فصل: ويقع الخبر ظرفًا؛ نحو: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، ومجرورا؛ نحو: الحمد لله (١)، والصحيح أن الخبر في الحقيقة متعلقهما المحذوف، وأن تقديره كائن أو مستقر (٢)، لا كان أو استقر (٣)، وأن الضمير الذي كان فيه انتقل إلى الظرف والمجرور؛
= المعنى: أتمنى أن أعرف جواب هذا السؤال: هل هنالك سبيل للوصول إلى أم معمر ولقائها؛ لأن الشوق إليها شديد؟ أما أن أصبر على بعدها فلا سبيل إلى ذلك، ولا قدرة لي على احتماله.
الشاهد: في "لا صبرا" فإنه خبر عن الصبر، والرابط بينهما العموم؛ لأن النكرة الواقعة بعد النفي تفيد العموم، فقد نفى بجملة لا صبرا، الصبر بجميع أنواعه، ومنه الصبر عنها الواقع مبتدأ، وفي البيت شاهد آخر وهو: أن المبتدأ الواقع بعد "أما" يجب أن يقترن خبره بالفاء الزائدة. ويشترط في جملة خبر المبتدأ علاوة على اشتمالها على رابط يربطها بالمبتدأ: ألا تكون ندائية، وألا تكون مصدرة بالحروف: لكن، وبل، وحتى وفي تقسيم الخبر إلى مفرد وجملة يقول ابن مالك:
ومفردا يأتي ويأتي جمله … حاوية معنى الذي سيقت له*
أي: إن الخبر قد يكون مفردا، وقد يكون جملة. ويشترط في الجملة: أن تكون حاوية معنى المبتدأ الذي سيقت لإتمام الفائدة معه، أي: بأن تكون مشتملة على معناه؛ فإن لم تكن كذلك وجب أن تشتمل على رابط يربط بينهما، سواء كان ضميرا أو غيره.
(١) يشترط في الظرف والجار والمجرور: أن يكونا تامين؛ أي: يحصل بالإخبار بهما فائدة بمجرد ذكرهما؛ فلا يصح: محمد مكانا، ولا محمد بك لعدم الفائدة.
(٢) يشير بهذا إلى أن الخبر يقدر مفردا؛ لأن الأصل في الخبر: أن يكون اسما مفردا، وهذا رأي جمهور البصريين.
(٣) أي: كما هو رأي الأخفش والفارسي والزمخشري، محتجين بأن المحذوف عمل النصب في لفظ الظرف ومحل المجرور، والأصل في العامل: أن يكون فعلا. وقد جرى الموضح=
стр. 212
كقوله:
فإن فؤادي عندك الدهر أجمع (١)
ويخبر بالزمان عن أسماء المعاني؛ نحو: الصوم اليوم، والسفر غدا، لا عن أسماء
= هنا على رأي الجمهور. وقال في المغني: والحق عندي أنه لا يترجح تقديره اسمًا ولا فعلًا، بل يقدر بحسب المعنى. وإلى هذا يشير قول الناظم:
وأخبروا بظروف أو بحرف جر … ناوين معنى "كائن" أو استقر*
أي: إن الظرف والجار مع مجروره قد يقع كل منهما خبرا؛ لا بنفسه، ولكن بمتعلقه المحذوف الذي قد يكون اسما مشتقا مثل كائن أو مستقر، أو فعلا كاستقر، ومثله: ثبت، أو كان، أو وجد. واستحسن بعض المحدثين أن يكون نفس الظرف منصوبا في محل رفع خبر، والجار والمجرور كذلك في محل رفع؛ لأن هذين قاما مقام الخبر، وانتقلت إليهما آثاره اللفظية والمعنوية. والأصل في الخبر: أن يكون مفردا مرفوعا. وقد أشار إلى هذا الرأي صاحب المفصل، وفي الأخذ به تيسير.
(١) عجز بيت من الطويل، لجميل بن عبد الله بن معمر العذري، وكان يهوى بثينة بنت حبأ بن ثعلبة. وصدره:
فإن يك جثماني بأرض سواكم
اللغة والإعراب:
جثماني: هو الجسم، يقال: ما أحسن جثمان الرجل، وجسمانه وجسمه. "فإن" الفاء عاطفة وإن حرف شرط جازم. "يك" فعل الشرط مجزوم على النون المحذوفة "جثماني" اسم يك. "بأرض" متعلق بمحذوف خبر. "سواكم" مضاف إليه على عدم تنوين أرض، وصلة على التنوين؛ فؤادي "اسم إن". "عندك" متعلق بمحذوف خبرها. "الدهر" ظرف زمان متعلق بالخبر المحذوف.
المعنى: إذا افترقنا وتباعدت أجسامنا، وكان جسمي وكانت إقامتي بأرض غير أرضكم، فإن قلبي معكم دائما؛ لا يفارقكم، ولا يستطيع البعد عنكم
стр. 213
الذوات (١)؛ نحو: زيد اليوم.
فإن حصلت فائدة جاز؛ كأن يكون المبتدأ عاما والزمان خاصا (٢)؛ نحو: نحن في شهر كذا. وأما نحو: الورد في أيار (٣)، واليوم خمر، والليلة الهلال، فالأصل: خروج
الشاهد: في "أجمع" فإنه توكيد مرفوع للضمير المنتقل إلى الظرف وهو "عندك". ولا يصح أن يكون توكيد لفؤادي ولا لعند ولا للدهر؛ لأن كل واحد منها منصوب، والمرفوع لا يكون توكيدا للمنصوب. وكذلك لا يصح أن يكون توكيدا لمحذوف؛ لأن التوكيد ينافي الحذف، فلام يبق إلا أن يكون توكيدا للضمير المستكن في الظرف الواقع متعلقه خبرا؛ لأن هذا الضمير مرفوع على الفاعلية.
وهذا: وكما يقع كل من الظرف والجار والمجرور التامين خبرا عن المبتدأ، يقع صلة للموصول كما تقدم في باب "الموصول"، وصفة للنكرة، نحو: رأيت سائلا في أثواب رثة وغلمانا معه. وحالان من المعرفة؛ نحو: بهرني الجندي بين الأعداء، والمحلق على هذا الارتفاع. ويجب حذف المتعلق؛ لأنه كون عام.
(١) لأنه لا فائدة في الإخبار عنها بالزمان؛ إذ نسبتها إلى جميع الأزمان واحدة، بخلاف الأحداث فلا بد لها من زمن، أما المكان فيخبر به مطلقا عن أسماء الذوات والمعاني. والصحيح أن العبرة في الإخبار بالمكان والزمان عن الجثة والمعنى، في الإفادة فإن كانت هنالك فائدة جاز مطلقا. وإن لم تحدث فائدة بالزمان عن المعنى، أو بالمكان عن الجثة أو المعنى، امتنع الإخبار.
(٢) التخصص يكون بنعت؛ نحو: نحن في يوم حار، أو بإضافة؛ نحو: نحن في شهر الصوم، أو بعملية؛ نحو: نحن في رمضان. وتحصل الفائدة إذا كان المبتدأ بالذات صالحا لتقدير مضاف هو اسم معنى؛ نحو قول امرئ القيس: اليوم خمر؛ أي: شرب خمر.
(٣) اسم شهر رومي يكون في الربيع، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمية.
وفي الخبر باسم الزمان عن الجثة يقول ابن مالك في إيجاز:
ولا يكون اسم زمان خبرا … عن جثة وإن يفد فأخبرا*
أي: إن ظرف الزمان لا يقع خبرا عن اسم الذات إلا إذا أفاد؛ نحو: الليلة الهلال، فإن لم يفد لم يخبر به عن الجثة، فلا يقال: محمد اليوم. وقد أوضح المصنف ذلك.
стр. 214
الورد، وشرب خمر، ورؤية الهلال.
ولا يبتدأ بنكرة (١)، إلا إذا حصلت به فائدة:
كأن يخبر عنها بمختص مقدم؛ ظرف، أو مجرور؛ نحو: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾. (٢).
ولا يجوز: رجل في الدار (٣)، ولا عند رجل مال (٤).
أو تتلو نفيا؛ نحو: ما رجل قائم. أو استفهامًا؛ نحو: ﴿أإله مَعَ اللَّهِ﴾.
أو تكون موصوفة؛ سواء ذكرا؛ نحو: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾، أو حذفت الصفة؛ نحو: السمن منوان بدرهم (٥)، ونحو: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾، أي: منوان منه،
(١) لأن المبتدأ محكوم عليه، والمحكوم عليه لا بد أن يكون معلومًا ولو إلى حد ما، وإلا كان الحكم عليه لغوا فلا فائدة فيه. وإنما يكون ذلك؛ إذا كان للمبتدأ خبر، فإن كان وصفا له فاعل أو نائب فاعل يغني عن الخبر، كان نكرة ولا يحتاج إلى مسوغ؛ لأن المبتدأ في هذه الحالة يكون محكوما به بمنزلة الفعل، والفعل في مرتبة التنكير كما يقال.
(٢) الذي سوغ الابتداء بـ"مزيد" و"غشاوة" إضافة الخبر وهو الظرف والمجرور المختصان إلى ما يصلح للابتداء وهو الضمير، وتقدمهما أيضا. والمراد بالاختصاص: أن يكون كل من المجرور والمضاف إليه في الظرف الواقعين خبرا صالحا بنفسه لأن يكون مبتدأ.
(٣) لعدم الاختصاص والتقدم معا.
(٤) لعدم الاختصاص، وتقدم الظرف غير مبرر؛ لأنه لم يوصف بما يصلح للابتداء.
(٥) الصفة التي سوغت الابتداء بمنوان محذوفة؛ أي: منه. ومنوان: تثنية منا -بالقصر- وهو الكيل أو الميزان الذي يوزن به السمن ونحوه. والجمع: أمناء.
стр. 215
وطائفة من غيركم، أو الموصوف (١)؛ كالحديث: "سوداء ولود خير من حسناء عقيم"؛ أي: امرأة سوداء.
أو عاملة عمل الفعل؛ كالحديث: "أمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة" (٢). ومن العاملة المضافة؛ كالحديث: "خمس صلوات كتبهن الله" (٣).
ويقاس على هذه المواضع ما أشبهها؛ نحو: قصدك غلامه رجل (٤)، وكم رجلًا في الدار، وقوله:
لولا اصطبار لأودى كل ذي مقة (٥)(١) أي: أو حذف الموصوف وحده، وبقيت الصفة كما مثل المصنف.
(٢) الذي سوغ الابتداء بأمر ونهي، وهما نكرتان، عملهما في محل المجرور بعدهما؛ لأنهما مصدران، و"صدقة" خبر.
(٣) فالذي سوغ الابتداء بخمس، وهو نكرة عمله الجر في المضاف إليه وهو "صلوات"، والخبر جملة "كتبهن الله".
(٤) جملة "قصدك غلامه" من الفعل والفاعل والمفعول خبر مقدم، و"رجل" مبتدأ مؤخر، وسوغ جعله مبتدأ -وهو نكرة- تأخره. وتقدم الخبر وهو جملة مختصة؛ كالظرف والجار والمجرور والمختصين.
