← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 12037

ضياء السالك إلى أوضح المسالك

محمد عبد العزيز النجار

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وله أحكام: أحدها: الرفع (١)، وقد يجر لفظً (٢)، وقد يجر لفظًا بإضافة المصدر، نحو: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاس﴾ (٣)، أو اسمه، نحو: "من قبله الرجل امرأته الوضوء" (٤)، أو بمن أو بالباء الزائدتين (٥)، نحو: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾، ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. الثاني: وقوعه بعد المسند، فإن وجد ما ظاهره أنه فاعل تقدم، وجب تقدير الفاعل ضميرًا مستترًا، وكون المقدم إما مبتدأ في نحو: زيد قائم (٦)، وإما فاعلًا (١) ورافعه: الفعل، أو ما هو في تأويله على الصحيح، وقد ينصب شذوذا إذا فهم المعنى، سمع من كلام العرب: خرق الثوب المسمار، كسر الزجاج الحجر، برفع أولهما، ونصب ثانيهما. (٢) ولكنه في محل رفع، ويجوز في تابعه حينئذ الجر، حملا على اللفظ، والرفع بالنسبة للمحل. (٣) "الله" مضاف إليه، وهو فاعل يدفع، من إضافة المصدر إلى فاعله، "الناس" مفعوله. (٤) "من قبله" جار ومجرور خبر مقدم، "الرجل" مضاف إليه"، من إضافة اسم المصدر وهو "قبلة" لفاعله، "امرأته" مفعوله ومضاف إليه، "الوضوء" مبتدأ مؤخر، وهذه القولة للسيدة عائشة ﵂. (٥) أو اللام كذلك، نحو: ﴿هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُون﴾، وشرط جر الفاعل بمن الزائدة: أن يكون نكرة بعد نفي، أو شبهة، فإن عطف على المجرور بها معرفة، تعين رفعها نحو: ما جاءني من رجل، ولا محمد، وكذلك يجب الرفع إن كان المعطوف عليه نكرة، وأداة العطف "لكن" أو"بل"؛ لأن المعطوف بهما بعد النفي والنهي يكون مثبتًا فلا يجر؛ لأنه بمنزلة المجرور بمن. هذا: وجر الفاعل بالباء الزائدة قد يكون واجبًا؛ كفاعل أفعل في التعجب، نحو: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِر﴾، وقد يكون جائزًا ولكنه كثير في فاعل، نحو: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، ويقل في غير ذلك. (٦) ففي قام ضمير مستتر عائد على زيد، وهو الفاعل، وزيد مبتدأ، والجملة خبر.

стр. 422

محذوف الفعل في نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾؛ لأن أداة الشرط مختصة بالجمل الفعلية (١)، وجاز الأمران (٢) في نحو: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾، ﴿أَنْتُمْ تَخْلُقُونَه﴾، والأرجح الفاعلية (٣). وعن الكوفي جواز تقديم الفاعل تمسكًا بنحو قول الزباء (٤): ما للجمال مشيهًا وئيدا (٥) (١) " فأخذ" لفاعل لفعل محذوف يفسر المذكور، أي وإن استجارك أحد استجارك، وليس "أحد" مبتدأ، جملة "إن استجارك" خبر، لما ذكر المصنف. (٢) أي الابتدائية والفاعلية. (٣) "بشر" مبتدأ، وجملة "يهدوننا" خبر، أو فاعل لمحذوف يفسره يهدوننا، ورجحت الفاعلية؛ لأن الغالب في همزة الاستفهام دخولها على الفعل، وكذلك يقال في الآية الثانية. الخلاصة: أنه إذا تقدم على الفعل ما ظاهره أنه فاعل، فإن لم يتقدمه شيء أعرب المتقدم مبتدأ، وأضمر الفاعل مستترًا في الفعل، وإن وقع بعد أداة تختص بالفعل، كأدوات الشرط، والتحضيض أعرب فاعلًا لمحذوف يفسره المذكور، وإن بعد أداة يغلب دخولها على الفعل، كهمزة الاستفهام جاز الأمران، والفاعلية أرجح. (٤) هي بنت عمرو بن الظرب بن حسان، ملكة الجزيرة، وقصتها مع جذيمة الأبرش ملك العراق -الذي قتل أباها، ومع قصير بن سعد مولى جذيمة، الذي احتال لقتلها حين قتلت جذيمة خدعة، لتأخذ بثأر أبيها- معروفة مشهورة. (٥) صدر بيت من الرجز، وعجزه: أجندلا يحملن أم حديدا وبعده: أم صرفانا باردًا شديدا … أم الرجال جثما قعودا اللغة والإعراب: الجمال، جمع جمل، وئيدا: ثقيلًا بطيئا، وهو صفة مشبهة من التؤدة، وهي التمهل والتأني، جندلًا، الجندل ما يقله الرجل من الحجارة، صرفانا، الصرفان: النحاس والرصاص، جثما: جمع جاثم، أي لاصقين بالأرض، "ما" اسم

стр. 423

وهو عندنا ضرورة، أو مشيها مبتدأ حذف خبره، أي يظهر وئيدا، كقولهم: حكمك مسمطًا"، أي حكمك لك مثبتًا، قيل: أو مشيها بدل من ضمير الظرف (١). الثالث: أنه لا بد منه (٢)؛ فإن ظهر في اللفظ نحو: قام زيد، والزيدان قاما، فذاك، وإلا فهو ضمير مستتر راجع: إما لمذكور، كـ"زيد قام كما مر". أو لما دل عليه الفعل كالحديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن (٣) "، أي ولا يشرب هو، أي الشارب (٤). استفهام مبتدأ، "للجمال" جار ومجرور خبر، "مشيها" أعربه الكوفيون فاعلًا مقدما بوئيدا، الواقع حالا من الجمال، والتقدير: أي شيء ثابت للجمال حال كونها وئيدا مشيها. المعنى: واضح بعد هذا البيان. الشاهد: تقدم الفاعل، وهو "مشيها" على عامله، وهو "وئيدا" المشبه للفعل على مذهب الكوفيين، ولا يصح جعله مبتدأ؛ لأنه لا خبر له في اللفظ إلا وئيدا، وهو منصوب، وقد أجاب البصريون بما ذكره المصنف، وهذا على رواية الرفع، وقد ورد بجر "مشيها"، على أنه بدل اشتمال من الجمال، ووئيدا حال من المشي، كما ورد بنصب "مشيها"، على أنه مفعول مطلق لمحذوف، أي تمشي مشيها، ووئيدا حال من المصدر، والجملة حال من الجمال، وعلى الروايتين فلا شاهد فيه. (١) أي الذي هو فاعل الاستقرار المحذوف، وقد انتقل إلى الجار والمجرور -وهو للجمال- بعد حذف الاستقرار، وتظهر نتيجة الخلاف بين المذهبين في التثنية والجمع، فتقول على مذهب الكوفيين: المحمدان قام، والمحمدون قام بالإفراد فيهما، وعند البصريين: لا بد من الضمير المطابق في قام، والراجح مذهب البصريين. (٢) أي لا يمكن حذفه والاستغناء عنه؛ لأنه جزء أساسي في الجملة، لا تستغني عنه لتكملة معناها على عامله، وقد يحذف لداع كما سيأتي بعد. (٣) حديث ذكره مسلم في صحيحه، في "كتاب الإيمان" وذكره البخاري، في "كتاب الأشربة"، وفيه: "ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن". (٤) - "ففي" يشرب" ضمير مستتر هو الفاعل، يعود إلى الشارب، ويدل عليه لفظ "يشرب" بالالتزام؛ لأن الشرب يستلزم شاربا، وحسن الحذف لتقدم نظيره وهو لا يزني الزاني، ولا يسرق السارق.

стр. 424

أو لما دل عليه الكلام، أو الحال المشاهد (١)، نحو: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي﴾، أي إذا بلغت الروح (٢)، ونحو قولهم: إذا كان غدا فأتني (٣)، وقوله: فإن كان لا يرضيك حتى تردني (٤) (١) أي بأن تكون هنالك قرينة تعرف من السياق، أو الحال الواقعة. (٢) ففي "بلغت" ضمير مستتر هو الفاعل، عائد على الروح المفهومة من سياق الكلام. (٣) قوله منسوب لبعض العرب، وكان يحتمل أن تكون تامة و"غدا" ظرف متعلق بها. وأن تكون ناقصة، فيكون "غدا" خبرها، والضمير المستتر المرفوع بكان، تدل عليه الحال الواقعة المشاهدة وقت التكلم كما بين المصنف. (٤) صدر بيت من الطويل، لسوار بن المضرب السعدي، وقد كان هرب من الحجاج، خوفًا على نفسه، وعجزه. إلى قطري لا إخالك راضيا اللغة والإعراب: قطري: هو قطري بن الفجاءة التميمي، رأس من رءوس الخوارج في عهد الدولة الأموية، لا إخالك: أي لا أظنك، "إن كان" شرط وفعله، وفاعل كان أو اسمها ضمير مستتر يعود على معلوم من المقام كما أوضح المصنف، "لا يرضيك"، الجملة في محل نصب حال من فاعل "كان" المستتر إن جعلت تامة -وخبرها- إن كانت ناقصة "لا إخالك" لا نافية، "إخال" فعل مضارع، والفاعل أنا، والكاف مفعول أول، "راضيًا" مفعول ثان، والجملة جواب الشرط. المعنى: إذا كان ما تشاهد مني ومن حالي وفراري من ذلك الخارجي لا يرضيك حتى تردني إليه، فإني لا أظنك ترضى أصلًا؛ لأني معتزم عدم الرجوع إليه، ورضاك معلق على عودتي. الشاهد: حذف مرفوع "كان" و"يرضيك"، وهو ضمير يعود على الحال المشاهدة

стр. 425

أي إذا كان هو، أي ما نحن الآن عليه من سلامة، أو فإن كان هو، أي ما تشاهده مني، وعن الكسائي إجازة حذفه تمسكًا بنحو ما أولناه (١). والواقعة للمتكلم والسامع؛ لأنه ليس في الكلام ما يصلح أن يكون مرجعًا لهذا الضمير إلا ذلك، وإلى حكمي الفاعل الثاني والثالث يشير الناظم بقوله: وبعد فعل فاعل فإن ظهر … فهو وإلا فضمير استتر أي أنه لا بد للفعل من فاعل بعده، فإنه ظهر فهو المطلوب، وإلا فهو ضمير مستتر، أما الحكم الأول وهو الرفع فمفهوم من قوله: "كمرفوعي أتى". (١) أي في الحديث والآية والبيت … إلخ، هذا: وقد أشرنا قريبا إلى أن الفاعل قد يحذف لداع يقتضي الحذف، ومن ذلك: أ- أن يكون عامله مبنيًا للمجهول، فإن الفاعل يحذف وجوبًا، ويحل محله نائب الفاعل. ب- إذا كان الفاعل واو جماعة، أو ياء مخاطبة، والفعل مؤكد بنون التوكيد، نحو: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّه﴾، انتبهن يا فاطمة، فقد حذفت واو الجماعة في الأول، وياء المخاطبة في الثاني لالتقاء الساكنين كما تقدم إيضاح ذلك. ج- أن يكون عامله مصدرًا نحو: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾. د- أو يكون فاعل "أفعل" في التعجب إذا دل عليه متقدم، نحو: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِر﴾. هـ- أن يحذف جوازا مع عامله لداع بلاغي، إذا دل عليهما دليل، نحو: من قابلت؟ فتقول: صديقًا، أي قابلت صديقا، وغير ذلك كثيرًا مما هو مذكور في كتب النحو. وهناك أفعال لا تحتاج إلى فاعل مذكور أو محذوف، مثل: "كان" الزائدة، والفعل التالي لفعل آخر، نحو: حضر حضر محمد، والأفعال التي تتصل بها "ما" الكافة، مثل: طالما، وقلما، وكثر ما … إلخ، على قول.

