ولو كانت لنفي الوحدة عملت عمل "ليس" (١)؛ نحو لا رجل قائما بل رجلان، وكذا إن أريد بها نفي الجنس لا على سبيل التنصيص (٢).
وإن دخل عليها الخافض خفض النكرة (٣)؛ نحو: "جئت بلا زاد، وغضبت من لا شيء" وشذ "جئت بلا شيء" بالفتح (٤).
وإن كان الاسم معرفة، أو منفصلًا منها (٥) أهملت،
(١) أو أهملت وتكررت، واختبار هذه أو تلك خاضع لما يقتضيه المعنى المراد.
(٢) أي: بل في الظاهر فقط؛ لعموم النكرة في سياق النفي. وإيضاح ذلك: أن "لا" إذا كان اسمها مفردا؛ مثل: لا رجل في الدار؛ فإن أريد نفي الخبر عن فرد واحد، وعن الجنس في الظاهر، كانت "لا" عاملة عمل "ليس"، ويصح أن يقال بعدها في هذا المثال: بل رجلان. وإن أريد نفي الجنس حقيقة، وتأكيد النص عليه، كانت عاملة عمل "إن"؛ ولا يصح أن يقال بعدها شيء. أما إذا كان الاسم مثنى أو مجموعا فلا يختلف المراد من النفي، فيحتمل نفي الخبر عن المثنى والجمع فقط، أو نفيه عن كل فرد من أفراد الجنس. والفرق بينهما يكون على حسب المراد؛ فالفرق الصحيح بين المراد من النفي في قسمي "لا" يظهر إذا كان الاسم مفردا.
(٣) لأن "لا" تتوسط بين عامل ومعموله، وتكون حينئذ ملغاة بين الجار والمجرور، وقد تخطاها حرف الجر وعمل فيما بعدها، مع دلالتها على النفي، ولا تعتبر زائدة؛ لأن المعنى يفسد على زيادتها، وقيل: إن "لا" اسم بمعنى "غير" مجرورة بكسرة مقدرة على الألف، وما بعدها مجرور بإضافتها إليه وهذا رأي حسن.
(٤) أي: على إعمال "لا" مع التركيب؛ فالباء جارة، و"لا شيء" في محل جر بالباء. وقد أجريا مجرى الاسم الواحد، باعتبار أن الجار دخل بعد التركيب؛ مثل خمسة عشر، و"شيء" اسم لا، ولا خبر لها؛ لأنها أصبحت فضلة.
(٥) هذا يستلزم الترتيب بين معموليها؛ فلا يجوز أن يتقدم خبرها ولا معموله على الاسم، ولو كان ظرفا أو جارا ومجرورا؛ لأن ذلك سيؤدي إلى الفصل بينهما وبين اسمها.
стр. 352
ووجب عند غير المبرد وابن كيسان تكرارها (١)؛ نحو: لا زيد في الدار ولا عمرو؛ ونحو: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ (٢) .. وإنما لم تكرر في قولهم: "لا نولك أن تفعل" (٣)، وقوله:
أشاء ما شئت حتى لا أزال لما … لا أنت شائية من شأننا شاني (٤)
للضرورة في هذا، ولتأول "لا نولك" بلا ينبغي لك (٥).
(١) قال الصبان: أما في المعرفة فجبرا لما فأتها من نفي الجنس، وأما في الانفصال فتبنيها بالتكرار على أنها لنفي الجنس؛ لأن نفي الجنس تكرار للنفي في الحقيقة، ومنه يعلم أن إلغاءها لا يخرجها عن كونها لنفي الجنس في النكرات.
(٢) الغول: كل ما يغتال العقول ويفسدها، ومنه "الغول".
(٣) النول: مصدر بمعنى التناول؛ وهو هنا بمعنى المفعول، و"لا" نافية مهملة. "نولك" مبتدأ ومضاف إليه. "أن تفعل" أن والفعل في تأويل مصدر خبر المبتدأ؛ أي: ليس متناول هذا الفعل، بمعنى أنه لا ينبغي لك تناوله.
(٤) بيت من البسيط، أنشده الفراء وابن كيسان، ولم ينسباه لأحد.
اللغة والإعراب:
شاني: اسم فاعل من شنأ الشيء، إذا أبغضه وكرهه، وأصله شانئ بالهمزة، فخففت بقلبها ياء. "ما" اسم موصول مفعول أشاء، وجملة "شئت" صلة والعائد محذوف؛ أي: شئته. "حتى" ابتدائية. "أزال" مضارع مرفوع. وقيل: غائية بمعنى "إلى" و"أزال" منصوبة بأن مضمرة بعدها، واسمها أنا. "لما" اللام جارة، و"ما" موصولة، والجار والمجرور متعلق بشاني. "لا أنت" لا نافية و"أنت" مبتدأ. "شائية" خبر والجملة صلة. "من شأننا" متعلق بشائية، أو حال من ما. "شاني" خبر زال، ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة.
المعنى: أحب كل ما تحبينه من الأشياء، حتى لا أزال مبغضا لكل شيء لا تحبينه ولا تريدينه من أمورنا.
الشاهد: دخول "لا" النافية على معرفة، وهو الضمير المنفصل، ولم تتكرر مع إهمالها. وقد تمسك بهذا البيت المبرد وابن كيسان، فلم يوجبا التكرار إذا اقترنت "لا" بالمعرفة، أو فصل بينها وبين اسمها؛ هو عند الجمهور ضرورة.
(٥) فقد دخلت "لا" على الفعل تأويلا؛ وهي إذا دخلت على الفعل غير الماضي الذي ليس دعائيا، لا يجب تكرارها؛ لأنه في معنى النكرة. =
стр. 353
فصل: وإذا كان اسمها مفردًا؛ أي: غير مضاف ولا شبيه به، بني على الفتح (١)؛ إن كان
= وإلى إعمال "لا" عمل "إن" أشار الناظم بقوله:
عمل "إن" اجعل لـ"لا" في نكره … مفردة جاءتك أو مكرره*
أي: اجعل عمل "إن" من نصب الاسم ورفع الخبر لـ"لا" النافية للجنس، مكررة أو غير مكررة؛ بشرط أن يكون ما تعمل فيه نكرة. وعملها بعد استيفاء شروطها وهي مفردة، واجب، وعملها مكررة جائز.
هذا: وقد وردت في الفصيح أمثلة، وقعت فيها "لا" عاملة مع أن اسمها معرفة. ومن ذلك قوله ﵊: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده". وقول سيدنا عمر بن الخطاب، لسيدنا علي بن أبي طالب ﵄: قضية ولا أبا حسن لها. وأبو حسن: كنيه سيدنا علي. وقد صارت هذه العبارة مثلا يضرب عند الأمر العسير يتطلب من يحله. والنحاة يؤولون مثل ذلك، فيقولون: إن المعرفة هنا مراد بها اسم جنس نكرة، لكل من اتصف بالمعنى المشهور به ذلك العلم؛ أي: لا مسمى بهذا الاسم، أو إن هنالك مضافا محذوفا نكرة لا يتعرف بالإضافة؛ نحو مثل؛ أي: فلا مثل كسرى، ولا مثل قيصر، ولا مثل أبي حسن. ومن الخير أن يقتصر في مثل هذا على المسموع. وإذا دخلت "لا" على منصوب بفعل مقدر، أو اسم بمعنى الدعاء، لا تكرر؛ نحو: لا مرحبا، لا سلام عليك.
(١) ويكون في محل نصب دائما، وقيل في سبب ذلك: تركيبه مع اسمها حتى صار كالكلمة الواحدة، فأشبها الأعداد المركبة؛ كخمسة عشر وغيرها. وقد وقع اسم "لا" المفرد منصوبا في أسلوب عربي فصيح هو قولهم: لا أبا لك. وهو تركيب يراد به المبالغة في المدح أحيانا، أو في الذم أحيانا أخرى. وقد أوله النحاة على أن "أبا" منصوب بالألف مضاف إلى الكاف، واللام زائدة، والخبر محذوف؛ أي: لا أباك موجود. والإضافة هنا غير محضة لا تفيد تعريفا؛ كغير، ومثل.
قيل: وهو الأفضل، أن "أبا" اسم لا مبني على فتح مقدر على الألف على لغة من يلزم الأسماء الستة الألف، و"لك" جار ومجرور خبر.
стр. 354
مفردا، أو جمع تكسير؛ نحو: لا رجل ولا رجال. وعليه أو على الكسر (١) إن كان جمعا بألف وتاء؛ وكقوله:
إن الشباب الذي مجد عواقبه … فيه نلذ ولا لذات للشيب (٢)
روي بهما. وفي الخصائص (٣).
أنه لا يجيز فتحه بصري إلا أبو عثمان (٤)، وعلى الياء إن كان مثنى أو مجموعًا على حده (٥)؛ كقوله:
تعز فلا إلفين بالعيش متعا (٦)(١) أي: بلا تنوين، نيابة عن الفتحة. أو بالتنوين على رأي.
(٢) بيت من البسيط، لسلامة بن جندل السعدي، يأسف على ذهاب الشباب.
اللغة والإعراب:
مجد عواقبه: نهايته شرف وعزة. الشيب: جمع أشيب؛ وهو الذي ابيض شعره. "الشباب" اسم إن مبني على الفتح. "الذي" صفة للشباب. "مجد" خبر مقدم. "عواقبه" مبتدأ مؤخر ومضاف إليه والجملة صلة. وصح الإخبار بالمفرد عن الجمع لأن "مجد" مصدر، والمصدر يخبر به بلفظ واحد؛ لأنه. لا يثنى ولا يجمع. "فيه" متعلق بنلذ الواقع خبر لإن. "ولا" نافية للجنس. "لذات" اسمها مبني على الفتح أو الكسر في حل نصب. "للشيب" متعلق بمحذوف خبر.
المعنى: إن الشباب الذي تكون نهايته عزة ومجدد وشرف، فيه نجد اللذة وراحة النفس، ولا لذة في زمن الكبر والشيخوخة.
الشاهد: بناء جمع المؤنث مع "لا" النافية للجنس، على ما كان ينصب به، وهو الكسرة نيابة عن الفتحة، وروي بالفتحة.
(٣) كتاب عظيم لأبي الفتح عثمان بن جني، طبعته دار الكتب المصرية حديثًا.
(٤) هو أبو عثمان المازني، انظر: ١٤٥.
(٥) أي: على حد المثنى وطريقته في الإعراب بالحروف، وهو جمع المذكر السالم، وإنما لم تعارض التثنية والجمع سبب البناء هنا؛ لأن هذا السبب وارد على التثنية والجمع والموارد قوة.
(٦) صدر بيت من الطويل، لم يعلم قائله. وعجزه:
ولكن لوارد المنون تتابع
=
стр. 355
وقوله:
يحشر الناس لا بنين ولا آ … باء إلا وقد عنتهم شئون (١)
قيل: وعلة البناء تضمن معنى "من"؛ بدليل ظهورها في قوله:
وقال ألا لا من سبيل إلى هند (٢)
= اللغة والإعراب:
تعز: تصبر وتكلف السلوان والتأسي بمن سبقك، إلفين: تثنية إلف؛ وهو الصديق الذي يألفك وتألفه، ومثله الأليف. وراد: جمع وارد. المنون: الموت. تتابع: توارد، يرد بعضهم في إثر بعض. "تعز" فعل أمر والفاعل أنت. "فلا" الفاء للتعليل، و"لا" نافية للجنس. "إلفين" اسمها مبني على الياء في محل نصب. "بالعيش" متعلق بـ"متعا" الواقع خبرا للا. "ولكن" حرف استدراك. "لوراد" خبر مقدم. "المنون" مضاف إليه. "تتابع" مبتدأ مؤخر.
