أي: والذي تحملينه طليق. وعندنا أن "هذا طليق" جملة اسمية (١)، و"تحملين" حال؛ أي: وهذا طليق محمولًا.
= الشاهد: استعمال "ذا" اسم موصول بدون تقدم استفهام "بما" أو "من" على رأي الكوفيين. ولم يمنعهم اتصال حرف التنبيه به من موصوليته؛ ذلك لأنهم يرون أن جميع ما يكون اسم إشارة قد يكون اسم موصول؛ ففي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ مقدرون: ثم أنتم الذين تقتلون أنفسكم وفي قوله -سبحانه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ يقدرون: هأنتم الذين جادلتم عنهم. ويرد البصريون هذا ويقولون: إن "هؤلاء" منادى بحذف حرف النداء.
(١) فتكون "هذا" اسم إشارة على أصله، لا موصولة؛ لأن "ها" التنبيه لا تدخل على الموصولات.
стр. 177
فصل: وتفتقر كل الموصولات إلى صلة (١) متأخرة عنها (٢)، مشتملة على ضمير مطابق لها (٣) يسمى العائد (٤).
(١) لأنها مبهمة المعنى، غامضة المدلول، لا تدل على شيء معين؛ فلا بد لها من شيء يعرفها، ويزيل إبهامها وغموضها.
(٢) لأنها مكملة للموصول؛ فهي منه بمنزلة جزئه المتأخر؛ ولهذا لا يجوز تقديمها، ولا شيء منها عليه.
(٣) أي: ليربطها بالموصول، وهذه المطابقة تكون في اللفظ والمعنى، إذا كان الموصول مختصا؛ فيطابق في الإفراد والتأنيث وفروعهما؛ فإذا كان الموصول عاما -أي: مشتركًا؛ كـ"من" و"ما" وأخواتهما- فيجوز مراعاة اللفظ وهو الأكثر؛ إذا أمن اللبس، وفي غير "أل"، وإلا وجبت مراعاة المعنى. ويجوز مراعاة المعنى، وهو كثير على النحو الذي بيناه عند الكلام عليها. وهذا في الموصولات الاسمية؛ أما الموصول الحرفي فصلته لا تحتاج إلى رابط كما أسلفنا.
(٤) سمي بذلك؛ لعوده على الموصول، وقد يغني عن الضمير في الربط -لسبب بلاغي أو نحوه- اسم ظاهر بمعنى الموصول؛ نحو قولهم في خطاب الله: "أنت الذي في رحمة الله أطمع"؛ أي: في رحمته. قيل: وقد تستغني جملة الصلة عن الرابط إذا عطفت عليها، بالفاء، أو الواو، أو ثم، جملة أخرى مشتملة عليه؛ نحو: البطل الذي يشتد الهجوم فيثبت. وفيما تقدم يقول ابن مالك:
وكلها يلزم بعده صله … على ضمير لائق مشتمله*
أي: كل الموصولات تحتاج بعدها إلى صلة؛ وهذه الصلة لا بد أن تشتمل على
ضمير لائق؛ أي: مطابق للموصول، قد عرفنا أن هذا الرابط خاص بصلة الموصول الأسمي؛ دون الحرفي.
стр. 178
والصلة: إما جملة؛ وشرطها: أن تكون خبرية (١)، معهودة (٢)، إلا في مقام التهويل والتفخيم؛ فيحسن إبهامها (٣).
فالمعهودة؛ كجاء الذي قام أبوه، والمبهمة؛ نحو: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ ولا يجوز أن تكون إنشائية (٤)؛ كبعتكه، ولا طلبية كاضربه، ولا تضربه.
وإما شبهها؛ وهو ثلاثة: الظرف المكاني (٥)،
(١) أي: لفظا ومعنى؛ بأن يكون معناها صالحا للحكم عليه في نفسه، من غير نظر إلى قائلها.
(٢) أي: أن يكون معناها معهودا معروفًا، معرفة تفصيلية للمخاطب؛ ليستطيع تعرف معنى الموصول المبهم.
(٣) لئلا يفوت الغرض المقصود والتهويل: التخويف، والتفخيم: التعظيم المجرد عن التخويف.
(٤) الإنشائية هي: ما فارق لفظها معناها؛ وهي قسمان: طلبية، أي: يراد بها طلب حصول شيء أو عدم حصوله؛ تشمل: الأمر والنهي، والدعاء والاستفهام والتمني. وغير طلبية؛ كجملة التعجب؛ والمدح أو الذم، ورب وكم، وأفعال الرجاء؛ مثل لعل، وعسى. ومن هذا تعلم أن الطلب نوع من الإنشاء، وإنما امتنع وقوع الإنشائية والطلبية صلة؛ لأن مضمونهما لا يعلم إلا بعد ذكرهما؛ فلا تكونان معهودتين للمخاطب.
(٥) قيد به؛ لأنه هو الذي يكون متعلقه في الصلة كونا عاما واجب الحذف، أو كونا خاصا واجب الذكر، إلا عند وجود قرينة؛ فيجوز حذفه وذكره؛ أما ظرف الزمان فلا يكون متعلقة إلا خاصا، ولا يحذف إلا بقرينة؛ ويشترط لوقوعه صلة: أن يكون الزمن قريبًا من الكلام؛ نحو: نزلنا المنزل الذي البارحة، أو أمس، أو آنفًا، تريد: الذي نزلناه البارحة … إلخ، فإن كان الزمن بعيدا من زمن الإخبار؛ لم يحذف العامل.
стр. 179
والجار والمجرور التامان (١).
نحو: الذي عندك، والذي في الدار، وتعلقهما باستقر محذوفًا (٢). والصفة الصريحة؛ أي: الخالصة للوصفية (٣)، وتختص بالألف واللام؛ كضارب، ومضروب، وحسن (٤)، بخلاف ما غلبت عليها الاسمية؛ كـ"أبطح، وأجرع، وصاحب، وراكب" (٥).
وقد توصل بمضارع؛ كقوله:
ما أنت بالحكم الترضى حكومته (٦)(١) التام: هو الذي يفهم متعلقه المحذوف بمجرد ذكره؛ وذلك إذا كان كونًا عاما كالاستقرار، أو كان أمرا خاصا محذوفًا؛ لوجود ما يدل عليه.
(٢) قدر المتعلق فعلًا؛ لأن الصلة لا تكون إلا جملة.
(٣) المراد بها: الاسم المشتق الذي يشبه الفعل، في التجدد والحدوث شبهًا صريحًا؛ أي: خالصًا. وينطبق هذا على اسم الفاعل، وصيغ المبالغة، واسم المفعول.
(٤) التمثيل بـ"حسن؛ على رأي ابن مالك، وهو ضعيف. والصحيح أن "أل" الداخلة على الصفة المشبهة للتعريف؛ كما تقدم، وكذلك الداخلة على أفعل التفضيل.
(٥) فإن "أل" الداخلة عليها حرف تعريف لا موصولة، وقد انسلخت عن الوصفية؛ بدليل أنها لا تجري على موصوف، ولا تتحمل ضميرا كالصفات. والأبطح في الأصل: وصف لكل مكان منبطح من الوادي، ثم غلب على الأرض المتسعة. والأجرع: وصف لكل مكان متسع، ثم غلب اسما للأرض المستوية من الرمل التي لا تنبت شيئا. والصاحب: وصف للفاعل ثم غلب على صاحب الملك. والراكب: وصف لكل فاعل الركوب، ثم غلب على راكب الإبل.
(٦) تقدم الكلام عليه في باب "شرح الكلام" ص ٣٤، والشاهد فيه هنا: دخول "أل" الموصولة على ترضى، وهو فعل مضارع مبني للمجهول، و"حكومته" نائب فاعل ومضاف إليه. =
стр. 180
ولا يختص ذلك عند ابن مالك بالضرورة.
= وفي أنواع الصلة، وشروطها يقول ابن مالك:
وجملة أو شبهها الذي وصل … به كمن عندي الذي ابنه كفل
وصفة صريحة صلة "أل" … وكونها بمعرب الأفعال قل*
يقول: إن الذي يوصل به -أي: يكون صلة- هو الجملة أو شبهها؛ مثل: الذي عندي، هو الذي ابنه موضع الرعاية؛ فكلمة "من" اسم موصول مبتدأ، و"عندي" ظرف متعلق بمحذوف صلته وهو شبه جملة، و"الذي" اسم موصول وصلته. "ابنه كفل" وهو جملة. ثم قال: إن صلة "أل" لا تكون إلا صفة صريحة، وإن دخولها على الفعل المعرب -وهو المضارع- قليل.
هذا: وينبغي أن تقع الصلة بعد الموصول مباشرة؛ وألا يفصل بينهما أجنبي ليس من جملة الصلة نفسها. ويجوز الفصل بجملة القسم؛ نحو: ظفر الذي والله يتقي مولاه. وبالنداء إذا تقدم ضمير المخاطب؛ نحو: أنت الذي -يا علي- تستحق المكافأة. وبالجملة المعترضة؛ نحو: والدي -الذي حفظه المولى- يرعى شئوني.
ويجوز حذف الصلة؛ إن دلت عليها قرينة لفظية؛ كأن تقول: من رأيته في الحديقة؟ فتجيب: محمد الذي … أو معنوية يدل عليها المقام؛ كالفخر والتهويل والتعظيم؛ نحو:
نحن الألى فاجمع جمو … عك ثم وجههم إلينا
أي: نحن الألى عرفوا بالشجاعة كما يفهم مما بعده. وهنالك أساليب مسموعة حذفت فيها الصلة. منها قولهم عند استعظام شيء وتهويله "بعد اللتيا والتي" بضم اللام المشددة،
стр. 181
فصل: ويجوز حذف العائد المرفوع شروطه:
إذا كان مبتدأ مخبرا عنه بمفرد (١)، فلا يحذف في نحو: جاء اللذان قاما، أو ضربا؛ لأنه غير مبتدأ (٢).
ولا في نحو جاء الذي هو يقوم، أو هو في الدار؛ لأن الخبر غير مفرد؛ فإذا حذف الضمير لم يدل دليل على حذفه؛ إذ الباقي بعد الحذف صالح لأن يكون صلة كاملة (٣)، بخلاف الخبر المفرد (٤)؛ نحو: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ ونحو: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ أي: معبود فيها (٥). ولا يكثر الحذف في صلة غير "أي"؛ إلا إن طالت الصلاة (٦)،
= أو فتحها، تصغير التي كما سيأتي. وكذلك يجوز حذف الموصول الاسمي دون صلته؛ كقول سيدنا حسان بن ثابت في أعداء الرسول ﵇:
فمن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء
فإن التقدير: ومن يمدحه ومن ينصره. ومنه قوله -تعالى- على لسان المسلمين، يخاطبون أهل الكتاب: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أي: والذي أنزل إليكم؛ لأن المنزل إلى المسلمين ليس هو المنزل إلى غيرهم من أهل الكتاب، أما الموصول الحرفي فلا يجوز حذفه، ما عدا "أن" نحو: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾. ويختص البصريون الحذف بالضرورة.
(١) لأن الخبر المفرد، لا يصلح أن يكون، صلة بعد حذف المبتدأ؛ ولأنه يدل على المحذوف، ويرشد إليه.
