وقال الأخفش: أخوات الهمزة كالهمزة (١)، نحو: أيهم زيدا ضربه؟ ومن أمة الله ضربها؟ (٢)، ومنها النفي بما، أو لا، أو إن (٣)، نحو: ما زيد رأيته، وقيل: ظاهر مذهب
وفيها يمدح قبيلتي: ثعلبة ورياح، ويذم قبيلتي طهية والخشاب.
اللغة والإعراب: ثعلبة ورياح: قبيلتان من بني يربوع من حنظلة، الفوارس: جمع فارس، وهو أحد ألفاظ جمع فيها "فاعل" -وصفا لمذكر عاقل- على ""فواعل" ومنها: هوالك، جمع هالك، ونواكس، جمع ناكس، وحواج، جمع حاج.
عدلت: سويت وجعلتهم يعد لونهم في سمو المنزلة، أو ملت. هية: حي من بني تميم، الخشاب: حي من بني مالك بن حنظلة، "أثعلبة" الهمزة للاستفهام، وثعلبة: منصوب بفعل محذوف من معنى العامل المذكور، أي: أحقرت ثعلبة، أو أهنته؟. "الفوارس" نعت لثلعبة باعتباره معناه، "أم متصلة"، "رياحا" معطوف على ثعلبة، "طهية" مفعول لعدلت، إن كانت بمعنى سويت، وبنزع الخافض، والباء للبدل، إن كانت بمعنى ملت، أي ملت بدلهم إلى طهية والخشاب.
المعنى: أتسوي بين قبيلتي ثعلبة الفوارس أو رياح هاتين القبيلتين المعروفتين بالفضل والنبل، وبين تينك القبيلتين الوضيعتين اللتين لا وزن لهما: طهية والخشاب.
الشاهد: نصب "ثعلبة" الواقع بعد همزة الاستفهام، مع أن المستفهم عنه الاسم، وهذا النصب بفعل مقدر يدل عليه المذكور، تقديره: أأهنت أو أظلمت مثلا، وهو شاذ على رأي ابن الطراوة، الذي يوجب الرفع إن كان الاستفهام عن الاسم، وراجح عند سيبويه وأنصاره؛ لأنه لا فرق عندهم في ترجيح النصب بين أن يكون الاستفهام عن الاسم، أو الفعل.
(١) أي في ترجيح النصب، ففي المثال المذكور: "أيهم" مبتدأ و"زيدا" منصوب بفعل محذوف يفسره المذكور، والجملة خبر "أيهم".
(٢) من "اسم استفهام مبتدأ، "أمة الله" منصوب بفعل محذوف، يفسره المذكور، ومضاف إليه، والجملة خبر.
(٣) قيد النفي بههذ الثلاثة؛ لأن، لم ولما ولن مختصة بالفعل، ولا يليها الاسم إلا في الضرورة، ويجب نصبه عند ذلك.
стр. 492
سيبويه اختيار الرفع، وقال ابن الباذش، وابن خروف يستويان (١).
ومنها "حيث"، نحو: حيث زيدا تلقاه أكرمه، كذا قال الناظم (٢)، وفيه نظر (٣).
(١) أي يستوي الرفع والنصب مع هذه الأحرف، لدخولها على الأسماء والأفعال، بخلاف غيرها من أحرف النفي.
والباذش هو: أبو جعفر، أحمد بن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري الغرناطي، المعروف بابن الباذش النحوي، كان إماما في النحو مقرئا نقادا عارفا بالآداب والإعراب، أخذ النحو عن أبيه الإمام أبي الحسن بن الباذش، وقد كان أوحد زمانا إتقانا ومعرفة بالعربية ومشاركة في غيرها، حسن الخط مع دين وفضل وزهد، وبعد عن أهل الدنيا، وقد شرح كتاب كتاب سيبويه والإيضاح، وتوفي سنة ٥٢٨ هـ، وصلى عليه ابنه أبو جعفر، ولأبي جعفر: كتاب الإقناع في القراءات، قيل: إنه لم يؤلف مثله، وتوفي سنة ٥٤٠ هـ. وابن خروف هو: أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن محمد نظام الدين، ابن خروف النحوي الأندلسي، كان إمامًا في العربية، أخذ النحو عن محمد بن طاهر الأنصاري المعروف بالخدب، وكان خياطًا يقسم ما يكسبه نصفين بينه وبين أستاذه، لم يتخذ بلدا موطنا، بل كان يتنقل في البلاد، طلبا للرزق، ولم يتزوج قط، وله تصانيف كثيرة، منها: كتاب شرح الجمل للزجاجي، وشرح سيبويه، وقد حمله إلى صاحب المغرب فأعطاه ألف دينار، وتوفي بإشبيلية ٦٠٦ هـ، عن خمس وثمانين عاما، وكان قد ضعف عقله، وله في نيل مصر الأبيات المشهورة:
ما أعجب النيل ما أحلى شمائله … في ضفتيه من الأشجار أدوضاح
من جنة الخلد فياض على ترع … تهب فيها هبوب الريح أرواح
ليست زيادته ماء كما زعموا … وإنما هي أرزاق وأرواح
(٢) أي في شرح الكافية، ونص قوله: "ومن مرجحات النصب" تقدم. "حيث" مجردة من "ما" نحو: حيث تلقاه زيدا فأكرمه؛ لأنها تشبه أدوات الشرط، فلا يليها في الغالب إلا فعل، فإن اقترنت بـ"ما" صارت أداة شرط، واختصت بالفعل، وقد وافقه ابن هشام في المغني على ذلك.
(٣) يقول صاحب التصريح: إن هذا النظر الذي أبداه الوضح على رأي الناظم -في ترجيح نصب الاسم إذا وقع بعد "حيث" عجيب؛ لأنه وافق الناظم على ذلك في المغني، حيث
стр. 493
الرابعة: أن يقع الاسم بعد عاطف غير مفصول "بأما" مسبوق بفعل غير مبني على اسم (١): كقام زيد وعمرًا أكرمته، ونحو: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ بعد: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ (٢)، بخلاف نحو: ضربت زيدًا، وأما عمرو فأهنته، فالمختار
قال: وإضافة "حيث" إلى الفعلية أكثر، ومن ثم ترجح النصب في نحو: جلست حيث زيدا أراه، ولعل وجه النظر في قوله: "أكرمه" في المثال الذي ذكره، فإنه ربما يوهم أنه جواب "حيث" مع أن "حيث" المجردة من "ما" لا جواب لها عند البصريين، ومن جعل لها جوابا من الكوفيين، يوجب النصب بعدها، فلا يكون راجحا، وإلى المواضع الثلاثة المتقدمة أشار الناظم بقوله:
واختير نصب قبل فعل ذي طلب … وبعد ما إبلاؤه الفعل غلب
أي يختار النصب على الرفع -مع جواز الأمرين- حين يقع الاسم السابق قبل فعل دال على الطلب، سواء أكان بنفسه، أم بلام الأمر الداخلة على المضارع، وكذلك إذا وقع الاسم بعد أدة يغلب أن يليها ويقع بعدها الفعل، كهمزة الاستفهام، والنفي بـ"ما" أو"لا" أو"إن" أو"حيث"، كما ذكره المصنف.
(١) المراد ببنائه على اسم قبله: أن يكون ذلك الفعل خبرًا عن ذلك الاسم السابق.
(٢) ذكر مثالين، لبيان أنه لا فرق في الفعل بين أن يكون رافع للفاعل، كالمثال الأول، أو ناصبا للمفعول كالآية، وإنما ترجح نصب المعطوف فيهما وهو: "عمرًا، والأنعام"؛ لأنه معه يكون من عطف جملة فعلية على مثلها، وتناسب المتعاطفين خير من تخالفهما، وإلى هذا الموضع يشير الناظم بقوله:
وبعد عاطف بلا فصل على … معمول فعل مستقر أوَّلًا
أي كذلك يختار النصب، إذا وقع الاسم المشتغل عنه، بعد عاطف يعطف جملة على
стр. 494
الرفع (١)؛ لأن "أما" تقطع ما بعدها عما قبلها، وقرئ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ بالنصب على حد: زيدا ضربته (٢)، و"حتى" و"لكن" و"بل" كالعاطف، نحو: ضربت القوم حتى زيدا ضربته.
الخامسة: أن يتوهم في الرفع أن الفعل صفة: نحو: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاه﴾ (٣)، وإنما لم يتوهم ذلك مع النصب (٤)؛ لأن الصفة لا تعمل في الموصوف، وما لا يعمل لا يفسر عاملًا.
ومن ثم (٥) وجب الرفع إن كان الفعل صفة، نحو: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي
(١) أي لوجود الفصل بين العاطف والاسم بأما، فأصبح ما بعدها مستأنفا مقطوعا عما قبلها، وهذا ما لم يرجح النصب مرجح، كوقوع الاسم قبل فعل ذي طلب، كأكرم محمدًا، وأما عمر فأهنه.
(٢) "ثمود" منصوب بفعل محذوف يفسره "هدينا"، والتقدير: وأما ثمود فهدينا هديناهم. ولا يقدر الفعل قبل ثمود، لئلا يفصل بين "أما" و"الفاء" بجملة تامة، وذلك ممنوع، ولا يقال: إن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها، فلا يفسر عاملًا؛ لأن الفاء هنا ليست في محلها الأصلي، فلا تمنع من العمل.
(٣) فإنه يحتمل مع رفع "كل": أن جملة "خلقناه" خبر عنه، ويحتمل أنها صفة لشيء، والخبر قوله: "بقدر"، وهذا يوهم وجد شيء لا بقدر لكونه غير مخلوقه له تعالى، كأفعال العباد الاختيارية وأفعال الشر، وهذا رأي المعنزلة، ولا يرتضيه أهل السنة، أما النصب فنص في عموم خلق الأشياء، خيرها وشرها بقدر، وهو المقصود عند أهل السنة، كما هو الحال عند إعراب "خلقنا" خبرا عن كل، ولا يمكن جعل الفعل وصفا.
(٤) أي انصب "كل" على أنه مفعول بفعل محذوف يفسره "خلقناه".
(٥) أي ومن أجل أن الصفة لا تعمل فيما قبلها، فلا تفسر عاملًا.
стр. 495
الزُّبُرِ﴾ (١)، أو صلة، نحو: زيد الذي ضربته (٢)، أو مضافا إليه، نحو: زيد يوم تراه تفرح (٣)، أو وقع الاسم بعدما يختص بالابتداء كإذا الفجائية (٤)، على الأصح، نحو: خرجت فإذا زيد يضربه عمرو، أو قبل ما لا يرد ما قبله معمولًا لما بعده، نحو: زيد ما أحسنه! أو إن رأيته فأكرمه، أو هل رأيته؟ أو هلا رأيته (٥).
