛ أي الزموا أنفسكم، و"دونك زيدًا"؛ بمعنى خذه، و"مكانك"؛ بمعنى اثبت، و"أمامك"؛ بمعنى تقدم، و"وراءك"؛ بمعنى تأخر، و"إليك"؛ بمعنى تنح (٣).
ومنقول من مصدر؛ وهو نوعان: مصدر استعمل فعله، ومصدر أهمل فعله.
فالأول نحو: "رويد زيدًا؛ فإنهم قالوا: أروده إروادًا؛ بمعنى أمهله إمهالًا، ثم صغروا
(١) أي وضع أول الأمر لمعنى آخر، ثم انتقل منه إلى اسم الفعل، ولهذا يسمى: المنقول.
(٢) ﴿عَلَيْكُمْ﴾ اسم فعل أمر مبني لا محل له من الإعراب، والفاعل أنتم ﴿أَنفُسَكُمْ﴾ مفعول به على حذف مضاف؛ أي الزموا شأن أنفسكم، ١٠٥ من سورة المائدة.
واختلف في الكاف المتصلة بعلى؛ فقيل هي حرف خطاب لا محل له، وقيل: هي ضمير في محل رفع على الفاعلية، أو في محل نصب على المفعولية، أو في محل جر؛ إما بعلى أو بالإضافة؛ لأن "على" اسم للمصدر وهو اللزوم. وقد يتعدى "عليك" بالباء؛ نحو: "عليك بذات الدين" فيقدر فعل مناسب، أي تمسك، مثلًا. وكثيرا ما تزاد الباء في مفعول أسماء الأفعال لضعفها في العمل.
(٣) أي ابتعد. وقال الأشموني: ولا يقاس على هذه الظروف المبهمة، ولا على ما سمع من الجار والمجرور، غيرها مما لم يسمع. وأجاز الكسائي قياس ما لم يسمع على ما سمع، ولا يستعمل هذا النوع إلا متصلًا بضمير المخاطب، وشذ قولهم: "عليه رجلا غيري"؛ أي ليزمه، و"على الشيء"، أي أولنيه أو لألزمه، وأما قوله ﵇: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم"، فقد حسنه ما قبله من الخطاب في قوله: "يا معشر الشباب" .... إلخ. وقيل: "عليه" خبر مقدم، و"بالصوم" مبتدأ مؤخر على زيادة الباء. واختلف في موضع الضمير المتصل بعليك ونحوه؛ فقيل: رفع على الفاعلية، واستعير ضمير غير الرفع له، وقيل: نصب على المفعولية، والصحيح أن موضعه جر بالإضافة مع الظروف؛ كدونك ونحوه، وبالحرف مع المنقول من الحروف؛ كعليك وأمثاله، وقد نظر في ذلك إلى الأصل قبل النقل؛ لأن اسم الفعل لا يضاف ولا يعمل الجر. وفي كل واحد من الأسماء ضمير مستتر مرفوعن الموضع على الفاعلية؛ فإذا جئت بتوكيد؛ فقلت: عليكم كلكم محمدا، جاز رفع "كل" على أنه توكيد للضمير المستتر المرفوع، وجاز جره على التوكيد للمجرور الموجود.
ومن هذا يتبين: أن اسم الفاعل هو الجار لا غير، والفاعل مستتر فيه، والكاف كلمة مستقلة.
стр. 1153
الإرواد تصغير الترخيم (١) وأقاموه مقام فعله، واستعملوه تارة مضافًا إلى مفعوله؛ فقالوا: "رويد زيد"، وتارةً منونًا ناصبًا للمفعول؛ فقالوا: "رويدًا زيدًا" (٢). ثم إنهم نقلوه وسموا به فعله؛ فقالوا: "رويدًا زيدًا". والدليل على أن هذا اسم فعل كونه مبنيًا. والدليل على بنائه كونه غير منون (٣).
والثاني: قولهم "بله زيدًا"؛ فإنه في الأصل مصدر فعلٍ مهملٍ مرادف لدع (٤)(١) فحذفوا الهمزة والألف الزائدتين، وأوقعوا التصغير على أصوله، فقالوا: رويد؛ بمعنى تمهل؛ أو أمهل.