(٢) بل هو في الأول فاعل، وفي الثاني نائب فاعل، وكلاهما لا يحذف.
(٣) لأنه مشتمل على ضمير مستتر في الفعل، وفي الجار والمجرور.
(٤) فإنه لا يصلح للوصل، كما تقدم.
(٥) يشير بهذا إلى أن "في السماء" متعلق بإله؛ لتأويله بالمشتق و"إله" خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو إله، وذلك المبتدأ هو العائد؛ ويشترط كذلك لحذف العائد المرفوع: ألا يكون معطوفًا؛ نحو: قابلت الذي محمد وهو زميلان، ولا واقعا بعد "لولا"؛ نحو: أقبل الذي لولا هو لبقيت، ولا بعد حرف نفي، ولا محصورا بإلا أو إنما.
(٦) طولها يكون إما بمعمول الخبر، أو بغيره، سواء تقدم هذا المعمول على الخبر؛ نحو: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾، أو تأخر؛ نحو: ما أنا بالذي قائل لك سوءا. واستثنيت "أي" من طول الصلة؛ لأنها ملازمة للإضافة، لفظًا أو تقديرًا؛ وكذا يستثنى من اشتراط الطول: "لا سيما محمد"؛ فإنهم أجازوا في رفع محمد، أن تكون "ما" موصولة، مضافا إليها، ومحمد خبر لمبتدأ محذوف وجوبا؛ أي: لا مثل الذي هو محمد؛ فحذف العائد ولم تطل الصلة، والحذف مقيس.
стр. 182
وشذت قراءة بعضهم: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ﴾ (١) وقوله:
من يعن بالحمد لم ينطق بما سفه (٢)
والكوفيون يقيسون على ذلك (٣).
(١) برفع "أحسن" على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو أحسن، وهي قراءة يحيى بن يعمر. ويجوز أن يكون "الذي" موصولا حرفيا فلا يحتاج إلى عائد، أي: على إحسانه، وأن يكون نكرة موصوفة فلا تحتاج إلى صلة.
(٢) صدر بيت من البسيط، لا يعرف قائله. وعجزه:
ولا يحد عن سبيل المجد والكرم
اللغة والإعراب:
يعن؛ بالبناء للمجهول لزوما على المشهور: يعتني ويهتم. الحمد: الثناء. سفه: السفه رقة العقل وضعفه، والمراد لازمه؛ وهو قول السوء والفحش. لا يحد: لا يمل ولا ينحرف. "من" اسم شرط جازم مبتدأ. "يعن" فعل الشرط مجزوم بحذف الألف. "لم ينطق" الجملة جواب الشرط، وجملة الشرط، وجوابه خبر المبتدأ. "بما" ما: اسم موصول في محل جر بالباء. "سفه خبر لمبتدأ محذوف، أي: بما هو سفه، والجملة صلة.
المعنى: إن المرء الذي يهتم بأن يكون محمود السيرة -يحمده الناس ويثنون عليه- لا ينطق بالسوء من القول، ولا ينحرف عن الطريق السوي؛ طريق الحلم والكرم وفضائل الأخلاق.
الشاهد: في "بما سفه"؛ حيث حذف العائد إلى الاسم الموصول من جملة الصلة، وهو مرفوع، ولم تطل الصلة. وهذا شاذ عند البصريين.
(٣) أي: على الشاذ من القراءة والبيت، وتبعهم ابن مالك في ذلك، إلا أنه جعل الحذف قليلًا، إذ يقول:
إن يستطل وصل وإن لم يستطل … فالحذف نزر وأبوا أن يختزل
إن صلح الباقي لوصل مكمل .... . . . . . . . . . . *
=
стр. 183
ويجوز حذف المنصوب: إن كان متصلًا، وناصبه فعل (١)، أو وصف، غير صلة الألف واللام (٢)؛ نحو: ﴿يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾؛ وقوله:
ما الله موليك فضل فاحمدنه به (٣)
= سبق أن ذكر الناظم في عجز البيت السابق: أن غير "أي" من الموصولات، يتبع "أيا" ويكون مثلها في حذف صدر صلتها الضمير؛ وهنا يقول: إن هذا الحذف كثير إن استطالت الصلة، ونزر -أي: قليل- إن لم تستطل. وكل ذلك؛ بشرط ألا يصلح الباقي لأن يكون صلة.
وخلاصة ما تقدم: أن الكوفيين يجيزون حذف العائد المرفوع بالابتداء مطلقًا؛ طالت الصلة أم قصرت، سواء كان الموصول "أيا" أم غيرها. ويوافقهم البصريون في "أي" أما غيرها فيشترطون طول الصلة؛ فالخلاف بينهما فيما إذا لم تطل الصلة، وكان الموصول غير "أي". وحجة الكوفيين السماع، وعند البصريين شاذ.
(١) أي: تام، فلا حذف في نحو: جاء الذي كانه محمد على الأصح.
(٢) أما منصوب صلة الألف واللام؛ فلا يجوز حذفه إذا عاد إليها؛ لأنه دليل على اسميتها الخفية، فلو حذف ضاع هذا الغرض، أما إذا عاد على غيرها فيجوز حذفه؛ نحو: جاء الذي أنا المكرم.
(٣) صدر بيت من البسيط، لم يذكر النحاة قائله. وعجزه:
فما لدى غيره نفع ولا ضرر
اللغة والإعراب:
موليك: مانحك ومعطيك. وهو اسم فاعل من أولى يولي؛ أي: أعطى. فضل: منه وعطاء تفضلًا منه. "ما" اسم موصول مبتدأ. "الله" مبتدأ ثان. "موليك" خبره مضاف إلى الكاف من إضافة اسم الفاعل لمفعوله الأول، والجملة صلة الموصول والعائد محذوف؛ أي: موليكه. "فضل" خبر ما. "فاحمدنه" الفاء واقعة في جواب شرط مقدر؛ أي: إذا كان كذلك فاحمدنه، واحمدنه: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون =
стр. 184
بخلاف: جاء الذي إياه أكرمت (١)، وجاء الذي إنه فاضل، أو كأنه أسد (٢).
أو أنا الضاربه (٣).
وشذ قوله:
ما المستفز الهوى محمود عاقبة (٤)
= التوكيد الخفيفة، والهاء مفعوله. "فما" الفاء للتعليل، و"ما" نافية مهملة. "لدى غيره" ظرف خبر مقدم ومضاف إيه. "نفع" مبتدأ مؤخر. ويجوز أن تكون "ما" عاملة عمل ليس، و"لدى" خبرها مقدم، و"نفع" اسمها مؤخر.
المعنى: إن الذي يهبه الله لك من النعم، تفضل مبتدأ منه عليك، وليس جزاء تقدم من عمل، فاحمد الله واشكره على ذلك؛ فهو وحده النافع الضار، وغيره لا يملك من أمر المخلوقات شيئا.
الشاهد: حذف الضمير العائد على الموصول المنصوب بوصف غير صلة لأل؛ وهو "مولى". وقدرناه متصلا تمشيا مع قول المصنف، وإلا فالأرجح هنا: موليك إياه. وتقييد المصنف بالمتصل؛ احترازا من المنفصل، المقصود به الحصر لا غير كما هنا.
(١) لأن الضمير منفصل، فإذا حذف التبس بالمتصل، وفات الغرض من تقديمه، وهو إفادة الحصر؛ فإن كان لغير الحصر، جاز حذفه: نحو: ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ﴾؛ أي: آتاهم إياه. ولا يقدر متصلًا؛ لأن اتحاد رتبة الضميرين في الغيبة يضعف الوصل.
(٢) لأن الناصب غير فعل ولا وصف.
(٣) لأن الوصل صلة لأل.
(٤) صدر بيت من البسيط، لم يعرف قائله. وعجزه:
ولو أتيح له صفو بلا كدر
اللغة والإعراب:
المستفز: اسم فاعل من استفزه؛ أزعجه واستخفه. الهوى: ميل النفس إلى ما تشتهي. أتيح: هيئ وقدر. "ما" نافية مهملة، أو عاملة عمل ليس. "المستفز" مبتدأ أو اسمها. "الهوى" فاعل المستفز، ومفعوله محذوف عائد إلى أل؛ أي: المستفزه "محمود" بالرفع خبر المبتدأ، وبالنصب خبر ما. "ولو" الواو عاطفة على محذوف، و"لو" حرف شرط غير جازم. "بلا" الباء جارة، و"لا" اسم بمعنى. "غير" ظهر إعرابها على ما بعدها. "كدر" مضاف إليه.
стр. 185
وحذف منصوب الفعل كثير (١)، ومنصوب الوصف قليل.
ويجوز حذف المجرور: بالإضافة، إن كان المضاف وصفًا غير ماض (٢)؛ نحو:
﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ (٣)، بخلاف: جاء الذي قام أبوه، وأنا أمس ضاربه (٤).
= المعنى: ليس المرء الذي يستخف به الهوى ويستهويه، ويتبع شهوات نفسه، وينقاد لها، محمود العواقب، يعيش دائما في أمن واطمئنان، ولو قدر له عيش هنيء خالص من المنغصات؛ فهو عيش غير مأمون الدوام.
الشاهد: حذف العائد من صلة أل؛ وهو منصوب بالوصف، وذلك شاذ، وقيل قليل. وفي حذف العائد المنصوب يقول ابن مالك:
والحذف عندهم كثير منجلي
في عائد متصل إن انتصب … بفعل أو وصف كمن نرجو يهب *
أي: إن الحذف كثير إذا كان العائد ضميرا متصلا منصوبا بفعل تام، أو بوصف غير صلة لأل؛ مثل: من نرجو يهب؛ أي: من نرجوه يهب.
(١) لأن الأصل في العمل للفعل؛ فتصرفه في معموله على نطاق واسع. أما الوصف ففرع في العمل، فهو أضعف.
(٢) بأن يكون اسم فاعل بمعنى الحال أو الاستقبال، أو اسم مفعول كذلك بشرط أن يكون فعله متعديا لاثنين؛ ليكون أحدهما نائب فاعل، والثاني هو المضاف إليه لفظه.
(٣) أي: الذي أنت قاضيه. وهذا مثال لاسم الفاعل، ومثال اسم المفعول: يكفيني ما أنا معطي الآن أو غدا؛ أي: معطاه.
(٤) لأن المضاف في الأول ليس بوصف، وفي الثاني وصف ماض، وهو لا يعمل.
стр. 186
والمجرور بالحرف إن كان الموصول أو الموصوف بالموصول، مجرورًا بمثل ذلك الحرف معنى متعلقًا (١)؛ نحو: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ (٢)، أي: منه.
(١) أما السبب في أن يكون الموصول مجرورا بحرف، مثل الحرف الذي جر به العائد المحذوف لفظا ومعنى، فهو: أن اسم الموصول هو نفس ضميره في المعنى، فإذا حذف الضمير ومعه حرف الجر، كان في الكلام ما يدل عليهما. وينبغي أن يكون المتعلق -أي: العامل- في كل منهما، مشابها للآخر في لفظه ومعناه، أو في معناه فقط؛ نحو: فرحت بالذي سررت؛ أي: به، ولا مانع من أن يكون أحد المتعلقين ماضيا، والآخر مضارعا من مادته، أو أمرا كذلك. أو يكون أحدهما فعلا، والآخر مشتقا من المادة نفسها بمعناه.
