وقال الشاعر:
تخذت غراز إثرهم دليلًا (١)
وقال:
فصيروا مثل كعصف مأكول (٢)(١) صدر بيت من الوافر لأبي جندب بن مرة الهذلي، من أبيات يقولها في بني لحيان. وعجزه:
وفروا في الحجاز ليعجزوني
اللغة والإعراب:
غراز: اسم واد، وقيل: اسم جبل. إثرهم: عقب رحيلهم.
ليعجزوني: ليغلبوني، وذلك بأن يفلتوا مني فلا أدركهم. "غراز" مفعول أول لتخذت ممنوع من الصرف على إرادة البقعة. "إثرهم" منصوب على الظرفية ومضاف إليه. "دليلًا" مفعول ثان. "في الحجاز" متعلق بفروا، و"في" بمعنى إلى. "ليعجزوني" اللام للتعليل، و"يعجزوني" منصوب بأن مضمرة بعد اللام.
المعنى: يذم بني لحيان؛ وقد كانت بينه وبينهم خصومة؛ فيقول: إني تتبعت أثرهم بعد رحيلك، ولكنهم فروا إلى الحجاز؛ ليعجزوني؛ وذلك بأن يفوتوني فلا أدركهم.
الشاهد: استعمال "تخذ" ونصبه مفعولين، وهو من أفعال التنصير.
(٢) عجز بيت من السريع الموقوف بسكون لام مأكول، وهو لرؤبة بن العجاج، وصدره:
ولعبت طير بهم أبابيل
اللغة والإعراب:
أبابيل: جماعات وفرق، واحده إبول أو إبيل، وقيل: لا واحد له. كعصف: العصف: الزرع الذي أكل حبه وبقي تبنه وورقه، وقيل: التين. "فصيروا" فعل ماض للمجهول، والواو نائب فاعل، وهي المفعول الأول. "مثل" المفعول الثاني. "كعصف" الكاف بمعنى مثل، توكيد لمثل المذكورة، و"عصف" مضاف إليه. "مأكول" صفة لعصف، وسكن للروي. وقيل: الكاف زائدة. و"عصف" مضاف إليه بمثل.
المعنى: يصف الشاعر قوما هلكوا واستؤصلوا، فلم يبق لهم أثر يذكر. ولعله يشير إلى قصة أصحاب الفيل، فشبههم بالزرع الذي عبثت به جماعات الطيور، فأكلت حبه، ولم تترك منه غير ورقه الجاف.
الشاهد: استعمال "صير"، وهي من أفعال التحويل، ونصبه مفعولين: أولهما واو الجماعة النائبة عن الفاعل، والثاني "مثل".
стр. 387
وقالوا: وهبني الله فداك (١). وهذا ملازم للمضي.
لهذه الأفعال ثلاثة أحكام:
أحدها الإعمال: وهو الأصل، وهو واقع في الجميع (٢).
الثاني الإلغاء: وهو إبطال العمل لفظًا ومحلا لضعف العامل بتوسطه، أو تأخره؛ كزبيد ظننت قائم، وزيد ظننت (٣).
قال:
وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور (٤)(١) قول لبعض العرب في الدعاء. ومعنى وهبني: صيرني. وياء المتكلم مفعول أول. و"فداك" مفعول ثان، وهو بالكسر يمد ويقصر، وبالفتح يقصر لا غير.
(٢) أي: في أفعال القلوب، وفي أفعال التصيير، سواء منها المتصرف أو الجامد على النحو الذي ذكر. وقد مر أن الأفعال القلبية متصرفة إلا فعلين؛ هما: "تعلم" بمعنى اعلم، و"هب" بمعنى ظن، والذي يعمل من المتصرف هو الماضي وحده في الغالب، أما أفعال التصيير فالجامد منها هو "وهب"، ويلزم المضي كما سبق.
(٣) المثال الأول لتوسط العامل بين المبتدأ والخبر "مفعوليه"، والثاني لتأخره عنهما. والإلغاء في الحالتين جائز لا واجب، إلا في مسائل ستذكر فيما بعد.
(٤) عجز بيت من البسيط، لمنازل بن ربيعة المتقري، يهجو العجاج الراجز المشهور. وصدره:
أبالأراجيز يابن اللؤم توعدني
اللغة والإعراب:
الأراجيز: جميع أرجوزة، وهي ما كان من الشعر من بحر الرجز، وقد كان من الشعراء من لا يقول غير الرجز؛ كالعجاج وابنه رؤبة، ومنهم من يقول الشعر لا غير، وآخرون يقولون النوعين. توعدني: تتهددني.
اللؤم: دناءة الأصل وشح النفس. الخور: الضعف. "أبالأراجيز" الهمزة للاستفهام، و"بالأراجيز" متعلق بتوعدني. "يابن اللؤم" منادى ومضاف إليه.
"وفي الأراجيز" خبر مقدم، والواو للحال. "خلت" فعل وفاعل. "اللؤم" مبتدأ مؤخر. "والخور" معطوف على اللؤم، وجملة "خلت" معترضة بين المبتدأ والخبر.
المعنى: أتتهددني بالأراجيز يا دنيء الأصل، ويا وضيع النسب؟ وفي هذه الأراجيز الدناءة والضعف. وقد جعله ابنا للؤم مبالغة في هجائه.
الشاهد: إلغاء "خال"؛ لتوسطها بين المفعولين، فرفعا على المبتدأ والخبر.
стр. 388
وقال:
هما سيدانا يزعمان وإنما (١)
وإلغاء المتأخر أقوى من إعماله (٢)، والمتوسط بالعكس (٣).
(١) صدر بيت من الطويل، لأبي أسيدة الدبيري. وعجزه:
يسوداننا إن أيسرت غنماهما
وقبله:
وإن لنا شيخين لا ينفعاننا … غنيين لا يجري علينا غناهما
اللغة والإعراب:
يزعمان: يظنان: أيسرت غنماهما: كثرت ألبانها ونسلها. "هما" ضمير منفصل مبتدأ. "سيدانا" خبر ومضاف إليه. "يزعمان" فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والألف فاعل. "وإنما" أداة حصر لا عمل لها. "إن" شرطية. "أيسرت" فعل الشرط. "غنماهما" فاعل أيسرت ومضاف إليه. وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله.
المعنى: إن لنا في قومنا شيخين، طعنا في السن غنيين، لا يعود علينا من غناهما شيء، ومع ذلك يزعمان أنهما سيدانا وصاحبا الأمر فينا.
وإنما يكونان كذلك، ويستحقان اسم السيادة علينا؛ إذا أيسرت غنماهما وأجريا علينا شيئًا مما أنعم الله به عليهما.
الشاهد: إلغاء عمل الفعل "يزعم" في معموليه لتأخره عنهما؛ فرفعا على المبتدأ والخبر.
(٢) وذلك لضعفه بالتأخر، ويشترط لجواز الأمرين: عدم انتفاء العامل، وإلا وجب الإعمال؛ نحو: محمدا مسافرا لم أدر، وكون العامل غير مصدر؛ نحو: على مجد ظني، وألا تدخل على الاسم لام الابتداء؛ نحو: لرأيك ناضج خلت، وإلا وجب الإلغاء في الموضعين. ويرى بعضهم أن الثاني من باب التعليق، وتأخير الفعل مع وجود المعلق، لا يمنع التعليق.
(٣) أي: إن الإعمال أقوى من الإهمال، ومحل هذا إذا لم تتقدم على الاسم لام الابتداء، وإلا وجب الإلغاء. وإذا كان الفعل منفيا تعين الإعمال كما سبق في المتأخر.
стр. 389
وقيل: هما في المتوسط بين المفعولين سواء.
الثالث التعليق: هو إبطال العمل لفظًا لا محلا (١)؛ لمجيء ما له صدر الكلام بعده، وهو: لام الابتداء؛ نحو: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ (٢) مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾. ولام القسم كقوله:
ولقد علمت لتأتين منيتي (٣)(١) أي: إن العامل يمنع من العمل الظاهر؛ وهو النصب في لفظ المفعولين أو أحدهما ولكنه في التقدير عامل؛ وذلك بسبب مانع يحول بينه وبين العامل الظاهر. وسمي هذا النوع من العمل تعليقًا؛ لأن العامل متعلق بالمحل ومقدر عمله فيه، وإن بطل عمله في اللفظ؛ بسبب هذا المانع كما سترى. واعلم أن الجملة في حالة التعليق لفظها مرفوع ولكنها في محل نصب؛ فإذا عطفت عليها جاز مراعاة لفظها برفع المعطوف، وجاز نصبه مراعاة لمحلها. أما في حالة الإلغاء فالجملة لا محل لها من الإعراب، ولا يعطف عليها إلا بالرفع تبعا للفظها.
(٢) فاللام في "لمن" للابتداء، و"من" اسم موصول مبتدأ أول، وجملة أول جملة "اشتراه" صلة "ما" ثانية "له" خبر مقدم، "من خلان" مبتدأ ثان مؤخر على زيادة من، والجملة خبر الأول وهو "من" الموصولة، وجملة "من اشتراه" في محل نصب سدت مسد مفعولي "علم"، وقد علق عن العمل في اللفظ بسبب لام الابتداء بعده؛ لأن لها الصدارة فلا يتخطاها عامل، وإلا فقدت صدارتها.
(٣) صدر بيت من الكامل؛ للبيد بن ربيعة من معلقته المشهورة. وعجزه:
إن المنايا لا تطيش سهامها
اللغة والإعراب:
منيتي: المنية: الموت. لا تطيش: لا تخيب ولا تخطئ؛ يقال طاش السهم: إذا لم يصب الهدف. سهامها: جمع سهم. "ولقد" الواو حرف قسم، والمقسم به محذوف، واللام واقعة في جواب القسم، وقد للتحقيق. "علمت" الجملة جواب القسم لا محل لها. "لتأتين" اللام واقعة في جواب قسم آخر مقدر، وتأتين مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. "منيتي" فاعل. والجملة من الفعل والفاعل سدت مسد مفعولي "علم" المعلق بلام القسم؛ فيكون قد أقسم على العلم، وأقسم على الإتيان.
وقيل: إن لتأتين جواب القسم المذكور. ولا يقدر قسم بعد علمت، واللام في لقد للتوكيد.
المعنى: لقد أيقنت أني سألاقي الموت، وأن منيتي آتية لا محالة؛ لأن الموت مقدر ونازل بكل مخلوق، ولا يفلت منه أحد أبدا.
الشاهد: وقوع "علمت" قبل لام جواب القسم؛ وهي لها الصدارة، فعلقت عن العمل في لفظ الجملة بعدها، وهي في محل نصب سدت مسد المفعولين كما بينا في الإعراب.
стр. 390
و"ما" النافية؛ نحو: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ (١). و"لا" و"إن" النافيتان في جواب قسم ملفوظ به، أو مقدر (٢)؛ نحو: علمت والله لا زيد في الدار ولا عمرو، وعلمت إن زيد قائم (٣).
والاستفهام، وله صورتان:
إحداهما: أن يعترض حرف الاستفهام بين العامل والجملة؛ نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ (٤)(١) " ما" نافية. "هؤلاء" مبتدأ. "ينطقون" الجملة خبر. والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب سدت مسد مفعولي "علم"، وهي معلقة عنها لفظا بما النافية.
(٢) لأن لها الصدارة حينئذ، ويرى البعض عدم اشتراط القسم قبل كل أداة من الثلاثة؛ لعدم وروده في الأساليب الفصيحة. ولا فرق في الأحرف الثلاثة بين العاملة منها والمهملة؛ فكلها مع الإعمال أو الإهمال صالحة لأن تكون أداة تعليق.
(٣) مثال للقسم المقدر مع "إن"، وما قبله مثال للقسم الملفوظ به مع "لا". وعلى كل فجملة جواب القسم مع الفعل الملفوظ به أو المقدر في محل نصب سدت مسد المفعولين، وقد علق عنها الفعل.