المعنى: تسل يا أخي بمن سبقوك، وتأس بمن مضوا قبلك: فليس هناك صديقان تمتعا بدوام العيش وصفائه، ولكن كل سائر إلى الموت، يتبع بعضهم بعضا.
الشاهد: بناء "إلفين" على الياء؛ لأنه مثنى، وهو اسم "لا" النافية للجنس.
(١) بيت من الخفيف، لم نقف على قائله.
اللغة والإعراب: عنتهم: أهمتهم، يقال: عناه الأمر يعنيه، استحق عنايته واهتمامه. شئون: خطوب وشواغل، جمع شأن. "لا" نافية للجنس "بنين" اسمها مبني على الياء. "ولا آباء" معطوف على "بنين" منصوب بالفتحة. "إلا" حرف إيجاب. "وقد عنتهم شئون" الجملة في محل رفع خبر "لا"، ولا يضر اقترانها بالواو؛ لأن هذا جائز في خبر الناسخ؛ كقوله: "فأمسى وهو عريان".
المعنى: أن الناس يحشرون يوم القيامة، وكل من البنين والآباء مشغول بنفسه في هذا اليوم ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
الشاهد: مجيء اسم "لا" جمع مذكر سالما، وقد بني على الياء، وهي علامة نصبه.
(٢) عجز بيت من الطويل، لم نقف على قائله. وصدره:
فقام يذود الناس عنها بسيفه
اللغة والإعراب:
يذود: يمنع، ويدفع. سبيل: طريق. هند، اسم محبوبته. "ألا" أداة استفتاح "لا" نافية للجنس "من" زائدة "للاستغراق". "سبيل" اسم لا مبني على فتح مقدر منع منه حرف الجر الزائد. "إلى هند" متعلق بمحذوف خبر.
المعنى: أخذ يدفع الناس ويمنعهم عنها بسيفه؛ ويقول: ألا من طريق للوصول إليها وخلاصها؟
الشاهد: ظهور "من" الاستغراقية بعد "لا"؛ مما يدل على أنها إذا لم تذكر مع الاسم، فهو متضمن معناها.
стр. 356
وقيل: تركيب الاسم مع الحرف كخمسة عشر (١). وأما المضاف (٢) وشبهه فمعربان.
والمراد بشبهه: ما اتصل به شيء من تمام معناه (٣)؛ نحو: "لا قبيحا فعله محمود، ولا طالعًا جبلًا حاضر، ولا خيرًا من زيد عندنا" (٤).
إعراب "لا حول ولا قوة إلا بالله":
ولك في نحو (٥): لا حول ولا قوة إلا بالله خمسة أوجه:
(١) هذا قول سيبويه وآخرين؛ وحجتهم أنه إذا فصل بين "لا" واسمها، أعرب؛ نحو: لا فيها رجل ولا امرأة.
(٢) أي: إلى نكرة، أو لمعرفة لا يكتسب منها التعريف؛ لتوغله في الإبهام؛ ككلمة "مثل"، و"غير" ونحوهما؛ لأن "لا" لا تعمل في معرفة؛ كما أسلفنا.
(٣) أي: يتمم معناه ويكمله؛ بشرط أن يكون ذلك الشيء: إما مرفوعا باسم "لا"، أو منصوبا به، أو جارا ومجرورا متعلقين به؛ كما مثل المصنف. أما المجرور بالإضافة فهو من قسم المضاف.
(٤) "لا" نافية في الجميع، وما بعدها اسمها، والمتأخر خبرها، و"فعله" فاعل لقبيح؛ لأنه صفة مشبهة، و"جبلا" مفعول لطالع؛ لأنه اسم فاعل، و"من زيد" متعلق بخبر؛ لأنه اسم تفضيل، وإلى ذلك يشير ابن مالك بقوله:
فانصب بها مضافا أو مضارعه … وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه
أي: انصب بـ"لا" الاسم؛ حين يكون مضافا، أو مضارعه؛ أي: مشابها له؛ أي: للمضاف وبعد ذلك الاسم المنصوب، اذكر الخبر رافعًا إياه.
(٥) أي من كل تركيب، تكررت فيه "لا" وسبق الثانية عطف، وكان كل من الاسمين مفردا صالحا لعمل لا؛ وذلك بأن يكون نكرة.
стр. 357
أحدهما: فتحهما (١) وهو الأصل؛ نحو: "لا بَيْعَ فِيهِ وَلا خُلَّةَ" في قراءة ابن كثير (٢) وأبي عمرو (٣).
والثاني: رفعهما؛ إما بالابتداء، أو على إعمال "لا" عمل "ليس" (٤)؛ كالآية في قراءة الباقين، وقوله:
لا ناقة لي في هذا ولا جمل (٥)(١) أي: فتح ما بعد "لا" الأولى، والثانية؛ على أنهما عاملتان عمل "إن"، ويقدر بعدهما خبر واحد يصلح لهما؛ على اعتبار أن الكلام جملة واحدة، والعطف عطف مفردات، أو يقدر لكل خبر، فيكون الكلام جملتين، ويكون العطف عطف جمل.
(٢) هو أبو معبد؛ عبد الله بن كثير بن عمرو المكي، أحد أصحاب القراءات السبع. كان إمام القراءة بمكة، غير منازع، وكان عالما بالعربية، فصيحا بليغا مفوها. لقي من الصحابة: عبد الله بن الزبير، وأبا أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك ﵃ ولم يزل الإمام المجمع عليه في القراءة بمكة، حتى توفي سنة ١٢٠ هـ.
(٣) هو أبو عمرو؛ زياد بن العلاء بن عمار المازني البصري، أحد أصحاب القراءات السبع. كان من أعلم الناس بالقراءة والعربية، مع الصدق والأمانة والدين. ومن أكثر أتباعه ضبطا لقراءته: أبو محمد يحيى بن المبارك؛ المعروف باليزيدي النحوي. مر به الحسن يوما، والناس عكوف عليه، وحلقته غاصة بهم فقال: "لا إله إلا الله، لقد كادت العلماء أن يكونوا أربابا، كل عز لم يوطد بعلم فإلى زوال يئول". وتوفي أبو عمرو -في قول الأكثرين- سنة ١٥٤ هـ وله ترجمة في النحاة.
(٤) ويقدر لهما خبر واحد؛ إن جعلت "لا" الثانية زائدة لتوكيد النفي، وما بعدها معطوف على "لا" الأولى مع اسمها؛ باعتبار الأصل على الخلاف في ذلك، وإن أهملت الأولى، وأعملت الثانية، أو بالعكس؛ وجب تقدير خبرين لكل خبر. أما إذا جعلنا عاملتين عمل ليس؛ فيجوز تقدير خبرين، أو خبر واحد.
(٥) عجز بيت من السيط؛ لعبيد بن حصين؛ المعروف بالراعي النميري، وصدره:
وما هجرتك حتى قلت معلنة
=
стр. 358
الثالث: فتح الأول ورفع الثاني (١)؛ كقوله:
لا أم لي إن كان ذاك ولا أب (٢)
= اللغة والإعراب:
هجرتك: الهجر: قطع حبال المودة والصلة. "ما" نافية. "حتى" للغاية بمعنى إلى. "معلنة" حال من التاء في قلت. "لا" نافية مهملة، أو عاملة عمل ليس. "ناقة" مبتدأ، أو اسم لا. "لي في هذا" متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، أو خبر لا. "ولا جمل" إعرابه كذلك، وخبره محذوف؛ أي: لي، ويجوز أن تكون "لا" الثانية زائدة، و"جمل" معطوفة على ناقة.
المعنى: ما تركتك، وقطعت حبال المودة والصلة بيننا؛ حتى تبرأت مني وقلت صراحة .. إلخ. وهذا مثل عربي؛ يقوله من يتبرأ من أمر، ويباعد نفسه منه؛ والمراد: لا شيء لي في هذا الأمر.
الشاهد: تكرر "لا" وورود الاسمين مرفوعين. وقد أوضحنا توجيه ذلك.
(١) إما بالابتداء؛ و"لا" ملغاة، أو على أن "لا" عاملة عمل ليس، ويكون في الحالتين من عطف الجمل. أو بالعطف على محل اسم "لا" باعتبار الأصل، و"لا" زائدة لتوكيد النفي.
(٢) عجز بيت من الكامل، ينسب -كما في سيبويه- لرجل من بني مذحج، كان أهله يفضلون أخاه عليه. وقيل لغيره، وصدره:
هذا لعمركم الصغار بعينه
والإشارة في قوله: "هذا"؛ إلى ذلك المبين في قوله قبل:
وإذا تكون كريهة أدعى لها … وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
اللغة والإعراب:
لعمركم: وحياتكم، والعمر: الحياة. الصغار: الذل والمهانة. الحيس: تمر يخلط بسمن وأقط، والحيس: الخلط. "هذا" ها للتنبيه، و"ذا" اسم إشارة مبتدأ. "لعمركم" اللام للابتداء، و"عمركم" مبتدأ ومضاف إليه والخبر محذوف وجوبا؛ أي: قسمي. "الصغار" خبر "ذا"، وجملة القسم فاصلة بين المبتدأ والخبر. "بعينه" توكيد للصغار على زيادة الباء. وقيل: الجار والمجرور حال. "لا" نافية للجنس، "أم" اسمها "لي" خبرها. "إن كان" شرط وفعله، و"كان" تامة. "ذا" فاعل كان، والكاف حرف خطاب؛ والجواب محذوف يدل عليه ما قبله، وجملة "إن كان ذاك" معترضة. "ولا أب" بالرفع، معطوف على أحد الأوجه الثلاثة المتقدمة؛ وهو الشاهد.
المعنى: أقسم بحياتكم أن إيثار أخي جندب علي في المكارم، ودفعي إلى المكاره، هو عين الذل والمهانة؛ فإن كان ذلك هو تقديركم لي؛ فلا أم لي ولا أب؛ يريد أنه وضيع، ساقط النسب.
стр. 359
وقوله:
وأنتم ذنابى لا يدين ولا صدر (١)
الرابع: عكس الثالث (٢)؛ كقوله:
فلا لغو ولا تأثيم فيها (٣)(١) عجز بيت من الطويل؛ لجرير؛ يهجو نمير بن عامر؛ وهو أبو قبيلة من قيس، وصدره:
بأي بلاء يا نمير بن عامر
اللغة والإعراب:
بلاء. البلاء، الاختبار والتجربة؛ والمراد هنا: العمل الذي يكون سببًا للفخر. ذنابي: أتباع وذيول. "بأي" متعلق بمحذوف؛ أي: تفتخرون مثلًا. "بلاء" مضاف إليه. "يا نمير" منادى. "ابن" بدل، أو عطف بيان على محل نمير، "عامر" مضاف إليه. "وأنتم" الواو للحال، و"أنتم" مبتدأ. "ذنابي" خبر. "لا" نافية للجنس "يدين" اسمها مبني على الياء؛ لأنه مثنى، والخبر محذوف؛ أي: لكم. "ولا صدر" بالرفع، معطوف على الأوجه الثلاثة التي شرحت قبل، وهو الشاهد.
المعنى: بأي عمل وجهد قدمتموه تفخرون؟ وليس لكم أدنى أثر في المحامد، وأنتم أتباع وذيول لغيركم. "لا يدين ولا صدر"، أي: لستم قادة ولا رؤساء متبوعين.
(٢) وهو رفع الأول، وفتح الثاني. أما رفع الأول؛ فعلى الابتداء، و"لا" ملغاة، أو على إعمال "لا" عمل ليس. وفتح الثاني على إعمال" لا" الثانية عمل" إن" ويقدر لكل خبر.