(٢) "رويد" فيهما مصدر مصغر نائب عن فعل الأمر المحذوف؛ وهو "ارواد"، وفاعله مستتر فيه وجوباً، وكلمة "زيد" مفعول به مضاف غليه، مجرور في الأول، منصوب في الثاني، وقد يستعمل منونا غير ناصب مفعوله، نحو: رويدًا يا سائق؛ فيكون نائبا عن فعل الأمر المحذوف أيضًا، ويستعمل مصدرًا منونا غير نائب عن فعل الأمر، فينصب؛ إما على الحال، إذا وقع بعد معرفة؛ نحو: قرأت الكتاب رويدا؛ أي مرودا؛ بمعنى متمهلا، أو نعتا لمذكور أو محذوف على التأويل بالمشتق؛ نحو: سارت الوفود سيرا رويدا؛ أي متمهلا فيه، وساروا رويدا؛ أي مرودين.
وإذا قلت: رويدك زيدا، فإن قدرت "رويدا" اسم فعل، فالكاف حرف خطاب، وإن قدرته مصدرا؛ فالكاف اسم مضاف إليه في محل رفع على الفاعلية.
(٣) أي مع عدم موجبات عدم التنوين غير البناء.
هذا: ويلاحظ أن "رويدا" مصدر مصغر، ويعمل النصب ولو لم ينقل إلى اسم الفعل، على الرغم من أن شرط إعمال المصدر ألا يكون مصغرا، وقد أجيب بأن هذا الشرط لازم في غير "رويد"؛ لورود السماع به.
(٤) "دع" فعل لا مصدر له من لفظه، وله مصدر من معناه؛ هو: الترك.
стр. 1154
واترك؛ يقال: "بله زيد" بالإضافة إلى المفعول؛ كما يقال: "ترك زيد"، ثم قيل (١): "بله زيدًا؛ بنصب المفعول، وبناء "بله" على أنه اسم فعل (٢).
(١) أي بعد أن نقل وسمي به الفعل.
(٢) إذا كان الاسم بعد "بله" منصوبا منونا، جاز أن تكون مصدرا عاملا معربا، وجاز أن تكون فعل أمر مبنيا بمعنى اترك، والقرائن هي التي تعين أحد الوجهين، وإن كان الأسم بعده مجرورا، وجب أن تكون مصدرا مضافا إلى ما بعدها، وكذلك الحال في "رويد".
وفي اسم الفعل المنقول بأنواعه المتقدمة يقول ابن مالك:
والفعل من أسمائه "عليكا" … وهكذا "دونك" مع "إليكا"
كذا "رويد" "بله" ناصبين" … ويعملان الخفض مصدرين
أي أن من أسماء الأفعال ما هو في أصله جار ومجرور، مثل: "عليك"، و"إليك"، أو ظرف؛ "كدونك"، أو مصدر؛ "كرويد"، و"بله"، وهما يكونان اسمي فعل إذا نصبا ما بعدهما، ويعملان الخفض فيما بعدهما إذا بقيا على أصلهما مصدرين مضافين لما بعدهما. وقد يستعمل "بله" اسم استفهام بمعنى "كيف" مبنية على الفتح، وتكون خبرًا مقدمًا عن مبتدأ مؤخر؛ نحو: "بله المريض"؛ أي كيف المريض؟ وقد تقع اسما معربا بمعنى "غير"؛ كما في الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ من بله ما أطعلتم عليه" أي من غير، فهي مجرورة بمن هنا.
هذا: ومن أسماء الأفعال: سرعان؛ بمعنى سرع، وهيا، وهبت؛ بمعنى أسرع، وهلم؛ بمعنى تعال، ولديك، وها؛ بمعنى خذ، ومنه قوله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾؛ أي خذوه واقرءوا ما فيه، ويقال للاثنين: هاؤم اقرآ.
стр. 1155
فصل: يعمل اسم الفعل عمل مسماه (١)؛ تقول: "هيهات نجد"؛ كما تقول: بعدت نجد؛ قال:
فهيهات هيهات العقيق ومن به (٢)
وتقول: "شتان زيد وعمرو؛ كما تقول: "افترق زيد وعمرو"؛ و"تراك زيدًا"؛ كما تقول: "اترك زيدًا".