(٤) "إن" نافية. "أدري" فعل مضارع والفاعل أنا. "أقريب" الهمزة للاستفهام، وقريب مبتدأ. "أم بعيد" معطوف عليه. "ما" اسم موصول خبر المبتدأ وما عطف عليه، أو فالع سد مسد الخبر. "توعدون" الجملة صلة والعائد محذوف، ويجوز أن يعرب "قريب" خبرا مقدما، و"ما" مبتدأ مؤخر، وعلى كل فالجملة في موضع نصب. "بأدري"؛ أي: ما أدري جواب هذا السؤال.
стр. 391
والثانية: أن يكون في الجملة اسم استفهام: عمدة كان؛ نحو: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ (١). أو فضلة؛ نحو: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (٢).
(١) " أي" اسم استفهام مبتدأ. "الحزبين" مضاف إليه. "أحصى" فعل ماض، والجملة خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب بـ"نعلم" المعلقة بأي الاستفهامية. ومما فيه الاستفهام عمدة: أن يكون خبرا؛ نحو: علمت متى السفر. أو يكون مبتدأ مضافا إلى اسم استفهام؛ نحو: علمت أبو من محمد، أو خبرا كذلك؛ نحو: علمت صبيحة أي يوم سفرك.
(٢) "أي" اسم استفهام مفعول مطلق منصوب بينقلبون، وهو مقدم من تأخير، والأصل: ينقلبون أي منقلب؛ أي: انقلاب، وجملة ينقلبون في محل نصب بيعلم المعلقة بأي. ولا يجوز أن تكون "أي" منصوبة بيعلم؛ لأن الاستفهام له الصدارة، فلا يعمل فيما قبله ما لم يكن حرف جر؛ نحو: عم تسأل؟ وممن أخذت؟ وقد أشار الناظم إلى المعلقات السابقة بقوله:
والتزم التعليق قبل نفي "ما"
و"إن" و"لا" لام ابتداء أو قسم … كذا والاستفهام ذا له انحتم*
أي: يجب التعليق؛ إذا وقع بعد الفعل "ما" النافية، أو "إن" النافية، أو "لا" النافية. وكذلك يعلق الفعل إذا وقع بعده لام الابتداء، أو لام القسم، أو الاستفهام وقول الناظم: والاستفهام ذاله انحتم؛ أي: وجب لأجله ذلك وهو التعليق، وقد ذكر بعضهم من المعلقات: "لعل" ويغلب أن تكون أداة تعليق للفعل. "أدري" المبدوء بالهمزة، أو بأي حرف من حروف المضارعة؛ نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾. "ولو" الشرطية؛ كقول الشاعر:
وقد علم الأقوام لو أن حاتما … أراد ثراء المال كان له وفر
=
стр. 392
ولا يدخل الإلغاء، ولا التعليق في شيء من أفعال التصيير (١)، ولا في قلبي جامد (٢) وهو اثنان: هب وتعلم؛ فإنهما يلزمان الأمر (٣)، وما عداهما من أفعال الباب متصرف إلا هب، كما مر.
ولتصاريفهن ما لهن (٤)؛ تقول في الإعمال: أظن زيدا قائما، وأنا ظان زيدا قائمًا، وفي
= و"إن" التي في خبرها أو اسمها المتأخر اللام؛ نحو: علمت إن محمد لمسافر، علمت أن في ذلك لعبرة، ولا يدخل التعليق على "رأي" إذا كانت حلمية، وكذلك لا يصيبها الإلغاء.
هذا: ويرى بعض النحاة جواز التعليق في كل فعل قلبي ولو لم يكن من أفعال هذا الباب. وقد يلحق بأفعال القلوب الناصبة للمفعولين في التعليق أفعال غير قلبية ناصبة لمفعولين؛ نحو: ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾، ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ، بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾، ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾، ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾، وأفعال قلبية تنصيب مفعولا واحدا كنسي وعرف، أو لا تنصب شيئا؛ مثل: تفكر.
تنبيه: قال الأشموني: إذا كان الواقع بين المعلق والمعلق غير مضاف؛ نحو: علمت زيدا من هو؟ جاز نصبه وهو الأجود؛ على أنه مفعول أول والجملة بعده مفعول ثان؛ لأنه غير مستفهم به ولا مضاف إلى مستفهم به. وجاز أيضا رفعه؛ لأنه المستفهم عنه في المعنى.
(١) لأن متناولها الذوات لا الأحداث، وأثرها ظاهر في الغالب، فهي قوية في العمل.
(٢) لضعفه بعدم التصرف، فلا يضم إلى ذلك ضعف آخر بإلغائه أو تعليقه.
(٣) ذهب الكثيرون من النحاة: إلى أن "تعلم" تتصرف، وهو الراجح؛ فقد حكى ابن السكيت: تعلمت أن فلانا خارج. وعلى ذلك يدخلها الإلغاء والتعليق.
(٤) المراد بالتصاريف: المضارع، والأمر، واسم الفاعل، واسم المفعول، والمصدر. ويلاحظ أن المصدر يجب فيه الإلغاء إذا تقدم عليه معمولاه أو أحدهما؛ بأن تأخر أو توسط؛ لأنه لا يعمل فيما قبله، كما تقدم في موضعه. وفيما تقدم يقول الناظم:
وخص بالتعليق والإلغاء ما … من قبل "هب" والأمر هب قد ألزما
كذا "تعلم" ولغير الماض من … سواهما اجعل كل ما له زكن*
أي: إن الإلغاء والتعليق مختصان بما قبل "هب" في البيتين اللذين ذكرا أول الباب؛ وهي الأفعال القلبية المتصرفة. وذكر الناظم أن "هب، وتعلم" يلزمان الأمرية، وأنه يثبت لغير الماضي من هذه النواسخ -ما عدا هب وتعلم- كل ما علم للماضي من الأحكام؛ من نصب مفعولين، وجواز الإلغاء والتعليق في القلبي.
стр. 393
الإلغاء: زيد أظن قائم، وزيد قائم أظن، وزيد أنا ظان قائم، وزيد قائم أنا ظان، وفي التعليق: أظن ما زيد قائم، وأنا ظان ما زيد قائم، وقد تبين مما قدمناه:
أن الفرق بين الإلغاء والتعليق من وجهين:
أحدهما: أن العامل الملغي لا عمل له البتة (١)، والعامل المعلق له عمل في المحل (٢) فيجوز: علمت لزيد قائم، وغير ذلك من أموره بالنصب (٣) عطفًا على المحل؛ قال:
(١) أي: مطلقا، لا في اللفظ وفي في المحل.
(٢) أي: في محل الجملة بعده؛ فتكون في محل نصب، بعد أن كان عاملا في لفظ كل من الجزأين، أو في محله.
(٣) أي: بنصب "غير" عطفا على محل جملة "زيد قائم" لأنها في محل نصب على المعفولية "لعلمت". ويجب عند العطف بالنصب على محل الجملة التي علق عنها الناسخ: أن يكون المعطوف: إما جملة اسمية في الأصل؛ نحو: علمت البلاغة لهي الإيجاز، ورأيت الإطالة لهي العجز، وإما مفردا فيه معنى الجملة كمثال المصنف؛ فلا يصح: علمت لمحمود أديب وحامدا، ولا علمت لمحمود أديب وشاعرا. أما نصب "غير" وهو مفرد في المثال فجاز؛ لأنه بمنزلة الجملة؛ لأن معناه: وزيدا متصفا بغير ذلك.
стр. 394
وما كنت أدري قبل عزة ما البكى … ولا موجعات القلب حتى تولت (١)
والثاني: أن سبب التعليق موجب؛ فلا يجوز: ظننت ما زيدا قائمًا (٢)، وسبب الإلغاء مجوز (٣)؛ فيجوز: زيدا ظننت قائمًا، وزيدًا قائما ظننت.
(١) بيت من الطويل، لكثير بن عبد الرحمن، المشهور بكثير عزة.
اللغة والإعراب:
أدري: أعلم. عزة: اسم امرأة كان الشاعر يحبها ويتغزل فيها حتى عرف بها. موجعات: جمع موجعة؛ أي: مؤلمة. "ما" نافية. "كنت" كان واسمها. "أدري" فعل مضارع والفاعل أنا، والجملة خبر كان. "قبل" ظرف زمان لأدري. "عزة" مضاف إليه ممنوع من الصرف. "ما" اسم استفهام مبتدأ. "البكا" خبر، والجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي. "أدري" المعلقة بـ"ما" الاستفهامية. "ولا" زائدة لتأكيد النفي. "موجعات" معطوف على محل "ما البكا" منصوب بالكسرة؛ لأنه جمع مؤنث سالم "حتى" حرف غاية.
المعنى: ما كنت أعلم قبل أن أعرف عزة وأهواها؛ أي شيء هو البكا؟ لأنه لم يخطر ببالي، وما كنت أعرف الأمور المؤلمة؛ لأني كنت مرتاح الخاطر، حتى ذهبت وفارقتني.
الشاهد: تعليق الفعل؛ وهو "أدري" عن العمل في لفظ ما بعده النصب؛ لأن المبتدأ اسم استفهام، واسم الاستفهام لا يجوز أن يعمل فيه ما قبله؛ لأن رتبته التصدير، وقد عمل النصب في محل الجملة بدليل عطف "موجعات" المنصوب عليها. وقيل: إن الواو في "ولا موجعات" للحال، و"لا" نافية للجنس" و"موجعات" اسمها، والخبر محذوف، أو "ما" في "ما البكا" زائدة، و"البكا" مفعول، والأصل: لا أدري البكا، ولا أدري موجعات القلب، فيكون من عطف الجمل. ولا شاهد فيه على الوجهين.
(٢) إذا كانت أداة التعليق في المفعول الثاني وحده؛ نحو: علمت المخلص من هو وظننت المخبر أخو من هو؟ يجوز نصب الكلمة السابقة؛ لأن الناسخ سلط عليها من غير مانع. ويجوز رفعها؛ لأنها هي وما بعد الاستفهام شيء واحد في المعنى؛ فالتعليق هنا جائز لا واجب.
(٣) هناك بعض حالات يجب فيها الإعمال، وأخرى يجب فيها الإهمال. فيجب الإعمال: إذا كان الناسخ منفيا، سواء كان متأخرا عن المفعولين، أم متوسطا بينهما؛ نحو: شتاء باردا لم أظن، شتاء لم أظن باردا. ويجب الإهمال، إذا كان العامل مصدرا متأخرا؛ نحو: المطر قليل، ظني غالب؛ لأن المصدر المتأخر لا يعمل في شيء متقدم عليه، وكذلك إذا كان في المفعول المتقدم لام ابتداء أو غيرها من ألفاظ التعليق؛ نحو: لمحمد مكافح ظننت. أو إذا وقع الناسخ بين اسم إن وخبرها؛ نحو: إن التردد -حسبت- مضيعة.
стр. 395
ولا يجوز إلغاء العامل المتقدم (١) خلافًا للكوفيين والأخفش، واستدلوا بقوله:
أني وجدت ملاك الشيمة الأدب (٢)
وقوله:
وما إخال لدينا منك تنويل (٣)(١) هذا مذهب البصريين، وعليه جرى ابن مالك، ومن الفروق بين الإلغاء والتعليق أن الإلغاء يؤثر في المفعولين معا، أما التعليق فقد يكون أثره على المفعولين أو على أحدهما، والإلغاء لا يجوز في توابعه إلا مراعاة الناحية الظاهرة. أما التعليق فيجوز في توابعه: مراعاة الناحية اللفظية، والناحية المحلية كما سبق.