(٢) "مما" ما الموصولة مجرورة بمن التبعيضية وهي متعلق بيشرب، والعائد محذوف مجرور كذلك بمن التبعيضية، وهي متعلقة بيشربون، والتقدير: ويشرب من الذي تشربون منه؛ فاتفق الحرفان لفظا ومعنى ومتعلقا. وفي حذف العائد المجرور يقول ابن مالك:
كذاك حذف ما بوصف خفضا … كأنت قاض بعد أمر من قضى
كذا الذي جر بما الموصول جر … كمر بالذي مررت فهو بر*
أي: كذلك يجوز حذف الرابط المجرور بالإضافة إذا كان عامله وصفا؛ مثل كلمة "قاض" الواقعة بعد فعل أمر من قضى؛ يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾؛ أي: ما أنت قاضيه. وكذلك العائد المجرور بحرف جر مثل الذي جر الموصول لفظًا ومعنى ومتعلقا نحو: مررت بالذي مررت؛ أي: به.
стр. 187
وقوله:
لا تركنن إلا الأمر الذي ركنت … أبناء يعصر حين اضطرها القدر (١)
وشذ قوله:
وأي الدهر ذو لم يحسدوني (٢)
أي: فيه.
(١) شاهد من البسيط، لكعب بن زهير بن أبي سلمى.
اللغة والإعراب:
لا تركنن: لا تميلن، من ركن إليه؛ مال وسكن. الأمر المراد به هنا: الفرار من القتال. يعصر: أبو قبيلة من باهلة. "لا" ناهية. "تركنن" مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم. "الذي" صفة للأمر. "أبناء" فاعل ركن. "يعصر" مضاف إليه ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، والجملة صلة. "حين" ظرف منصوب بركنت. "اضطرها القدر" الجملة في محل جر بإضافة حين.
المعنى: لا تجنح إلى الهزيمة، والفرار من القتال، وعدم الصمود أمام الأعداء؛ كما فعلت أبناء يعصر حين اضطرت إلى ذلك.
الشاهد: جر الموصوف بالموصول -وهو "الأمر"- بإلى، وهي متعلقة بتركنن، وجر العائد المحذوف لفظا ومعنى ومتعلقا، ولهذا ساغ الحذف، ولا يضر اختلاف الصيغتين.
هذا: ويمنع حذف العائد المجرور فيما يأتي:
أ- إذا كان الضمير محصورا؛ نحو: مررت بالذي ما مررت إلا به، أو إنما مررت به.
ب- إذا وقع المجرور مع الجار موقع النائب عن الفاعل؛ نحو: مررت بالذي مر به.
جـ- إذا أوقع حذفه في لبس؛ نحو: رغبت في الذي رغبت فيه؛ فإن حذف "فيه" يوقع في لبس أن يكون المراد: رغبت عنه.
د- إذا كان في الكلام ضميران لا يتعين أحدهما للربط؛ نحو: مررت بالذي مررت به في داره؛ فإن حذف "به" قد يغير المعنى المراد.
(٢) عجز بيت من الوافر، ينسب لحاتم الطائي، الجواد المشهور، وصدره:
ومن حسد يجور على قومي
=
стр. 188
وقوله:
وهو على من صبه الله علقم (١)
أي: عليه؛ فحذف العائد المجرور مع انتفاء خفض الموصول في الأول، ومع اختلاف المتعلق في الثاني، وهما: صب، وعلقم.
= اللغة والإعراب:
من حسد: من للتعليل، والحسد: تمني زوال نعمة الغير. يجور على قومي: يظلمونني. "من حسد" متعلق بيجور. "علي" متعلق به. "قومي" فاعل يجور.
"وأي" استفهامية مبتدأ. "الدهر" مضاف إليه. "ذو" اسم موصول بمعنى الذي خبر. "أي" مبني على الواو في لغة طيئ. "لم يحسدوني" الجملة صلة، والعائد محذوف؛ أي: فيه.
المعنى: إن قومي يظلمونني، ويجاوزون حد الاعتدال معي؛ حسدا منهم علي وبغضا، وحسدهم هذا دائم متواصل، فأي وقت من الأوقات الذي لم يحسدوني فيه؟.
الشاهد: في ذو "لم يحسدوني"؛ حيث حذف العائد إلى الموصول من جملة الصلة؛ وهي "لم يحسدوني" والعائد مجرور بحرف جر محذوف أيضا، وهو مخالف لما جر به الموصول، وذلك شاذ. والذي سهل الحذف كون الموصوف بالموصول اسما مرادا به زمان، ولهذا قال بعضهم: إن الحذف في مثل ذلك قياسي.
(١) - عجز بيت من الطويل، لرجل من همدان لم يعين اسمه، وصدره:
وإن لساني شهدة يشتفى بها
اللغة والإعراب:
شهدة هي العسل ما دام في شمعه. عقلم: هو الحنظل، وكل شيء مر. "وهو" بتشديد الواو -للوزن- على لغة همدان، مبتدأ. "علقم" خبر "على من" جار ومجرور متعلق بعلقم؛ لأنه بمعنى مر، و"من" اسم موصول بمعنى الذي، وجملة "صبه الله" صلة والعائد محذوف مجرور بعلى متعلق بصب؛ أي: صبه الله عليه.
المعنى: إن لساني مثل الشهد والعسل، فيه شفاء للناس الذين أحبهم، وأثني عليهم، وهو مثل الحنظل في المرارة، على من سلطه الله عيه ممن أكره.
الشاهد: في "علي من صبه الله"؛ حيث حذف العائد المجرور بحرف جر محذوف، مع اختلاف المتعلقين؛ وهما: صب وعلقم. وهذا شاذ.
стр. 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسئلة والتمرينات:
١ عرف الموصول، وبين الفرق بين الحرفي والاسمي، ووضح ما تقول بالأمثلة.
٢ اذكر ثلاثة من الموصولات الخاصة، ومثلها من المشتركة، ومثل لما تذكر.
٣ متى تبنى "أي" الموصولة؟ ومتى تعرب؟ وما الذي يشترط في صلة أل؟ اذكر أمثلة موضحة من إنشائك.
٤ اشرح "ذو" و"ذا" الموصولتين، وبين حكمهما في الإعراب وما يشترط في صلتهما.
٥ بين الفرق بين "ما" و"من" الموصولتين، وما حكم الضمير العائد إليهما من حيث المطابقة؟ وضح ذلك بالأمثلة.
٦ اشرح قول ابن مالك:
وكلها يلزم بعده صله … على ضمير لائق مشتمله
٧ اذكر الشروط اللازمة في جملة الصلة، وما الذي يشترط في حذف العائد، مرفوعا، ومنصوبا، ومجرورا؟ مع التمثيل.
٨ فيما يأتي شواهد في باب الموصول، بين الشاهد، ووضح موضعه من الإعراب:
قال تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾.
من القوم الرسول الله منهم … لهم دانت رقاب بني معد
لا تنو إلا الذي خير فما شقيت … إلا نفوس الألى للشر ناوونا
أظنك دون المال ذو جئت طالبا … ستلقاك بيض للنفوس قوابض
أبى الله للشم الألاء كأنهم … سيوف أجاد القين يوما صقالها
وقد كنت تخفي حب سمراء حقبة … فبح لان منها بالذي أنت بائح
٩ في البيتين الآتيين شذوذ كما يقول النحاة. بين السبب، وأعرب ما تحته خط:
من لا يزال شاكرا على المعه … فهو حر بعيشة ذات سعه
أخ مخلص واف صبور محافظ … على الود والعهد الذي كان مالك
١٠ اشرح البيت الآتي وأعربه:
لما نافع يسعى اللبيب فلا تكن … لشيء بعيد نفعه الدهر ساعيا
стр. 190
هذا باب المعرف بالأداء (١)
وهي "أل"، لا اللام وحدها، وفاقا للخليل وسيبويه (٢)، وليست الهمزة زائدة، خلافًا لسيبويه (٣)، وهي:
هذا باب المعرَّف بالأداة
(١) هو اسم نكرة دخلت عليه "أل" المعرفة فأكسبته التعريف والتعيين.
(٢) فهما متفقان على أن المعرف "أل" والخلاف بينهما في الهمزة؛ أزائدة هي أم أصلية؟ فالخليل يرى أنها أصلية، وهي قطع وتوصل في الدرج. والخليل هو: ابن أحمد عبد الرحمن الفراهيدي، نسبة إلى فراهيد بن مالك الأزدي البصري. أستاذ سيبويه والأصمعي. أخذ عن أبي عمرو بن العلاء، وكان سيد الأدباء في عصره؛ في علمه وزهده وورعه، آية في الذكاء؛ يقال: إنه لم يكن في العربية بعد الصحابة أذكى منه، ولا أجمع لعلم العربية. وهو أول من استخرج العروض، وضبط اللغة، وحصر أشعار العرب. وكان مع هذا عفيف النفس، غاية في الزهد والورع. قيل: إنه كان يحج سنة ويغزو سنة، ولا يحب صحبة الأمراء والولاة. وجه إليه سليمان بن علي والي الأهواز لتأديب ولده، فأخرج الخليل لرسول سليمان خبزا يابسا، وقال له: كل، فما عندي غيره، وما دمت أجده فلا حاجة لي إلى سليمان، فقال له الرسول: وما أبلغه؟ فقال:
أبلغ سليمان أني عنه في سعة … وفي غنى غير أني لست ذا مال
سخى بنفس أني لا أرى أحدا … يموت هزلا ولا يبقى على حال
والفقر في النفس لا في المال نعرفه … ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
قال سفيان الثوري: من أحب أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب والمسك فلينظر إلى الخليل بن أحمد. وقال النضر بن شميل: أكلت الدنيا بعلم الخليل وهو في خصي من أخصاص البصرة لا يشعر به أحد: وهو القائل:
اعمل بعلمي ولا تنظر إلى عملي … ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري
وله مؤلفات كثيرة منها: كتاب العين في اللغة، وكتاب الجمل، والشواهد، والعروض، وتوفي ﵀ سنة ١٧٥ هـ، وقد نيف على السبعين.
(٣) فقد قال: إن الألف زائدة، ونقل عنه: أن المعرف هو اللام وحدها. وإليه أشار الناظم بقوله:
"أل" حرف تعريف أو "اللام" فقط … فنمط عرفت قل فيه "النمط"*
أي: إن "أل" مركبة من الهمزة واللام، حرف تعريف، أو التعريف باللام وحدها والهمزة للوصل؛ فإذا أردت تعريف كلمة "نمط" فقل "النمط" بإدخال أل عليها. والنمط: نوع من البسط، وهو الذي يسمى في العرف "الكليم"، ويطلق أيضًا على الجماعة من الناس تتشابه في الأمر، وثوب يطرح على الهودج، والجمع أنماط.