(٣) صدر بيت من الوافر، لأمية بن أبي الصلت، في وصف الجنة، وعجزه كما في كتب النحو:
وما فاهوا به أبدا مقيم
وفيه تلفيق من بيتين؛ والصواب كما في ديوانه:
ولا لغو ولا تأثيم فيها … ولا حَينٌ ولا فيها مليم
وفيها لحم ساهرة وبحر … وما فاهوا به أبدا مقيم
=
стр. 360
الخامس: فتح الأول ونصب الثاني (١)؛ كقوله:
لا نسب اليوم ولا خلة (٢)
وهو أضعفها (٣)؛ حتى خصه يونس وجماعة، بالضرورة؛ كتنوين المنادى، وهو عند غيرهم على تقدير "لا" زائدة مؤكدة، وأن الاسم منتصب بالعطف.
= والمقصود بلحم الساهرة، لحم البرد، والساهرة: الأرض.
اللغة والإعراب:
اللغو: القول الباطل، وما لا يعتد به من الكلام. تأثيم: مصدر أثمته؛ نسبته إلى الإثم؛ وهو الذنب. فاهوا: تلفظوا وتكلموا. "لا" الأولى مهملة، أو عاملة عمل ليس. "لغو" مبتدأ، أو اسم "لا" و"لا" الثانية عاملة عمل إن. "تأثيم" اسمها مبني على الفتح. "فيها" خبر. "وما" اسم موصول مبتدأ. "فاهوا به" الجملة صلة. "أبدًا" ظرف زمان. "مقيم" خبر المبتدأ.
المعنى: ليس في الجنة قول باطل، أو كلام لغو لا فائدة منه، ولا يفعل أهلها ذنوبًا، وما تلفظوا به من طلب أي شيء، حاصل ومقيم دائما.
الشاهد: رفع الاسم بعد "لا" الأولى، وفتحه بعد الثانية على التوجيه الذي ذكرناه.
(١) فيكون معربا منونًا؛ بالعطف على محل اسم "لا" الأولى، وتكون "لا" الثانية زائدة.
(٢) صدر بيت من السريع، لأنس بن العباس بن مرداس السلمي، وعجزه:
اتسع الخرق على الراقع
اللغة والإعراب:
خلة: صداقة. الخرق: الفتق. الراقع: الذي يصلح موضع الفساد من الثوب؛ ومثله: الراتق. "لا" نافية. "نسب" اسمها مبني على الفتح. "اليوم" ظرف متعلق بمحذوف خبر. "ولا" الواو عاطفة. "لا" زائدة لتأكيد النفي.
"خلة" بالنصب، معطوف على محل اسم "لا" الأولى؛ عطف مفرد على مفرد، وقيل: إن "خلة" منصوب بفعل مضمر؛ أي: ولا أذكر خلة.
المعنى: لا قرابة اليوم، ولا صلة نسب، ولا مودة، ولا صداقة؛ فقد بلغ الخلف مبلغا عظيما، لا يرجى معه إصلاح، وضرب اتساع الخرق مثلا، لتفاقم الأمر وعظمه.
(٣) لأن فيه نصب الاسم مع وجود "لا" والقياس فتحه بلا تنوين.
هذا: وإذا لم يسبق "لا" الثانية عطف، فالكلام جملتان مستقلتان. وإن كان الكلام غير =
стр. 361
فإن عطفت، ولم تكرر لا، وجب فتح الأول، وجاز في الثاني: النصب، والرفع (١)؛ كقوله:
فلا أب وابنا مثل مروان وابنه (٢)
= صالح لعمل "لا"؛ بأن كان معرفة، تعين الرفع.
وفيما تقدم من أوجه، يقول الناظم:
وركب المفرد فاتحا كلا … حول ولا قوة والثاني اجعلا
مرفوعا أو منصوبا أو مركبا … وإن رفعت أولًا لا تنصبا*
أي: ركب الاسم المفرد مع "لا"، فاتحا إياه؛ أي: أن تجعله مبنيا على الفتح، بسبب التركيب مع "لا"؛ وذلك مثل "لا حول ولا قوة". واجعل الثاني بعد "لا" المكررة، مرفوعا أو منصوبا، أو مركبا مع "لا"؛ فيكون مبنيا على الفتح. ثم بين أن جواز هذه الأوجه الثلاثة إذا كان اسم "لا" الأولى غير مرفوع؛ فإن كان مرفوعا، لم يجز في اسم "لا" المكررة النصب؛ بل يجوز فيه الرفع، أو البناء على الفتح لا غير. وقد بين ذلك كله بإيضاح.
(١) أي: مطلقا؛ سواء أكان مفردا، أم غير مفرد، وكذلك الاسم المعطوف عليه. ويكون النصب بالعطف على محل اسم "لا" الأولى، والرفع على محلها؛ باعتبار أصلها قبل دخول "لا" وقد علمت أن أصلها مبتدأ مرفوع، أو على "لا" مع اسمها، وهما بمنزلة المبتدأ.
(٢) صدر بيت من الطويل، ينسب لرجل من بني عبد مناة، يمدح مروان بن الحكم، وابنه عبد الملك. وعجزه:
إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا
=
стр. 362
ويجوز: "وابن" بالرفع، وأما حكاية الأخفش "لا رجل وامرأة" بالفتح، فشاذ (١).
وإذا وصفت النكرة المبنية بمفرد متصل:
جاز فتحه (٢) على أنه ركب معها
= اللغة والإعراب:
المجد: العز والشرف. ارتدى: لبس الرداء، وهو اسم لما يستر النصف الأعلى من الإنسان: تأزرا: لبس الإزار؛ وهو اسم لما يستر النصف الأسفل منه. وقد كنى بذلك عن ثبوت هذه الصفة له؛ وهي العزة وكرم النجار؛ لأنه جعلهما كاللابسين لها، المترديين بها. "فلا" نافية للجنس. "أب" اسمها مبني على الفتح "وابنا" معطوف على محل اسم لا. "مثل" بالنصب، صفة على اللفظ، والخبر محذوف، وبالرفع صفة على المحل، أو هو الخبر ولا حذف. "مروان" مضاف إليه. "إذا" ظرف بمعنى الماضي. "هو" مبتدأ. "بالمجد" متعلق بارتدى، الواقع خبرا.
المعنى: واضح بعد هذا البيان.
الشاهد: العطف بالنصب، والرفع على اسم لا، بدون تكرار لا. وقد أوضحنا توجيه ذلك. ولا يجوز الفتح.
(١) لأنه لا يصح البناء بالتركيب؛ لوجود الفصل بحرف العطف. وخرجه بعضهم على أن الأصل: ولا امرأة؛ فحذفت "لا" وأبقي البناء على نيتها، فالشذوذ من هذه الناحية.
هذا: وإذا كان المعطوف معرفة، لم يجز فيها إلا الرفع على أنه مبتدأ. وقد أشار الناظم إلى ما تقدم بقوله:
والعطف أن لم تتكرر "لا" احكما … له بما للنعت ذي الفصل انتمى*
أي: احكم للمعطوف -إن لم تتكرر "لا"- بالحكم الذي انتمى -أي: انتسب- للنعت المفصول من منعوته؛ وهذا الحكم هو جواز الرفع أو النصب، وامتناع الباء؛ كما سيأتي.
(٢) أي: بناؤه على الفتح إن كان مفردا، أو على ما ينوب عنها؛ كالياء في المثنى والمجموع.
стр. 363
قبل مجيء "لا"، مثل خمسة عشر (١)، ونصبه؛ مراعاة لمحل النكرة (٢) روفعه مراعاة لمحلها مع لا (٣)؛ نحو: "لا رجل ظريف فيها" (٤) ومنه: "لا ماء ماء باردًا عندنا" (٥) لأنه يوصف بالاسم إذا وصف والقول بأنه توكيد خطأ (٦).
فإن فقد الإفراد (٧)؛ نحو: لا رجل قبيحًا فعله عندنا، أو لا غلام سفر ظريفا عندنا، أو الاتصال؛ نحو: لا رجل في الدار ظريف، أو "لا ماء عندنا ماء باردا"، امتنع الفتح (٨).
وجاز الرفع والنصب؛ كما في المعطوف بدون تكرار "لا"، وكما في البدل الصالح لعمل "لا" (٩)، فالعطف نحو: لا رجل وامرأة فيها، والبدل؛ نحو: لا أحد رجل وامرأة فيها (١٠).
(١) ولا يصح أن يكون بناء النعت هنا، تبعا لبناء اسم "لا"، لأن بناء المتبوع لا ينتقل إلى التابع، ووجود النعت لا يخرج الاسم عن حالة الإفراد.
(٢) وقيل اتباعا للحركة البنائية؛ لأنها هنا شبيهة بحركة الإعراب؛ بل أصلها الإعراب.
(٣) أو لمحل اسم "لا" وحده؛ باعتبار أن أصله مبتدأ.
(٤) هذا من أمثلة الخليل؛ بفتح ظريف، ونصبه منونا، ورفعه، ويقال في المثنى: لا رجلين ظريفين، بالبناء والنصب، وظريفان. وفي الجمع: لا رجال ظريفين، بالبناء والنصب أيضا، وظريفون.
(٥) "لا" نافية للجنس. "ماء" اسمها مبني على الفتح. "ماء" الثانية نعت موطئ -أي: ممهد- للأولى. ويجوز فيه الأوجه الثلاثة المتقدمة في ظريف، ولكن يمتنع رفعه -عند سيبويه- على محل لا مع اسمها. "باردا" نعت له. "عندنا" خبر لا.
(٦) لأنه مقيد بالوصف؛ فليس مرادفًا في اللفظ لماء الأولى المطلقة. وأجازه بعضهم؛ على اعتبار أن الوصف طرأ بعد التوكيد. كما جوزوا إعرابه بدلا. ومنعه بعضهم؛ لأنه يلزم عليه تقديم البدل على النعت، وهو ممنوع.
(٧) أي: في النعت، أو في المنعوت. وقد مثل لهما المصنف.
(٨) لأنه علته التركيب، وهم لا يركبون ما زاد على كلمتين، بدون تنزيل.
(٩) وهو ما يكون نكرة، ومثلهما عطف البيان.
(١٠) أي: برفع رجل وامرأة، ونصبهما لا غير. ولا يجوز الفتح في المعطوف والبدل؛ لوجود الفاصل في العطف بحرفه، وفي البدل بعامله؛ لأن البدل على نية تكرار العامل.
стр. 364
فإن لم يصلح له فالرفع (١) نحو لا أحد زيد وعمرو فيها. وكذا في المعطوف الذي لا يصلح لعمل "لا"؛ نحو: لا امرأة فيها ولا زيد.
وإذا دخلت همزة الاستفهام على "لا":
لم يتغير الحكم (٢)، ثم تارة يكون الحرفان باقيين على معنيهما (٣)؛ كقوله:
ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد (٤)(١) أي: إذا لم يصلح البدل لعمل "لا"؛ بأن كان معرفة؛ تعين الرفع على الإبدال من محل "لا" مع اسمها، وامتنع النصب على محل اسمها؛ لأنها لا تعمل في معرفة.
وإلى ما تقدم يشير الناظم بقوله:
ومفردا نعتًا لمبني يلي … فافتح أو انصبن أو ارفع تعدل
وغير ما يلي وغير المفرد … لا تبن وانصبه أو الرفع اقصد*
أي: إن النعت المفرد الذي يلي اسم "لا" المبني، يجوز فيه الفتح أو النصب، وإن شئت فارفعه؛ تكن عادلا بين الرفع وغيره. وإذا كان النعت لا يلي المنعوت؛ لوجود فاصل بينهما أو كان أحدهما، أو كلاهما غير مفرد؛ فلا تبن النعت، بل انصبه، أو اقصد الرفع.
(٢) بل يكون حكمها مع الهمزة كحكمها بدونها في جميع ما تقدم؛ من عمل، ومن تركيب، وتكرار .. إلخ. ويصبح الأسلوب إنشائيا.