(٢) عجز بيت من البسيط، ينسب لبعض شعراء بني فزارة، ولم يعينه النحاة. وصدره:
كذاك أدبت حتى صار من خلقي
اللغة والإعراب:
كذلك اسم الإشارة يراد به مصدر الفعل المذكور بعده؛ أي: تأديبًا؛ مثل ذلك التأديب، المعبر عنه في قوله قبل:
أكنيه حين أناديه لأكرمه … ولا ألقبه والسوأة اللقب
ملاك الشيء: قوامه الذي يملك به. الشيمة: الخلق، والجمع شيم. "كذاك" متعلق بمحذوف صفة لموصوف واقع مفعولًا مطلقا لأدبت كما بينا، والكاف اسم بمعنى مثل. "حتى" ابتدائية "صار" فعل ناقص. "من خلقي" جار ومجرور خبر صار مقدم. "أني وجدت" المصدر المكون من أن واسمها وخبرها اسمها مؤخر. "ملاك الشيمة" مبتدأ ومضاف إليه. "الأدب" خبر.
المعنى: أدبت أدبا مثل ذلك الأدب العظيم، حتى صار من شيمتي وطبيعي، الإيمان بأن رأس الأخلاق، وملاك الفضائل الإنسانية هو الأدب.
الشاهد: إلغاء "وجد" مع تقدمه على مذهب الكوفيين، ويؤوله البصريون كما بين المصنف، ورأي الكوفيين أسلم.
(٣) عجز بيت من البسيط، لكعب بن زهير بن أبي سلمى، من قصيدته "بانت سعاد" في مدح=
стр. 396
وأجيب بأن ذلك محتمل لثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون من التعليق بلام الابتداء المقدرة، والأصل: لملاك، وللدينا، ثم حذفت، وبقي التعليق (١).
والثاني: أن يكون من الإلغاء؛ لأن التوسط المبيح للإلغاء ليس التوسط بين المعمولين فقط، بل توسط العامل في الكلام مقتض أيضًا (٢). نعم: الإلغاء للمتوسط بين المعمولين أقوى، والعامل هنا قد سبق بـ"أني" وبـ"ما" النافية. ونظيره: متى ظننت زيدًا قائمًا؛ فيجوز فيه الإلغاء.
والثالث: أن يكون من الإعمال، على أن المفعول الأول محذوف وهو ضمير الشأن (٣) والأصل: "وجدته" و"إخاله" كما حذف في قولهم: "إن بك زيد مأخوذ".
= رسول الله ﷺ وصدره:
أرجو وآمل أن تدنو مودتها
اللغة والإعراب:
تدنو: تقرب. تنويل: إعطاء "تدنو" فعل مضارع منصوب بفتحة مقدرة منع ظهورها السكون العارض للشعر. "مودتها" فاعل تدنو ومضاف إليه والهاء عائدة على محبوبته سعاد، و"ما" نافية. "إخال" فعل مضارع والفاعل أنا. "لدينا" ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم ومضاف إليه. "منك" حال من ضمير الخبر. "تنويل" مبتدأ مؤخر، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب مفعول ثان. "لإخال" والمفعول الأول ضمير شأن محذوف.
المعنى: أرجو وأؤمل قرب الصلة والمودة من سعاد، وما أظن عطاء ولا برا يصل لي منها.
الشاهد: إلغاء "إخال" مع تقدمه على مذهب المصنف والكوفيين.
(١) أي: كما كان مع وجود المعلق، ويكون هذا مما نسخ لفظه وبقي حكمه.
(٢) وهنا: "وجدت" في البيت الأول، و"إخال" في البيت الثاني، متوسطتان في الكلام، كما بين المصنف.
(٣) وإلى هذا الوجه والذي قبله أشار الناظم بقوله: =
стр. 397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=
وجوز الإلغاء لا في الابتدا … وانو ضمير الشأن أو لام ابتدا
في موهم إلغاء ما تقدما .... . . . . . . . . . .
أي: إن الإلغاء أمر جائز، ولا يقع إذا كان الناسخ في ابتداء جملته؛ أي: متقدما على مفعوليه، وإذا ورد من الأمثلة العربية ما يوهم أن الناسخ المتقدم قد ألغى عمله، فقدر خبر الشأن ليكون المفعول الأول، والجملة بعده في موضع المفعول الثاني، أو قدر لام الابتداء؛ ليكون الكلام من باب التعليق لا من باب الإلغاء.
والوجه الأول أولى من الأخيرين؛ لأن حذف اللام معهود في الجملة.
تنبيه: تختص الأفعال القلبية المتصرفة علاوة على التعليق والإلغاء بما يأتي:
أ- جواز أن يسد المصدر المؤول من "أن" وما دخلت عليه، أو "أن" المصدرية وما دخلت عليه، مسد المفعولين ويغني عنهما، وإن كانا في تقدير المفرد؛ لتضمنهما معنى المسند والمسند إليه.
ب- جواز وقوع فاعلها ومفعولها الأول ضميرين متصلين، متحدين في المعنى، بأن يكون مدلولهما واحدا؛ نحو: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ ففاعل "رأى" ضمير مستتر وهو نوع من المتصل، ومفعوله الأول "الهاء" والضميران متحدان في المعنى؛ لأن مدلولهما واحد وهو الغائب. ويلحق بها في ذلك "رأى" البصرية الحلمية. ولا يجوز ذلك في الأفعال الباقية. فلا يجوز ضربتني. وإذا ورد ما يوهمه وجب تقدير "نفس"؛ نحو: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ أي: إلى نفسك.
جـ- جواز تنوع المفعول الثاني؛ نظرا لأنه خبر في الأصل، فهو ينقسم إلى ما ينقسم إليه الخبر: من مفرد، وجملة، وشبه جملة. مثال المفرد: زعمت النفاق مزريا بصاحبه؛ ومثال الجملة: أرى الفضل يعرفه ذووه، وشبه الجملة: جعلت الكتاب معك، أرى السعادة في عمل البر.
стр. 398
فصل: ويجوز بالإجماع: حذف المفعولين اختصارًا (١)؛ أي: لدليل؛ نحو: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٢).
وقوله:
بأي كتاب أم بأية سنة … ترى حبهم عارا علي وتحسب (٣)
أي: تزعمونهم شركائي (٤)، وتحسبه عارًا علي.
وأما حذفهما اقتصارًا؛ أي: لغير دليل؛ فعن سيبويه والأخفش المنع مطلقًا (٥) واختاره
(١) المراد بالحذف اختصارًا: حذف ما يمكن الاستغناء عنه من الألفاظ؛ لداع يقتضيه، وهو جائز؛ بشرط وجود دليل يدل على المحذوف، وألا يترتب على الحذف فساد في المعنى، أو في الصياغة اللفظية.
(٢) فحذف مفعولا "تزعمون" لدليل ما قبلهما عليهما، كما بين المصنف.
(٣) بيت من الطويل؛ للكميت بن زيد، من قصيدة يمدح فيها آل البيت، ومطلعها:
طربت وما شوقًا إلى البيض أطرب … ولا لعبًا مني وذو الشيب يلعب
اللغة والإعراب:
ترى حبهم: رأى هنا، من الرأي بمعنى الاعتقاد، ويجوز أن تكون علمية. عارا: ألعار: كل خصلة يلحقك بسببها عيب ومذمة؛ تقول: عيرته كذا، ولا تقول عيرته بكذا. وتحسب، أي: تظن؛ من الحسبان. "بأي كتاب" متعلق بترى، ومضاف إليه "أم" عاطفة. حبهم "مفعول أول لترى، ومضاف إليه. "عارا" مفعول ثان. "وتحسب" معطوف على ترى، والواو بمعنى "أو" ومفعولا تحسب محذوفان؛ لدلالة مفعولي "ترى" عليهما.
المعنى: يا من يعيب علي حب آل بيت الرسول، بأي كتاب تسترشد؟ أم بأية سنة ترى محبتي لهم منقصة ومذمة؟ أو تظن ذلك؟
الشاهد: حذف مفعولي "تحسب"، لدلالة سابق الكلام عليهما؛ كما بين المصنف.
(٤) كان الأولى أن يقول تزعمون أنهم شركائي؛ جريا على الأكثر من تعدى "يزعم" إلى أن وصلتها، ولكنه عدل عن ذلك؛ لأن الكلام في حذف المفعولين معا، لا في حذف ما يسد مسدهما وإن كانا بمنزلة واحدة.
(٥) أي: في أفعال العلم وأفعال الظن، كما يؤخذ من تفصيل الأعلم الآتي؛ وعلة المنع: ذهاب الفائدة بحذفهما، وأيضا فإن هذه الأفعال -لإفادتها التحقيق- تجاب بما يجاب به القسم، وجواب القسم لا يحذف، فكذلك ما هو بمنزلته.
стр. 399
الناظم: وعن الأكثرين الإجازة مطلقا؛ لقوله -تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (١)، ﴿فَهُوَ يَرَى﴾ (٢)، ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ (٣). وقولهم: من يسمع يخل (٤). وعن الأعلم (٥): يجوز في أفعال الظن دون أفعال العلم (٦).
ويمتنع بالإجماع حذف أحدهما اقتصارًا (٧)(١) قيل؛ التقدير: يعلم الأشياء كائنة، أو نحو ذلك.
(٢) التقدير: يرى ما يعتقد حقا. وقيل: إن الحذف في هذه الآية لدليل؛ لأن قوله -تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾؛ يشعر بالمفعولين.
(٣) أي: ظننتم انقلاب الرسول والمؤمنين إلى أهليهم منتفيا أبدا، فحذف ما يسد مسد المفعولين "ظن السوء" مفعول مطلق مفيد للنوع. والحق أن الحذف هنا اختصارا؛ لوجود دليل؛ لأن قوله -تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ﴾ يشعر بمفعولين، أو بما يسد مسدهما؛ وهو: أن لن ينقلب … إلخ.
(٤) أي: يظن مسموعه حقا. وجعله جماعة منهم الرضي، من الحذف لدليل؛ لدلالة "يسمع" على المفعول الأول، وحال التخاطب على المفعول الثاني.
(٥) هو يوسف بن سليمان بن عيسى النحوي الشنتمري، المعروف بالأعلم. كان عالما بالعربية واللغة ومعاني الأشعار، حافظا لها. مشهورا بضبطها وإتقانها، رحل إلى قرطبة، وأخذ عن علمائها، وصارت إليه الرحلة في زمانه. ومات سنة ٤٧٦ هـ.
(٦) حجته: كثرة السماع في الأولى دون الثانية.
(٧) أي: بغير دليل؛ وذلك لأن المفعولين هنا أصلهما المبتدأ والخبر؛ فكما لا يجوز الإتيان بمبتدأ دون خبر، والعكس قبل دخول الناسخ، فكذلك الشأن بعد دخوله. ولأنك إذا قلت: علمت محمدا فاضلا مثلا؛ فالتقدير: علمت فضل محمد؛ لأن المقصود العلم بالصفة، والموصوف ذريعة إلى ذلك، فالمفعول في الحقيقة جملة الفعلين، وحذف أحدهما؛ كحذف جزء الكلمة، وذلك قليل أو ممنوع.
وإلى امتناع حذف المفعولين أو أحدهما اقتصارا، أشار الناظم في إيجاز بقوله:
ولا تجز هنا بلا دليل … سقوط مفعولين أو مفعول
أي: لا تجز في هذا الباب سقوط مفعولين؛ أي: حذفهما، أو مفعول، بدون دليل يدل على المحذوف.
стр. 400
وأما اختصارًا؛ فمنعه ابن ملكون (١) وأجازه الجمهور (٢).
كقوله:
ولقد نزلت فلا تظني غيره … مني بمنزلة المحب المكرم (٣)(١) حجته هو ومن تابعه: أنه أحد جزأي الجملة. وابن ملكون هو: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن منذر بن ملكون، الحضرمي الإشبيلي، من المغاربة، كان أستاذًا نحويا جليلًا، روى عن أبي الحسن شريح، وروى عنه ابن خروف والشلوبين. وألف شرح الحماسة، والنكت على تبصرة الصيمري، وغير ذلك، وتوفي سنة ٥٨٤ هـ.