(٥) صدر بيت من البسيط، لم ينسب لقائل. وعجزه:
لما استقلت مطاياهن للظعن
اللغة والإعراب:
أودى فعل ماض لازم بمعنى هلك. مقة: محبة، وفعله: ومق يمق، بالكسر فيهما، والياء فيه عوض عن فاء الكلمة وهي الواو. استقلت: نهضت وهمت للسفر. مطاياهن: جمع مطية، والمراد بها هنا الإبل، وسميت بذلك؛ لأنه يركب مطاها؛ أي: ظهرها. والظعن: الارتحال. "لولا" حرف امتناع فيها معنى الشرط "اصطبار" مبتدأ، والخبر محذوف وجوبا بعدها؛ أي: موجود "لأودى" اللام واقعة في جواب الشرط. "كل ذي مقة" فاعل أودى ومضاف إليه "لما" ظرف بمعنى حين. وإعراب الباقي واضح.
المعنى: لولا الصبر، وحمل النفس على عدم الجزع؛ لهلك كل محب عند تهيؤ أحبابه للسفر والرحيل، ومفارقتهم له.
الشاهد: وقوع "اصطبار" -وهو نكرة- وسوغ ذلك وقوعه بعد "لولا"، وهي تشبه "ما" النافية في الجملة؛ لأنها تقتضي انتفاء جوابها لانتفاء شرطها.
стр. 216
وقولك: رجيل في الدار؛ لشبه الجملة بالظرف والمجرور، واسم الاستفهام بالاسم المقرون بحرفه، وتالي "لولا" بتالي النفي، والمصغر بالموصوف (١).
(١) هذا التعليل راجع لما ذكر من الأمثلة المقيسة على طريق اللف والنشر المرتب، فتأمل. واعلم أن مواضع النكرة المفيدة كثيرة جدا. وقد أوصلها بعض النحاة إلى أربعين موضعا. والأصل الذي تقدم عليه هو الإفادة، فليكن هذا الأصل هو المرجع الوحيد في صحة الابتداء بالنكرة.
وقد أشار ابن مالك إلى بعض هذه المسوغات بقوله:
ولا يجوز الابتداء بالنكره … ما لم تفد كعند زيد نمره
وهل فتى فيكم فما خل لنا … ورجل من الكرام عندنا
ورغبة في الخير خير وعمل … بر يزين وليقس ما لم يقل*
يقول: إنه لا يجوز الابتداء بالنكرة إلا إذا أفادت. وأشار بقوله: "عند زيد نمره" إلى مسوغ تقديم الظرف المختص. و"النمرة": الشال من الصوف. وأشار إلى مسوغ الاستفهام بقوله: "هل فتى فيكم؟ " وإلى النفي بقوله: "ما خل لنا". وإلى النعت بقوله: "رجل من الكرام". وإلى النكرة العاملة بقوله: "رغبة في الخير" و"عمل البر" الأول مصدر والثاني مضاف، ثم قال بقياس ما لم يذكر على ما ذكره.
стр. 217
فصل: وللخبر ثلاث حالات
إحداها التأخر، وهو الأصل (١)؛ كزيد قائم. ويجب في أربع مسائل:
إحداها: أن يخاف التباسه بالمبتدأ، وذلك إذا كانا معرفتين، أو متساويين (٢)، ولا قرينة؛ نحو: زيد أخوك، وأفضل منك أفضل مني (٣)، بخلاف: "رجل صالح حاضر، وأبو يوسف أبو حنيفة (٤)، وقوله:
بنونا بنو أبنائنا. . . . . . . . . . . (٥)
أي: بنو أبنائنا مثل بنينا.
(١) ذلك لأنه محكوم به مجهول غالبا، فيجب أن يسبقه المحكوم عليه المعلوم وهو المبتدأ، والخبر يشبه الصفة، وهي تتأخر عن الموصوف. وفي ذلك يقول الناظم:
والأصل في الأخبار أن تؤخرا … وجوزوا التقديم إذ لا ضررا *
أي: إن الأصل تقديم المبتدأ وتأخير الخبر للأسباب التي ذكرت. ويجوز تقديم الخبر إذا لم يحدث ضرر من ذلك؛ كحصول لبس أو نحوه.
(٢) أي: نكرتين متساويتين في درجة تنكيرهما، بحيث تصلح كل منهما أن تكون مبتدأ.
(٣) فكل من جزأي المثالين صالح لأن يخبر عنه الآخر، لكن المعنى يختلف باختلاف الغرض المقصود.
(٤) فإن هنالك قرينة لفظية في المثال الأول تجعل "رجل" هو المبتدأ، وهي الصفة، وفي المثال الثاني قرينة معنوية، وهي التشبيه الحقيقي الذي يقتضي أن يكون "أبو يوسف" هو المبتدأ؛ لأنه المشبه، سواء تقدم أو تأخر.
(٥) جزء من صدر بيت من الطويل، ينسب للفرزدق الشاعر الأموي المشهور. وتمامه:
وبناتنا … بنوهن أبناء الرجال الأباعد
=
стр. 218
الثانية: أن يخاف التباس المبتدأ بالفاعل (١)؛ نحو: زيد قام، بخلاف: "زيد قائم، أو قام أبوه، وأخواك قاما" (٢).
الثالثة: أن يتقرن بإلا معنى؛ نحو: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ أو لفظًا (٣)؛ نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ فأما قوله:
وهل إلا عليك المعول (٤)
فضرورة
= اللغة والإعراب:
"بنونا" خبر مقدم. "بنو أبنائنا" مبتدأ مؤخر ومضاف إليه. "وبناتنا" مبتدأ أول مضاف إلى "نا" "بنوهن" مبتدأ ثان. "أبناء الرجال" خبر المبتدأ الثاني ومضاف إليه، والجملة خبر الأول. "الأباعد" صفة للرجال وهو جمع أبعد.
المعنى: أن أولاد أبنائنا ينتسبون إلينا؛ لأنهم كأولادنا. أما أولاد بناتنا فينتسبون إلى آبائهم الأجانب عنا.
الشاهد: تقديم الخبر وهو "بنونا" على المبتدأ وهو "بنو أبنائنا" مع تساويهما في التعريف؛ لأن كلا منهما مضاف إلى ضمير المتكلم. وسوغ ذلك القرينة المعنوية التي تعين المبتدأ، وهي التشبيه الذي يقضي بأن بني الأبناء مشبهون بالأبناء. وقيل: هو من التشبيه المقلوب للمبالغة. ولا شاهد فيه. وفي هذه الحالة يقول الناظم:
فامنعه حين يستوي الجزءان … عرفا ونكرًا عادمي بيان
أي: امنع التقديم إذا استوى المبتدأ والخبر في التعريف والتنكير، وعدما القرينة والبيان الذي يوضح المبتدأ منهما من الخبر.
(١) وذلك إذا كان الخبر جملة فعلية فاعلها ضمير مستتر يعود على المبتدأ.
(٢) فإن الخبر في المثال الأول وصف، والفعل في المثال الثاني رفع اسما ظاهرا، وفي الثالث رفع ضميرا، فلا لبس في ذلك. وعلى ذلك فلا يجب تأخير الخبر فيها.
(٣) المراد: أن يكون الخبر محصورا فيه المبتدأ بإلا أو بإنما.
(٤) بعض عجز بيت من الطويل، للكميت بن زيد الأسدي، من شعراء مضر، من قصيدة من=
стр. 219
الرابعة: أن يكون المبتدأ مستحقا للتصدير: إما بنفسه (١)؛ نحو: ما أحسن زيدًا، ومن في الدار؟ ومن يقم أقم معه، وكم عبيد لذيذ (٢) أو بغيره (٣): إما متقدما عليه؛ نحو: "لزيد قائم" (٤)، وأما قوله:
أم الحليس لعجوز شهربه (٥)
= قصائده المعروفة بالهاشميات، يمدح بها زيد بن علي. وتمامه:
فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى … عليهم. . . . . . . . . . .
اللغة والإعراب:
يرتجى: يؤمل ويطلب. المعول: مصدر بمعنى التعويل والالتجاء. "رب" منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف. "هل" حرف استفهام إنكاري. "إلا" أداة حصر. "بك" متعلق بيرتجى. "النصر" مبتدأ. "يرتجى" الجملة خبر، و"هل" حرف استفهام بمعنى النفي. "عليك" خبر مقدم. "المعول" مبتدأ مؤخر.
المعنى: هل يطلب النصر على الأعداء ويرتجى إلا منك وبعونك؟ وهل هنالك من سند يلجأ إليه الإنسان ويعول عليه إلا أنت؟ والاستفهام إنكاري.
الشاهد: تقديم الخبر المحصور بإلا في الشطر الثاني للضرورة. ويجوز أن يكون في الشطر الأول شاهد كذلك؛ إذا أعرب "بك" خبرا مقدما، و"النصر" مبتدأ مؤخرا. أما على ما أعربنا فلا شاهد فيه، ولهذا تركه المصنف.
(١) أي: بأن يكون له مباشرة صدر الكلام؛ كأسماء الاستفهام، وأسماء الشرط، و"ما" التعجبية، و"كم" الخبرية.
(٢) "كم" مبتدأ مبني على السكون في محل رفع "عبيد" مضاف إليه "لزيد" خبر.
(٣) أي: يكون مستحقا للتصدير لا بنفسه بل بغيره مما يستحق التصدير، كما مثل المصنف.
(٤) فإن "زيد" لا يستحق التقديم بنفسه، وإنما استوجب ذلك بسبب ملاصقته للام الابتداء التي لها الصدارة في جملتها.
(٥) صدر بيت من الرجز، ينسب لرؤبة بن العجاج، وقيل لغيره. وعجزه:
ترى من اللحم بعظم الرقبه
اللغة والإعراب:
أم الحليس: كنية الأتان، وهي أنثى الحمار. والحليس: تصغير حلس، وهو كساء رقيق يكون تحت البرذعة، وكنيت به هذه المرأة تشبيها لها بالأتان. =
стр. 220
فالتقدير: لهي عجوز، أو اللام زائدة لا لام الابتداء، أو متأخرًا عنه (١)؛ نحو: غلام من في الدار؟ وغلام من يقم أقم معه، ومال كم رجل عندك (٢).
أو مشبها به (٣)؛ نحو: الذي يأتيني فله درهم؛ فإن المبتدأ هنا مشبه باسم الشرط لعمومه، واستقبال الفعل الذي بعده، وكون سببًا (٤)
= شهرية: كبيرة طاعنة في السن. من اللحم: بدل اللحم، فـ"من" بمعنى البدل. "أم الحليس" مبتدأ ومضاف إليه "لعجوز" اللام للابتداء مؤكدة و"عجوز" خبر لمبتدأ محذوف، أي: لهي عجوز، والجملة خبر عن أم الحليس، أو اللام زائدة، وعجوز خبر عن أم الحليس، و"شهربه" وجملة "ترضى" صفتان لعجوز.
المعنى: أن هذه المرأة عجوز كبيرة، لا تستطيع أكل اللحم وهضمه، فترضى بدله بلحم عظم الرقبة لسهولة مضغه، فالمضاف هنا محذوف.
الشاهد: في "لعجوز" حيث يدل ظاهره على تأخير الخبر المقترن بلام الابتداء، وقد وجهه المصنف.
(١) أي: أو يكون ذلك الغير المستحق للصدارة متأخرا عن المبتدأ.
(٢) فـ"غلام" و"مال" مبتدآن مضافان إلى ما يستحق التصدير، وهو "من" الاستفهامية، والشرطية، و"كم" الخبرية.
(٣) أي: بما يستحق التصدير.
(٤) أي: كون الفعل سببًا لما بعده، وهو جملة "فله درهم" الواقعة خبرًا، وفي المسائل الثلاثة الأخيرة من وجوب تأخير الخبر، يقول ابن مالك:
كذا إذا ما الفعل كان الخبرا … أو قصد استعماله منحصرا
أو كان مسندا لذي لام ابتدا … أو لازم الصدر؛ كمن لن منجدا؟ *
=
стр. 221
ولهذا دخلت الفاء في الخبر كما تدخل في الجواب.
