ولو كان من التنازع لقال: "أتاك أتوك" (١) أو: أتوك أتاك" (٢)، ولا في نحو:
"وعزة ممطول معنى غريمها" (٣)
استفهام متعلق بمحذوف، أي فأين أذهب. "إلى أين" جار ومجرور خبر مقدم، "النحاة" مبتدأ مؤخر، "أتاك" فعل ومفعول، "أتاك" الثانية توكيد له "اللاحقون" فاعل أتاك الأولى.
"احبس" فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر للتخلص من الساكنين، والفاعل أنت، "احبس" الثانية تكيد والمفعول محذوف، أي احبس نفسك.
المعنى: أين أذهب؟ وإلى أين مكان أنجو ببغلتي؟ وقد جاء الذين يلاحقونني ويطلبوني فلا مفر من أن يستسلم الإنسان للقدر ويقف حيث هو، وليكن ما يكون، والظاهر أن الشاعر كان فارا من قوم يلاحقونه، فخاطب
نفسه بذلك.
الشاهد: في "أتاك أتاك اللاحقون"، فهو ليس من باب التنازع، وقد بين المصنف سبب ذلك، والعامل هو الأول، أما الثاني فلمجرد تقوية الأول وتأكيده، من باب تأكيد الفعل للفعل.
(١) أي على إعمال الأول.
(٢) أي إذا أعمل الثاني، وقيل المرفوع في البيتين فاعل بالعاملين؛ لأنهما لاتحاد لفظهما ومعناهما، كأنهما عامل واحد.
(٣) عجز بيت من الطويل، لكثير بن عبد الرحمن، ألمعروف بكثير عزة، وصدره:
قضى كل ذي دين فوفى غريمه
اللغة والإعراب: الغريم: المدين الذي عليه الدين، وهو أيضا: الذي له الدين ويستحقه، وهو المراد هنا، ممطول: اسم مفعول من المطل، وهو التسويف في قضاء الدين معنى: اسم مفعول منعناه الأمر يعنيه، إذا شق عليه وسبب له العناء والتعب، "كل" فاعل قضى "ذي دين" مضاف إليه، "فوفى" الفاء عاطفة ووفى فعل ماض. "غريمه" مفعول "وعزة" الواو للحال، وعزة مبتدأ، ممطول معني" خبران مقدمان لغريمها الواقع مبتدأ ثانيا ومضاف إليه، والمبتدأ الثاني وخبره خبر الأول.
المعنى: أن كل مدين وفي ما عليه من دين لصاحب الدين، إلا عزة، فإنها تماطل غريمها وتتعبه ولا توفيه حقه، يقصد بذلك أنها لا تعطف على محبها ولا تصله.
стр. 527
بل "غريمها" مبتدأ، وممطول، و"معنى" خبران، أو"ممطول" "خبر و"معنى" صفة له، أو حال من ضميره (١)، ولا يمتنع التنازع في نحو: زيد ضرب وأكرم أخاه؛ لأن السببي منصوب (٢).
فصل: إذا تنازع العاملان جاز إعمال أيهما شئت باتفاق (٣)، واختار الكوفيون الأول لسبقه والبصريون الأخير لقربه (٤).
وتتعبه ولا توفيه حقه، يقصد بذلك أنها لا تعطف على محبها، ولا تصله.
الشاهد: أن هذا ليس من التنازع، وإن كان ظاهرا أن كلا من ممطول، ومعنى يطلبان "غريمها" على أنه نائب فاعل؛ لأن شرط التنازع عند الناظم والمصنف: ألا يكون المتنازع فيه سببيا مرفوعا، ولو جعل من باب التنازع، كان "غريمها" سببًا؛ لأنه اسم ظاهر مضاف إلى ضميره عزة، وهو مرفوع؛ لأنه نائب فاعل حينئذ، ولهذا خرجه المصنف كما ترى.
(١) أي المستتر فيه، والمرفوع على النيابة عن الفاعل، العائد إلى غريمها، وغريمها وخبره، خبر عزة.
(٢) أي بأحد العاملين، والرابط هو الضمير المستتر، أو المضاف إليه السببي، وقيل: بامتناع التنازع السببي المنصوب كالمرفوع؛ لأنك لو أعملت الأول أو الثاني، فلا بد من ضمير يعود على السببي، وضمير السببي لا يتقدم عليه، قال ابن خروف: لأنه لو تقدم لكان عوضا عن اسمين: مضاف ومضاف إليه، وهذا لا سبيل إليه، فالوجه امتناع التنازع في السببي مطلقا: مرفوعا أو منصوبا، قال صاحب التصريح: "ولا يقع التنازع في الاسم المرفوع بعد "إلا" على الصحيح كقول الشاعر:
ما صاب قلبي وأضناه وتيمه … إلا كواعب من ذهل بن شيبانا
لأنه لو كان من باب التنازع، لزم إخلاء العامل الملغي من الإيجاب، ولزم كذلك في مثل: ما قام وقعد إلا أنا، إعادة ضمير غائب على حاضر.
(٣) أي من البصريين والكوفيين، فقد سمع عن العرب إعمال كل منهما. والخلاف بينهما إنما هو المختار، لا في أصل الجواز.
(٤) ما جاء من التنازع في آي القرآن الكريم، وفي الحديث الشريف، جاز على إعمال العامل
стр. 528
فإن أعلمنا الأول في المتنازع فيه، أعملنا الأخير في ضميره (١)، نحو: قام وقعدا، أو: وضربتهما، أو مررت بهما، أخواك، وبعضهم يجيز حذف غير المرفوع؛ لأنه فضلة، كقوله:
بعكاظ يعشي الناظريـ … ـن إذا هم لمحوا شعاعه (٢)
الأقرب إلى المعمول، وهذا يرجح إلى رأي البصريين:
وفيما تقدم يقول الناظم:
إن عاملان اقتضيا في اسم عمل … قبل فللواحد منهما العمل
والثان أولى عند أهل البصرة … واختار عكسا غيرهم ذا أسره
أي إن وجد عاملان يتطلبان عملا في اسم ظاهر، وكانا قبله، فلواحد منهما العمل دون الآخر، وإعمال الثاني أولى عند البصريين لقربه، واختار غيرهم - وهم الكوفيون- العكس، وهوإعمال الأول لسبقه. ومعنى ذا أسرة: صاحب رابطة علمية قوية.
