وجواب "لو": إما مضي معنى (١) نحو: لو لم يخف الله لم يعصه، أو وضعًا وهو: إما مثبت، فاقترانه باللام (٢)، نحو: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أكثر من تركها، نحو: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾.
وإما منفي بـ"ما" فالأمر بالعكس، نحو: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾.
وقوله:
ولو نعطى الخيار لما افترقنا (٣).
قيل: وقد تجاب بجملة اسمية (٤)؛ نحو: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ (٥) وقيل:
(١) لا بد "للو" من جواب مذكور أو محذوف، والماضي معنى هو: المضارع المقرون بلم الجازمة، ويجب تجرده من اللام؛ لأن اللام لا تدخل على ناف إلا "ما" كما سيأتي.
(٢) هذه اللام تسمى: "لام التسويف"؛ أي: التأجيل والتأخير؛ لأنا تدل على أن تحقق الجواب سيتأخر زمنًا أقل. الآية الأولى: [سورة الواقعة الآية: ٦٥]، والثانية: [سورة الواقعة الآية: ٧٠]
(٣) صدر بيت من الوافر، لم نقف على قائله، وعجزه:
ولكن لا خيار مع الليالي.
اللغة والإعراب: "لو" شرطية غير جازمة، "نعطى" فعل مضارع للجهول فعل
الشرط، ونائب الفاعل هو المفعول الأول. "الخيار" مفعول ثان. "لما" اللام
واقعة في جواب لو "ما" نافية" "افترقنا" افترق فعل ماض ونا فاعل والجملة لا محل لها جواب "لو".
المعنى: لو كان الأمر بيدنا، وخيرنا بين التلاقي والافتراق، ما اخترنا غير التلاقي، ولكن الأيام قلب، ولا خيار للإنسان معها.
الشاهد: وقوع جواب "لو" فعلا ماضيًا منفيا بـ"ما" وقد اقترن مع هذا باللام، وهذا قليل، والكثير في هذه الحالة إلا يكون مقترنًا باللام.
وإن كان النفي بغير "ما" امتنع اقترانه باللام، نحو: لو سافر محمد لم يحضر علي.
(٤) أي: يكون جواب "لو" جملة اسمية مقرونة باللام.
(٥) الآية: ١٠٣ من سورة البقرة.
стр. 1297
الجملة مستأنفة (١)، أو جواب لقسم مقدر، وإن "لو" في الوجهين للتمني (٢) فلا جواب لها.
فصل في أما:
وهي حرف شر (٣) وتوكيد دائمًا (٤)، وتفصيل غالبًا (٥)؛ يدل على الأول: مجيء
(١) أي: إن اللام في "لمثوبة" لام الابتداء لا الواقعة في جواب "لو".
(٢) قال الصبان: أي على سبيل الحكاية؛ أي: إنهم بحال يتمني العارف بها إيمانهم وإبقاءهم تلهفًا عليهم لا على سبيل الحقيقة؛ لاستحالة التمني عليه تعالى، ويجوز أن تكون "لو" شرطية، وجوابها محذوف لدلالة السياق عليه؛ أي: لأثيبوا.
وقد يكون جواب "لو" مسبوقا بكلمة "إذا" كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ﴾ ويندر أن يكون الجواب مسبوقًا بالفاء، أو "رب" أو "قد".
هذا: وتأتي "لو" زائدة، نحو: البخيل -ولو كثر ماله- منبوذ.
وللعرض، نحو: لوتسهم في أعمال البر فتثاب بنصب المضارع. "فتثاب" بعد فاء السببية.
وللتحضيض نحو لو تحترم القانون فتأمن العقوبة.
وللتمني، نحو قوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهل هذه هي المصدرية أغنت عن فعل التمني فأشبهت ليت فنصب جوابها مثلها؟ أو الشرطية أشربت معنى التمني فلا بد لها من جزاء كالشرط ولو مقدرًا؟ أو هي قسم برأسها فلا جواب لها؟ أقوال، وعلى كل فقد يجيء لها جواب منصوب كليت، وقد لا يجيء ولا تكون للتمني إلا حيث يكون الأمر مستحيلا أو في حكمه.
فصل في أما:
(٣) أي: حرف يفيد معنى الشرط ويتضمن معناه، وهو: تعليق شيء آخر وجودًا وعدمًا وليست موضوعه له.
(٤) المراد بالتوكيد هنا: تحقق الجواب والقطع بأنه حاصل وواقع لا محالة.
(٥) أي: تبيين وتوضيح الأمور والأفراد المجتمعة تحت لفظ واحد يتضمنها إجمالا أو إيراد بالتفصيل: ذكر أشياء كل منها مفصول عن الآخر، وإن لم يكن ثم إجمال.
стр. 1298
الفاء بعدها (١). وعلى الثالث (٢): استقراء مواقعها نحو: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾، الآيات (٣)،، منه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ الآية، وقسيمه في المعنى قوله -تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ الآية (٤)؛ فالوقف دونه (٥).
(١) أي: غالبًا واعتبارها للجزاء، ولا يصح أن تكون للعطف في مثل قوله -تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ﴾، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ﴾؛ لأنها داخلة على الخبر في ذلك، والخبر لا يعطف على مبتدئه، ولا في مثل: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾؛ لأنها داخلة على الفعل، وهو لا يعطف على مفعوله وكذلك لا يصح أن تكو زائدة لعدم الاستغناء عنها.
(٢) أي: وهو التفصيل.
(٣) ففي هذه الآيات: قسيم معطوف بأما؛ وهو في الآية الأولى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [سورة الضحى آية: ١٠]، وفي الثانية: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران آية: ١٠٧]، وفي الثالثة: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [سورة الليل آية: ٥]، فدل ذلك على أنها للتفصيل.
(٤) وقيل: إن القسيم محذوف يدل عليه قوله: ﴿وَالرَّاسِخُون﴾؛ أي: وأما غيرهم فيؤمنون به ويكلون معناه وعمله إلى ربهم، وإنما قال المصنف: "ومنه"؛ لأن التفصيل في ذاك غير ظاهر لعدم تكرار، "أما" وقد يترك تكرارها كذلك استغناء بذكر أحد القسمين عن الآخر، نحو قوله -تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾.
أي: وأما الذين آمنوا بالله فلهم كذا وكذا.
(٥) أي على قوله: "إلا الله" وقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ كلام مبتدأ به منقطع عما قبله؛ لأن الراسخين على هذا لا يؤولون. [سورة آل عمران الآية: ٧].
стр. 1299
والمعنى: وأما الراسخون فيقولون؛ وذلك على أن المراد بالمتشابه: ما استأثر به الله تعالى بعلمه (١) ومن تخلف التفصيل قولك: أما زيد فمنطلق (٢).
وأما الثاني: (٣) فذكره الزمخشري فقال: "أما" حرف يعطي الكلام فضل توكيد؛ تقول: زيد ذاهب، فإذا قصدت أنه لا محالة ذاهب، قلت: أما زيد فذاهب (٤)، وزعم أن ذلك مستخرج من كلام سيبويه (٥).
وهي نائبة عن أداة شرط وجملته، ولهذا تؤول "بمهما يكن من شيء" (٦)، ولا بد من
(١) قال السعد: والحق أنه إن أريد بالمتشابه ما لا سبيل إليه للمخلوق فينبغي الوقف على "إلا الله" وإن أريد به ما لا يتضح؛ بحيث يتناول المجمل والمؤول، فالحق العطف.
(٢) قيل: يحتمل أنه للتفصيل، والقسيم محذوف للعلم به، أي: وأما غيره فهو ليس كذلك.
وقد يكون التفصيل مقدرًا تدل عليه القرائن ويوحي به السياق؛ نحو: الناس معادن، فأما أنفسها فالصادق الأمين؛ أي: وأما أرخصها فالكاذب الخائن.
(٣) أي: المعنى الثاني وهو التوكيد.
(٤) إيضاح التوكيد: أن "إما"؛ قائمة مقام "مهما يكن من شيء" أي: مهما يوجد شيء فزيد ذاهب، فقد علق الذهاب على وجود شيء ما، ووجود شيء ما محقق؛ لأن الدنيا لا تخلو من وجود شيء، والمعلق على المحقق محقق، وإذا فلا بد من المعلق عليه، وهو: ذهاب زيد. وهذا الإيضاح يبين أن "ما" للتوكيد، وأنها في معنى الشرط وقائمة مقام اسم الشرط؛ بحيث يصح حذف "كما" ووضع "مهما يكن من شيء" موضعها، ولا يفسد المعنى ولا التركيب.
(٥) فإن سيبويه فسر "أما" بهما يكن من شيء. ويقال في إعراب هذا التركيب: "مهما" اسم شرط جازم مبتدأ. "يكن" فعل مضارع مجزوم؛ لأنه فعل الشرط. "من شيء": "من" زائدة وشيء فاعل يكن على اعتبارها تامة، واسمها على اعتبارها ناقصة وخبرها محذوف؛ أي: موجودًا. وجواب الشرط ما يكون بعد هذه الجملة مقترنا بالفاء والجملة خبر مهما.
(٦) ويقال في إعرابها: "أما" نائبة عن مهما يكن من شيء، ولا تعرب اسم شرط أو فعل شرط، ولا تؤدي معناهما؛ لأنها حرف، والحرف لا يؤدي معنى اسم أو فعل.
стр. 1300
فاء تالية لتاليها (١) إلا إن دخلت على قول قد طرح استغناء عنه المقول؛ فيجب حذفها معه (٢)، كقوله -تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ (٣)، ولا تحذف في غير ذلك إلا في ضرورة كقوله:
فأما القتال لا قتال لديكم (٤).
(١) هذه الفاء لازمة لربط الجواب بها، ولتكون كالقرينة عليها لخفاء شرطيتها لأن شرطيتها بطريق النيابة: وأصل هذه الفاء أن تكون في صدر الجواب كما هو الشأن مع غير "أما" من أدوات الشرط، ولكنها أخرت لقبح وجودها عقب أما لفظًا أو لأنها تشبه العاطفة صورة، فيكو في الكلام عاطف بلا معطوف عليه، وفيما تقدم في "أما" يقول الناظم:
أما كـ"مهما يك من شيء" و"فا" … لتلو تلوها وجبا ألفا*
أي: إن "أما" قائمة مقام أداة شرط وفعله، وهما: "مهما يكن من شيء" وتجب الفاء لتالي تاليه؛ تبعًا للمألوف في الفصيح من الكلام العربي، وتالي تاليهما هو الجواب؛ لأن تاليها مباشرة هو الشرط.
(٢) فحذف القول استغناء عنهما بالقول. وقيل: إن حذفها حينئذ كثير لا واجب، فيجوز إبقاؤها على قلة مع حذف القول.
(٣) فحذف القول استغناء عنه بالمقول، فتبعته الفاء في الحذف؛ فقوله ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ مفعول القول المحذوف، والقول ومفعوله جواب "أما" [سورة آل عمران الآية: ١٠٦].