(١) إنما وجب الرفع لتأتي الوصفية التي يستقيم بها المعنى؛ لأن النصب يقتضي أنهم فعلوا في الزبر -أي صحف الأعمال- كل شيء مع أنهم لم يفعلوا فيها شيئا، بل الكرام الكاتبون أوقعوا فيها الكتابة، وليس هذا هو المقصود، بل المعنى أن كل شيء مفعول لهم ثابت في صحائف أعمالهم، صغيرًا كان أو كبيرًا.
(٢) فيجب رفع "زيد"؛ لأن الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول.
(٣) فـ"زيد" مرفوع وجوبا؛ لأن المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف.
(٤) ومثلها "ليتما"، أو واو الحال، إذ كان الواقع بعد الاسم المصحوب بالواو مضارعا مثبتا، نحو: خرجت ومحمد يضربه علي، فلا يجوز: ومحمدا بالنصب؛ لأن الجملة المضارعية المثبتة الواقعة حالًا، يمتنع فيها الربط بالواو كما سيأتي.
وقوله: على الأصح -يشير إلى ما يراه بعضهم، من أن "إذا" الفجائية تدخل على الأسماء والأفعال مطلقا، أو على الأسماء، وعلى الأفعال المقترنة بقد.
(٥) فيجب رفع "زيد" في هذه الأمثلة؛ لأن ما بعد "ما" التعجبية، و"إن" الشرطية، و"هل" الاستفهامية، و"هلا" التخضيضية لا يعمل فيما قبله، فلا يفسر عاملا، ومثلها، أداة العرض، ولام الابتداء و"ما" النافية و"كم" الخبرية، والحروف الناسخة، والموصول، والموصوف، وأدوات الاستثناء.
وفيما تقدم من مواضع وجوب الرفع يقول الناظم:
وإن تلا السابق ما بالابتدا … يختص فالرفع التزمه أبد
كذا إذا الفعل تلا ما لم يرد … ما قبل معمولا لما بعد وجد
стр. 496
تنبيهان:
الأول: ليس من أقسام مسائل الباب ما يجب فيه الرفع، كما في مسألة "إذا" الفجائية، لعدم صدق ضابط الباب عليها (١)، وكلام الناظم يوهم ذلك (٢).
الثاني: لم يعتبر سيبويه إبهام الصفة مرجحًا للنصب (٣)، بل جعل النصب في الآية مثله في زيدا ضربته، قال: وهو عربي كثير.
السادسة: أن يكون الاسم جوابا لاستفهام (٤) منصوب، كزيدا ضربته، جوابا لمن قال: أيهم ضربت؟ أو: من ضربت؟ (٥)
أي إن وقع الاسم السابق المشتغل عنه، بعد أداة تختص بالابتداء، كإذا الفجائية وغيرها مما ذكر، فالتزم في ذلك رفع الاسم السابق، وكذلك يجب رفع الاسم السابق: إذا وقع الفعل المشتغل بالضمير، بعد لفظ لا يرد ما قبله معمولا لعامل بعده، كأدوات الشرط، والاستفهام، وغير ذلك مما أوضحناه.
(١) إذ من جملة الضابط المذكور: أن يكون الفعل، بحيث لو فرع من الضمير، لنصب الاسم السابق، وذلك ممتنع مع إذا الفجائية وما ذكر معها.
(٢) فقد جعله من جملة أقسام هذا الباب.
(٣) أي كما في الآية السابقة: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُر﴾؛ لأن الإبهام يدفعه المقام فلا ينظر إليه.
(٤) أي مستفهم به منصوب.
(٥) فيترجح نصب "زيدا"؛ لأنه جواب لمستفهم به منصوب لفظا في المثال الأول، ومحلًّا في الثاني، وإنما ترجح النصب، ليطابق الجواب السؤال، ومثل المنصوب: المضاف إلى منصوب
стр. 497
ويستويان في مثل الصورة الرابعة، إذا بني الفعل على اسم (١)، غير "ما" التعجبية، وتضمنت الجملة الثانية (٢) ضميره، أو كانت معطوفة بالفاء (٣)، لحصول المشاكلة (٤)، رفعت أو نصبت، وذلك نحو: زيد قام، عمرو أكرمته لأجله، أو فعمرًا أكرمته (٥)، بخلاف ما أحسن زيدا وعمروا أكرمته عنده، فلا أثر للعطف (٦)، فإن لم يكن في الثانية ضمير للأول، ولم يعطف بالفاء: فالأخفش، والسيرافي يمنعان النصب، وهو المختار (٧).
باعتبار ما كان، نحو: كتاب محمد استعرته، جوابا لمن قال: كتاب من استعرت؟ هذا ولم يشر الناظم إلى المسألتين: الخامسة والسادسة من مواضع ترجيح النصب.
وقد ذكر الأشموني من مواضع ترجيح النصب: أن يقع اسم الاشتغال بعد شبيه بالعاطف على الجملة الفعلية، نحو: أكرمت القوم حتى محمدا أكرمته، وما سافر علي، لكن محمدا عاتبته، فـ"حتى" و"لكن" حرفا ابتداء أشبها العاطفين، ولم يعتبرا عاطفين هنا، لدخولهما على الجمل، والعاطف منهما إنما يدخل على المفرد.
(١) أي بأن أخبر بالفعل السابق عن اسم.
(٢) أي المعطوفة على الجملة ذات الوجهين: الاسمية الصدر، الفعلية العجز.
(٣) أي المفيدة للربط والسببية.
(٤) أي بين المعطوف، والمعطوف عليه.
(٥) فيجوز في "عمرو" الرفع والنصب على السواء؛ وذلك لأن "زيد قام" جملة ذات وجهين، وهي جملة كبرى؛ لأنها تتضمن جملة صغرى، هي "قام" المبنية على المبتدأ، فإن نظر إلى صدرها فهي اسمية، فيرفع "عمرو" ليعطف جملة اسمية على مثلها، وكلاهما لا محل له من الإعراب، وإن نظر إلى عجزها، نصب، ليعطف جملة فعلية على مثلها، ومحلها الرفع على الخبرية، والرابط بين الجملتين: إما الضمير في "لأجله"، أو الفاء؛ لأنها للسببية فتقوم مقام الضمير.
(٦) أي على الجملة الصغرى، أي أنه لا يصح العطف عليها؛ لأنه لا يلزم عليه تسلط "ما" التعجبية على الجملة المعطوفة، وهذا لا يصح، لعدم قصد التعجب بها، فالرجح الرفع على العطف على مجموع الجملة الاسمية.
(٧) أي بناء على أن العطف على الصغرى؛ لأن المعطوف على الخبر خبر، ولا بد فيه من
стр. 498
والفارسي وجماعة يجيزونه (١)، وقال هشام: الواو كالفاء.
وهذه أمور متممات لما تقدم:
أحدها: أن المشتغل عن ااسم الساب كما يكون فعلا، كذلك يكون اسما، لكن بشروط ثلاثة: أحدها: أن يكون وصفا (٢)، الثاني: أن يكون عاملًا (٣). الثالث: أن يكون صالحًا للعمل فيما قبله (٤). .... .... … ... ....
رابط، وهو مفقود هنا، فإن عطف على الكبرى ترجح الرفع.
وإلى ما تقدم أشار الناظم بقوله:
وإن تلا المعطوف فعلا مخبرا … به عن اسم، فاعطفن مخيرا
أي إذا وقع الاسم المشتغل عنه بعد عاطف تقدمته جملة فعلية، هي خبر عن مبتدأ، فأنت بالخيار، بين العطف على ما قبله عطف على جملة فعلية مثلها، أو عطف جملة اسمية على اسمية، مراعاة للصدر والعجز.
(١) أي يجيزون النصب مع العطف على الجملة الصغرى، ويكون ذلك مستثنى مما يحتاج إلى رابط، واستدلوا على ذلك بإجماع القراء على نصب: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾، وهي معطوفة على "تسجدان" من قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَان﴾، وليس فيها ضمير يعود على النجم والشجر، ويبرر الاستثناء: أنهم يغتفرون في الثواني ما لا يغتفرون في الأوائل.
(٢) فخرج ما يعمل عمل الفعل، وليس بوصف، كاسم الفعل، نحو: زيد دراكه، فلا يجوز نصب "زيد"؛ لأن أسماء الأفعال لا تعمل فيما قبلها، فلا تفسر عاملا، والمراد بالوصف هنا: اسم الفاعل، واسم المفعول، وأمثلة المبالغة، كما أسلفنا.
(٣) احترز بذلك من الوصف الذي لا يعمل، كاسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي، نحو: محمد أنا مكرمه أمس، فلا يصح نصب محمد؛ لأن ما لا يعمل لا يفسر عاملًا.
(٤) لا يكون مقرونا بأل، ولا صفة مشبهة، ولا أفعل تفضيل، ولا مصدر ولا حرفا من
стр. 499
وذلك نحو: زيدا أنا ضاربه الآن أو غدا، بخلاف نحو: زيد عليكه، وزيد ضرباه إياه؛ لأنهما غير صفة (١)، نعم يجوز النصب عند من جوز تقديم معمول اسم الفعل، وهو الكسائي، ومعمول المصدر الذي لا ينحل بحرف مصدري (٢)، وهو المبرد والسيرافي، وبخلاف نحو: زيد أنا ضاربه أمس؛ لأنه غير عامل على الأصح، وزيد أنا الضاربه، ووجه الأب زيد حسنه (٣)؛ لأن الصلة والصفة المشبهة لا يعملان فيما قبلهما.
الثاني: لا بد في صحة الاشتغال من علقه (٤) بين العامل والاسم السابق، وكما
الحروف الناسخة، ولا فعلا جامدا، كعسى وليس، وفعل التعجب وغير ذلك من كل ما لا يصلح أن يتقدم عليه معموله، نعم: لا يجوز الاشتغال في المصدر وفي اسم الفعل، وفي ليس، عندي من يجيز تقديم معمول الأولين، وخبر ليس، كما بين المصنف.
(١) أي؛ لأن الأول اسم فعل، والثاني مصدره، وهما لا يعملان فيما قبلهما، "فزيد" واجب الرفع على أنه مبتدأ، وخبره: الفعل النائب عن اسم الفعل، والمصدر.
(٢) وهو الواقع بدلا من اللفظ بفعله، كضربا النائب عن فعله، أما المنحل إلى حرف مصدري، فلا يجوز عمله النصب فيما قبله اتفاقا؛ لأن الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول فلا تفسر عاملًا.
(٣) فزيد مبتدأ، وما بعده جملة اسمية خبر، و"وجه الأب" مبتدأ ومضاف إليه، وما بعده جملة اسمية خبر كذلك، وإلى ما تقدم يشير الناظم بقوله:
وسو في ذا الباب وصفا ذا عمل … بالفعل إن لم يك مانع حصل
أي أن الوصف العامل الذي شرحناه، يجري في هذا الباب مجرى الفعل، ويساويه فيما تقدم، إن لم يحصل مانع يمنع الوصف من العمل، كاقترانه بالألف واللام كما بينا.