(٢) لأن المحذوف لدليل؛ كالمذكور.
(٣) بيت من الكامل، لعنترة بن شداد، من معلقته المشهورة التي مطلعها:
هل غادر الشعراء من متردم … أم هل عرفت الدار بعد توهم
اللغة والإعراب:
غادر: ترك. متردم: مستصلح؛ من ردمت الشيء؛ إذا أصلحته؛ يريد: هل ترك الشعراء لأحد معنى لم يتناولوه؟ توهم: إنكار وظن. المحب: المحبوب. "ولقد" الواو للقسم، واللام مؤكدة له، وقد للتحقيق. "نزلت" الجملة جواب القسم المحذوف. "فلا" الفاء للتفريع، ولا ناهية. "غيره" مفعول أول لتظن، ومضاف إليه، والهاء عائدة على النزول المفهوم من نزلت، والمفعول الثاني محذوف؛ لدلالة الكلام عليه؛ أي: حاصلا مثلا. "مني بمنزلة" متعلقان بنزلت، وقوله: "فلا تظني غيره" كلام معترض بين المجرور ومتعلقه.
المعنى: لقد نزلت -أيتها المحبوبة- من قلبي بمنزلة الشيء المحبوب المكرم؛ فلا تظني شيئا غير ذلك واقعا. وهذا مثال لحذف المفعول الثاني. ومثال ما حذف فيه الأول؛ قوله -تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ أي: لا يحسبن ما يبخلون به خيرا. فـ"خيرا" مفعول ثان، و"هو" ضمير فصل.
الشاهد: حذف مفعول ظن الثاني اختصارًا؛ وذلك جائز عند جمهرة النحاة، خلافا لابن ملكون.
стр. 401
فصل: تحكى الجملة الفعلية بعد القول (١)، وكذا الاسمية.
وسليم (٢) يعملونه فيها (٣) عمل "ظن" مطلقًا (٤)، وعليه يروى قوله:
تقول هزيز الريح مرت بأثاب (٥)(١) هذا بإجماع العرب. أما الاسمية، فعند البعض. وتكون الجملة في موضع نصب على المفعولية للقول.
هذا: والجملة المحكية قد تذكر بلفظها؛ كما سمعت، وكما جرت على لسان الناطق بها، وقد تذكر بمعناها، لا بألفاظها، مع مراعاة الدقة في المعنى، "إلا إذا كان هنالك ما يقتضي التمسك بنصها الحرفي، لداع ديني أو قضائي مثلا". وإذا كان بالجملة المحكية خطأ لغوي أو نحوي، وجب حكايتها بالمعنى، للتخلص مما بها من خطأ؛ إلا إذا قصد إبراز هذا الخطأ لسبب ما.
وإذا وقع بعد القول مفرد؛ سواء كان مدلوله لفظا؛ نحو: قلت كلمة أو لفظا، أو كان في معنى الجملة؛ نحو: قلت قصيدة، أو محاضرة؛ نصب على أنه مفعول به للقول. وإن أريد بالمفرد نفس اللفظ المحض؛ وجب حكايته ورعاية إعرابه، نحو: قال فلان "محمد"، إذا تكلم بمحمد مرفوعا.
(٢) اسم لقبيلة من قيس عيلان، رأسها سليم بن عكرمة، والأخرى من جذام باليمن.
(٣) أي: في الجملة الاسمية.
(٤) أي: بلا شرط من الشروط الآتية. وهل يعملونه باقيا على معناه؛ أو يضمن معنى الظن؟ أو يكون معناه الاعتقاد؛ علما كان أو ظنا؟ أقوال.
(٥) عجز بيت من الطويل، لامرئ القيس بن حجر الكندي، يصف فرسا بسرعة العدو، وصدره: =
стр. 402
بالنصب، وقوله:
إذا قلت أني آيب أهل بلدة (١)
بالفتح (٢). وغيرهم يشترط شروطا؛ وهي:
=
إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه
اللغة والإعراب:
شأوين: تثنية شأو؛ وهو الشوط والطلق. عطفه: جانبه. هزيز الريح: دويها عند هبوبها. أثأب: اسم جنس جمعي، واحده أثأبة؛ وهي نوع من الشجر. "ما" زائدة "شأوين" مفعول مطلق، نائب عن المصدر. "هزيز الريح" مفعول أول لتقول، ومضاف إليه. "مرت بأثأب" الجملة في محل نصب مفعول ثان لتقول.
المعنى: إذا جرى هذا الفرس شوطين، وحمي السبق وعرق، تظنه -لخفته وسرعة جريه- ريحا هبت على تلك الأشجار، فلعبت بها.
الشاهد: استعمال "تقول" بمعنى "تظن"، ونصبه مفعولين - من غير قيد- على لغة سليم.
(١) صدر بيت من الطويل، للحطيئة، يصف بعيره بالسرعة، وعجزه:
وضعت بها عنه الولية بالهجر
اللغة والإعراب:
قلت: معناها هنا ظننت. آيب: راجع؛ اسم فاعل من آب يئوب، إذا رجع، والعادة أن يرجع الإنسان من عمله آخر النهار، وفي أول الليل، وهذا هو المراد هنا. الولية: البرذعة، توضع تحت الرحل، أو ما يوضع تحتها. بالهجر: تصف النهار عند اشتداد الحر؛ وأصله بتحريك الجيم، وسكنت للضرورة. "إذا" شرطية. "قلت" فعل الشرط "آيب" خبر أني. "أهل بلدة" مفعول آيب ومضاف إليه، وأن ومعمولاها سدت مسد مفعولي قلت. "وضعت" جواب إذا. "بها" متعلق به، والباء بمعنى "في"، والضمير يعود إلى البلدة. "عنه" متعلق بوضعت، والضمير عائد على البعير.
المعنى: إذا قدرت وظننت أني أصل بلدة آخر النهار؛ لبعد المسافة، أتيتها نصف النهار، عند اشتداد الحر؛ وذلك لسرعة بعيري ونجابته.
الشاهد: إجراء "قلت" مجرى ظننت، ولم تحك به الجملة بعده، وإلا لكسر همزة "إن".
(٢) أي: بفتح همزة "أني"، على أنها، مع معموليها، سدت مسد مفعولي "قلت"؛ كما أسلفنا.
وإلى مذهب سليم في القول، يشير الناظم بقوله:
وأجري القول كظن مطلقا … عند سليم نحو قل ذا مشفقا
أي: إن قبيلة سليم، تجري القول مجرى الظن في المعنى، وفي نصب المفعولين من غير اشتراط شيء؛ أي: سواء أكان مضارعا أم غير مضارع؛ وجدت فيه الشروط المذكورة بعد، أم لم توجد؛ وذلك نحو: "قل ذا مشفقا"، فـ"ذا" مفعول أول، و"مشفقا" مفعول ثان.
стр. 403
كونه مضارعا (١)، وسوى به السيرافي: "قلت" بالخطاب، والكوفي "قل" (٢). وإسناده للمخاطب (٣). وكونه حالًا (٤) قاله الناظم، ورد بقوله:
فمتى تقول الدار تجمعنا (٥)(١) فالماضي، والأمر، والمصدر، والوصف، لا يعمل شيئا منها عمل "ظن".
(٢) فيجوز على قولهما: إعمال الماضي المسند إلى ضمير المخاطب؛ تقول: أقلت محمدا مسافرا؟ على الإعمال. وإعمال فعل الأمر؛ لأنه مسند إلى ضمير المخاطب كذلك؛ تقول: قل محمدا مسافرا.
(٣) أي: بأنواعه المختلفة؛ المفرد وغير المفرد، والمذكر والمؤنث؛ فلا يجوز إعمال المضارع المسند إلى ضمير متكلم أو غائب؛ لا تقل: أقول محمدا مجدا، ولا: يقول أخي محمدا مهملا.
(٤) أي: دالا على الزمن الحاضر؛ وعليه فيشترط في الاستفهام ألا يكون بهل؛ لأنها تخص المضارع للاستقبال، ولم يشترط هذا بعض النحاة؛ ورأيه حسن.
(٥) عجز بيت من الكامل، لعمر بن أبي ربيعة المخزومي، وهو من شواهد سيبويه. وصدره:
أما الرحيل فدون بعد غد
اللغة والإعراب:
الرحيل: الارتحال ومفارقة ديار الأحبة. دون بعد غد، أي: قبل بعد غد، وهذا يصدق باليوم وبالغد. "أما" حرف شرط وتفصيل. "الرحيل" مبتدأ. "فبدون" خبر. "بعد غد" مضاف إليه. "متى" ظرف متعلق بتقول، وهو استفهام عن وقت القول "الدار" مفعول أول لتقول. "تجمعنا" الجملة في موضع المفعول الثاني. =
стр. 404
والحق أن "متى" ظرف لتجمعنا، لا لتقول (١). وكونه بعد استفهام (٢) بحرف أو باسم؛ سمع الكسائي: "أتقول للعميان عقلًا؟ " (٣) وقال:
علام تقول الرمح يثقل عاتقي (٤)
= المعنى: إن فراق الأحبة، ورحيلهم عنا سيكون اليوم أو غدا؛ فمتى تظن الدار تجمع شملنا بعد هذا الفراق؟.
الشاهد: عمل "تقول" بمعنى "تظن"؛ ونصبها مفعولين، مع أنها ليست للزمان الحاضر، بل هي للمستقبل؛ لأنه لم يستفهم عن ظنه في الحال، أن الدار تجمعه مع أحبابه، بل الاستفهام عن وقوع ظنه. وهذا يقتضي ألا يكون واقعا في الحال، وإلا لم يستفهم عن وقته. والحق اشتراط كون "تقول" بمعنى تظن، للزمان الحاضر؛ كما ذهب إليه ابن مالك.
(١) أي: فيكون استفهاما عن وقت الجمع بينه، وبين الأحبة في المستقبل، وهذا لا ينافي وقوع القول حالا.
(٢) سواء أكان المستفهم عنه الفعل، أم بعض معمولاته، كما في البيت الآتي: علام تقول الرمح … إلخ؛ فإن الاستفهام عن سبب القول، لا عنه.
(٣) قول لبعض العرب. "للعميان" مفعول ثان مقدم لتقول. "عقلا" مفعول أول، وقد عملت "تقول" بعد حرف الاستفهام.
(٤) صدر بيت من الطويل، لعمرو بن معد يكرب الزبيدي. وعجزه:
إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
اللغة والإعراب:
تقول: تظن. عاتقي: كاهلي؛ وهو ما بين المنكب والعنق. أطعن: أضرب؛ من طعن بالرمح يطعن؛ من باب منع أو نصر. أما طعن فلان على فلان في نسبه مثلا؛ فمن باب فتح. "علام" على: حرف جر، و"ما" اسم استفهام مجرور بعلى، حذفت ألفها، كما تحذف مع أي جار؛ كقوله -تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾، ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ للفرق بينها وبين الموصولية. "الرمح" مفعول أول لتقول. "يثقل عاتقي" الجملة في موضع المفعول له. "إذا" الأولى ظرف ليثقل، والثانية لقوله "لم أطعن" وهما داخلان على فعل محذوف، يفسره المذكور.
المعنى: على أي شيء، وبأي حجة تظن الرمح يثقل كاهلي، وأحمل السلاح، إذا أنا لم أطعن برمحي، ولم أقاتل بسيفي الأعداء عند كر الخيل، واحتدام القتال؟ يريد أنه إنما يتكلف مئونة حمل السلاح؛ ليقاتل أعداءه، وينال من خصومه.
الشاهد: استعمال "تقول" بمعنى "تظن"، ونصبه مفعولين بعد الاستفهام بالاسم.