(٤) صدر بيت من الطويل للحارث بن خالد المخزومي، يهجو به بني أسيد، وعجزه:
ولكن سيرًا في عراض المواكب
وقيل:
فضحتم قريشا بالفرار وأنتم … قمدون سودان عظام المناكب
اللغة والإعراب: قمدون: جمع قمد، وهو الطويل العنق الضخمة. سودان: جمع=
стр. 1301
أو ندور نحو: "أما بعد ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله" (١).
= أسود على غير قياس، وقيل: جمع سود، وهذا جمع أسود، مأخوذ من السيادة عراض: جمع عرض بالضم، وهو الناحية أو الشق، المواكب: جمع موكب، وهو الجماعة من الناس ركبانًا أو مشاة، وقيل: هم الراكبون على الإبل والخيل للزينة خاصة.
"أما" شرطية نائبة عن مهما وفعل الشرط. "القتال" مبتدأ. "لا" نافية للجنس، "قتال" اسمها. "لديكم" ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر "لا". والجملة خبر المبتدأ، والرابط، إعادة المبتدأ بلفظه. "ولكن" الواو عاطفة، لكن حرف استدراك ونصب، "سيرا" اسمها والخبر محذوف، أي: لديكم.
وقيل: إن اسم لكن ضمير مخاطبين محذوف، و"سيرا" منصوب على المصدرية لمحذوف؛ أي: يسيرون سيرًا، والجملة خبر لكن.
المعنى: يهجو الشاعر بن أسيد ويصفهم بالجبن والضعف، ويقول: إنهم لا يقدرون على القتال ومنازلة الشجعان، ولكنهم يسيرون في جانب المواكب للزينة لا غير.
الشاهد: في قوله "لا قتال" حيث حذفت منه الفاء، وهو جواب "أما" مع أنه ليس في الكلام قول محذوف، وذلك ضرورة.
(١) هذا حديث للرسول أخرجه البخاري، والأصل: أما بعد فما بال رجال، فحذفت الفاء، وذلك نادر، و"ما" استفهامية مبتدأ، و"بال" بمعنى شأن، خبرها وجوز بعضهم: أن يكون هذا مما حذفت فيه الفاء تبعًا للقول والتقدير: فأقول: ما بال رجال .... إلخ فالأولى الاستدلال بقول عائشة ﵂: "أما الذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا طوافًا واحدًا؛ لأنه على حذف الفاء يقول الناظم:
وحذف ذي الفا قل في نثر، إذا … لم يك قول معها قد نبذا*
أي: إن حذف هذه الفاء قليل في النثر إلا إذا حذفت مع القول؛ حيث يكون المقول عوضًا=
стр. 1302
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عنهما، كما بينا ويجوز حذف "أما" إذا دل على ذلك دليل، ويكثر ذلك قبل الأمر، والنهي، كقوله -تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾.
هذا: ولا يفصل بين أما والفاء بجملة تامة -إلا إذا كانت دعائية- بشرط أن يتقدم الجملة فاصل، نحو: أما اليوم -حفظك الله- فإني مسافر، وأما الغد فإني في انتظارك.
ويكون الفصل بين أما والفاء بأحد الأمور الآتية:
أ- المتبدأ، نحو: أما محمد فيسافر، وقد يستلزم المبتدأ شيئًا يذكر معه، كما إذا كان اسم موصل، نحو قوله -تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. فإن اسم الموصول يتطلب صلة بعده.
ب- الخبر، نحو: أما في المدرسة فمحمد، وأما عند المهاجرين فعلي.
جـ- الجملة الشرطية وحدها دون جوابها، نحو قوله -تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ إلخ، فقوله: ﴿فَرَوْحٌ﴾ جواب أما، وجواب الشرط محذوف وجوبًا، استغناء عنه بجواب "أما".
د- الاسم المنصوب لفظًا أو محلا بالجواب، نحو: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ إلخ ولا مانع هنا من أن يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها؛ لأن الفاء بعد "أما" مزحلقة عن محلها الحقيقي كما تقدم.
هـ- الاسم المعمول لمحذوف يفسره ما بعد الفاء نحو: أما الضيف فأكرمه، وأما الطفيلي فأهنه، ومن هذا قوله -تعالى: "وَأَمَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ" على قراءة نصب "ثمود" ويجب تقدير العامل بعد الفاء، وقيل ما دخلت عليه؛ لئلا يكثر الفاصل بينهما وبين أما،؛ فيقال: فهدينا هديناهم.
و- شبه الجملة: "ظرف أو جار ومجرور" المعمول لأما -إذا لم يكن هناك عامل غيرها- وذلك لما فيها من معنى الفعل الذي نابت عنه، نحو: أما اليوم فإني ذاهب إلى الميدان، وأما في الميدان فالله قادر في عون الجميع.
стр. 1303
فصل في لولا ولو ما:
لـ"لولا، ولوما" وجهان:
أحدهما: لأن يدلا على امتناع جوابهما لوجود تاليهما (١)؛ فيختصان بالجمل الاسمية (٢) نحو: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾.
فصل في لولا ولو ما:
(١) وكلاهما في الزمن الماضي، وهما شرطيتان، وتعرب كل منهما امتناع لوجود؛ أي: امتناع شيء بسبب وجود غيره، فهما خاصتان بالشرط الامتناعي.
(٢) فيكون ما بعدها مبتدأ خبره محذوف وجوبًا ولو كان ضميرًا متصلا؛ كلولا ولولاك؛ فإنها وإن كانت في ذلك حرف جر لا تتعلق بشيء إلا أن مجرورها في محل رفع بالابتداء، وقد مر ذلك في باب المبتدأ والخبر في الجزء الأول عند قول الناظم:
وبعد لولا غالبًا حذف الخبر
ولا بد لهما من جواب كجواب "لو" في شروطه المتقدمة؛ فإن كان ماضيًا لفظًا ومعنى، أو معنى فقط "كالمضارع المسبوق بلم"، جاز اقترانه باللام وتجريده منها؛ سواء أكان مثبتًا أم منفيا "بما" دون سواها، والأكثر اقتران المثبت وتجرد المنفي، نحو قوله -تعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾.
وقول الشاعر:
لولا المشقة ساد الناس كلهمو … الجود يفقر والإقدام قتال
ويصح حذف الجواب إذا دل عليه دليل؛ كقوله سبحانه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ أي: لهلكتم، وقد يكون المرفوع بعد لولا اسما مؤولا نحو قوله سبحانه: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾.
وفي استعمال لولا ولوما للامتناع، ودخولهما على المبتدأ لزوما، يقول الناظم:
"لولا " و"لوما" يلزمان الابتدا … إذا امتناعا بوجود عقدا*
أي: إنهما يلزمان الدخول على المبتدأ، إذا عقدا -أي: ربطا- الامتناع بالوجود أي: دلا على امتناع شيء بسبب وجود شيء آخر.
стр. 1304
والثاني: أن يدلا على التحضيض (١)؛ فيختصان بالفعلية (٢)؛ نحو: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾، ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ (٣)، ويساويهما في التحضيض والاختصاص بالأفعال: هلا، وألا وألا (٤).
وقد يلي حرف التحضيض اسم معلق بفعل؛ إما مضمر نحو: "فهلا بِكرًا تلاعبها
(١) أي: أو العرض. والتحضيض هو: الترغيب بقوة في فعل شيء أو تركه" أما العرض فهو الترغيب في الشيء بلين ورفق.
(٢) ذلك لأن مضمون الجملة الفعلية حادث متجدد، فيتعلق به الطلب بقوة وحث، أو برفق وهو ما يفيده التحضيض والعرض ويجب أن يليهما المضارع ظاهرًا أو مقدرًا، وأن يكون معناه مستقبلا؛ لأن أداة التحضيض والعرض تخلص زمن المضارع للاستقبال، إذ معناهما لا يتحقق إلا فيه، وإن دخلا على الماضي لفظًا أو تأويلا، كانا للزجر وللتوبيخ على ترك الفعل في الماضي، نحو قوله -تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾.
(٣) هذان المثالان للتحضيض، ومثال العرض: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾. وأداة التحضيض والعرض قد تحتاج إلى جواب، وقد لا تحتاج، على حسب المقام.
(٤) كما أن هذه الأوات تدل على التحضيض كذلك تدل أحيانًا على التوبيخ: نحو: هلا دافعت عن شرفك، ألا قاومت المعتدي، ألا رحبت بضيفك.
وتمتاز "ألا" بأنها تكون للعرض "وهو الترغيب في فعل شيء أو تركه باللين والعطف" ويكثر استعمالها فيه، وفي دلالة "لولا"، و"لو ما" على التحضيض وإشراك أدوات أخرى معها في ذلك، يقول الناظم:
وبهما التحضيض مز، وهلا … ألا ألا وأولينها الفعلا*
أي: ميز بلولا ولوما الدلالة على التحضيض، ويشاركها في ذلك: هلا، وألّا، وألا وتختص حينئذ بالدخول على الجمل الفعلية، كما أوضحنا.
стр. 1305
وتلاعبك" (١)؛ أي: فهلا تزوجت بكرًا، أو مظهر مؤخر نحو: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ (٢)؛ أي: هلا قلتم إذ سمعتموه؟
(١) حديث للرسول ﷺ قاله لجابر؛ حين أخبره بأنه تزوج بثيب، و"بكرًا" مفعول لفعل محذوف، كما قدر المصنف.
(٢) "لولا" هنا بمعنى "هلا"، "إذ" متعلقة بقلتم، وهو فعل مظهر مؤخر من تقديم، كما قدر المصنف "سمعتموه" الجملة في محل جر بإضافة إذ إليها. [سورة النور الآية: ١٦]، إلى هذه الحالة أشار الناظم بقوله:
وقد يليها اسم بفعل مضمر … علق، أو بظاهر مؤخر*
أي: قد يقع بعد هذه الأدوات في الظاهر اسم، ولكنه في الحقيقة يكون متعلقًا ومعمولا لفعل مقدر بعد الأداة مباشرة، أو بفعل ظاهر متأخر عن هذا الاسم.
وقد يقع بعد حرف التحضيض مبتدأ وخبر، فيقدر الفعل المضمر "كان الثانية" كقول الشاعر:
ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة … إلي، فهلا نفس ليلى شفيعها
أي: فهلا كان هو -أي: الشأن- نفس ليلى؛ شفيعها فـ"نفس" مبتدأ و"ليلي" مضاف إليها. "شفيعها" خبر ومضاف إليه، أو بالعكس، والجملة خبر "كان" الثانية المحذوفة.
و"كان" هنا بمعنى "يكون" لوقوعها بعد حرف التحضيض، وإنما عبر بكان؛ لأن المعهود في غير هذا الموضع تقدير "كان" فحمل عليه هذا الموضع.
تنبيه:
هنالك أدوات تفيد الشرط ولا تجزم أيضًا، منها:
"لما" وهي ظرف بمعنى "حين" ولا يليها إلا الماضي، تقول: لما نجح أخي هنأته.
و"كلما" وهي ظرف يفيد التكرار ويليها الماضي أيضًا، نحو قوله -تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا
стр. 1306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾.