(١) سواء أكان مرفوعا، أم منصوبا، أم مجرورًا، وقد مثل المصنف لذلك، ولما كان المعمول المتناع فيه هو مرجع الضمير، كان لا بد من المطابقة بينهما مطابقة تامة، في الإفراد والتذكير، وفروعهما، وقبل هذا البيت.
سائل بنا في قومنا … وليكف من شر سماعه
قيسا وما جمعوا لنا … في مجمع باق شناعه
(٢) بيت من الكامل، لعاتكة بنت عبد الملطب عمة النبي، تصف سلاح قومها.
اللغة والإعراب: عكاظ: موضع بناحية مكة. كانت تقام فيه سوق للعرب في الجاهلية كل سنة، تمكث شهر ذي القعدة، يتبايعون فيه، ويناشدون الأشعار ويتفاخرون،
стр. 529
ولنا (١): أن في حذفه تهيئة العامل للعمل، وقطعه عنه (٢)، والبيت ضرورة.
وإن أعملنا الثاني: فإن احتاج الأول لمرفوع، فالبصريون يضمرونه لامتناع حذف العمدة؛ ولأن الإضمار قبل الذكر قد جاء في غير هذا الباب، نحو: ربه رجلا، ونعم رجلا (٣)، وفي الباب (٤)، نحو: ضربوني وضربت قومك، حكاه سيبويه، وقال الشاعر:
جفوني ولم أجف الأخلاء إنني (٥)
فلما جاء الإسلام، هدم ذلك كله، يعشى: مضارع أعشاه، إذا أصابه بالعشا، وهو
ضعف البصر ليلا، والمراد هنا ضعف البصر مطلقا، لمحوا: من اللمح، وهو سرعة إبصار الشيء. شعاعه: ضوؤه وبريقه، "بعاظ" متعلق بمجمع في البيت قبله، وهو ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث، "يعشى" فعل مضارع، "الناظرين" مفعول به، "إذا" فجائية. "هم" مبتدأ، "لمحوا" فعل ماض وفاعل، والجملة خبر المبتدأ، "شعاعه" فاعل يعشى ومضاف إليه، ويجوز أن يعرب "هم" فاعل لمحذوف، ويفسره "لمحوا"، وتكون الجملة مفسرة.
المعنى: أن سلاح قومها حين عرض بعكاظ، كان ضوؤه وشدة لمعانه وبريقه، يضر بصر الناظرين، إذا نظروا إليه، وروي: يعشى، أي يغطي، كأن البرق واللمعان عم الجيمع.
الشاهد: تنازع "يعشى" ولمحوا" العمل في "شعاعه"، وقد أعمل الأولى، ورفع شعاعه على أنه فاعل، وأعمل الثاني في ضميره فنصبه على أنه مفعول، ثم حذف؛ لأنه فضلة، ولو ذكره لقال: إذا هم لمحوه شعاعه، وهذا الحذف لضرورة الشعر عند البصريين.
(١) أي معشر البصريين، من الأدلة على امتناع حذف غير المرفوع.
(٢) فقد هيئ "لمحوا" للعمل في "شعاعه"، ثم قطع عن العمل فيه، برفعه على الفاعلية ليعشى من غير داع، بخلاف حذف الفضلة مع الأول، ففيه الفرار من الإضمار قبل الذكر، مع أنه فضلة.
(٣) فـ"رجلًا" فيهما تمييزللمجرور برب، والمرفوع فاعلا بنعم، والتمييز رتبته التأخير، فقد عاد الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وهو التمييز.
(٤) أي: وجاء كذلك الإضمار قبل الذكر في هذا الباب الذي نحن فيه، كمثال المصنف.
(٥) صدر بيت من الطويل، لم يعرف قائله، وعجزه:
стр. 530
والكسائي وهشام والسهيلي يوجبون الحذف (١)، تمسكا بظاهر قوله:
تعفق بالأرطى لها وأرادها … رجال. . . . . . . . . . . (٢)
إذا لم يقل: تعففوا ولا أرادوا.
لغير جميل من خليلي مهمل
اللغة والإعراب: جفوني: من الجفاء، وهو ترك المودة، الأخلاء: جمع خليل وهو الصديق، جميل: أمر حسن. مهمل تارك، وهو اسم فاعل من أهمل الأمر، إذا لم يعبأ به، ولم يلق إليه بإلا، "جفوني" فعل ماض وواو الجماعة العائدة على الأخلاء -بعده- فاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول، "ولم أجف" جازم ومجزوم. "الأخلاء مفعول أجف "إنني" إن واسمها، والنون للوقاية، "لغير جميل" جار ومجرور متعلق بمهمل، الواقع خبرا؛ لأن ومضاف إليه، "من خليلي" جار ومجرور صفة لجميل المنفي.
المعنى: هجرني الأصدقاء وقطعوا مودتي وصلتي، وتتبعوا عوراتي، ولم يقوموا بواجب الصداقة، من البر والوفاء. أما أنا فلم أقابلهم بالمثل؛ لأني أهمل وأترك ما ليس بحسن من أفعال أصدقائي.
الشاهد: إعمال العامل الثاني، وهو "لم أجف" في الأخلاء، فنصبه على أنه مفعول به، وإعمال العامل الأول، وهو "جفوني" في ضميره، وهو واو الجماعة، ولزم على ذلك عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وهو جائز في هذا الباب.