(٣) فتكون الهمزة للاستفهام، و"لا" للنفي، والمراد الاستفهام عن النفي؛ أي: عن شيء غير موجود.
(٤) صدر بيت من البسيط، لقيس بن الملوح، المعروف بمجنون بني عامر. =
стр. 365
وهو قليل؛ حتى توهم الشلوبين أنه غير واقع.
وتارة يراد بهما التوبيخ؛ كقوله:
ألا ارعواء لمن ولت شبيبته (١)
= وعجزه:
إذا ألاقي الذي لاقاه أمثالي
اللغة والإعراب:
اصطبار: تصبر وتجلد واحتمال. جلد: صلابة وثبات. لاقاه أمثالي: كناية عن الموت. "ألا" الهمزة للاستفهام، و"لا" نافية للجنس. "اصطبار" اسم "لا" مبني على الفتح. "لسلمى" متعلق بمحذوف خبر، أو متعلق باصطبار، والخبر محذوف، وهو مجرور بفتحة مقدرة على الألف؛ نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف؛ لألف التأنيث المقصورة. "أم" عاطفة. "لها" خبر مقدم. "جلد" مبتدأ مؤخر.
المعنى: أيذهب الصبر، وينتفي عن سلمى، وتجزع؟ أم تتجلد وتثبت إذا لاقيت ما لاقاه أمثالي من الموت؟
الشاهد: معاملة "لا" بعد دخول همزة الاستفهام عليها؛ مثل معاملتها قبل دخولها، وكل من الهمزة، و"لا" باق على معناه؛ والمراد بهما الاستفهام عن النفي. وهذا البيت حجة على الشلوبين؛ في دعواه أن الاستفهام عن النفي شيء غير واقع.
(١) صدر بيت من البسيط، لم نقف على قائله، وعجزه:
وآذنت بمشيب بعده هرم
اللغة والإعراب:
ارعواء: انتهاء وانكفاف عن القبيح. ولت: أدبرت وذهبت شبيبته: شبابه. آذنت: أعلمت. مشيب: شيخوخة. هرم: كبر وضعف: "ألا" الهمزة للاستفهام، و"لا" نافية للجنس؛ ومعنى الحرفين التوبيخ والإنكار. "ارعواء" اسم "لا" مبني على الفتح. "لمن" متعلق بمحذوف خبر، أو متعلق بارعواء، والخبر محذوف. و"من" اسم موصول. "ولت شبيبته" الجملة صلة من. "وآذنت" معطوف على ولت، أو حال من الفاعل على تقدير "قد". "بمشيب" متعلق بآذنت. "بعده" ظرف ومضاف إليه خبر مقدم. "هرم" مبتدأ مؤخر، والجملة في محل جر صفة لمشيب.
المعنى: ألا يبتعد وينأى عن الأمور القبيحة؛ من ذهب شبابه وولت صبوته، وأنذره المشيب بالكبر والضعف وذهاب القوة؟
الشاهد: بقاء عمل "لا" النافية مع دخول همزة الاستفهام عليها.
стр. 366
وهو الغالب.
وتارة يراد بهما التمني؛ كقوله:
ألا عمر ولى مستطاع رجوعه (١)
وهو كثير.
وعند سيبويه والخليل: أن "ألا" هذه بمنزلة أتمنى، فلا خبر لها، وبمنزلة ليت، فلا يجوز مراعاة محلها مع اسمها، ولا إلغاؤها إذا تكررت، وخالفهما المازني والمبرد (٢)،
(١) - صدر بيت من الطويل، لم ينسب لقائل. وعجزه:
فيرأب ما أثأت يد الغفلات
اللغة والإعراب:
ولى ذهب وأدبر: فيصلح ويجبر. أثأت: أفسدت. "ألا" حرف تمن. "عمر" اسمها مبني على الفتح، وهو بمنزلة المفعول؛ لأنها بمعنى أتمنى ولا خبر لها، وقيل: الهمزة للاستفهام، و"لا" نافية للجنس، وأريد بهما التمني. "ولى" الجملة في محل نصب صفة لعمر. "مستطاع" خبر مقدم. "رجوعه" مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة صفة ثانية لعمر. "مستطاع" خبر "ألا" و"رجوعه" نائب فاعل، لأنه اسم مفعول. "فيرأب" مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد فاء السببية الواقعة في جواب التمني، وفاعله يعود على عمر. "ما" اسم موصول مفعول يرأب "أثأت يد الغفلات" الجملة صلة، والعائد محذوف؛ أي: أثأته.
المعنى: أتمنى رجوع العمر الذي مضى وذهب، لأصلح ما أفسدته وما عملت من سوء في زمن الغفلة والجهل والصبوة.
والشاهد: مجيء "ألا" بمعنى أتمنى؛ والدليل على ذلك نصب المضارع بعد الفاء في جوابها، وذلك كثير في كلام العرب.
(٢) فجعلاها كالمجردة من همزة الاستفهام، واستدلا بالبيت السابق؛ فجعلا "مستطاع": إما خبرا للا، أو صفة لاسمها، مراعاة لمحلها قبل دخول "لا"، والخبر محذوف؛ أي: راجع، و"رجوعه"، نائب فاعل مستطاع.
стр. 367
ولا دليل لهما في البيت؛ إذ لا يتعين كون "مستطاع" خبرا أو صفة، و"رجوعه" فاعلا (١) بل يجوز كون "مستطاع" خبرا مقدما، و"رجوعه" مبتدأ مؤخرا، والجملة صفة ثانية. وترد "ألا" للتنبيه (٢) فتدخل على الجملتين؛ نحو ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ (٣).
وعرضية وتحضيضية (٤) فتختصان بالفعلية؛ نحو: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ (٥).
(١) المراد نائب فاعل؛ لأن "مستطاع" اسم مفعول يطلب نائب فاعل. وإلى ما تقدم يشير الناظم بقوله:
وأعط "لا" مع همزة استفهام … ما تستحق دون الاستفهام*
(٢) هي "ألا" الاستفتاحية؛ هي كلمة واحدة لا عمل لها، وتدل على توجيه الذهن وتنبيهه إلى شيء هام يجيء بعدها، مؤكد الوقوع عند المتكلم، وكثيرا ما تقع بعدها "إن" المكسورة.
(٣) الآية الأولى مثال لدخولها على الجملة الاسمية، والثانية لدخولها على الجملة الفعلية؛ لأن "يوم" معمول لمصروفا؛ فهي داخلة على "ليس" تقديرا، والأصل: ألا ليس مصروفا عنهم يوم يأتيهم.
(٤) العرض: طلب الشيء برفق ولين. والتحضيض: طلبه بشدة وإزعاج. وسيأتي تفصيل الكلام عليهما في موضعه إن شاء الله.
(٥) "ألا" في الآية الأولى للعرض. وفي الثانية للتحضيض، هذا: ومثل "ألا" في الدلالة "أما"، غير أن "ألا" للاستقبال، و"أما" للحال، والغالب أن يأتي بعد "أما" قسم فتفيد توكيده؛ بنحو: أما والله إن الأمن مستتب. وقد تأتي بعدها "إن" المكسورة؛ مثل "ألا" وإذا وقعت كلمة "إلا" بعد "لا"؛ نحو لا إله إلا الله، جاز في الاسم الواقع بعدها النصب على الاستثناء، والخبر محذوف قبل "إلا". وجاز الرفع على البدل من محل لا مع اسمها، أو من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، أو من محل اسم لا، بحسب أصله كما تقدم.
стр. 368
مسألة: وإذا جهل الخبر وجب ذكره؛ نحو: "لا أحد أغير من الله " (١)، وإذا علم فحذفه كثير؛ نحو: ﴿فَلا فَوْتَ﴾، ﴿قَالُوا لا ضَيْرَ﴾ (٢)، ويلتزمه (٣) التميميون والطائيون.
(١) هذا جزء من حديث نبوي، ونصبه: "أنا أغار، والله يغار، ولا أحد أغير من الله؛ ولذا حرم الفواحش"، والغيرة: الحمية والأنفة وانفعال النفس من فعل القبيح. يقال: رجل غيور، وامرأة غيور، وهذا مستحيل على الله، فالمراد لازم الغيرة؛ وهو البعد عن الموبقات، وزجر مرتكبها.
(٢) ﴿فَلا فَوْتَ﴾ جزء من الآية "٥١" من سورة سبأ؛ أي: فلا فوت لهم. و ﴿لا ضَيْرَ﴾ من الآية "٥٠" من سورة الشعراء؛ أي: فلا ضير علينا.
ومن الأساليب التي حذف فيها الخبر: "لا سيما"، ولا إله إلا الله. وقد أسلفنا الكلام على هذين المثالين. وندر في هذا الباب حذف الاسم وإبقاء الخبر. ومن ذلك قولهم: لا عليك؛ أي: لا بأس عليك. وفي حذف الخبر يقول الناظم:
وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر … إذا المراد مع سقوطه ظهر*
(٣) الضمير في "يلتزمه": يحتمل أن يعود على حذف خبر "لا" سواء علم أو لم يعلم.
ويحتمل عوده على الخبر بقيد كونه معلوما بقرينة ما. ويكون المراد: أن الحجازيين يجيزون ذكر الخبر المعلوم وحذفه. أما التميميون، والطائيون فلا يجيزان ذكره. ولعل هذا هو الأقرب للصواب؛ لأن الجميع متفقون على أن الخبر غير المعلوم يجب ذكره.
стр. 369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسئلة والتمرينات:
١ ما الفرق بين "لا" التي للجنس، والتي للوحدة؟ في المعنى والعمل، مثل ووضح.
٢ يقع اسم "لا" الجنسية مفردا ومضافا. بين حكمه من الإعراب في الحالتين. ثم اشرح المراد بالمفرد هنا.
٣ متى تهمل "لا"؟ ومتى يجب تكرارها؟ وضح ذلك بأمثلة من إنشائك.
٤ كيف تعرب تابع اسم "لا" معطوفا، أو نعتا، أو بدلا؟ اذكر أمثلة موضحة.
٥ ما حكم "لا" إذ دخلت عليها الهمزة؟ وما المعاني التي تدل عليها عندئذ؟ مثل.
٦ بين موضع الاستشهاد بما يأتي في هذا الباب:
قال -تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾، "لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ"، ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾، وقال ﵊: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت".
من الأساليب العربية التي جرت مجرى الأمثال: لا هيثم الليلة للمطي. "وهيثم: اسم لص، أو سائق إبل"، وقولهم: بكيت ولا أمية في البلاد.
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله … ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
لا خيل عندك تهديها ولا مال … فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
فلا مزنة ودقت ودقها … ولا أرض أبقل إبقالها
٧ أعرب البيت الآتي، واشرحه شرحا أدبيا:
إذا كان إصلاحي لجسمي واجبا … فإصلاح نفسي لا محالة أوجب
٨ كون من إنشائك -في وصف الحالة الاجتماعية عندنا- ما يأتي:
أ- جملتين يكون اسم "لا" في إحداهما منصوبا بالفتحة، وفي الثانية بالياء.
ب- جملتين يكون اسم "لا" في إحداهما مبنيا على الفتح، وفي الثانية مبنيا على الكسر، وجملة يكون الاسم فيها منصوبا بالألف.
جـ- جملتين تكون "لا" في إحداهما واجبة التكرار، وفي الثانية ممنوعة التكرار.
стр. 370
هذا باب الأفعال الداخلة بعد استيفاء فاعلها (١) على المبتدأ والخبر (٢) فتنصبهما مفعولين:
أفعال هذا الباب نوعان: أحدهما أفعال القلوب. وإنما قيل لها ذلك؛ لأن معانيها قائمة بالقلب (٣)، وليس كل قلبي ينصب المفعولين؛ بل القلبي ثلاثة أقسام: ما لا يتعدى بنفسه؛ نحو: فكر وتفكر (٤). وما يتعدى لواحد؛ نحو: عرف، وفهم (٥)، وما يتعدى لاثنين، وهو المراد (٦).