(٤) أي ارتباط وعلاقة وصلة.
стр. 500
تحصل العلقة بضميره المتصل بالعامل، كزيدا ضربته، كذلك تحصل بضميره المنفصل من العامل بحرف الجر، نحو: زيد مررت به، أو باسم مضاف، نحو: زيدا ضربت أخاه (١). أو باسم أجنبي أتبع بتابع مشتمل على ضمير الاسم، بشرط أن يكون التابع نعتا له (٢)، نحو: زيد ضربت رجلا يحبه، أو عطفا بالواو (٣)، نحو: زيدًا ضرب عمرًا وأخاه، أو عطف بيان، كزيدا ضربت أخاه (٤)، فإن قدرت الأخ بدلًا بطلت
(١) فإن الرابطة بين العامل والاسم السابق، هي الهاء في أخاه، وهي مضاف إليه، وإلى ذلك يشير النظم بقوله:
وفصل مشغول بحرف جر … أو بإضافة كوصل يجري
أي أن الحكم إذا فصل بين العامل، والضمير المشغول به العائد إلى الاسم السابق، بحرف جر أو إضافة، يجري كما إذا اتصل الضمير بالفعل، فتكون الأحوال الستة التي ذكرها المصنف.
(٢) أي لذلك المتبوع الأجنبي، وهي "رجلا" في مثال المصنف.
(٣) أي لما في الواو في معنى الجمع، ولكن بشرط ألا يعاد معه العامل؛ لأنه يصبح من جملة أخرى فلا يحصل به الربط.
(٤) فالرابطة بين العامل والاسم السابق، هي الهاء في "أخاه" في المثالين، وهي منفصلة من العامل، بالمعطوف، وقد أشار الناظم إلى ذلك بقوله:
وعلقة حاصله بتابع … كعلقة بنفس الاسم الواقع
أي أن العلاقة التي تتم وتحصل بين العامل والتابع المشتمل على ضمير الاسم السابق، كالعلاقة التي تتم بينه وبين الاسم الواقع بعد العامل مباشرة، أي أن الأجنبي إذا أتبع بما فيه ضمير الاسم السابق، جرى مجرى السببي.
стр. 501
المسألة، رفعت أو نصبت (١)، إلا إذا قلنا عامل البدل والمبدل منه واحد، صح الوجهان (٢).
الثالث: يجب كون المقدر في نحو: زيدًا ضربته (٣)، من معنى العامل المذكور، ولفظه، وفي بقية الصور من معناه دون لفظه (٤)، فيقدر: جاوزت زيدا مررت به (٥)، وأهنت زيدا ضربت أخاه (٦).
الرابع: إذا رفع فعل ضمير اسم سابق، نحو: زيد قام أو غضب عليه (٧)، أو ملابسًا لضميره، نحو: أزيد قام أبوه؟ فقد يكون ذلك الاسم واجب الرفع بالابتداء، كخرجت فإذا زيد قام، وليتما عمرو قعد، إذا قدرت: "ما" كافة (٨)، أو بالفاعلية، نحو:
(١) لأن البدل على نية تكرار العامل، فيصبح الأخ من جملة ثانية، وتخلو الجملة الأولى من رابط عيود على المتبدأ إن رفعت، وعلى المشتغل به إن نصبت.
(٢) أي: لوجود الرابطة بينهما.
(٣) أي مما يكون فيه العامل متعديا، وناصبا لضمير الاسم السابق بنفسه.
(٤) تشمل بقية الصور: أن يكون العامل متعديا ناصبا لاسم ظاهر مضاف إلى ضمير عائد على الاسم الساق، كمثال المصنف: زيدا ضربت أخاه، أو يكون العامل لازما ناصبا للمشغول به بحرف جر والمجرور ضمير الاسم السابق، كمثال المصنف أيضًا: زيدا مررت به، أو اسم ظاهر مضاف إلى ضميره، نحو: زيدا مررت بغلامه، فيقدر: لابست زيدا مررت بغلامه، ولا يقدر جاوزت؛ لأنك لم تجاوز زيدا ولم تمرر به، وإنما حدث ذلك لغلامه.
(٥) لأن "مررت" لا تصل إلى الاسم بنفسها.
(٦) لأن الضرب لم يقع على زيد، وإنما حصلت له إهانة من جراء ضرب الأخ.
(٧) مثل بمثالين، للإشارة إلى أنه لا فرق بين أن يكون الضمير المرفوع على الفاعلية، كالمثال الأول، أو النيابة عن الفاعل كالثاني؛ لأن الهاء في عليه في موضع رفع نائب فاعل غضب.
(٨) فإن قدرت "ما" زائدة غير كافة، كان الرفع جائزا لا واجبا، لجواز الإعمال والإلغاء حينئذ، قال الصبان: ومثل الكافة في وجوب الرفع: المصدرية، إلا أن الرفع بعدها يكون على الفاعلية بفعل محذوف يفسره المذكور؛ لأنه يجب أن يليها فعل ظاهر أو مقدر على المشهور.
стр. 502
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ (١)، وهلا زيد قام.
وقد يكون راجح الابتدائية على الفاعلية، نحو: زيد قام، عند المبرد، ومتابعيه (٢).
وغيرهم يوجب ابتدائيته لعدم تقدم طالب الفعل (٣).
وقد يكون راجح الفاعلية على الابتدائية، نحو: زيد ليقم (٤)، ونحو: قام زيد وعمرو قعد (٥)، ونحو: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾، ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ (٦).
وقد يستويان، نحو: زيد قام وعمرو قعد عنده (٧).
(١) لأن أدوات الشرط تختص بالأفعال، كما "أن" إذا الفجائية تختص بالأسماء، فالضابط في الصورة الأولى: أن يكون الاسم المرفوع واقعًا بعد أداة تختص بالدخول على الأسماء، كـ"إذا" الفجائية، و"ليت" المكفوفة بما، وضابط الثانية: أن يقع الاسم بعد أداة لا يليها إلا الفعل، كأدوات الشرط عند البصريين.
(٢) فإنهم يجيزون الرفع بفعل مقدر يفسره المذكور، ويكون من باب الاشتغال. وكذلك يجيزه الكوفيون، بل إن جواز الاشتغال عندهم أقيس وأولى؛ لأنهم يجيزون تقدم الفاعل على رافعه كما سبق بيانه في موضعه.
(٣) أي من نفي أو استفهام.
(٤) إنما رجحت الفاعلية؛ لأن الابتدائية تستلزم الإخبار بالجملة الطلبية، وفي جواز ذلك خلاف.
(٥) ترجحت الفاعلية، طلبا للتناسب بين المتعاطفين.
(٦) ترجحت الفاعلية؛ لأن الغالب أن يلي همزة الاستفهام الفعل.
(٧) فالرفع على الابتدائية مراعاة للجملة الكبرى، وعلى الفاعلية مراعاة للصغرى، وفي كل مشاكلة المعطوف عليه.
стр. 503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تتمة:
يشترط في الاسم المشغول عنه: أن يكون قابلا للإضمار، فلا يصح الاشتغال عن حال، أو تمييزه، أو مصدره مؤكد، أو مجرور بما لا يجر المضمر، كحتى والكاف، وأن يكون مفتقرا لما بعده، فليس من الاشتغال نحو: في الدار فأكرمه، وأن يكون واحدا لا متعددا، وأن يكون مختصا لا نكرة مخصة، ليصح رفعه بالابتداء، فليس من الاشتغال قوله -تعالى-: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾، بل رهبانية معطوف على ما قبله بتقدير مضاف، أي: وابتدعوها صفة.
стр. 504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسئلة والتمرينات:
١ عرف الاشتغال، واشرحه، وبين أركانه، موضحا ذلك بأمثلة من عندك.
٢ متى يجب نصب الاسم المشغول عنه، ومتى يترجح النصب؟ اشرح مواضع كل، مع التمثيل.
٣ يرى صاحب الموضح: أنه ليس من باب الاشتغال ما يجب فيه الرفع، فما حجته؟ وضح ذلك على ضوء ما بين المصنف.
٤ ما الشروط اللازمة في العامل المشغول؟ وماذا يشترط في الاسم المشغول عنه؟ اشرح ذلك بأمثلة.
٥ فيما يأتي شواهد لبعض مسائل هذا الباب، بين مواضع الشاهد، وإعرابه.
قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾.
﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُه﴾.
﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾.
﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾.
لا تجزعي إن منفس أهلكته … فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب … لعلك تهديك القرون الأوائل
فارسا ما غادروه ملحما … غير زميل ولا نكس وكل
الملحم: الذي يحيط به الأعداء من كل جانب، زميل: جبان، نكس: ضعيف. وكل: عاجز.
٦ اجعل جملة: "ما سئمت العمل من أجل الوطن" اشتغالية، مرة يجب فيها نصب المشغول عنه، وأخرى يجب رفعه ووضح سبب ما تقول.
٧ اجعل لفظ "الجهاد" مشغولا عنه في ثلاث جمل مختلفة، يكون في إحداها واجب النصب، وفي الثانية واجب الرفع، وفي الثالثة يجوز الأمران، مع توضيح السبب في كل.
٨ كون ثلاث جمل من إنشائك، يكون المشغول عنه في إحداها واجب النصب، وفي الثانية واجب الرفع، وفي الثالثة جائز الأمرين.
стр. 505
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٩ بين فيما يأتي: المشغول عنه، وحكمه، وموقعه من الإعراب، مع ذكر السبب.
من الأمانة خانها فانبذه، الصديق لا تهمل صحبته، الحق إذا عرفته فلا تحد عنه. أينما أستاذك قابلته فاحترمه، النظام لو اتبعته استرحت. ليتما الصناعة تخصها الأمانة بالعناية، متى صديقك أغضبته فلا تكف عن مصالحته، دخلت المعهد فإذا الناقوس يدقه الحارس، إن خادمك أكرمته أخلص في خدمتك، هلا صديقًا ترجو منه الإخلاص والوفاء، الدين ما أحوجنا إليه في هذا الوقت. هل تجربة استفدت؟
١٠ أعرب ما تحته خط في البيتين الآتيين، ثم اشرحهما شرحا أدبيا:
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها … هوانا بها كانت على الناس أهونا
فنفسك أكرمها وإن ضاق مسكن … عليك بها فاطلب لنفسك مسكنا
стр. 506
هذا باب التعدي واللزوم:
الفعل ثلاثة أنواع:
أحدها: ما لا يوصف بتعد ولا لزوم، وهو: "كان"، وأخواتها (١)، وقد تقدمت.