(١) أي حذف الضمير المرفوع، فرارا من الإضمار قبل الذكر.
(٢) جزء من بيت الطويل، لعلقمة بن عبدة، يمدح الحارث بن جبلة الغساني، وهو بتمامه:
تعفق بالأرطى لها وأرادها … رجال فبذت نبلهم وكليب
اللغة والإعراب: تعفق: استتر. الأرطى شجر له نور وثمر، كالعناب مر تأكله الإبل، الواحدة: أرطأة، فبذت. فغلبت. نبلهم سهامهم. كليب: جمع كلب، كعبيد جمع عبد، "بالأرطى" جار ومجرور متعلق بالفعل تعفق، "لها" متعلق به أيضا، واللام للتعليل، والضمير للبقرة الوحشية، التي يستتر لاصطيادها الرجال "رجال" فاعل أرادها، "نبلهم" مفعول بذت ومضاف إليه. "وكليب" معطوف على رجال.
стр. 531
والفراء يقول: إن استوى العاملان في طلب المرفوع فالعمل لهما (١)، نحو: قام وقعد أخواك، وإن اختلفا (٢) أضمرته مؤخرا (٣)، كضربني وضربت زيدا هو:
وإن احتاج الأول لمنصوب لفظا أو محلا (٤): فإن أوقع حذفه في لبس، أو كان العامل من باب "كان" أو من "باب "ظن" وجب إضمار المعول مؤخرا، نحو: استعنت واستعان على زيد به (٥)، وكنت وكان زيد صديقا إياه (٦)، وظنني وظننت زيدا قائما
المعنى: استتر واختفى وراء هذه الشجرة، لاصطياد تلك البقرة الوحشية، وأراد اصطيادها رجال بالنبال، وكلاب صيد، فغلبتهم وفرت، ولم يتمكنوا من اصطيادها.
الشاهد: إعمال ثاني العاملين، وهو "أراد" في رجال، وإعمال الأول، وهو تعفق في ضميره، وحذفه مع أنه نائب فاعل على رأي الكسائي ومن معه، فرارا من الإضمار قبل الذكر، ويمكن أن يجاب: بأن في تعفق ضميرا مستترا يعود إلى رجال، وهو وإن كان جمعا، فهو في تأويل المفرد، فصح استتار ضميره مفردا.
وهذا البيت من القصيدة المشهورة التي مطلعها:
طحا بك قلب في الحسان طروب … بعيد الشباب عصر حان مشيب
(١) لأنهما -ومطلوبهما واحد- كالعامل الواحد، فأخواك في المثال فاعل لقام وقعد، وإن اختلفا لفظا ومعنى.
(٢) أي في طلب المعمول، وإن كان أولهما يطلب مرفوعا.
(٣) إنما أخر هربا من الإضمار قبل الذكر، ولم يحذف فرارا من حذف الفاعل، وإلى هنا انتهى كلام الفراء.
(٤) المنصوب لفظا هو: ما يصل إليه العامل بنفسه، ومحلا: ما يصل إليه بواسطة حرف جر.
(٥) "استعان" الأول يطلب زيدا مجرورا بالباء، والثاني يطلبه فاعلا، فأعلمنا الثاني، وأضمرنا ضمير زيد مجرورا بالباء مؤخرا، ولم نحذفه؛ لأن حذفه يوقع في لبس؛ لأنه لا يعلم، إن كان زيد مستعانا به أو عليه، وإضماره مقدما يلزم عليه الإضمار قبل الذكر، من غير ضرورة.
(٦) فـ"كنت وكان" تنازعا "صديقا" على الخبرية، فأعلمنا الثاني فيه، والأول في ضميره مؤخرا، ولم يحذف؛ لأنه عمدة.
стр. 532
إياه (١)، وقيل في باب "ظن"، و"كان" يضمر مقدما (٢)، وقيل: يظهر (٣). وقيل يحذف وهو الصحيح؛ لأنه حذف لدليل (٤). وإن كان العامل من غير بابي "كان" و"ظن" وجب حذف المنصوب (٥)، كضربت وضربني زيد، وقيل يجوز إضماره، كقوله:
إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب (٦) … وهذا ضرورة عند الجمهور
(١) فـ"ظني" يطلب "زيدا قائما"، فاعلا، ومفعولا ثانيا، "وظننت" يطلبهما مفعولين، فأعملنا الثاني، وأضمرنا الفاعل مستترا في الأول مقدما، وأضمرنا المفعول الثاني مؤخرا، ولم نحذفه؛ لأنه عمدة في الأصل.
(٢) أي كالمرفوع، وذلك؛ لأنه مرفوع في الأصل.
(٣) فيقال في المثال السابق: ظنني قائما، وظننت زيدا قائما.
(٤) فإن المفسر يدل عليه والحذف اختصار جائز في بابي "كان" و"ظن" كما تقدم، وليس هنالك ما يدعو إلى الإضمار قبل الذكر، ولا إلى الفصل بين العامل الأول المهمل والمعمول إذا أضمر مؤخرا، وشرط الحذف: أن يكون المحذوف مثل المثبت، إفراد وتذكيرا وفروعهما.
(٥) أي لفظا ومحلا؛ لأنه فضلة مستغنى عنه. وقال صاحب التسهيل: "الحذف أولى وليس بواجب".