стр. 405
قال سيبويه والأخفش: وكونهما متصلين (١)؛ فلو قلت: أأنت تقول؟ فالحكاية (٢)، وخولفا (٣). فإن قدرت الضمير فاعلًا بمحذوف، والنصب بذلك المحذوف جاز اتفاقًا. واغتفر الجميع الفصل بظرف، أو مجرور، أو معمول القول (٤)؛ كقوله:
أبعد بعد تقول الدار جامعة (٥)(١) أي: لا يفصل بين الاستفهام والمضارع فاصل. ومن النحاة من يشترط عدم الفصل.
(٢) أي: إذا قلت: أأنت تقول محمد مسافر، مثلا، فيتعين الرفع على الحكاية إذا جعل الضمير مبتدأ.
(٣) أي: خالفهما الكوفيون والبصريون. فأجازوا النصب، ولم يعتدوا بالضمير فاصلا.
(٤) سواء كان المعمول مفعولا، أو حالا، أو غيرهما. ويجوز الفصل بأكثر من واحد مما ذكر.
(٥) صدر بيت من البسيط، لم نقف له على قائل، وعجزه:
شملي بهم أم تقول البعد محتوما
اللغة والإعراب:
جامعة: اسم فاعل جمع؛ والجمع ضد التفريق. شملي: مصدر شملهم الأمر؛ إذا عمهم، ويطلق الشمل على العذق من النخلة، وعلى الاجتماع؛ يقال: فرق شملهم؛ أي: ما اجتمع من أمرهم، وجمع الله شملهم؛ أي: ما تفرق منه. محتوما، أي: واجبا؛ وهو اسم مفعول من حتم الأمر، أوجبه. "أبعد" الهمزة للاستفهام، و"بعد" ظرف زمان متعلق بجامعة أو بتقول. "بعد" مضاف إليه. "الدار" مفعول أول لتقول. "جامعة" مفعول ثان. "شملي" مفعول أول لتقول الثاني. "محتوما" مفعوله الثاني.
المعنى: أبعد التفرق والتنائي بيننا، تظن الدار تجمع شملنا ثانية؟ ونلتقي بعد ذلك؟ أم تظن البعد أصبح أمرا مقضيا به علينا إلى الأبد؟
الشاهد: إجراء القول مجرى الظن في شطري البيت، ونصبه مفعولين، والأول مفصول من الاستفهام بالظرف، والثاني متصل بالاستفهام بأم. ومثال الفصل بالجار والمجرور: أفي الدار تقول زيدا مريضًا.
стр. 406
وقوله:
أجهالًا تقول بني لؤي؟ (١)(١) صدر بيت من الوافر، للكميت بن زيد الأسدي، يمدح مضر، ويفضلهم على أهل اليمن، وعجزه:
لعمر أبيك أم متجاهلينا
اللغة والإعراب:
أجهالًا: جمع جاهل. بنو لؤي: يراد بهم جمهور قريش وعامتهم؛ لأنهم ينسبون إلى لؤي بن غالب. لعمر أبيك: لحياته وبقاؤه. متجاهلينا، المتجاهل: الذي يتصنع الجهل، ويتكلفه وليس بجاهل. "أجهالًا" الهمزة للاستفهام، و"جهالًا" مفعول ثان مقدم لتقول. "بني لؤي" مفعول أول ومضاف إليه. "لعمر" اللام للابتداء، و"عمر" مبتدأ. "أبيك" مضاف إليه. والخبر محذوف وجوبا تقديره قسمي؛ والجملة معترضة. "أم" عاطفة معادلة للهمزة. "متجاهلينا" معطوف على جهالا.
المعنى: أخبرني -وحياة أبيك- أتظن بني لؤي جهالا، حين استعملوا أهل اليمن على أعمالهم؟ وقدموهم على بني مضر، مع فضلهم عليهم؟ أم هم عالمون بالحقيقة، ومقدرون النتائج، ولكنهم يتصنعون الجهل؛ لحاجة في أنفسهم؟.
الشاهد: إعمال "تقول" عمل "تظن"، ونصبه مفعولين. وقد فصل بين همزة الاستفهام، والفعل بفاصل وهو "جهالا"، واغتفر الفصل؛ لأن الفاصل معمول للفعل، إذ هو مفعول ثان له كما عرفت في الإعراب.
الخلاصة: أن القول إذا كان بمعنى الظن، واستوفى الشروط التي ذكرت، نصب مفعولين؛ فإن اختل شرط من هذه الشروط، لم يكن بمعنى الظن، وإنما يكون بمعنى النطق والتلفظ، فينصب مفعولا واحدا فقط. وهل يلحق به -إذا كان معناه النطق والتلفظ- ما يؤدي معناه من كلما؛ مثل: أوحيت، ناديت، دعوت؟ رأيان. والأنسب الجواز ما دام المعنى واضحا.
قال -تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾، ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾، ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾، ولا داعي للتأويل في هذه الآيات بتقدير قول. وفي القول وشروطه يقول ابن مالك:
و"كتظن اجعل" "تقول" إن ولي … مستفهما به ولم ينفصل
=
стр. 407
قال السهيلي (١): وأن لا يتعدى باللام (٢)؛ نحو: "تقول لزيد عمرو منطلق".
=
بغير ظرف وكظرف أو عمل … وإن ببعض ذي فصلت يحتمل*
أي: اجعل "تقول" المضارع للمخاطب؛ مثل "تظن" في المعنى والعمل، إن ولى هذا المضارع مستفهما به؛ أي: جاء بعد أداة يستفهم بها، ولم ينفصل ذلك المضارع، وهو "تقول" عن أداة الاستفهام بفاصل، غير الظرف، أو ما يشبهه؛ وهو الجار والمجرور، أو أي شيء آخر يكون معمولا للفعل. أما الفصل بشيء من هذه فجائز. وقد سبقت الأمثلة لذلك كله.
(١) هو أبو القاسم؛ عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي الأندلسي المالقي. كان عالما بالعربية واللغة والقراءات، بارعا في ذلك كله، جامعا بين الرواية والدراية. نحويا مقدما، واسع المعرفة، غزير العلم، نبيها ذكيا، تصدر للإقراء والتدريس حتى بعد صيته. روى عن ابن العربي، وأبي طاهر، وابن الطراوة. وروى عنه الرندي، وأبو الحسن الغافقي. وكف بصره وهو ابن سبع عشرة سنة. واستدعي إلى مراكش، ونال فيها حظوة عظيمة. وصنف "الروض الأنف" في شرح السيرة النبوية. و"التعريف والإعلام بما في القرآن من الأسماء والأعلام" وله بحث في رؤية الله، والنبي في المنام. وكان شاعرا مجيدا؛ ومن شعره الأبيات المشهورة التي أولها:
يا من يرى ما في الضمير ويسمع … أنت المعد لكل ما يتوقع
يا من يرجى للشدائد كلها … يا من إليه المشتكى والمفزع
يا من خزائن رزقه في قول "كن" … امنن فإن الخير عندك أجمع
قيل: إنه ما قرأ أحد هذه الأبيات، ودعا الله تعالى عقبها بشيء؛ إلا استجيب له. وتوفي السهيلي بمراكش، سنة ٨٥١ هـ.
(٢) أي: يشترط في المضارع: ألا يتعدى باللام؛ لأنها تبعده عن معنى الظن، ويصبح قولا مسموعا. وقد علمت أن مذهب الجمهور: أن القول إذا عمل عمل الظن، يجري مجراه في المعنى أيضا.
стр. 408
وتجوز الحكاية مع استيفاء الشروط (١)؛ نحو: "أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ" الآية، في قراءة الخطاب. وروي: علام تقول الرمح، بالرفع.
(١) وحينئذ يكون بمعنى النطلق والتلفظ، لا بمعنى الظن، وتكون الجملة بعده في محل نصب سدت مسد المفعول به.
ومن هنا يتبين: أن استيفاء الشروط ليس موجبا لتنزيله منزلة الظن، وإنما يجيز ذلك فقط. أما جريانه مجرى الظن، فيوجب تحقق الشروط المذكورة كلها.
تنبيهات:
ضض ١ ليس بلازم أن يكون المفعولان في هذا الباب أصلهما المبتدأ والخبر حقيقة، بل يكفي أن يكون أصلهما كذلك، ولو تأويلا؛ مثل: جعلت الطين إبريقا، وصيرت الذهب خاتما؛ فإنه لا يصح أن يقال: الطين إبريق، والذهب خاتم؛ لأن الخبر يجب أن يكون نفس المبتدأ في المعنى، وهنا ليس كذلك، اللهم إلا بشيء من التأويل؛ كأن يقدر: أن الطين سيتحول إلى إبريق، والذهب إلى خاتم. وقد أشرنا إلى ذلك في أول الباب.
٢ كثيرا ما يستعمل "رأى" الماضي مسبوقا بأداة استفهام، بمعنى "أخبرني"؛ تقول: أرأيتك هذا الملثم، أفدائي هو؟ وحينئذ ينصب مفعولا واحدا، أو مفعولين، على حسب المراد.
٣ التعليق بالاستفهام ليس مقصورا على الأفعال القلبية المتصرفة في هذا الباب، بل سمع في غيرها من الأفعال؛ مثل: تفكر، سأل، استنبأ، أبصر.
قال -تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾، ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾، ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾، ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾.
٤ كما يجوز حذف المفعولين، أو أحدهما اختصارا، أو اقتصارا على النحو الذي بسطناه، يجوز أيضا حذف الناسخ مع مرفوعه؛ تقول: ماذا تزعم؟ فيكون الجواب: مندوب الجماعة منتظرا بالباب؛ أي: أزعم …
стр. 409
هذا باب ما ينصب مفاعيل ثلاثة:
وهي: أعلم، وأرى اللذان أصلهما علم، ورأى المتعديان لاثنين (١)، وما ضمن معناهما (٢) من: نَبَّأَ، وأَنْبَأَ، وخَبَّر، وأَخْبَر، وحدَّث؛ نحو: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ (٣)، ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ (٤).
هذا باب ما ينصب مفاعيل ثلاثة:
(١) أي: بأصلهما قبل دخول همزة التعدية عليهما، والتعدية بالهمزة قياسية في الثلاثي كما سيأتي بيانه في موضعه. والمراد برأي: القلبية، علمية كانت أو حلمية، وقد مثل لهما المصنف. وفي أعلم وأرى هذين يقول الناظم:
إلى ثلاثة "رأى" و"علما" … عدوا إذا صارا أرى وأعلما*
أي: إن النحاة عدوا الفعل رأى، والفعل علم، إلى ثلاثة مفاعيل، إذا صار كل واحد منهما: أرى وأعلم، بعد دخول همزة التعدية عليهما.
(٢) يشير بهذا: إلى أن الخمسة المذكورة ملحقة في بعض استعمالاتها بأعلم وأرى المذكورتين؛ في التعدية إلى ثلاثة مفاعيل لتضمنها معناهما. وليست الهمزة فيها، أو التضعيف للتعدية أو النقل؛ لأنه ليس لها ثلاثي مستعمل في العلم، إلا خبَّر بمعنى علَّم، ولم ترد تعديتها إلى ثلاثة مفاعيل صريحة في كلام العرب، إلا وهي مبنية للمفعول كما سترى من الشواهد؛ فيكون أول المفاعيل نائب فاعل مرفوعا، ويكون الثاني والثالث صريحين. أو تسد مسدهما جملة. أو يكون أحدهما صريحا، والثاني مكانه جملة.
(٣) يُرى: مضارع أرى: "هم" مفعول أول. "الله" فاعل يرى. "أعمالهم" مفعول ثان ومضاف إليه. "حسرات" مفعول ثالث منصوب بالكسرة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وقيل: إن رأى في الآية بصرية، وعليه فتكون "حسرات" حالا.