الثاني: المتعدي، وله علامتان: إحداهما: أن يصح أن يتصل به "هاء" ضمير غير المصدر (٢)، الثانية: أن يبنى منه اسم مفعول تام (٣)، وذلك كضرب. ألا ترى أنك تقول: زيد ضربه عمرو، فتصل به "هاء" ضمير غير المصدر، وهو زيد؟ وتقول: هو مضروب، فيكون تاما، وحكمه أن ينصب المفعول به، كضربت زيدا، وتدبرت الكتب، إلا أن ناب عن الفاعل (٤)، كضرب زيد وتدبرت الكتب.
هذا باب التعدي واللزوم:
(١) أي في حال اعتبارها ناقصة، فإن منصوبها خبر، أما في حالة التمام، فتارة تكون لازمة وتارة تكون متعدية، وعلى كل تتصل بها هاء غير المصدر. ومثلها في هذه الحالة: أمثال مسموعة تصلح للأمرين: فتستعمل في المعنى الواحد لازمة ومتعدية، نحو: شكرت الله على نعمه، وشكرت له، ونصحت الرجل، ونصحت له.
ويرى بعض النحاة أن مثل هذه الأفعال ينظر فيها إلى الاستعمال الذي يعديها بحرف الجر، فتجعله هو الأصل، وما يأتي منها متعديًا بنفسه يكون فرعا عن اللازم بحذف حرف الجر، وإيصال الفعل إلى ما كان مجرورا، ويسمى هذا "الحذف والإيصال"، ويرى آخرون العكس، على اعتبار زيادة حرف الجر عند من يعديها به.
(٢) أي هاء تعود على اسم سابق غير مصدر، ولا ظرف، ويكون هذا الاتصال لا على سبيل التوسع بحذف الجار، وعلى وجه لا يكون خبرا، وبذلك يخرج، نحو اليوم صمته، مما اتصلت فيه الهاء بالفعل القاصر على طريق التوسع بحذف الجار، ونحو: الصديق كنته.
(٣) أي مستغن في تأدية المعنى المراد منه عن جار ومجرور بإطراد، وذكر بإطراد، لإخراج نحو: تمرون الديار، فإنه يصح أن يصاغ منه اسم مفعول، فيقال: الدار ممرورة، ولكن ليس هذا مطردا فلا يكون لفظ "مر" متعديًا.
(٤) أي إلا إن كان المفعول نائب فاعل فحينئذ يرفع، وقد اقتصر الناظم على العلامة الأولى
стр. 507
الثالث: اللازم، له واثنتا عشرة علامة، وهي:
ألا يتصل به "هاء" ضمير غير المصدر، وألا يبنى منه اسم مفعول تام، وذلك كخرج، ألا ترى أنه لا يقال: زيد خرجه عمرو، ولا هو مخروج، وإنما يقال: الخروج خرجه عمرو (١)، وهو مخروج به أو إليه (٢).
وأن يدل على سجية (٣)، وهي ما ليس حركة جسم، من وصف ملازم، نحو: جبن، وشجع.
أو على عرض (٤)، وهو ما ليس حركة جسم، من وصف غير ثابت، كمرض،
فقال:
علامة الفعل المعدى أن تصل … "ها" غير مصدر به نحو عمل
فانصب به مفعوله إن لم ينب … عن فاعل نحو تدبرت الكتب
أي أن علامة الفعل المتعدي إلى المفعول، أن تصل به هاء تعود على غير امصدر مثل "عمل"، تقول في محمد عمل الخير مثلا: محمد عمله، وهو ينصب المفعول به، إلا إذا ناب المفعول عن الفاعل فإنه يرفع بالنيابة، تقول في تدبرت الكتب، أي تأملتها، تدبرت الكتب برفع الكتب على أنها نائب فاعل.
(١) فيتصل بخرج "هاء" ضمير المصدر، وهو الخروج.
(٢) فيبنى منه اسم مفعول ناقص يحتاج إلى حرف الجر.
(٣) أي طبيعة وسليقة وصفة تلازم صاحبها، ولا تكاد تفارقه إلا لسبب قاهر.
(٤) أي معنى طارئ ليس له طول ثبات ولا دوام، ويزول بزوال سببه.
стр. 508
وكسل، ونهم إذا شبع (١).
أو على نظافة، كنظف، وطهر ووضؤ (٢).
أو على دنس، نحو: نجس، وقذر (٣).
أو على مطاوعة فاعله لفاعل فعل متعد لواحد (٤)، نحو: كسرته فانكسر، ومددته فامتد، فلو طاوع ما يتعدي فعله لاثنين، تعدى لواحد، كـ"علمته الحساب فتعلمه"، أو يكون موازنًا لـ"افعلل"، كاقشعر واشمأز، أو لما ألحق به (٥)، وهو "افوعل"، كاكوهد الفرح إذا ارتعد.
أو لافعنلل، كاحرنجم (٦)، أو لما ألحق به (٧)، وهو "افعنلل" بزيادة إحدى اللامين، كاقعنسس الجمل، إذا أبى أن ينقاد، و"افعنلى" كاحرنبى (٨) " الديك إذا انتفش للقتال.
(١) النهم: اشتداد الشهوة للأكل، أو ألا تمتلئ عين الأكل ولا يشبع، وقد عد الناظم هذا من أفعال السجايا، فلعله يرد أن ذلك صار سجية له.
(٢) الوضاءة: الحسن وبابه ظرف، ويجوز في ظهر، فتح العين.
(٣) يجوز في "نجس" كسر العين وضمها، وفي قذر الكسر والضم والفتح.
(٤) المطاوعة: قبول فاعل فعل، أثر فاعل فعل آخر، يلاقيه اشتقاقا.
(٥) الإلحاق: جعل كلمة أنقص من أخرى، على وزنها، لتصير مساوية لها في عدد الحروف والحركات، فتجري مثلها في التكسير والتصغير والنسب … إلخ، وسيأتي لذلك مزيد إيضاح في الجزء الثالث إن شاء الله "باب أبنية المصادر".
(٦) احرنجم الرجل: أراد شيئا ثم عدل عنه، واحرنجمت الإبل: اجتمعت متزاحمة.
(٧) هو كل فعل في وسطه نون زائدة، بعدها حرفان أحدهما زائد للإلحاق، بالتضعيف، أو من حروف سألتمونيها.
(٨) في "احرنبي"، بعد النون، حرفان أحدهما وهو الألف الأخيرة من حروف سألتمونيها، وقد اقتصر الناظم على وزنين هما: "افعلل" و"افعنلل"، وأشار إلى اللازم والعلامات المتقدمة له، بقوله:
стр. 509
وحكم اللازم أن يتعدى بالجار، كـ"عجبت منه"، ومررت به، وغضبت عليه.
وقد يحذف ويبقى الجر شذوذا، كقوله:
أشارت كليب بالأكف بالأصابع (١)
ولازم غير المعدى وحتم … لزوم أفعال السجايا كنهم
كذا "افعلل" والمضاهي "اقعنسسا" … وما اقتضى نظافة أو دنسا
أو عرضا أو طاوع المعدى … لواحد كمده فامتدا
أي أن اللازم، هو الذي ليس متعديا، وحتم لزوم الأفعال التي تدل على السجايا وعدم تعديتها، وكذلك ما كان على وزن "افعلل"، والفعل الذي يشابه "افعنلل"، في وزنه. ومن اللازم أيضًا: ما دل على نظافة، أو دنس أو عرض، أو كان مطاوعًا لفعل متعد لواحد، مثل: مد الحبل فامتد، مثلا.
(١) عجز بيت من الطويل للفرزدق، من قصيدة يهجو فيه جريرا، وصدره:
إذا قيل أي الناس شر قبيلة
اللغة والإعراب: كليب: هو ابن يربوع قبيلة جرير. بالأكف: الباء بمعنى مع، أي مع الأكف، "إذا": ظرف وفيه معنى الشرط. "قيل" ماض للمجهول فعل الشرط، "أي الناس" مبتدأ ومضاف إليه، "شر قبيلة" خبر ومضاف إليه، والجملة نائب فاعل قيل، وهي مقول القول، "أشارت" جواب الشرط، "كليب" مجرور بإلى محذوفة، "بالأكف" جار ومجرور حال من الأصابع الواقعة فاعلا لأشارت.
المعنى: إذا سأل سائل عن شر القبائل وأحقرها، أشارت الأصابع مع الأكف إلى
стр. 510
أي: إلى كليب.
وقد يحذف وينصب المجرور، وهو ثلاثة أقسام:
سماعي جائز في الكام المنثور، نحو: نصحته وشكرته (١)، والأكثر ذكر اللام، نحو: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾، ﴿أَنْ اشْكُرْ لِي﴾. (٢).
وسماعي خاص بالشعر، كقوله:
كما عسل الطريق الثعلب (٣)
كليب، وأبي المسؤلون النطق باسمها لحقارتها والتعفف عن ذكر اسمها.
الشاهد: جر "كليب" بحرف جر محذوف شذوذا، وروي "كليب" بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي هي كليب، فيكون قد جمع بين الإشارة والعبارة وإذا لا شاهد فيه.
(١) مثله: كلت له: ووزنت له، وفي التنزيل: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾.
(٢) الأولى من الآية ٧٩ من سورة الأعراف، والثانية من الآية ١٤ من سورة لقمان.
(٣) جزء بيت من الكامل، من شعر ساعده بن جؤية الذهلي، يصف رمحا بالليونة، وهو بتمامه:
لدن بهز الكف يعسل متنه … فيه كما عسل الطريق الثعلب
اللغة والإعراب: لدن: لين ناعم، ويعسل: يضطرب ويتحرك، متنه، المراد: ظهر الرمح وصدره، "لدن" خبر لمبتدأ محذوف، أي هو لدن "بهز الكف"متعلق بيعسل، أو بلدن، ومضاف إليه، والباء للسببية "متنه" فاعل يعسل ومضاف إليه، "فيه" متعلق بيعسل. "كما" الكاف جارة. و"ما" مصدرية "عسل" فعل ماض، "الطريق" منصوب بحرف جر محذوف، أي في الطريق. "الثعلب" فاعل عسل، و"ما" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالكاف.
المعنى: أن هذا الرمح لجودته، شديد الليونة، يتحرك ويضطرب متنه بسبب هزه باليد، كما يضطرب الثعلب في الطريق خوفا من أن يدرك.
الشاهد: حذف حرف الجر، وهو "في" ونصب الاسم الذي كان مجرورا به، وهو "الطريق"، وذلك خاص بالشعر.
стр. 511
وقوله: *آليت حرق العراق اليوم أطعمه* (١)
أي في الطريق وعلى حب العراق.
وقياسي، وذلك في أن، وأن وكي (٢)، نحو: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، ونحو: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، ونحو: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾،
(١) صدر بيت من البسيط، لجرير بن عبد المسيح، المعروف بالمتلمس، وعجزه:
والحب يأكله في القرية السوس
وكان قد ترك العراق كراهة وزهدا في المقام بها.