هذا باب الأفعال التي تنصب مفعولين:
(١) هذا هو الأصل، وقد يتأخر الفاعل ويتقدم المبتدأ والخبر عليه، وقد يتقدمان على العامل إذا كانا مما يلزمان التصدير، كما سترى قريبا.
(٢) هذا بحسب الغالب؛ فلا يرد نحو: حسبت محمدا عليا، ولا صيرت الطين خرفا؛ مما ليس أصله مبتدأ وخبر، وإن أوله بعض النحاة.
(٣) أي: متصلة به، وهي المعاني التي تتردد في النفس، وتعرف بالأمور النفسية؛ كالفرح والحزن والفهم، والذكاء … إلخ
(٤) مثلهما حزن، وجبن.
(٥) مثلهما: خاف، وكره، وأحب.
(٦) أي: المقصود هنا من هذا الباب، والمفعول الثاني هو الذي تتحقق به الفائدة؛ لأنه الخبر في الأصل. وإلى هذا القسم يشير ابن مالك بقوله:
انصب بفعل القلب جزأي ابتدا … أعني رأى خال علمت وجدا
ظن حسبت وزعمت مع عد … حجا درى وجعل اللذ كاعتقد
وهب تعلم. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . . *
أي: انصب بفعل القلب جملة ذات ابتداء؛ أي: مبتدأ وخبر، ثم سرد أفعال القلوب. وأشار بقوله: أعني … إلخ، إلى أن المراد أفعال قلوب معينة كما يتضح بعد. كما أشار بقوله: وجعل اللذ كاعتقد؛ إلى أن "جعل" المقصود هنا، هي التي بمعنى اعتقد، أما "جعل" السابق شرحها في باب "أفعال المقاربة"، وكذلك "جعل" التي من أفعال التصيير، أو الرجحان الآتية، فليستا من هذا الباب.
стр. 371
وينقسم أربعة أقسام:
أحدها: ما يفيد في الخبر يقينا (١)، وهو أربعة: وجد (٢)، وألفى (٣)، وتعلم بمعنى اعلم (٤)، ودرى (٥)؛ قال الله -تعالى: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ (٦)، ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾، وقال الشاعر:
(١) أي: إن المتكلم يعتقد اعتقادا جازما لا يشوبه شك، سواء أكان هذا الاعتقاد صحيحا في الواقع، أم لا.
(٢) أي: بمعنى "علم"، ومصدرها الوجود، وقيل: الوجدان؛ فإن كان بمعنى أصاب وصادف تعدت إلى واحد، ومصدرها الوجدان، وإن كانت بمعنى استغنى أو حزن أو حقد؛ فهي لازمة، ومصدر الأولين وجد، والأخيرة موجدة.
(٣) لا يستعمل هذا الفعل هنا إلا مزيدا بالهمزة، ويأتي بمعنى: أصاب ووجد، فيتعدى لواحد؛ تقول فقدت كتابي، ثم ألفيته؛ أي: وجدته وأصبته.
(٤) هو فعل أمر جامد عند أكثر النحاة بمعنى "اعلم"، يراد به الأمر بتحصيل العلم والمعرفة في الحال، ويكثر دخوله على "أن" وصلتها. وقد يأتي بمعنى حصل العلم مستقبلا بالأخذ في أسبابه، فيتعدى لواحد؛ تقول تعلم فن الاختزال فهو مفيد في هذا العصر.
(٥) أي: بمعنى علم، والأكثر فيه أن يتعدى إلى مفعوليه بالباء، ويأتي بمعنى ختل وخدع، فيتعدى لواحد؛ تقول: دريت الصيد؛ أي: خدعته.
(٦) الهاء المتصلة بتجد مفعوله الأول، و"خيرا" مفعوله الثاني، و"هو" ضمير فصل لا محل له.
стр. 372
تعلم شفاء النفس قهر عدوها (١)
والأكثر وقوع هذا على "أن" وصلتها (٢) كقوله:
فقلت تعلم أن للصيد غرة (٣)(١) صدر بيت من الطويل، لزياد بن سيار بن عمرو بن جابر، وعجزه:
فبالغ بلطف في التحيل والمكر
اللغة والإعراب:
تعلم، فعل أمر ملازم لهذه الصيغة، بمعنى اعلم وتيقن. شفاء النفس: قضاء مطالبها ومآربها. بلطف: برفق ولين، النحيل: أخذ الأشياء بالحيلة والدهاء. "شفاء النفس" مفعول أول لتعلم ومضاف إليه. "قهر عدوها" مفعول ثان كذلك ومضاف إليه. "في التحيل" متعلق ببالغ. "والمكر" معطوف عليه.
المعنى: أن الذي يريح النفس ويجعلها مطمئنة بحصولها على ما ترغب وتحب، هو أن تظفر بعدوها وتقهره، فعليك أن تبذل جهدك، مع الترفق واتباع الحيل وأنواع الخداع، لتصل إلى مرغوبك من عدوك.
الشاهد: استعمال "تعلم" بمعنى "اعلم" ونصبه مفعولين، وكل منهما اسم ظاهر على غير الغالب فيها.
(٢) وحينئذ تسد "أن" ومعمولاها مسد المفعولين، ومعروف أن الصلة تشتمل على مسند ومسند إليه.
(٣) صدر بيت من الطويل، لزهير بن أبي سلمى المزني، من أصحاب المعلقات، وعجزه:
وإلا تضيعها فإنك قاتله
اللغة والإعراب:
تعلم: اعلم. غرة. غفلة. تضيعها. الضمير عائد على الفرصة التي تتيحها الغفلة. "تعلم" فعل أمر والفاعل أنت. "للصيد" خبر أن مقدم. "غرة" اسمها مؤخر، وأن وصلتها سدت مسد مفعولي تعلم. "وإن" شرطية. "لا تضيعها" فعل الشرط فإنك. "قاتله" الفاء واقعة في الجواب، والهاء في "قاتله" عائدة على الصيد.
المعنى: اعلم وتيقن يا صاحبي: أن للصيد أوقات يهدأ فيها ويستريح، وتعتريه غفلة وسكون، فإذا انتهزت هذه الفرصة، وصوبت إليه سهامك، فإنك قاتله لا محالة.
الشاهد: استعمال "تعلم" بمعنى اعلم، وقد عداها إلى المفعولين بأن المؤكدة وصلتها، وهذا هو الكثير في استعمالها.
стр. 373
وقال:
دريت الوفى العهد يا عرو فاغتبط (١)
والأكثر في هذا: أن يتعدى بالباء، فإذا دخلت عليه الهمزة تعدى لآخر بنفسه (٢)؛ نحو: ﴿وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ (٣).
(١) صدر بيت من الطويل، لم نقف على نسبته لقائل. وعجزه:
فإن اغتباطا بالوفاء حميد
اللغة والإعراب:
دريت: ماض مبني للمجهول، من درى بمعنى علم. فاغتبط: أمر من الغبطة؛ وهي تمني مثل ما للغير، من غير تمني زواله عنه، والمراد: أزدد فيما أنت عليه من الصفات الحميدة ليغبطك الناس، أو الدعاء له بأن يدوم على ما هو عليه؛ ليغبطه الناس. "دريت" ماض للمجهول، والتاء نائب فاعل، وهي المفعول الأول. "الوفي" مفعول ثان، وهو صفة مشبهة "العهد" فاعل بالوفي، أو مضاف إليه، أو منصوب على التشبيه بالمفعول به " يا عرو" يا للنداء، و"عرو" منادى مرخم بحذف التاء مبني على ضم الحرف المذكور أو المحذوف، على اللغتين المشهورتين: من ينتظر ومن لا ينتظر "فاغتبط" الفاء واقعة في جواب شرط مقدر، أي: إذا كنت كذلك فاغتبط. "فإن" الفاء للتعليل "اغتباطا" اسم إن "بالوفاء" متعلق به. "حميد" خبر إن.
المعنى: تيقن الناس وعلموا علما لا شك فيه يا عروة، أنك تفي بالعهد، ولا تنقضه، فلتغبط على هذه الخصلة الكريمة؛ فإن الاغتباط بمثل هذه الصفة أمر محمود ومشكور عند الله والناس.
الشاهد: نصب "درى"، وهو بمعنى اليقين، مفعولين بنفسه. أحدهما: التاء الواقعة نائب فاعل، والثاني: "الوفي" وهذا قليل، والكثير فيه، ما بينا قريبا؛ أي: يتعدى لواحد بالباء؛ تقول: دريت بكذا.
(٢) أي: إن دخلت عليه همزة التعدية، تعدى بها لواحد، وللثاني بالباء؛ كقوله -تعالى: ﴿وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ كما بين المصنف.
(٣) فضمير المخاطبين مفعول أول، والمجرور بالباء مفعول ثان. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾: إن الكاف مفعول أول، والجملة في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني المتعدي إليه بالحرف على إسقاط الجار. وجعلها بعضهم في مثل هذا، مما دخل فيه على الفعل استفهام، متعدية إلى ثلاثة مفاعيل، والجملة سدت مسد المفعولين.
стр. 374
والثاني: ما يفيد في الخبر رجحانًا (١)، وهو خمسة: جعل (٢)، وحجا (٣)، وعد (٤)، وهب (٥)، وزعم (٦)؛ نحو: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ (٧)،
(١) الرجحان أو الظن: ما ينشأ من تغلب أحد الدليلين المتعارضين في أمر على الآخر، بحيث يصير أقرب إلى اليقين منه إلى الشك.
(٢) أي: التي بمعنى "اعتقد" كما بين الناظم؛ فإن كانت بمعنى "أوجد"، تعدت لواحد؛ نحو: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾، أو بمعنى "أوجب، وفرض"، تعدت إلى واحد؛ بنفسها، وإلى الثاني بحرف الجر؛ تقول جعلت للمجد مكافأة سخية.
(٣) أي: بمعنى "ظن" فإن كانت بمعنى غلب في المحاجة والجدل، أو بمعنى قصد، أو رد، تعددت لواحد، وإن كانت بمعنى أقام، فهي لازمة.
(٤) أي: بمعنى الرجحان والظن، ومصدرها الزعم؛ فإن كانت بمعنى حسب، تعدت لواحد نحو: عددت النقود.
(٥) "هب" فعل ملازم لصيغة الأمر بمعنى ظن، ولا يستعمل منه ماض ولا مضارع بهذا المعنى. ويندر دخولها على "أن" وصلتها؛ كقولهم: هب أني فعلت كذا، ويكون المصدر المكون من "أن" ومعموليها سد مسد المفعولين. وكذلك "هب" أمر من الهبة؛ وهي التفضل على الموهوب له، يتعدى لمفعولين، أما "هب" من الهيبة؛ فيتعدى لواحد.
(٦) أي: بمعنى الرجحان، وتأتي بمعنى الاعتقاد، وتستعمل للشك غالبًا، ومصدرها الزعم؛ فإن كانت بمعنى كفل، أو رأس وساد، تعدت لواحد بنفسها أو بحرف الجر، ومصدرها الزعامة. وقد تستعمل "زعم" في القول، أو الخبر غير الصحيح؛ تقول: زعم فلان كذا؛ أي: قال أو أخبر خبرا غير صحيح.
(٧) فـ"الملائكة" مفعول أول، و"إناثًا" مفعول ثان.