و"إذا" وهي ظرف للزمان المستقبل ولا يليها إلا الفعل ظاهرًا أو مقدرًا، ولا تستعمل إلا عند التحقق من وقوع الشرط، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.
و"كيف" حين تستعمل أداة شرط لبيان الكيفية، نحو: كيف تتكلم أتكلم.
خاتمة: في الجمل وأقسامها وموقعها من الإعراب.
أ- تنقسم الجمل بحسب وضعها إلى قسمين: اسمية وفعلية:
فالاسمية هي: ما صدرت باسم: والفعلية ما صدرت بفعل. والمراد بصدر الجملة: المسند أو المسند إليه، ولا عبرة بما تقدم عليهما من الحروف؛ فنحو: أمسافر أخواك؛ ولعل الجو معتدل، وما محمد خائف -جمل اسمية. ونحو: أسافر أخوك؟ وقد نجح علي، وهلا قمت، جمل فعلية؛ برغم ما تقدم على الفعل والاسم من حروف.
ب- يقسم علماء العربية هذه الجمل إلى قسمين: كبرى، وصغرى:
فالكبرى هي: الجملة الاسمية التي يكون خبر المبتدأ فيها جملة؛ سواء أكانت فعلية أم اسمية، نحو: الخريف يبدأ من اليوم الثالث والعشرين من شهر ديسمبر، والجيش المصري رجاله مخلصون.
والصغرى هي: التي يخبر بها عن المبتدأ، كجملتي: رجاله مخلصون وبيدأ من اليوم … إلخ.
أما الجملة المكونة من مبتدأ، وخبر مفرد، نحو: محمد مسافر، والخطيب جهير الصوت.
وكذلك الجملة الفعلية التي ليست خبرًا عن مبتدأ مثل: تكثر الفاكهة صيفًا، فلا تسمى صغرى ولا كبرى، بل هي مطلقة، وقد تكون الجملة صغرى وكبرى باعتبارين مختلفين كما بينا.
جـ- ويقسم علماء المعاني الجمل إلى قسمين: جمل رئيسية، وأخرى غير رئيسية فالجمل الرئيسية هي: المستقلة بمعناها التي ليست قيدًا في غيرها؛ سواء أكانت اسمية أم فعلية، وتشمل: جملة المبتدأ والخبر، والجملة التي أصلها المبتدأ والخبر؛ كاسم=
стр. 1307
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= " كان" و"إن" وخبرهما، وأخواتهما، وجملة الفعل والفاعل، وجملة الفعل، ونائب الفاعل، وجملة المصدر النائب عن فعل الأمر وفاعله، وجملة اسم الفعل وفاعله.
أما الجمل غير الرئيسية فهي: ما كنت قيدًا في غيرها، وليست مستقلة بنفسها، ومنها: جملة الحال، جملة المفعول به، جملة الصفة، جملة الشرط، جملة الاختصاص .... إلخ.
د- الجملة الاسمية التي خبرها مفرد، أو جملة اسمية تفيد بأصل وضعها: ثبوت شيء لشيء من غير نظر إلى حدوث أو استمرار، وقد تخرج عن هذا الأصل فتفيد الدوام والاستمرار بقرينة؛ كما إذا كان الكلام في معرض المدح والذم، أما الجملة الاسمية التي خبرها جملة فعلية، فتفيد التجدد في زمن معين، وقد تفيد الاستمرار، إذا قصد المدح أو الذم، كما تقدم.
هـ- وتنقسم الجمل باعتبار موقعها من الإعراب إلى قسمين: جمل لها محل من الإعراب، وأخرى لا محل لها من الإعراب. وقد مرت مفصلة في أبوابها، ونذكرها هنا بإجمال من باب التذكير:
أ- الجمل التي لها من محل من الإعراب، وهي على المشهور.
١ جملة الخبر، ومحلها الرفع.
٢ جملة الحال، ومحلها من النصب.
٣ جملة المفعول، ومحلها النصب.
٤ الجملة المضاف إليه، ومحلها الجر.
٥ الجملة الواقعة جوابًا لشرط جازم واقترنت بالفاء أو "إذا"، ومحلها الجر.
٦ الجملة التابعة لمفرد؛ بأن كانت نعتًا له، أو عطفت عليه بالحرف، أو كانت مبدلة منه، ومحلها على حسب إعراب المتبوع.
٧ الجملة التابعة لجملة لها محل من الإعراب، ويكون ذلك في بابي النسق والبدل، ومحلها على حسب ما قبلها. وزاد صاحب المغني: الجملة المستثناة، نحو قوله -تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾. على رأي من أعرب "من" مبتدأ وجملة "يعذبه" خبر. والجملة المسند إليها=
стр. 1308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نحو: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ الآية؛ إذا أعرب "سواء" خبرًا مقدمًا، و"أنذرتهم" مبتدأ مؤخر.
ب- الجمل التي لا محل لها من الإعراب، وهي:
١ الجملة المستأنفة، وتشمل: الجملة الابتدائية التي تأتي في صدر الكلام نحو: محمد مسافر، والتي تأتي في أثنائه منقطعة عما قبلها، نحو: مات فلان ﵀.
٢ الجملة الواقعة صلة لاسم موصول.
٣ الجملة الواقعة جوابًا للقسم.
٤ الجملة المفسرة لما قبلها، نحو: هلا نفسك هذبتها.
٥ الجملة الاعتراضية، وهي المتوسطة بين أجزاء جملة؛ كالتي تقع بين الفعل والفاعل، أو بين المبتدأ والخبر .. إلخ، أو المتوسطة بين جملتين مرتبطتين.
٦ جملة جواب الشرط غير الجازم مطلقًا، أو جواب الشرط الجازم غير المقترن بالفاء، أو بإذا الفجائية.
٧ الجملة التابعة لجملة لا محل لها من الإعراب.
стр. 1309
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسئلة والتمرينات:
١ اذكر أقسام "لو"، وبين الفرق بين "لو" المصدرية، و"لو" الشرطية في المعنى والعمل، ووضح بأمثلة من عندك.
٢ على أي الجمل تدخل "لو"؟ وما حكم جوابها من حيث الاقتران باللام أو عدمه؟ مثل.
٣ ما الذي تفيده "لما"؟ اشرح ذلك، وبين ما يشترط في جوابها مع التوضيح بالأمثلة.
٤ علم تدل "لو"، و"لوما"؟ هات مثالين لكل منهما؛ أحدهما: يوضح معنى والثاني يبين معنى آخر لهما.
٥ اذكر أربعة أمثلة يفصل فيها بين أما وبين الفاء؛ على أن يكون الفاصل مختلفًا في كل مثال عن غيره.
٦ فيما يأتي شواهد لبعض أدوات هذا الباب، بين الغرض من الشاهد، وما يفيده من معنى مع إيضاح الشرط والجواب.
قال -تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾.
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾.
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُون﴾.
﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾.
﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾.
﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾.
﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾. =
стр. 1310
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ويقول الرسول ﵇: "أما موسى كأني أنظر إليه إذ ينحدر في الوادي".
لا يلفك الراجوك إلا مظهرًا … خلق الكرام ولو تكون عديما
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت … لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة … كفاني ولم أطلب قليل من المال
فأما الصدور لا صدور لجعفر … ولكن أعجازًا شديدًا ضريرها
لولا رجاء لقاء الظاعنين لما … أبقت نواهم لنا روحا ولا جسدا
٧ أعرب ما تحته خط في الأبيات الآتية، وبين ما فيها من أداة شرط، مع ذكر الشرط والجواب:
يابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما … قد حوثوك فما راء كمن سمعا
لولا أبوك ولولا قبله عمر … ألقت إليك معد بالمقاليد
ما أطيب العيش لو أنَّ الفتى حجر … تنبو الحوادث عنه وهو ملموم
٨ بين فيما يأتي: الأدوات التي وردت في هذا الباب ومعناه، وشرطها، وجوابها إن كان: من الخير أن تقرأ كل يوم شيئًا من القرآن ولو يسيرًا. أما والله لو فعلت ما أصابك شر في يومك، ولو أن كل حافظ للقرآن فعل ذلك؛ إذا والله لظفر بالحسنى.
الأصدقاء ثلاثة: فأما خيرهم فالوافي المعين عند الشدة، وأما أوسطهم فالمشارك بالقول أكثر من الفعل … أي أخي! هل المعوز عاونت؟ ألا تصاحب المهذب الأخلاق، لو ما تراقب الله في عملك. هلا ذكرت ضعفك وقدرة الله واطلاعه عليك.
والنفس لو أن ما في الأرض حيز لها … ما كان إن هي لم تقنع بكافيها
وربما فات قوما جل أمرهم … من التأني وكان الحزم لو عجلوا
стр. 1311
باب: الإخبار بالذي وفروعه (١) وبالألف واللام
ويسميه بعضهم: باب السبك (٢). وهو: باب وضعه النحويون للتدريب في الأحكام النحوية (٣)، كما وضع التصريفيون مسائل التمرين في القواعد التصريفية (٤). والكلام فيه في فصلين:
باب: الإخبار بالذي وفروعه، وبالألف واللام
(١) فروع الذي هي: المثنى، والجمع "اللذان، والذين، والأولى، واللائي" ومثلها: "التي" ومثناها، وجمعها. أما غير ذلك من الموصلات فلا يخبر به.
(٢) هي تسمية قديمة من الصدر الأول، ومعناه، سبك كلام من كلام آخر ويسمى كذلك باب التمرين.
(٣) أي: للتمرين والتدريب فيها؛ ليستطيع الدارس استحضار وتذكر المسائل النحوية المختلفة وأحكامها، وتقوية ملكته على التصرف فيها والتطبيق عليها، ومعرفة ما يصح الإخبار عنه وما يمتنع .. إلخ. ولذلك توسعوا فيه حتى شمل كثيرًا من أبواب النحو؛ كالفاعل والمبتدأ والخبر، ونواسخهما، وجميع المفعولات، والتوابع … إلخ.
وقد لا يقصد بالإخبار ما ذكرنا من التمرين والتدريب؛ بل يؤتى به لغرض آخر مثل:
أ- الاختصاص والقصر؛ كما إذا قال قائل: ركب علي الطائرة، فتقول ردًا عليه: الذي ركب الطائرة خالد، ويجاب بهذا كذلك لمن قال: ركب علي وخالد؛ لإفادة القصر، وإزالة الشك في الراكب.
ب- تقوية الحكم وتثبيته؛ لأن في التعبير بالإخبار إسنادين: أحدهما إلى الضمير، والثاني إلى الظاهر، ولا شك أن هذا أقوى مما فيه إسناد واحد.
جـ- تشويق السامع، كقول أبي العلاء المعري في وصف ناقة سيدنا صالح، وفيه إشارة إلى المعاد الجسماني:
والذي حارت البرية فيه … حيوان مستحدث من جماد
(٤) سيأتي في باب التصريف أمثله لذلك، كقولهم: "كيف تبني من قرأ" على مثال "جعفر"؟.