стр. 191
إما جنسية (١): فإن لم تخلفها "كل" فهي لبيان الحقيقة (٢)؛ نحو: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ وإن خلفتها "كل" حقيقة، فهي لشمول أفراد الجنس؛ نحو: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٣). وإن خلفتها مجازا فلشمول خصائص الجنس مبالغة (٤)؛ نحو: أنت الرجل علما.
= بقوله:
"أل" حرف تعريف أو "اللام" فقط … فنمط عرفت قل فيه "النمط"*
أي: إن "أل" مركبة من الهمزة واللام، حرف تعريف، أو التعريف باللام وحدها والهمزة للوصل؛ فإذا أردت تعريف كلمة "نمط" فقل "النمط" بإدخال أل عليها. والنمط: نوع من البسط، وهو الذي يسمى في العرف "الكليم"، ويطلق أيضًا على الجماعة من الناس تتشابه في الأمر، وثوب يطرح على الهودج، والجمع أنماط.
(١) هي الداخلة على نكرة تفيد معنى الجنس المحض.
(٢) أي: الحقيقة الذهنية التي تتكون في العقل من غير نظر إلى ما تنطبق عليه من أفراد. والفرق بين المعرف بأل هذه، وبين النكرة: أن هذا المعرف يدل على الحقيقة بقيد حضورها في الذهن، أما النكرة فتدل عليها بدون قيد.
(٣) فإنه يصح أن يقال على الحقيقة كل فرد من أفراد الإنسان ضعيف. وعلامة "أل" هذه: أن يصح الاستثناء مما دخلت عليه؛ نحو: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويصح نعته بالجمع؛ نحو: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ ومدخول "أل" هذه من حيث التعريف، في درجة علم الجنس لفظًا ومعنى.
(٤) "أل" هذه تدخل على واحد من الجنس، فتفيد الإحاطة والشمول للأفراد، ولكن لصفة من الصفات الشائعة بينها على سبيل المبالغة؛ فإنه لو قيل: أنت كل رجل علما، لصح على سبيل المجاز، ومعناه: قد اجتمع فيك ما تفرق في كل الرجال من العلم؛ فأنت محيط بهذه الصفة إحاطة شاملة. وما تدخل عليه "أل" من هذين النوعين، في درجة علم الشخص؛ لفظه معرفة تجري عليه أحكام المعرفة، فيكون مبتدأ. ونعتا للمعرفة، وصاحب حال .. إلخ. ومعناه معنى النكرة المسبوقة بكلمة "كل" فيشمل كل فرد من أفراد مدلولها.
стр. 192
وإما عهدية (١)، والعهد إما ذِكرِى (٢)؛ نحو: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾.
أو علمي (٣)؛ نحو: ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾، ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾.
أو حضوري (٤)؛ نحو ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.
فصل: وقد ترد "أل" زائدة
أي: غير معرفة (٥)؛ وهي:
إما لازمة: كالتي في علم قارنت وضعه؛ كالسموأل، واليسع، و ﴿اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ (٦) أو في إشارة وهو "الآن" (٧)، وفاقا للزجاج والناظم، أو في موصول وهو "الذي، والتي" وفروعهما؛ لأنه لا يجتمع تعريفان، وهذه معارف بالعلمية والإشارة،
(١) أي: للعهد، وهي التي تدخل على النكرة فتفيدها نوعا من التعريف يجعل مدلولها معينا، بعد أن كان مبهما، لما يأتي من أسباب.
(٢) هو ما تقدم فيه ذكر لمصحوب "أل" في الكلام؛ كـ"رسولا" في الآية.
(٣) وهو أن يكون ما فيه "أل" معلوما عند المخاطب، ومعروفا له معرفة ذهنية، لا بسبب ذكره في الكلام.
(٤) أي: أن يكون ما فيه "أل" حاضرا وقت الكلام؛ فالمراد باليوم في الآية اليوم الحاضر، وهو يوم عرفة.
(٥) أي: ولا موصولة وإن كانت غير صالحة للسقوط.
(٦) السموأل: اسم شاعر جاهلي مشهور بالوفاء. واليسع: اسم نبي من الأنبياء، واللات: علم مؤنث لصنم كان لثقيف بالطائف على شكل رجل يلت السويق. والعزى: كانت سمرة تعبدها غطفان. وقد بعث الرسول ﵇ خالد بن الوليد فقطعها.
(٧) هذا بناء على أنه ظرف زمان معناه الزمان الحاضر، وتعريفه بما تعرفت به أسماء الإشارة.
والجمهور على أنه علم جنس للزمان الحاضر، وتعريفه بالعلمية، وهو مبني على الفتح دائما. وقيل: إنه معرب منصوب، وقد يجر بمن قليلا، و"أل" فيه معرفة للعهد الحضوري، وليست زائدة.
стр. 193
والصلة.
وإما عارضة (١): إما خاصة بالضرورة؛ كقوله:
ولقد نهيتك عن بنات الأوبر (٢)
وقوله:
صددت وطبت النفس يا قيس عن عمرو (٣)
والجمهور على أنه علم جنس للزمان الحاضر، وتعريفه بالعلمية، وهو مبني على الفتح دائما. وقيل: إنه معرب منصوب، وقد يجر بمن قليلا، و"أل" فيه معرفة للعهد الحضوري، وليست زائدة.
(١) أي: زائدة غير لازمة.
(٢) عجز بيت من الكامل، أنشده ابن جني، واستشهد به أبو زيد في النوادر، ولم يذكر قائله وصدره:
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا
اللغة والإعراب:
جنيتك: جنيت لك، حذف الجار توسعا فاتصل الضمير. أكمؤا: جمع كمء، ويجمع الكمء على كمأة، وهو نبات في البادية معروف، له ثمر كالقلقاس، يقال له: شحم الأرض. عساقلا: جمع عسقول، وهو الكبير الأبيض من الكمأة. بنات أوبر: علم على نوع من الكمأة، صغير رديء الطعم، له زعب لونه كالتراب. والإعراب واضح.
المعنى: لقد جنيت لك النوع الجيد من الكمأة، ونهيتك عن جني الرديء الخبيث منه.
الشاهد: في "بنات أوبر" حيث زيدت فيه "أل" للضرورة، وهو كما ذكر علم على نوع من الكمأة، والعلم لا تدخله أل.
(٣) عجز بيت من الطويل، لرشيد بن شهاب اليشكري، يخاطب قيس بن مسعود اليشكري وصدره:
رأيتك لما أن عرفت وجوهنا
اللغة والإعراب:
وجوهنا: ذواتنا، أو عطماءنا وزعماءنا. صددت: أعرضت وابتعدت. طبت النفس: طابت نفسك ورضيت. "لما" ظرف بمعنى حين متعلق برأي. "أن" زائدة. "صددت" الجملة مفعول ثان لأرى. "النفس" تمييز. "عن عمرو" متعلق بطبت.
المعنى: يخاطب قيسا ويندد به، فيقول: لما رأيتنا ورأيت أكابرنا وعظماءنا، رضيت نفسك، وامتنعت عن الأخذ بثأر صديقك عمرو الذي قتلناه. وكان قوم الشاعر قد قتلوا عمرا، وهو صديق لقيس.
الشاهد: زيادة "أل" على النفس للضرورة، وهو تمييز واجب التنكير عند البصريين. أما الكوفيون فلا يوجبون تنكير التمييز، وعليه لا تكون "أل" زائدة؛ بل معرفة.
стр. 194
لأن "بنات أوبر" علم و"النفس" تمييز؛ فلا يقبلان التعريف. ويلتحق بذلك ما زيد شذوذًا؛ نحو: "ادخلوا الأول فالأول" (١).
(١) " الأول" حال من الواو في ادخلوا. "فالأول" عطف عليه. و"أل" فيهما زائدة؛ لأن الحال واجب التنكير، ومعناه: ادخلوا مترتبين الأسبق فالأسبق. والحق أن الحال مجموع للفظين "الأول فالأول" وإن كان ثانيهما معطوفا في اللفظ. وفيما سبق من زيادة "أل"، لازمة وغير لازمة، يقول ابن مالك:
وقد تزاد لازما كاللات … والآن والذين ثم اللاتي
ولاضطرار كبنات الأوبر … كذا و"طبت النفس يا قيس" السري*
أي: إن الألف واللام تأتي زائدة أي: غير معرفة. وهي في هذه الزيادة لازمة كاللات؛ وما بعده، وغير لازمة وهي التي تدخل على العلم اضطرارًا كما مثل.
وفي البيت الثاني إشارة إلى بيت ابن شهاب اليشكري. والسري: الشريف، وأصله السري بتشديد الياء.
стр. 195
وإما مجوزة للمح الأصل (١): وذلك أن العلم المنقول مما يقبل "أل"، قد يلمح أصله فتدخل عليه "أل".
وأكثر وقوع ذلك في المنقول عن صفة؛ كحارث وقاسم، وحسن وحسين، وعباس وضحاك.
وقد يقع في المنقول عن مصدر كفضل، أو اسم عين كنعمان؛ فإنه في الأصل اسم للدم.
وقد يقع في المنقول عن مصدر كفضل، أو اسم عين كنعمان؛ فإنه في الأصل اسم للدم.
والباب كله سماعي (٢)؛ فلا يجوز في نحو: محمد، وصالح، ومعروف. ولم تقع في نحو: "يزيد" و"يشكر"؛ لأن أصله الفعل، وهو لا يقبل أل.
وأما قوله:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركًا (٣) … فضرورة، سهلها تقدم ذكر الوليد
(١) قوله: "وإما" معطوف على قوله: إما خاصة بالضرورة، فهو ضرب اختياري يلجأ إليه لغرض. ومعنى لمح الأصل: أن ينظر ويلمح أصله المنقول عنه قبل أن يكون علما؛ لتكون هنالك صلة معنوية بين المعنى القديم والجديد، فإن كان يقبل "أل" بأن لم يكن فعلا، دخلت "أل" عليه.
(٢) يرى بعض المحدثين: أن من الخير أن يقاس على ذلك؛ لأن الغرض الذي من أجله زيدت اللام متجدد في كل العصور، فلا يصح قصره على ما سمع قديما.
هذا: وأكثر وقوعها على المنقول من صفة، ويليه دخولها على المنقول من مصدر، ثم على المنقول من اسم عين؛ كما رتب المصنف.
(٣) تقدم هذا البيت في باب "المعرب والمبني" صفحة ٧٤.
الشاهد فيه هنا: دخول "أل" على اليزيد، وهو في الأصل فعل لا تدخل عليه أل. وإلى ما تقدم يشير الناظم بقوله:
وبعض الأعلام عليه دخلا … للمح ما قد كان عنه نقلا
كالفضل والحارث والنعمان … فذكر ذا وحذفه سيان*
стр. 196
فصل: من المعرف بالإضافة، أو الأداة، ما غلب على بعض من يستحقه (١) حتى التحق بالأعلام.
فالأول: كـ "ابن عباس، وابن عمر بن الخطاب، وابن عمرو بن العاص، وابن مسعود" (٢)؛ غلبت على العبادلة (٣) دون من عداهم من إخوتهم.
والثاني: "كالنجم للثريا، والعقبة، والبيت، والمدينة، والأعشى" (٤).