стр. 375
وقوله:
قد كنت أحجو أبا عمرو أخا ثقة (١)
وقوله:
فلا تعدد المولى شريكك في الغنى (٢)
وقوله:
وإلا فهبني أمرًا هالكًا (٣)(١) صدر بيت من البسيط، ينسبه بعض النحاة لتميم بن مقبل. وقيل لغيره. وعجزه:
حتى ألمت بنا يومًا ملمات
اللغة والإعراب:
أحجو: أظن. ألمت: نزلت، ملمات: جمع ملمة؛ وهي النازلة من نوازل الدهر. "أحجو" فعل مضارع والفاعل أنا. "أبا عمر" مفعول أول لأحجو ومضاف إليه. "أخا" بالتنوين، مفعول ثان. "ثقة" صفة له، بغير تنوين مضاف إلى ثقة منصوب بالألف. "حتى" حرف غاية. "ملمات" فاعل ألمت.
المعنى: قد كنت أظن وأعتقد: أن أبا عمرو أخا مخلصا، يوثق به، ويعتمد عليه عند الملمات والشدائد، حتى نزلت بنا يوما حوادث مؤلمة، فتبين لي غير ما كنت أظن.
الشاهد: استعمال المضارع من حجا، بمعنى ظن، ونصبه مفعولين. قيل: ولم ينقل أحد من النحاة أن "حجا يحجو" ينصب مفعولين، غير ابن مالك ﵀.
(٢) صدر بيت من الطويل، للنعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي. وعجزه:
ولكنما المولى شريكك في العدم
اللغة والإعراب:
لا تعدد: لا تظن. المولى: يطلق على معان كثيرة، والمراد هنا: الصاحب والناصر. العدم: الفقر. "المولى" مفعول أول لتعدد. "شريكك" مفعول ثان ومضاف إليه. "لكنما" لكن حرف استدراك، و"ما" زائدة كافة. "المولى" مبتدأ. "شريكك" خبر ومضاف إليه.
المعنى: لا تظن الصاحب المخلص والصديق الوفي هو الذي يقاسمك ويشاطرك المودة والإخاء في حال يسارك وغناك، بل هو الذي يرافقك ويصاحبك في حال فقرك وضيق ذات يدك، وتألب الزمان عليك.
الشاهد: استعمال المضارع من "عد" بمعنى الظن، ونصبه مفعولين.
(٣) عجز بيت من المتقارب، لعبد الله بن همام السلولي، وصدره:
فقلت أجرني أبا مالك
=
стр. 376
وقوله:
زعمتني شيخا ولست بشيخ (١)
والأكثر في هذه: وقوعه على "أنْ" و"أنَّ" وصلتهما؛ نحو: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾.
= اللغة والإعراب:
أجرني: أغثني واحمني، وأصله: اتخذني لك جارا تدفع عنه وتحميه. هبني: احسبني وظنني. "أبا مالك" منادى بحذف حرف النداء ومضاف إليه. "وإلا" إن شرطية مدغمة في "لا" النافية، وفعل الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. "فهبني" الفاء واقعة في جواب الشرط، و"هب" فعل أمر والنون للوقاية والياء مفعول أول. "امرأ" مفعول ثان. "هالكا" صفة لامرأ.
المعنى: فقلت: أغثني واحمني ودافع عني يا أبا مالك، وأمني من أعدائي، وإن لم تفعل فظن أني هالك لا محالة.
الشاهد: ورود "هب" بمعنى ظن، ونصبه مفعولين، وهو فعل جامد ملازم للأمرية كما أسلفنا.
(١) صدر بيت من الخفيف، لأبي أمية الحنفي، واسمه أوس، وعجزه:
إنما الشيخ من يدب دبيبا
اللغة والإعراب:
شيخا، الشيخ: هو الذي ظهر عليه الضعف والشيب، ويغلب أن يكون من سن الخمسين، ويجمع على أشياخ وشيوخ. يدب دبيبا: يمشي مشيا وئيدا. "زعمتني" فعل ماض والنون للوقاية وياء المتكلم مفعول أول لزعم. "شيخا" مفعول ثان. "بشيخ" خبر ليس على زيادة الباء. "إنما" أداة حصر. "من" اسم موصول خبر من الشيخ. "يدب دبيبا" الجملة صلة.
المعنى: ظننت هذه المرأة حين رأت الشيب برأسي، أني أصبحت شيخا ضعيفا منهوك القوى، وهي في ذلك جد مخطئة؛ فالشيخ هو من يسير رويدا، وقد تقاربت خطاه، فلا يستطيع السير المعتاد، وأنا لست كذلك.
الشاهد: استعمال "زعم" بمعنى ظن، ونصبه مفعولين.
стр. 377
وقوله:
وقد زعمت أني تغيرت بعدها (١)
والثالث: ما يرد بالوجهين (٢) والغالب كونه لليقين، وهو اثنان: رأى (٣) وعلم (٤)؛ كقوله -جل ثناؤه: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (٥).
(١) صدر بيت من الطويل، لكثير عزة، وعجزه:
ومن ذا الذي يا عز لا يتغير
اللغة والإعراب:
زعمت: ظنت. تغيرت: تغير جسمي فأصبح هذيلا شاحب اللون. "أني تغيرت" الجملة من أن ومعموليها سدت مسد مفعولي زعم. "ومن ذا" مبتدأ. "الذي" خبر، أو "من" مبتدأ، "ذا" خبر، والذي بدل. "يا عز" يا:
حرف نداء، و"عز" منادى مرخم. "لا يتغير" الجملة صلة الموصول.
المعنى: ظنت عزة وهي تتحدث عني، لما رأته من تحول في بدني، وشحوب في لوني، وهزال في جسمي، أني تغيرت بعد فراقها والبعد عنها. ثم رجع وقال: ومن الذي لا يتغير بعد ما عانى من الوجد وألم الشوق والبعد؟
الشاهد: استعمال "زعم" بمعنى ظن، وتعديته للمفعولين بواسطة "أن" وصلتها، وهو الكثير فيها.
(٢) أي: يكون بمعنى اليقين أحيانا، وبمعنى الرجحان أحيانا أخرى، والقرينة تعين المراد.
(٣) تأتي بمعنى "علم" كثيرا، وبمعنى "ظن" قليلا؛ فإن كانت بصرية، أو من أصاب رئته، تعددت لواحد، وستأتي رأى الحلمية قريبا.
(٤) تأتي بمعنى" تيقن" كثيرا، وبمعنى "ظن" قليلا، أما علم بمعنى "عرف" فتتعدى لواحد، وسيبين المصنف ذلك. وعلم، بمعنى: انشقت شفته العليا. لازم. يقال: علم الرجل فهو أعلم، والأفلح: مشقوق الشفة السفلى.
(٥) اجتمع في هذه الآية المعنيان؛ أي: يظنون البعث ممتنعا، ونعلمه واقعا لا محالة، فالأولى للرجحان، والثانية لليقين.
стр. 378
وقوله -تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (١)، وقوله -تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ (٢).
والرابع: ما يرد بهما والغالب كونه للرجحان؛ وهو ثلاثة: ظن (٣)، وحسب (٤)، وخال (٥)؛ كقوله:
ظننتك إن شبت لظى الحرب صالبا (٦)(١) " اعلم" هنا بمعنى تيقن واعتقد، وأن واسمها وخبرها سدت مسد مفعوليها.
(٢) "علم" في الآية بمعنى ظن، والضمير "هن" مفعولها الأول، و"مؤمنات" المفعول الثاني.
(٣) أي: التي بمعنى الرجحان واليقين، وهي كثيرة في الأول، قليلة في الثاني، فإن كانت ظن بمعنى اتهم، تعدت لواحد، وسيبين المصنف ذلك.
(٤) أي: التي بمعنى ظن، وهي بكسر السين، وتأتي بمعنى تيقن بقلة، ويجوز فتح السين في المضارع وكسرها. أما "حسب" بفتح السين، فهي بمعنى عد، ومضارعها "يحسب" بضم السين.
(٥) أي: التي بمعنى ظن، وتأتي بمعنى علم قليلا. أما "خال" بمعنى تكبر -من الاختيال- فهي لازمة.
(٦) صدر بيت من الطويل، لم نقف على قائله، وعجزه:
فعردت فيمن كان عنها معردا
اللغة والإعراب:
شبت: اشتعلت واتقدت وتأججت. لظى الحرب: نارها وأوارها. صاليا: داخلا فيها، وخائضا غمارها. عردت: أحجمت وفررت، والتعريد: الفرار، أو سرعة الذهاب في الهزيمة. "ظننتك" الكاف مفعول أول لظننت. "إن شبت" شرط وفعله.
"لظى الحرب" فاعل شبت ومضاف إليه، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، "صاليا" مفعول ظن الثاني. "فعردت" الفاء عاطفة. "معردا" خبر كان، والجملة من كان ومعموليها صلة "من".
المعنى: ترجح عندي، إذا اضطرمت نيران الحرب وحمي وطيسها، أن تقتحمها وتخوض غمارها غير هياب ولا وجل، ففررت، وانهزمت مع المنهزمين.
الشاهد: استعمال ظن بمعنى الرجحان، ونصبها مفعولين كما بينا.
стр. 379
وكقوله -تعالى: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ (١)
وكقول الشاعر:
وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة (٢)
وقوله:
حسبت التقى والجود خير تجارة (٣)(١) " يظنون" في الآية بمعنى يتيقنون، وأن ومعمولاها سدت مسد المفعولين.
(٢) صدر بيت من الطويل، لزفر بن الحارث الكلابي، في وصف موقعة "مرج راهط" بالشام. وعجزه:
عشية لاقينا جذام وحميرا
وبعده:
فلما لقينا عصبة تغلبية … يقودون جردا في الأعنة ضمرا
سقيناهمو كأسا سقونا بمثلها … ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه … ببعض أبت عيدانه أن تكسرا
اللغة والإعراب:
"وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة": معناه: كنا ظننا شيئا فوجدنا الأمر على غير ذلك. وهذه العبارة مأخوذة من المثل: "ما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء تمرة". جذام وحمير: قبيلتان من قبائل اليمن، وجذام: لقب عمرو، وحمير: لقب العرنجج. "كل" مفعول أول حسبنا. "بيضاء" مضاف إليه. "شحمة" مفعول ثان. "عشية" منصوب على الظرفية بحسب. "جذام" مفعول لاقينا، و"حميرا" معطوف عليه، وهما ممنوعان من الصرف للعلمية والتأنيث لاسم القبيلة.
المعنى: كنا ظننا في قومنا؛ لما نعلمه من شجاعتهم ومقدرتهم الفائقة في الحرب القدرة على قهر الأعداء بمجرد اللقاء، مع شدتهم وبأسهم، وأن الأعداء سيهزمون حين يرون أنهم أمام شجعان لا قبل لهم بمنازلتهم، ولكنا وجدنا في الأعداء قدرة وصلابة وصمودا للقتال، وصبرا لم يكن منتظرا. وهذا من خبر ما قيل في إنصاف الخصوم.
الشاهد: استعمال "حسب" بمعنى الرجحان، ونصبه مفعولين.
(٣) صدر بيت من الطويل، للبيد بن ربيعة، وعجزه: =
стр. 380
وكقوله:
إخالك إن لم تغضض الطرف ذا هوى (١)
=
رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا
اللغة والإعراب:
رباحا، أي: ربحا. ثاقلا، أي: ميتا؛ لأن الجسم يثقل إذا فارقته الروح. "التقى" مفعول أول حسب. "خير تجارة" مفعول ثان ومضاف إليه. "رباحا" منصوب على التمييز. "إذا" شرطية. "ما" زائدة. "المرء" اسم لأصبح محذوفة تفسرها المذكورة، وخبرها محذوف أيضا. "ثاقلًا" بمعنى ثقيلا، خبر أصبح. ويجوز أن يكون "المرء" مبتدأ، وجملة "أصبح" خبره.