ومن أمَّ على وزن "إصبع" فهذا، مثل قولك: كيف تخبر عن هذا الاسم بالذي ونحوه؟
стр. 1312
الفصل الأول: في بيان حقيقته.
إذا قيل لك: كيف تخبر عن زيد من قولنا: "زيد منطلق" بالذي؟
فاعمد إلى ذلك الكلام، فاعمل فيه أربعة أعمال.
أحدها: أن تبتدئه بموصول مطابق لزيد في إفراده وتذكيره وهو الذي (١).
الثاني: أن تؤخر "زيدا" إلى آخر التركيب (٢).
الثالث: أن ترفعه على أنه خبر للذي (٣).
الرابع: أن تجعل في مكانه (٤) الذي نقلته عنه ضميرًا مطابقًا له في معناه وإعرابه (٥)؛ فتقول: "الذي هو منطلق زيد"؛ فالذي: مبتدأ وهو منطلق مبتدأ وخبر، والجملة صلة للذي، والعائد منها (٦) الضمير الذي جعلته خلفًا عن زيد الذي هو الآن كمال الكلام (٧).
وقد تبين بما شرحناه: أن "زيدًا" مخبر به لا عنه، وأنَّ "الذي" بالعكس، وذلك
(١) وتجعله مبتدأ.
(٢) لأنه يراد جعله خبرا عن الموصول.
(٣) ويجعل ما بين المبتدأ والخبر صلة الموصول.
(٤) أي: في موضع "زيد" الذي أخرته.
(٥) ويكون مطابقًا للموصول؛ لأنه العائد إليه، ويلزم عند الجمهور: أن يكون هذا الضمير غائبًا ولو كان خلفًا عن ضمير متكلم أو مخاطب؛ لأنه عائد على غائب؛ إذ الموصول في حكم الغائب، وأجاز بعضهم مطابقته للخبر في التكلم والخطاب؛ فيقال في الإخبار عن التاء، في ضربت، بالفتح: الذي ضربتَ أنت، وبالضم: الذي ضربتُ أنا.
(٦) أي: إلى الموصول؛ لأنه يحتاج إلى عائد كما هو معروف.
(٧) وإلى بيان حقيقة الإخبار المذكورة، أشار الناظم بقوله: =
стр. 1313
خلاف ظاهر السؤال (١)؛ فوجب تأويل كلامهم على معنى: أخبر عن مسمى زيد في حال تعبيرك عنه بالذي (٢).
وتقول في نحو: "بلغت من أخويكم إلى العمرين رسالة" -إذا أخبرت عن التاء
=
ما قيل "أخبر عنه الذي" خبر … عن الذي مبتدأ قبل استقر
وما سواهما فوسطه صله … عائدها خلف معطي التكمله
نحو "الذي ضربته زيد" فذا … "ضربت زيدا" كان فادر المأخذا*
أي: إذا قيل لك: أخبر عن اسم ما بالذي، فاجعل الذي مبتدأ في أول الكلام، واجعل ذلك الاسم خبرًا عنه في الآخر، وما سوى المبتدأ والخبر من بقية الكلام، فاجعله متوسطًا بينهما ليكون صلة الذي، والعائد ضمير خلف عن الاسم الذي جعلناه في الآخر خبرًا ومكملا لجملة المبتدأ، ويكون مطابقًا له في معناه وإعرابه؛ فتقول في نحو ضربت زيدًا: الذي ضربته زيد؛ فالذي مبتدأ، وزيد خبره، وضربته صلة والهاء فيه خلف عن زيد. وهي عائدة على الذي فـ"عن" في قول الناظم: عنه، بمعنى "الباء"، والباء في بالذي بمعنى "عن".
(١) أي: الذي ساقه المصنف وهو: "كيف تخبر عن زيد من قولنا: "زيد من منطلق" بالذي؟ فإن ظاهره أن "زيدًا" مخبر عنه، وأن "الذي" مخبر به.
(٢) هذا أحد التأويلات التي ذكروها وهو لابن عصفور، وقيل: إن الباء في كلام الناظم للسببية؛ أي: أخبر عن ذلك الاسم بسبب التعبير عنه بالذي، أو للاستعانة؛ أي: متوصلا إلى ذلك الأخبار بالذي.
стр. 1314
بالذي- "الذي بلغ من أخويك إلى العمرين رسالة أنا" (١) فإن أخبرت عن "أخويك" قلت: اللذان بلغت منهما إلى العمرين رسالة، أخواك (٢)، أو عن العمرين قلت: "الذين بلغت من أخويك إليهم رسالة العمرون"، أو عن الرسالة قلت: "التي بلغتها من أخويك إلى العمرين رسالة (٣)؛ فتقدم الضمير وتصله (٤)؛ لأنه إذا أمكن الوصل لم يجز العدول إلى الفصل وحينئذ (٥) فيجوز حذفه؛ لأنه عائد متصل منصوب بالفعل.
(١) فـ"الذي" مبتدأ، و"أنا" خبره، وما بينهما صلة، والعائد الضمير المستتر في بلغ.
(٢) فـ"اللذان" مبتدأ، و"أخواك" خبر، وما بينهما صلة، والعائد ضمير التثنية المجرور في "منها".
(٣) "التي" مبتدأ، و"رسالة" خبر، وما بينهما صلة، والعائد الهاء في بلغتها.
(٤) أي: تقدم ضمير الرسالة عن موضعه، وتصله بالفعل؛ وكان حقه أن يكون مكانها منفصلا؛ ويكون التقدير: التي بلغت من أخوتيك إلى العمرين إياها رسالة.
(٥) أي: حين إذا قدمت الضمير ووصلته.
ويؤخذ من هذا الذي ذكره المصنف: أنه إذا كان المخبر عنه مثنى أو مجموعا أو مؤنثًا، جيء بالموصول على وفقه؛ لوجوب مطابقة الخبر للمبتدأ في الإفراد والتذكير وفروعهما، وإلى ذلك يشير الناظم بقوله:
وباللذين والذين والتي … أخبر مراعيا وفاق المثبت*
أي: إذا كان الاسم الذي قيل لك: "أخبر عنه" أي: به مثنى أو مجموعا أو مؤنثا؛ فجيء بالمبتدأ الموصول وفقه في ذلك؛ ليطابق الاسم المخبر عنه به، فتقول: اللذين للمثنى، والذين للجمع، والتي للمؤنث.
стр. 1315
الفصل الثاني في شروط ما يخبر عنه:
اعمل أن الإخبار إن كان بالذي أو أحد فروعه (١) اشترط للمخبر عنه سبعة شروط:
أحدها: أن يكون قابلا للتأخير (٢)؛ فلا يخبر عن "أيهم" من قولك أيهم في الدار؟
لأنك تقول حينئذ: الذي هو في الدار أيهم، فتزيل الاستفهام عن صدريته (٣)، وكذا القول في جميع أسماء الاستفهام، والشرط، و"كم" الخبرية، و"ما" التعجبية، وضمير الشأن، لا يخبر عن شيء منها لما ذكرنا (٤).
وفي التسهيل: أن الشرط أن يقبل الاسم أو خلفه التأخير، وذلك لأن الضمائر المتصلة؛ كالتاء من قمت -يخبر عنه مع أنها لا تتأخر، ولكن يتأخر خلفها وهو الضمير المنفصل، فتقول: الذي قام أنا.
الثاني: أن يكون قابلًا للتعريف؛ فلا يخبر عن الحال، والتمييز؛ لأنك لو قلت في جاء زيد ضاحكا: "الذي جاء زيد إياه ضاحك" كنت قد نصبت الضمير على الحال، وذلك ممتنع؛ لأن الحال واجب التنكير، وكذا القول في نحوه (٥)، وهذا القيد لم يذكره
(١) أي: من موصول؛ للتأنيث والتثنية، والجمع.
(٢) وذلك لما سبق بيانه؛ من أنه يجب تأخير ذلك الاسم إلى نهاية الجملة؛ وجعله خبرًا عن الذي وفروعه.
(٣) وقد أجاز ذلك ابن عصفور والمبرد ومن تبعهما؛ بشرط تقدم اسم الاستفهام ونحوه، فيقال: أيهم الذي هو في الدار، ويعرب "أيهم" خبرًا مقدما، و"الذي" مبتدأ مؤخر، وهم يجيزون تقديم الخبر في هذا الباب. وقيل: أيهم مبتدأ والذي خبره، والصواب رأي الجمهور من عدم جواز هذا ونحوه.
(٤) أي: من استلزامه إزالة ما له صدر الكلام عن موضعه اللازم له وهو الصدرية، ومثل ما ذكر: ضمير الفصل على القول بأنه اسم؛ فلا يخبر به لئلا يخرج عما له من لزوم التوسط.
(٥) فلا يجوز في نحو: اشتريت خمسين فدانًا، الذي اشتريت خمسين إياه فدان، ولا في نحو: كرم محمدًا نفسًا، التي كرم محمد إياها نفس، لأن الضمير الواقع بدلا ملازم للتعريف، ونصبه على التمييز غير جائز.
стр. 1316
في التسهيل (١).
الثالث: أن يكون قابلا للاستغناء عنه بالأجنبي (٢)؛ فلا يخبر عن الهاء من نحو: زيد ضربته؛ لأنها لا يستغنى عنه بالأجنبي كعمرو، وبكر. وإنما امتنع الإخبار عما هو كذلك؛ لأنك لو أخبرت عنه لقلت: "الذي زيد ضربته هو"، فالضمير المنفصل هو الذي كان متصلًا قبل الإخبار، والضمير المتصل الآن (٣) خلف عن ذلك الضمير الذي كان متصلا ففصلته وأخرته، ثم هذا الضمير المتصل: إن قدرته رابطاً للخبر بالمبتدأ، الذي هو زيد بقي الموصول بلا عائد، وإن قدرته عائدًا على الموصول بقي الخبر بلا رابط (٤).
(١) وذلك للاستغناء عنه بالشرط الرابع الآتي؛ وهو: أن يكون قابلا للاستغناء عنه بالمضمر؛ لأن ما يقبل الإضمار يقبل التعريف.
وقد ذكره الناظم لزيادة الإيضاح، فقال في الشرطين الأول والثاني:
قبول تأخير وتعريف لما … أخبر عنه ههنا قد حتما
أي: إنه يشترط في الاسيم المخبر عنه بالذي، أن يكون قابلا للتأخير؛ فلا يخبر عما له صدر الكلام، كأسماء الشرط والاستفهام وغيرهما مما ذكره المصنف. وأن يكون قابلا للتعريف؛ فلا يخبر عن الحال والتمييز، وقد أوضح المصنف العلة في ذلك.
(٢) أي: بأن يصح وضع أجنبي موضعه قبل الإخبار، مثل "محمد" من أكرمت محمدًا؛ فإنه يصح وضع "على" مثلا موضعه في تركيب آخر؛ فتقول: أكرمت عليًّا.
(٣) وهو الهاء المتصلة بالفعل.
(٤) ولا يسوغ أن يعود عليهما؛ لأن الضمير المفرد لا يعود على شيئين؛ إنما الذي يسوغ: أن=
стр. 1317
الرابع: أن يكون قابلًا للاستغناء عنه بالمضمر (١)؛ فلا يخبر عن الاسم المجرور بحتى أو بمذ أو منذ؛ لأنهن لا يجررن إلا الظاهر (٢).