اللغة والإعراب: أليت: حلفت، حب العرق، الحب: اسم جنس جمعي، يشمل الحنطة والشعير وغيرهما. أطعمه: أشوقه. السوس، دود يقع في الطعام، وفي الصوف "آليت" فعل وفاعل والتاء للمتكلم، وقيل للمخاطب، وهو النعمان بن المنذر ملك الحيرة، أو عمرو بن هند الملك، وكان الشاعر قد هجاه
فطرد من العراق. "حب العراق" منصوب بحرف جر محذوف ومضاف إليه، أي على حب العراق، "أطعمه" فعل مضارع مرفوع والفاعل أنا والهاء مفعوله، وقبله نفي مقدر، أي لا أطعمه، "والحب" الواو للحال والحب "مبتدأ، "السوس" فاعل يأكل والجملة خبر المبتدأ.
المعنى: أقسمت ألا آكل شيئا من خيرات العراق، والحال أن خيره كثير وحبه وفير، وخزائنه مملوءة به، ولكثرته يأكله السوس.
الشاهد: حذف حرف الجر، وهو "على" الذي يتعدى به "الفعل" "آلى"، ونصب الاسم الذي كان مجرورا وهو "حب"، وهو ضرورة خاصة بالشعر، ومع ذلك فهو كثير في الشعر العربي.
(٢) أي حين يكون المجرور مصدرا مؤولا من حرف مصدري من أحد هذه الأحرف المصدرية الثلاثة، مع صلته، وقد سبق الكلام عليها، وإنما كان الحذف قياسا في هذه، لطولها بالصلة؛ ولأن دخول الحرف في الظاهر على موصول حرفي غير مستساغ، وقد اختلف في محلها بعد الحذف، والأقيس أنها في محل نصب وإليه ذهب المصنف، وأجازه الخليل وسيبويه، ولكنهما جعلا أقوى منه، أن يكون الحل جرًا.
стр. 512
أي بأنه، ومن أن جاءكم، ولكيلا، وذلك إن قدرت "كي" مصدرية (١)، وأهمل النحويون هنا ذكر "كي" (٢)، واشترط ابن مالك في "أن" و"أن"، أمن اللبس (٣)، فمنع الحذف في نحو: رغبت في أن تفعل، أو عن أن تفعل، لإشكال المراد بعد الحذف (٤)، ويشكل عليه: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾، فحذف الجر، مع أن المفسرين اختلفوا في المراد (٥).
(١) " كي" المصدرية لا بد أن تسبقها لام الجر التي للتعليل، لفظا أو تقديرا.
(٢) أي مع تجويزهم أن تكون "كي" مصدرية واللام مقدرة قبلها في مثل: جئت كي تكرمني، أي لكي تكرمني.
(٣) وقد أشار لذلك في النظم كما سيأتي.
(٤) فإنه لا يتضح المراد بعد الحذف، ولا يدري أهو على "عن" أو"في"، والمعنيان مختلفان، وليست هنالك قرينة تزيل هذا اللبس.
(٥) أي: وكان اختلافهم بسبب اللبس، فبعضهم قدر "في" وبعضهم قدر "عن" واستدل كل على ما ذهب إليه، ويجيب الناظم بأن الحذف هنا لقرينة كانت عند النزول يفهم منها المراد، أو أن الحذف مقصود به الإبهام على السامع، ليرتدع بذلك من يرغب فيهن لجمالهن ومالهن، ومن يرغب عنهن لدمامتهن وفقرهن.
وقد أجاز بعض المفسرين التقديرين، وفيما سبق من حكم اللازم، يقول الناظم:
وعد لازما بحرف جر … وإن حذف فالنصب للمنجر
نقلا وفي "أن" و"أن يطرد … مع أمن لبس كعجبت أن يدوا
стр. 513
فصل: لبعض المفاعيل الأصالة في التقدم على بعض: إما بكونه مبتدأ في الأصل (١)، أو فاعلا في المعنى (٢)، أو مسرحا (٣)، لفظا أو تقديرا، والآخر مقيد لفظا أو تقديرا، وذلك كـ"زيدا" في ظننت زيدا قائما (٤)، وأعطيت زيدا درهما (٥)، واخترت زيدا للقوم، أو من القوم (٦).
ثم قد يجب الأصل، كما إذا خيف اللبس، كأعطيت زيدا عمرا (٧)، أو كان الثاني محصورا (٨)، كما أعطيت زيدا إلا درهما، أو ظاهرا والأول ضمير (٩): نحو: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾.
(١) كما في باب ظن، ويجوز العكس، ولكن مراعاة الأصل أحسن.
(٢) كما في باب أعطى.
(٣) أي مطلقا، لم يتقيد بحرف من حروف الجر.
(٤) تقدم "زيدا"؛ لأنه مبتدأ في الأصل، والمبتدأ متقدم على الخبر.
(٥) تقدم "زيدا" على درهما؛ لأن زيدا فاعل في المعنى؛ لأنه الآخذ.
(٦) تقدم "زيدا"؛ لأنه غير مقيد بجار لفظا وتقديرا، فالرابطة بينه وبين الفعل أقوى؛ لأنه يتعدى إليه بنفسه و"القوم" مقيد تقديرا في الأول ولفظا في الثاني.
(٧) فيتعين أن يكون المقدم هو المفعول الأول؛ لأن كلا منهما يصلح أن يكون آخذا ومأخوذا، فلا بد من التقديم ليكون المتقدم هو الآخذ.
(٨) أي واقعا عليه الحصر؛ لأنه لو تقدم لفسد الحصر وزال الغرض منه، ولا مانع من تقديمه معه إلا؛ لأن المحصور فيه هو الواقع بعد إلا مباشرة.
(٩) أي يكون الثاني اسمًا ظاهرا، والأول ضميرا متصلًا؛ لأنه لو تأخر لانفصل، ولا يعدل عن الاتصال إلا في مسائل ليس هذا منها، ولا مانع من تقديم الثاني على الأول والفعل معا، نحو: الكتاب منحتك.
стр. 514
وقد يمتنع (١)، كما إذا اتصل الأول بضمير الثاني، كأعطيت المال مالكه (٢)، أو كان محصورا، كما أعطيت الدرهم إلا زيدا (٣). أو مضمرا، والأول ظاهر، كالدرهم أعطيته زيدا، والقوم اخترتهم عمرًا (٤).
(١) أي الأصل، فيجب تأخير ما أصله التقديم.
(٢) لأنه لو قدم الأول وهو "مالكه" لعاد الضمير على متأخر لفظا ورتبة، فإن كان الثاني هو المشتمل على ضمير يعود إلى الأول، جاز الأمران، تقول: أدخلت محمدا مدرسته، أو أدخلت مدرسته محمد.
(٣) لأن المحصور فيه واجب التأخير، ويجوز تقديمه مع "إلا" على المفعول الأول وحده دون عامله.
(٤) لأن التقديم يستلزم انفصال الضمير، ومعروف أنه إذا أمكن الاتصال لا يعدل عنه إلا الانفصال، إلا في مواضع ليس هذا منها.
والخلاصة: أنه يجب التزام الترتيب بتقديم الأول في ثلاثة مواضع، وتجب مخالفته في ثلاثة أخرى، ويجوز الأمران في غير ذلك.
وقد أشار الناظم إلى ما تقدم بإيجاز، فقال:
والأصل سبق فاعل معنى كـ"من" … من "ألبسن من زاركم نسج اليمن"
ويلزم الأصل لموجب عرى … وترك ذاك الأصل حتما قد يرى
стр. 515
فصل: ويجوز حذف المفعول لغرض: إما لفظي، كتناسب الفواصل (١)، في نحو: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، ونحو: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾، وكالإيجاز في نحو: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾.
وإما معنوي، كاحتقاره في نحو: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ﴾، أي الكافرين، أو استهجانه (٢)، كقول عائشة ﵂ (٣): "ما رأى مني ولا رأيت منه"، أي العورة.
وقد يمتنع حذفه، كأن يكون محصورا (٤)، نحو: إنما ضربت زيدا، أو جوابا، كضربت زيدا جوابا لمن قال: من ضربت؟ (٥)(١) المراد بالفواصل: نهاية الجمل المتصلة اتصالا معنويا، ومنها: رءوس الآي التي ذكرها المصنف، فقد حذف مفعول "فلا" ليكون مناسبا في وزنه لكلمة "سجا" قبلها، وحذف مفعول "يخشى"، ولم يقل "يخشاه"، لتنتهي الجملة بكلمة مناسبة في وزنها لكلمة "تشقى" التي انتهت بها الجملة السابقة.
(٢) أي استقباح التصريح يذكره، وغير ذلك من المواضع والأغراض التي يحذف فيها الفاعل كما تقدم.
(٣) تعني بذلك النبي ﵊.
(٤) لأن الحذف ينافي الحصر.
(٥) لأن الجواب هو المقصود من السؤال، وكذلك يمتنع حذف المفعول المتعجب منه بعد "ما" أفعل" في التعجب، نحو: ما أحسن الصراحة، وفي باب التنازع، إذا علمت ثاني العاملين في المتنازع فيه، وكان الأول يحتاج إلى منصوب، نحو: أكرمت وأكرمني علي؛ لأننا لو
стр. 516
فصل: وقد يحذف ناصبة إن علم، كقولك لمن سدد سهما: القرطاس، ولمن تأهب لسفر: مكة، ولمن قال: من أضرب؟ شر الناس، بإضمار: تصيب، وتريد، واضرب.
وقد يجب ذلك، كما في باب الاشتغال، كزيدا ضربته (١)، والنداء، كيا عبد الله (٢) وفي الأمثال (٣)، نحو: الكلاب على البقر (٤)، أي أرسل، وفيما جرى مجرى الأمثال (٥)، نحو: ﴿انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾، أي وأتوا، وفي التحذير بإياك، وأخواتها (٦)، نحو إياك:
أعلمنا الأول في الضمير لعاد على متأخر من غير ضرورة، وإلى بعض مواضع الحذف وامتناعه، أشار الناظم بقوله:
وحذف فضلة أجز إن لم يضر … كحذف ما سبق جوابا أو حصر
أي أجز حذف الفضلة -وهو المفعول به- إن لم يضر حذفها، ومن ذلك: ما سيقت جوابا لسؤال، أو وقعت محصورة على النحو الذي بيناه.
(١) لأن يجمع بين المفسر والمفسر كما بينا.
(٢) لأن حرف النداء عوض عن العامل المحذوف وجوبا، ولا يجمع بين العوض والمعوض.
(٣) أي المسموعة عن العرب بالنصب، والأمثال: جمع مثل، وهو كلام يشبه مضربه بمورده، أي يشبه ما يستعمل فيه بما وضع له في الأصل، فإذا ورد الفعل في المثل محذوفا، لا يذكر؛ لأن الأمثال لا تغير.
(٤) المراد بالبقر: بقر الوحش، ومعناه: اترك الناس وشأنهم، واسلك أنت طريق السلامة.