(٦) صدر بيت من الطويل، لم نقف على قائله، وعجزه:
جهارًا فكن في العيب أحفظ للود
وبعده:
وألغ أحاديث الوشاة فقلما … يحاول واش غير إفساد ذي عهد
اللغة والإعراب: جهارا: عيانا ومشاهدة. الغيب: كل ما غاب واستتر عنك، ود ومودة ومحبة، "إذا" شرطية، "كنت" فعل الشرط، والتاء اسمها. "ترضيه" مضارع والفاعل أنت، والهاء مفعول، عائدة على "صاحب" الآتي، والجملة خبر كان، "ويرضيك" فعل ومفعول. "صاحب" فاعل يرضيك، "جهارا" منصوب على الظرفية، أي في الجهر. "فكن" الفاء واقعة في جواب "إذا"، وكن فعل أمر، واسمها أنت، في "الغيب" متعلق بمحذوف
стр. 533
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حال من اسم كن، "احفظ" خبر كن. "للود" متعلق به.
المعنى: إذا كان بينك وبين أحد صداقة، وكلاكما راض عن هذه الصداقة، عامل على بقائها، فكن في حال بعده وغيبته عنك، أكثر حفظا للمودة والصداقة.
الشاهد: إعمال العامل الثاني، وهو "يرضيك: في "صاحب"، وقد أعمل الأول في ضميره، وذكر ولم يحذف للضرورة عند الجمهور، مع أنه فضلة وفيه عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة.
ومجمل القول: أنناإذا أعملنا الثاني، لا نعمل الأول في ضمير معموله، إلا في ثلاث حالات، يجب في كل منها الإتيان بضمير مطابق للمعمول، ومتأخر عنه، وهي:
أ أن يكون المعمول المتأخر مرفوعا، كأن يكون فاعلا مطلوبا للعاملين، فجيب إلحاق الضمير المناسب بالأول، والكسائي ومن معه يوجبون حذفه، على النحو الذي ذكره المصنف، نحو: أكلت وتمهلت المريضة.
ب أن يكون المصنف اسما منصوبا أصله عمدة، كمفعولي "ظن" وأخواتها، وخبر "كان" فلا يحذف، بل يضمر متأخر عن المعمول، وقيل: يضمر متقدما، وقيل: يحذف على النحو المبسوط في كلام المصنف، نحو: أظنهما، ويظن محمدحا حامدا ومحمودا مخلصين إياهما، وكنت وكان الصديق أخا إياه.
ج أن يكون الضمير مجرورا لفظا، ولو حذف أوقع حذفه في لبس، فيبقى ويضمر متأخر عن المعمول، نحو: استعنت واستعان علي محمد به، وإلى ما تقدم من أحكام التنازع الناظم بإجمال فقال:
وأعمل المهمل في ضمير ما … تنازعاه والتزم ما التزما
كيحسنان ويسيء ابناكا … وقد بغى واعتديا عبداكا
ولا تجئ مع أول قد أهملا … بمضمر لغير رفع أوهلا
بل حذفه الزم إن يكن غير خبر … وأخرنه إن يكن هو الخبر
стр. 534
مسألة: (١) إذا احتاج العامل المهم إلى ضمير، وكان ذلك الضمير خبرا عن اسم، وكان ذلك الاسم مخالفا في الإفراد والتذكير، أو غيرهما للاسم المفسر له، وهو المتنازع فيه، وجب العدول إلى الإظهار، نحو: أظن ويظناني أخا الزيدين أخوين، وذلك؛ لأن الأصل: أظن ويظنني الزيدين أخوين، فأظن: يطلب "الزيدين أخوين" مفعولين (٢)، ويظنني يطلب الزيدين فاعلا، وأخوين مفعولا، فأعلمنا الأول، فنصبنا
أي إذا أعمل أحد العاملين، وأهمل الآخر، فأعمل المهمل في ضمير الاسم المتنازع فيه، والتزم ما التزمه النحاة، وذكر الناظم مثالين: أولهما الإعمال المتأخر في الاسم الظاهر، والمتقدم في ضميره، والثاني لإعمال المتقدم في الاسم المتنازع فيه، وإعمال المتأخر في ضميره، وكلاهما يحتاج للاسم الظاهر فاعلا له، ثم ذكر أنه إذا كان الأول هو المهمل، ومعموله غير مرفوع، وهو المراد بقوله: لغير رفع أوهلا، أي أعد لغير الرافع، فلا تجئ به، بل احذفه إن كان غير عمدة في الأصل، وأضمر مؤخرا إن كان عمدة، وإن كان الطالب هو الثاني، وجب الإضمار، ولا يجوز الحذف.
(١) خلاصة هذه المسألة: أنه لا يصح مجيء الاسم المتنازع فيه مع العامل المهمل، ولا حذفه، وإنما يجب أن يحل محله اسم ظاهر، وذلك إذا كان العامل المهمل محتاجا إلى مفعول به، هو عمدة في الأصل، لا يجوز حذفه، ولو أضمرناه لكان غير مطابق لمرجعه الاسم الظاهر، وسيوضح المصنف ذلك بالمثال.
(٢) أي: وأصلهما المبتدأ والخبر، فلا يسوغ أن يحذف واحد منهما.
стр. 535
الاسمين وهما: "الزيدين أخوين"، وأضمرنا في الثاني ضمير الزيدين وهو الألف (١)، وبقي علينا المفعول الثاني يحتاج إلى إضماره، وهو خبر عن ياء المتكلم (٢)، والياء مخالفة لأخوين الذي هو مفسر للضمير الذي يؤتى به، فإن الياء مفرد والأخوين تثنية، فدار الأمر بين إضماره مفردا ليوافق المخبر عنه (٣)، وبين إضماره مثنى ليوافق المفسر (٤)، وفي كل منهما محذور، فوجب العدول إلى الإظهار، فقلنا: "أخا"، فوافق المخبر عنه، ولم يضره مخالفته لأخوين؛ لأنه اسم ظاهر لا يحتاج إلى ما يفسره (٥)، هذا تقدير ما قالوا.
والذي يظهر لي: فساد دعوى التنازع في الأخوين، لكونه مثنى، والمفعول الأول مفرد (٦).