والإخبار يستدعي إقامة ضمير مقام المخبر عنه كما تقدم (٣)؛ فإذا قيل: سر أبا زيد.
= يقدر عوده على أحدهما، ويقدر للآخر عائد يناسب المقام، ومثل الضمير غيره مما يحصل به الربط، كاسم الإشارة في نحو: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ فلا يقال: الذي لباس التقوى هو خير ذلك. وكالاسم الظاهر في نحو: محمد ضربت محمدًا؛ فلا يخبر عن محمد، فلا يقال الذي محمد ضربته محمد، ومنه قول الشاعر:
وأنت الذي في رحمة الله أطمع
فلا يقال الذي في رحمته أطمع الله.
وكالأسماء الواقعة في الأمثال، نحو: الكلاب -في وقولهم "الكلاب على البقر"، فلا يجوز أن يقال: التي إياها على البقر الكلاب لأن لفظ الكلاب لا يستغنى عنه بأجنبي؛ إذ الأمثال لا تغير ألفاظها.
(١) أي: الذي يعود على ما قبله، ليصح كونه عائد الموصول؛ فلا يخبر عن مجرور "رب" في مثل: رب رجل لقيته؛ لأنه الضمير المجرور بها لا يعود إلا بعده كضمير الشأن، وذلك ليحصل له به إبهام يقرب به من النكرة، وهو علاوة على ذلك محتاج إلى تمييز ولا تمييز هنا.
(٢) ومثلهما: المجرور بواو القسم وتائه، والكاف.
(٣) وقد أوضح المصنف ذلك أول الباب؛ فلا تقول في الإخبار عن الرأس من قولك: أكلت السمكة حتى رأسها -بالجر- الذي أكلت السمكة حتاه رأسها، ولا في الإخبار عن "يومين" من قولك: ما رأيته منذ أو مذ يومين، اللذان ما رأيته منذهما أو مذهما يومان؛ لأن حتى ومنذ ومذ لا تجر ضميرًا. وكذلك لا يجوز الإخبار عن المضاف دون المضاف إليه ولا الموصوف أو الموصول دون الصفة أو الصلة، والعكس فيهما، ولا عن الأسماء العاملة عمل الفعل، كاسم الفاعل، واسم المفعول، والمصدر، واسم الفعل؛ لأن الضمير لا يعمل عملهما فلا يخلفهما.
وإلى الشرطين الثالث والرابع أشار الناظم بقوله: =
стр. 1318
قرب من عمرو الكريم جاز الإخبار عن زيد (١)، وامتنع الإخبار عن الباقي؛ لأن الضمير ل خلفهن، أما الأب؛ فلأن الضمير لا يضاف وأما القرب؛ فلأن الضمير لا يتعلق به جار ومجرور ولا غيره، وأما الكريم؛ فلأن الضمير لا يوصف، ولا يوصف به. نعم؛ إن أخبرت عن المضاف والمضاف إليه معًا (٢)، أو عن العامل ومعموله معًا (٣)، أو عن الموصوف وصفته معًا (٤)، فأخرت ذلك وجعلت مكانه ضميرًا جاز؛ فتقول في الإخبار عن المتضايفين: الذي سره قرب من عمرو الكريم، أبو زيد، وكذا الباقي (٥).
الخامس: جواز وروده في الإثبات؛ فلا يخبر عن "أحد" من نحو: ما جاءني أحد؛
=
كذا الغني عنه بأجنبي أو … بمضمر شرط، فراع ما رعوا*
أي: كذلك يشترط في المخبر عنه بالذي؛ أي: يصح الاستغناء عنه بأجنبي، وأن يكون كذلك صالحًا للاستغناء عنه بمضمر، وقد أوضح المصنف سبب اشتراط ذلك.
(١) أي: وحد في هذه العبارة؛ لأن الضمير يصح أن يخلفه؛ فيقال: الذي سر أباه قرب من عمرو الكريم، زيد.
(٢) وهما: أبا زيد.
(٣) وهما: قرب من عمرو.
(٤) وهما عمرو الكريم.
(٥) فتقول في الإخبار عن العامل ومعموله: الذي سر أبا زيد قرب من عمرو الكريم؛ فالضمير المستتر في سر الواقع فاعلا، خلف عن "قرب"، وكان ينبغي أن يوضع في محله، ولكن ضرورة اتصاله قدمته، واتصل بعامله فاستتر فيه.
وتقول في الإخبار عن الموصوف وصفته معا، وهما عمرو الكريم: الذي سر أبا زيد قرب منه عمر الكريم.
стр. 1319
لأنه لو قيل: الذي ما جاءني أحد لزم وقوع "أحد" في الإيجاب (١).
السادس: كونه في جملة خبرية (٢)؛ فلا يخبر عن الاسم في مثل: "اضرب زيدًا"؛ لأن الطلب لا يقع صلة (٣).
السابع: ألا يكون في إحدى جملتين مستقلتين (٤) نحو زيد؛ من قولك: "قام زيد وقعد عمرو" (٥)؛ بخلاف "إن قام زيد قعد عمرو" (٦).
وإن كان الإخبار بالألف واللام، اشترط عشرة أمور؛ هذه السبعة
(١) وذلك ممنوع عند الجمهور؛ ذلك لأن "أحد" خبر عن "الذي"، وفاعل "جاء" ضمير مستتر فيه؛ وهو ضمير "أحد" ومثل أحد في ذلك: عريب وديار، وغيرهما مما لا يستعمل إلا في النفي.
(٢) أي: ليمكن الإتيان بصلة للموصول؛ كما ذكر المصنف.
(٣) فلا يقال: الذي اضربه زيد، وكذلك لا يخبر عن اسم "ليت" "ولعل" وخبرهما إلا إذا كانا بعض جملة خبرية، مثل: قال محمد: ليت عليًّا مسافر أو لعل بكرًا مقيم عندنا؛ فإنه يقال: الذي قال محمد: ليته مسافر علي، أو ليت عليًّا مسافر … إلخ، ولا يسوغ الإخبار عن معمول لكن؛ لأنه لا تقع صلة وإن كانت خبرية؛ لئلا يلزم الاستدراك بدون مستدرك.
(٤) أي: إذا لم يكن هنالك ما يربط إحداهما بالأخرى.
(٥) فلا يقال: الذي قام وقعد عمرو، زيد؛ لخلو جملة "قعد عمرو" من رابط؛ كضمير يعود على الموصول، أو عطف بالفاء فيلزم عند الإخبار: عطف ما ليس صلة على ما هو صلة، فإن كان في الثانية ضمير الاسم المخبر عنه، أو كانت معطوفة بالفاء، جاز الإخبار، لانتفاء المجرور المتقدم، تقول في حالة الضمير في الإخبار عن أحمد في مثل: "سافر أحمد وتخلف عنه إبراهيم": الذي سافر وتخلف عنه إبراهيم، أحمد، وفي حالة العطف بالفاء تقول: في مثل: "حضر علي فتخلف محمد" الذي حضر فتخلف محمد علي.
(٦) لأن جملتي الشرط والجزاء في حكم الجملة الواحدة، فتقول في الإخبار عن زيد: الذي إن قام قعد عمرو زيد.
هذا؛ ومن الشروط:
ألا يكون الاسم ملازما لغير الرفع مثل: "سبحان". و"عند"؛ لتعذر جعله خبرًا، وأن يمكن الاستفادة منه، فلا يخبر عن اسم ليس تحته معنى كثواني الأعلام، مثل بكر من أبي بكر، إذ لا يمكن أن يكون خبرًا عن شيء.
стр. 1320
وثلاثة أخر وهي: أن يكون المخبر عنه من جمل فعلية (١)، وأن يكون فعلها متصرفًا، وأن يكون مقدمًا (٢)؛ فلا يخبر بأل عن زيد من قولك: "زيد أخوك" (٣) ولا من قولك: "عسى زيد أن يقوم" (٤) ولا من قولك: "ما زال زيد عالما" (٥).
ويخبر عن كل من الفاعل والمفعول في نتحو قولك: وقى الله البطل، فتقول:
(١) بخلاف الإخبار بالذي؛ فإنه يخبر به عن الاسم الواقع في جملة اسمية أو فعلية.
(٢) في بعض النسخ "مثبتا"، فيكون شرطًا زائدا على التقدم.
(٣) لأنه في جملة اسمية، والجملة الاسمية لا تصلح صلة.
(٤) لأن فعلها جامد، وهو أيضًا لا يصلح صلة لأل.
(٥) لأنه تقدم على الفعل نفي: ولا يفصل بين "أل" وصلتها بنفي ولا بغيره، وإلى الشروط المتقدمة، يشير الناظم بقوله:
وأخبروا هنا بأل عن بعض ما … يكون فيه الفعل قد تقدما
إن صح صوغ صلة منه لأل … كصوغ "واق" من "وقى الله البطل"*
أي: إنه يخبر بما فيه "أل"عن الاسم، إذا كان واقعًا في جملة فعلية تقدم فيها الفعل، وكان ذلك الفعل مما يصح أن تصاغ منه صلة الألف واللام، فلا يكون جامدًا، ولا منفيا وقد أوضح المصنف ذلك كما أوضح الإخبار في المثال الذي ذكره الناظم، وهو: "وقى الله البطل".
стр. 1321
الواقي البطل الله (١)، والواقيه الله البطل (٢)، ولا يجوز لك أن تحذف الهاء؛ لأن عائد الألف واللام، ولا يحذف إلا في ضرورة الشعر، كقوله:
ما المستفز الهوى محمود عاقبة (٣)
فصل: وإذا رفعت صلة "أل" ضميرًا راجعًا إلى نفس أل استتر في الصلة ولم يبرز (٤)؛ تقول في الإخبار من التاء من "بلغت" في المثال المتقدم: المبلغ من أخويك إلى العمرين رسالة أنا؛ ففي المبلغ ضمير مستتر؛ لأنه في المعنى لـ"أل" لأنه خلف عن ضمير المتكلم، و"أل" للمتكلم؛ لأن خبرها ضمير المتكلم والمبتدأ نفس الخبر (٥).
وإن رفعت صلة "أل" ضميرًا لغير "أل" وجب بروزه وانفصاله (٦)، كما إذا أخبرت
(١) أي: إذا أخبرت عن الفاعل؛ فتنصب البطل على المفعولية، أو تجره على أنه مضاف إليه.
(٢) أي: عند الإخبار عن المفعول؛ فيرفع لفظ الجلالة على الفاعلية باسم الفاعل، والبطل على الخبرية.
(٣) تقدم إعراب وشرح هذا البيت في باب الموصول. صفحة ١٧٩، جزء أول.
والشاهد فيه هنا: حذف الهاء العائدة على "أل" من المستفز للضرورة، أي: المستفزة.
(٤) بل يجب استتاره؛ لأن الصفحة جارية على من هي له.