مواضع وجوب تقدمه:
الحالة الثانية: التقدم: ويجب في أربع مسائل:
إحداها: أن يوقع تأخيره في لبس ظاهر؛ نحو:
"في الدار رجل، وعندك مال، وقصدك غلامه رجل (١)، وعندي أنك فاضل؛ فإن تأخير الخبر في هذا المثال يوقع في إلباس "أن" المفتوحة بالمكسورة، و"أن" المؤكدة بالتي بمعنى لعل (٢)، ولهذا يجوز تأخيره بعد "أما"؛
= أي: كذلك يمتنع تقديم الخبر؛ إذا كان جملة فعلية على النحو الذي سبق، أو كان محصورا فيه كما بينا، أو كان المبتدأ لازم الصدارة؛ أي: لا يقع إلا في صدر جملته، كقولك: "من لي منجدا؟ "؛ فمن اسم استفهام مبتدأ واجب الصدارة.
ومن المواضع التي يجب فيها تأخير الخبر: أن يكون الخبر مقترنا بالباء الزائدة؛ نحو: ما محمد بمسافر، أو بالفاء؛ نحو: الذي يرائي فمنافق، أو يكون طلبا؛
نحو: السائل لا ترده، أو يكون خبرا عن ضمير الشأن؛ نحو: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، أو يكون مفصولا عن المبتدأ بضمير الفصل؛ نحو: المؤمن هو المطيع لربه، أو يكون المبتدأ دعاء؛ نحو: سلام عليكم، وويل لكم. وكذلك في المسموع؛ نحو: "راكب الناقة طليحان" أي: متعبان، والأصل: راكب الناقة والناقة طليحان.
(١) فكل من: في الدار، وعندك، وقصدك غلامه، خبر مقدم وجوبا؛ لأنه لو تأخر لتوهم أنه لرجل ومال؛ لأن الجملة وشبهها بعد النكرات صفات.
(٢) ذلك لأنه إذا تقدم المبتدأ يصير التركيب: أنك فاضل عندي؛ فيحتمل فتح "أن" وتكون حرف توكيد ونصب، وهي واسمها وخبرها مبتدأ والظرف خبر، وأن تكون بمعنى لعل -لأنها أحد لغاتها- وعندي متعلق بخبرها، ويحتمل أن تكون مكسورة؛ لأنها في بدء الجملة، وعندي متعلق بخبرها. وهذا اللبس يمتنع عند تقدم الخبر؛ لأن"إن" المكسورة، و"أن" -بمعنى لعل- لا يتقدم معمول خبرهما عليهما.
стр. 222
كقوله:
وأما أنني جزع … يوم النوى فلوجد كاد يبريني (١)
لأن "إن" المكسورة، و"أن" التي بمعنى لعل، لا يدخلان هنا.
وتأخره في الأمثلة الأول يوقع في إلباس الخبر بالصفة.
وإنما لم يجب تقديم الخبر في نحو: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾؛ لأن النكرة قد وصفت بمسمى (٢)، فكان الظاهر في الظرف أنه خبر لا صفة.
(١) هذا جزء من بيت من البسيط، لم ينسب لقائل. وتمامه:
عندي اصطبار. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . .
اللغة والإعراب:
اصطبار: تصبر وتجلد: جزع: شديد الخوف فاقد الصبر، وهو صفة مشبهة من جزع يجزع، من باب علم. النوى: البعد والفراق. الوجد: شدة الحب. يبريني: ينحلني، من بريت القلم إذا نحته. "عندي" خبر مقدم. "اصطبار" مبتدأ مؤخر. "وأما" حرف شرط وتفصيل. "أنني جزع" المصدر المنسبك من أن ومعموليها مبتدأ؛ أي: وأما جزعي "يوم النوى" ظرف متعلق بجزع ومضاف إليه. "فلوجد" الفاء واقعة في جواب الشرط واللام للتعليل والجار والمجرور خبر المبتدأ.
المعنى: إن في طبعي التجلد والتحمل لكل ما ينزل بي من مكروه، وأما جزعي يوم فراق الأحباب؛ فلشدة شوق كاد ينحلني ويقضي علي.
الشاهد: تأخير الخبر عن المبتدأ بعد "أما"، وساغ ذلك من أن المبتدأ مصدر مؤول؛ لأمن اللبس بـ"أن" بمعنى لعل، و"إن" المكسورة؛ لأنهما لا يقعان بعدها: فإن كلا منهما مع معموليها جملة، و"أما" لا يفصل بينها وبين الفاء إلا بمفرد. وأما "أن" المفتوحة المؤكدة فتكون مع معموليها في تأويل مصدر، وذلك مفرد بالتأويل، فتقع بعد "أما".
(٢) فضعف بذلك طلبها للظرف. وقد أشار الناظم إلى هذه المسألة الأولى بقوله:
ونحو عندي درهم ولي وطر … ملتزم فيه تقدم الخبر*
أي: يجب تقدم الخبر إذا كان المبتدأ نكرة ليس لها مسوغ؛ إلا تقدم الخبر، وهو ظرف أو جار ومجرور؛ كما مثل الناظم.
стр. 223
الثانية: أن يقترن المبتدأ بإلا لفظًا؛ نحو:
وما لنا إلا اتباع أحمدا (١)
أو معنى؛ نحو: إنما عندك زيد (٢).
الثالثة: أن يكون لازم الصدرية؛ نحو: أين زيد؟ أو مضافا إلى ملازمها؛ نحو: صبيحة أي يوم سفرك؟ (٣)
الرابعة: أن يعود ضمير متصل بالمبتدأ على بعض الخبر؛ كقوله تعالى: ﴿أَمْ
(١) هذا مثال من كلام ابن مالك كما سيأتي.
(٢) المبتدأ في المثالين محصور فيه، فلا يسوغ تقديمه، لئلا يضيع المقصود من الحصر ويختلف المعنى المراد. وفي هذه المسألة الثانية يقول الناظم:
وخبر المحصور قدم أبدا … كما لنا إلا اتباع أحمدا*
(٣) "صبيحة" مبتدأ. "أي" مضاف إليه، وهو اسم استفهام. "سفرك" مبتدأ مؤخر. ومثل أسماء الاستفهام مما له الصدارة: أسماء الشرط؛ نحو: أينما تعمل ترزق. وقد أشار ابن مالك إلى هذه المسألة الثالثة بقوله:
كذا إذا يستوجب التصديرا … كأين من علمته نصيرا*
أي: كذلك يجب تقديم الخبر؛ إذا كان من الألفاظ التي تستحق التصدير وجوبًا، كأسماء الاستفهام نحو: أين من علمته نصيرا؟ وإعرابها موضح في الهامش.
стр. 224
عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (١)، وقول الشاعر: .... ولكن ملء عين حبيبها (٢)
الحالة الثالثة: جواز التقديم والتأخير
وذلك فيما فقد فيه موجبهما؛ كقولك: زيد قائم؛ فيترجح تأخيره على الأصل،
(١) " أم" متصلة، وقيل منقطعة بمعنى بل "على قلوب" خبر مقدم. "أقفالها" مضاف إليه مبتدأ مؤخر. ولا يصح تقديمه؛ لئلا تعود الهاء فيه على قلوب، وهي متأخرة رتبة، فيعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وذلك ممنوع.
(٢) جزء من عجز بيت من الطويل، لنصيب بن رباح الشاعر الأموي. في امرأته، فقد قيل إنه لم يشبب بأجنبية، وقد كان عبدا أسود لبني مروان. وتمامه:
أهابك إجلالا وما بك قدرة … علي. . . . . . . . . . .
اللغة والإعراب:
أهابك: أخافك وأجلك؛ من الهيبة وهي المخافة. إجلالا: إعظاما لك، وهي مفعول لأجله. "وما بك" الواو للحال و"ما" نافية. "بك" خبر مقدم. "قدرة" مبتدأ مؤخر. "ولكن" حرف استدراك. "ملء عين" خبر مقدم ومضاف إليه. "حبيبها" مبتدأ مؤخر، والهاء عائدة على "عين".
المعنى: إني لأهابك وأخافك، إعظاما لقدرك، لا خوفا من بطشك، فليس لك سلطان علي، ولكن العين تمتلئ ممن تحبه فتحصل له المهابة والخوف.
الشاهد: تقديم الخبر وهو "ملء عين" لاتصال المبتدأ وهو "حبيبها" بضمير يعود على ملابس الخبر وهو المضاف إليه، فلو قدم المبتدأ لزم عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة؛ لأن رتبة الخبر التأخير، وذلك غير جائز. وفي هذه المسألة الرابعة يقول ابن مالك:
كذا إذا عاد عليه مضمر … مما به عنه مبينا يخبر*
أي: كذلك يجب تقديم الخبر؛ إذا عاد عليه الضمير من المبتدأ الذي يخبر عنه بخبر يبين ويفسر الضمير العائد إليه. وفي عبارة الناظم مضاف محذوف أي: "عاد على ملابسه".
ومن المواضع التي يجب فيها تقديم الخبر: أن يكون قد ورد متقدما في أمثال العرب؛ نحو قولهم: "في كل واد ثعلبة"؛ لأن الأمثال لا تغير. أو يكون المبتدأ مقرونا بفاء الجزاء بعد أما، نحو: أمامك فالباب مفتوح، أو يكون الخبر اسم إشارة ظرفا للمكان؛ نحو: هنا الأمل وثم الفشل، أو يكون لفظ "كم" الخبرية؛ نحو: كم خطأ ارتكبت، أو مضافا إليها؛ نحو: صاحب كم مؤلف أنت!.
стр. 225
ويجوز تقديمه لعدم المانع (١).
فصل: وما علم من مبتدأ أو خبر، جاز حذفه (٢)، وقد يجب.
فأما حذف المبتدأ جوازًا.
فنحو: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾، ويقال: كيف زيد؟ فتقول: دنف. التقدير: فعمله لنفسه وإساءته عليها. وهو دنف (٣).
وأما حذفه وجوبًا:
فإذا أخبر عنه بنعت مقطوع لمجرد مدح؛ نحو: الحمد لله الحميد، أو ذم؛ نحو: أعوذ بالله من إبليس عدو المؤمنين، أو ترحم (٤)؛ نحو: مررت بعبدك المسكين (٥) .............
(١) وقد أشار الناظم إلى ذاك بقوله: وجوزوا التقديم إذ لا ضررا.
(٢) وذلك إذا دل عليه دليل؛ أي: قرينة حسية أو عقلية، بشرط ألا يتأثر المعنى بحذفه.
(٣) يكثر الحذف جوازا؛ في جواب الاستفهام، وبعد الفاء الداخلة على جواب الشرط، وقد مثل لهما المصنف، وكذلك بعد القول؛ نحو ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾؛ أي: هو، وقد يكون الحذف للمحافظة على وزن الشعر أو السجع أو ضيق الوقت.
(٤) أي: إظهار الرحمة والشفقة.
(٥) فكل من: الحميد، وعدو، والمسكين، خبر لمبتدأ محذوف وجوبًا؛ أي: هو، وإنما وجب الحذف لغرض بلاغي؛ وهو أهمية هذه الكلمات وتوجيه النظر إليها، وذلك بتحويلها عن سياقها المألوف وإعرابها الطبيعي، وجعلها جملة جديدة أكثر دلالة على تحقيق الغرض المطلوب؛ وهو إنشاء المدح، أو الذم، أو الترحم. وكما يجوز القطع إلى الرفع؛ يكون إلى النصب، على أنها مفعول لفعل محذوف وجوبا مع فاعله، تقديره: أمدح، أو أذم، أو أترحم.