المعنى: علمت وتيقنت أن تقوى الله، والجود بالمال وبالنفس إذا اقتضى الأمر، أحسن تجارة تعود على الإنسان بخير ربح، إذا مات وفارق هذه الدنيا؛ ذلك لأنه سيجد ما أعده الله خيرا وأعظم أجرا.
الشاهد: استعمال حسب بمعنى علم، ونصبه مفعولين كما ذكرنا.
(١) صدر بيت من الطويل، لم نقف على قائله. وعجزه:
يسومك ما لا يستطاع من الوجد
اللغة والإعراب:
إخالك: أظنك، وهو بكسر الهمزة، مع أن القياس في همزة المضارعة فتحها، ولكن جمهور العرب كسروها في هذا الفعل، ما عدا بنو أسد؛ فإنهم يفتحونها على القياس. تغضض الطرف: تصرف العين وتغمضها. ذا هوى: صاحب عشق. يسوم: يكلفك ويجشمك. الوجد: الهيام والحزن. "إخالك" فعل مضارع، والفاعل أنا، والكاف مفعول أول. "إن لم تغضض" شرط وفعله. "الطرف" مفعوله، والجواب محذوف يدل عليه ما قبله. "ذا" بمعنى صاحب، مفعول ثان لإخال. "هوى" مضاف إليه. "يسومك" مضارع فاعله يعود على هوى والكاف مفعوله، والجملة صفة لهوى. "ما" اسم موصول مفعول ثان ليسومك. "لا يستطاع" الجملة صلة ما. "من الوجد" بيان لما.
المعنى: أظنك إن لم تغمض عينيك، وتكف بصرك عن النظر إلى الحسان ومفاتنهن، صاحب عشق وحب، يجشمك الصعاب، ويقودك إلى ما لا تستطيع تحمله من الحزن والألم.
الشاهد: استعمال مضارع خال -وهو بمعنى الرجحان- في نصب مفعولين؛ هما كاف الخطاب، و"ذا هوى".
стр. 381
وقوله:
ما خلتني زلت بعدكم ضمنًا (١)
تنبيهان الأول: ترد علم بمعنى عرف (٢)، وظن بمعنى اتهم (٣)، ورأى بمعنى الرأي؛ أي: المذهب (٤)، وحجا بمعنى قصد، فيتعدين إلى واحد؛ نحو: ﴿وَاللَّهُ
(١) صدر بيت من المنسرح، أنشده خلف الأحمر من الكوفيين، ولم ينسبه، وعجزه:
أشكو إليكم حموة الألم
اللغة والإعراب:
ضمنا: زمنا مبتلى. حموة الألم: شدته وسورته. "ما خلتني" ما نافية. "خلت" فعل وفاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول. "زلت" فعل ماض ناقص، والتاء اسمها. "بعدكم" ظرف متعلق بضمنا الواقع مفعولا ثانيا لخلت. "أشكو" فعل مضارع، والجملة خبر زال. "حموة" مفعول أشكو. "الألم" مضاف إليه. ويجوز أن يكون "ضمنا" خبر زال، وجملة "أشكو" هي مفعول "خال" الثاني.
المعنى: يقول لمن فارقهم من الأحبة: ما ظننت أني سأبقى بعد فراقكم وبعدكم عني، مريضا أشكو شدة الألم من البعد والفراق والشوق إليكم.
الشاهد: استعمال خال بمعنى الرجحان، ونصبه مفعولين كما ذكرنا في الإعراب.
(٢) ويكون مصدرها العلم بمعنى العرفان؛ تقول: علمت الخبر؛ أي: عرفته.
(٣) ومصدرها الظن بمعنى الاتهام؛ تقول: اختفت النقود فظننت الخادم؛ أي: اتهمته. وإلى هذين يشير الناظم بقوله:
لعلم عرفان وظن تهمه … تعدية لواحد ملتزمه*
أي: للعلم الدال على معنى العرفان، والظن الذي معناه التهمة؛ يرين أن علم إذا كانت بمعنى عرف، ومصدرها العرفان، وظن إذا كانت بمعنى اتهم، ومصدرها الظن بمعنى الاتهام، تعدت كل منهما إلى مفعول واحد. وخصهما الناظم بالتنبيه؛ لأنهما الأصل؛ ولأنهما لا يخرجان عن القلبية. أما غيرهما فينصب مفعولين حملًا عليهما، ويخرج عن القلبية غالبًا.
(٤) فيكون معنى رأى ذهب واعتقد.
стр. 382
أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (١)، ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ (٢)، وتقول: رأى أبو حنيفة حل كذا، ورأى الشافعي حرمته (٣)، وحجوت بيت الله (٤). وترد وجد بمعنى حزن، أو حقد فلا يتعديان (٥). وتأتي هذه الأفعال وبقية أفعال الباب لمعان أخر غير قلبية فلا تتعدى لمفعولين (٦). وإنما لم يحترز عنها؛ لأنها لم يشملها قولنا: "أفعال القلوب".
الثاني: ألحقوا رأي الحلمية (٧) برأي العملية في التعدي لاثنين؛ كقوله:
أراهم رفقتي حتى إذا ما (٨)
ومصدرها الرؤيا؛ نحو: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ﴾. ولا تختص الرؤيا
(١) معنى لا تعلمون: لا تعرفون. و"شيئا" مفعوله.
(٢) بظنين -على قراءة الظاء- أي: بمتهم.
(٣) معنى رأى في هذا المثال: اعتقد، فيتعدى لمفعول واحد؛ هو لفظ "حل" للأولى، و"حرمة" للثانية.
وقال الرضي: إن رأى التي من الرأي بمعنى الاعتقاد، تتعدى أحيانا لاثنين؛ مثل: رأى أبو حنيفة كذا حلالا، ورأى الشافعي كذا حراما. وتارة تتعدى لواحد هو مصدر ثاني هذين الفعلين مضافا إلى أولهما؛ كما ذكر المصنف.
قال الصبان: "وهذا صريح في جواز استعمال أفعال هذا الباب متعدية إلى واحد هو مصدر ثاني الجزأين مضافا إلى أولهما، من غير تقدير مفعول ثان؛ لأن هذا المصدر هو المفعول به في الحقيقة". وهو قول وجيه.
(٤) حجوت بمعنى قصدت ونويت. و"بيت الله" مفعوله ومضاف إليه.
(٥) تقول: وجد محمد على أبيه؛ أي: حزن أو حقد. وتقدم القول في ذلك.
(٦) ذكرنا المشهور من هذه المعاني عند ذكر كل فعل؛ فتنبه.
(٧) أي: الدالة على الرؤيا المنامية.
(٨) صدر بيت من الوافر، لعمرو بن أحمر الباهلي، من قصيدة يذكر فيها جماعة من قومه فارقوه ولحقوا بالشام؛ فصار يراهم في منامه، وعجزه: =
стр. 383
بمصدر الحلمية، بل تقع مصدرًا للبصرية،
=
تجافى الليل وانخزل انخزالا
وبعده:
إذا أنا كالذي يجري لورد … إلى آل فلم يدرك بلالا
اللغة والإعراب:
رفقتي: الرافقة: الجماعة ينزلون جملة ويرتحلون جملة. تجافى الليل: زال وذهب. وانخزل: انطوى وانقطع. لورد، الورد: المنهل العذب الذي يشرب منه. آل: هو السراب، وما تراه وسط النهار كأنه ماء وليس بماء. بلالا: ما يبل به الحلق من ماء وغيره، والمراد هنا الماء. "أراهم" أرى فعل مضارع والفاعل أنا، و"هم" مفعول أول. "رفقتي" مفعول ثان. "حتى" ابتدائية. "إذا" ظرف مضمن معنى الشرط. "ما" زائدة. "تجافى الليل" فعل وفاعل، والجملة فعل الشرط، والجواب: "إذا أنا كالذي يجري لورد"؛ أول البيت الثاني.
المعنى: إن هؤلاء الرفاق؛ وهم كما جاء في البيت الذي قبل بيت الشاهد:
أبو حنش يؤرقني وطلق … وعمار وآونة أثالا
أراهم مجتمعين معي مناما، حتى إذا انطوى الليل واستيقظت من نومي لا أرى أحدا، فأنا كالظمآن الذي يرى السراب فيظنه ماء، فإذا جاءه لم يجد شيئا، فيعود ولم ينل مأربا.
الشاهد: إعمال "أرى" التي بمعنى الرؤية في النوم، ونصبها مفعولين؛ كأرى التي بمعنى علم؛ لما بينهما من تشابه؛ لأن الرؤيا إدراك بالحس الباطن كالعلم. وفي هذا يقول الناظم:
ولرأى الرؤيا انم ما لعلما … طالب مفعولين من قبل انتمى*
أي: انسب للفعل "رأى" الذي مصدره الرؤيا المنامية، ما انتسب من قبل للفعل "علم" الذي يطلب مفعولين لينصبهما.
стр. 384
خلافًا للحريري (١)، وابن مالك؛ بدليل: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾. قال ابن عباس: هي رؤيا عين (٢).
(١) هو أبو محمد، القاسم بن علي بن محمد الحريري، صاحب المقامات المشهورة. كان غاية في الذكاء والفطنة والبلاغة، وأحد أئمة عصره في اللغة. وحسبك دليلا على ذلك مقاماته التي بز بها الأوائل، وأعجز الأواخر. وله غير ذلك مصنفات حسنة؛ منها: درة الغواص في أوهام الخواص، وملحة الإعراب وشرحها في النحو. وله ديوان شعر، وفي مقاماته كثير من شعره. وكان ﵀ دميما مبتلى بنتف لحيته. وتوفي بالبصرة سنة ٥١٦ هـ.
(٢) ومع هذا فالمشهور استعمالها في الحلمية.
стр. 385
النوع الثاني: أفعال التصنيير (١)؛ كجعل، ورد، وترك، واتخذ، وتخذ، وصير، ووهب (٤). قال الله -تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (٢)، ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ (٣)، ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ (٤)، ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾،
(١) أي: الأفعال التي تدل على التحويل من حالة إلى حالة أخرى، ولم يذكرها الناظم. واكتفى بأن يشير إليها بقوله:
والتي كصيرا … أيضا بها انصب مبتدًا وخبرا*
(٢) أي: التي بمعنى صير، ولا يستعمل في هذا المعنى إلا بصيغة الماضي.
(٣) الهاء في جعلناه "مفعول أول"، وهي عائدة على عمل الكفار. "هباء" مفعول ثان. "منثورا" صفة لهباء. والهباء: ذرات التراب الصغيرة، وما يرى من ذرات في شعاع الشمس، ومعنى منثورا: مبعثرا.
(٤) "كُمْ" من "يردونكم" مفعول أول "يردون". "كفارا" مفعول ثان.
"بعضهم" مفعول أول لترك ومضاف إليه. "يومئذ" ظرف مضاف لإذ. "يموج" الجملة في محل نصب مفعول ثان، ومن العلماء من يجعل ترك متعديا لواحد، وينصب المفعول الثاني على الحال.
стр. 386
وقال الشاعر:
تخذت غراز إثرهم دليلًا (١)
وقال:
فصيروا مثل كعصف مأكول (٢)(١) صدر بيت من الوافر لأبي جندب بن مرة الهذلي، من أبيات يقولها في بني لحيان. وعجزه:
وفروا في الحجاز ليعجزوني
اللغة والإعراب:
غراز: اسم واد، وقيل: اسم جبل. إثرهم: عقب رحيلهم.
ليعجزوني: ليغلبوني، وذلك بأن يفلتوا مني فلا أدركهم. "غراز" مفعول أول لتخذت ممنوع من الصرف على إرادة البقعة. "إثرهم" منصوب على الظرفية ومضاف إليه. "دليلًا" مفعول ثان. "في الحجاز" متعلق بفروا، و"في" بمعنى إلى. "ليعجزوني" اللام للتعليل، و"يعجزوني" منصوب بأن مضمرة بعد اللام.