(٥) وإذا أخبرت عن الفاعل في مثل: أكرمتني، قلت: المكرمي أنت فيستتر فالع الصلة؛ لأنه لأل، و"أنت" مرفوع الصلة، وقد أبرز لأنه لغير أل، و"أنا" خبر أل.
(٦) لأنه الصلة إذا جرت على غير من هي له امتنع رفعها ضميرًا مستترًا، وإلى ذلك يشير الناظم بقوله:
وإن يكن ما رفعت صلة أل … ضمير غيرها أبين وانفصل*
أي: إذا رفع الوصف الواقع صلة لأل ضميرًا، وكان هذا الضمير عائدًا على غير "أل" وجب الإتيان به بارزًا منفصلا. أما إذا عاد إلى أل، فيجب استتاره كما بينا.
стр. 1322
عن شيء من بقية المثال؛ تقول في الإخبار عن الأخوين: المبلغ أنا منهما إلى العمرين رسالة أخواك. وعن العمرين: المبلغ أنا من أخويك إليهم رسالة، العمرون، وعن الرسالة: المبلغها أنا من أخويك إلى العمرين رسالة (١)؛ وذلك لأن التبليغ فعل المتكلم (٢)، و"أل" فيهن لغير المتكلم؛ لأنها نفس الخبر الذي أخرته (٣).
(١) " أنا" في الأمثلة فاعل المبلغ؛ لأنه اسم فاعل، وهو ضمير منفصل؛ لأنه لغير"أل"، وضمير الغيبة هو العائد.
(٢) بدليل إسناده إلى تاء المتكلم في بلغت.
(٣) أي: وهو الأخوان في الأول، والعمرون في الثاني، والرسالة في الثالث.
خاتمة:
يجوز الإخبار عن اسم كان، بالذي وفروعه، وبالألف واللام؛ تقول في مثل: كان محمد زميلك في الدراسة، الذي كان زميلك في الدراسة محمد، أو الكائن زميلك … إلخ أما الخبر؛ فيرى السيوطي جواز الإخبار عنه إذا كان جامدًا، كما يجوز باتفاق في خبر المبتدأ، وفي باب "إن"، وباب "ظن" الجامد؛ تقول: الذي كان محمد إياه، أو كانه محمد أخوك، والذي إن محمدًا هو أخوك، والذي ظننت محمدًا إياه، أو ظننته محمدًا أخوك.
ويمتنع في كل خبر مشتق في الجميع؛ سواء كان خبر للمبتدأ، أو في باب كان، أو إن، وظن. أما غير السيوطي: فيجيز الإخبار عن الخبر مطلقًا، جامدًا أو مشتقًا، وهذا هو الصحيح، وفيه تيسير حسن.
стр. 1323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسئلة والتمرينات:
١ ما الذي يريده النحاة بقولهم: أخبر عن أي اسم بالذي، أو بالألف واللام؟
٢ اذكر الخطوات التي تتبعها إذا أردت الإخبار عن اسم بالذي؟
٣ اذكر ما يشترط في الاسم الذي يراد الإخبار عنه بالذي أو أحد فروعه. ومثل.
٤ بين ما لا يصح أن يخبر عنه من الأسماء، ووضح السبب في ذلك.
٥ ما الذي يشترط في المخبر عن بالألف واللام؟ ولماذا هذه الشروط؟
٦ أخبر عن الفاعل، والمفعول، والمبتدأ والخبر، واسم كان في الجملة الآتية بما يمكن الإخبار به، وعلل لما تقول:
قابلت زملائك بالأمس، وكان محمد معني باستذكار دروسه، أما أخوه فقد رسب وحزن أصدقاؤه لذلك حزنا شديدًا.
لا يزال الفدائيون يبذلون كل جهد لينالوا الانتصار على العدو الغادر، وما برح هذا العدو غير مستجيب لنداء الأمم المتحدة.
ينصر الله المتوكل عليه إنه نعم المولى ونعم النصير.
стр. 1324
باب: العدد (١)
اعلم أن الواحد والاثنين يخالفان الثلاثة والعشرة وما بينهما في حكمين:
أحدهما: أنهما يذكَّران مع المذكَّر؛ فتقول: واحد، واثنان، ويؤنثان مع المؤنث (٢)؛ فتقول: واحدة، واثنتان (٣)، والثلاثة وأخواتها تجري على عكس ذلك (٤)؛ فتقول: ثلاثة رجالن بالتاء، وثلاث إماء، بتركها؛ قال الله -تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾.
باب: العدد
(١) إن معنى كلمة العدد واضح ومعروف، ومع هذا فقد عرفه النحاة بأنه: ما وضح لكمية الآحاد؛ أي: الأفراد. والمراد به هنا: الألفاظ الدالة على المعدود، ومن خواص العدد: أنه يساوي نصف مجموع حاشيتيه المتقابلتين، والمراد بالحاشيتين: الناحيتان اللتان يقع العدد بينهما؛ وهما: العدد الذي قبله والعدد الذي بعده، ومعنى تقابلهما: أن الحاشية التي قبله تنقص عنه بمقدار زيادة الحاشية التي بعده، فالعدد ٧ مثلا، حاشيته السفلى ٦ والعليا ٨؛ ومجموعهما ١٤، والعدد ٧ نصف هذا المجموع … وهكذا.
(٢) ومثلهما في ذلك: العشرة إذا ركبت، تقول: الجزاء الرابع عشر، والمقالة الرابعة عشرة، وما وازن "فاعلا" مطلقًا، تقول: الجزء الرابع والمقالة الرابعة، وسيأتي الكلام على موازن "فاعل" في موضعه إن شاء الله.
(٣) أي: على لغة الحجازيين؛ وثنتان على لغة بني تميم.
(٤) فتلحقها تاء التأنيث إن كان المعدود مذكرًا، وتتجرد من التاء، إن كان مؤنثا وذلك بشرط: أن يكون المعدود مذكورًا في الكلام، وأن يكون متأخرًا عن اسم العدد، وتقول: ثلاثة رجال، وأربع فتيات، فإن لم يذكر المعدود بل لحظ معناه، أو تقدم وجعل اسم العدد صفته، جاز في اسم العدد التذكير والتأنيث، ومن ذكل الحديث: "ثلاث من كن فيه كان منافقًا"، ويجوز ثلاثة. وحللت مسائل تسعًا، وقابلت رجالا ستة، ويجوز العكس وإن حذف المعدود ولم يلاحظ في التقدير مطلقًا؛ بل قصد ذكر اسم العدد المجرد، فالأفصح تأنيث العدد بالتاء؛ على اعتباره علم جنس مؤنثًا؛ تقول: ثلاثة نصف ستة، ويمنع من=
стр. 1325
والثاني: أنهما لا يجمع بينهما وبين المعدود (١)؛ لا تقول: واحد رجل، ولا اثنا رجلين؛ لأن قولك: "رجل" يفيد الجنسية والوحدة، وقولك: "رجلان"؛ يفيد الجنسية وشفع الواحد؛ فلا حاجة إلى الجمع بينهما. وأما البواقي؛ فلا تستفاد العدة والجنس إلا من العدد والمعدود جميعًا؛ وذلك لأن قولك: ثلاثة "يفيد العدة دون الجنس، وقولك: "رجال" يفيد الجنس دون العدة. فإن قصدت الإفادتين جمعت الكلمتين (٢).
= الصرف للعلمية الجنسية والتأنيث، ولا تلحقه "أل" المعرفة على الأرجح هذا: وقد ذكر ابن مالك أن السر في ذكر التاء في الثلاثة والعشرة وما بينهما في عد المذكرين هو أن الثلاثة وأخواتها أسماء جموع مؤنثة، مثل: فرقة، زمرة، أمة، فأصلها أن تكون بالتاء على غرار نظائرها، ولما كان المذكر سابقا على المؤنث في الاستعمال استعملوا هذه الألفاظ على أصلها مع المذكر، وحذفت التاء مع المؤنث للفرق بين المذكر والمؤنث.
(١) أي: لا يذكر معهما تمييز؛ وذلك على الإضافة، كما مثل المصنف، وأما "ثنتا حنظل" في قول جندل بن المثنى، فضرورة شاذة: ويجوز الجمع بينهما على طريق الوصفية إذا قصد بالوصف بيان أن المراد باسم الجنس العدد المخصوص لا الجنسية، كما في قوله -تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، فإنه لو قيل: "إله" ولم يؤكد بواحد لم يحسن؛ فربما فهم أن المراد إثبات الإلهية لا الوحدانية.
(٢) وفي حكم الثلاثة والعشرة وما بينهما، يقول الناظم:
ثلاثة بالتاء قل للعشره … في عد ما آحاده مذكره
في الضد جرد … ... ...... … ... … ... *
أي: قل ثلاثة بالتاء إلى العشرة؛ إذا كنت تعد جمعًا آحاد؛ أي: مفرداته مذكرة، أما في ضد ذلك، حين تكون مفردات المعدود مؤنثة فيجب تجريد العدد من التاء، وقد أوضحنا ما في ذلك كله.
стр. 1326
فصل: مميز الثلاثة والعشرة وما بينهما، إن كان اسم جنس (١) كشحر وتمر، أو اسم جمع كقوم ورهط (٢) خفض بمن؛ تقول. "ثلاثة من التمر"، "وعشرة من القوم"، قال الله -تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ وقد يخفض بإضافة العدد (٣) نحو: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ وفي الحديث: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة"، وقال الشاعر:
ثلاثة أنفس وثلاث ذود (٤)(١) تقدم الكلام مستوفى على اسم الجنس وأنواعه، واسم الجمع في الجزء الأول صفحة ٢٦.
(٢) رهط الرجل: قومه وقبيلته، وهو من الثلاثة إلى العشرة من الرجال ولا واحد له من لفظه.
(٣) يري بعض النحاة قصر ذلك على السماع.
(٤) صدر بيت من الوافر للحطيئة، من أبيات يشكو فيها ما نزل به من بلاء، وذلك أنه كان في سفر ومعه امرأته أمامة وابنته مليكة، فسرح إبله فافتقد منها ناقة فحزن، وعجز البيت:
لقد جار الزمان على عيالي
وقبله:
أذئب القفر أم ذئب أنيس … أصاب البكر أم حدث الليالي
اللغة والإعراب: ذود: الذود من الإبل: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، وقيل غير ذلك. ومن الأمثال: "الذود إلى الذود إبل" أي: إذا جمع القليل إلى القليل صار كثيرا، فهو حث على الإدخار وعدم التبذير.
"ثلاثة" خبر لمبتدأ محذوف أو العكس، وما بعده مضاف إليه؛ أي: نحن ثلاثة أنفس، ولنا ثلاث ذود.
قال المبرد: أراد بثلاث ذود ثلاث نوق؛ كما تدل على ذلك القصة "لقد" اللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق. "الزمان" فاعل جار، "على عيالي" جار ومجرور متعلق بجار.
الشاهد: إضافة العد -وهو ثلاثة- إلى "ذود" المعدود، وهو اسم جمع مؤنث وذلك قليل: والقياس ألا يضاف العدد إلا إلى جمع، وفيه شاهد آخر وهو: تأنيث ثلاثة، والنفس مؤنثة، والقياس: ثلاث أنفس، وقد أنث مراعاة للمعنى، لكثرة إطلاق النفس على الإنسان.