وعن الكوفيين أنهم أجازوا فيه وجهين: حذفه، وإضماره (٧)، على وفق المخبر عنه.
(١) أي ألف التثنية في "يظناني" وبذلك استوفى فاعله، ومفعوله الأول، وهو ياء المتكلم.
(٢) أي يحسب الأصل، أما الآن فهي مفعول أول ليظن.
(٣) أي: وهو الياء؛ لأن أصلهما مبتدأ خبر، فتقول: أظن ويظناني إياه.
(٤) وهو أخوين. فيقال: أظن ويظناني إياهما.
(٥) إجمال القول: أننا إنما أظهرنا المفعول الثاني ليظناني، وقلنا "أخا"، ولم نضمره؛ لأننا لو أضمرناه مفردا، لطباق المفعول الأول، وهو ياء المتكلم في الإفراد، وخالف يعود عليه، وهو "أخوين"، فلا يطابق لمفسر المفسر في التثنية، ولو أضمرناه مثنى، لطابق ما يعود إليه وخالف المفعول الأول، مع أنه خبر عنه في الأصل، ولا بد من المطابقة بين المبتدأ والخبر، وكلاهما ممنوع عند البصريين، فلما تعذر الإضمار أظهرنا، ولم نحتج إلى مفسر، وكذلك الحكم لو أعلمنا الثاني، نحو: يظناني وأظن الزيدين أخوين أخا.
(٦) فهو غير مطابق لمفعوله الأول، وهو الياء. وعلى ذلك فلم يتوجه العاملان إليه، وقد عمل كل منهما في ظاهر، فلا تكون المسألة من باب التنازع.
(٧) أي مقدما، فيقولون على الحذف: أظن ويظناني الزيدين أخوين، ويحذفون "أخا"، لدلالة
стр. 536
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أخوين عليه، ويقولون على الإضمار: أظن ويظناني إياه الزيدين أخوين، وإن أعملنا الثاني فالحكم كذلك، ولكن يضمر مؤخرا.
وقد أشار الناظم إلى تلك المسألة -التي يحل فيها الظاهر محل الضمير- بقوله:
وأظهر أن يكن ضمير خبرا … لغير ما يطابق المفسرا
نحو أظن ويظناني أخا … زيدا وعمرا أخوين في الرخا
أي ائت بمفعلو الفعل المهمل اسما ظاهرًا، إذا لزم من إضماره عدم مطابقته لما يفسره، لكونه خبرا في الأصل لا يطابق المفسر، ثم ذكر الناظم المثال الذي ذكره المصنف وأوضحناه، والرخا: سعة الرزق، وقصر للنظم.
خاتمة:
أ لا يأتي التنازع في التمييز والحال؛ لأن كلا منهما لا يضمر لوجوب تنكيره.
ب يجب إعمال الأول إذا وقعت بعده "لا"، نحو: أكرمت لا أهنت السائل؛ لأن "لا" تجعل الحكم لما قبلها مثبتًا، فما بعدها لا يطلب المعمول، كما يجب إعمال الثاني، في نحو: أكرمت بل أهنت السائل؛ لأن "بل" تجعل الحكم لما بعدها، فما قبلها مسكوت عنه، فلا يطلب المعمول.
ج كما يكون المعمول اسما ظاهر، يكون ضميرا، بشرط أن يكون منفصلا، مرفوعا، أو منصوبا، أو متصلا مجرورا، نحو: محمد إنما سافر ورجع، وما زرت وصافحت إلا إياه وسررت وفرحت به.
د لا تنازع في مثل: ما قام وقعد إلا محمد؛ لأن الإضمار في المهمل بدون "إلا" يعكس المعنى المراد من الإثبات على وجه الحصر، إلى النفي، والإضمار معها يؤدي إلى خلاف المسموع، وما ورد ما ظاهره جواز ذلك، كقول الشاعر:
ما صاب قلبي وأضناه وتيمه … إلا كواعب من ذهل بن شيبانا
فيؤول على أنه من الحذف لدليل، لا من باب التنازع.
стр. 537
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسئلة والتمرينات:
١ عرف التنازع، وبين ما يشترط في العامل في هذا الباب، ومثل لما تقول.
٢ إذا أعملت الأول في الاسم المتنازع فيه، فما حكم العامل الثاني، من حيث العمل؟ والعكس؟ مثل ووضح.
٣ أشرح قول الناظم الآتي، وأت بمثال من إنشائك:
وأظهر إن يكن ضميرا خبرا
لغير ما يطابق المفسرا
٤ يستشهد مما يأتي في هذا الباب، وبين موضع الشاهد، وموقع إعراب ما تحته خط:
قال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾.
﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾.
﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾.
طلبت فلم أدرك بوجهي فليتني … قعدت ولم أبغ النوى عند سائب
كساك ولم تستكسه فاشكرن لهم … أخ لك يعطيك الجزيل وناصر
هوينني وهويت الغانيات إلى … أن شبت فانصرفت عنهن آمالي
جئ ثم حالف وف بالقوم إنهم … لمن أجاروا ذوو عز بلا هون
٥ بين فيما يأتي:
أ العامل وحكمه.
ب المتنازع فيه.
ج الحكم من حيث الإضمار والحذف، وعلل لما تقول.
زرت وزارني صديقي، قابل وحادثهم الضيوف الكرماء، ولا تستقبل وتجامل اللئام، هل غرس وقطع البستاني الأشجار؟ عاتبت وشكرت أخاك عند مقابلتي إياه، أخذ وفر اللص ولم أمسك به. رغبت فيهم ورغب عني زملائي؛ لأن يهجروك. وتباعد البخلاء، خير من أن تداري، ويعتدون الجهلاء. خذ ودونك هذا الكتاب.