стр. 426

الرابع: أنه يصح حذف فعله إن أجيب به نفي كقولك: "بلى زيد، لمن قال: ما قام أحد (١)، أي بلى قام زيد، ومنه قوله: تجلدت حتى قيل لم يعر قلبه … من الوجد شيء قلت: بل أعظم الوجد (٢) أو استفهام محقق (٣)، نحو: نعم زيد، جوابًا لمن قال: هل جاءك؟ ومنه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّه﴾. أو مقدرة كقراءة الشامي (٤)، وأبي بكر: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال (١) فزيد فاعل لفعل محذوف، يدل عليه مدخول النفي، وهو قام، والجملة فعلية. (٢) بيت من الطويل، لم ينسبه النحاة لقائل. اللغة والإعراب: تجلدت: تكلفت الجلد والصبر على الهموم، لم يعر: لم يغش ولم ينزل، الوجد: الشوق والحب: تجلدت" فعله وفاعل، "حتى" حرف غاية. "يعر" مضارع مجزوم بلم، "قلبه" مفعول يعر" ومضاف إليه، "من الوجد" جار ومجرور متعلق بيعر، "شيء" فاعله، "بل" حرف للإضراب، "أعظم" فاعل لفعل محذوف، أي بل عراه أعظم، "الوجد" مضاف إليه. المعنى: تكلفت الصبر والجلد على بعد المحبوبة وهجرها، ولم أظهر شيئا من الحب والشوق إليها، حتى أعتقد الناس أن حبها لم يتمكن من قلبي، والحقيقة أن ما حل بقلبي من الشوق، والمحبة أعظم ما يتصور. الشاهد: ارتفاع "أعظم" بفعل محذوف، مجاب به على الكلام، منفي سابق، وهو قولهم: "لم يعر قلبه من الوجد شيء"، والمراد النفي بالجملة الفعلية، فإن كان النفي بالجملة الاسمية، فلا يترجح كون المرفوع فاعلًا. (٣) أي أم أجيب به استفهام محقق، أي ملفوظ به ظاهر الأداة، وإن كان في حيز شرط لا يوجد مدلوله في الخارج نحو: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم﴾ … الآية. (٤) هو أبو عمران، عبد الله بن عامر بن زيد، إمام أهل الشام، كان تابعيًا جليلًا، أم

стр. 427

رِجَالٌ﴾ (١)، وقوله: ليبك يزيد ضارع لخصومه (٢) أي يسبحه رجال، ويبكه ضارع، وهو قياسي وفاقا للجرمي (٣)،. . . . . . . . . . . المسلمين سنوات كثيرة بالجامع الأموي، في زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز وقبله وبعده، وكان يأتم به وهو أمير المؤمنين، وجمع له بين الإمامة والقضاء، ومشيخة الإقراء بدمشق، وقد أجمع الناس على قراءته، وتوفي بدمشق يوم عاشوراء سنة ١١٨ هـ. (١) "يسبح" مضارع مبني للمجهول، له "نائب" فاعل "رجال" فاعل لفعل محذوف دل عليه مدخول الاستفهام المقدر، كأنه لما قيل: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾، قيل: من يسبحه؟ فقيل: يسبحه رجال، ففي الكلام استفهام ضمني، أو مقدر أشعر به، "يسبح" المبني للمفعول. (٢) عجز بيت من الطويل، أنشده سيبويه ونسبه للحارث بن نهيك، وقيل للبيد بن ربيعة، يرثي يزيد بن نهشل، وقيل لغيرهما، وصدره: ومختبط مما تطيح الطوائح اللغة والإعراب: ضارع: ذليل خاشع، مختبط: هو المحتاج الذي يطلب معروفك، من غير أن تكون له وسيلة يمت بها إليك، تطيح: تهلك، الطوائح: جمع طائح أو طائحة، "لبيك" اللام لام الأمر، ويبك مضارع مبني للمجهول مجزوم بها بحذف الألف، "يزيد" نائب فاعل، "ضارع" فاعل لفعل محذول دل عليه مدخول الاستفهام المقدر، أي يبكيه"، لخصومه" متعلق به، "ومختبط" معطوف على ضارع"، "مما" من جارة، وما مصدرية، والجار والمجرور متعلق بمختبط. المعنى: ليبك يزيد، ويندبه شخصان، فقير ذليل مهضوم الحق لا يجد له نصيرا، وطالب معروف يدفع به مصائب الدهر، وليس له وسيلة يتقرب بها. الشاهد: رفع "ضارع" على أنه فاعل لفعل محذوف، واقع في جواب استفهام مقدر، كأنه حين قال: ليبك يزيد، قيل: فمن يبكيه؟ فقال: ضارع. وروى ليبك يزيد ضارع، ببناء "يبك" للمعلوم، ونصب "يزيد" على أنه مفعول، ورفع "ضارع" على الفاعلية، وإذًا لا شاهد فيه. (٣) هو أبو عمر، صالح بن إسحاق الجرمي البصري، مولى جرم بن زبان، وجرم من قبائل

стр. 428

وابن جني (١). ولا يجوز في نحو: يوعظ في المسجد رجل، لاحتماله للمفعولية (٢)، بخلاف: يوعظ في المسجد رجال زيد (٣)، … ... … ... … ... … ... … اليمن، قال الخطيب: كان فقيهًا، عالمًا بالنحو واللغة، دينا ورعًا، قدم بغداد، وأخذ عن الأخفش ويونس والأصمعي وأبي عبيدة، وحدث عنه المبرد، وقال فيه: "كان الجرمي أثبت القوم في كتاب سيبويه، وناظر الفراء وأفحمه، وانتهى إليه علم النحو في زمانه، وكان يلقب بالنباح، لكثرة مناظرته في النحو، ورفع صوته فيه، وله كتاب "الأبنية" ومختصر في النحو"، وغريب سيبويه، مات سنة ٢٢٥ هـ. (١) هو أبو الفتح، عثمان بن جني، الموصلي مولدًا ونشأة، وأبوه جني، كان مملوكًا روميًا لسليمان بن فهد الأزدي الموصلي، وفي ذلك يقول: فإن أصبح بلا نسب … فعلمي في الورى نسبي كان إماما في العربية، ومن أحذق أهل الأدب، وأعلمهم بالنحو والصرف، وصنف في ذلك كتبًا فاق بها على المتقدمين وأعجز، المتأخرين، ولم يتكلم أحد في التصريف والإعراب أدق منه كلامًا، قرأ الأدب على أبي علي الفارسي، وأخذ عنه ثم فارقه وقعد للإقراء بالموصل، فاجتاز بها شيخه أبو علي، فرآه في حلقته والناس حوله، فقال له: تزببت وأنت حصرم، فترك حلقته وتبعه ولازمه، وقد عاصر المتنبي وناظره، وكان المتنبي يعجب به وبذكائه وحذقه، ويقول فيه: "هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس"، وخدم أبو الفتح البيت البويهي "عضد الدولة وأولاده" وكان يلازمهم، وله مصنفات كثيرة منها كتاب "الخصائص"، وقد طبعته دار الكتب" و"اللمع"، و"المحتسب" في تخريج القراءات الشاذة، وقد طبع حديثًا، وشرح ديوان المتنبي"، ولما مات المتنبي رثاه بقصيدة مطلعها: غاض القريض وأذوت نضرة الأدب … وصوحت بعد ري دوحة الكتب وتوفي أبو الفتح في آخر صفر سنة ٣٩٢ هـ، ودفن ببغداد في خلافة القادر بالله. (٢) فيكون مرفوعًا على أنه نائب فاعل، فيحصل لبس بين كونه فاعلًا لفعل محذوف، أو نائب فاعل، فلهذا لا يجوز أن يكون فاعلًا. (٣) فإنه يجوز أن يكون "زيد" فاعلًا لفعل محذوف، لعدم الاحتمال المتقدم؛ لأن الفعل قبله قد استوفى نائب فاعله، ونائب الفاعل لا يتكرر كالفاعل.

стр. 429

أو استلزمه ما قبله (١)، كقوله: غداة أحلت لابن أصرم طعنة … حصين عبيطات السدائف والخمر (٢) أي وحلت له الخمر؛ لأن أحلت يستلزم حلت. أو فسره ما بعده (٣)، نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾، والحذف في هذه واجب (٤). (١) أي استلزم الفعل الرافع للفاعل -ما ذكر قبله من فعل. (٢) بيت من الطويل، من قصيدة للفرزدق. اللغة والإعراب: طعنة: اسم مرة من الطعن، وهو الضرب بالرمح وغيره: عبيطات: جمع عبيطة، وهي القطعة من اللحم الطري غير النضيج، وعبط الذبيحة واعتبطها: نحرها وهي سمينة فتية، من غير داء ولا كسر، السدائف: جمع سديف، وهو شحم السنام ونحوه مما غلب عليه السمن، "غداة" منصوب على الظرفية بما قبله، "طعنة" فاعل أحلت، "لابن أصرم" متعلق بأحلت ومضاف إليه، ممنوع من الصرف، "حصين" بدل أو عطف بيان من أصرم"، عبيطات" مفعول أحلت، "السدائف" مضاف إليه، "والخمر" بالرفع فاعل لفعل محذوف، أي وحلت له الخمر. المعنى: كان لحصين بن أصرم قريب قتل، فحرم على نفسه أكل اللحم الطري وشرب الخمر حتى يأخذ بثأر قريبه، فلما أدرك ثأره حل له ما حرمه على نفسه، فهو يقول: غداة أباحت طعنة حصين لخصمه وإدراكه ثأره، أكل اللحم الطري وشرب الخمر. الشاهد: رفع "الخمر" على أنه فاعل لمحذوف، يدل عليه الفعل السابق ويستلزمه، وهو "أحلت" كما ذكرت المصنف، وروى بنصب "طعنة" على أنه مفعول به، وإن كان فاعلًا في المعنى، ورفع "عبيطات والخمر" على الفاعلية والعطف، على حد: "خرق الثوب المسمار". (٣) "أي فسر" الفعل الرافع للفاعل ما بعده من فعل كما في الآية المذكورة. (٤) لأن استجارك المذكور مفسر للمحذوف، ويغني عنه، فهو كالعوض، ولا يجمع بين