(٥) أي في كثرة الاستعمال، وحسن الاختصار، وهو كل كلام اشتهر وشاع، وجرى على الألسنة فصار كالمثل، وهو يستعمل فيما وضع له، بخلاف المثل فإنه يستعمل في غير ما وضع له، للمشابهة بين ما وضع له، وما يستعمل فيه، على طريق الاستعارة التمثيلية.
(٦) وهي ضمائر الخطاب المنفصلة.
стр. 517
والأسد (١)، أي إياك باعد واحذر الأسد، وفي التحذير بغيرها، بشرط عطف أو تكرار، نحو: رأسك السيف، أي باعد واحذر، ونحو: الأسد الأسد، وفي الإغراء بشرط أحدهما (٢)، نحو: المروءة والنجدة ونحو: السالح السلاح، بتقديم الزم.
(١) فإياك مفعول منصبو محلا بفعل محذوف وجوبا، يقدر متأخرا، لئلا يتصل الضمير المنفصل، و"الأسد" لفعل محذوف وجوبا، يقدر متقدما، وإنما وجب الحذف لينتبه السامع بسرعة، ويبتعد عن الهلاك.
(٢) أي العطف، أو التكرار، ووجب الحذف، لقيام العطف أو التكرار مقام العامل، وفي حذف الناصب للفضلة يقول الناظم:
ويحذف الناصبها إن علما … وقد يكون حذفه ملتزما
أي يجوز حذف ناصب الفضلة -المفعول به- إن كان الناصب معلوما ومعروفا بقرينة تدل عليه وقد يكون الحذف لازما لا بد منه، كما ذكرنا.
خاتمة:
ننقل هنا ما حررناه في هذا الموضع، في كتابنا: "التوضيح والتكميل لشرح ابن عقيل"، صفحة ٣٧٥، ففيه غناء عن التغيير:
أولا: يصير المتعدي لازما أو في حكم اللازم بما يأتي:
١ التضمين لمعنى فعل لازم، نحو قوله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، فإن "يخالف" متعد في الأصل بنفسه، ولكنه ضمن معنى "يخرج" اللازم، فعدى بحرف الجر وهو "عن"، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾، فتعدوا بمعنى تتجاوز متعد بنفسه، ولكنه ضمن معنى "تنصرف" الذي يتعدى بحرف الجر وهو "عن"، أي تنصرف وتبعد. والتضمين: أن يؤدي فعل أو ما في معناه، مؤدى فعل آخر، أو ما في معناه فيعطي حكمه في التعدي واللزوم.
وقد قرر مجمع اللغة العربية أنه قياسي بشروط ثلاثة.
стр. 518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أ تحقيق المناسبة بين الفعلين، فلا يحمل الفعل معنى بعيدا عن معناه الوضعي، ولهذا لا يجوز: أكلت إلى الفاكهة على تضمين أكل، معنى "مال".
ب وجود قرينة تدل على ملاحظة الفعل الآخر، ويؤمن معها اللبس، وأشهر القرائن: حرف الجر الذي يتعدى به الفعل، ولم يك من حقه أن يتعدى به.
ج ملاءمة التضمين للذوق العربي ولا يلجأ للتضمين إلا لغرض بلاغي.
٢ تحويل الفعل الثلاثي إلى صيغة "فعل"، إما بقصد المبالغة في قصد الفعل والتعجب منه، نحو: فهم محمد أي ما أفهمه، أو بقصد المدح والذم، نحو: سبق السباح، وقنع الغنى، ومنع الاقدر وحبس، عند الذم بمعنى المعوبة.
٣ مطاوعة المتعدي لواحد، لآخر لازم، نحو: هدمت الحائط فانهدم.
٤ ضعف العامل عن العلم، إما بتأخيره عن المعمول نحو: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾، وإما بكونه فرعا في العمل كالمشتق، نحو: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. وتسمى لام الجر هنا: لام التقوية؛ لأنها تساعد ما قبلها على الوصول للمفعول.
٥ ضرورة الشعر، كقوله:
تبلت فؤادك في المنام خريدة … تسقي الضجيع ببارد بسام
تبلت فؤادك: أصابته بالمرض وذهبت به بسبب الحب، خريدة: امرأة حسناء. الضجيج: المضاجع، ببارد بسام: بريق بارد، بسام محله، فقد عدي تسقي -وهو ينصب مفعولين بنفسه- إلى الثاني بالياء، لضرورة الشعر.
ثانيا: يصير اللازم متعديا بالأشياء الآتية:
١ إذا دخلت عليه همزة النقل، تلك الهمزة التي تنقل معنى الفعل إلى مفعوله، ويصير بها الفاعل مفعولا، وهي قياسية في اللازم، وقيل فيه: وفي المتعدي إلى واحد، وقد قرر مجمع اللغة العربية: أن تعدية الفعل الثلاثي اللازم -بالهمزة- قياسية.
٢ إذا ضعفت عينه ما لم تكن همزة، نحو: نومت الطفل، ومنه: ﴿نزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَاب﴾، والتضعيف سماعي في اللازم، وفي المتعدي لواحد، على أرجح الأقوال.
٣ إذا دل على مفاعلة: نحو: جالست الأدباء وماشيت العلماء.
٤ إذا كان على وزن "استعفل" للطلب، أو النسبة إلى الشيء، نحو: استعنت بالله.
стр. 519
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واستخرجت الماء، واستحسنت التسامح، واستقبحت التمادي في الظلم.
٥ صوغ الفعل على "فعلت" بالفتح "أفعل" بالضم، لقصد الغلبة، نحو: أكرمت عليا أكرمه، أي غلبته في الكرم وشرفت الفارس أشرفه.
٦ التضمين كما تقدم، نحو: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاح﴾، أي لا تنووا، فقد عدى "تعزم" إلى المفعول به مباشرة للتضمين، مع أنه "عزم" لا يتعدى إلا بعلى.
٧ إذا سقط معه الجار توسعا، نحو: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُم﴾، أي عن أمره: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد﴾، أي عليه، وهذا مقصور على السماع.
تنبيهات:
أ يمتاز التضمين عن بقية وسائل التعدية، بأنه قد ينقل الفعل اللازم إلى أكثر من مفعول، نحو: لا آلوك نصحا، فقد عدي "ألا" بمعنى قصر -وهو لازم- إلى مفعولين، لتضمنه معنى "امنع"، أي لا أمنعك.
ب التعدية بحرف الجر ليست مقصورة على الثلاثي اللازم، بل تشمل كذلك المتعدي لواحد أو أكثر، فإنه يتعدى لغيره بالجار، كما وضحه الصبان.
ج الكلمات التي سمع عن العرب نصبها على حذف حرف الجر، لا يجوز القياس عليها، كم لا يجوز أن تنصب إلا مع الفعل الذي وردت معه مسموعة، مثل: توجهت مكة، وذهبت الشام، وذلك منعا للخلط والإفساد، وقد أشير إلى هذا قبل.
стр. 520
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسئلة والتمرينات:
١ عرف كلا من الفعل المتعدي واللازم، واذكر علامة كل منهما، مع التمثيل.
٢ اذكر ثلاثة من أنواع الأفعال التي لا تكون إلا لازمة، وائت بأمثلة موضحة.
٣ كيف يمكن أن يتعدى الفعل اللازم؟ ومتى ينقاس حذف الجار؟ مثل لما تقول.
٤ اذكر المواضع التي يجب فيها تقديم المفعول الأول على الثاني، والتي يمتنع فيها ذلك.
٥ اشرح قول الناظم:
وحذف فضلة أجز إن لم يضر … كحذف ما سبق جوابا أو حصر
٦ فيما يأتي شواهد لبعض موضوعات هذا الباب، بين موضع الشاهد
قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.
﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُم﴾.
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾.
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾.
﴿إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.
﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾.
﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾.
﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
في الأمثال: أحشفا وسوء كيلة، مرحى لك وأهلا وسهلا.
ما في الحياة لأن تعا … تب أو تحاسب متسع
ومنا الذي اختير الرجال سماحة … وخيرا إذا هب الرياح الزعازع
وما زرت ليلى أن تكون حبيبة … إلي ولا دين بها أنا طالبه
٧ اذكر موضعين يجب فيهما حذف عامل المفعول، وآخرين يمتنع فيهما الحذف، ومثل لما تقول.
٨ قد يحذف المفعول، فلم؟ أذكر ثلاثة من أغراض ذلك، وهات أمثلة من إنشائك.
٩ بين في الأساليب الآتية: العامل، مذكورا أو محذوفا، والمعمول، ونوع الأسلوب:
مر رسول الله ﷺ على عمار بن ياسر وهو يعذب فقال: "صبرا آل ياسر، فإن
стр. 521
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
موعدكم الجنة"، وشاهد عمر بن الخطاب يوما في الجنود هزالا وتغير ألوان، سأل قائدهم: ما الذي غير ألوان العرب ولحومهم؟ فأجابه: وخومة المدائن. أتفرقا أبناء العروبة، والمستعمرون يتربصون بكم الدوائر؟ فالوفاق الوفاق. والعمل العمل، وإياكم والتهاون، فالحياة جهاد وكرامة، وويل المقصرين من سوء العقابة، والله ما قلت إلا حقا، التجديد والتطرو في أساليب الدفاع، فإن القادة منا -معشر العرب- مغرمون بالتمسك القديم، ولكن التطور سنة الحياة.
١٠ أعرب البيت الأتي واشرحه، وبين سبب العامل فيه، وهو للبحتري:
وإذا عز معشر زال يوما … منع السيف عزهم أن يزولا
١١ اذكر ثلاثة من الأشياء التي يصير بها الفعل المتعدي لازما، ومثلها مما يصير بها اللازم متعديا، ومثل لما تقول.
١٢ ما الأغراض التي يحول بها الفعل الثلاثي إلى "فعل"؟ وضح ما تقوله بأمثلة من عندك.
стр. 522
هذا باب التنازع (١) في العمل:
ويسمى أيضًا باب الإعمال، وحقيقته أن يتقدم فعلان (٢) متصرفان، أو اسمان يشبهانهما (٣)، أو فعل متصرف واسم يشبهه، ويتأخر عنهما غير سببي مرفوع (٤)، وهو مطلوب لكل منهما من حيث المعنى (٥).
مثال الفعلين: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ (٦)، ومثال الاسمين قوله:
هذا باب التنازع في العمل:
(١) التنازع معناه لغة: التجاذب، واصطلاحا ما ذكره المصنف.
(٢) أي مذكوران، فلا تنازع بين عاملين محذوفين، أو محذوف أحدهما، وقد يكون التنازع بين أكثر من عاملين كما سيأتي.
(٣) أي في العمل لا في التصرف بدليل التمثيل بقوله -تعالى-: ﴿هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾، فإن "ها" اسم فعل جامد، والمراد بالاسم المشبه هنا: اسم الفاعل واسم المفعول، والمصدر اسمه، واسم الفعل.