٦ أعمل في الجمل الآية: العامل الأول، وأهمل الثاني، وأعط كلا حكمه:
أقبلا وحييت زميلاك إكراما لك، تألموا ونصحت إخوانك بالمثابرة، والجد في العمل، خلا وسكنت منزلي منذ شهرين، وودعت بالأمس ابني إلى السودان. أتعبتني وأخذت
стр. 538
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكثير من وقتي هذه التطبيقات.
٧ أعمل في الجمل الآتية: العامل الثاني، وأهمل الأول، وأعط كلا ما يستحقه:
زارني وسراني صديقاك بأخبار نجاحهما، نصحني وأطعتهم الأطباء، فشفيت من آلامي باع واشترى المسافرون، وعادوا إلى وطنهم مسرورين، أعطيت وبخلوا الزملاء، دارت ورجعن إلى نصابها الأمور.
٨ - أعرب البيت الآتي، واشرحه، وبين ما فيه من شاهد:
ما جاد رأيا ولا أبدى محاولة … إلا امرؤ لم يضع دنيا ولا دينا
٩ هناك حالة لا يصح فيها مجيء الضمير لتعويض الأخير المهمل، وإنما يجب أن يحل محله اسم ظاهر، اذكر هذه الحالة، واشرحها بمثال من عندك.
١٠ ذكرنا أن لا بد أن يكون بين العاملين، أو العوامل نوع من الارتباط، اشرح ذلك، ووضحه بأمثلة.
стр. 539
هذا باب المفعول المطلق:
أي الذي يصدق عليه قولنا: "مفعول" صدقا غير مقيد بالجار (١).
وهو: اسم يؤكد عامله (٢)، أو يبين نوعه، أو عدده، وليس خبرا ولا حالا، نحو: ضربت ضربا، أو ضرب الأمير، أو ضربتين، بخلاف نحو: ضربك ضرب أليم (٣)، ونحو: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ (٤).
وأكثر ما يكون المفعول المطلق مصدرًا.
هذا باب المفعول المطلق:
(١) أي: بخلاف بقية المفاعيل، فإن منها ما هو مقيد بحرف جر، كالمفعول به، أو له، أو فيه، أو بظرف: كالمفعول معه.
(٢) أي ما يفيد ما أفاده العامل من الحدث لا غير، أو المراد: المصدر الذي تضمنه العامل، وذلك ليتحد المؤكد والمؤكد؛ لأن الفعل يدل على الزمان والحدث، والمصدر يدل على الحدث لا غير.
(٣) فإن "ضرب" الثاني ليس مفعولا مطلقا، وإن بين النوع بالوصف بعده، وإنما هو خبر عن ضربك.
(٤) فإن "مدبرا" وإن كان توكيدا للعامل، وهو "ولى"؛ لأنه بمعناه -لكنه ليس مفعولا مطلقًا، بل هو حال من فاعل "ولى".
وقد أشار الناظم إلى هذه المعاني الثلاثة، التي يفيدها المفعول المطلق بقوله:
توكيدا أو نوعا يبين أو عددا … كسرت سيرتين سير ذي رشد
أي أن المصدر يفيد عامله وتقريره، أو يبين نوعه، أو يبين عدد مراته، ولا بد من إفادة التوكيد مع هذين، ثم ذكر الناظم مثلا لذلك، فـ"سيرتين" لبيان العدد مع التوكيد، و"سير ذي رشد"، لبيان النوع مع التوكيد.
стр. 540
والمصدر: اسم الحدث الجاري على الفعل (١).
وخرج بهذا القيد نحو: اغتسل غسلا، وتوضأ وضوءا، وأعطى عطاء، فإن هذه أسماء مصادر (٢).
وعامله: إما مصدر مثله (٣)، نحو: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾، أو ما اشتق منه، من فعل (٤)، نحو: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، أو وصف (٥)، نحو:
(١) أي المشتمل على حروف الفعل.
(٢) لأنها لم تجر على أفعالها، لنقصان حروفها عن أحرف الأفعال. وقياس مصادرها الاغتسال -والتوضؤ- والإعطاء، وإلى معنى المصدر يشير الناظم بقوله:
المصدر اسم ما سوى الزمان من … مدلولي الفعل كأمن من أمن
أي أن المصدر اسم يدل على شيء غير الزمان، من المدلولين الذين يدل عليهما الفعل، وهما الحدث والزمان، وما سوى الزمان من المدلولين، هو الحدث المجرد وحده، ومثل الناظم بـ"أمن" من الفعل "أمن"؛، فالأمن يدل على المعنى المجرد، الذي هو أحد شيئين يدل عليهما "أمن"، وهما: الحدث والزمن الماضي، وسمي المصدر مصدرًا؛ لأن فعله صدر عنه، وهو أيضا مصدر، وأصل المشتقات على الصحيح، والفرق بين المصدر واسمه: أن المصدر يدل الحدث المجرد بنفسه، أما اسم المصدر فيدل على الحدث بوساطة المصدر، فمدلوله لفظ المصدر، وسيأتي إيضاح ذلك في "باب المصدر".
(٣) سواء كان من لفظه ومعناه، كما مثل المصنف، أو من معناه فقط، نحو: يعجبني إيمانك تصديقًا.
(٤) بشترط أن يكون متصرفا تاما، وغير ملغي عن العمل، فخرج الفعل الجامد، كفعل التعجب، والناقص، مثل كان، والملغي، مثل: ظن عند إلغائها، فلا يقال: ما أحسن محمد حسنا، ولا كان علي مسافرا كونا، ولا علي قائم ظننت ظنا.
(٥) أي متصرف بعمل عمل الفعل، كاسم الفاعل، واسم المفعول، وأمثلة المبالغة، دون أفعل
стр. 541
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ (١).
وزعم بعض البصريين أن الفعل أصل للوصف (٢)، وزعم الكوفيون أن الفعل أصل لهما (٣).
التفضيل، والصفة المشبهة.