стр. 430

الخامس: أن فعله يوجد (١)؛ مع تثنية وجمعه، كما يوجد مع إفراده، فكما تقول: قام أخوك، كذلك تقول: قام أخواك، وقام إخوتك، وقام نسوتك (٢)، قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾، ﴿قَالَ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾. المفسر والمفسر، والعوض والمعوض عنه، وهناك أساليب أخرى يجب فيها حذف الفعل: كالاختصاص والتحذير والإغراء، والمصدر النائب عن فعله، والأمثال وما جرى مجراها … إلخ، وسيِأتي توضيح كل ذلك وغيره في مكانه، وإلى الحكم الرابع المتقدم يشير الناظم بقوله: ويرفع الفاعل فعل أضمرا … كمثل "زيد" في جواب من "قرأ" أي أن الفاعل يرفع بفعل مضمر -أي غير مذكور- مع فاعله، نحو قول السائل من قرأ؟ فيجاب: "زيد"، فزيد: فاعل لفعل محذوف يدل عليه "قرأ" المذكور، أي قرأ زيد، واكتفى بهذا المثال عن التفضيل الذي أوضحه المصنف. (١) وكذلك ما هو بمنزلة الفعل، كاسم الفاعل وغيره، مما سبق بيانه في أول الباب. (٢) أي بتوحيد الفعل فيه، وفيما قبله؛ لأنه لم يوحد، وقيل: قاما، وقاموا، وقمن، لتوهم أن الاسم الظاهر مبتدأ مؤخر، وما قبله فعل وفاعل خبر مقدم. وقد أشار الناظم إلى هذا الحكم بقوله: وجرد الفعل إذا ما أسندا … لاثنين أو جمع كـ"فاز الشهدا" أي لا تلحق بآخر الفعل الذي آخره مثنى أو جمعًا علامة تثنية أو جمع، مثل: فاز الشهداء، فالفاعل جمع تكسير، والفعل مجرد من علامة الجمع، وإلا لقال:

стр. 431

وحكى البصريون على طيئ، وبعضهم عن أزد شنوءة (١) نحو: ضربوني قومك، وضربتني نسوتك، وضرباني أخواك (٢): قال: ألفيتا عيناك عند القفا (٣) وقال: يلومونني في اشتراء النخيـ … ـل أهلي فكلهم ألوم (٤) (١) أزد، بفتح الهمزة. ويقال: أسد بالسين -وهو أفصح- أبو حي من اليمن، وشنوءة: بفتح الشين، وضم النون، وفتح الهمزة، وقد تشدد الواو، سميت القبيلة، لشنآن بينهم. (٢) أي بإلحاق علامة الجمع والتأنيث والتثنية بالفعل، ويعبر بعض النحويين عن هذه اللغة بلغة: "أكلوني البراغيث"؛ لأن البراغيث فاعل أكلوني. (٣) صدر بيت من السريع، لعمرو بن ملقط، الشاعر الجاهلي، وعجزه: أولى فأولى لك ذا واقيه اللغة والإعراب: ألفيتا: وجدتا، أولى فأولى لك: كلمة تقال عند التهديد والوعيد، وهي -كما قال الأصمعي والمبرد- اسم فعل معناه: قاربك ما يهلكك، ذا: اسم بمعنى صاحب، واقية: مصدر بمعنى الوقاية، كالعافية "ألفيتا" فعل ماض للمجهول، والتاء علامة التأنيث، والألف علامة التثنية، "عيناك" نائب الفاعل، ومضاف إليه، "عند القفا" عند طرف متعلق بألفيتا، والقفا: مضاف إليه، "أولى" مبتدأ، "فأولى" معطوف عليه للتأكيد "لك" خبر المبتدأ، أو "أولى" خبر لمبتدأ محذوف، أي دعائي أولى" ذا واقيه" ذا حال من الكاف في عيناك، وواقية: مضاف إليه. المعنى: يصف الشاعر رجلًا بالجبن والفرار من القتال، فيقول له: وجدت عيناك عند قفاك من كثرة نظرك والتفاتك الشديد إلى الخلف عند الفرار، لتنظر الأعداء وتقيك منهم خشية أن يتبعوك، ثم يدعو عليه بنزول الكوارث، فيقول له: حلت بك المصائب، وقاربك ما يهلكك. الشاهد: إلحاق علامة التثنية بالفعل "ألفى" مع أنه مسند إلى اسم ظاهر مثنى، وهو "عيناك". (٤) بيت من المتقارب، ينسبه بعضهم إلى أمية بن أبي الصلت، وروي فكلهم يعذل، ولعل

стр. 432

وقال: نتج الربيع محاسنا … ألقحنها غر السحائب (١) هذا هو الصواب، للروي. اللغة والإعراب: يلومونني: اللوم: العذل والتعنيف، وهو فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو حرف دال على جماعة من الذكور، والنون للوقاية، والياء مفعول، "في اشتراء" جار ومجرور متعلق بيلوم، "النخيل" مضاف إليه، "أهلي" فاعل يلوم، "فكلهم" الفاء عاطفة، و"كلهم" مبتدأ ومضاف إليه، "يعذل" الجملة خبر. المعنى: يعتب علي أهلي ويعنفونني لشراء النخيل، ولا يحق لهم، فكلهم أكثر ملومية. الشاهد: في "يلومونني"، حيث وصل به واو الجماعة، مع أن فاعله اسم ظاهر مذكور وهو "أهلي"، وهذه لغة طيئ، وقيل: لغة أزد شنوءة. (١) بيت من مجزوء الكامل، لأبي فراس الحمداني، من قصيدة إلى سيف الدولة الحمداني، وهذا البيت للتمثيل لا للاستشهاد؛ لأن أبا فراس من المولدين. اللغة والإعراب: نتج: بالبناء للمعلوم، أو للمجهول، ويقال: نتجت الناقة، بالبناء للمجهول، إذا ولدت، الربيع: المراد هنا المطر الذي ينزل وقت الربيع، محاسنًا: جمع لا واحد له من لفظه، مثل ملامح، وقيل: جمع حسن على غير قياس، ألحقنها، الإلقاح: أصله الإيلاد، من ألقح الفحل الناقة إلقاحا، أحبلها، ثم استعير للشجر، غر: جمع غراء، أي بيضاء، السحائب: جمع سحابة، "الربيع" فاعل أو نائب فاعل نتج، على الروايتين "محاسنًا" مفعول أول أو ثان، " ألحقنها" فعل ماض والنون علامة جمع النسوة، والهاء مفعول، "غر السحائب" فاعل ومضاف إليه. المعنى: أنبت المطر الذي ينزل في زمن الربيع نباتًا حسنًا، وكسا الأرض حلة ناضرة، بوساطة تلك السحب الغراء آثارها، وما أنتجته من نبات حسن. الشاهد: وصل نون النسوة بالفعل "ألقح" مع أنه مسند إلى اسم ظاهر بعده، وهو غر السحائب، وإلى ما تقدم يشير الناظم بقوله: وقد يقال سعدا وسعدوا … والفعل للظاهر بعد مسند

стр. 433

والصحيح: أن الألف والواو والنون في ذلك أحرف، دلوا بها على التثنية والجمع (١)، كما دل الجميع (٢) بالتاء في نحو: قامت على التأنيث (٣)، لا؛ لأنها ضمائر الفاعلين، وما بعدها مبتدأ على التقديم والتأخير، أو تابع على الإبدال من الضمير (٤)، وأن هذه اللغة (٥)، لا تمتنع من المفردين أو المفردات المتعاطفة، خلافًا لزاعمي ذلك (٦)، لقول الأئمة (٧): إن ذلك لغة لقوم معينين، وتقديم الخبر، والإبدال لا يختصان بلغة قوم أو بأعيانهم، ولمجيء (٨) قوله: وقد أسلماه مبعد وحميم (٩) (١) أي طيئ وأزد شنوءة ومن إليهما، قصدوا بهذه الأحرف الدلالة على التثنية والجمع تذكيرًا أو تأنيثًا. (٢) أي جميع العرب. (٣) والجامع بينهما: الفرعية عن الغير، فالمثنى والجمع فرع الإفراد، والمؤنث فرع المذكر، والفرق بين الاثنين أن لحاق علامة التأنيث لغة جميع العرب، ويجب أحيانا، أما لحاق الثانية فلغة قوم، ولا يجب مطلقًا. (٤) أي أن ما بعدها تابع لها، على الإبدال من الضمير بدل كل من كل. (٥) هذا معطوف على قوله: والصحيح أن الألف والواو … إلخ، أي الصحيح أيضا أن هذه اللغة، وهي إلحاق علامة التثنية والجمع. (٦) أي لمن زعم أن الظواهر مبتدآت، ولمن زعم أنها أبدال، ولمن زعم امتناع هذه اللغة مع المتعاطفات بغير "أو". (٧) هذا التعليل لبيان أن الصحيح أن اللواحق أحرف لا ضمائر. (٨) هذا تعليل للصحيح من أن هذه اللغة لا تمتنع مع المتعاطفات بغير "أو". (٩) عجز بيت من الطويل، لعبد الله بن قيس الرقيات، يرثي مصعب بن الزبير، وكان مشايعًا للزبيرين، وصدره.

стр. 434

وقوله: وإن كانا له نسب وخير (١) تولى قتال المارقين بنفسه اللغة والإعراب: المارقين: الخارجين عن الدين، أسلماه: خذلاه وأسلماه إلى أعدائه، مبعد: أجنبي بعيد الصلة، حميم: صديق أو قريب. "تولى" فعل ماض، وفاعله ضمير يعود إلى مصعب، "قتال المارقين" مفعول تولى، ومضاف إليه، "بنفسه" متعلق بتولى، أو توكيد للفاعل، والباء زائدة، "وقد" الواو للحال، "أسلماه" فعل ماض، والألف علامة التثنية والهاء مفعول "مبعد" فاعل، "حميم" معطوف عليه. المعنى: أن مصعبًا تولى بنفسه قتال الخارجين بالعراق، على أخيه عبد الله بن الزبير ولم يركن إلى غيره في ذلك، وقد تجشم المصاعب، وخذله البعيد والقريب، وأسلماه لعدوه. الشاهد: وصل ألف التثنية بالفعل "أسلماه" مع إسناده للفاعل الظاهر مع العطف. (١) عجز بيت من الوافر، لعروة بن الورد العبسي، المعروف بعورة الصعاليك، وصدره: وأحقرهم وأهونهم عليه وهذا البيت من قصيدة يمدح فيها الغنى، ويذم الفقر، وقبله: ذريني للغنى أسعى فإني … رأيت الناس شرهم الفقير وبعده: يباعده القريب وتزدريه … حليلته وينهره الصغير اللغة والإعراب: ذريني: دعيني واتركيني، خير: كرم وشرف: "وأحقرهم وأهونهم" معطوفان على "شرهم" في البيت قبله، "عليه" على للتعليل والضمير المجرور يعود على الفقر المفهوم من لفظ الفقير، وروي: عليهم، "وإن" شرطية. "كانا" فعل الشرط والألف حرف دال على التثنية، "له" خبر كان مقدم، "نسب" اسمها مؤخر، و"خير" معطوف على نسب، وجواب الشرط محذوف مفهوم مما قبله. المعنى: يقول للائمته: اتركيني أسعى وأجد في تحصيل الغنى والمال، فإني رأيت الفقير شر الناس وأذلهم، وأحقرهم شأنًا، وأهونهم عليهم، لأجل فقره، وإن كان شريف الأصل كريمًا، حسن الأخلاق، كريم السجايا. الشاهد: لحوق علامة التثنية -وهي الألف- للفعل "كانا"، مع أنه مسند إلى ظاهر مع العطف بالواو، فهو في معنى المثنى.