(٤) أو غير مرفوع؛ لأنه يلزم عليه إسناد أحدهما على السببي، والآخر إلى ضميره، فيكن رافع ضمير السببي حاليا من رابط يربطه بالمبتدأ، نحو: زيد قام وقعد أخوه، يحمل على أن السببي، وهو "أخوه" مبتدأ ثان، والعاملان قبله مع ضميريهما خبران عنه، وهذا الشرط لم يذكره النحاة.
(٥) سواء كان الطلب على جهة التوافق في الفاعلية أو المفعولية، أو مع التحالف فيهما.
هذا: ولا بد أن يكون بين العاملين نوع من الارتباط، إما بالعطف مطلقا، نحو: أشكر وأحمد الله، أو بأن يكون المتأخر جوابا في المعنى عن السابق، نحو قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، أو معمولا له. نحو قوله سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾. أو يكون العاملان خبرين عن اسم، نحو: المعلم مؤاخ معاقب المهمل، أو غير ذلك من عوامل الربط.
(٦) فـ"آتوني" يطلب "قطرا" على أنه مفعول ثان، وأفرغ" يطلبه على أنه مفعول أول. وقد أعمل الثاني فيه، وأعمل الأول في ضميره، وحذف؛ لأنه فضلة. لو أعمل الأول في "قطرا" لذكر ضميره في الثاني وقيل: أفرغه، والقطر: النحاس المذاب.
стр. 523
عهدت مغيثًا مغنيا من أجرته (١)
ومثال المختلفين: ﴿هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (٢).
وقد تتنازع ثلاثة، وقد يكون التنازع فيه متعددا، وفي الحديث: "تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين"، فتنازع ثلاثة في اثنين: ظرف، ومصدر (٣).
(١) صدر بيت من الطويل، لم نقف على قائله، وعجزه:
فلم أتخذ إلافناءك موئلا
اللغة والإعراب: عهدت: أي عهدك الناس وعرفوك، مغيثا: منجدا، وهو اسم فاعل من الإغاثة، وهي النجدة، مغنيا: اسم فاعل من الإغناء، وهو ضد الإقفار، أجرته: أي حميته من عدوه أو كنت له جارا، فناءك الفناء: ساحة الدار والمراد بالجوار والقرب موئلا: ملجأ، وهو اسم مكان من وأل إليه، أي لجأ: "عهدت" فعل للمجهول، والتاء نائب فاعل: مغيثا مغنيا حالان من التاء. "من" اسم موصول مفعوله، تنازعه كل من مغيثا ومغنيا، فأعمل الثاني لقربه. "جرته" فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول. "إلا" حرف استثناء ملغاة، "فناءك" مفعول أول لأتخذ ومضاف إليه، "موئلا" مفعول ثان له.
المعنى: عرفت بإغاثة المظلوم ونجدته، وإغناء من يستجير بك ويلجأ إليك، فلهذا لم ألجأ إلى أحد سواك، ولم أتخذ غير جوارك موئلا ألجأ إليه.
الشاهد: تقدم العاملين الاسمين المشبهين للفعل وهما: مغيثا ومغنيا، وقد تأخر عنهما معمول واحد، وهو "من"، وهما صالحان للعمل، فأعمل الثاني لقربه، وأعمل الأول في ضميره ثم حذف؛ لأنه فضلة، ولو ذكره لقال: عهدت مغيثة.
(٢) "هاؤم" اسم فعل بمعنى أخذ والميم علامة الجمع، والأصل هاكم، أبدلت الكاف واو، ثم الواو همزة "اقرءوا" فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، "كتابيه" مفعول تنازعه الفعلان، فاعمل الثاني لقربه، وحذف من الأول: هاؤموه.
(٣) الظرف قوله: "دبر" ونائب المصدر "ثلاثا"، وهو مفعول مطلق مبين للعدد، وقد أعمل الأخير لقربه، فنصب "دبر" على الظرفية، و"ثلاثا" على المفعولية المطلقة لنيابته عن المصدر، وأعمل الأولين في ضميرهما وحذفهما؛ لأنهما فضلتان، والأصل: تسبحون الله فيه إياها، ولو أعمل الأول لأضمر عقب الثاني والثالث فيه إياها، ولو أعمل الثاني لأضمر ذلك عقب الثالث.
стр. 524
وقد علم مما ذكرته (١) أن التنازع لا يقع بين حرفين (٢)، ولا بين حرف وغيره، ولا بين جامدين (٣)، ولا بين جامد وغيره (٤)، وعن المبرد إجازته في فعلي التعجب، نحو: ما أحسن وأجمل زيدا، وأحسن به وأجمل بعمرو (٥)، ولا في معمول متقدم (٦)، نحو أيهم ضربت وأكرمت أو شتمته، خلافا لبعضهم (٧)، ولا في معمول متوسط، نحو: ضربت زيدا وأكرمت (٨)، خلافا للفارسي، ولا في نحو:
فهيهات هيهات العقيق ومن به (٩)(١) أي في تعريف التنازع من أن حقيقته: أن يتقدم فعلان … إلخ.
(٢) أي: لضعف الحرف؛ ولأنه لا يضمر فيه، وصحة الإضمار شرط في المتنازعين.
(٣) لأن التنازع يقع فيه الفصل بين العامل والمعمول، والجامد لا يفصل بينه وبين معموله لضعفه.
(٤) ينبغي أن يقيد ذلك مما إذا كان الجامد هو الفعل، وكان متقدما فإن كان الجامد غير الفعل، نحو: ﴿هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ جاز، وكذلك إذا تأخر، نحو: أعجبني، ولست مثل محمد.
(٥) أعمل الثاني في المثالين، وجاء في المثال الثاني مع الأول المهمل بالضمير المجرور الباء، ولم يحذفه؛ لأنه فاعل وهو عمدة وهو الصحيح، ويجب حذفه عند القائلين بأنه فضلة، وتقول في المثالين على إعمال الأول، ما أحسن وأجمله زيد، وأحسن به لعمرو.
(٦) لأن الثاني لا يأتي إلا بعد أن يكون الأول قد أخذ معموله المتقدم.
(٧) هو بعض المغاربة، حيث أجاز التنازع في المتقدم مستدلا بقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، ولا دلالة له في ذلك؛ لأن الأول أخذ المعمول، ومعمول الثاني محذوف لدلالة الأول عليه.
(٨) لأن الأول استقل بالمعمول قبل مجيء الثاني، وقد اشترطنا في التعريق تقدم العاملين.
(٩) صدر بيت من الطويل: لجرير الشاعر الأموي، وعجزه:
وهيهات خل بالعقيق نواصله
стр. 525
خلافا له وللجرجاني (١)؛ لأن الطالب للمعمول إنما هو الأول، وأما الثاني فلم يؤت به للإسناد، بل لمجرد التقوية، فلا فاعل له، ولهذا قال:
أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس (٢)
اللغة والإعراب: هيهات اسم فعل ماض بمعنى بعد، العقيق: مكان بالحجاز: خل خليل وصديق، نواصله: نصله، من المواصلة والوصال: "هيهات" الثانية توكيد للأولى، العقيق فاعل الأولى، و"من" اسم موصول معطوف على العقيق، "به" جاز ومجرور متعلق بمحذوف صلة من، "خل" فاعل هيهات الثالثة، "بالعقيق" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير المفعول في "نواصله"، وهو فعل مضارع والفاعل نحن والهاء مفعول، والجملة صفة لخل.
المعنى: بعد عنا كثيرا ذلك الموضع ومن يقطن به من الأحباب والأصدقاء، وبعد الصديق والحبيب الذي كنا نتصل به ويتصل بنا، ونصله ويصلنا.
الشاهد: في "هيهات هيهات العقيق"، فهو ليس من قبيل التنازع؛ لأن العامل هو الأول، وإنما جيء بالثاني لتقوية الأول وتوكيده، كأن الشارع استشعر التردد أو التشكك في بعد هذا الكان، فأتى بهيهات الثانية ليؤكد البعد، وعلى ذلك فليس المعمول مطلوبا لهما معا، وإنما هو مطلوب في المعنى الأول لا غير.
(١) هو أبو بكر، عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني النحوي، كان من كبار أئمة النحو والبلاغة يجرجان، أخذ النحو عن محمد بن الحسين بن عبد الوارث، المعروف بالفضل، وهو ابن أخت الفارسي، ولم يأخذ عن غيره؛ لأنه لم يخرج من بلده، وقرأ ونظر في تصانيف النحاة، وشدت إليه الرحال، وكان ﵀ ضيق العطن، لا يستوفي في الكلام على ما يذكره مع قدرته على ذلك، وله تصانيف كثيرة، منها: شرح الإيضاح والجمل، وإعجاز القرآن. ومات سنة ٤٨٤ هـ، ومن شعره:
كبر على العلم يا خليلي … ومل إلى الجهل ميل هائم
وعش حمارا تعش سعيدا … فالسعد في طالع البهائم
(٢) عجز بيت من الطويل، لم نقف على قائله، وصدره:
فأين إلى أين النحاة ببغلتي
اللغة والإعراب: البغلة: أنثى البغال، والواحد بغل. "فأين" الفاء عاطفة، وأين اسم
стр. 526
ولو كان من التنازع لقال: "أتاك أتوك" (١) أو: أتوك أتاك" (٢)، ولا في نحو:
"وعزة ممطول معنى غريمها" (٣)
استفهام متعلق بمحذوف، أي فأين أذهب. "إلى أين" جار ومجرور خبر مقدم، "النحاة" مبتدأ مؤخر، "أتاك" فعل ومفعول، "أتاك" الثانية توكيد له "اللاحقون" فاعل أتاك الأولى.
"احبس" فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر للتخلص من الساكنين، والفاعل أنت، "احبس" الثانية تكيد والمفعول محذوف، أي احبس نفسك.
المعنى: أين أذهب؟ وإلى أين مكان أنجو ببغلتي؟ وقد جاء الذين يلاحقونني ويطلبوني فلا مفر من أن يستسلم الإنسان للقدر ويقف حيث هو، وليكن ما يكون، والظاهر أن الشاعر كان فارا من قوم يلاحقونه، فخاطب
نفسه بذلك.
الشاهد: في "أتاك أتاك اللاحقون"، فهو ليس من باب التنازع، وقد بين المصنف سبب ذلك، والعامل هو الأول، أما الثاني فلمجرد تقوية الأول وتأكيده، من باب تأكيد الفعل للفعل.
(١) أي على إعمال الأول.
(٢) أي إذا أعمل الثاني، وقيل المرفوع في البيتين فاعل بالعاملين؛ لأنهما لاتحاد لفظهما ومعناهما، كأنهما عامل واحد.