(١) أي: على فرد من مدلولاته دون باقي الأفراد؛ بسبب شهرة أو نحوها.
(٢) كانت كلمة "ابن" في هذه الأمثلة وأشباهها -معرفة؛ لأنها مضافة إلى معرفة، ولكن العلم بالغلبة "أي: الشهرة"- هو مجموع الكلمتين، فصار التعريف بها وألغيت درجة التعريف السابقة. وعلى ذلك فالعلم قسمان: علم بالوضع ويشمل: علم الشخص وعلم الجنس. وعلم بالغلبة وهو هذا، وهو في درجة علم الشخص.
(٣) العبادلة: جمع عبدل وهو اسم منحوت من عبد الله، كما قالوا: بسملة -في بسم الله. وحمدلة- في الحمد لله .. إلخ.
(٤) كلمة النجم في الأصل: تشمل كل نجم، ثم صارت علما للثريا. والعقبة في الأصل: اسم لكل طريق صاعد في الجبل، ثم صارت علما على عقبة منى، أو التي على حدود مصر. ولفظ البيت: يطلق على كل بيت، ثم أصبح علما على البيت الحرام. واختصت المدينة بالمدينة المنورة بقبر الرسول. والأعشى: كل من لا يبصر ليلا، ثم صار علما على أعشى همدان، ونحوه.
стр. 197
و"أل" هذه زائدة لازمة، إلا في نداء أو إضافة، فيجب حذفها (١)، نحو: يا أعشى باهلة، وأعشى تغلب. وقد تحذف في غير ذلك؛ سمع: هذا عيوق (٢) طالعًا، وهذا يوم اثنين مباركًا فيه.
(١) لأن حرف النداء والإضافة لا يجامعان "أل"، شأنها في ذلك شأن "أل" المعرفة.
(٢) قال في اللسان: عيوق: نجم أحمر مضيء بحيال الثريا في ناحية الشمال، يطلع قبل الجوزاء، سمي بذلك؛ لأنه يعوق الدبران عن لقاء الثريا. وهذا الحذف شاذ وعيوق على وزن فيعول. وفي العلم بالغلبة يقول ابن مالك:
وقد يصير علما بالغلبه … مضاف أو مصحوب "أل" كالعقبه
وحذف "أل" ذي إن تناد أو تضف … أوجب وفي غيرهما قد تنحذف*
أي: قد يصير "المضاف" أو "المعرف بأل" علما بالغلبة، لا بكونه علم شخص ولا علم جنس. وحذف "أل" هذه واجب إذا نودي الاسم المبدوء بها، أو أضيف. وقد تحذف في غير هاتين الحالتين كما ذكر المصنف.
تتمة: إذا أريد تعريف العدد بـ"أل": فإن كان مفردا دخلت عليه مباشرة، تقول: في منزلنا العشرون كرسيا، والثلاثون شجرة، وإن كان مضافا فالأحسن إدخالها في المضاف إليه وحده، وقد تدخل على المضاف أيضًا، تقول: عندي ثلاثة الكتب، والثلاثة الكتب، ومائة القرش، والمائة القرش، وألف الصحيفة، والألف الصحيفة. وإن كان العدد مركبا فالأحسن إدخالها على صدره، ويجوز دخولها على العدد كله، تقول: قرأت الأحد عشر كتابًا- والخمس عشرة قصيدة، وقبضت الأحد عشر ألف جنيه- والأحد العشر الألف=
стр. 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= جنيه. وإن كان معطوفا ومعطوفا عليه فالأحسن دخولها على الجزأين، تقول: أنفقت الواحد والعشرين درهما. وكتبت الخمسة والعشرين سطرا. وإذا كان المضاف إليه معرفا بأل؛ فإن المضاف يكتسب منه التعريف في الإضافة المحضة كما سبق. وسيأتي تفصيل لذلك في بابي العدد والإضافة، إن شاء الله.
стр. 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسئلة والتمرينات:
١ عرف كلا من "أل" الجنسية والعهدية، واذكر أقسام كل، ووضح بالأمثلة.
٢ اشرح "أل" التي للمح الأصل، وما معنى لمح الأصل؟ واذكر أمثلة لذلك.
٣ وضح العلم بالغلبة، وبين من أي نوع هو؟ ومثل.
٤ بم يستشهد النحويون بالآتي في باب المعرف بأداة التعريف؟
قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾، ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾، ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.
وقال ﵊: "كل الصيد في جوف الفرا".
يا عز كفرانك لا سبحانك … إني رأيت الله قد أهانك
باعد أم العمر من أسيرها … حراس أبواب لدى قصورها
علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم … بأبيض ماضي الشفرتين يماني
٥ بين فيما يأتي: أنواع ما فيه "أل" ووضح سبب ما تقول:
هل تذكر يا أخي الاعتداء الثلاثي سنة ١٩٥٦؟ إن الاعتدا سنة ١٩٦٧ كان مدبرا من الصهيونية والاستعمار كسابقه. وقد فطن العرب أخيرا إلى ذلك؛ فأجمعوا الأمر، ووحدوا الجبهة، واتخذوا من البترول سلاحا يرهبون به المعتدي، كما اتخذت القناة كذلك. وعلى الرغم من أن المعتدي -اعتمادا على مساندة المستعمر- قد عبث بقرار الجمعية العامة ومجلس الأمن فإن العرب يحترمون الميثاق، ولا سيما ما يتعلق بحقو الإنسان. وعلى الباغي تدور الدوائر. ومن الخير للدول العربية أن تتعاون، فتستعيد المجد الزائل والعز البائد. وليعلموا أن الجبن أخس الطباع، وأن العز في الاتحاد والإقدام.
٦ ما سبب تعريف الكلمات الآتية؟ وضح ذلك.
النابغة، ذو القرنين، الكتاب، الحديث، الراضي بالله، بنت الصحراء.
٧ عبر عن الأعداد الآتية بكلمات عربية، ثم عرفها بأل.
١١، ١٢، ١٥، ٢١، ٣٠، ١٠١، ١١١، ١٤٥، ٢٠٢، ١٣٣٦.
٨ بين سبب تعريف المضاف في العبارة الآتية:
حضر عندي بالأمس رسول أخي، وكنت أقرأ كتاب سيبويه مع نفر من أصدقائي، فأسر إلي بأن نسخ هذا الكتاب عزيزة؛ فازداد حرصي عليه، وشغف ذلك النفر به.
стр. 200
هذا باب المبتدأ والخبر (١):
المبتدأ: اسم أو بمنزلته، مجرد عن العوامل اللفظية أو بمنزلته، مخبر عنه، أو وصف رافع لمكتفًى به (٢).
فالاسم نحو: الله ربنا، ومحمد نبينا، والذي بمنزلته نحو: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣)، و ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ (٤)، و"تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" (٥).
هذا باب المبتدأ الخبر:
(١) ما سبق من الأحكام والبحوث كان خاصا بالكلمة المفردة، أما الآن فسنبدأ بالجمل المركبة. والجمل المفيدة قسمان: جمل اسمية؛ كالمبتدأ والخبر، ومنها: اسم الفعل ومرفوعه، والوصف كذلك. وجمل فعلية؛ كجملة الفعل والفاعل، ومنها: جملة النداء كما سيأتي بيانه.
(٢) أي: مستغنى به عن الخبر، سواء أكان اسما ظاهرا؛ نحو: أمسافر المحمدان؟ أم ضميرا بارزا؛ نحو: أمسافر هما؟ والمراد الوصف ولو تأويلا؛ ليدخل قولهم: "لا نولك أن تفعل كذا" على قول؛ فإن "نول" مصدر بمعنى اسم المفعول، أي: ليس متناولك هذا الفعل، بمعنى لا ينبغي لك تناوله. فنولك: مبتدأ، وأن تفعل: نائب فاعله. وقيل: نولك مبتدأ، وأن تفعل خبره.
(٣) المصدر المنسبك من "أن" والفعل مبتدأ، و"خير" خبر أي: صومكم خير لكم.
(٤) "سواء" خبر مقدم أأنذرتهم المصدر المتصيد من همزة التسوية بعد سواء والفعل مبتدأ مؤخر "أم لم تنذرهم" معطوف عليه أي: إنذارك وعدمه سواء، وإنما صح الإخبار بسواء عن المثنى؛ لأنه في الأصل مصدر بمعنى الاستواء، والمصدر يقع على القليل والكثير. وقيل: إن "سواء" خبر إن في صدر الآية، والمصدر المتصيد من "أأنذرتهم" فاعل أي: إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه.
(٥) مثل عربي؛ يضرب لمن يكون خبره والحديث عنه أفضل من مرآه ومنظره. قيل: إن أول من قاله: المنذر بن ماء السماء. "تسمع" بالنصب مضارع بأن محذوفة شذوذًا، وبالرفع =
стр. 201
والمجرد كما مثلنا. والذي بمنزلة المجرد نحو: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (١)، وبحسبك درهم (٢)؛ لأن وجود الزائد كلا وجود، ومنه -عند سيبويه: ﴿بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ (٣)، وعند بعضهم: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم" (٤).
= كذلك بعد حذف أن وزوال عملها، ولا شذوذ فيه، والمصدر المنسبك من الفعل وأن المقدرة مبتدأ أي: سماعك. "خير" خبر. "من أن تراه" من: جارة، والمصدر المنسبك من أن والفعل مجرور بمن متعلق بخبر أي: خير من روؤيته، ويتبين من تكرار الأمثلة: أنه لا فرق بين أن يكون الاسم المؤول مكونا من أن المصدرية المذكورة والفعل. أو متصيدا من همزة التسوية بعد "سواء" والفعل، أو من أن المحذوفة والفعل؛ سواء بقي عملها، أم حذفت وقدرت وزال عملها.
(١) "خالق" مبتدأ على زيادة "من" مرفوع بضمة مقدرة منع منها حركة حرف الجر الزائد "غير الله" صفة لخالق ومضاف إليه والخبر محذوف أي: لكم، أو هو خبر المبتدأ.
(٢) الباء حرف جر زائد، وحسب: مبتدأ في محل رفع، بمعنى كافيك، ودرهم: خبر.
(٣) الباء زائدة، و"أيكم" اسم استفهام مبتدأ ومضاف إليه "المفتون" خبر، وعند الأخفش: "بأيكم" خبر مقدم، والباء بمعنى في لا زائدة و"المفتون" بمعنى الفتنة مبتدأ مؤخر، وهو مصدر جاء على وزن اسم المفعول. ومنع ذلك سيبويه؛ لأن صيغة مفعول لم تثبت عنده بمعنى المصدر؛ لأن سياق الآية يقتضي أن الاستفهام عن تعيين الشخص الذي وقعت عليه الفتنة من بين المخاطبين لا عن مكان المفتون.
(٤) هذا جزء من حديث نبوي. وتمامه: "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أحصن للفرج وأغض للبصر، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". والباءة: النكاح. وجاء: مصدر وجأ من باب نفع، وهو رض عروق البيضتين حتى تنفضخ "أي: تنفتح وتنعصر" من غير إخراج، فيكون شبيها بالخصاء لأنه يكسر الشهوة. "فعليه" الفاء واقعة في جواب الشرط، وعليه: جار ومجرور خبر مقدم. "بالصوم" الباء زائدة، والصوم: مبتدأ مؤخر. أي: الصوم واجب عليه. وهذا قول ابن عصفور. وقيل: إن "عليه" اسم فعل أمر ومعناه ليلزم، وفاعله مستتر فيه وجوبا. "بالصوم" مفعوله على زيادة الباء.