стр. 435

السادس: أنه إن كان مؤنثًا أنت فعله بتاء ساكنة في آخر الماضي (١)، وبتاء المضارعة في أول المضارع، ويجب ذلك في مسألتين: إحداهما: أن يكون ضميرًا متصلًا (٢)، كهند قامت، أو تقوم، والشمس طلعت، أو تطلع، بخلاف المنفصل (٣)، نحو: ما قام، أو يقوم إلا هي، ويجوز تركها في الشعر (٤) إن كان التأنيث مجازيًا، كقوله: ولا أرض أبقل إبقالها (٥) (١) سواء كان جامدا أو متصرفًا، تاما أم ناقصا، وجوبا أو جوازًا، كما سيأتي، وسواء في ذلك التأنيث الحقيقي أو المجازي، ومثل الماضي: الوصف: نحو: أقائمة زينب، وفي هذا يقول الناظم: وتاء تأنيث تلي الماضي إذا … كان لأنثى كأبت هند الأذى أي إذا أسند الفعل الماضي إلى مؤنث، لحقته تاء ساكنة، تدل على أن الفاعل مؤنث، سواء في ذلك المؤنث الحقيقي والمجازي، ولم يتعرض الناظم للمضارع. (٢) أي مستترا، عائدا على منؤث حقيقي التأنيث أو مجازيه، وقد مثل لهما المصنف، وإنما وجب التأنيث في هذا، لئلا يتوهم أن هنالك فاعلا مذكرا منتظرا، كأن يقال: هند قام أبوها -والشمس طلع قرنها. (٣) أي فلا يجب التأنيث معه، لعدم التوهم المذكور، والأفصح الشائع في الأساليب عدم تأنيث الفعل. (٤) أي مع اتصال الضمير. (٥) عجز بيت من المتقارب، لعامر بن جوين الطائي، أي الخلعاء الفتاك، يصف سحابه

стр. 436

وقوله: فإن الحوادث أودى بها (١) غزيرة المطر، وأرضا مخصبة، بسبب ما نزل بها من الغيث، وصدره: فلا مزنة ودقت ودقها اللغة والإعراب: مزنة: هي السحابة البيضاء والمثقلة بالماء، ودقت: أمطرت، والودق: المطر، أبقل: أنبتت البقل، والبقل، ما نبت في بزره، لا في أرومة ثابتة، "فلا" نافية تعمل عمل ليس، "مزنة" اسمها مرفوع، "ودقها" مفعول مطلق لودقت، والجملة خبر لا، ويجوز جعل لا مهملة، و"مزنة" مبتدأ، وجملة "ودقت" خبر، "ولا أرض" لا نافية عاملة عمل إن، "أرض" اسمها، وجملة أبقل خبرها. المعنى: ليس هنالك سحابة أمطرت مطرا غزيرا نافعا كهذه السحابة، وليست هنالك أرض أنبتت بقلًا عظيما كهذه الأرض. الشاهد: في "أبقل"، حيث حذف منه تاء التأنيث للضرورة، مع أن فاعله ضمير مستتر، عائد على مجاز التأنيث، وينبغي تأنيث فعله، ويروى أبقلت أبقالها -بكسر التاء، للتخلص من الساكنين، ووصل همزة القطع من "إبقالها". قبل: وهو تخلص من ضرورة، للوقوع في ضرورة أخرى. (١) عجز بيت من المتقارب، للأعشى ميمون بن قيس، وصدره: فإما تريني ولي لمة اللغة والإعراب: لمة: هي شعر الرأس الذي يجاوز شحمة الأذن، فإذا زاد عن ذلك وبلغ المنكبين، فهو "جملة"، الحوادث: النوازل والكوارث، جمع حادثة. "أودى بها" ذهب بها وأهلكها وأبادها، "إما" إن شرطية مدغمة في "ما" الزائدة، "تريني" فعل وفاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول، وترى هنا بصرية. "ولى" الواو للحال، و"لي" خبر مقدم "لمة" مبتدأ مؤخر، "فإن" الفاء واقعة في جواب الشرط، و"إن" حرف توكيد ونصب، "الحوادث" اسمها، "أودى" ماض، وفاعله يعود على الحوادث، الجملة خبر إن، والجملة من إن ومعموليها جواب الشرط.

стр. 437

الثانية (١): أن يكون متصلًا (٢) حقيقي التأنيث، نحو: ﴿إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَان﴾ وشذ قول بعضهم: "قال فلانة" (٣)، وهو رديء لا ينقاس (٤). المعنى: يقول لمحبوبته: إن رأيتي فيما مضى وأنا شاب لي لمة تنزل إلى أذني، فلا تعجبي اليوم من منظري، فإن حوادث الدهر وكوارثه ذهبت بها وأزالتها، يريد: أنه أصبح أصلع الرأس، وذلك دليل الضعف، وأمارة الكبر والعجز. الشاهد: تجريد الفعل "أودى" من علامة التأنيث للضرورة، مع أنه مسند إلى ضمير عائد إلى مؤنث وهو الحوادث، وقد سوغ ذلك أن الحوادث مجازي التأنيث، ولا يقال: إنه لا ضرورة في هذا البيت؛ لأنه لو قال: أودت بها؛ لاستقام الوزن؛ لأن القافية مؤسسة، والألف في أودى ملتزمة في أبيات القصيدة، وتسمى عند العروضيين: "حرف الردف" وتركها في بعض الأبيات عيب غير مقبول. (١) أي المسألة الثانية التي يجب فيها التأنيث. (٢) أي اسمًا ظاهرًا متصلًا بعامله مباشرة، وقد أشار الناظم إلى حالتي الوجوب بقوله: وإنما تلزم فعل مضمر … متصل أو مفهوم ذات حر أي أن علامة التأنيث تلزم في الفعل الذي يكون فاعله ضميرا متصلا عائدا على مؤنث، لا فرق في ذلك بين المؤنث الحقيقي والمجازي، وكذلك إذا كان الفاعل اسمًا ظاهرا متصلا به، دالا على مؤنث حقيقي، وهذا قوله: "مفهم ذات حر"، والحر: الفرج: وأصله حرح، حذفت لام الكلمة تخفيفًا. (٣) "فلانة" ليس دالا على مؤنث، كفاطمة وزينب مثلا، ولكنه يدل على لفظ مؤنث. (٤) فيقتصر فيه على السماع وهو قليل، وقد أشار الناظم إلى هذا، وإلى جواز ترك التاء في مجازي التأنيث في المسألة الأولى، بقوله: والحذف قد يأتي بلا فصل ومع … ضمير ذي المجاز في شعر وقع

стр. 438

وإنما جاز في الفصيح، نحو: نعم المرأة، وبئس المرأة؛ لأن المراد الجنس (١)، وسيأتي أن الجنس يجوز فيه ذلك (٢). ويجوز الوجهان في مسألتين: أي: وقد تحذف التاء من الفعل الذي فاعله مؤنث ظاهر حقيقي، من غير فصل وذلك قليل: وكذلك تحذف من الفعل الذي فاعله ضمير يعود على مؤنث مجازي، وهذا الحذف قليل مخصوص بالشعر. (١) فالمرأة لا يراد بها واحدة معينة، وإنما هي رمز لجنس المرأة ممثلًا في الفاعل. (٢) أي يجوز فيه ترك التاء؛ لأن فيه معنى الجماعة، والجماعة مؤنث مجازي التأنيث، ولا يلزم في هذه الصورة أن يكون الفاعل اسمًا ظاهرا، فقد يكون ضميرا مفسرا بنكرة بعده، نحو: نعم فتاة زينب، وإلى هذا يشير الناظم بقوله: والحذف في "نعم الفتاة" استحسنوا … لأن قصد الجنس فيه بين أي أنه يجوز في نعم وأخواتها إذا كان فاعلها مؤنثها، إثبات التاء وحذفها وإن كان مفردا مؤنثا حقيقيا؛ لأن فاعلها مقصودا به استغراق الجنس، والحذف جنس والإثبات أحسن منه. هذا: ويجب التأنيث أيضًا: أ- إذا كان الفاعل ضمير جمع تكسير لمذكر غير عاقل، نحو: الأيام بك ابتهجت، أو ابتهجن. ب- أو كان الفاعل ضمير جمع تكسير أو سلامة لمؤنث، نحو: الجنود فرحت، أو فرحن، والتلميذات فرحت، أو فرحن.

стр. 439

إحداهما: المنفصل (١)، كقوله: لقد ولد الأخيطل أم سوء (٢) وقوله: "حضر القاضي اليوم امرأة"، والتأنيث أكثر، إلا أن كان الفاصل "إلا" فالتأنيث خاص بالشعر (٣)، نص عليه الأخفش، وأنشد على التأنيث. (١) أي المؤنث الحقيقي الظاهر، المنفصل من فعله بفاصل. (٢) صدر بيت من الوافر، لجرير الشاعر الأموي المشهور، يهجو الأخطل وعجزه: على باب استها صلب وشام اللغة والإعراب: الأخيطل: تصغير الأخطل الشاعر المشهور واسمه غياث بن غوث، استها: دبرها، صلب: جمع صليب، وهو للنصارى، شام: جمع شامة، وهي الخال والعلامة: "لقد" اللام موطئة للقسم وقد للتحقيق، الأخيطل: مفعول مقدم لولد، "أم سوء" فاعل ومضاف إليه، "على باب" جار ومجرور خبر مقدم، "استها" مضاف إليه، "صلب" مبتدأ مؤخر، و"شام" معطوف على صلب. المعنى: أن الذي ولد الأخطل امرأة سيئة، لم تتحصن بالعفة، فهو سليل الفجور. الشاهد: تجرد الفعل "ولد" من تاء التأنيث على أن فاعله مؤنث حقيقي التأنيث، وقد تقدم وجوب تأنيث الفاعل إذا كان فاعله مؤنثا حقيقيا، ظاهرًا كان أو مضمرا، وجاز ذلك؛ لأنه فصل بين الفعل والفاعل، فبعد الفعل بالفصل عن فاعله، وضعفت عنايته به، وإلى هذا يشير الناظم بقوله: وقد يبيح الفصل ترك التاء في … نحو أتى القاضي بنت الواقف أي أن الفصل بين الفعل وفاعله المؤنث الحقيقي يبيح تجريده الفعل من علامة التأنيث، نحو: أتى القاضي بنت الواقف، فيجوز أنت، وهو أجود. (٣) التخصيص بالشعر مذهب الجمهور، ومثل "إلا" في الفصل "غير" أو"سوى" وإن كان مذكرا، لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه، ويلاحظ أن لفظ "غير" و"سوى" هو الذي يعرب فاعلًا.