وقد يكون اسم الفعل مشتركًا بين أفعال سميت به، فيستعمل على أوجه باعتبارها (٣)؛ قالوا: "حيهل الثريد"؛ بمعنى: ائت الثريد، و"حيهل على الخير"؛ بمعنى أقبل على الخير، وقالوا: "إذا ذكر الصالحون فحيهل بعمر"؛ أي أسرعوا بذكره (٤).
ولا يجوز تقديم معمول اسم الفعل عليه (٥) خلافًا للكسائي، وأمَّا: ﴿كِتَابَ اللَّه﴾
(١) أي عمل الفعل الذي يدل عليه؛ فيرفع الفاعل مثله حتما، ويسايره في التعدي واللزوم غالبًا، وباقي المكملات، فإن كان فعله متعديًّا أو لازمًا فهو مثله، وإن تعد بحرف جر معين فهو مثله أيضًا وإن كان مسماه مما لا يكتفي بمرفوع واحد كان اسم فعله مثله. ومن غير الغالب أن يخالفه في ذلك؛ مثل: "آمين"؛ فإنه لازم، وفعله -وهو "زد"- متعد … إلخ.
(٢) صدر بيت من الطويل، لجرير الشاعر الأموي، وعجزه:
وهيهات خل بالعقيق نواصله
وقد تقدم إعراب هذا البيت وشرحه في الجزء الثاني، "باب التنازع"، صفحة ١٠٢؛ فارجع إليه إن شئت.
الشاهد: فيه هنا: أن "هيهات" اسم فعل ماض بمعنى "بعد"، وقد عمل عمل الفعل الذي بمعناه.
(٣) بمعنى أنه يساير في التعدي واللزوم، الفعل الذي يؤدي معناه.
(٤) قول يروى عن ابن مسعود، ويراد به سيدنا عمر بن الخطاب ﵄.
(٥) وذلك لضعفه بعدم التصرف؛ ففي مثل: عليك نفسك، لا يصح في الغالب أني قال: نفسك عليك.
وفي عملها عمل الفعل الذي تنوب عنه، وفي أن معمولاتها لا تتقدم عليها. يقول
стр. 1156
عَلَيْكُم﴾، وقوله:
يا أيها المائح دلوي دونكا (١)
فمؤولان (٢).
الناظم:
وما لما تنوب عنه من عمل … لها وأخر ما لذي فيه العمل
أي أن ما يثبت من عمل للفعل الذي تنوب عنه، يثبت لها، وأخر معمولها عنها.
(١) صدر بيت من الرجز، لراجز جاهلي من بني أسيد بن عمرو بن تميم، ونسبه بعضهم لجارية من بني مازن مع أبيات أخرى، تخاطب ناجية الأسلمي صاحب بدن الرسول ﵇ وهو يميح على الناس في القليب، والصواب الأول، عجزه:
إني رأيت الناس يحمدونكا
اللغة والإعراب: المائح: الذي ينزل البئر ليملأ الدلاء عند قلة مائها، أما الذي يقف للتنبيه. "المائح" نعت أي. "دلوي" مفعول لفعل محذوف يفسره اسم الفعل المذكور؛ أي خذ دلوي، أو مبتدأ، و"دونكما" اسم فعل أمر بمعنى خذ، والفاعل أنت، والجملة خبر المبتدأ، وهنالك مفعول محذوف يربط جملة الخبر بالمبتدأ، والتقدير "دونكه".
المعنى: يا أيها المائح خذ دلوي فاملأه؛ فإني رأيت الناس يثنون عليك لمروءتك.
الشاهد: في "دلوي دونكا"؛ حيث يدل ظاهره على أن "دلوي" مفعول مقدم لدونكا، وهو ما استدل به الكسائي على جواز تقديم معمول اسم الفاعل عليه.
(٢) قيل في تأويل الآية: ﴿كِتَابَ﴾ مصدر منصوب بفعل محذوف، وهو مؤكد لنفسه؛ لأن قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُم﴾ يدل على أن ذلك مكتوب، ﴿عَلَيْكُم﴾ متعلق به، أو بالفعل المحذوف، لا اسم فعل، والتقدير: كتب الله عليكم ذلك كتابا، فحذف الفعل وأضيف المصدر إلى فاعله. من الآية ٢٤ من سورة النساء.