стр. 202
والوصف نحو: أقائم هذان (١). وخرج نحو: "نزال"؛ فإنه لا مخبر عنه، ولا وصف، ونحو: أقائم أبواه زيد؛ فإن المرفوع بالوصف غير مكتفى به (٢)، فزيد مبتدأ، والوصف خبر.
ولا بد للوصف المذكور من تقدم نفي أو استفهام (٣)؛ نحو:
خليلي ما واف بعهدي أنتما (٤)(١) المراد الوصف المشتق الجاري مجرى الفعل في حركاته وعمله؛ كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وكذلك اسم التفضيل، والمنسوب؛ نحو: أعربي الشاعران؟
(٢) وذلك لاحتياج الضمير إلى مفسر يسبقه.
(٣) هذا شرط لاكتفاء الوصف بالفاعل عن الخبر على الأرجح لا يشترط في العمل. والنفي يشمل: النفي بالحرف، وبالفعل، والاسم. والاستفهام يشمل كذلك: الاستفهام بالحرف، وبالاسم.
(٤) صدر بيت من الطويل، لم ينسبه النحاة لقائل. وعجزه:
إذا لم تكونا لي على من أقاطع
اللغة والإعراب:
واف: اسم فاعل، من وفى بالعهد: أنجزه ولم يخلفه عهدي: هو ما بين الرجلين من صداقة وأخوة. أقاطع: أخاصم وأهجر. "خليلي" منادى بحذف حرف النداء، منصوب بالياء؛ لأنه مثنى، وهو مضاف لياء المتكلم. "ما" نافية "واف" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة، أو اسم لما على أنها عاملة. "أنتما" فاعل لواف سد مسد الخبر. "إذا" ظرف للمستقبل من الزمان. "من" اسم موصول في محل جر بعلى، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر "تكونا" الناقص. "أقاطع" الجملة صلة، والعائد محذوف أي: أقاطعه.
المعنى: يا خليلي! لن تقوما بالوفاء بواجب الأخوة والصداقة التي بيننا، إذا لم تكونا عونا لي على من أخاصم وأعادي من الناس.
الشاهد: اعتماد الوصف وهو "واف" على النفي وهو اسم فاعل، فرفع فاعلا سد مسد الخبر. وفيه شاهد آخر وهو: أن الفاعل ضمير بارز، مما يدل على أن الضمير البارز كالاسم الظاهر، في أن كلا منهما يكون فاعلًا مغنيا عن خبر الوصف الواقع مبتدأ.
стр. 203
ونحو:
أقاطن قوم سلمى أم نووا ظعنا (١)
خلافًا للأخفش والكوفيين (٢).
(١) صدر بيت من البسيط، لم يعرف قائله. وعجزه:
إن يظعنوا فعجيب عيش من قطنا
اللغة والإعراب:
قاطن اسم فاعل من قطن بالمكان أقام فيه. ظعنا: اسم من ظعن؛ أي: ارتحل وسار. "أقاطن" الهمزة للاستفهام، وقاطن: مبتدأ. "قوم سلمى" فاعل سد مسد الخبر ومضاف إليه. "أم" عاطفة. "ظعنا" مفعول نووا. "فعجيب" الفاء واقعة في جواب الشرط، وعجيب: خبر مقدم. "عيش" مبتدأ مؤخر. "من" اسم موصول مضاف إليه. "قطنا" الجملة صلة من، الألف للإطلاق.
المعنى: أمقيم وباق قوم سلمى في مكانهم الذي أعهده؟ أم عزموا على السفر والرحيل؟ ثم قال: إن يسافروا ويتركوا ديارهم ومنازلهم؛ فستكون حياة من يبقى ويتخلف عنهم عجيبة غريبة.
الشاهد: اعتماد الوصف وهو "قاطن" على الاستفهام بالهمزة، وهو اسم فاعل مبتدأ، فاستغنى بمرفوعه عن الخبر.
(٢) فقد أجازوا أن يرفع الوصف فاعلا أو نائب فاعل مكتفى به، وإن لم يعتمد هذا الوصف على نفي أو استفهام. ووافقهم الناظم حيث يقول في هذا، وفيما تقدم:
مبتدأ زيد وعاذر خبر … إن قلت "زيد عاذر من اعتذر"
وأول مبتدأ والثاني … فاعل أغنى في "أسار ذان"
وقس وكاستفهام النفي وقد … يجوز نحو "فائز أولو الرشد"*
أي: إن قلت: زيد عاذر من اعتذر، فزيد مبتدأ، وعاذر خبر، وفي قولك: أسار ذان؟ الاسم الأول وهو "أسار" مبتدأ، و"ذان" وهو الاسم الثاني فاعل أغني عن الخبر. وقس على هذا المثال: كل وصف معتمد على استفهام، ومثل الاستفهام النفي. ويجوز ألا يعتمد الوصف على شيء منهما؛ نحو: فائز أولو الرشد، ولا يتغير الإعراب.
стр. 204
ولا حجة لهم في نحو:
خبير بنو لهب فلا تك ملغيا (١)
خلافًا للناظم وابنه؛ لجواز كون الوصف خبرًا مقدمًا. وإنما صح الإخبار به عن الجمع؛ لأنه على فعيل، فهو على حد: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾.
(١) عجز بيت من الطويل، ينسب لأحد الشعراء الطائيين، ولم يعين. وصدره:
مقالة لهبي إذا الطير مرت
اللغة والإعراب:
خبير: من الخبرة، وهي العلم بالشيء. بنو لهب: قوم من الأزد مشهورون بزجر الطيور وعيافتها أي: التكهن بأسمائها وحركاتها وأصواتها تفاؤلا وتشاؤما. ملغيًا: من الإلغاء، يقال: ألغيت كلامه؛ إذا عددته ساقطًا. "خبير" مبتدأ "بنو لهب" فاعل سد مسد الخبر ومضاف إليه "تك" مضارع مجزوم بلا الناهية على النون المحذوفة للتخفيف، واسمها أنت "ملغيا" خبرها "مقالة" مفعول ملغيا "لهبي" مضاف إليه "إذا" ظرف "الطير" فاعل لمحذوف يفسره "مرت".
المعنى: إن بني لهب يعلمون زجر الطير، ويعرفون مهابطه، وما تدل عليه أصواته وحركاته حين يمر؛ فإذا أخبرك لهبي بشيء من ذلك فصدقه ولا تلغ قوله.
الشاهد: في قوله "خبير" فقد استغنى بالفاعل الخبر، مع عدم تقدم نفي أو استفهام، وقد سوغ الابتداء به -وهو نكرة- عمله فيما بعده. وهذا توجيه الكوفيين والأخفش. وقد رده المصنف، وهو الراجح عند النحاة.
стр. 205
وإذا لم يطابق الوصف ما بعده، تعينت ابتدائيته (١)؛ نحو: أقائم أخواك (٢)، وإن طابقه في غير الإفراد تعينت خبريته (٣)؛ نحو: "أقائمان أخواك، وأقائمون إخوتك" (٤)، وإن طابقه في الإفراد احتملهما؛ نحو: أقائم أخوك (٥).
(١) أي: إذا كان الوصف مفردا، ومرفوعه مثنى أو جمعا.
(٢) فـ"أخواك" فاعل سد مسد الخبر لقائم، ولا يصح أن يكون "قائم" خبرا مقدما و"أخواك" مبتدأ مؤخرا، لئلا يترتب عليه أن يكون المبتدأ مثنى والخبر مفردا.
(٣) أي: في رأي الجمهور؛ لأن الوصف إذا رفع ظاهرا كان حكمه حكم الفعل في لزوم الإفراد.
(٤) الوصف في المثالين خبر مقدم، والمرفوع بعده مبتدأ مؤخر، ولا يسوغ العكس.
(٥) فيجوز أن يعرب "قائم" مبتدأ وما بعده فاعل سد مسد الخبر، وأن يعرب خبرا مقدما، و"أخوك" مبتدأ مؤخر. وإذا كان الوصف اسم مفعول يعرب مرفوعه نائب فاعل؛ نحو: ما مهزوم علي. وهذه المطابقة تقتضي المطابقة في التذكير والتأنيث؛ فإن اختلفت؛ نحو: أجالس في المكتبة فتاة؟ وجب إعراب الوصف مبتدأ، والاسم المرفوع بعده فاعلا له. ولا يجوز الوجه الثاني لعدم المطابقة في التأنيث.
وخلاصة ما تقدم:
أن المبتدأ الوصف، يجب إعرابه مبتدأ؛ إذا كان مفردا ومرفوعه مثنى أو جمعا. ويجب إعرابه خبرا مقدما وما بعده مبتدأ مؤخرا؛ إذا تطابقا في التثنية أو الجمع. وأجاز بعضهم العكس في هذه الصورة. ويجوز الأمران إذا تطابقا في الإفراد، وفيما تقدم يقول ابن مالك:
والثان مبتدأ وذا الوصف خبر … إن في سوى الإفراد طبقا استقر*
أي: إن الاسم الثاني المرفوع بعد الوصف، يعرب مبتدأ مؤخرا، ويعرب الوصف خبرا مقدما؛ إذا كان ذلك الاسم مطابقا للوصف في غير الإفراد.
стр. 206
وارتفاع المبتدأ بالابتداء؛ وهو التجرد للإسناد، وارتفاع الخبر بالمبتدأ: لا بالابتداء، ولا بهما. وعن الكوفيين أنهما ترافعا (١).
الخبر الجز المتم الفائدة مع مبتدأ غير الوصف
والخبر: الجزء الذي حصلت به الفائدة مع مبتدأ غير الوصف المذكور؛ فخرج فاعل الفعل فإنه ليس مع المبتدأ، وفاعل الوصف (٢).
وهو: إما مفرد (٣)، وإما جملة.
والمفرد: إما جامد (٤)؛ فلا يتحمل ضمير المبتدأ (٥)؛ نحو: هذا زيد، إلا إن
(١) هذا خلاف لا طائل تحته، وقد اختار ابن مالك رأي سيبويه، وهو: أن المبتدأ مرفوع بعامل معنوي هو الابتداء أي: وقوعه في بدء الجملة وأولها، والخبر مرفوع بالمبتدأ قال في ذلك:
ورفعوا مبتدأ بالابتدا … كذاك رفع خبر بالمبتدا*
(٢) أي: فلا يسمى خبرا وإن حصلت به فائدة مع المبتدأ؛ لأن هذا المبتدأ هو الوصف المذكور، وإنما يسمى فاعلا سد مسد الخبر. وفي الخبر يقول ابن مالك:
والخير الجزء المتم الفائده … كالله بر والأيادي شاهده*
أي: إن الخبر هو الجزء المكمل للفائدة، ولكن بشرط أن يكون مع المبتدأ.