(١) هذا مثال لاسم الفاعل، ومثال اسم المفعول: اللص مضروب ضربا أليمًا، وأمثلة المبالغة محمد شراب شربا، وأجاز المصنف عمل الصفة المشبهة كاسم الفاعل، تقول: الحزين حزنا مفرطا يسيء إلى نفسه.
(٢) الذي زعم هذا: هو الفارسي واختاره عبد القاهر، فيكون فرع الفرع.
(٣) أي للمصدر والوصف، والصحيح كما أسلفنا: أن المصدر أصل للفعل والوصف؛ لأن من شأن الفعل أن يكون فيه ما في الأصل وزيادة. والفعل والوصف مع المصدر كذلك؛ لأنه يدل على مجرد الحدث، وكل منهما يدل على الحدث وزيادة، فالفعل يدل على الحدث والزمان، والصفة تدل على الحدث والموصوف.
وإليه ما تقدم يشير الناظم بقوله:
بمثله أو فعل أو وصف نصب … وكونه أصلًا لهذين انتخب
أي أن المصدر قد ينصب بمصدر مثله، أو بفعل، أو بوصف، والمختار أنه أصل للفعل والوصف.
هذا: ولما كان المصدر لا يكون إلا اسم معنى، كان الاشتقاق من أسماء الأعيان والجواهر غير مقيس، ويقتصر فيه على السماع، وقد يحدث المجمع اللغوي هذه المسألة ورأى أن العرب قد اشتقت كثيرا من أسماء الأعيان، كالذهب والفضة، والدينار، والدرهم، فقالوا: مذهب، ومفضض، ومدنر، ومدرهم، وقالوا: هذا الشيء مترب، ومموه، ومرمل، من التراب، والماء، والرمل.
فرأى أنه من الخير والتيسير، ألا نقف جامدين أمام تطور العلوم والاصطلاحات الكميائية
стр. 542
فصل: ينوب عن المصدر في الانتصاب على المفعول المطلق ما يدل على المصدر (١)، من صفة، كسرت أحسن السير (٢)، واشتمل الصماء (٣)، وضربته ضرب الأمير اللص، إذ الأصل: ضربا مثل ضرب الأمير اللص، فحذف الموصوف ثم المضاف أو ضميره (٤)، نحو عبد الله أظنه جالسا (٥)، ونحو: ﴿لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا﴾ (٦)، أو إشارة إليه (٧)، كضربته ذلك الضرب (٨)، أو مرادف له نحو: شنئته بغضا، وأحببته
والطبيعة والطيبة والحيوية. وقرر إجازة الاشتقاق في لغة العلوم عند الحاجة، فيقال: منحس، من النحاس، ومقصدر، من القصدير، ومكهرب من الكهرباء، ومنشى، من النشا … إلخ.
(١) أي عند حذفه وهذه الصور الآتية، للمفعول المطلق المبين لنوع عامله.
(٢) الأصل: سرت السير أحسن السير، فحذف الموصوف ودلت عليه إضافة الصفة إلى مثله، ونابت منابه.
(٣) الأصل الشملة الصماء، فحذف الموصوف ونابت الصفة منابه، والشملة الصماء أن يجلل المرء جسده بثوبه، ويضم طرفيه كما يفعل الإعراب بأكسيتهم، فيرد الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر، ثم يرده ثانية من خلفه اليمنى وعاتقه الأيمن فيغطيهما جميعًا.
(٤) أي الضمير العائد على مثل المصدر المحذوف، وقوله: "أو ضميره" معطوف على قوله "من صفة".
(٥) فـ"عبد الله" أول. ومضاف إلي لأظن و"جالسا" مفعوله الثاني، والهاء في أظنه ضمير المصدر المفهوم من أظنه، أي الظن، وهو نائب عنه في الانتصاب على المفعولية المطلقة، أي أظن ظنا، فهو نائب عن مصدر مؤكد.
(٦) تقديره: لا أعذاب هذا التعذيب الخاص أحدا، فالضمير هنا نائب عن مصدر نوعي.
(٧) أي إلى المصدر، سواء كان اسم الإشارة متبوعا بالمصدر كمثال المصنف، أم لا، كضربته ذلك والغالب أن يكون بعده مصدر مثل المحذف.
(٨) اسم الإشارة وهو "ذلك"، مفعول مطلق نائب عن المصدر.
стр. 543
مقة (١)، وفرحت جذلًا، وهو بالذال المعجمة مصدر جذل بالكسر، أو مشارك له في مادته وهو ثلاثة أقسام: اسم مصدر، كما تقدم، واسم عين (٢)، ومصدر لفعل آخر، نحو: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (٣)، ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (٤)، والأصل: إنباتا، وتبتلا، أو دال على نوع منه، كـ"قعد القرفصاء"، ورجع القهقري (٥)، أو دال على عدده، كـ"ضربته عشر ضربات" (٦)، ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة﴾، أو آلته (٧)، كضربته سوطًا أو عصا (٨).
(١) " بغضا" مفعول مطلق نائب عن شنأ المرادف للبغض، و"مقة" مفعول مطلق نائب عن محبة، والمقة: المحبة، وهي مصدر ومقه، كورثه، أحبه فهو وامق.
(٢) أي ذات مجسمة.
(٣) فـ"نبات" اسم عين للشيء النابت من زرع وغيره، وقد ناب عنه "إنباتا" الذي هو مصدر أنبت.
(٤) فـ"تبتيلا" مصدر للفعل "بتل" وقد ناب عن التبتل، الذي هو مصدر للفعل "تبتل" ولم يعتبر "التبتل" اسم مصدر للفعل بتل؛ لأن حروفه تزيد على حروف مصدر هذا الفعل، واسم المصدر -على الصحيح- لا بد أن تقل حروفه عن حروف مصدر الفعل الذي يجري على مقتضاه في الاشتقاق.