стр. 1157
فصل: وما نون من هذه الأسماء فهو نكرة (١)، وقد التزم ذلك في "واها"، و"يهًا"؛ كما التزم تنكير نحو: "احد"، و"عريب"، و"ديار" (٢).
وما لم ينون منها فهو معرفة، وقد التزم ذلك في "نزال"، و"تراك" وبابهما (٣)؛ كما التزم التعريف في المضمرات، والإشارات، والموصولات (٤). وما استعمل بالوجهين.
أما تأويل البيت: "فدلوي" مبتدأ لا مفعول مقدم، "دونكا" اسم فعل أمر فاعله مستتر فيه، والجملة خبر المبتدأ والعائد محذوف؛ أي دلوي دونكه. ووقوع خبر المبتدأ جملة طلبية سائغ عند الجمهور.
هذا: واسم الفعل لا يعمل محذوفا على الأصح، خلافا لابن مالك، ولا تلحقه نون التوكيد مطلقا، وفاعل اسم الفعل الماضي يكون في الغالب اسماً ظاهرًا، أو ضميرًا للغائب مستترًا جوازًا، أما اسم الفعل المضارع والأمر، ففاعلهما في الغالب ضمير للمخاطب مستترا وجوبا، ولايكون الفاعل في هذا الباب ضميرا بارزا.
(١) التنكير خاص بالمرتجل من أسماء الأفعال، أما المنقولة فلا تنون؛ لاستصحابها الأصل، وهو غير منون، واعلم أن التنكير راجع إلى المصدر الذي هو أصل ذلك الفعل، لا إلى اسم الفعل؛ لأن الفعل لا يحكم عليه بتعريف ولا بتنكير؛ فـ"صه" بمعنى اسكت منونا، يراد به طلب السكوت عن كل كلام، و"صه" مجردا من التنوين معناه: اسكت عن هذا الموضوع الخاص بالمعروف لنا، مع جواز التكلم في غيره.
(٢) "عريب"، و"ديار" بمعنى أحد، ولـ"أحد" استعمالات؛ فقد يكون مرادفا للأول، كالذي يستعمل في العدد المركب والمعطوف، وللواحد بمعنى المنفرد؛ نحو: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وللإنسان؛ نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك﴾، ويكون اسما لمن يعقل؛ نحو: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِين﴾ [الحاقة: ٤٧]، وفي هذه الحالة لا يستعمل إلا منفيا، ويلازم التنكير فلا يعرف إلا شذوذًا.
(٣) أي من كل ما كان على وزن "فَعَال".
(٤) وإلى ذلك يشير الناظم بقوله:
واحكم بتنكير الذي ينون … منها وتعريف سواه بين
стр. 1158
فعلى معنيين (١).
وقد جاء على ذلك: "صه"، و "مه"، و"إيه"، وألفاظ أخر؛ كما جاء في التعريف والتنكير في نحو: "كتاب"، و"رجل"، و"فرس" (٢).
أي احكم بتنكير ما نون من أسماء الأفعال، وما لم ينون فتعريفه واضح؛ لتجرده من التنوين، الذي يدل وجوده على التنكير.
هذا: وجميع أسماء الأفعال مبنية وليس لها محل من الإعراب، وبناؤها على لفظها المسموع؛ فمنها ما بناؤه على الفتح؛ كشتان وهيهات، ومنها المبني على الكسر، كإيه، والمبني على السكون؛ كمه، بمعنى انكفف. والمبني على الضم مثل آه؛ بمعنى أتوجع؛ ومن أجل ذلك لا تكون مبتدأ، ولا خبرا، ولا فاعلا، ولا مفعولا، ولا مضافا، أو مضافا إليه، ولا أي شيء يقتضي أن تكون مبنية، ولها محل رفع، أو نصب، أو جر.
(١) ينكر عن تنوينه، ويعرف عند عدم التنوين، وذلك راجع إلى المصدر كما بينا.
(٢) فهذه وأمثالها مع التنوين نكرات، وبدونه -مع أل أو الإضافة- معارف.