стр. 440

ما برئت من ريبة وذم … في حزبنا إلا بنات العم (١) وجوزه ابن مالك في النثر (٢)، وقرئ: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَة﴾، ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ (٣). (١) بيت من الزجر لم نقف على قائله. اللغة والإعراب: برئت تخلصت وسلمت، ريبة: هي التهمة والشك، ذم: عيب، "ما" نافية، "برئت" فعل ماض، والتاء علامة التأنيث، "من ريبة" جار ومجرور متعلق ببرئت، و"ذم" معطوف عليه، "إلا" حرف استثناء، "بنات العم" فاعل برئت ومضاف إليه. المعنى: لم تسلم امرأة من التهمة والشك والعيب في حربنا إلا بنات الأعمام. الشاهد: لحوق تاء التأنيث وهو "برئت"؛ لأن الفاعل حقيقي التأنيث مع وجود الفصل بإلا بالضرورة، وكان الحذف واجبًا؛ لأن الفاعل في الحقيقة ليس الاسم المؤنث المذكور بعد إلا، وإنما هو مذكر محذوف، أي ما برئ أحد إلا بنات العم، وهذا رأي الأخفش ومن تبعه. (٢) أي أجاز الإثبات على قلة، والأحسن الحذف، وعليه فما جاء في البيت جار على أحد الوجهين الجائزين، وإن يكن مرجوحا، وفي ذلك يقول الناظم: والحذف مع فصل بإلا فضلا … كـ"ما زكا إلا فتاة ابن العلا" أي أن الحذف مع الفصل بإلا مفضل على التأنيث عند الناظم نثرا ونظما، نحو: ما زكا إلا فتاة ابن العلا، أي ما صلحت إلا فتاة الرجل المعروف بابن العلا، ويجوز على قلة ما زكت. (٣) أي برفع "صيحة" بكان، وضم التاء من "ترى" ورفع "مساكنهم" على النيابة عن الفاعل، وهاتان القراءتان ليستا سبعيتين.

стр. 441

الثانية: المجازي التأنيث: نحو: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (١)، ومنه (٢): اسم الجنس، واسم الجمع، والجمع (٣)؛ لأنهن في معنى الجماعة، والجماعة مؤنث مجازي، فلذلك جاز التأنيث، نحو (٤): ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح﴾، و ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ﴾، وأورقت الشجر، والتذكير، نحو (٥): أورق الشجر: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾، ﴿وَقَالَ نِسْوَة﴾، وقام الرجال، وجاء الهنود، إلا أن سلامة نظم الواحد في جمعي التصحيح، أوجبت التذكير في نحو: قام الزيدون، والتأنيث في نحو: قامت الهندات (٦). (١) يجوز في غير القرآن: وجمعت. (٢) أي من مجازي التأنيث. (٣) المراد جمع تكسير؛ لأن جمع المذكر السالم يجب تذكير فعله، كما أن جمع المؤنث السالم المستوفي للشروط، يجب تأنيث فعله على الأصح. (٤) مثل المصنف لاسم الجمع فجمع التكسير، فاسم الجنس. (٥) الأمثلة على هذا الترتيب: لاسم الجنس، فاسم الجمع المذكر، فاسم الجمع المؤث، فجمع التكسير المذكر، فجمع التكسير المؤنث، وإنما جاز الأمران مع المؤنث المجازي؛ لأن التأنيث في غير حقيقي، فالعناية به ضعيفة، وأيضا فهذا المؤنث في معنى المذكر. (٦) وفي جمع التكسير يقول الناظم: والتاء مع جمع سوى السالم من … مذكر كالتاء مع إحدى اللبن أي أن التاء في فعل كل جمع -سوى جمع المذكر السالم- يجوز إثباتها وحذفها، كالتاء مع الظاهر المجازي للتأنيث، كلبنة، تقول: كسرت اللبنة، وكسر اللبنة، واللبن: الطوب النيئ الذي لم يحرق بالنار.

стр. 442

خلافا للكوفيين فيهما (١)، وللفارسي في جمع المؤنث (٢)، واحتجوا بنحو: ﴿إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيل﴾ (٣)، ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَات﴾ (٤). وقوله: فبكى بناتي شجوهن وزوجتي (٥) وأجيب بأن البنين والبنات لم يسلم فيهما لفظ الواحد (٦)، وبأن التذكير في "جاءك" (١) فقد أجازوا تذكير الفعل وتأنيثه مع جمعي التصحيح، ومع اسمي الجنس أيضًا. (٢) فقد أجاز فيه الأمرين ووافقه الناظم فلم يستثنه. (٣) فقد أنث الفعل وهو "آمنت" مع جمع التصحيح المذكر وهو "بنو". (٤) فقد ذكر الفعل وهو "جاء" مع جمع التصحيح المؤنث. (٥) صدر بيت من الكامل لعبدة بن الطبيب، من شعراء الجاهلية وعجزه: والظاعنون إلي ثم تصدعوا اللغة والإعراب: "شجوهن"، الجو: الحزن والهم -من شجاه الأمر- يشجوه إذا أحزنه، "زوجتي"، الأفصح أن يقال: "زوج" للرجل والأنثى، وجمعه أزواج، تصدعوا: تفرقوا وانشعب شملهم، "بناتي" فاعل بكى، "شجوهن" مفعول لأجله ومضاف إليه، "زوجتي" معطوف على بناتي، وكذلك "الظاعنون"، "ثم" حرف عطف، "تصدعوا" فعل وفاعل. المعنى: أن بناتي بكين علي من الحزن، وكذلك زوجتي، والذين وفدوا علينا ليشاركونا أحزاننا وهمومنا من المحبين، ثم انصرفوا بعد ذلك وتفرقوا كل لشأنه. الشاهد: تجريد "بكى" من علامة التأنيث، مع أن الفاعل جمع مؤنث، وهو حجة للكوفيين والفارسي، وفي البيت شاهد آخر في قوله: "شجوهن"، فإن مفعول لأجله وهو معرفة بالإضافة للضمير، وفي هذا رد على من يقول: إنه لا يكون إلا نكرة، كالجرمي وغيره. (٦) أي لا تغيير شكله، إذ الأصل "بنو" فحذفت لامه وزيد عليه واو ونون في التذكير، وألف تاء في التأنيث، والكلام في الجمعين إذا لم يحدث فيها تغيير، أما تغير منهما كبنين وبنات، فيجوز فيهما الوجهان اتفاقًا.

стр. 443

للفصل، أو؛ لأن الأصل: النساء المؤمنات، أو؛ لأن "أل" مقدرة باللاتي وهي اسم جمع. السابع: أن الأصل فيه أن يتصل بفعله (١)، ثم يجيء المفعول، وقد يعكس، وقد يتقدمهما المفعول، وكل من ذلك جائز وواجب (٢). فأما جواز الأصل فنحو: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾، وأما وجوبه في مسألتين: إحداهما: أن يخشى اللبس (٣)، كضرب موسى عيسى، قال أبو بكر، والمتأخرون، هذا: ولم يذكر المصنف ولا الناظم حكم إسناد الفعل إلى المثنى، وحكمه حكم المفرد، فإن كان لمذكر وجب تذكير الفعل، نحو: قال المحمدان، وإن كان لمؤنث وجب التأنيث، تقول: قامت الهندان. (١) ذلك؛ لأنه منزل منزلة جزئه، ألا ترى أن علامة الرفع تتأخر عنه في الأفعال الخمسة؟ (٢) فجملة الصور ستة، أشار إليها الناظم إشارة مختصرة بقوله: والأصل في الفاعل أن يتصلا … والأصل في المفعول أن ينفصلا وقد يجاء بخلاف الأصل … وقد يجي المفعول قبل الفعل أي أن الأصل في تكون الجملة العربية وترتيب كلماتها: أن يتصل الفاعل بعامله، وأن ينفصل عنه المفعول بسبب وقوع الفاعل فاصلًا بينهما، وقد لا يراعى هذا الأصل، فيتقدم المفعول على الفاعل، وقد يجيء المفعول قبل الفعل وفاعله. (٣) فلا يمكن تمييز الفاعل من المفعول، وذلك كأن يكون كل منهما اسمًا مقصورا كما مثل المصنف، أو مضافا لياء المتكلم، نحو: أكرم صديقي أخي، وكذلك المبنيات وأسماء الإشارة، وليست هنالك قرينة تعين المراد وتميز الفاعل من المفعول، فإن وجدت قرينة لفظية أو معنوية لم يكن الترتيب واجبا، فاللفظية مثل: أكرمت يحيى ليلى، والمعنوية مثل: أزعجت ليلى الحمى.

стр. 444

كالجزولي (١)، وابن عصفور، وابن مالك، وخالفهم ابن الحاج (٢)، محتجًا بأن العرب تجيز تصغير عمر، وعمرو (٣)، وبأن الإجمال من مقاصد العقلاء (٤)، وبأنه يجوز: ضرب أحدهما الآخر (٥)، وبأن تأخير البيان لوقت الحاجز جائز عقلًا باتفاق، وشرعًا على الأصح (٦)، وبأن الزجاج نقل أنه لا خلاف في أنه يجوز في نحو: ﴿فَمَا زَالَت (١) هو أبو موسى، عيسى بن عبد العزيز الجزولي، و"جزولة": بطن من البربر" كان إمامًا في العربية لا يشق له غبار، مع جودة التفهيم وحسن العبارة، لزم ابن بري بمصر لما حج وعاد، وتصدر للإقراء بالمرية "بلد الأندلس" وغيرها، وأخذ عنه العربية جماعة، منهم: الشلوبين، وابن معط، وولي خطابة مراكش. وله حواش على الجم الزجاجي، ومات سنة ٦٠٧ هـ. (٢) وذلك في نقده على المقرب لابن عصفور، وابن الحاج هو: أبو العباس، أحمد بن محمد الأزدي الأشبيلي، المعروف بابن الحاج، كان عالمًا بالعربية، محققًا حافظًا للغات، قيل: إنه برع في لسان العرب حتى لم يكن في زمنه من يفوقه أو يدانيه، قرأ على الشلوبين وغيره، وله مصنفات كثيرة، منها: مختصر خصائص ابن جني: ومختصر المستصفى، وله نقود على الصحاح، وإيرادات على المقرب لابن عصفور، وأمالي على كتاب سيبويه، وكان يقول: إذا مت يفعل ابن عصفور في كتاب سيبويه ما شاء، وأمات ﵀ سنة ٦٤٧ هـ. (٣) أي على "عمير" مع وجود اللبس. (٤) هذا القول مبني على أنه لا فرق بين اللبس والإجمال، والحق أن بينهما فرقا كبيرا، فاللبس: تبادر فهم غير المراد، أما الإجمال فهو: احتمال اللفظ للمراد وغيره، من غير تبادر لأحدهما، والأول مضر وليس من مقاصد البلغاء، بخلاف الثاني، وتصغير عمرو وعمر على عمير، وضرب أحدهما على الآخر من الثاني. (٥) لأنه لا يبعد أن يقصد الإنسان ضرب أحدهما من غير تعيين، فيأتي باللفظ المحتمل. (٦) أما عقلًا؛ فلأنه لا يمتنع أن يتكلم الإنسان بالمجمل، ويتأخر البيان إلى وقت الحاجة، وأما شرعًا؛ فلأن المقصود بالبيان تمكين المكلف من امتثال، ولا حاجة لذلك، ولا حاجة لذلك إلا عند تعيين الامتثال.