(٣) المراد بالمفرد: ما ليس جملة ولا شبه جملة، فيشمل المثنى والجمع، والمركب بأنواعه المعروفة.
(٤) أي: غير مشتق، وهو ما لم يصغ من مصدر للدلالة على متصف به، ولا يشعر بمعنى الفعل الموافق له في مادته، فيشمل: أسماء الزمان والمكان، والآلة.
(٥) ولا يرفع كذلك ضميرا بارزا، ولا اسما ظاهرا بعده.
стр. 207
أول بالمشتق؛ نحو: زيد أسد، إذا أريد به شجاع (١).
وإما مشتق؛ فيتحمل ضميره؛ نحو: زيد قائم؛ إلا إن رفع الظاهر؛ نحو: زيد قائم أبواه (٢)، ويبرز الضمير المتحمل إذا جرى الوصف على غير من هو له (٣)، سواء ألبس؛ نحو: غلام زيد ضاربه هو، إذا كانت الهاء للغلام (٤)، أم لم يلبس؛ نحو: غلام هند ضاربته هي (٥). والكوفي إنما يلتزم الإبراز عند الإلباس تمسكًا
(١) وتقول: قلب السفاح حجر، أي: قاس لا رحمة فيه، وهكذا.
(٢) أو رفع كذلك ضميرا بارزا؛ نحو: الخير أنت مقدم عليه. وفي الخبر المفرد يقول ابن مالك:
والمفرد الجامد فارغ وإن … يشتق فهو ذو ضمير مستكن*
أي: إن الخبر المفرد نوعان: جامد فارغ من الضمير، ومشتق فيه ضمير مستكن، أي: مستتر.
(٣) أي: إذا كان الوصف الواقع خبرا، صفة لغير مبتدئه.
(٤) "ضاربه" وصف في المعنى لزيد؛ لأنه هو الضارب للغلام، وقد جرى على الغلام؛ لأنه خبر عنه، فلو لم يبرز الضمير المستتر في "ضاربه" لتوهم أن الغلام هو الضارب لزيد، فينقلب المعنى. وفي هذه الحالة يتعين أن يكون الضمير البارز فاعلا أو نائب فاعل، وعلى حسب نوع الوصف؛ لأن جريانه على غير صاحبه يمنع استتاره، فترجع إليه حالته الأولى، ولا يعرب توكيدا للضمير المستتر.
(٥) فقد جرى الوصف وهو "ضربته"، على غير ما هو له وهو الغلام، ولكن تاء التأنيث تدل على أن الوصف في المعنى لهند. وفي ذلك يقول الناظم:
وأبرزنه مطلقا حيث تلا … ما ليس معناه له محصلا*
=
стр. 208
نحو قوله:
قومي ذرا المجد بانوها .... (١)
والجملة: إما نفس المبتدأ في المعنى؛ فلا تحتاج إلى رابط؛ نحو: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إذا قدر "هو" ضمير شأن (٢)
= أي: أبرز الضمير الرابط مطلقا -سواء أمن اللبس أم لم يؤمن- إذا وقع الخبر بعد مبتدأ، لا يكون معنى هذا الخبر محصلا- أي: حاويا- لمعناه؛ وذلك إذا كان الخبر جاريا على غير ما هو له. ويستوي في توقع الإلباس عند عدم القرينة: الوصف، والفعل ماضيا أو مضارعا؛ نحو: محمد علي أكرمه، أو يكرمه. ففي كل من الفعلين ضمير مستتر، وآخر بارز، يصح عودهما إلى الاسمين. ومن القرائن هنا: حروف المضارعة، وضمائر الرفع البارزة.
(١) جزء بيت من البسيط، لم يذكر قائله. وتمامه:
وقد علمت … بكنه ذلك عدنان وقحطان
اللغة والإعراب:
ذرا: جمع ذروة، وهي من كل شيء أعلاه. المجد: الكرم والشرف. كنه: حقيقة وغاية. عدنان وقحطان: أبوا قبيلتين من قبائل العرب. "قومي" مبتدأ أول "ذرا المجد" مبتدأ ثان ومضاف إليه. "بانوها" خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر الأول، و"ها" عائدة على ذرا، وعائد المبتدأ الأول محذوف؛ أي: هم.
المعنى: إن قومي هم الذين أسسوا أعالي المجد والشرف، وقد علمت بحقيقة ذلك قبيلتا عدنان وقحطان. يريد العرب جميعا.
الشاهد: في "بانوها" فقد جرى على "ذرا" لأنه خبر عنه، وهو في المعنى راجع لقومي؛ لأنهم البانون، ولم يبرز الضمير لأمن اللبس؛ لأن الذرا مبنية لا بانية، ولو برز لقال على اللغة الفصحى: بانيها هم؛ لأن الوصف كالفعل يفرد إذا أسند للجمع. وعلى غير الفصحى: بانوها هم. ويرى البصريون أن مثل هذا شاذ.
(٢) فيكون "هو" مبتدأ وجملة "الله أحد" خبر، وهي عين المبتدأ في المعنى؛ لأنها مفسرة له، بخلاف ما إذا قدر "هو" ضمير المسئول عنه. وقد سئل الرسول ﵇: صف لنا ربك، فنزلت، فيكون "هو" مبتدأ، و"الله" خبر، و"أحد" خبر بعد خبر.
стр. 209
ونحو: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١)، ومنه: "نطقي الله حسبي" (٢)؛ لأن المراد بالنطق المنطوق به.
وإما غيره، فلا بد من احتوائها على معنى المبتدأ الذي هي مسوقة له، وذلك بأن تشتمل على اسم بمعناه، وهو: إما ضميره مذكورًا؛ نحو: زيد قائم أبوه، أو مقدرًا؛ نحو: السمن منوان بدرهم؛ أي: منه، وقراءة ابن عامر: ﴿وَكُلٌّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى﴾ أي: وعده (٣). أو إشارة إليه؛ نحو: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾؛ إذا قدر "ذلك" مبتدأ ثانيا لا تابعًا للباس.
(١) هذا إذا قدرت "هي" ضمير القصة فتكون مبتدأ، " وشاخصة" هي خبر مقدم لأبصار، والجملة خبرهما وهي عين المبتدأ في المعنى، أي: فإذا القصة أبصار الذين كفروا شاخصة. أما إذا قدرت "هي" ضمير الإبصار، وقد تقدم مع الخبر -وهي شاخصة- على المبتدأ يكون الخبر مفردا.
(٢) قيل: إن مثل هذا ليس من الإخبار بالجملة، بل بالمفرد على إرادة اللفظ، أي: نطقي هذا اللفظ. وفيما تقدم يقول ابن مالك:
وإن تكن إياه معنى اكتفى … بها كنطقي الله حسبي وكفى*
أي: إن تكن الجملة هي المبتدأ في المعنى اكتفى بها عن الرابط، مثل: "نطقي الله حسبي" فالخبر الجملة، متحد في المعنى مع المبتدأ.
(٣) فـ"كل" مبتدأ، وجملة ﴿وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى﴾؛ خبر، والرابط الضمير المقدر المنصوب وعد على أنه مفعوله الأول، ويشترط في الضمير: أن يكون مطابقا للمبتدأ سابق في التذكير، والإفراد، وفروعهما.
стр. 210
قال الأخفش: أو غيرهما (١)؛ نحو: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾، أو على اسم بلفظه، ومعناه (٢)؛ نحو: ﴿الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ﴾ أو على اسم أعم منه نحو: زيد نعم الرجل (٣)، وقوله:
فأما الصبر عنها فلا صبرا (٤)(١) أي: غير الضمير والإشارة؛ كإعادة المبتدأ بمعناه كما في الآية؛ فإن "الذين" مبتدأ، وجملة "يمسكون بالكتاب" صلة، "وأقاموا الصلاة؛ معطوفة على الصلاة، والخبر جملة: إنا لا نضيع أجر المصلحين. والمصلحون -في المعنى- هم الذين يمسكون بالكتاب ويقيمون الصلاة، فقد أعاد المبتدأ بمعناه، وهذا هو الرابط، وقيل: إن الرابط ضمير محذوف، والتقدير: إنا لا نضيع أجر المصلحين منهم، وحذف الرابط المجرور جائز بلا نزاع. أو العموم؛ لأن المصلحين أعم من الذين يمسكون بالكتاب. وقيل: إن "الذين يمسكون" في موضع جر بالعطف على "الذين يتقون".
(٢) ويكون الغرض من ذلك: التفخيم أو التهويل أو نحوهما، و"الحاقة" الأولى مبتدأ أول، "ما" اسم استفهام مبتدأ ثان، و"الحاقة" الثانية خبر "ما"، والجملة خبر المبتدأ الأول، والرابط إعادة المبتدأ بلفظه ومعناه.
(٣) ففي "الرجل" عموم يشمل زيدا وغيره.
(٤) جزء من بيت من الطويل للرماح بن أبرد، المعروف بابن ميادة، وهو من شواهد سيبويه.
وتمامه:
ألا ليت شعري هل إلى أم معمر
سبيل. . . . . . . . . . .
اللغة والإعراب:
ليت شعري: الشعر مصدر شعر، بمعنى علم وفطن، والشعر: العلم. والمعنى: ليتني أشعر؛ أي: أعلم. أم معمر: كنية محبوبته "ألا" للتنبيه "شعري" اسم ليت منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والخبر في هذا التعبير محذوف وجوبا للتعريض عنه بالاستفهام الدائم بعده؛ أي: ليت علمي حاصل. "إلى أم معمر" الجار والمجرور خبر مقدم. "سبيل" مبتدأ مؤخر. "فأما" حرف شرط وتفصيل. "الصبر" مبتدأ "عنها" متعلق به. "فلا صبرا" الفاء واقعة في جواب أما، و"لا" نافية "صبرا" اسمها مبني على الفتح والألف للإطلاق، والخبر محذوف؛ أي: عندي، والجملة خبر المبتدأ. =
стр. 211
فصل: ويقع الخبر ظرفًا؛ نحو: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، ومجرورا؛ نحو: الحمد لله (١)، والصحيح أن الخبر في الحقيقة متعلقهما المحذوف، وأن تقديره كائن أو مستقر (٢)، لا كان أو استقر (٣)، وأن الضمير الذي كان فيه انتقل إلى الظرف والمجرور؛
= المعنى: أتمنى أن أعرف جواب هذا السؤال: هل هنالك سبيل للوصول إلى أم معمر ولقائها؛ لأن الشوق إليها شديد؟ أما أن أصبر على بعدها فلا سبيل إلى ذلك، ولا قدرة لي على احتماله.
الشاهد: في "لا صبرا" فإنه خبر عن الصبر، والرابط بينهما العموم؛ لأن النكرة الواقعة بعد النفي تفيد العموم، فقد نفى بجملة لا صبرا، الصبر بجميع أنواعه، ومنه الصبر عنها الواقع مبتدأ، وفي البيت شاهد آخر وهو: أن المبتدأ الواقع بعد "أما" يجب أن يقترن خبره بالفاء الزائدة. ويشترط في جملة خبر المبتدأ علاوة على اشتمالها على رابط يربطها بالمبتدأ: ألا تكون ندائية، وألا تكون مصدرة بالحروف: لكن، وبل، وحتى وفي تقسيم الخبر إلى مفرد وجملة يقول ابن مالك:
ومفردا يأتي ويأتي جمله … حاوية معنى الذي سيقت له*
أي: إن الخبر قد يكون مفردا، وقد يكون جملة. ويشترط في الجملة: أن تكون حاوية معنى المبتدأ الذي سيقت لإتمام الفائدة معه، أي: بأن تكون مشتملة على معناه؛ فإن لم تكن كذلك وجب أن تشتمل على رابط يربط بينهما، سواء كان ضميرا أو غيره.