المعنى: يذم بني لحيان؛ وقد كانت بينه وبينهم خصومة؛ فيقول: إني تتبعت أثرهم بعد رحيلك، ولكنهم فروا إلى الحجاز؛ ليعجزوني؛ وذلك بأن يفوتوني فلا أدركهم.
الشاهد: استعمال "تخذ" ونصبه مفعولين، وهو من أفعال التنصير.
(٢) عجز بيت من السريع الموقوف بسكون لام مأكول، وهو لرؤبة بن العجاج، وصدره:
ولعبت طير بهم أبابيل
اللغة والإعراب:
أبابيل: جماعات وفرق، واحده إبول أو إبيل، وقيل: لا واحد له. كعصف: العصف: الزرع الذي أكل حبه وبقي تبنه وورقه، وقيل: التين. "فصيروا" فعل ماض للمجهول، والواو نائب فاعل، وهي المفعول الأول. "مثل" المفعول الثاني. "كعصف" الكاف بمعنى مثل، توكيد لمثل المذكورة، و"عصف" مضاف إليه. "مأكول" صفة لعصف، وسكن للروي. وقيل: الكاف زائدة. و"عصف" مضاف إليه بمثل.
المعنى: يصف الشاعر قوما هلكوا واستؤصلوا، فلم يبق لهم أثر يذكر. ولعله يشير إلى قصة أصحاب الفيل، فشبههم بالزرع الذي عبثت به جماعات الطيور، فأكلت حبه، ولم تترك منه غير ورقه الجاف.
الشاهد: استعمال "صير"، وهي من أفعال التحويل، ونصبه مفعولين: أولهما واو الجماعة النائبة عن الفاعل، والثاني "مثل".
стр. 387
وقالوا: وهبني الله فداك (١). وهذا ملازم للمضي.
لهذه الأفعال ثلاثة أحكام:
أحدها الإعمال: وهو الأصل، وهو واقع في الجميع (٢).
الثاني الإلغاء: وهو إبطال العمل لفظًا ومحلا لضعف العامل بتوسطه، أو تأخره؛ كزبيد ظننت قائم، وزيد ظننت (٣).
قال:
وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور (٤)(١) قول لبعض العرب في الدعاء. ومعنى وهبني: صيرني. وياء المتكلم مفعول أول. و"فداك" مفعول ثان، وهو بالكسر يمد ويقصر، وبالفتح يقصر لا غير.
(٢) أي: في أفعال القلوب، وفي أفعال التصيير، سواء منها المتصرف أو الجامد على النحو الذي ذكر. وقد مر أن الأفعال القلبية متصرفة إلا فعلين؛ هما: "تعلم" بمعنى اعلم، و"هب" بمعنى ظن، والذي يعمل من المتصرف هو الماضي وحده في الغالب، أما أفعال التصيير فالجامد منها هو "وهب"، ويلزم المضي كما سبق.
(٣) المثال الأول لتوسط العامل بين المبتدأ والخبر "مفعوليه"، والثاني لتأخره عنهما. والإلغاء في الحالتين جائز لا واجب، إلا في مسائل ستذكر فيما بعد.
(٤) عجز بيت من البسيط، لمنازل بن ربيعة المتقري، يهجو العجاج الراجز المشهور. وصدره:
أبالأراجيز يابن اللؤم توعدني
اللغة والإعراب:
الأراجيز: جميع أرجوزة، وهي ما كان من الشعر من بحر الرجز، وقد كان من الشعراء من لا يقول غير الرجز؛ كالعجاج وابنه رؤبة، ومنهم من يقول الشعر لا غير، وآخرون يقولون النوعين. توعدني: تتهددني.
اللؤم: دناءة الأصل وشح النفس. الخور: الضعف. "أبالأراجيز" الهمزة للاستفهام، و"بالأراجيز" متعلق بتوعدني. "يابن اللؤم" منادى ومضاف إليه.
"وفي الأراجيز" خبر مقدم، والواو للحال. "خلت" فعل وفاعل. "اللؤم" مبتدأ مؤخر. "والخور" معطوف على اللؤم، وجملة "خلت" معترضة بين المبتدأ والخبر.
المعنى: أتتهددني بالأراجيز يا دنيء الأصل، ويا وضيع النسب؟ وفي هذه الأراجيز الدناءة والضعف. وقد جعله ابنا للؤم مبالغة في هجائه.
الشاهد: إلغاء "خال"؛ لتوسطها بين المفعولين، فرفعا على المبتدأ والخبر.
стр. 388
وقال:
هما سيدانا يزعمان وإنما (١)
وإلغاء المتأخر أقوى من إعماله (٢)، والمتوسط بالعكس (٣).
(١) صدر بيت من الطويل، لأبي أسيدة الدبيري. وعجزه:
يسوداننا إن أيسرت غنماهما
وقبله:
وإن لنا شيخين لا ينفعاننا … غنيين لا يجري علينا غناهما
اللغة والإعراب:
يزعمان: يظنان: أيسرت غنماهما: كثرت ألبانها ونسلها. "هما" ضمير منفصل مبتدأ. "سيدانا" خبر ومضاف إليه. "يزعمان" فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والألف فاعل. "وإنما" أداة حصر لا عمل لها. "إن" شرطية. "أيسرت" فعل الشرط. "غنماهما" فاعل أيسرت ومضاف إليه. وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله.
المعنى: إن لنا في قومنا شيخين، طعنا في السن غنيين، لا يعود علينا من غناهما شيء، ومع ذلك يزعمان أنهما سيدانا وصاحبا الأمر فينا.
وإنما يكونان كذلك، ويستحقان اسم السيادة علينا؛ إذا أيسرت غنماهما وأجريا علينا شيئًا مما أنعم الله به عليهما.
الشاهد: إلغاء عمل الفعل "يزعم" في معموليه لتأخره عنهما؛ فرفعا على المبتدأ والخبر.
(٢) وذلك لضعفه بالتأخر، ويشترط لجواز الأمرين: عدم انتفاء العامل، وإلا وجب الإعمال؛ نحو: محمدا مسافرا لم أدر، وكون العامل غير مصدر؛ نحو: على مجد ظني، وألا تدخل على الاسم لام الابتداء؛ نحو: لرأيك ناضج خلت، وإلا وجب الإلغاء في الموضعين. ويرى بعضهم أن الثاني من باب التعليق، وتأخير الفعل مع وجود المعلق، لا يمنع التعليق.
(٣) أي: إن الإعمال أقوى من الإهمال، ومحل هذا إذا لم تتقدم على الاسم لام الابتداء، وإلا وجب الإلغاء. وإذا كان الفعل منفيا تعين الإعمال كما سبق في المتأخر.
стр. 389
وقيل: هما في المتوسط بين المفعولين سواء.
الثالث التعليق: هو إبطال العمل لفظًا لا محلا (١)؛ لمجيء ما له صدر الكلام بعده، وهو: لام الابتداء؛ نحو: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ (٢) مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾. ولام القسم كقوله:
ولقد علمت لتأتين منيتي (٣)(١) أي: إن العامل يمنع من العمل الظاهر؛ وهو النصب في لفظ المفعولين أو أحدهما ولكنه في التقدير عامل؛ وذلك بسبب مانع يحول بينه وبين العامل الظاهر. وسمي هذا النوع من العمل تعليقًا؛ لأن العامل متعلق بالمحل ومقدر عمله فيه، وإن بطل عمله في اللفظ؛ بسبب هذا المانع كما سترى. واعلم أن الجملة في حالة التعليق لفظها مرفوع ولكنها في محل نصب؛ فإذا عطفت عليها جاز مراعاة لفظها برفع المعطوف، وجاز نصبه مراعاة لمحلها. أما في حالة الإلغاء فالجملة لا محل لها من الإعراب، ولا يعطف عليها إلا بالرفع تبعا للفظها.
(٢) فاللام في "لمن" للابتداء، و"من" اسم موصول مبتدأ أول، وجملة أول جملة "اشتراه" صلة "ما" ثانية "له" خبر مقدم، "من خلان" مبتدأ ثان مؤخر على زيادة من، والجملة خبر الأول وهو "من" الموصولة، وجملة "من اشتراه" في محل نصب سدت مسد مفعولي "علم"، وقد علق عن العمل في اللفظ بسبب لام الابتداء بعده؛ لأن لها الصدارة فلا يتخطاها عامل، وإلا فقدت صدارتها.
(٣) صدر بيت من الكامل؛ للبيد بن ربيعة من معلقته المشهورة. وعجزه:
إن المنايا لا تطيش سهامها
اللغة والإعراب:
منيتي: المنية: الموت. لا تطيش: لا تخيب ولا تخطئ؛ يقال طاش السهم: إذا لم يصب الهدف. سهامها: جمع سهم. "ولقد" الواو حرف قسم، والمقسم به محذوف، واللام واقعة في جواب القسم، وقد للتحقيق. "علمت" الجملة جواب القسم لا محل لها. "لتأتين" اللام واقعة في جواب قسم آخر مقدر، وتأتين مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. "منيتي" فاعل. والجملة من الفعل والفاعل سدت مسد مفعولي "علم" المعلق بلام القسم؛ فيكون قد أقسم على العلم، وأقسم على الإتيان.
وقيل: إن لتأتين جواب القسم المذكور. ولا يقدر قسم بعد علمت، واللام في لقد للتوكيد.
المعنى: لقد أيقنت أني سألاقي الموت، وأن منيتي آتية لا محالة؛ لأن الموت مقدر ونازل بكل مخلوق، ولا يفلت منه أحد أبدا.
الشاهد: وقوع "علمت" قبل لام جواب القسم؛ وهي لها الصدارة، فعلقت عن العمل في لفظ الجملة بعدها، وهي في محل نصب سدت مسد المفعولين كما بينا في الإعراب.
стр. 390
و"ما" النافية؛ نحو: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ (١). و"لا" و"إن" النافيتان في جواب قسم ملفوظ به، أو مقدر (٢)؛ نحو: علمت والله لا زيد في الدار ولا عمرو، وعلمت إن زيد قائم (٣).
والاستفهام، وله صورتان:
إحداهما: أن يعترض حرف الاستفهام بين العامل والجملة؛ نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ (٤)(١) " ما" نافية. "هؤلاء" مبتدأ. "ينطقون" الجملة خبر. والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب سدت مسد مفعولي "علم"، وهي معلقة عنها لفظا بما النافية.
(٢) لأن لها الصدارة حينئذ، ويرى البعض عدم اشتراط القسم قبل كل أداة من الثلاثة؛ لعدم وروده في الأساليب الفصيحة. ولا فرق في الأحرف الثلاثة بين العاملة منها والمهملة؛ فكلها مع الإعمال أو الإهمال صالحة لأن تكون أداة تعليق.
(٣) مثال للقسم المقدر مع "إن"، وما قبله مثال للقسم الملفوظ به مع "لا". وعلى كل فجملة جواب القسم مع الفعل الملفوظ به أو المقدر في محل نصب سدت مسد المفعولين، وقد علق عنها الفعل.
(٤) "إن" نافية. "أدري" فعل مضارع والفاعل أنا. "أقريب" الهمزة للاستفهام، وقريب مبتدأ. "أم بعيد" معطوف عليه. "ما" اسم موصول خبر المبتدأ وما عطف عليه، أو فالع سد مسد الخبر. "توعدون" الجملة صلة والعائد محذوف، ويجوز أن يعرب "قريب" خبرا مقدما، و"ما" مبتدأ مؤخر، وعلى كل فالجملة في موضع نصب. "بأدري"؛ أي: ما أدري جواب هذا السؤال.