стр. 445

تِلْكَ دَعْوَاهُم﴾، كون "تلك" اسمها و"دعواهم" الخبر، والعكس (١). الثانية: أن يحضر المفعول بـ"إنما"، نحو: إنما ضرب زيد عمرًا (٢)، وكذا الحصر بـ"إلا" عند الجزولي وجماعة، وأجاز البصريون والكسائي والفراء، وابن الأنباري (٣)، تقديمه على الفاعل (٤)، كقوله: ولما أبى إلا جماحا فؤاده (٥) (١) أي فلم يبالواب التباس الاسم بالخبر، فكذلك التباس الفاعل بالمفعول، قال الأشموني: وما قاله ابن الحاج ضعيف؛ لأنه ما استدل به -في غير الآية- من باب الإجمال، وما نحن فيه من باب الإلباس، والثاني ضار دون الأول كما بينا، أما في الآية، فإن التباس الفاعل بالمفعول ليس كالتباس اسم زال بخبرها؛ لأن المبتدأ عين الخبر في الماصدق، فالحكم على أحدهما كالحكم على الثاني، أما الفاعل فغير المفعول فجعل أحدهما الآخر غير مقبول، على أنهم لا يسلمون للزجاج ما نقله. (٢) فيجب تقديم الفاعل على المفعول في هذه الصورة؛ لأنه لو أخر انقلب المعنى. (٣) هو الإمام أبو بكر، محمد بن القاسم الأنباري النحوي اللغوي، كان من أعلم الناس بالنحو، والأدب، وأكثرهم حفظًا، قيل: إنه كان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت شاهدًا في القرآن، وكان يملي من حفظه لا من كتاب، وكان مع حفظه ثقة زاهدا متواضعا دينا من أهل السنة، أخذ عن ثعلب، وروى عنه الدارقطني وجماعة، وكان يملي في ناحية من المسجد وأبوه في ناحية أخرى، وقد أملى كتبا كثيرة، منها: كتاب الأضداد، وأدب الكاتب، والمقصور والممدود، والمذكر والمؤنث، والكافي في النحو: وشرح شعر الأعشى، والنابغة، وزهير، وكان ممن يرى القياس في النحو، ويقول: النحو كله قياس، ومن أنكر القياس فقد أنكر النحو، وكان ذا يسار وحال واسعة، ولم يكن له عيال، وكان مع هذا شحيحًا، وتوفي ليلة النحر من ذي الحجة سنة ٣٢٧ هـ، ودفن ببغداد. (٤) أي تقديم المفعول المحصور بإلا على الفاعل بشرط أن تتقدم معه "إلا". (٥) صدر بيت من الطويل ينسب إلى دعبل الخزاعي، وعجزه: ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل

стр. 446

وقوله: فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها (١) اللغة والإعراب: أبي: امتنع، جماحًا: مصدر من جمح الفرس -إذا أسرع إسراعًا لا يرده شيء، والجموح من الرجال: الذي يركب هواه ولا يمكن ردعه، ولم يسل: مضارع، سلا: بمعنى صبر وتعزى، "لما" ظرف بمعنى حين معمول لتسلي في قوله بعد: تسلى بأخرى غيرها فإذا التي … تسلى بها تغري بليلى ولا تسلي أبى: فعل ماض: "إلا" أداة حصر، "جماحًا" مفعول أبي، "فؤاده" فاعل ومضاف إليه، "ولم يسل" لم حرف نفي وجزم، و"يسل" مضارع مجزوم بلم بحذف حرف العلة، "عن ليلى" متعلق بيسل، "بمال" متعلق به كذلك، "ولا أهل" معطوف على مال. المعنى: أن هذا المحب حين تعلق قلبه بليلى وهام بها، ولم يصرفه عن التمادي في هواها زينة الدنيا من المال والأهل أراد أن يتسلى بغيرها فلم يغنه ذلك، بل زادته الأخرى، إغراء بليلى وتعلقا بها؛ لأنها دون ليلى في الحسن والجمال. الشاهد: جواز تقديم المفعول المحصور بإلا وهو "جماحا" على الفاعل وهو "فؤاده"؛ لأنه لا لبس، إذ يتعين كون المحصور بعد إلا، بخلاف المحصور بإنما؛ لأنه لا دليل على أن المحصور هو تاليها. (١) عجز بيت من الطويل، ينسب إلى قيس بن الملوح -المعروف بمجنون ليلى، وصدره: تزودت من ليلى بتكليم ساعة اللغة والإعراب: "تزودت": اتخذت زادًا، والزاد: طعام يتخذ للسفر، وهو فعل وفاعل، "من ليلى" متعلق به، وهو مجرور بفتحة مقدرة على الألف نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث المقصورة، "ما" نافية، "زاد" فعل ماض، "إلا" أداة حصر، "ضعف"، مفعول مقدم. "ما" اسم موصول مضاف إليه، "بي" متعلق بمحذوف صلة، "كلامها" فاعل زاد ومضاف إليه. المعنى: اتخذت من تكليم ليلى، ساعة زادا أتبلغ به، وأطفئ جذوة حبي لها، فلم يفدني ذلك، ولم يشف غلتي، بل زاد كلامها ما بي من وجد ولوعة. الشاهد: تقديم المفعول المحصور بإلا وهو "ضعف" على الفاعل وهو كلامها.

стр. 447

وقوله: وتغرس إلا في منابتها النخل (١) (١) عجز بيت من الطويل لزهير بن أبي سلمى، مع قصيدة يمدح فيها هرم بن سنان، والحارث بن عوف بالكرم وشرف العنصر، وصدره: وهل ينبت الخطي إلا وشيجه اللغة والإعراب: الخطيي: الرمح المنسوب إلى الخط، "والخط": جزيرة ترفأ إليها سفن الرماح بالبحرين: "وشيجه": جمع وشيجة -وهي العروف الملتفة من شجر الرماح، "هل" حرف استفهام للإنكار بمعنى النفي، "الخطي": مفعول مقدم لينبت، "إلا" أداة حصر، "وشيجه" فاعل مؤخر ومضاف إليه، "تغرس" مضارع للمجهول، "إلا" أداة حصر، "في منابتها" متعلق بتغرس، "النخل" نائب فاعل لتغرس. المعنى: أن الرماح المشهورة بالجودة والصلاة، لا تتخذ إلا من شجرها الأصيل، ولا ينبت النخل إلا في المواطن الصالحة لإنمائه، يريد: أن الكريم لا يأتي إلا من عنصر كريم. وقبل هذا البيت: فما كان من خير أتوه فإنما … توارثه آباء آبائهم قبل الشاهد: تقديم الجار والمجرور والمحصور بإلا وهو "منابتها" -وهو بمنزلة المفعول- على نائب الفاعل وهو "النخل" وهو بمنزلة الفاعل، وكذلك تقديم المفعول، وهو "الخطي" على الفاعل وهو "وشيخه"، وقد أشار الناظم إلى ماتقدم بقوله: وآخر المفعول إن لبس حدر … أو أضمر الفاعل غير منحصر وما "بإلا" أو"بإنما" انحصر … أخر وقد يسبق إن قد ظهر

стр. 448

وأما توسط المعمول جوازًا، فنحو: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُر﴾، وقولك: "خاف ربه عمر" (١)، وقال: كما أتى ربه موسى على قدر (٢) (١) " ربه" مفعول مقدم، و"عمر" فاعل مؤخر، والضمير في "ربه" عائد على "عمر"، وهو متأخر لفظًا متقدم رتبة، والمراد: عمر بن الخطاب ﵁. (٢) عجز بيت من البسيط لجرير، من قصيدة يمدح فيها سيدنا عمر بن عبد العزيز: وصدره: جاء الخلافة أو كانت له قدرا اللغة والإعراب: قدرًا: أي مقدرة في الأزل، على قدر: أي على تقدير من الله، "جاء" فعل ماض والفاعل يعود على سيدنا عمر، "الخلافة" مفعول، "أو" حرف عطف بمعنى الواو، ويروى بدلها "إذا"، "كانت" فعل ماض ناقص والتاء للتانيث واسمها يعود على الخلافة له، "له" متعلق بقدر الواقع خبرًا لكان، "كما" الكاف جارة، "ما" مصدرية "ربه" مفعول مقدم لأتى ومضاف إليه، و"ما" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالكاف، "موسى" فاعل مؤخر يأتي، "على قدر" متعلق بأتى. المعنى: تولى عمر الخلافة وكان بتقدير الله سبحانه، فانتشل المسلمين من الظلم وأقام بينهم صرح العدل، كما أتى موسى ربه، وكلمه بقضائه وقدره، فأبان للخلق طريق الحق، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾. الشاهد: تقديم المفعول وهو "ربه" على الفاعل وهو "موسى"، وقد أعاد الضمير المتصل بالمفعول المتقدم على الفاعل المتأخر، وهذا شائع في كلام العرب؛ لأن الضمير عاد على متأخر لفظًا، إلا أنه متقدم رتبة، ويسمى هذا المتقدم حكمًا. قال الناظم مشيرًا إلى ذلك: وشاع نحو "خاف ربه عمر … وشذ نحو "زان نوره الشجر أي شاع في الأساليب العربية عود الضمير من المفعول المتقدم على فاعله المتأخر، نحو: "خاف عمر ربه"، وشذ عود الضمير من الفاعل على مفعوله المتأخر، نحو: "زان نوره الشجر"، لأن يكون عائدًا على متأخر لفظا ورتبة، وهذا ممنوع لا يقاس عليه.

стр. 449

وأما وجوبه في مسألتين: إحداهما: أن يتصل بالفاعل ضمير المفعول، نحو: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُم﴾ (١)، ولا يجيز أكثر النحويين نحو: "زان نوره الشجر"، لا في نثر، ولا في شعر، وأجازه فيهما الأخفش، وابن جني، والطوال (٢)، وابن مالك، احتجاجًا بنحو قوله: "جزى ربه عني عدي بن حاتم" (٣) (١) فـ"إبراهيم" مفعلو مقدما وجوبا لابتلى، و"ربه" فاعل مؤخر ومضاف إليه، و"الظالمين" مفعول مقدما وجوبا "ومعذرتهم" فاعل مؤخر ومضاف إليه، وإنما وجب تقديم المفعول فيهما، لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة. (٢) هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله الطوال النحوي، من أهل الكوفة وأحد أصحاب الكسائي والفراء، حدث عن الأصمعي وقدم بغداد وأقرأ فيها، وكان حاذقًا بارعًا في إلقاء المسائل العربية، ولم يشتهر له تصنيف، ومات سنة ٣٤٣ هـ. (٣) صدر بيت من الطويل لأبي الأسود الدؤلي، يهجو عدي بن حاتم الطائي وعجزه: جزاء الكلاب العاويات وقد فعل اللغة والإعراب: العاويات: الصائحات -من عوى الكلب- إذا صاح، وقد فعل: أي أنه استجاب دعاءه، "ربه" فاعل جزى ومضاف إليه، والضمير يعود على "عدي" الواقع مفعولًا، "ابن حاتم" مضاف إليه. "جزاء الكلاب" مفعول مطلق.