стр. 226
أو بمصدر جيء به بدلًا من اللفظ بفعله (١) نحو: سمع وطاعة، وقوله:
فقالت حنان ما أتى بك ههنا (٢)
التقدير: أمري حنان، وأمري سمع وطاعة.
أو بمخصوص بمعنى نعم أو بئس، مؤخر عنهما؛ نحو: نعم الرجل زيد، وبئس الرجل عمرو، إذا قدرا خبرين (٣).
(١) أي: إن الخبر يكون مصدرا يؤدي معنى الفعل، ويغني عن التلفظ به، ويرفع بعد أن كان منصوبا.
(٢) صدر بيت من الطويل، ينسب لمنذر بن درهم الكلبي، وقد استشهد به سيبويه. وعجزه:
أذو نسب أم أنت بالحي عارف
اللغة والإعراب:
حنان: عطف ورحمة وشفقة. نسب: قرابة. "حنان" خبر لمبتدأ محذوف وجوبا، أي: أمري حنان. "ما" اسم استفهام مبتدأ "أتى بك" الجملة خبر "ها" للتنبيه، و"هنا" ظرف مكان. "أذو نسب" الهمزة للاستفهام، و"ذو" خبر لمبتدأ محذوف، و"نسب" مضاف إليه؛ أي أأنت ذو نسب؟ "أم" عاطفة. "أنت" مبتدأ. "بالحي" متعلق بـ"عارف" الواقع خبرا للمبتدأ.
المعنى: أي شيء حملك هذه المشاق وأتى بك إلى هنا؟ فإني أشفق عليك، وأخاف أن يراك قومي فيؤذوك. ثم أوحت إليه بحجة يحتج بها إذا رآه أحد، فقالت: ألك قرابة هنا؟ أم بينك وبين أحد في الحي معرفة وصحبة؟
الشاهد: رفع "حنان"، وهو مصدر نائب عن فعله، على أنه خبر لمبتدأ محذوف وجوبا، وقد حملت حالة الرفع على حالة النصب.
هذا: ويلاحظ أن وجوب حذف المبتدأ في هذا الموضع، مشروط بقصد قيام المصدر مقام فعله للغرض الذي ذكرناه؛ فإن لم يقصد ذلك؛ نحو: صبر جميل، وعيد سعيد؛ جاز أن يكون المحذوف هو المبتدأ؛ أي: صبري صبر جميل، وأن يكون هو الخبر؛ أي: صبر جميل خير من غيره.
(٣) أي: إذا جعل كل من زيد وعمرو خبرا المبتدأ محذوف؛ أي: الممدوح زيد، والمذموم عمرو. أما إذا أعرب كل منهما مبتدأ والجملة قبله خبر، فلا تكون المسألة من هذا الباب.
стр. 227
فإن كان مقدما؛ نحو: زيد نعم الرجل، فمبتدأ لا غير. ومن ذلك قولهم: من أنت زيد؟ (١) أي: مذكورك زيد، وهذا أولى من تقدير سيبويه: كلامك زيد (٢).
وقولهم: في ذمتي لأفعلن، أي: في ذمتي ميثاق أو عهد (٣).
حذف الخبر جوازا:
وأما حذف الخبر جوازًا فنحو: خرجت فإذا الأسد؛ أي: حاضر، ونحو: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾؛ أي: كذلك. ويقال: من عندك؟ فتقول زيد؛ أي: عندي (٤).
(١) هذا أسلوب مسموع عن العرب، يقال: حين يتحدث شخص حقير بالسوء عن شخص عظيم. وقد ورد بغير مبتدأ، فوجب أن يحافظ عليه كما هو بغير زيادة؛ لأنه بمنزلة المثل، ويقدر له مبتدأ مناسب أي: مذمومك. أو مذكورك، زيد.
(٢) لأن المعاني لا يخبر عنها بالذوات، ولأن زيدا ليس بكلام لعدم تركيبه.
(٣) هذا هو الموضع الرابع الذي يحذف فيه المبتدأ وجوبا؛ وهو أن يكون الخبر صريحا في القسم. وتتحقق الصراحة بكونه معلوما في العرف أنه يمين كما مثل المصنف؛ فإنه مبدوء بما يشعر بالقسم بدليل دخول لام القسم على المضارع، وقد حذف المبتدأ وجوبا؛ لسد جواب القسم مسده ودلالته عليه. وهذه المواضع لم يذكرها ابن مالك في النظم. ويزاد عليها: الاسم المرفوع بعد لا سيما؛ نحو: أحب الشعراء ولا سيما حسان، إذا أعرب "حسان" خبرا لمبتدأ محذوف وجوبا، تقديره هو. وبعد المصدر النائب عن فعل الأمر وبعده ضمير مجرور لمخاطب؛ نحو: "سقيا لك ورعيا" أي: الدعاء لك يا هذا، وأرع يا رب.
(٤) إيضاح ذلك: لأنه لا يجوز حذف الخبر إذا وقع المبتدأ بعد إذا الفجائية وكان الخبر كونا عاما كالمثال الأول، أو كانت جملة المبتدأ معطوفة على جملة اسمية قبلها، والمبتدآن مشتركان في الخبر؛ كالمثال الثاني. أو كانت جملة الخبر جوابا عن استفهام فيه ما يدل على الخبر؛ كالمثال الثالث. وقد أشار الناظم إلى حذف الخبر جوازا هنا، وإلى ما سبق من حذف المبتدأ جوازا بقوله:
وحذف ما يعلم جائز كما … تقول زيد بعد من عندكما
وفي جواب كيف زيد قل دنف … فزيد استغني عنه إذ عرف*
أي: إن الحذف جائز في كل ما يعلم ويدل عليه دليل؛ سواء كان المحذوف المبتدأ وحده، أو الخبر وحده، أو هما معا. ومثل الناظم لحذف الخبر؛ بأن يسأل سائل: من عندكما؟ فيقال: زيد؛ أي: زيد عندنا. ولحذف المبتدأ بقول السائل: كيف زيد؟ فيجاب: دنف؛ أي: مريض؛ والتقدير: زيد دنف. ولم يمثل لحذفهما معا؛ ومثاله: من يؤد الواجب فهو مخلص، ومن يقل الحق. . . . . . . . . . .؛ أي: فهو مخلص.
стр. 228
وأما حذفه وجوبا:
ففي مسائل:
إحداها: أن يكون كونا مطلقا (١)، والمبتدأ بعد "لولا" (٢)؛ نحو: لولا زيد لأكرمتك؛ أي: لولا زيد موجود.
فإن كان كونا مقيدا: وجب ذكره إن فقد دليه؛ كقوله: لولا زيد سالمنا ما سلم.
وفي الحديث: "لولا قومك حديثوا عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم" (٣).
وجاز الوجهان إن وجد الدليل؛
(١) أي: عاما يدل على مجرد الوجود، من غير زيادة ما.
(٢) المراد "لولا" الامتناعية؛ التي هي حرف امتناع لوجود؛ ومثلها "لوما"؛ التي تفيد الامتناع أيضا. أما "لولا" التحضيضية؛ فلا يليها المبتدأ.
(٣) هذا حديث للرسول ﵇ يخاطب به السيدة عائشة ﵂ "لولا" حرف امتناع لوجود. "قومك" مبتدأ، ومضاف إليه. "حديثو عهد" خبر، ومضاف إليه؛ وهو مرفوع بالواو؛ لأنه جمع مذكر سالم. "لبنيت" اللام واقعة في جواب لولا، ولم يحذف الخبر؛ لأنه كون مقيد بالحداثة.
стр. 229
نحو: لولا أنصار زيد حموه (١) ما سلم. ومنه قول أبي العلاء المعري:
فلولا الغمد يمسكه لسالا (٢)
وقال الجمهور: لا يذكر الخبر بعد "لولا" (٣)، وأوجبوا جعل الكون الخاص مبتدأ؛ فيقال: لولا مسالمة زيد إيانا؛ أي: موجودة. ولحنوا المعري (٤)، وقالوا: الحديث مروي بالمعنى (٥).
(١) " حموه" خبر أنصار؛ وهو كون مقيد بالحماية؛ والدليل لفظ أنصار؛ لأن من شأن الناصر أن يحمي من ينصره.
(٢) عجز بيت من الوافر؛ لأبي العلاء أحمد بن عبد الله التنوخي المعري، الشاعر اللغوي، نادرة زمانه حفظا وذكاء، المتوفى سنة ٤٤٩ هـ، يصف سيفا. وصدره:
يذيب الرعب منه كل عضب
اللغة والإعراب:
يذيب: يسيل؛ من الإذابة؛ وهي إسالة الحديد ونحوه. الرعب: الخوف والفزع. عضب: هو السيف القاطع. الغمد: قراب السيف. "الرعب" فاعل يذيب. "كل عضب". مفعوله، ومضاف إليه. "فلولا" حرف امتناع وشرط "العمد" مبتدأ "يمسكه" الجملة خبر. "لسالا" اللام واقعة في جواب لولا، وفاعل سال يعود إلى العضب، والألف للإطلاق، والجملة جواب لولا.
المعنى: أن كل سيف قاطع يذوب في غمده؛ فزعا وخوفا من هذا السيف، ولولا أن الغمد يمسكه ويمنعه من السيلان؛ لسال وجرى على الأرض من شدة الخوف.
الشاهد: ذكر الخبر؛ وهو "يمسكه" بعد لولا؛ لأنه كون خاص؛ مقيد بالإمساك، وقد دل عليه دليل؛ لأن من شأن غمد السيف إمساكه.
(٣) بل يكون محذوفا وجوبا؛ لأنه لا يكون إلا كونا عاما عندهم.
(٤) والمعري لا يحتج بشعره، وقد جاء به المصنف؛ للتمثيل لا للاحتجاج.
(٥) قيل: كان خيرا للجمهور بدلا من تلحين المعري؛ لأن مثله ورد في شعر آخر موثوق بعربيته، والتشكيك في الحديث: أن يجعلوا "يمسكه" في تأويل مصدر؛ بدل اشتمال من الغمد، وأصله: أن يمسكه؛ فلما حذفت "أن" ارتفع الفعل، كما مر في قولهم "تسمع بالمعيدي".
стр. 230
الثانية: أن يكون المبتدأ صريحا في القسم (١)؛ نحو: لعمرك لأفعلن (٢)، وايمن الله (٣) لأفعلن؛ أي: لعمرك قسمي، وايمن الله يميني. فإن قلت: عهد الله لأفعلن؛ جاز إثبات الخبر؛ لعدم الصراحة في القسم (٤).
وزعم ابن عصفور أنه يجوز في نحو: لعمرك لأفعلن، أن يقدر: لقسمي عمرك، فيكون من حذف المبتدأ (٥).
الثالثة: أن يكون المبتدأ معطوفًا عليه اسم بواو؛ هي نص في المعية (٦)؛ نحو: كل رجل وضيعته (٧)، وكل صانع وما صنع.
(١) أي: إنه لا يستعمل إلا فيه غالبًا؛ بحيث يدرك السامع أنه قسم قبل أن يسمع المقسم عليه.
(٢) معناه: أقسم بحياتك؛ من عمر الرجل، عاش طويلا. "لعمرك" اللام للابتداء، "عمرك" مبتدأ ومضاف إليه، والخبر محذوف وجوبا؛ أي: قسمي "لأفعلن" اللام للقسم، وأفعلن مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد؛ والفاعل أنا.