стр. 1327
وإن كان جمعًا خفض بإضافة العدد إليه: "ثلاثة رجال".
ويعتبر التذكير والتأنيث مع اسمي الجمع والجنس بحسب حالهما (١)؛ فيعطى العدد عكس ما يستحقه ضميرهما؛ فتقول: "ثلاثة من الغنم" بالتاء؛ لأنك تقول: "غنم كثير" بالتذكير (٢)، "وثلاث من البط" بترك التاء، لأنك تقول: "بط كثيرة" بالتأنيث، و"ثلاثة من البقر"؛ أو "ثلاث"؛ لأن في البقر لغتين: التذكير والتأنيث؛ قال الله -تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ وقرئ: ﴿تَشَابَهَتْ﴾.
(١) أي: حال لفظها وصيغتهما وما هما عليه من تذكير أو تأنيث، أو صلاح للأمرين، وذلك: أن الجنس؛ منه المؤنث كالنخل والبط، والمذكر كالموز والعنب والسدر والقمح، وما فيه لغتان كالبقر والغنم، وكذلك اسم الجمع منه المذكر، كقوم ورهط، والمؤنث كإبل وخيل، وجائزهما، كركب ويعرف الحال من هذه الناحية بوسائل متعددة؛ منها: نوع الضمير العائد على كل مهما، أهو مذكر أم مؤنث؟ والإشارة المستعملة مع كل، والنعت، وتأنيث الفعل معهما … إلخ ومحل اعتبار اللفظ والصيغة في اسمي الجنس والجمع؛ إذا لم يفصل يبن المعدود واسم العدد نعت يدل على التأنيث فقط، أو التذكير فقط، أو يكون لفظه صالحًا لنعت المؤنث والمذكر؛ فإن توسط هذا النعت وجب مراعاة المعنى الذي يقتضيه؛ فيذكر اسم العدد أو يؤنث تبعًا له؛ تقول: خمس إناث من الغنم، وثلاثة ذكور من البط، ولو تأخر هذا النعت عن المعدود، أو كان لفظه مما يصلح نعتًا للمذكر والمؤنث -كلفظ حسان مثلا- لم يكن له أثر في تأنيث العدد وتذكيره تقول: في الماء خمس من الغنم إناث، وخمسة من الغنم إناث، وثلاثة من البط ذكور، أو ثلاث من البط ذكور؛ كما تقول: خمسة حسان، أو خمس حسان من البط؛ لأن لفظ "حسان" يصلح نعتا للمذكر والمؤنث، فيقال: رجال حسان، ونساء حسان.
(٢) في مختار الصحاح، والغنم: اسم مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكرو والإناث وعليهما جميعًا، والإبل كالغنم في ذلك.
стр. 1328
ويعتبران (١) مع الجمع بحال مفرده؛ فلذلك تقول: "ثلاث اصطبلات وثلاثة حمامات" بالتاء فيهما، اعتبارًا بالاصطبل والحمام، فإنهما مذكران، ولا تقول: "ثلاث" بتركها، اعتبارًا بالجمع، خلافًا للبغداديين (٢).
ولا يعتبر من حال الواحد حال لفظه حتى يقال: "ثلاث طلحات" بترك التاء، ولا حال معناه حتى يقال: ثلاث أشخص بتركها تريد نسوة (٣)، بل ينظر إلى ما يستحقه المفرد باعتبار ضميره، فيعكس حكمه في العدد (٤)؛ فكما تقول: "طلحة حضر"، و"هند شخص جميل" بالتذكير فيهما تقول: "ثلاثة طلحات"، "وثلاثة أشخص" بالتاء فيهما.
فأما قوله: ثلاث شخوص كاعبان ومعصر (٥).
(١) أي: التذكير والتأنيث.
(٢) فإنهم يجيزون مراعاة الجمع والمفرد، ووافقهم الكسائي، فيقال: ثلاثة حمامات، وثلاث حمامات. وذكر سيبويه: أن ذلك مخالف لما ورد عن العرب.
(٣) لأن لفظ "شخص" يستوي فيه المذكر والمؤنث، ولكن إذا أعيد عليه الضمير، يعود مذكرًا، ويؤنث العدد إذا أضيف إلى جمعه.
(٤) وعلى ذلك: لا يجوز تذكير العدد إذا كان المعدود مذكرًا مؤولا بالمؤنث.
(٥) عجز بيت من الطويل، لعمر بن أبي ربيعة المخزومي، وصدره.
فكان مجني دون من كنت أتقي
وهذا البيته من قصيدته الرائية المشهورة التي مطلعها:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر … غداة غد أم رائح فمهجر
اللغة والإعراب: مجني، المجن: أصله الترس وجمعه مجان، ويريد به هنا: ما يتقى به الرقباء، أتقي: أجانب وأحذر شخوص: جمع شخص، وأصله الشبح الذي يرى من بعد، والمراد هنا: الإنسان كاعبان: مثنى كاعب، وهي الجارية حين يبدو ثديها. =
стр. 1329
فضرورة، والذي سهل ذلك قوله: "كاعبان ومعصر" فاتصل باللفظ ما يعضد المعنى المراد (١)، ومع ذلك فليس بقياس، خلافًا للناظم.
وإذا كان المعدود صفة -فالمعتبر حال الموصوف المنوي لا حالها، قال الله -تعالى: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ أي: عشر حسنات أمثالها، ولولا ذلك لقيل: "عشرة"؛ لأن المثل مذكر (٢)، وتقول: "عندي ثلاثة ربعات" (٣) بالتاء إن قدرت رجالًا، وبتركها إن قدرت نساء، ولهذا يقولون: ثلاثة دواب بالتاء، إذا قصدوا ذكورًا؛ لأن الدابة صفة في الأصل فكأنهم قالوا: ثلاثة أحمرة دواب، وسمع ثلاث دواب ذكور، بترك التاء.
معصر: الجارية أول ما تدرك وتدخل عصر الشباب "مجني" خبر كان مقدم "دون" منصوب على الظرفية به لما فيه من معنى الواقي "من" اسم موصول مضاف إليه، "كنت أتقى" الجملة صلة الموصول؛ والعائد محذوف؛ أي: أتقيه "ثلاث شخوص" ثلاث اسم كان مؤخر وشخوص مضاف إليه "كاعبان" بدل من ثلاث "ومعصر" معطوف عليه.
والمعنى: كان سِتري وحصني دون من كنت أتقيه وأخافه من الرقباء، هؤلاء الثلاثة اللواتي مشيت بينهن متنكرا وساعدنني على ذلك. وقبل هذا البيت:
فقالت لها الصغرى سأعطيه مطرفي … ودرعي، وهذا البرد إن كان يحذر
يقوم فيمشي بيننا متنكرا … فلا سرنا يفشو ولا هو يظهر
والشاهد: في ثلاث شخوص؛ فقد حذف التاء من ثلاثة، وشخوص جمع وكان ينبغي ملاحظة مفرده المذكر -وهو شخص- فيقول: ثلاثة شخوص، ولكنه راعى المعنى الذي قصده، وقواه ذكر الكاعبين والمعصر، وهذا ضرورة عند جمهور النحاة.
(١) أي: وهو التأنيث، فقد كنى بذلك عن النساء.
(٢) ذلك لأنه واحد الأمثال، وتقدم أنه يعتبر في الجمع حال مفرده.
(٣) بفتح الباء، جمع ربعة، وهو المربوع الخلق الذي ليس بالطويل ولا بالقصير يوصف به المذكر والمؤنث فيقال: رجل ربعة وامرأة ربعة، وهو في الأصل اسم ثم استعمل صفة.
قال صاحب الصحاح: وهذا الجمع شاذ؛ لأن "فَعْله" إذا كانت صفة لا تحرك في الجمع، وإنما تحرك إذا كانت اسمًا، ولم يكن موضع العين واو، ولا ياء.
стр. 1330
لأنهم أجروا الدابة مجرى الجامد، فلا يجرونها على موصوف.
فصل: الأعداد التي تضاف للمعدود عشرة، وهي نوعان:
أحدهما: الثلاثة والعشرة وما بينهما، وحق ما تضاف إليه أن يكون جمعًا، مكسرا من أبنية القلة (١) نحو: ثلاثة أفلس، وأربعة أعبد، وسبعة أبحر، وقد يتخلف كل واحد من هذه الأمور الثلاثة فيضاف للمفرد؛ وذلك إذا كان مائة (٢) نحو: ثلائمائة وتسعمائة، وشذ في الضرورة قوله:
ثلاث مئين للملوك وفى بها (٣)(١) وذلك ليتطابق المعدود والعدد في الدلالة على التعدد لفظًا ومعنى؛ فإن ألفاظ العدد أقرب إلى جمع التكسير لفظًا، وفي ذلك يقول الناظم:
والمميز اجرر … جمعا بلفظ قلة في الأكثر*
أي: اجعل تمييز الثلاثة إلى العشرة مجرورًا بالإضافة، والغالب أن يضاف إلى جمع قلة؛ إن كان للمعدود جمع قلة وكثرة، فإن لم يكن للكلمة إلا جمع كثرة صح التميز به بلا ضعف.
(٢) أي: إذا كان التمييز لفظ "مائة" فإن لفظها مفرد، وإن كانت جمعًا في المعنى؛ لأنها عشر عشرات، وهو حد جمع القلة. وكذلك إذا كان اسم جمع كقوم ورهط، أو اسم جنس، كنحل وبقر والغالب في هذين النوعين أن يكونا مجرورين بالحرف "من" تقول: ثلاثة من القوم فازوا، وخمسة من البقر، ولدت، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾. ومن جرهما بالإضافة قوله -تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾. وقوله ﵇: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" قيل: والأحسن قصره على السماع.
(٣) صدر بيت من الطويل للفرزدق همام بن غالب في الفخر، وعجزه.
ردائي وجلت عن وجوه الأهاتم
=
стр. 1331
ويضاف لجمع التصحيح في مسألتين (١):
إحداهما: أن يهمل تكسير الكلمة نحو: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ وخمس صلوات، و ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ (٢).
والثانية: أن يجاور ما أهمل تكسيره، نحو: ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ﴾، فإنه في التنزيل مجاور لـ ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ (٣).
ويضاف لبناء الكثرة في مسألتين:
= اللغة والإعراب: ثلاثة مئين، أي: ثلاثمائة بعير. ردائي، الرداء: معروف، وهوما يلبس. قيل: والمراد هنا السيف. جلت: كشفت. وجوه: عظماء وأعيان. الأهاتم: جمع أهتم، وهم بنو سنان الأهتم. "ثلاث" مبتدأ. "مئين" مضاف إليه مجرور بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. "للملوك" متعلق بمحذوف صفة لثلاث مئين. "وفي" فعل ماض.
المعنى: يقولون: إن ردائي أو سيفي، وفي بديات ثلاث ملوك قتلوا، وكانت ديتهم ثلاثمائة بعير وأزال العبء عن عظماء هذه القبيلة، وكان قد رهن رداءه أو سيفه في ذلك.