стр. 450

والصحيح جوازه في الشعر فقط. الثانية: أن يحصر الفاعل بإنما، نحو: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (١). وكذا الحصر بـ"إلا" عند غير الكسائي، واحتج بقوله: ما عاب إلا لئيم فعل ذي كرم … ولا جفا قط إلا جبأ بطلا (٢) لجزى ومضاف إليه، "العاويات" صفة للكلاب، و"قد" الواو للحال، وقد للتحقيق، "فعل" فعل ماض مبني على الفتح وسكن للروي، والفاعل يعود على "ربه"، و جزاء الكلاب العاويات: هو الضرب والرمي بالحجارة، وقيل: إنه دعا عليه بالأبنة؛ لأن الكلاب تتعاوى عند طلب السفاد، وهذا وإن عده العلماء من الكنايات الجميلة في الهجاء، إلا أن عدي بن حاتم صحابي جليل لا يقال فيه مثل ذلك الهجاء، وإن صح فلعله كان في زمن الجاهلية قبل أن يسلم. الشاهد: اشتمال الفاعل المتقدم وهو ربه، على ضمير يعود على المفعول المتأخر، وهذا شاذ عند الجمهور، ولهذا يقول الناظم: وشذ نحو "زان نوره الشجر" (١) "العلماء" فاعل محصور فيه الخشية، فوجب تأخيره، أي ما يخشى الله من عباده إلا العلماء. (٢) بيت من البسيط لم نقف على قائله. اللغة والإعراب: لئيم: المراد به الشحيح البخيل، بدليل مقابلته بذي الكرم. جفًا: من الجفاء، وهو البعد وعدم الصلة، جبأ: جبان، بطلا: شجاعا، "ما" نافية، "إلا" أداة حصر، "لئيم" فاعل عاب. "فعل ذي كرم" مفعول عاب ومضاف إليه، "ولا" الواو عاطفة ولا زائدة للتوكيد، "قط"، ظرف لاستغراق الماضي مبني على الضم في محل نصب بحفا "إلا أداة حصر"، "جبأ" فاعل جفا. "بطلا" مفعول. المعنى: لا يعيب عمل الكرام إلا الأشحاء اللئام، ولا يبتعد عن الأبطال الشجعان إلا الجبناء؛ لأنه لا تآلف بين أصحاب الصفات المتنافرة. الشاهد: تقديم الفاعل المحصور بإلا في صدر البيت وعجزه، وهو حجة للكسائي والجمهور، لا يرون تقديم المحصور بإلا، إلا إذا كان مفعولًا كما سبق، ويعربون "فعل ذي

стр. 451

وقوله: وهل يعذب إلا الله بالنار (١) وقوله: فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا (٢). كرم"، و"بطلا" مفعولين لمحذوف يدل عليه المذكور. (١) عجز بيت من البسيط ليزيد بن الطثرية القشيري، وصدره: نبئتهم عذبوا بالنار جارهم اللغة والإعراب: نبئت: أخبرت، جارهم: الجار من يجاورك في المسكن -أو من أجرته واستجار بك من ظلم، "نبئت" فعل ونائب فاعل وهو المفعول الأول، "هم" مفعول ثان، "عذبوا" فعل وفاعل "بالنار" جار ومجرور متعلق به. "جارهم" مفعول عذبوا ومضاف إليه، وجملة عذبوا مفعول ثالث لنبئ، "وهل" الواو عاطفة، وهل حرف استفهام إنكاري بمعنى "ما"، إلا "أداة حصر. "الله" فاعل يعذب. "بالنار" متعلق بيعذب. المعنى: أخبرت وأعلمت أن هؤلاء الناس يعذبون جيرانهم، أو من استجار بهم بالنار، وذلك بدل أن يغيثوه ويكرموه وهذا عمل شائن؛ لأنه لا يعذب بالنار إلا المولى ، ويروى: جارتهم -بدل جارهم. الشاهد: تقديم الفاعل المحصور بإلا وهو "الله" على الجار والمجرور وهو "بالنار" وهو بمنزلة المفعول، وهذا حجة الكسائي ويمنعه الجمهور، ويقولون: إن قوله: "بالنار" متعلق بفعل محذوف يدل عليه المذكور كما سبق، أي لا يعذب إلا الله يعذب بالنار، وهو تكلف لا داعي له. (٢) صدر بيت من الطويل لذي الرمة غيلان بن عقبة، وقد استشهد به سيبويه، وعجزه: عشية آناء الديار وشامها اللغة والإعراب: هيجت: آثارت، "آناء" ويروى: أنآء -جمع نؤى، وهو الحفيرة التي تحفر حول الخباء لتمنع عنه المطر، شامها: الشام: جمع شامة، وهي العلامة، "يدر" مضارع مجزوم بلم بحذف حرف العلة، "إلا" أداة حصر، "الله" فاعل، "ما" اسم موصول مفعول يدر، "هيجت" الجملة صلة ما والعائد محذوف، أي هيجته لنا، "عشية" ظرف متعلق بهيجت وهو منون وقد حذف تنوينه للضرورة، أو نقلت حركة همزة آناء إلى عشية ثم حذفت الهمزة، "آناء الديار" فاعل هيجت ومضاف إليه، "وشامها" الواو عاطفة،

стр. 452

وأما تقدم المفعول جوازًا، فنحو: ﴿فَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾. وأما وجوبًا ففي مسألتين: إحداهما: أن يكون مما له الصدر (١)، نحو: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ﴾، ﴿أَيّمَا تَدْعُو﴾ (٢). الثانية: أن يقع عامله بعد الفاء (٣)، وليس له منصوب غيره مقدم عليها، نحو: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (٤)، ونحو: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ (٥)، بخلاف: أما اليوم وشامها معطوف على آناء. المعنى: لا يعلم إلا الله -سبحانه- ما أثارته في نفوسنا آثار ديار المحبوبة ورسومها من الشوق واللوعة والحنين إليها. الشاهد: تقديم الفاعل المحصور بإلا على المفعول، وهو حجة للكسائي، ويمنعه الجمهور ويقولون: إن "ما" اسم موصول مفعول لمحذوف يدل عليه المذكور، والتقدير: فلم يدر إلا الله درى ما هيجت لنا. (١) أي اسما له الصدر في جملته، كأن يكون اسم استفهام، أو اسم شرط. كما مثل المصنف، وكذلك إذا كان مضافا لاسم له الصدارة، نحو: صديق من قابلت؟ وصاحب أي صديق تكرم أكرم. (٢) فـ"أي" مفعول مقدم لتنكرون، و"أيا" اسم شرط مفعول مقدم لتدعو، و"ما" صلة و"تدعو" مضارع مجزوم بأيا. (٣) أي فاء الجزاء، وذلك في جواب "أما" الظاهرة أو المقدرة، ويشترط ألا يفصل بين أما والفاء بشيء آخر. (٤) مثال لأما المقدرة أي: وأما ربك فكبر. (٥) مثال لأما الظاهرة، وإنما وجب تقديم المفعول ليكون فاصلا؛ لأن الفعل - وبخاصة المقرون بفاء الجزاء- لا يلي "أما"، ولا يقال إن ما بعد فاء الجزاء لا يعمل فيما قبلها، فكيف عملت هنا في المفعول؟ لأنا نقول: هذا ممنوع إذا كانت الفاء في موضعها الأصلي، وهي هنا مؤخرة من تقديم، وكان حقها أن تدخل على المفعول المتقدم.

стр. 453

فاضرب زيدًا (١). تنبيه: إذا كان الفاعل والمفعول ضميرين، ولا حصر في أحدهما، وجب تقديم الفاعل، كضربته، وإذا كان المضمر أحدهما، فإن كان مفعولًا وصله وتأخير الفاعل، كضربني زيد (٢)، وإن كان فاعلًا وجب وصله وتأخير المفعول أو تقديمه على الفعل، كضربت زيدًا، وزيدا ضربت (٣)، وكلام الناظم يوهم امتناع التقديم؛ لأنه سوى بين هذه المسألة ومسألة: "ضرب موسى عيسى (٤) ". والصواب ما ذكرناه (٥). (١) فإنه لا يجب تقديم المفعول، لوجود الفاصل بالظرف. (٢) لأنه لو قدم الفاعل في هذه الحالة لوجب انفصال الضمير مع إمكان اتصاله وذلك ممنوع. (٣) وذلك أيضا خوفا من ارتكاب الانفصال مع إمكان الاتصال. (٤) أي في وجوب تأخير المفعول فيهما عن الفاعل، حيث يقول: وأخر المفعول إن لبس حذر … أو أضمر الفاعل غير منحصر وهذا يقتضي أنه لا يجوز: زيدًا ضربت، كما لا يجوز: عيسى ضرب موسى -بتقديم المفعول على الفعل. (٥) أي: من جواز نحو: زيدًا ضربت لعدم اللبس، وامتناع نحو: عيسى ضرب موسى، لئلا يتوهم أن "عيسى" مبتدأ و"ضرب" وضميره خبر، وموسى مفعول. هذا: ويمتنع تقديم المفعول على عامله إذا كان مفعولًا "لأفعل" في التعجب، نحو: ما أجمل الصدق! أو مفعولا لفعل مؤكد بالنون، نحو: خالفن هواك، أو كان عامله مسوقا بقد، أو سوف، نحو: قد يدرك المتأني بعض حاجته، سوف أعمل الخير ما استطعت، أو بلفظ "قلما" أو"ربما" وغير ذلك من المواضع وخلاصة ما تقدم: ١ أنه يجب تقديم الفاعل على المفعول في ثلاث مسائل: أ- أن يخشى اللبس بينهما. ب- وأن يكون المفعول محصورا فيه. ج- وأن يكون كل من الفاعل والمفعول ضميرين متصلين. ٢ ويجب توسط المفعول في ثلاث مسائل أيضًا:

стр. 454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أ- أن يكون الفاعل ملتبسًا بضمير المفعول. ب- وأن يكون الفاعل محصورًا فيه. ج- وأن يكون المفعول ضميرا متصلا والفاعل اسما ظاهرًا. ٣ - ويجب تقديم المفعول على عامله في مسألتين: أ- أن يكون له صدر الكلام. ب- وأن يكون معمولا لما بعد الفاء بشرطه المتقدم، فتنبه يا فتى. ٤ ويجب تأخير الفاعل إذا كان المفعول ضميرا متصلا، والفاعل اسما ظاهرا، ويلاحظ: أن المواضع التي يتقدم فيها الفاعل وجوبا، وهي عينها المواضع التي يتأخر فيها المفعول وجوبًا، والمواضع التي يجب فيها تقديم المفعول على عامله، هي المواضع التي يتأخر فيها الفاعل وجوبًا ويمتنع تقديمه عليه، ولا يجوز تقديم الفاعل على عامله مطلقًا. خاتمة: لا يجيز الجمهور عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وخالفهم الأخفش وابن مالك وغيرهما في ذلك، وهنالك مواضع يعود فيها الضمير على متأخر لفظا ورتبة، لحكمة بلاغية لا ينكرها الجميع، وهي: ١ الضمير المرفوع بنعم وبئس، نحو: نعم رجلا محمدا، وبئس رجلا أبو جهل، بناء على أن المخصوص مبتدأ لخبر محذوف، أما على أنه مبتدأ وخبره الجملة قبله، فهو مما عاد فيه الضمير على متقدم رتبة، وسيأتي إيضاح ذلك في موضعه. ٢ الضمير المرفوع بأول المتنازعين المعمل ثانيهما، نحو: جفوني ولم أجف الأخلاء، وسيأتي القول في ذلك، وخلاف البصريين والكوفيين فيه. ٣ ضمير الشأن والقصة، كما تقدم في باب المبتدأ والخبر، نحو قوله -تعالى-: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ٤ الضمير المجرور برب، نحو: ربه رجلا. ويجب أن يكون بعده نكرة تميزه وتفسره، وأن يكون هو مفرد مذكرا، فيقال: ربه امرأة لا ربها. ٥ الضمير الواقع مبتدأ، والمخبر عنه باسم ظاهر يفسره غير ضمير الشأن، نحو: ﴿إِنْ

стр. 455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾، والضمير فيه راجع إلى الموصوف -وهو الحياة بقطع النظر عن الصفة. ٦ الضمير المبدل منه الظاهر المفسر له، نحو: أكرمته محمدا. فائدة: هنالك أفعال لا تحتاج إلى فاعل مطلقًا، منها: "كان" الزائدة مثل: الفقر - كان- مذلة. والفعل المؤكد لفعل قبله توكيدا لفظيا، نحو: ظهر ظهر الحق. والأفعال التي تتصل بها "ما" الكافة، مثل: طالما، قلما، كثرما. وقد أشرنا سابقًا إلى أن "ما" تكفها عن العمل، وبعض المحققين يعرب "ما" مصدرية، والمصدر منها ومن صلتها في محل رفع فاعل، وذلك التزاما للأصل، الذي يقضي بأن يكون لكل فعل أصلي فاعل، ففي مثل: طالما أديت الواجب، يكون التقدير: طال أداؤك الواجب وهكذا … إلخ.