(٤) الكاف فيهما مفعول أول، و"هم" مفعول ثان. "قليلا وكثيرا" مفعول ثالث. ومثال "نبأ" =
стр. 410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قول النابغة الذبياني في مطلع قصيدة يهجو فيها زرعة بن عمرو بن خويلد. وقد علم أنه يسفه عليه في أشعاره؛ ويتوعده لأنه لم يطعه في الغدر ببني أسد:
نبئت زرعة والسفاهة كاسمها … يهدي إلي غرائب الأشعار
نبئت: أخبرت. السفاهة: الطيش والخفة. "نبئت" فعل للمجهول والتاء نائب فاعل وهو المفعول الأول. "زرعة"، مفعول ثان. "والسفاهة كاسمها" جملة حالية من مبتدأ وخبر، وهي معترضة بين الثاني، والثالث، وهو جملة "يهدي إلي". ومعنى قوله "والسفاهة كاسمها": أن كلا من مسماها واسمها قبيح، وهذا تعريض من النابغة بذم زرعة. والمراد بغرائب الأشعار: الصادرة عن من لا يحسن الشعر. وقد جاء "نبأ" في القرآن ناصبة مفعولا واحد صريحا، وسد مسد المفعولين الآخرين جملة، بعد أن علق الفعل عنها باللام؛ وذلك كقوله -تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
ومثال: "أنبأ" قول الأعشى من قصيدة يمدح بها قيس بن معدي كرب:
وأنبئت قيسا ولم أبله … كما زعموا خير أهل اليمن
فأنبئت: فعل للمجهول، والتاء نائب فاعل وهي المفعول الأول. "قيسا" مفعول ثان. "ولم أبله" أي: لم أختبره، والواو للحال، وأبله: مضارع مجزوم بلم بحذف الواو والهاء مفعول. والجملة في موضع نصب حال. "كما زعموا" الكاف جارة و"ما" مصدرية، وهي وما بعدها في تأويل مصدر مجرور بالكاف؛ أي: كزعمهم، وهذا وما قبله اعتراض بين المفعول الثاني، والثالث وهو "خير".
ومثال "خبر" قول العوام بن عتبة بن كعب بن زهير، في امرأة من غطفان اسمها "ليلى"، ولقبها سوداء، وكانت تنزل بالغميم، من بلاد غطفان، وكان بها كلفا، فلما علم بمرضها ترك عمله بمصر وذهب إليها ليعودها.
وخبرت سوداء الغميم مريضة … فأقبلت من أهلي بمصر أعودها
فالتاء في "خبرت" نائب فاعل وهي المفعول الأول، "سوداء الغميم" مفعول ثان ومضاف إليه. "مريضة" مفعول ثالث: "فأقبلت" الفاء للسببية أو عاطفة. "من أهلي" متعلق بأقبلت "بمصر" صفة لأهل؛ أي: الموجودين بمصر. "أعودها" الجملة حال من التاء في فأقبلت. =
стр. 411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ومثال "أخبر" قول رجل من بني كلاب:
وما عليك إذا أخبرتني دنفا … وغاب بعلك يوما أن تعوديني
دنفا مريضا؛ من الدنف؛ وهو المرض الذي ينهك القوى. بعلك: زوجك. تعوديني: تزوريني. و"ما" اسم استفهام إنكاري مبتدأ. "عليك" متعلق بمحذوف خبر؛ أي: بأس كائن عليك. "إذا" ظرف فيه معنى الشرط متعلق بتعوديني. "أخبرتني" ماض للمجهول، والتاء نائب فاعل مفعول أول، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول ثان "دَنِفا" مفعول ثالث.
"وغاب بعلك" الواو للحال، والجملة حال على تقدير "قد". "أن تعوديني" أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بفي محذوفة؛ أي: في عيادتي. والجار والمجرور متعلق بما تعلق به عليك؛ أي: أي بأس عليك حين بلغك أني مريض، وقد غاب زوجك في يوم ما، في زيارتي في هذا الوقت؟
ومثال "حدَّث" قول الحارث بن حلزة اليشكري من معلقته:
أو منعتم ما تسألون فمن حُد … دثتموه له علينا الولاء
"أو" عاطفة على ما قبله. "ما" اسم موصول مفعول منعتم. "تسألون" مضارع مبني للمجهول، والجملة صلة ما؛ أي: تسألونه. "فمن" الفاء عاطفة، و"من" اسم استفهام للإنكار والنفي، مبتدأ. "حدثتموه" ماض للمجهول، والتاء نائب فاعل هي المفعول الأول، والميم علامة الجمع، والواو للإشباع،
والهاء مفعول ثان، والجملة خبر المبتدأ. "له" متعلق بمحذوف خبر مقدم. "علينا" متعلق بالمحذوف. "الولاء" مبتدأ مؤخر، وجملة المبتدأ والخبر سدت مسد المفعول الثالث لحدث. يريد: أو منعتم ما تسألون من المهادنة والعدل
بيننا وبينكم، فمن الذي حدثكم أن له علينا يدا حتى تطمعوا أن تكونوا
مثله؟ أي: إنه لا فضل لأحد علينا، ونحن قادرون على مقابلتكم بالمثل. وإلى ما تقدم يشير الناظم بقوله:
وكأرى السابق نَبَّأ أَخْبَرا … حدَّث أَنْبَأ كذاك خبَّرا*
أي: مثل الفعل "أرى" السابق أول الكلام في نصب ثلاثة مفاعيل، هذه الأفعال الخمسة التي سردها.
стр. 412
ويجوز عند الأكثرين حذف الأول؛ كـ"أعلمت كبشك سمينا" والاقتصار عليه؛ كـ"أعلمت زيدًا" (١). وللثاني والثالث من جواز حذف أحدهما اختصارًا، ومنعه اقتصارًا، ومن الإلغاء والتعليق ما كان لهما (٢)؛ خلافًا لمن منع الإلغاء والتعليق مطلقًا (٣)، ولمن منعهما في المبني للفاعل. ولنا على الإلغاء قول بعضهم:
البركة أعلمنا الله مع الأكابر (٤)
وقوله:
وأنت أراني الله أمنع عاصم (٥)(١) وذلك لأن الفائدة لا تنعدم بحذفه في المثال الأول، أو بالاقتصار عليه في المثال الثاني؛ إذ قد يراد الإخبار بمجرد العلم به، وبمجرد إعلام الشخص المذكور. أما حذف الثلاثة، فأجازه ابن مالك لدليل ولغيره، وإن لم يجز في باب ظن لغير دليل.
(٢) أي: قبل النقل، فتجري عليهما الأحكام والآثار الخاصة بالأفعال القلبية كما أشار المصنف. وإلى هذا يشير الناظم بقوله:
وما لمفعولي "علمت" مطلقا … للثان والثالث أيضا حققا*
أي: إن ما ثبت لمفعولي "علم" من الأحكام المختلفة، باعتبارهما في الأصل مبتدأ وخبرا، يثبت للثاني والثالث هنا؛ فإن الثاني والثالث بعد دخول همزة التعدية هما الأول والثاني قبل دخولها على الفعل.
(٣) أي: سواء أكان مبنيا للفاعل، أم مبنيا للمفعول كما يفهم مما بعد. وحجة المانعين: أن الثاني والثالث بمنزلة الثاني في غير هذا الباب، وهو لا يتعلق ولا يلغى عنه.
(٤) فـ"البركة" مبتدأ، و"مع الأكابر" خبر، و"أعلم" ملغاة، لتوسطها بين المبتدأ والخبر، وهي مبنية للفاعل.
(٥) صدر بيت من الطويل، لم نقف على قائله. وعجزه: =
стр. 413
وعلى التعليق: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١)، وقوله:
حذار فقد نبئت إنك للذي
ستجزى بما تسعى فتسعد أو تشقى (٢)
=
وأرأف مستكفى وأسمح واهب
اللغة والإعراب:
أمنع: أفعل تفضيل، من منع على وزن كرم، إذا صار منيعا قويا لا يعتدى عليه. عاصم حافظ، وهو اسم فاعل من عصم فلان فلانا -على وزن ضرب- أي: منع عنه الأذى والمكروه. أرأف: أفعل تفضيل، من الرأفة، وهي الشفقة والرحمة. مستكفى: مطلوب منه الكفاية في الملمات. "وأنت" مبتدأ. "أراني الله" فعل وفاعل ومفعول والنون للوقاية. "أمنع" خبر المبتدأ. "عاصم" مضاف إليه. "وأرأف وأسمح" معطوفان على أمنع.
المعنى: أراني الله إياك أقوى حافظ يقي الإنسان شر الأعداء، وأرأف من يلجأ إليه في المهمات، وأجود وأكرم من يعطي ويبذل من غير منّ.
الشاهد: إلغاء "أرى" عن العمل في المفعولين الثاني والثالث؛ وهما: "أنت أمنع عاصم"؛ لتوسطه بينهما. والأصل: أراني الله إياك أمنع عاصم، أو أرانيك الله أمنع عاصم، فلما قدم المفعول الثاني أبدل بضمير الرفع وجعل مبتدأ.
(١) "كم" مفعول أول "ينبئ". "إذا" شرطية. "مزقتم" فعل الشرط، والجواب محذوف للدلالة عليه بجديد؛ أي: إذا مزقتم تجددون، وجملة الشرط معترضة بين المفعول الأول وما سد مسد المفعولين. "إنكم لفي خلق" الجملة في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني والثالث لينبئ، والفعل معلق عن الجملة باللام، ولذلك كسرت "إن".
(٢) بيت من الطويل، لم ينسبه النحاة لقائل.
اللغة والإعراب:
حذار: اسم فعل أمر؛ بمعنى أحذر. نبئت: أعلمت وأخبرت. ستجزى: ستكافأ. بما تسعى: بما تعمل في هذه الحياة. "فقد" الفاء للتعليل، و"قد" للتحقيق. "نبئت" ماضي للمجهول والتاء نائب فاعل، وهي المفعول الأول. "إنك للذي" إن واسمها وخبرها، والجملة في موضع نصب سدت مسد المفعولين الثاني والثالث، وقد علق عنها الفعل باللام المزحلقة في خبر إن، ولذلك كسرت "إن".
المعنى: احذر عاقبة ما تعمل من عمل في هذه الدنيا، فإنك ستؤاخذ بما قدمت يداك، وتجزى على حسب إجادتك؛ فإن كان خيرا سعدت، وإن شرا شقيت وندمت.
الشاهد: نصب "نبئ" ثلاثة مفاعيل، وقد عدي إلى واحد وهو الضمير الواقع نائب فاعل، وعلق عن الثاني والثالث باللام الواقعة في خبر إن؛ وهو "للذي" كما بينا.
стр. 414
قال ابن مالك: وإذا كانت أرى وأعلم منقولتين من المتعدي لواحد (١) تعديا لاثنين (٢)؛ نحو: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ (٣). وحكمهما حكم مفعولي كسا (٤) في الحذف لدليل وغيره (٥)، وفي منع الإلغاء والتعليق (٦).
(١) بأن كانت "رأى" بصرية بمعنى أبصر، و"علم" عرفانية بمعنى عرف.
(٢) أي: بواسطة الهمزة.
(٣) "أرى" فعل ماض بصرية، والفاعل هو. "كم" مفعول أول. "ما" اسم موصول مفعول ثان. "تحبون" الجملة صلة ما. وأما قوله -تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ فقليلا حال لا مفعول ثالث.
(٤) باب كسا: هو كل فعل يتعدى إلى مفعولين ليسا في الأصل مبتدأ وخبر مثل: سأل، وأعطى، وألبس، ومنح، ومنع. ولهذا لا يصح تطبيق الأحكام الخاصة بالأفعال القلبية عليهما؛ إلا التعليق فإنه جائز.