стр. 1159
باب: أسماء الأصوات (١)
وهي نوعان: أحدهما ما خوطب به ما لا يعقل (٢) مما يشبه اسم الفعل (٣)؛ كقولهم في دعاء الإبل لتشرب: "جئ جئ" (٤) مهموزين، وفي دعاء الضأن: "حاحا"، والمعز: "عا عا" غير مهموزين، والفعل منهما: حاحيت، وعاعيت، والمصدر: حيحاء، وعيعاء؛ قال:
يا عنز هذا شجر وماء … عاعيت لو ينفعني العيعاء (٥)
باب: أسماء الأصوات
(١) هي ألفاظ يفهم المقصود منها، بمجرد النطق بها وسماعها، وقد وضعت لخطاب ما لا يعقل من الحيوان الأعجم، أو ما هو في حكمه من صغار الآدميين، وقد يراد بها حكاية صوت من الأصوات.
(٢) أو مافي حكمه كما بينا.
(٣) أي في أنه يكتفي به وحده، ولا يحتاج في بيان المراد منه إلى شيء آخر بحسب الظاهر. وإن كان اسم الفعل في الحقيقة مركبا مع مرفوعه الظاهر أو الضمير، أما اسم الصوت فلفظ مفرد ليس معه ضمير ولا غيره.
وإلى مجرد الشبه، فيما ذكرنا، يشير الناظم بقوله:
وما به خوطب ما لا يعقل … من مشبه اسم الفعل صوتا يجعل
أي أن ما يخاطب به غير العاقل، أو ما هو في حكمه؛ مما يشبه اسم الفاعل في عدم حاجته في إفادته المراد إلى لفظ آخر، يسمى: اسم صوت.
وقد قيل: إن تشبيه اسم الصوت باسم الفعل في هذا قاصر؛ لأن اسم الفعل لا بد له من فاعل، ولا يمكن أن ينفرد بنفسه، وقد يحتاج إلى معمولات أخرى، بخلاف اسم الصوت.
(٤) لعل ذلك أخذ من قولهم: جأجأ بالإبل: دعاها للشرب. والجئ: الدعاء إلى الطعام والشراب.
(٥) بيت من الرجز، أو بيتان من مشطوره، ولم يعين النحاة القائل.
стр. 1160
وفي زجر البغل: "عدس"؛ قال:
عدس ما لعباد عليك إمارة (١)
وقولنا مما يشبه اسم الفعل احتراز من نحو قوله:
يا دار مية بالعلياء فالسند (٢)
اللغة والإعراب: عاعيت: صحت وقلت: عا عا. "يا" حرف نداء. "عنز" منادى نزل منزلة العاقل. "هذا شجر" مبتدأ وخبر. "وما" معطوف على شجر. "عاعيت" فعل وفاعل، ومفعوله محذوف؛ أي عاعيته. "لو" حرف تمن، أو شرطية، وجملة "ينفعني العيعاء" فعل شرط، والجواب محذوف دل عليه عاعيت، أي لو ينفعني العيعاء لعاعيت وأكثرت منه.
الشاهد: استعمال "فعل" من اسم الصوت "عا عا"؛ وهو عاعيت، وكذلك استعمل المصدر.
(١) تقدم شرح هذا البيت في "باب الموصول"؛ جزء أول، صفحة ١٦٥.
الشاهد: هنا في "عدس"؛ حيث استعمل اسم صوت لزجر الفرس، وقيل: إنه هنا اسم للفرس نفسه؛ بدليل قول آخر:
إذا حملت بزتي على عدس
فإنه اسم؛ لدخول حرف الجر عليه، واسم الصوت لا يعمل فيه شيء.
(٢) صدر بيت من البسيط، هو مطلع قصيدة مشهورة للنابغة الذبياني، معدودة في المعلقات، يمدح فيها النعمان بن المنذر، وعجزه:
أقوت وطال عليها سالف الأمد
اللغة والإعراب: العلياء: ما ارتفع من الأرض. السند: المرتفع من الجبل الذي يسند ويصعد فيه، وقيل: هما اسما موضعين. أقوت: خلت واصبحت قواء؛ أي خالية من الأنيس. سالف الأمد: الزمان الماضي. "يا" حرف نداء. "دار مية" دار منادى، ومية مضاف إليه ممنوع من الصرف، وهونداء لما لا يعقل. "بالعلياء" متعلق بمحذوف حال من دار؛ "فالسند" معطوف على العلياء، والفاء بمعنى الواو. "أقوت" الجملة حال بتقدير "قد" والباقي واضح الإعراب.