стр. 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأسئلة والتمرينات: ١ يقول الموضح في تعريف الفاعل: إنه اسم أو ما في تأويله، أسند إليه فعل أو ما في تأويله، اشرح ذلك موضحًا بالأمثلة. ٢ اذكر ثلاثة من أحكام الفاعل المتفق عليها بين النحاة، ووضح ذلك بأمثلة من إنشائك، في جهاد أهل فلسطين لتحرير وطنهم. ٣ قد يحذف الفعل جوازا، وقد يجب، متى يكون ذلك؟ هات أمثلة موضحة من إنشائك، في الحث على الثبات والتضحية، لتخليص الوطن من المعتدين. ٤ بين حكم الفعل إذا أسند إلى مؤنث حقيقي، أو مجازي، أو مثنى، أو جمع، أو اسم جنس، ومثل لما تقول. ٥ فيما يأتي شواهد لبعض مسائل هذا الباب، بين موضع الشاهد، ورأيك فيه: قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾. ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. في الحديث النبوي: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار". وإذا أراد الله نشر فضيلة … طويت أتاح لها لسان حسود إن امرأ غره منكن واحدة … بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور رأين الغواني الشيب لاح بعارضي … فأعرضن عني بالخدود النواضر إن يغنيا عني المستوطنا عدن … فإنني لست يوما عنهما بغني كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد … ورقى نداده ذا الندى في ذرى المجد كفى بالمرء عيبا أن تراه … له وجه وليس له لسان ٦ اشرح قول ابن مالك الآتي، والأصل الذي يقوم عليه:

стр. 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والحذف في نعم الفتاة استحسنوا … لأن قصد الجنس فيه بين ٧ اشرح البيت الآتي شرحا أدبيًا، وأعربه وبين ما فيه من شاهد: وما نفعت أعماله المرء راجيًا عليها ثوابا من سوى من له الأمر ٨ اذكر المواضع التي يجب فيها تأخير المفعول، والتي يجب فيها تقديمه على عامله، وبين السبب، ووضح بالأمثلة. ٩ يقول النابغة الذبياني من قصيدة يعنذر فيها للنعمان بن المنذر: ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه … إذا فلا رفعت سوطي إلي يدي اشرح هذا البيت ثم أعربه، وبين ما فيه من شاهد في هذا الباب. ١٠ - بين فيما يأتي: الفعل، والفاعل، والمفعول، وحكم كل، من حيث التقديم والتأخير، والتأنيث والتذكير: كان عمرو بن بحر -الملقب بالجاحظ- إماما كبيرا في اللغة، وقد منحه الله علما وأدبًا، وأحاط باللغة العربية، وتمكن منها، حتى دعاه العلماء: "إمام المتكلمين" فأما الفكاهة فقد برز فيها، وإنما كان يقول الصدق، وألم عقله وفكره بجيمع العلوم المعروفة في زمنه، عربية كانت أو غير عربية، وما أفاده إلا جده وحبه للإطلاع، وإنه لحابس نفسه على عمله، وساعده على ذلك حريته وثاقب بصيرته، وله مصنفات كثيرة، أشهرها: الحيوان، والبيان والتبيين، والبخلاء، والمحاسن والأضداد، وتوفي بالبصرة وقد نيف على التسعين من عمره، فاجعله قدوتك، وإياك أخاطب أيها الصديق، فما فاز إلا المجدون.

стр. 458

هذا باب النائب عن الفاعل: قد يحذف الفاعل للجهل به، كسرق المتاع، أو لغرض لفظي، كتصحيح النظم (١)، في قوله: علقتها عرضا وعلقت رجلًا … غيري وعلق أخرى ذلك الرجل (٢) أو معنوي، كأن لا يتعلق بذكره غرض (٣)، نحو: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، ﴿وَإِذَا هذا باب النائب عن الفاعل: (١) وكالإيجاز في العبارة، نحو: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، وكالمماثلة بين حركات الحروف الأخيرة في السجع، نحو: من طابت سريرته حمدت سريرته. (٢) بيت من البسيط للأعشى ميمون بن قيس، من لاميته المشهورة التي مطلعها: ودع هريرة إن الركب مرتحل … وهل تطيق وداعًا أيها الرجل اللغة والإعراب: علقتها: أحببتها وتعلقت بها، عرضًا: أي من غير قصد وتعمد، "علقت" فعل للمجهول والتاء نائب فاعل وهي المفعول الأول، "ها" مفعول ثان، "عرضا" مفعول مطلق لبيان نوع العامل، و"علقت" التاء للتأنيث ونائب الفاعل يعود على هريرة المذكورة في مطلع القصيدة، وهو المفعول الأول: "رجلا" مفعول ثان. "غيري" ظرف صفة لرجل منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، "وعلق" ماض للمجهول، "أخرى" مفعول ثان مقدم. "ذلك" ذا: نائب فاعل وهو المفعول الأول، "الرجل" بدل من اسم الإشارة. المعنى: حبب الله إلي هريرة، وعلقت بها حين اعترضتني من غير قصد ولا تعمد عني لرؤيتها، وحببها في رجل غيري، وحبب إلى ذلك الغير امرأة أخرى، فكل تعلق قلبه بشخص لم يعبأ به، ولم يلتفت إليه. الشاهد: بناء الأفعال الثلاثة، وهي "علق" في البيت للمجهول، وحذف الفاعل للعلم به وهو الله تعالى، وذلك من أجل تصحيح النظم. (٣) أي أن يعرف السامع أنه ليس هناك قصد ولا تعلق بذكره.

стр. 459

حُيِّيتُم﴾، ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا﴾ (١). فينوب عنه في رفعه، وعمديته، ووجوب التأخير عن فعله، واستحقاقه للاتصال به، وتأنيث الفعل لتأنيثه (٢)، واحد من أربعة: الأول: المفعول به (٣)، نحو: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ (٤). الثاني: المجرور (٥)، نحو: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِم﴾ وقولك: سير بزيد (١) فإنه ليس الغرض إسناد هذه الأفعال إلى فاعل مخصوص، بل إلى أي فاعل كان، ومن الأغراض المعنوية، العلم به نحو: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾، والخوف منه، نحو: قتل فلان، من غير ذكر القاتل خشية ضرره، أو الخوف عليه من أن يناله مكروه، وكإبهامه، أو تعظيمه بعد ذكر اسمه على الألسنة صيانة له، أو تحقيره أو إهماله، نحو: قتل الحسين. (٢) أي إن كان مؤنثًا حقيقا غير مجرور في اللفظ بالباء الزائدة، وفعله كلمة "كفى"، نحو: كفى بهند شاعرة، وكذلك في وجوب ذكره، وإغنائه عن الخبر في نحو: أمضروب التلميذان، وفي تجريد العامل من علامة التثنية والجمع على اللغة الفصحى. (٣) وذلك هو الأصل في النيابة، وسيأتي بيان مفصل عنه، وفيه يقول الناظم: ينوب مفعول به عن فاعل … فيما له كنيل خير نائل أي ينوب المفعول به عن الفاعل عند حذفه، فيعطى ما كان للفاعل من أحكام، نحو: نيل خير نائل، فخير نائل: مفعول قام مقامه الفاعل ومضاف إليه، والأصل: نال المستحق خير نائل -أي عطاء، فحذف الفاعل وهو "المستحق"، وأقيم المفعول مقامه بعد حذفه، وتغير الفعل على نحو ما سنبين بعد. (٤) الأصل: أغاض الله الماء -أي أنقصه، وقضى الله الأمر، ففعل بهما ما بيناه. (٥) يشترط أن يكون حرف الجر متصرفًا لا يلتزم طريقه واحدة في الاستعمال، كـ"مذ" ومنذ"، فإنهما لا يجران إلا الأسماء الدالة على الزمان، و "حتى" المختصة بالظاهر، و

стр. 460

وقال ابن درستويه والسهيلي وتلميذه الرندي (١): النائب ضمير المصدر (٢)، لا المجرور؛ لأنه لا يتبع على المحل بالرفع (٣)؛ ولأنه يقدم، نحو: ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٤)؛ ولأنه إذا تقدم لم يكن مبتدأ، وكل شيء ينوب عن الفاعل، فإنه إذا تقدم كان مبتدأ (٥)؛ ولأن الفعل لا يؤنث له في نحو: مر بهند (٦)، ولنا (٧) قولهم: "سير بزيد "رب" فإنها تجر النكرات فقط، وحروف القسم، فإنها لا تجر إلا مقسمًا به، وكحروف الجر التي للاستثناء -وهي: خلا وعدا وحاشا- فإنها لا تجر إلا المستثنى به، وكذلك يشترط ألا يكون حرف الجر دالًا على التعليل، كاللام والباء ومن، ومن، إذا أتي بها للتعليل، فلا يصح وقوع شيء من ذلك مع مجروره -نائب فاعل. (١) هو أبو علي، عمر بن عبد الحميد الرندي، نسبة إلى "رندة" حصن أو قرية من قرى الأندلس، كان أستاذا في النحو من تلاميذ السهيلي، وله شرح على جمل الزجاجي، وهو مقرئي كتاب سيبويه. (٢) أي المفهوم من الفعل المستتر فيه، والتقدير عندهم: ولما سقط هو -أي السقوط، وسير هو -أي السير. (٣) أي على محل المجرور، إذا ناب عن الفاعل، فلا يقال: مر بزيد الظريف - برفع الظريف، كما لا يقال: مر بزيد ومحمد- برفع محمد، ولو كان المجرور نائبا عن الفاعل لجاز في نائبه الرفع، كما جاز في تابع الفاعل المجرور بالمصدر في قول الشاعر: طلب المعقب حقه المظلوم برفع "المظلوم" على محل "المعقب". (٤) فلو كان "عنه" هو النائب لما تقدم على عامله وهو "مسئولا"، كما لا يتقدم الفاعل -وهو الأصل- على عامله. (٥) تقول: الزيت كيل، ورمضان صميم، كما أن الفاعل إذا تقدم كان مبتدأ، نحو: محمد قام. (٦) أي: وكل مؤنث ينوب عن الفاعل يؤنث له الفعل، تقول: ضربت زينب. هذه أربع شبه جعلتهم يقولون: إن المجرور ليس هو النائب عن الفاعل. (٧) أي معشر الجمهور من الأدلة على نيابة المجرور عن الفاعل -في لسان العرب.
следующие страницы →