(٥) فيجوز حذفهما معا، وحذف أحدهما؛ تقول: أعملت، ورأيت، وأعلمت عليا، وأريت السحاب، ولا يقع الثاني جملة مؤولة بمفرد.
(٦) أي: في المفعولين معا؛ لأنه ليس أصلهما المبتدأ والخبر. أما امتناع الإلغاء فلامتناع الإخبار بالثاني عن الأول. وأما التعليق فأجاز الأشموني تعليقهما عن الثاني؛ لأن "أعلم" قلبية، "وأرى" وإن كانت بصرية، فهي ملحقة بالقلبية في ذلك، وإلى ما تقدم يشير الناظم بقوله:
وإن تعديا لواحد بلا … همز فلاثنين به توصلا
والثاني منهما كثان اثنى كسا … فهو به في كل حكم ذو ائتسا*
أي: إذا تعدى كل من "علم ورأى" إلى مفعول واحد، قبل مجيء همزة التعدية؛ بأن كانت علم بمعنى عرف، ورأى بمعنى أبصر؛ فإنهما يتوصلان بالهمزة إلى مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر. والثاني من المفعولين، كالثاني للفعل "كسا" في مثل: كسوت الفقير ثوبا؛ في أنه لا يصلح أن يكون خبرا عن الأول، فهو به ذو ائتسا؛ أي: اقتداء ومحاكاة في كل حكم.
стр. 415
قيل: وفيه نظر في موضعين:
أحدهما: أن علم بمعنى عرف إنما حفظ نقلها بالتضعيف (١) لا بالهمزة.
والثاني: أن أرى البصرية سمع تعليقها بالاستفهام؛ نحو: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ (٢). وقد يجاب (٣) بالتزام جواز نقل المتعدي لواحد بالهمزة قياسًا (٤)؛ نحو: ألبست زيدا جبة، وبادعاء (٥) أن الرؤية هنا علمية (٦).
(١) أي: تعديتها لاثنين، نحو: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
(٢) "أرِ" من أرى البصرية، فعل أمر للدعاء، والفاعل أنت والنون للوقاية، والياء مفعول أول ﴿كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ الجملة في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني لأر، المعلقة عن الاستفهام بكيف.
(٣) أي: عن النظر الأول.
(٤) أي: من غير التوقف على سماع، على أنه سمع في "علم" نقلها بالهمزة إلى اثنين؛ فالقول بأنه لم يحفظ نقلها إلا بالتضعيف، غير وجيه.
(٥) جواب عن النظر الثاني.
(٦) أي: في قوله -تعالى: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾. وأجيب كذلك بأن هذا ليس من باب التعليق؛ لاحتمال أن تكون "كيف" اسما معربا مجردا عن الاستفهام بمعنى الكيفية، ويكون مضافا إلى الفعل بعده بتأويل المصدر؛ أي: أرني كيفية إحيائك للموتى. =
стр. 416
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= تنبيهان:
أ- لا يجوز أن تعامل أخوات "رأى وعلم" القلبية معاملتهما في النقل إلى الثلاثة بالهمزة؛ فيقال: أظننت محمد عليا كريما، وأحسبت، وأزعمت، وأجاز ذلك الأخفش، ورأيه ضعيف.
ب- صوغ الفعل للمفعول يجعله قاصرا عن مفعول كان متعديا إليه قبل الصوغ فالمتعدي إلى ثلاثة؛ إذ صغته للمفعول صار متعديا لاثنين، وذو الاثنين يصير متعديا لواحد، وذو الواحد يصير غير متعد، أما دخول همزة النقل على الفعل فبالعكس.
стр. 417
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسئلة والتمرينات:
١ ما الأفعال القلبية التي تنصب مفعولين؟ وما أقسامها من حيث دلالتها في الخبر؟ ولم سميت بذلك؟ وضح ما تقول بالأمثلة.
٢ ما معنى أفعال التصيير؟ اذكر ثلاثة منها، وضع كلا في مثال من إنشائك.
٣ ما الإلغاء؟ وما التعليق؟ وما الفرق بينهما؟ وفيم يدخلان؟ وما أشهر المعلقات؟ مثل لما تقول.
٤ اشرح قول ابن مالك الآتي: وابسط القول في حذف المعمول في هذا الباب:
ولا تجز هنا بلا دليل … سقوط مفعولين أو مفعول
٥ يستشهد النحويون بما يأتي في هذا الباب. بين موضع الاستشهاد، وأعرب ما تحته خط:
قال -تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾، ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ﴾، ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾، ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾، ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾، ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾.
ودعوتني وزعمت أنك ناصح … ولقد صدقت وكنت ثم أمينا
لا أعد الإقتار عدما ولكن … فقد من قد فقدته الإعدام
رأيت الله أكبر كل شيء … محاولة وأكثرهم جنودا
وأخرني دهري وقدم معشرا … على أنهم لا يعلمون وأعلم
٦ تختص الأفعال القلبية المتصرفة بأمور. اذكر هذه الأمور، ووضحها بأمثلة.
٧ ما معنى قول ابن مالك:
لعلم عرفان وظن تهمه … تعدية لواحد ملتزمه
اذكر أمثلة موضحة لهذا البيت من إنشائك.
٨ يقوم الفدائيون في فلسطين بأعمال غاية في التضحية؛ ليستردوا أرضهم المغتصبة، كون =
стр. 418
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= جملا من إنشائك في هذا المعنى، وضع هذه الأفعال في تلك الجمل: أخبر، نبأ، خبّر، ظن.
٩ أعرب هذا البيت واشرحه، وهو للمرحوم حافظ إبراهيم المتوفى سنة ١٩٣٢، على لسان مصر:
أتراني وقد طويت حياتي … في مراس لم أبلغ اليوم رشدي
١٠ ترد الأفعال الآتية غير ناصبة لمفعولين، بين معناها حينئذ، وضعها في أمثلة موضحة: خال، وجد، زعم، حسب، حجا.
١١ يستعمل القول بمعنى الظن، ولذلك شروط، اذكر هذه الشروط، ولغة سليم فيه.
١٢ - ما حكم الجملة والمفرد إذا وقع كل منهما بعد القول؟ وضح ذلك على ضوء ما شرحنا، ومثل.
١٣ - ما المراد بباب كسا؟ وما الفرق بين المنصوب فيه والمنصوب في باب أعلم؟
١٤ بين فيما يأتي: الأدوات العاملة، ومعمولها، وحكمه.
هل تدري يا أخي، أحسبك تعلم ذلك علم اليقين، أن المرحوم أحمد عرابي زعيم الثورة العرابية المصرية، كان يحفظ القرآن الكريم. وقد لحق بالأزهر سنوات، ثم دخل الجيش جنديا، وتزعم ثورة الجيش سنة ١٨٨١. وينبئنا التاريخ: أنه لما تقلد الوزارة أحد جملة اصلاحات لم يرض عنها المستعمرون، فكادوا له، وأعدوا العدة لاحتلال البلاد، وقد قاوم عرابي ومن ورائه الشعب، مقاومة عظيمة، وكاد ينتصر لولا الخيانة والغدر. ثم نفي هو وزملاؤه، وعاد إلى وطنه سنة ١٩٠١. وتوفي ﵀ سنة ١٩١١.
١٥ أعرب قول الشاعر:
وبات يريني الخطب كيف اشتداده … وبت أريه الصبر كيف يكون
стр. 419
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا باب الفاعل (١):
الفاعل اسم (٢) أو ما في تأويله أسند إليه فعل (٣) أو ما في تأويله، مقدم أصلي المحل والصيغة (٤).
فالاسم نحو: تبارك الله، والمؤول به (٥) نحو: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ (٦).
والفعل: كما مثلنا، ومنه: أتى زيد، ونعم الفتى (٧)، ولا فرق بين المتصرف والجامد، والمؤول بالفعل (٨) نحو: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُه﴾، ونحو: "وجهه" في قوله:
هذا باب الفاعل:
(١) - معنى الفاعل لغة: من أوجد الفعل، واصطلاحًا: ما ذكره المصنف.
(٢) - أي صريح ظاهر، أو ضمير بارز، أو مستتر.
(٣) - أي سواء كان على وجه الإثبات، أو النفي، أو التعليق، أو الإنشاء، نحو: لم يخرج محمد، وإن حضر علي، وهل سافر محمود؟
(٤) - يراد بأصالة الصيغة: عدم تحويلها إلى صيغة المبني للمجهول، كما سيذكره المصنف.
(٥) - أي بالاسم، وذلك لوجود سابك ملفوظ به أو مقدر، والسابك في باب الفاعل يكون: "بأن" المفتوحة، "وأن" الناصبة للفعل، و"ما" لا غير أما "كي" و "لو"، فلا.
(٦) - أن معمولاها في تأويل مصدر فاعل يكف، أي إنزالنا، ومثال "أن": ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾، أي خشوع قلوبهم، ومثال: "ما": يسر المرء ما ذهب الليالي، أي ذهاب الليالي، ولا يقدر من هذه الحروف الثلاثة إلا "أن" خاصة، نحو: ما راعني إلا يسير، أي: إلا أن يسير، ولا تقدر أن المشددة، ولا "ما"، لعدم وروده.
(٧) - هذان مثالان ذكرهما الناظم، ليشير إلى أنه لا فرق بين الفعل المتصرف، والفعل الجامد.
(٨) - والصفة المشبهة، كمثاله أيضًا "زيد منير وجهه"، أي ينير، وأمثلة المبالغة نحو أسفاك
стр. 420
أتى زيد منيرًا وجهه، ومقدم، رافع لتوهم دخول نحو: زيد قام، وأصلي المحل، مخرج لنحو: قائم زيد، فإن المسند -وهو قائم- أصله التأخير؛ لأنه خبر (١). وذكر الصيغة مخرج لنحو: ضرب زيد "بضم أول الفعل وكسر ثانيه"، فإنها صيغة مفرعة من "ضرب" بفتحهما (٢).
اللص؟، واسم التفضيل، نحو: ما رأيت امرأ أحب إليه الأقدام من محمد، والمصدر نحو:
ألا إن ظلم نفسه المرء بين
وكذلك اسمه، نحو: سررت من عطاء الكتاب محمد، واسم الفعل نحو: هيهات الإنصاف بين الناس، والظرف نحو: أعندك مهاجر؟ والجار والمجرور نحو: أفي الفوز شك؟ ويلاحظ أن العامل في الفاعل في الظرف والجار والمجرور متعلقهما.
(١) أي: عن زيد، وقدم قائم لفظا فقط، وليس تقديمه على سبيل الأصالة.
(٢) وإلى ما سبق يشير الناظم بقوله:
الفاعل الذي كمرفوعي "أتى … زيد" منيرًا وجهه" "نعم الفتى"
وقد اكتفى عن التعريف بذكر مثالين مستوفيين الشروط التي ذكرها المصنف.
"فزيد" فاعل لفعل متصرف وهو أتى، و"وجهه" فاعل لمنيرا، وهو وصف مشبه للفعل؛ لأنه اسم فاعل، "والفتى" فاعل لفعل جامد وهو "نعم"، والفعل في الأمثلة مقدم على الفاعل، فهو أصلي المحل والصيغة.
هذا: والصحيح أن الفاعل لا يكون جملة، اللهم إلا إذا كانت الجملة مقصودا لفظها وحكايتها؛ لأنها تكون حينئذ بمنزلة المفرد، فترفع بضمة مقدرة منع من ظهورها حركة الحكاية، ويرى بعض العلماء: جواز وقوع الجملة فاعلًا؛ اسمية كانت أو فعلية، وبعضهم يجيز وقوعها فاعلًا إذا كانت فعلية معلقة بفعل قلبي، وأداة التعليق الاستفهام كقوله تعالى: ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِم﴾.