(٣) عجز بيت من الطويل، لكثير بن عبد الرحمن، ألمعروف بكثير عزة، وصدره:
قضى كل ذي دين فوفى غريمه
اللغة والإعراب: الغريم: المدين الذي عليه الدين، وهو أيضا: الذي له الدين ويستحقه، وهو المراد هنا، ممطول: اسم مفعول من المطل، وهو التسويف في قضاء الدين معنى: اسم مفعول منعناه الأمر يعنيه، إذا شق عليه وسبب له العناء والتعب، "كل" فاعل قضى "ذي دين" مضاف إليه، "فوفى" الفاء عاطفة ووفى فعل ماض. "غريمه" مفعول "وعزة" الواو للحال، وعزة مبتدأ، ممطول معني" خبران مقدمان لغريمها الواقع مبتدأ ثانيا ومضاف إليه، والمبتدأ الثاني وخبره خبر الأول.
المعنى: أن كل مدين وفي ما عليه من دين لصاحب الدين، إلا عزة، فإنها تماطل غريمها وتتعبه ولا توفيه حقه، يقصد بذلك أنها لا تعطف على محبها ولا تصله.
стр. 527
بل "غريمها" مبتدأ، وممطول، و"معنى" خبران، أو"ممطول" "خبر و"معنى" صفة له، أو حال من ضميره (١)، ولا يمتنع التنازع في نحو: زيد ضرب وأكرم أخاه؛ لأن السببي منصوب (٢).
فصل: إذا تنازع العاملان جاز إعمال أيهما شئت باتفاق (٣)، واختار الكوفيون الأول لسبقه والبصريون الأخير لقربه (٤).
وتتعبه ولا توفيه حقه، يقصد بذلك أنها لا تعطف على محبها، ولا تصله.
الشاهد: أن هذا ليس من التنازع، وإن كان ظاهرا أن كلا من ممطول، ومعنى يطلبان "غريمها" على أنه نائب فاعل؛ لأن شرط التنازع عند الناظم والمصنف: ألا يكون المتنازع فيه سببيا مرفوعا، ولو جعل من باب التنازع، كان "غريمها" سببًا؛ لأنه اسم ظاهر مضاف إلى ضميره عزة، وهو مرفوع؛ لأنه نائب فاعل حينئذ، ولهذا خرجه المصنف كما ترى.
(١) أي المستتر فيه، والمرفوع على النيابة عن الفاعل، العائد إلى غريمها، وغريمها وخبره، خبر عزة.
(٢) أي بأحد العاملين، والرابط هو الضمير المستتر، أو المضاف إليه السببي، وقيل: بامتناع التنازع السببي المنصوب كالمرفوع؛ لأنك لو أعملت الأول أو الثاني، فلا بد من ضمير يعود على السببي، وضمير السببي لا يتقدم عليه، قال ابن خروف: لأنه لو تقدم لكان عوضا عن اسمين: مضاف ومضاف إليه، وهذا لا سبيل إليه، فالوجه امتناع التنازع في السببي مطلقا: مرفوعا أو منصوبا، قال صاحب التصريح: "ولا يقع التنازع في الاسم المرفوع بعد "إلا" على الصحيح كقول الشاعر:
ما صاب قلبي وأضناه وتيمه … إلا كواعب من ذهل بن شيبانا
لأنه لو كان من باب التنازع، لزم إخلاء العامل الملغي من الإيجاب، ولزم كذلك في مثل: ما قام وقعد إلا أنا، إعادة ضمير غائب على حاضر.
(٣) أي من البصريين والكوفيين، فقد سمع عن العرب إعمال كل منهما. والخلاف بينهما إنما هو المختار، لا في أصل الجواز.
(٤) ما جاء من التنازع في آي القرآن الكريم، وفي الحديث الشريف، جاز على إعمال العامل
стр. 528
فإن أعلمنا الأول في المتنازع فيه، أعملنا الأخير في ضميره (١)، نحو: قام وقعدا، أو: وضربتهما، أو مررت بهما، أخواك، وبعضهم يجيز حذف غير المرفوع؛ لأنه فضلة، كقوله:
بعكاظ يعشي الناظريـ … ـن إذا هم لمحوا شعاعه (٢)
الأقرب إلى المعمول، وهذا يرجح إلى رأي البصريين:
وفيما تقدم يقول الناظم:
إن عاملان اقتضيا في اسم عمل … قبل فللواحد منهما العمل
والثان أولى عند أهل البصرة … واختار عكسا غيرهم ذا أسره
أي إن وجد عاملان يتطلبان عملا في اسم ظاهر، وكانا قبله، فلواحد منهما العمل دون الآخر، وإعمال الثاني أولى عند البصريين لقربه، واختار غيرهم - وهم الكوفيون- العكس، وهوإعمال الأول لسبقه. ومعنى ذا أسرة: صاحب رابطة علمية قوية.
(١) سواء أكان مرفوعا، أم منصوبا، أم مجرورًا، وقد مثل المصنف لذلك، ولما كان المعمول المتناع فيه هو مرجع الضمير، كان لا بد من المطابقة بينهما مطابقة تامة، في الإفراد والتذكير، وفروعهما، وقبل هذا البيت.
سائل بنا في قومنا … وليكف من شر سماعه
قيسا وما جمعوا لنا … في مجمع باق شناعه
(٢) بيت من الكامل، لعاتكة بنت عبد الملطب عمة النبي، تصف سلاح قومها.
اللغة والإعراب: عكاظ: موضع بناحية مكة. كانت تقام فيه سوق للعرب في الجاهلية كل سنة، تمكث شهر ذي القعدة، يتبايعون فيه، ويناشدون الأشعار ويتفاخرون،
стр. 529
ولنا (١): أن في حذفه تهيئة العامل للعمل، وقطعه عنه (٢)، والبيت ضرورة.
وإن أعملنا الثاني: فإن احتاج الأول لمرفوع، فالبصريون يضمرونه لامتناع حذف العمدة؛ ولأن الإضمار قبل الذكر قد جاء في غير هذا الباب، نحو: ربه رجلا، ونعم رجلا (٣)، وفي الباب (٤)، نحو: ضربوني وضربت قومك، حكاه سيبويه، وقال الشاعر:
جفوني ولم أجف الأخلاء إنني (٥)
فلما جاء الإسلام، هدم ذلك كله، يعشى: مضارع أعشاه، إذا أصابه بالعشا، وهو
ضعف البصر ليلا، والمراد هنا ضعف البصر مطلقا، لمحوا: من اللمح، وهو سرعة إبصار الشيء. شعاعه: ضوؤه وبريقه، "بعاظ" متعلق بمجمع في البيت قبله، وهو ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث، "يعشى" فعل مضارع، "الناظرين" مفعول به، "إذا" فجائية. "هم" مبتدأ، "لمحوا" فعل ماض وفاعل، والجملة خبر المبتدأ، "شعاعه" فاعل يعشى ومضاف إليه، ويجوز أن يعرب "هم" فاعل لمحذوف، ويفسره "لمحوا"، وتكون الجملة مفسرة.
المعنى: أن سلاح قومها حين عرض بعكاظ، كان ضوؤه وشدة لمعانه وبريقه، يضر بصر الناظرين، إذا نظروا إليه، وروي: يعشى، أي يغطي، كأن البرق واللمعان عم الجيمع.
الشاهد: تنازع "يعشى" ولمحوا" العمل في "شعاعه"، وقد أعمل الأولى، ورفع شعاعه على أنه فاعل، وأعمل الثاني في ضميره فنصبه على أنه مفعول، ثم حذف؛ لأنه فضلة، ولو ذكره لقال: إذا هم لمحوه شعاعه، وهذا الحذف لضرورة الشعر عند البصريين.
(١) أي معشر البصريين، من الأدلة على امتناع حذف غير المرفوع.
(٢) فقد هيئ "لمحوا" للعمل في "شعاعه"، ثم قطع عن العمل فيه، برفعه على الفاعلية ليعشى من غير داع، بخلاف حذف الفضلة مع الأول، ففيه الفرار من الإضمار قبل الذكر، مع أنه فضلة.
(٣) فـ"رجلًا" فيهما تمييزللمجرور برب، والمرفوع فاعلا بنعم، والتمييز رتبته التأخير، فقد عاد الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وهو التمييز.
(٤) أي: وجاء كذلك الإضمار قبل الذكر في هذا الباب الذي نحن فيه، كمثال المصنف.
(٥) صدر بيت من الطويل، لم يعرف قائله، وعجزه:
стр. 530
والكسائي وهشام والسهيلي يوجبون الحذف (١)، تمسكا بظاهر قوله:
تعفق بالأرطى لها وأرادها … رجال. . . . . . . . . . . (٢)
إذا لم يقل: تعففوا ولا أرادوا.
لغير جميل من خليلي مهمل
اللغة والإعراب: جفوني: من الجفاء، وهو ترك المودة، الأخلاء: جمع خليل وهو الصديق، جميل: أمر حسن. مهمل تارك، وهو اسم فاعل من أهمل الأمر، إذا لم يعبأ به، ولم يلق إليه بإلا، "جفوني" فعل ماض وواو الجماعة العائدة على الأخلاء -بعده- فاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول، "ولم أجف" جازم ومجزوم. "الأخلاء مفعول أجف "إنني" إن واسمها، والنون للوقاية، "لغير جميل" جار ومجرور متعلق بمهمل، الواقع خبرا؛ لأن ومضاف إليه، "من خليلي" جار ومجرور صفة لجميل المنفي.
المعنى: هجرني الأصدقاء وقطعوا مودتي وصلتي، وتتبعوا عوراتي، ولم يقوموا بواجب الصداقة، من البر والوفاء. أما أنا فلم أقابلهم بالمثل؛ لأني أهمل وأترك ما ليس بحسن من أفعال أصدقائي.
الشاهد: إعمال العامل الثاني، وهو "لم أجف" في الأخلاء، فنصبه على أنه مفعول به، وإعمال العامل الأول، وهو "جفوني" في ضميره، وهو واو الجماعة، ولزم على ذلك عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وهو جائز في هذا الباب.
(١) أي حذف الضمير المرفوع، فرارا من الإضمار قبل الذكر.
(٢) جزء من بيت الطويل، لعلقمة بن عبدة، يمدح الحارث بن جبلة الغساني، وهو بتمامه:
تعفق بالأرطى لها وأرادها … رجال فبذت نبلهم وكليب
اللغة والإعراب: تعفق: استتر. الأرطى شجر له نور وثمر، كالعناب مر تأكله الإبل، الواحدة: أرطأة، فبذت. فغلبت. نبلهم سهامهم. كليب: جمع كلب، كعبيد جمع عبد، "بالأرطى" جار ومجرور متعلق بالفعل تعفق، "لها" متعلق به أيضا، واللام للتعليل، والضمير للبقرة الوحشية، التي يستتر لاصطيادها الرجال "رجال" فاعل أرادها، "نبلهم" مفعول بذت ومضاف إليه. "وكليب" معطوف على رجال.