(٣) أي: بركته؛ من اليمن؛ وهو البركة.
(٤) لأن العهد قد يستعمل في غير القسم؛ نحو: عهد الله يجب الوفاء به، ولا يفهم منه القسم؛ إلا بذكر المقسم عليه.
(٥) قول ابن عصفور هذا ضعيف؛ لأن صراحة القسم تحتم أن يكون المحذوف الخبر؛ وهو "قسمي"، وأيضا: وجود لام الابتداء في أول الاسم يدل على أن مدخولها هو المبتدأ لا الخبر.
(٦) المراد بالمعية هناك: مشاركة ما بعد الواو لما قبلها في أمر؛ بحيث يجتمعان فيه ولا يفترقان؛ وعلامة الواو التي تفيد هذين الأمرين معا؛ وهما العطف والمعية وتكون نصا في المعية؛ أي يصح حذفها، ووضع كلمة "مع" مكانها، ولا يتغير المعنى؛ بل يتضح، وهي غير التي ينصب بعدها الاسم على أنه مفعول معه؛ كما تقدم.
(٧) إنما وجب حذف الخبر في هذا ونحوه؛ للعلم به وسد الواو مسده؛ لأنها وما بعدها يدلان على المصاحبة والاقتران؛ فهي قائمة مقام "مع"، ولو جيء بـ"مع" مكانها كان الكلام تاما. ويقال في الإعراب "كل رجل"، مبتدأ ومضاف إليه. "وضيعته" معطوف على كل، والخبر محذوف وجوبًا؛ أي: متلازمان، أو مقترنان. والضيعة: الحرفة؛ سميت بذلك؛ لأن صاحبها يضيع بتركها.
стр. 231
ولو قلت: زيد وعمرو، وأردت الإخبار باقترانهما، جاز حذفه وذكره (١)؛ قال:
وكل امرئ والموت يلتقيان (٢)
وزعم الكوفيون والأخفش أن نحو: كل رجل وضيعته، مستغن عن تقدير الخبر؛ لأن معناه: مع ضيعته.
الرابعة: أن يكون المبتدأ: إما مصدرا عاملًا في اسم مفسر لضمير ذي حال لا يصح كونها خبرا عن المبتدأ المذكور؛ نحو: ضربي زيدًا قائمًا (٣)، أو مضافًا للمصدر المذكور؛
(١) أما جواز الحذف؛ فلأن السامع يفهم من اقتصارك على ذكر المتعاطفين، المصاحبة والاقتران، وأما الذكر، فلعدم التنصيص على المعية.
(٢) عجز بيت من الطويل؛ للفرزدق وصدره:
تمنوا لي الموت الذي يشعب الفتى
اللغة والإعراب:
يشعب: يفرق؛ ويسمى الموت: شعوب؛ لأنه يفرق بين الناس. "كل" مبتدأ. "امرئ" مضاف إليه. "والموت" معطوف على كل. "يلتقيان" مضارع مرفوع بثبوت النون، والأف فاعل، والجملة خبر المبتدأ.
المعنى: تمنى خصومي لي الموت؛ الذي يفرق بين المرء وإخوانه، وما دروا أن هذا أمر لا مفر منه، وأن كل إنسان سيلتقي مع الموت.
الشاهد: ذكر الخبر وهو "يلتقيان" بعد الواو؛ لأنها للعطف وليست نصا في المصاحبة، ألا ترى أنك لو قلت: كل امرئ مع الموت؛ لم يكن صحيحًا.
(٣) "ضربى" مبتدأ، وياء المتكلم مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. "زيدا" مفعوله "قائما" حال من ضمير محذوف، يفسره زيد، والخبر محذوف وجوبا، ولا يصح أن تكون الحال المذكورة خبرا عن "ضربى"؛ لأن الخبر وصف للمبتدأ في المعنى؛ والضرب لا يوصف بالقيام.
стр. 232
نحو: أكثر شربي السويق ملتوتًا (١)، أو إلى مؤول بالمصدر المذكور؛ نحو: أخطب ما يكون الأمير قائمًا (٢). وخبر ذلك مقدر بـ"إذا كان"، أو "إذا كان" (٣)، عند جمهور البصريين.
وبمصدر مضاف إلى صاحب الحال عند الأخفش، واختاره الناظم (٤)؛ فيقدر في ضربى زيدا قائما، ضربه قائمًا (٥).
ولا يجوز ضربي زيدا شديدًا؛ لصلاحية الحال للخبرية، فالرفع واجب. وشذ قولهم: حكمك مسمطًا (٦)، أي: حكمك لك مثبتًا.
(١) إعرابه؛ كالمثال السابق، و"أكثر" اسم تفضيل، مبتدأ مضاف إلى المصدر المذكور. ولا يصح أن يكون "ملتوتا" خبرا عن "أكثر؛ لأن أكثر الشرب لا يوصف بكونه ملتوتًا. ولت السويق: بسه بالماء حتى يختلط، أو تحريكه بالمحدج -وهو خشبة طرفها ذو جوانب- حتى يختلط.
(٢) "أخطب" اسم تفضيل مبتدأ. "ما" مصدرية؛ وهي وما بعدها في تأويل مصدر مضاف إليه؛ أي: أخطب كون الأمير.
(٣) يقدر الأول: إذا أريد الزمن الماضي، والثاني: عند إرادة المستقبل. والخبر هو الظرف متعلقا بمحذوف؛ أي: حاصل إذ كان، أو إذا كان؛ و"كان" هنا تامة، وفاعلها عائد على مفعول المصدر، و"قائمًا" و"ملتوتًا" حالان من الضمير المستتر في كان.
(٤) وذلك لقلة الحذف مع صحة المعنى.
(٥) وعلى هذا يكون المصدر الثاني هو الخبر، وفاعله محذوف، والهاء المضاف إليها مفعوله؛ وهي صاحبة الحال. وفي هذا حذف المصدر، وإبقاء معموله، وهو غير جائز عند سيبويه والبصريين.
(٦) هذا مثل عربي؛ قيل لرجل حكموه عليهم، وأجازوا حكمه. "حكمك" مبتدأ ومضاف إليه، والخبر محذوف وجوبا، أي: لك. "مسمطا" أي: نافذا لا يرد؛ حال من ضمير المصدر المستتر في الخبر. ووجه الشذوذ: نصب الحال مع صلاحيته لأن يكون خبرا، والقياس الرفع. وفي مواضع حذف الخبر -وجوبًا- يقول الناظم: =
стр. 233
فصل: والأصح جواز تعدد الخبر (١)؛ نحو: زيد شاعر كاتب، والمانع يدعي تقدير "هو" للثاني، أو أنه جامع للصفتين، لا الإخبار بكل منهما.
=
وبعد لولا غالبا حذف الخبر … حتم وفي نص يمين ذا استقر
وبعد واو عينت مفهوم "مع" … كمثل "كل صانع وما صنع"
وقبل حال لا يكون خبرا … عن الذي خبره قد أضمرا
كضربي العبد مسيئًا، وأتم … تبيني الحق منوطا بالحكم*
أي: إنه يجب حذف الخبر وجوبا -في أغلب الآراء- بعد لولا، وبعد مبتدأ يكون نصا في اليمين على ما ذكرنا، وبعد واو بمعنى "مع" للعطف والمصاحبة، وقبل حال لا تصلح أن تكون خبر للمبتدأ، الذي قد أضمر -أي: حذف وقدر- خبره. ثم مثل بمثالين لهذه الحال: أحدهما فيه المبتدأ مصدرا، والآخر أفعل تفضيل مضاف للمصدر.
(١) ذلك لأن الخبر حكم على المبتدأ، وقد يحكم على الشيء الواحد بأكثر من حكم. وحكم التعدد باختصار هو: =
стр. 234
وليس من تعدد الخبر ما ذكره ابن الناظم من قوله:
يداك يد خيرها يرتجى … وأخرى لأعدائها غائظه (١)
لأن "يداك" في قوة مبتدأين لكل منهما خبر. ومن نحو قولهم: الرمان حلو حامض؛
= أ إذا كان المبتدأ واحدا وتعدد الخبر لفظا ومعنى؛ بأن كان كل واحد مخالفا للآخر في لفظه ومعناه. ويصح الاقتصار عليه في الخبرية، جاز عطف الثاني وما بعده على الأول؛ بواو العطف أو بغيرها، تقول: المعري شاعر وحكيم ولغوي، ويسمى كل معطوفًا وإن كان في المعنى خبرا، ويجوز حذف الواو، ويسمى كل خبرا. وإذا تعدد الخبر في اللفظ فقط؛ بأن كانت الألفاظ المتعددة مشتركة في تأدية معنى واحد، هو المقصود والمراد، ولا يصح الإخبار بالبعض عن المبتدأ؛ نحو: هذا الرجل طويل قصير؛ تريد أنه "متوسط"؛ ومثل قولهم الرمان حلو حامض؛ أي: مر، فلا يجوز العطف في هذه الحالة؛ لأن الخبرين في معنى خبر واحد من جهة المعنى؛ والعطف يقتضي المغايرة في الغالب؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه، ويعرب كل منهما خبرا. ولا يصح أن يفصل بينهما بأجنبي، ولا أن يتأخر.
المبتدأ، أو يتوسط.
ب وإذا كان المبتدأ متعددا حقيقة؛ بأن كان مثنى أو مجموعا، وتعدد الخبر لفظا ومعنى؛ نحو: المحمدان مهند وطبيب، والمشتركون في الاتحاد تلميذ وعامل، وتاجر؛ وجب عطف الخبر الثاني وما بعده على الأول بواو العطف لا غير، ويسمى كل معطوفا وإن كان خبرا في المعنى. ومن هذا النوع ما إذا كان المبتدأ متعددا حكما؛ نحو: جسم الإنسان رأس وجذع وأطراف والبيت، غرفة للنوم وغرفة للأكل وصالة، وحديقة .... إلخ. وكلام المصنف يقصر تعدد الخبر على النوع الأول.
هذا: وكما يكون التعدد في الخبر المفرد، يكون في الجملة؛ تقول: محمد شاعر، يتصدق كثيرا، والطائر يغرد، يتنقل بين الأشجار. وزعم بعض العلماء أن الخبر لا يتعدد إلا إذا كان من جنس واحد؛ إفرادا أو جملة.
(١) بيت من المتقارب؛ أنشده الخليل، ونسبه بعضهم لطرفة بن العبد، وليس في ديوانه.
اللغة والإعراب:
"يداك" مثنى يد، مبتدأ مضاف إلى كاف المخاطب. "يد" خبر. "خيرها يرتجى" الجملة صفة ليد. "وأخرى" معطوفة على يد. "لأعدائها" متعلق بغائظة؛ الواقعة صفة لأخرى.
المعنى: يمدح رجلا بالكرم والجود؛ ذاكرا أن إحدى يديه يرتجى منها الخبر والبر، ويصفه بالشجاعة؛ فيذكر أن يده الأخرى غيظ للأعداء؛ لأنها قوية عليهم.
стр. 235
لأنهما بمعنى خبر واحد، أي: مز؛ ولهذا يمتنع العطف على الأصح (١)، وأن يتوسط المبتدأ بينهما. ومن نحو: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾؛ لأن الثاني تابع له (٢).
(١) لأن العطف كما قدمنا يستلزم المغايرة غالبا؛ والمزازة في الرمان: حالة متوسطة بين الحلاوة والحموضة؛ فهو من تعدد الخبر لفظا لا معنى.