стр. 421
وله أحكام:
أحدها: الرفع (١)، وقد يجر لفظً (٢)، وقد يجر لفظًا بإضافة المصدر، نحو: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاس﴾ (٣)، أو اسمه، نحو: "من قبله الرجل امرأته الوضوء" (٤)، أو بمن أو بالباء الزائدتين (٥)، نحو: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾، ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
الثاني: وقوعه بعد المسند، فإن وجد ما ظاهره أنه فاعل تقدم، وجب تقدير الفاعل ضميرًا مستترًا، وكون المقدم إما مبتدأ في نحو: زيد قائم (٦)، وإما فاعلًا
(١) ورافعه: الفعل، أو ما هو في تأويله على الصحيح، وقد ينصب شذوذا إذا فهم المعنى، سمع من كلام العرب: خرق الثوب المسمار، كسر الزجاج الحجر، برفع أولهما، ونصب ثانيهما.
(٢) ولكنه في محل رفع، ويجوز في تابعه حينئذ الجر، حملا على اللفظ، والرفع بالنسبة للمحل.
(٣) "الله" مضاف إليه، وهو فاعل يدفع، من إضافة المصدر إلى فاعله، "الناس" مفعوله.
(٤) "من قبله" جار ومجرور خبر مقدم، "الرجل" مضاف إليه"، من إضافة اسم المصدر وهو "قبلة" لفاعله، "امرأته" مفعوله ومضاف إليه، "الوضوء" مبتدأ مؤخر، وهذه القولة للسيدة عائشة ﵂.
(٥) أو اللام كذلك، نحو: ﴿هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُون﴾، وشرط جر الفاعل بمن الزائدة: أن يكون نكرة بعد نفي، أو شبهة، فإن عطف على المجرور بها معرفة، تعين رفعها نحو: ما جاءني من رجل، ولا محمد، وكذلك يجب الرفع إن كان المعطوف عليه نكرة، وأداة العطف "لكن" أو"بل"؛ لأن المعطوف بهما بعد النفي والنهي يكون مثبتًا فلا يجر؛ لأنه بمنزلة المجرور بمن.
هذا: وجر الفاعل بالباء الزائدة قد يكون واجبًا؛ كفاعل أفعل في التعجب، نحو: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِر﴾، وقد يكون جائزًا ولكنه كثير في فاعل، نحو: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، ويقل في غير ذلك.
(٦) ففي قام ضمير مستتر عائد على زيد، وهو الفاعل، وزيد مبتدأ، والجملة خبر.
стр. 422
محذوف الفعل في نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾؛ لأن أداة الشرط مختصة بالجمل الفعلية (١)، وجاز الأمران (٢) في نحو: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾، ﴿أَنْتُمْ تَخْلُقُونَه﴾، والأرجح الفاعلية (٣).
وعن الكوفي جواز تقديم الفاعل تمسكًا بنحو قول الزباء (٤):
ما للجمال مشيهًا وئيدا (٥)(١) " فأخذ" لفاعل لفعل محذوف يفسر المذكور، أي وإن استجارك أحد استجارك، وليس "أحد" مبتدأ، جملة "إن استجارك" خبر، لما ذكر المصنف.
(٢) أي الابتدائية والفاعلية.
(٣) "بشر" مبتدأ، وجملة "يهدوننا" خبر، أو فاعل لمحذوف يفسره يهدوننا، ورجحت الفاعلية؛ لأن الغالب في همزة الاستفهام دخولها على الفعل، وكذلك يقال في الآية الثانية.
الخلاصة: أنه إذا تقدم على الفعل ما ظاهره أنه فاعل، فإن لم يتقدمه شيء أعرب المتقدم مبتدأ، وأضمر الفاعل مستترًا في الفعل، وإن وقع بعد أداة تختص بالفعل، كأدوات الشرط، والتحضيض أعرب فاعلًا لمحذوف يفسره المذكور، وإن بعد أداة يغلب دخولها على الفعل، كهمزة الاستفهام جاز الأمران، والفاعلية أرجح.
(٤) هي بنت عمرو بن الظرب بن حسان، ملكة الجزيرة، وقصتها مع جذيمة الأبرش ملك العراق -الذي قتل أباها، ومع قصير بن سعد مولى جذيمة، الذي احتال لقتلها حين قتلت جذيمة خدعة، لتأخذ بثأر أبيها- معروفة مشهورة.
(٥) صدر بيت من الرجز، وعجزه:
أجندلا يحملن أم حديدا
وبعده:
أم صرفانا باردًا شديدا … أم الرجال جثما قعودا
اللغة والإعراب: الجمال، جمع جمل، وئيدا: ثقيلًا بطيئا، وهو صفة مشبهة من التؤدة، وهي التمهل والتأني، جندلًا، الجندل ما يقله الرجل من الحجارة، صرفانا، الصرفان: النحاس والرصاص، جثما: جمع جاثم، أي لاصقين بالأرض، "ما" اسم
стр. 423
وهو عندنا ضرورة، أو مشيها مبتدأ حذف خبره، أي يظهر وئيدا، كقولهم: حكمك مسمطًا"، أي حكمك لك مثبتًا، قيل: أو مشيها بدل من ضمير الظرف (١).
الثالث: أنه لا بد منه (٢)؛ فإن ظهر في اللفظ نحو: قام زيد، والزيدان قاما، فذاك، وإلا فهو ضمير مستتر راجع: إما لمذكور، كـ"زيد قام كما مر".
أو لما دل عليه الفعل كالحديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن (٣) "، أي ولا يشرب هو، أي الشارب (٤).
استفهام مبتدأ، "للجمال" جار ومجرور خبر، "مشيها" أعربه الكوفيون فاعلًا مقدما بوئيدا، الواقع حالا من الجمال، والتقدير: أي شيء ثابت للجمال حال كونها وئيدا مشيها.
المعنى: واضح بعد هذا البيان.
الشاهد: تقدم الفاعل، وهو "مشيها" على عامله، وهو "وئيدا" المشبه للفعل على مذهب الكوفيين، ولا يصح جعله مبتدأ؛ لأنه لا خبر له في اللفظ إلا وئيدا، وهو منصوب، وقد أجاب البصريون بما ذكره المصنف، وهذا على رواية الرفع، وقد ورد بجر "مشيها"، على أنه بدل اشتمال من الجمال، ووئيدا حال من المشي، كما ورد بنصب "مشيها"، على أنه مفعول مطلق لمحذوف، أي تمشي مشيها، ووئيدا حال من المصدر، والجملة حال من الجمال، وعلى الروايتين فلا شاهد فيه.
(١) أي الذي هو فاعل الاستقرار المحذوف، وقد انتقل إلى الجار والمجرور -وهو للجمال- بعد حذف الاستقرار، وتظهر نتيجة الخلاف بين المذهبين في التثنية والجمع، فتقول على مذهب الكوفيين: المحمدان قام، والمحمدون قام بالإفراد فيهما، وعند البصريين: لا بد من الضمير المطابق في قام، والراجح مذهب البصريين.
(٢) أي لا يمكن حذفه والاستغناء عنه؛ لأنه جزء أساسي في الجملة، لا تستغني عنه لتكملة معناها على عامله، وقد يحذف لداع كما سيأتي بعد.
(٣) حديث ذكره مسلم في صحيحه، في "كتاب الإيمان" وذكره البخاري، في "كتاب الأشربة"، وفيه: "ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن".
(٤) - "ففي" يشرب" ضمير مستتر هو الفاعل، يعود إلى الشارب، ويدل عليه لفظ "يشرب" بالالتزام؛ لأن الشرب يستلزم شاربا، وحسن الحذف لتقدم نظيره وهو لا يزني الزاني، ولا يسرق السارق.
стр. 424
أو لما دل عليه الكلام، أو الحال المشاهد (١)، نحو: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي﴾، أي إذا بلغت الروح (٢)، ونحو قولهم: إذا كان غدا فأتني (٣)، وقوله:
فإن كان لا يرضيك حتى تردني (٤)(١) أي بأن تكون هنالك قرينة تعرف من السياق، أو الحال الواقعة.
(٢) ففي "بلغت" ضمير مستتر هو الفاعل، عائد على الروح المفهومة من سياق الكلام.
(٣) قوله منسوب لبعض العرب، وكان يحتمل أن تكون تامة و"غدا" ظرف متعلق بها.
وأن تكون ناقصة، فيكون "غدا" خبرها، والضمير المستتر المرفوع بكان، تدل عليه الحال الواقعة المشاهدة وقت التكلم كما بين المصنف.
(٤) صدر بيت من الطويل، لسوار بن المضرب السعدي، وقد كان هرب من الحجاج، خوفًا على نفسه، وعجزه.
إلى قطري لا إخالك راضيا
اللغة والإعراب: قطري: هو قطري بن الفجاءة التميمي، رأس من رءوس الخوارج في عهد الدولة الأموية، لا إخالك: أي لا أظنك، "إن كان" شرط وفعله، وفاعل كان أو اسمها ضمير مستتر يعود على معلوم من المقام كما أوضح المصنف، "لا يرضيك"، الجملة في محل نصب حال من فاعل "كان" المستتر إن جعلت تامة -وخبرها- إن كانت ناقصة "لا إخالك" لا نافية، "إخال" فعل مضارع، والفاعل أنا، والكاف مفعول أول، "راضيًا" مفعول ثان، والجملة جواب الشرط.
المعنى: إذا كان ما تشاهد مني ومن حالي وفراري من ذلك الخارجي لا يرضيك حتى تردني إليه، فإني لا أظنك ترضى أصلًا؛ لأني معتزم عدم الرجوع إليه، ورضاك معلق على عودتي.
الشاهد: حذف مرفوع "كان" و"يرضيك"، وهو ضمير يعود على الحال المشاهدة
стр. 425
أي إذا كان هو، أي ما نحن الآن عليه من سلامة، أو فإن كان هو، أي ما تشاهده مني، وعن الكسائي إجازة حذفه تمسكًا بنحو ما أولناه (١).
والواقعة للمتكلم والسامع؛ لأنه ليس في الكلام ما يصلح أن يكون مرجعًا لهذا الضمير إلا ذلك، وإلى حكمي الفاعل الثاني والثالث يشير الناظم بقوله:
وبعد فعل فاعل فإن ظهر … فهو وإلا فضمير استتر
أي أنه لا بد للفعل من فاعل بعده، فإنه ظهر فهو المطلوب، وإلا فهو ضمير مستتر، أما الحكم الأول وهو الرفع فمفهوم من قوله: "كمرفوعي أتى".
(١) أي في الحديث والآية والبيت … إلخ، هذا: وقد أشرنا قريبا إلى أن الفاعل قد يحذف لداع يقتضي الحذف، ومن ذلك:
أ- أن يكون عامله مبنيًا للمجهول، فإن الفاعل يحذف وجوبًا، ويحل محله نائب الفاعل.
ب- إذا كان الفاعل واو جماعة، أو ياء مخاطبة، والفعل مؤكد بنون التوكيد، نحو: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّه﴾، انتبهن يا فاطمة، فقد حذفت واو الجماعة في الأول، وياء المخاطبة في الثاني لالتقاء الساكنين كما تقدم إيضاح ذلك.
ج- أن يكون عامله مصدرًا نحو: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾.
د- أو يكون فاعل "أفعل" في التعجب إذا دل عليه متقدم، نحو: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِر﴾.
هـ- أن يحذف جوازا مع عامله لداع بلاغي، إذا دل عليهما دليل، نحو: من قابلت؟ فتقول: صديقًا، أي قابلت صديقا، وغير ذلك كثيرًا مما هو مذكور في كتب النحو.
وهناك أفعال لا تحتاج إلى فاعل مذكور أو محذوف، مثل: "كان" الزائدة، والفعل التالي لفعل آخر، نحو: حضر حضر محمد، والأفعال التي تتصل بها "ما" الكافة، مثل: طالما، وقلما، وكثر ما … إلخ، على قول.