الشاهد: إضافة ثلاث إلى جمع المائة وذلك شاذ؛ لأن المائة إذا جمعت كان أقل مفهومها ثلاثة، وذكر "ثلاث" التي هي العدد، يجعل معنى ثلاث مئين تسعمائة، ولا شك أن هذا غير مقصود.
(١) وكذلك: إذا كان للكلمة جمع تكسير ولكنه نادر وقليل الاستعمال، نحو: ثلاث سعادات وآيات. فإنه يندر: سعائد، وآي.
ومن النادر أيضا: وقوع جمع التصحيح المشتق تمييزا للعدد: مثل: ثلاثة صالحين، وأربعة زاهدين، بالإضافة. والأحسن أن يعرب هذا الجمع نعتا، ويجوز نصبه على الحال إن كان نكرة.
(٢) فإن "سماء" و"صلاة" و"بقرة" لم يسمع لها جمع تكسير أصلا.
(٣) "سنبلات" لها جمع تكسر وهو "سنابل" وقد عدل عنه لمجاورته بقرات التي ليس لها جمع تكسير، مراعاة للتنسيق، [سورة يوسف الآية: ٤٣].
стр. 1332
أحدهما: أن يهمل بناء القلة: نحو: ثلاث جوار، وأربعة رجال، وخمسة دراهم (١).
والثانية: أن يكون له بناء قلة، ولكنه شاذ قياسا أو سماعا؛ فينزل لذلك منزلة المعدود.
فالأول نحو: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾؛ فإن جمع "قَرْءٍ" بالفتح على أقراء شاذ (٢)، والثاني: نحو: ثلاثة شُسُوع (٣)؛ فإن أشساعا قليل الاستعمال (٤).
النوع الثاني: المائة والألف (٥). وحقهما أن يضافا إلى مفرد، نحو: ﴿مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، و ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾.
وقد تضاف بالمائة إلى جمع كقراء الأخوين (٦) ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ (٧) وقد تميز
(١) " جارية" و"رجل" و"درهم" لم يستعمل لها جمع قلة، أما "أرجل" فجمع رجل.
(٢) ذكر بعضهم أنه جمع "قُرءِ" بالضم، وعليه فلا شذوذ، وأيضا فقد ذكروا بناء قلة مطردا لقرء بالفتح، وهو "أقرؤ" وعلى ذلك فالصواب: جمع ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ من القليل لا مما شذ جمع قلته. [سورة البقرة الآية: ٢٢٨].
(٣) جمع شسع، وهو أحد سيور النعل.
(٤) أي: وإن كان جمعا قياسيا لشسع.
(٥) أي: ومثناها وجمعهما؛ فالمراد جنس المائة وجنس الألف، سواء كان الجمع بالصيغة، نحو: مائتي رجل، وألفي فتاة، وثلاثة آلاف مقاتل، أو بإضافة "ثلاثة" فما فوق إليه، نحو: ثلاثمائة رجل، وأحد عشر ألف رجل. ولك أن تجعل هذين من المفرد اعتبارا بلفظ مائة وألف.
هذا: ويميز بالألف مطلقا، نحو: مائة ألف، وأحد عشر ألفا، وعشرون ألفا؛ ولا يميز بالمائة؛ إلا: ثلاث وإحدى عشرة وأخواتهما؛ تقول: ثلاثمائة، وخمسمائة، وإحدى عشرة مائة، وخمس عشرة مائة.
(٦) المراد: حمزة والكسائي.
(٧) أي: بإضافة مائة إلى سنين؛ تشبيها لها بالعشرة. أو من وضع الجمع موضع المفرد. =
стр. 1333
بمفرد منصبو، كقوله:
إذا عاش الفتى مائتين عاما (١)
فصل: إذا تجاوزت العشر جئت بكلمتين، الأولى النيف (٢)، وهو التسعة فما دونها،
= [سورة الكهف الآية: ٣٥]. وفي المائة والألف يقول الناظم:
ومائة والألف للفرد أضف … ومائة بالجمع نزرا قد ردف*
أي: أضف "مائة" و"الألف" للمفرد ليكون تمييزا لهما. وقد يردف المائة؛ أي:
يقع بعدها جمع مضاف إليه ليكون تمييزا لها، وذلك نادر لا يقاس عليه. وإنما يجب جر التمييز فيما تقدم إذا تأخر وأعرب تمييزا، فإذا تقدم على العدد
أعرب على حسب حاجة الجملة، وأعرب العدد نعتا مؤولا لجموده، تقول: عندي ضيوف ثلاثة برفعهما، ورأيت رجالا ثلاثة بنصبهما … إلخ.
(١) صدر بيت من الوافر، للربيع بن ضبع الفزاري أحد الشعراء المعمرين، وقد استشهد به سيبويه، وعجزه:
فقد ذهب المسرة والفتاء
اللغة والإعراب: المسرة: ما يسر به الإنسان، والجمع مسار، وفي رواية: اللذاذة.
الفتاء: الشباب، يقال: فتى فتاء، فهو فتى، أي: بين الفتاء. "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان.
"الفتى" فاعل عاش. "مائتين" مفعوله منصوب بالياء؛ لأنه مثنى. "عاما" تمييز.
المعنى: إذا بلغ الإنسان هذه السن فقد ذهبت ملذاته التي يسر بها، وولى عنه شبابه الذي يتيه فيه ويعجب به.
الشاهد: نصب تمييز مائتين، وكان حقه الجر بالإضافة فيقول: مائتي عام. ونصبه عند الجمهور ضرورة لا يقاس عليه، وجوزه جماعة منهم ابن كيسان.
(٢) هو من ١ إلى ٩، وكل ما زاد على العقد حتى يبلغ العقد الثاني. والنيف -وقد يخفف- الزيادة، يقال عشرة ونيف؛ ومائة ونيف، وهو من ناف ينوف؛ إذا زاد. يكون للمذكر=
стр. 1334
وحكمت لها في التذكير والتأنيث بما ثبت لها قبل ذلك (١)؛ فأجريت الثلاثة والتسعة وما بينها، على خلاف القياس، وما دون ذلك (٢) على القياس؛ إلا أنك تأتي بأحد وإحدى مكان واحد وواحدة (٣)، وتبني الجميع على الفتح (٤)؛ إلا "اثنين" و"اثنتين" فتعربهما كالمثنى (٥)، وإلا ثماني؛ فلك فتح الياء وإسكانها، ويقل حذفها مع بقاء كسر النون ومع فتحها (٦).
والكمة الثانية: "العشرة" وترجع بها إلى القياس؛ في التذكير مع المذكر، والتأنيث
= والمؤنث بلا هاء، ولا يستعمل إلا متأخرًا عما يصاحبه من العقود، والعقد: ما كان من مرتبة العشرات أو المئات أو الألوف، أما البضع فهو: ما بين الثلاث إلى التسع. وحكمه حكم ثلاثة في الإفراد والتركيب، وعطف عشرين وأخوته عليه؛ تقول: بضع سنين، وبضعة عشر رجلا، وبضع عشر امرأة، فإذا جاوزت لفظ العشر ذهب البضع، لا تقول: بضع وعشرون … إلخ، وقيل: بجواز ذلك؛ وعليه يقال: بضع وعشرون كتابًا، وبضع وعشرون صحيفة، وفي الحديث: "الإيمان بضع وستون شعبة".
(١) أي: قبل التركيب.
(٢) وهو: الأحد، والاثنان.
(٣) ولا تستعمل إحدى إلا مركبة، أو مضافة، أو معطوفًا عليها، نحو: إحدى عشرة، إحدى وعشرون، قال -تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [سورة المدثر الآية: ٣٥]، ولا تستعمل مفردة، وألفها للتأنيث عند الأكثيرين، وقيل زائدة للإلحاق.
(٤) أي: جميع ألفاظ النيف، وهي تكون صدر المركب مع ضمها لما بعدها. وعلة بنائها: وقوعها موقع ما قبل تاء التأنيث في لزوم الفتح.
(٥) لوقوع ما بعدهما موقع النون، وما قبل النون محل إعراب لا بناء، ولذلك لا يضافان إلى العقد.
(٦) هذا كله إذا ركبت، أما إذا لم تركب؛ فإن أضيفت إلى تمييز مؤنث فالأفصح إثبات الياء في جميع الحالات مع إعرابه إعراب المنقوص، فتقدر الضمة والكسرة على يائة وتظهر الفتحة؛ تقول: "ثماني فتيات ينشدن"، "سمعت ثماني غوان يعزفن" وإن أضيفت إلى=
стр. 1335
مع المؤنث، وتبنيها على الفتح مطلقًا (١) وإذا كانت بالتاء سكنت شينها في لغة الحجازيين، وكسرتها في لغة تميم، وبعضهم بفتحها (٢).
وقد تبين مما ذكرنا أنك تقول: "أحد عشر عبدًا"، "واثنا عشر رجلا".
بتذكيرهما (٣)، "وثلاثة عشر عبدًا" بتأنيث الأول وتذكير الثاني وتقول: "إحدى عشرة أمة"، و"اثنتا عشرة جارية" بتأنيثهما، و"ثلاث عشرة جارية"، بتذكير الأول، و"تأنيث الثاني".
فإذا جاوزت التسعة عشر في التذكير، والتسع عشرة في التأنيث، استوى لفظ المذكر والمؤنث (٤)، تقول: عشرون عبدًا، وثلاثون أمة.
= مذكر لزمتها الياء، وبعدها التاء الدالة على التأنيث، وأعرب إعراب الأسماء الصحيحة، تقول: عندنا ثمانية رجال، وشاهدت ثمانية رجال، واستمعت إلى ثمانية منشدين، وإن لم تضف؛ فإن كان المعدود مذكرًا لزمتها الياء والتاء أيضًا، تقول: المسافرون من الرجال ثمانية، كان المسافرون ثمانية.
وإن كان المعدود مؤنثًا، أعرب إعراب المنقوص غالبًا، تقول: جاءني من الفتيان ثمان، ومررت بثمان من التلميذات؛ ورأيت ثمانيا أو ثماني من الكاتبات، فالتنوين على اعتبارهما اسمًا منقوصًا منصرفًا، وعدمه على المنع من الصرف؛ كجوار.
(١) أي: سواء كانت مع النيف، أو مع اثني واثنتين وعلة البناء تضمنها معنى حرف العطف، ووقوعها موقع النون المحذوفة لشبه الإضافة مع اثنين واثنتين وموقع التنوين مع الباقي.
(٢) أي: كما هو الشأن إذا كان المعدود مذكرًا، وتسكين الشين إن كان المعدود مؤنثًا.
(٣) أي: النيف والعقد في المثالين.
(٤) ويكون المدار في التذكير والتأنيث على التمييز.
وقد أجمل الناظم الأحكام المتقدمة في ستة أبيات؛ فقال في تركيب العقد مع أحد وإحدى:
وأحد اذكر، وصلنه بعشر … مركبا قاصد معدود ذكر=