(٢) بينا أن كونه تابعا لا ينافي أنه خبر في المعنى؛ لأن المعطوف على الخبر خبر. وفي تعدد الخبر يقول ابن مالك:
وأخبروا باثنين أو بأكثرا … عن واحد كهم سراة شعرا*
أي: إن العرب أخبروا بخبرين أو أكثر عن مبتدأ واحد؛ كما في المثال الذي ذكره؛ فإن "هم" مبتدأ، و"سراة" خبر أول، "شعرا" خبر ثان؛ وأصله شعراء؛ وقصر للضرورة، وسراة: جمع سري؛ وهو الشريف.
تنبيه: أجاز بعض النحاة تعدد المبتدأ؛ قياسا على تعدد الخبر؛ فيقال: محمد علي زينب غاضبة عليه بسببه؛ "بتعدد المبتدآت بدون ضمائر وجعل الروابط بعد خبر الأول"؛ فترتب الضمائر ترتيبا عكسيا، ويكون الضمير في "عليه" راجع للثاني؛ وهو "علي"، وفي "بسببه" راجع للأول وهو "محمد".
ويقال: محمد عمه خاله خادمه مسافر؛ "بتعدد المبتدآت، وخلو الأول من الضمير، وإضافة ما بعده كل إلى ضمير ما قبله"، والمعنى: خادم خال عم محمد مسافر. وفي هذا تعسف واضح، ومن الخير والصواب عدم استعمال مثل هذه التراكيب.
стр. 236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسئلة والتمرينات:
١ عرف كلا من المبتدأ والخبر، وبين متى يستغني المبتدأ عن الخبر؟ وضح ما تقول بأمثلة من عندك.
٢ ما أنواع الخبر؟ وما الذي يشترط في الجملة الواقعة خبرا؟ مثل.
٣ متى يتعين أن يكون الوصف مبتدأ، ومتى تتعين خبريته، ومتى يحتملهما؟
٤ اشرح قول ابن مالك:
ولا يجوز الابتدا بالنكره … ما لم تفد كعند زيد نمره
واذكر أهم المسوغات لذلك، ومثل بأمثلة من إنشائك.
٥ فيما يأتي شواهد في باب المبتدأ الخبر. بين موضع الشاهد، واشرحه.
قال -تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾، ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾، ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾، ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
وقال ﵇: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد".
وفي الأمثال: "مقتل الرجل بين فكيه". "اليوم خمر وغدا أمر".
سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا … محياك أخفى ضوؤه كل شارق
قبيلة ألأم الأحياء أكرمها … وأغدر الناس بالجيران وافيها
كلام النبيين الهداة كلامنا … وأفعال أهل الجاهلية نفعل
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي … بأخرى الأعادي فهو يقظان نائم
لعمرك ما أدري وإني لأوجل … على أينا تعد المنية أول
=
стр. 237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ٦ اشرح قول ابن مالك الآتي، ووضح ما تقول بالأمثلة.
ولا يكون اسم زمان خبرا … عن جثة وإن بعد فأخبرا
٧ أعرب البيت الآتي، وبين ما فيه من شاهد:
خالي لأنت ومن جرير خاله … ينل العلاء ويكرم الأخوالا
٨ بين ما في قول أمير الشعراء أحمد شوقي الآتي من شاهد في باب المبتدأ والخبر، وأعرب ما تحته خط.
ظفر في فم الأماني حلو … ليت منه لنا قلامة ظفر
موقف يعجب العلا كنت فيه … بنت مصر وكنت ملكة مصر
٩ بين في العبارة الآتية: المبتدأ والخبر، وما حذف منهما، وحكم الحذف:
لعمري لا يهنأ العالم بالسلام ما دامت الدول الكبرى تتسابق في التسلح؛ فكل دولة وإنتاجها من المدمرات، وكل جيش وجهده في ذلك، وأكثر ما تهاب الدولة متفوقة في هذه الناحية، والغرب يعرف ذلك والشرق، ولولا الوعي الإنساني، ولطف الله بالبشرية؛ لاندلعت نيران الحروب، وقد نمسي ونصبح فإذا الأمور قد تحرجت، ويقال: ماذا جرى؟ فيقال: الحرب الحرب، الدمار الدمار.
١٠ بين مواضع إعراب ما تحته خط مما يأتي، ونوعه،
قال -تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾. وقال رجل لسيدنا عمر: من السيد؟ فقال: الحواد حين يسأل، الحليم حين يستجهل. والكريم المجالسة لمن جالسه، الحسن الخلق لمن جاوره.
وقال الشريف الرضي:
ولولا نفوس في الأقل عزيزة … لغطى جميع العالمين خمول
وقال آخر:
وما حسن أن يعذر المرء نفسه … وليس له من سائر الناس عاذر
خرست لعمر الله ألسننا … لما تكلم فوقنا القدر
стр. 238
هذا باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر (١):
فترفع المبتدأ تشبيهًا بالفاعل، ويسمى اسمها، وتنصب خبره تشبيهًا بالمفعول، ويسمى خبرها (٢).
وهي ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يعمل هذا العمل مطلقًا (٣)، وهو ثمانية: "كان"، وهي أم الباب (٤)، وأمسى، وأصبح، وأضحى، وظل، وبات، وصار، وليس" (٥)؛ نحو: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾.
هذا باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر:
(١) لا تدخل هذه النواسخ على المبتدأ الذي له الصدارة؛ كأسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، وكم الخبرية، والمبتدأ المقرون بلام الابتداء، ما عدا ضمير الشأن؛ فإنه يجوز دخولها عليه وإن كان مما يلزم الصدارة؛ كقول الشاعر:
إذا مت كان الناس صنفان شامت … وآخر مثن بالذي كنت أصنع
وكذلك لا تدخل على المبتدأ؛ في الأساليب التي التزمت صيغة واحدة، لا يجوز تغييرها حتى صارت كالأمثال؛ نحو: لله در محمد، طوبى للمؤمنين، ويل للمكذبين، أقل رجل يقول ذلك، وما التعجبية، ولا على ما يلزم الصدارة بسبب غيره؛ كالاسم الواقع بعد لولا، وإذا الفجائية؛ فإنهما لا يدخلان إلا على المبتدأ؛ كما تقدم.
(٢) يشترط في عملها هذا: أن يتأخر اسمها عنها، وألا يكون طلبا، ولا إنشاء؛ فلا يصح: كان الفقير عاونه، ولا: كان محمد يحفظه الله، ولا جملة فعلية ماضوية، ما عدا "كان" فإنها تمتاز بصحة الإخبار عنها بالجملة الماضوية.
(٣) أي: سواء أكانت مثبتة أم منفية؛ صلة لما الظرفية أو لا؛ كما سيأتي.
(٤) إنما اعتبرت كذلك، لاختصاصها بأمور لا تكون لنظائرها؛ كما سيأتي قريبا.
(٥) معنى "أمسى" اتصاف اسمها بمعنى خبرها وقت المساء؛ وأصبح كذلك وقت الصباح؛ وأضحى وقت الضحاء؛ وظل طول النهار. وكل منها يستعمل كثيرا بمعنى صار، ويعمل عملها بشروطها؛ تقول: أمسى اقتحام الفضاء معلوما، وأصبح النفط دعامة الصناعة، وأضحى الجهاد مطلوبا، وظل الجو مسودا من الغبار. ومعنى بات: =
стр. 239
الثاني: ما يعمله بشرط أن يتقدمه نفي (١)، أو نهي، أو دعاء (٢)؛ وهو أربعة: "زال" ماضي يزال، "وبرح، وفتئ، وانفك" (٣).
= اتصاف اسمها بخبرها طول الليل، وليس تفيد نفي اتصاف اسمها بمعنى خبرها في زمن التكلم، وقد تكون لنفي الماضي أو المستقبل بقرينة. أما صار: فتفيد تحول اسمها من حالة إلى أخرى ينطبق عليها معنى الخبر؛ نحو: صار الماء بخارا. ومثلها في العمل ما كان بمعناها. وأشهرها عشرة أفعال تستعمل مثلها قياسيا؛ وهي: آض، رجع، عاد، استحال، قعد، حار، ارتد، تحول، غدا، راح، ويشترط في صار وأمثالها: ألا يكون خبرها جملة فعلية فعلها ماض؛ لأن معنى خبرها ممتد إلى وقت التكلم.
(١) سواء كان بالحرف كما مثل المصنف، أو بفعل يدل على النفي؛ كـ"ليس"، أو باسم؛ كقول الشاعر:
غير منفك أسير هوى … كل وانٍ ليس يعتبر
(٢) يكون الدعاء بـ"لا" في الماضي، وبـ"لن" في المستقبل.
(٣) إنما اشترط في هذه الأربعة ذلك؛ لأن معناها النفي واستمرار ملازمة الخبر للمخبر عنه على حسب ما يقتضيه المقام؛ فإذا دخل عليها النفي انقلبت إثباتا، والنهي والدعاء يتضمنان في المعنى نفيا. ويشترط ألا يكون خبرها جملة فعلية ماضوية فلا يقال: ما زال المسافر غاب … إلخ. وألا يقع بعد إلا، فلا يصح: ما فتئ الطيار إلا بعيدا. وإلى القسمين المتقدمين أشار الناظم بقوله:
ترفع "كان" المبتدا اسما والخبر … تنصبه ككان سيدا عمر
ككان ظل بات أضحى أصبحا … أمسى وصار ليس زال برحا
فتئ وانفك وهذي الأربعه … لشبه نفي أو لنفي متبعه*
أي: أن "كان" ترفع المبتدأ على أنه اسمها، وتنصب الخبر على أنه خبرها؛ مثل: كان عمر سيدا، ومثلها: ظل … إلخ، والأربعة الأخيرة في الترتيب تتبع نفيا أو شبهه؛ وهو النهي والدعاء؛ أي: تليه وتجيء بعده.
стр. 240
مثالها بعد النفي: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾، ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ (١)، ومنه: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأ﴾، وقوله:
فقلت يمين الله أبرح قاعدا (٢) … إذ الأصل: لا تفتأ ولا أبرح
ومثالها بعد النهي قوله: … صاح شمر ولا تزل ذاكر الموت (٣)(١) " لن" حرف نفي ونصب. "نبرح" مضارع منصوب بلن واسمها مستتر تقديره نحن. "عليه" جار ومجرور متعلق بعاكفين الواقع خبرا لنبرح.
(٢) صدر بيت من الطويل لامرئ القيس الكندي. وعجزه:
ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
اللغة والإعراب:
الأوصال: المفاصل؛ جمع وصل، وهو العضو يفصل من الآخر. "يمين الله" مبتدأ ومضاف إليه، وخبره محذوف؛ أي: قسمي، ويجوز العكس. "أبرح" مضارع واسمها أنا. "قاعدا" خبرها. "ولو" شرطية غير جازمة. "قطعوا" فعل الشرط وفاعل، والجواب محذوف لدلالة ما قبله عليه.
المعنى: أقسم بالله لأبقين معك هنا، ولا أفارق رحابك خوفا من أحد، ولو قطعوا رأسي ومزقوني إربا إربا.
الشاهد: عمل "أبرح" عمل كان، وقد تقدمه النفي تقديرا؛ لأن معناه: لا أبرح.