(١) يشترط في الظرف والجار والمجرور: أن يكونا تامين؛ أي: يحصل بالإخبار بهما فائدة بمجرد ذكرهما؛ فلا يصح: محمد مكانا، ولا محمد بك لعدم الفائدة.
(٢) يشير بهذا إلى أن الخبر يقدر مفردا؛ لأن الأصل في الخبر: أن يكون اسما مفردا، وهذا رأي جمهور البصريين.
(٣) أي: كما هو رأي الأخفش والفارسي والزمخشري، محتجين بأن المحذوف عمل النصب في لفظ الظرف ومحل المجرور، والأصل في العامل: أن يكون فعلا. وقد جرى الموضح=
стр. 212
كقوله:
فإن فؤادي عندك الدهر أجمع (١)
ويخبر بالزمان عن أسماء المعاني؛ نحو: الصوم اليوم، والسفر غدا، لا عن أسماء
= هنا على رأي الجمهور. وقال في المغني: والحق عندي أنه لا يترجح تقديره اسمًا ولا فعلًا، بل يقدر بحسب المعنى. وإلى هذا يشير قول الناظم:
وأخبروا بظروف أو بحرف جر … ناوين معنى "كائن" أو استقر*
أي: إن الظرف والجار مع مجروره قد يقع كل منهما خبرا؛ لا بنفسه، ولكن بمتعلقه المحذوف الذي قد يكون اسما مشتقا مثل كائن أو مستقر، أو فعلا كاستقر، ومثله: ثبت، أو كان، أو وجد. واستحسن بعض المحدثين أن يكون نفس الظرف منصوبا في محل رفع خبر، والجار والمجرور كذلك في محل رفع؛ لأن هذين قاما مقام الخبر، وانتقلت إليهما آثاره اللفظية والمعنوية. والأصل في الخبر: أن يكون مفردا مرفوعا. وقد أشار إلى هذا الرأي صاحب المفصل، وفي الأخذ به تيسير.
(١) عجز بيت من الطويل، لجميل بن عبد الله بن معمر العذري، وكان يهوى بثينة بنت حبأ بن ثعلبة. وصدره:
فإن يك جثماني بأرض سواكم
اللغة والإعراب:
جثماني: هو الجسم، يقال: ما أحسن جثمان الرجل، وجسمانه وجسمه. "فإن" الفاء عاطفة وإن حرف شرط جازم. "يك" فعل الشرط مجزوم على النون المحذوفة "جثماني" اسم يك. "بأرض" متعلق بمحذوف خبر. "سواكم" مضاف إليه على عدم تنوين أرض، وصلة على التنوين؛ فؤادي "اسم إن". "عندك" متعلق بمحذوف خبرها. "الدهر" ظرف زمان متعلق بالخبر المحذوف.
المعنى: إذا افترقنا وتباعدت أجسامنا، وكان جسمي وكانت إقامتي بأرض غير أرضكم، فإن قلبي معكم دائما؛ لا يفارقكم، ولا يستطيع البعد عنكم
стр. 213
الذوات (١)؛ نحو: زيد اليوم.
فإن حصلت فائدة جاز؛ كأن يكون المبتدأ عاما والزمان خاصا (٢)؛ نحو: نحن في شهر كذا. وأما نحو: الورد في أيار (٣)، واليوم خمر، والليلة الهلال، فالأصل: خروج
الشاهد: في "أجمع" فإنه توكيد مرفوع للضمير المنتقل إلى الظرف وهو "عندك". ولا يصح أن يكون توكيد لفؤادي ولا لعند ولا للدهر؛ لأن كل واحد منها منصوب، والمرفوع لا يكون توكيدا للمنصوب. وكذلك لا يصح أن يكون توكيدا لمحذوف؛ لأن التوكيد ينافي الحذف، فلام يبق إلا أن يكون توكيدا للضمير المستكن في الظرف الواقع متعلقه خبرا؛ لأن هذا الضمير مرفوع على الفاعلية.
وهذا: وكما يقع كل من الظرف والجار والمجرور التامين خبرا عن المبتدأ، يقع صلة للموصول كما تقدم في باب "الموصول"، وصفة للنكرة، نحو: رأيت سائلا في أثواب رثة وغلمانا معه. وحالان من المعرفة؛ نحو: بهرني الجندي بين الأعداء، والمحلق على هذا الارتفاع. ويجب حذف المتعلق؛ لأنه كون عام.
(١) لأنه لا فائدة في الإخبار عنها بالزمان؛ إذ نسبتها إلى جميع الأزمان واحدة، بخلاف الأحداث فلا بد لها من زمن، أما المكان فيخبر به مطلقا عن أسماء الذوات والمعاني. والصحيح أن العبرة في الإخبار بالمكان والزمان عن الجثة والمعنى، في الإفادة فإن كانت هنالك فائدة جاز مطلقا. وإن لم تحدث فائدة بالزمان عن المعنى، أو بالمكان عن الجثة أو المعنى، امتنع الإخبار.
(٢) التخصص يكون بنعت؛ نحو: نحن في يوم حار، أو بإضافة؛ نحو: نحن في شهر الصوم، أو بعملية؛ نحو: نحن في رمضان. وتحصل الفائدة إذا كان المبتدأ بالذات صالحا لتقدير مضاف هو اسم معنى؛ نحو قول امرئ القيس: اليوم خمر؛ أي: شرب خمر.
(٣) اسم شهر رومي يكون في الربيع، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمية.
وفي الخبر باسم الزمان عن الجثة يقول ابن مالك في إيجاز:
ولا يكون اسم زمان خبرا … عن جثة وإن يفد فأخبرا*
أي: إن ظرف الزمان لا يقع خبرا عن اسم الذات إلا إذا أفاد؛ نحو: الليلة الهلال، فإن لم يفد لم يخبر به عن الجثة، فلا يقال: محمد اليوم. وقد أوضح المصنف ذلك.
стр. 214
الورد، وشرب خمر، ورؤية الهلال.
ولا يبتدأ بنكرة (١)، إلا إذا حصلت به فائدة:
كأن يخبر عنها بمختص مقدم؛ ظرف، أو مجرور؛ نحو: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾. (٢).
ولا يجوز: رجل في الدار (٣)، ولا عند رجل مال (٤).
أو تتلو نفيا؛ نحو: ما رجل قائم. أو استفهامًا؛ نحو: ﴿أإله مَعَ اللَّهِ﴾.
أو تكون موصوفة؛ سواء ذكرا؛ نحو: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾، أو حذفت الصفة؛ نحو: السمن منوان بدرهم (٥)، ونحو: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾، أي: منوان منه،
(١) لأن المبتدأ محكوم عليه، والمحكوم عليه لا بد أن يكون معلومًا ولو إلى حد ما، وإلا كان الحكم عليه لغوا فلا فائدة فيه. وإنما يكون ذلك؛ إذا كان للمبتدأ خبر، فإن كان وصفا له فاعل أو نائب فاعل يغني عن الخبر، كان نكرة ولا يحتاج إلى مسوغ؛ لأن المبتدأ في هذه الحالة يكون محكوما به بمنزلة الفعل، والفعل في مرتبة التنكير كما يقال.
(٢) الذي سوغ الابتداء بـ"مزيد" و"غشاوة" إضافة الخبر وهو الظرف والمجرور المختصان إلى ما يصلح للابتداء وهو الضمير، وتقدمهما أيضا. والمراد بالاختصاص: أن يكون كل من المجرور والمضاف إليه في الظرف الواقعين خبرا صالحا بنفسه لأن يكون مبتدأ.
(٣) لعدم الاختصاص والتقدم معا.
(٤) لعدم الاختصاص، وتقدم الظرف غير مبرر؛ لأنه لم يوصف بما يصلح للابتداء.
(٥) الصفة التي سوغت الابتداء بمنوان محذوفة؛ أي: منه. ومنوان: تثنية منا -بالقصر- وهو الكيل أو الميزان الذي يوزن به السمن ونحوه. والجمع: أمناء.
стр. 215
وطائفة من غيركم، أو الموصوف (١)؛ كالحديث: "سوداء ولود خير من حسناء عقيم"؛ أي: امرأة سوداء.
أو عاملة عمل الفعل؛ كالحديث: "أمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة" (٢). ومن العاملة المضافة؛ كالحديث: "خمس صلوات كتبهن الله" (٣).
ويقاس على هذه المواضع ما أشبهها؛ نحو: قصدك غلامه رجل (٤)، وكم رجلًا في الدار، وقوله:
لولا اصطبار لأودى كل ذي مقة (٥)(١) أي: أو حذف الموصوف وحده، وبقيت الصفة كما مثل المصنف.
(٢) الذي سوغ الابتداء بأمر ونهي، وهما نكرتان، عملهما في محل المجرور بعدهما؛ لأنهما مصدران، و"صدقة" خبر.
(٣) فالذي سوغ الابتداء بخمس، وهو نكرة عمله الجر في المضاف إليه وهو "صلوات"، والخبر جملة "كتبهن الله".
(٤) جملة "قصدك غلامه" من الفعل والفاعل والمفعول خبر مقدم، و"رجل" مبتدأ مؤخر، وسوغ جعله مبتدأ -وهو نكرة- تأخره. وتقدم الخبر وهو جملة مختصة؛ كالظرف والجار والمجرور والمختصين.
(٥) صدر بيت من البسيط، لم ينسب لقائل. وعجزه:
لما استقلت مطاياهن للظعن
اللغة والإعراب:
أودى فعل ماض لازم بمعنى هلك. مقة: محبة، وفعله: ومق يمق، بالكسر فيهما، والياء فيه عوض عن فاء الكلمة وهي الواو. استقلت: نهضت وهمت للسفر. مطاياهن: جمع مطية، والمراد بها هنا الإبل، وسميت بذلك؛ لأنه يركب مطاها؛ أي: ظهرها. والظعن: الارتحال. "لولا" حرف امتناع فيها معنى الشرط "اصطبار" مبتدأ، والخبر محذوف وجوبا بعدها؛ أي: موجود "لأودى" اللام واقعة في جواب الشرط. "كل ذي مقة" فاعل أودى ومضاف إليه "لما" ظرف بمعنى حين. وإعراب الباقي واضح.
المعنى: لولا الصبر، وحمل النفس على عدم الجزع؛ لهلك كل محب عند تهيؤ أحبابه للسفر والرحيل، ومفارقتهم له.
الشاهد: وقوع "اصطبار" -وهو نكرة- وسوغ ذلك وقوعه بعد "لولا"، وهي تشبه "ما" النافية في الجملة؛ لأنها تقتضي انتفاء جوابها لانتفاء شرطها.