(٣) صدر بيت من الخفيف، لم ينسب لقائل. وعجزه: =
стр. 241
ومثالها بعد الدعاء قوله:
ولا زال منهلًا بجرعائك القطر (١)
وقيدت "زال" بماضي يزال احترازًا من زال ماضي يزيل؛ فإنه فعل تام متعد
=
فنسيانه ضلال مبين
اللغة والإعراب: شمر: استعد واجتهد. "صاح" منادى مرخ صاحبي، منصوب يفتحه مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، أو مرخم صاحب على غير قياس كما سيأتي. "لا" ناهية. "تزل" مضارع مجزوم بلا واسمها أنت. "ذاكر الموت" خبرها ومضاف إليه. "فنسيانه" الفاء للتعليل، و"نسيانه" مبتدأ ومضاف إليه. "ضلال" خبر. "مبين" صفة لضلال.
المعنى: اجتهد يا صاحبي واعمل بكل ما أوتيت من قوة، وتذكر أن الموت لا بد منه، فاستعد لما بعده، وكن دائم التذكر له؛ فإن نسيانه يوقعك في الإثم والضلال.
الشاهد: تقدم النهي؛ وهو "لا"، على مضارع زال.
(١) عجز بيت من الطويل، لذي الرمة، غيلان بن عقبة، من قصيدته في محبوبته "مي". وصدره:
ألا يا اسلمي يا دار مي على البِلَى
اللغة والإعراب:
اسلمي: دعاء بالسلامة من الآفات والعيوب. البلي: الفناء؛ من بلي الثوب إذا خلق ورث. منهلا: منسكبا منصبا. بجرعائك: الجرعاء: تأنيث الأجرع؛ وهي أرض رملية مستوية لا تنبت شيئا. القطر: المطر. "ألا" أداة استفتاح. "يا" للنداء والمنادى محذوف؛ أي: ياء هذه، أو حرف تنبيه مؤكد لألا؛ لما فيها من معنى التنبيه. "اسلمي" فعل أمر مبني على حذف النون والياء فاعل. "مي" مضاف إليه لدار، مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. "على البلى" متعلق باسلمي. "لا" دعائية. "منهلا" خبر زال مقدم. "القطر" اسمها مؤخر.
المعنى: حفظك الله وسلمك يا دار مي -على ما فيك من قدم- من الفناء والزوال، ولا زال المطر ينزل بساحتك، حتى يبقى رحابك عامرا، يذكرنا بالأحبة.
الشاهد: تقدم "لا" الدعائية على "زال".
стр. 242
إلى مفعول، ومعناه ماز (١)، تقول: زل ضأنك عن معزك، ومصدره الزيل، ومن ماضي يزول؛ فإنه فعل تام قاصر، ومعناه الانتقال (٢)؛ ومنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا (٣) وَلَئِنْ زَالَتَا﴾، ومصدره الزوال.
الثالث: ما يعمل بشرط تقدم "ما" المصدرية الظرفية (٤)
وهو "دام"؛ نحو: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾؛ أي: مدة دوامي حيا. وسميت "ما" هذه مصدرية؛ لأنها تقدر
(١) أي: ميز وفصل.
(٢) وقد يكون معناه الفناء والانتهاء، تقول: زال حكم الطغاة؛ أي: انتهى.
(٣) أي: تنقلا. و"تزولا" مضارع منصوب بأن، وعلامة نصبه حذف النون والألف فاعل، وأن وما بعدها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، وإنما كانت "زال" بمعنى استمر ناقصة وغيرها تاما؛ لأنه قصد في الأولى انتقال النسبة التي هي مضمون الجملة، فلا بد بعدها من ذكر الجملة. والثانية قصد بها الانتقال من المفرد.
(٤) هي التي تؤول مع ما بعدها بمصدر يكون معمولا للمضارع قبلها، مع نيابتها عن ظرف زمان بمعنى "مدة"؛ فلو كانت "ما" مصدرية غير ظرفية، كانت "دام" تامة، بمعنى بقي واستمر، وإن جاء بعد المرفوع منصوب، أعرب حالا؛ نحو: يسرني ما دمت مواظبا على الحضور؛ أي: مواظبتك، وكذلك إذا لم تذكر معها "ما"؛ ويشترط ألا يكون خبرها جملة ماضوية، وألا يتقدم الخبر عليها ولا على "ما"؛ لأن ما المصدرية الظرفية لا يسبقها شيء من صلتها التي تسبك معها بمصدر. وفي "دام" يقول الناظم:
ومثل كان دام مسبوقا بـ"ما" … كأعط ما دمت مصيبا درهما*
أي: إن "دام" مثل "كان" في العمل، بشرط أن تسبقها "ما" المصدرية الظرفية كما يقيده المثال؛ أي: أعط مدة دوامك مصيبا الدرهم، ومصيبا المحتاج.
стр. 243
بالمصدر، وهو الدوام، وسميت ظرفية؛ لنيابتها عن الظرف وهو المدة.
أقسامها من حيث التصرف وعدمه:
وهذه الأفعال في التصرف ثلاثة أقسام:
ما لا يتصرف بحال؛ وهو: "ليس" باتفاق و"دام" عند الفراء وكثير من المتأخرين (١).
وما يتصرف تصرفًا ناقصًا؛ وهو "زال" وأخواتها؛ فإنها لا يستعمل منها أمر ولا مصدر (٢)، و"دام" عند الأقدمين؛ فإنهم أثبتوا لها مضارعًا.
وما يتصرف تصرفًا تاما، وهو الباقي (٣).
وللتصاريف في هذين القسمين ما للماضي من العمل (٤).
(١) أما دم ويدوم ودائم ودوام، فمن تصرفات دام التامة. ويرى بعض النحاة أنه قد يجيء المضارع من دام الناسخة ناسخًا مثل الماضي، ولكنه قليل الاستعمال. ورجح الصبان: أن لـ"دام" الناسخة مصدرا، بدليل تقديرهم في "ما دمت حيا"، مدة دوامي حيا.
(٢) ذلك لأن من شرط عملها النفي، وهو لا يدخل على الأمر، كما أنها لا تدل على الحدث على الراجح، ويأتي منها الماضي والمضارع واسم الفاعل.
(٣) المراد التمام النسبي؛ لأنه ورد منها الماضي والمضارع والأمر والمصدر، على قلة، واسم الفاعل دون اسم المفعول، وباقي المشتقات؛ فإنها لم ترد والباقي هو: كان أصبح، أضحى، أمسى، بات، ظل، صار.
(٤) وفي هذا يقول ابن مالك:
وغير ماض مثله قد عملا … إن كان غير الماض منه استعملا *
أي: إن الفعل غير الماضي -إن وجد واستعمل- فإنه يعمل مثل الماضي.
стр. 244
فالمضارع نحو: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (١).
والأمر نحو: ﴿كُونُوا حِجَارَةً﴾.
والمصدر كقوله:
وكونك إياه عليك يسير (٢)
واسم الفاعل كقوله:
وما كل من يبدي البشاشة كائنا … أخاك. . . . . . . . . . . (٣)(١) " أك" مضارع مجزوم بلم على النون المحذوفة للتخفيف واسمها "أنا". "بغيا" خبرها؛ وأصله: أكون، حذفت الضمة للجازم والواو لالتقاء الساكنين والنون للتخفيف.
(٢) عجز بيت من الطويل، لم يعرف قائله. وصدره:
ببذل وحلم ساد في قومه الفتى
اللغة والإعراب:
يبذل: البذل: العطاء مع الجود والسماحة. ساد: اتصف بالسيادة، وهي الرفعة وعظم الشأن. "ببذل" متعلق بساد. "الفتى" فاعل ساد. "وكونك الواو عاطفة، و"كون" مبتدأ، وهو مصدر كان الناقصة مضاف إلى اسمه وهو الكاف؛ فهي في محل جر بالإضافة، وفي محل رفع اسم كان "إياه" خبر الكون من جهة النقصان. "عليك" متعلق بيسير، الواقع خبرا لكون من جهة ابتدائيته.
المعنى: إن الإنسان يسود في قومه ويرتفع ذكره بينهم؛ بالجود بالمال، والحلم في الخلق، وسعيك في الاتصاف بهاتين الخلتين أمر هين عليك؛ إذا أردت أن تكون مثل هذا الإنسان في المنزلة وعلو الشأن.
الشاهد: إجراء مصدر "كان" الناقصة مثلها في رفع الاسم ونصب الخبر.
(٣) جزء من بيت من الطويل، لم ينسب لقائل. وتمامه:
إذا لم تلفه لك منجدا
اللغة والإعراب:
يبدي: يظهر. البشاشة: طلاقة الوجه. تلفه: تجده. منجدا: مغيثا ومساعدا. "ما" نافية حجازية بمعنى ليس. "كل" اسمها. "من" اسم موصول مضاف إليه. "يبدي البشاشة" الجملة صلة من. "كائنا" خبر ما واسمه مستتر يعود على من. "أخاك" خبره. "إذا" ظرف فيه معنى الشرط. "تلفه" مضارع مجزوم بلم بحذف الياء والهاء مفعول أول. "منجدا" مفعول ثان. =
стр. 245
وقوله:
قضى الله يا أسماء أن لست زائلا … أحبك. . . . . . . . . . . (١)
في حكم توسط أخبارهن:
وتوسط أخبارهن جائز (٢)،
= المعنى: ليس كل من يظهر لك البشر وطلاقة الوجه أخا مخلصا لك؛ ما لم تجده معينا في الشدائد، مساعدا في الملمات.
الشاهد: في "كائنا"؛ فإنه اسم فاعل من مصدر كان الناقصة، وقد عمل عملها. هذا: ومن الأساليب الشائعة قولهم: "سأفعله كائنا ما كان، أو كائنا من كان"، وفي أعاريب كثيرة، أيسرها: أن "كائنا" حال منصوب من الهاء وهو اسم فاعل من كان الناقصة، واسمه ضمير مستتر تقديره "هو" يعود على الشيء السابق، و"أما" أو "من"، نكرة موصوفة في محل نصب خبر كائنا، و"كان" فعل ماض تام وفاعله يعود على "ما" أو "من"، والجملة في محل نصب صفة لهما، والتقدير: سأفعل ذلك كائنا أي شيء وجد، أو أي إنسان وجد.
(١) جزء من بيت من الطويل، مطلع قصيدة للحسين بن مطير الأسدي، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. وتمامه:
حتى يغمض العين مغمض
اللغة والإعراب:
قضى الله: حكم وقدر. أسماء: اسم محبوبته. يغمض العين: يطبق جفونها، وهو كناية عن الموت. "أن" مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن. "لست زائلا" الجملة من ليس واسمها وخبرها خبر أن، و"زائلا" اسم فاعل يعمل عمل الفعل واسمها الضمير المستتر فيها تقديره أنا. "أحبك" الجملة خبرها. "حتى" حرف غاية وجر.
المعنى: قدر الله علي يا أسماء أن أتعلق بك وأحبك -على الرغم من صدودك وهجرك لي- حتى أفارق هذه الحياة.
الشاهد: إعمال اسم الفاعل من زال عملها؛ فرفع الاسم وهو الضمير المستتر فيه، ونصب الخبر وهو جملة "أحبك".
(٢) أي: بينهن وبين أسمائهن، وذلك إن لم يجب تقديمهن على الاسم، أو تأخيرهن عنه كما سيأتي. والأحسن في الخبر الجملة تأخيره عن الناسخ واسمه، أما الخبر المفرد وشبه الجملة، فله حالات سنذكرها بعد.
стр. 246
خلافا لابن درستويه (١) في ليس، ولابن معط (٢) في دام.
قال الله -تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
وقرأ "حمزة، وحفص" (٤):
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ بنصب البر (٥).
وقال الشاعر:
(١) هو أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي، المشهور بعلمه وتصانيفه. صحب المبرد وقرأ عليه الكتاب وبرع فيه، ولقي ابن قتيبة، وأخذ عن الدارقطني وغيره، وكان شديد الانتصار لآراء البصريين في النحو واللغة، وله تصانيف غاية في الجودة والإتقان؛ منها: شرح الفصيح، والإرشاد في النحو، والمقصور والممدود، وأخبار النحاة. وقد سكن بغداد إلى أن توفي سنة ٣٤٧ هـ وقد قارب التسعين من العمر.
(٢) هو أبو الحسن زين الدين يحيى بن معط المغربي الحنفي. كان إماما مبرزا في العربية، شاعرا محسنا. قرأ على الجزولي، وأقرأ النحو بدمشق مدة ثم بمصر، وتصدر للتدريس بالجامع العتيق، وأخذ عنه كثير من الناس، وكان يحفظ كثيرا، وله تصانيف كثيرة وهامة؛ منها: الألفية في النحو، وشرح الجمل في النحو أيضا، وشرح أبيات سيبويه نظم. كما نظم كتاب الجمهرة لابن دريد في اللغة. وتوفي ﵀ سنة ٦٢٨ هـ.
(٣) "حقا" خبر كان مقدم. "نصر المؤمنين" اسمها مؤخر ومضاف إليه.
(٤) حمزة: هو أبو عمارة حمزة بن حبيب الكوفي الزيات، أحد أصحاب القراءات السبع، كان إمام القراء بالكوفة بعد عاصم، وكان ثقة عارفا بالعربية، حافظا للحديث، ورعا زاهدا. ولقب بالزيات؛ لأنه كان يجلب الزيت من العراق إلى حلوان، والجبن والجوز منها إلى الكوفة. وتوفي ﵀ سنة ١٥٦ هـ، أما حفص فهو: أبو عمرو حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي، من أصحاب عاصم، إمام الكوفيين وأعلمهم بقراءته، وكان ربيبه وابن زوجته من غيره. كان ثقة في القراءة، معروفا بضبط الحروف، وقد أقرأ الناس مدة حتى توفي سنة ١٨٠ هـ.
(٥) فيكون "البر" خبر ليس مقدما، والمصدر المنسبك من أن والفعل في "أن تولوا" اسمها مؤخر.
стр. 247
لا طيب للعيش ما دمت منغصة … لذاته. . . . . . . . . . . (١)
إلا أن يمنع مانع (٢)؛ نحو: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً﴾ (٣).
حكم تقديم أخبارهن:
جائز (٤)؛ بدليل: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا
(١) بعض بيت من البسيط، لم ينسب لقائل. وتمامه:
بادكار الموت والهرم
اللغة والإعراب:
منغصة: اسم مفعول؛ من التنغيص؛ وهو التكدير. بادكار: بتذكر وأصله: اذتكار، قلبت تاء الافتعال دالا، ثم قلبت الذال دالا وأدغمتا. الهرم: الكبر والضعف. "لا" نافية للجنس. "طيب" اسمها مبني على الفتح. "للعيش" متعلق بمحذوف خبرها. "ما" مصدرية ظرفية. "منغصة" خبر دام مقدم. "لذاته" اسمها مؤخر ومضاف إليه. "بادكار" متعلق منغصة.
المعنى: لا لذة ولا راحة في هذه الحياة ما دامت لذاتها ونعيمها ومسراتها. تتكدر بتذكر الإنسان للموت، وبالضعف بالكبر.
الشاهد: تقدم خبر دام على اسمها. وفيه على هذا الرأي: الفصل بين العامل؛ وهو "منغصة"، ومتعلقه، وهو "بادكار"، بأجنبي عنهما وهو "لذاته". وقيل: إن "لذاته" نائب فاعل لمنغصة، واسم "دام" مستتر فيها، ومنغصة خبرها.
(٢) أي: من جواز التوسط. وهذا يصدق بوجوب التوسط، وذلك إذا كان الاسم مضافا لضمير يعود على شيء متصل بالخبر؛ مثل: يسرني أن يكون للعمل أهله، أو كان الخبر محصورا في الاسم بإلا المسبوقة بالنفي؛ نحو: ليس ناجحا إلا المجد. كما يصدق بمنع التوسط ووجوب التأخير؛ وذلك إذا ترتب على التوسط لبس لا يمكن معه تمييز الاسم من الخبر لخفاء إعرابهما؛ نحو: أصبح شريكي أخي، بات صاحبي عدوي. أو حصر الاسم في الخبر؛ بأن يكون مقرونا بإلا المسبوقة بالنفي، أو بإنما؛ نحو: ما كان علي إلا صادقا، إنما كان محمد مخلصًا.
(٣) أي: صفيرا، وفعله مكا؛ من باب عدا. والمانع هنا من توسط الخبر القصر بإلا.
(٤) أي: عليهن، وذلك إذا لم يكن هنالك ما يوجب التقديم؛ كما إذا كان الخبر اسما واجب الصدارة؛ كأسماء الاستفهام، وكم الخبرية؛ نحو: أين كان الحارس؟ وكم كان مالك الموروث؟
стр. 248
يَعْبُدُونَ﴾، ﴿وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ (١)، إلا خبر دام اتفاقًا (٢)، و"ليس" عند جمهور البصريين (٣)، قاسوها على عسى (٤)، واحتج المجيز بنحو قوله -تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ (٥)، وأجيب بأن المعمول ظرف فيتسع فيه.
وإذا نفي الفعل بـ"ما"، جاز توسط الخبر بين النافي والمنفي مطلقًا (٦)؛ نحو: ما قائما كان زيد. ويمتنع التقديم على "ما" البصريين والفراء (٧).
(١) " إياكم" و"أنفسهم" معمولان لخبر كان وقد تقدما عليها، وتقدم المعمول يؤذن بجواز تقدم العامل عند كثير من النحاة.
(٢) فلا يجوز تقديمه عليها وعلى "ما"؛ لأن معمول صلة الحرف المصدري لا يتقدم عليه. ويجوز أن يتقدم الخبر على "دام" وحدها. فيتوسط بينها وبين "ما"؛ تقول: سأبقى في البيت ما مستمرة دامت الغارة.
(٣) حجتهم عدم الورود عن العرب، أو ضعفها بعدم التصرف. وقد اختار هذا ابن مالك.
(٤) فإن خبرها لا يتقدم عليها اتفاقًا، وهي مثلها في الجمود.
(٥) فإن "يوم" ظرف معمول لمصروفا الواقع خبرا لليس، وقد تقدم على ليس واسمها ضمير يعود على العذاب، ومصروفًا خبرها، وقد تقدم المعمول وهو يشعر غالبا بجواز تقدم العامل وهو الخبر. وقد أجاب المصنف على هذا. ويمكن أن يجاب بأن "يوم" معمول لمحذوف تقديره: يعرفون يوم يأتيهم، وجملة "ليس مصروفا" حال مؤكدة، أو أن "يوم" في محل رفع مبتدأ. وبني لإضافته إلى جملة، وجملة "ليس مصروفًا" خبر.
(٦) أي: سواء كان النفي شرطا؛ كزال وأخواتها، أم لا.
(٧) أي: لأنها عندهم مما يستحق التصدير، ومثل "ما": همزة الاستفهام، و"إن" النافية عند الرضي وغيره. وإلى بعض ما سبق يشير ابن مالك بقوله:
وفي جميعها توسط الخبر … أجز وكل سبقه "دام" حظر
=
стр. 249
وأجازه بقية الكوفيين. وخص ابن كيسان المنع بغير "زال" وأخواتها؛ لأن نفيها إيجاب (١)، وعمم الفراء المنع في حروف النفي، ويرده قوله:
على السن خيرا لا يزال يزيد (٢)
=
كذاك سبق خبر "ما" النافيه … فجئ بها متلوة لا تاليه*
أي: إن جميع النواسخ السابقة، يجوز فيها توسط الخبر بين العامل واسمه. وكل النحاة حظر -أي: منع- سبق خبر دام عليها. وقد بينا أن الممنوع تقديمه على ما دام، لا على دام وحدها. كذلك منع كل النحاة سبق الخير على "ما" النافية، ويجب أن تكون متلوة -أي: سابقة- يتلوها غيرها، لا تالية غيرها؛ فلا تجيء بعده.
(١) أي: لأنها للنفي، ونفي النفي إيجاب؛ فكأنه لم تكن هنالك "ما" النافية المستحقة للتصدير. وابن كيسان هو: أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن كيسان النحوي. كان يحفظ المذهبين البصري والكوفي في النحو؛ لأنه أخذ عن المبرد وثعلب، لكنه كان إلى المذهب البصري أميل. قال فيه أبو حيان التوحيدي: ما رأيت مجلسا أكثر فائدة، وأجمع لأصناف العلوم والتحف والنتف، من مجلسه، وكان يجتمع على بابه عشرات الدواب للرؤساء والأشراف الذين يقصدونه. وكان إقباله على صاحب المرقعة والخلق، كإقباله على صاحب الديباج والدابة والغلام. ومن تصانيفه: المهذب في النحو، وعلل النحو، وما اختلف فيه البصريون والكوفيون، وغلط أدب الكاتب. وتوفي سنة ٣٢٠ هـ.
(٢) عجز بيت من الطويل للمعلوط القريعي، وصدره:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته
اللغة والإعراب: رج: أمر من الترجية بمعنى الرجاء؛ وهو الأمل وتوقع الخير. الفتى: الشاب. على السن: أي على زيادة العمر. "الفتى" مفعول أول لرج. "للخير" مفعول ثان. =
стр. 250
فصل: ويجوز باتفاق، أن يلي هذه الأفعال معمول خبرها؛ إن كان ظرفًا أو مجرورًا (١)؛ نحو: "كان عندك، أو في المسجد، زيد معتكفًا" (٢).
فإن لم يكن أحدهما؛ فجمهور البصريين يمنعون مطلقًا (٣)، والكوفيون يجيزون مطلقًا.
= مصدرية ظرفية. "إن" زائدة بعدها؛ لشبهها بما النافية في اللفظ، أو "ما"، و"إن" شرطية. "رأيته" فعل الشرط، وجوابها محذوف يدل عليه ما قبله. "على السن" متعلق بيزيد. "خيرا" مفعول مقدم ليزيد. "لا" نافية. "يزال" فعل مضارع ناقص، واسمها يعود على الفتى، وجملة "يزيد" خبر.
المعنى: انتظر الخير والنيل. وتوقعه من الشاب؛ إذا رأيته كلما زادت سنه، وتقدم في العمر، يزداد خيرا، ويتلمس المزيد من الخلال الحميدة.
الشاهد: تقديم معمول خبر لا يزال؛ وهو "خيرا" على لا النافية، وتقدم المعمول يتبعه جواز تقدم العامل، كما عليه جمهور العلماء.
(١) سواء تقدم المعمول وحده بدون الخبر، أو تقدم ومعه الخبر متقدما عليه، أو متأخرا عنه.
(٢) فعندك وفي المسجد معمولان لمعتكفًا؛ الواقع خبرا لكان، وقد تقدما على اسمها. وفي هذا يقول الناظم:
ولا يلي العامل معمول الخبر … إلا إذا ظرفا أتى أو حرف جر*
أي: إن معمول الخبر لا يتقدم وحده، أو مع الخبر، إلا في حالة واحدة؛ وهي: أن يكون المعمول ظرفا، أو حرف جر مع مجروره.
(٣) لأنه يلزم عليه الفصل بينها وبين اسمها بأجنبي منها؛ بناءً على أن معمول المعمول ليس في معنى المعمول.