(٥) أي قعد قعود القرفصاء، ورجع رجوع القهقري، وهي الرجوع إلى الخلف، والقرفصاء: نوع من القعود، وهو أن يجلس الشخص على إليتيه وفخذاه ملتصقان ببطنه، يحيط بهما ذراعاه، أو ينكب على ركبتيه ويلصق بطنه بفخذيه، وكفاه تحت إبطه، وكذلك القهقري: نوع من الرجوع، وهما نائبان عن المصدر؛ لأنهما من غير لفظ العامل، أما إذا استعملا فعليهما المشاركين لهما في المادة وهما "قرفص" و"قهقر" فهما مصدران أصليان.
(٦) فـ"عشر" نائب عن المصدر، والأصل ضربته ضربا عشر ضربات، فحذف المصدر وناب عنه عدده.
(٧) أي الآلة التي تستخدم لإيجاد معنى المصدر وتحقيقه.
(٨) الأصل: ضربته ضربا بسوط أو عصا، أو ضرب سوط أو عصا، فحذف المصدر، وأقيمت
стр. 544
أو "كل"، نحو: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ (١)، وقوله:
يظنان كل الظن أن لا تلاقيا (٢)
أو"بعض"، كـ"ضربته بعض الضرب".
الآلة مقامه، ويشترط أن تكون الآلة معهودا استخدامها في إحداث معنى المصدر، فلا يصح: ضربته شجرة.
(١) "كل" مفعول مطلق نائب عن مصدر محذوف، أي ميلا كل الميل.
(٢) عجز بيت من الطويل، لقيس بن الملوح، المعروف بمجنون ليلى، وصدره:
وقد يجمع الله الشتيتين بعد ما
اللغة والإعراب: الشتيتين: المتفرقين مثنى شتيت، يريد المحبين المتباعدين اللذين لا يقدران على الاجتماع، "بعد" ظرف متعلق بيجمع، "ما" مصدرية. "يظنان" مضارع مرفوع بثبوت النون والألف العائدة على الشتيتين فاعل "وما"، وما بعدها في تأويل مصدر مجرور بإضافة "بعد" إليه، "كل" مفعول مطلق نائب عن المصدر، "الظن" مضاف إليه. "أن"، مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، "لا" نافية للجنس. "تلاقيا" اسمها والألف للإطلاق وخبرها محذوف، والجملة خبر أن، وجملة أن واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي ظن.
المعنى: يمني نفسه بقرب اجتماعه بليلى وعدم اليأس من ذلك، فيقول: إنه قادر على أن يجمع شمل المتباعدين، بعد أن يكون عندهما ظن محقق، أنه لا يمكن التلاقي والاجتماع.
الشاهد: نصب لفظ "كل" على أنه مفعول مطلق نائب عن المصدر، والأصل: ظنا كل الظن.
ويشترط في نيابة، "كل" و"بعض" عن المصدر: أن يضاف كلا منهما إلى مثل المصدر المحذوف، كما في البيت والآية، ومثل "كل" و"بعض": ما يؤدي معناهما من الألفاظ الدالة على العموم أو على البعضية، مثل: "جميع"، و"عامة" و"نصف" و"شطر".
ومما ينوب عن المصدر: "ما" الاستفهامية" في نحو: ما تزرع حديقتك؟ أي، أي زرع تزرع حديقتك، و"ما" الشرطية، نحو: ما شئت فاعمل، أي: أي شئته فاعمله.
وهذه الأشياء التي ذكرناها، منها ما ينوب عن المصدر المؤكد غالبا، وهي: المرادف، واسم
стр. 545
مسألة: المصدر المؤكد لا يثنى ولا يجمع باتفاق، فلا يقال: ضربين ولا ضروبا؛ لأنه كماء، وعسلٍ (١)، والمختوم بتاء الوحدة، كضربة بعكسه (٢) باتفاق، فيقال: ضربتين وضربات؛ لأنه كتمرة وكلمة، واختلف في النوعي، فالمشهور الجواز (٣)، وظاهر مذهب سيبويه المنع، واختاره الشلوبين.
المصدر، والمشارك في المادة، وما ينوب عن المبين للنوع أو العدد، وهي: الوصف، والضمير، والإشارة، والعدد والآلة، وكل، وبعض، وما في معناهما، وكلها تتلخص في شيء واحد، وهو وجود ما يدل عليه عند حذفه، وفي ذلك يقول الناظم:
وقد ينوب عنه ما عليه دل … كجد كل الجد وافرح الجذل
أي ينوب عن المصدر عند حذفه، كل شيء يدل عليه، وقد مثل الناظم بنائبين، هما: لفظ "كل" مضافا إليه المصدر، والمرادف وهو الجذل، بمعنى الفرح.
(١) أي مقصود به معنى الجنس، فهو يدل بنفسه على القليل والكثير، فيستغنى بهذه الدلالة عن الدلالة العددية، في التثنية والجمع. وأيضًا فهو بمنزلة تكرار الفعل، والفعل لا يثنى، ولا يجمع. ومثله في ذلك ما ينوب عنه.
(٢) أي يثنى ويجمع.
(٣) أي جواز تثنية وجمعه، وذلك إذا اختلفت أنواعه، وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾، ومثله المبين للعدد، ويجوز تقديمها على العامل، ولا يعملان شيئا فليس لها فاعل ولا مفعول.
ويرى ابن مالك المنع في المؤكد، والجواز في غيره، وفي ذلك يقول:
وما لتوكيد فوحد أبدا
وثن واجمع غيره وأفردا*
أي أن المصدر الدال على التوكيد يجب توحيده، أي إفراده، فلا يثنى ولا يجمع.
أما غيره فثنه إن شئت، واجمعه، أو اجعله مفردا.
стр. 546
فصل: اتفقوا على أنه يجوز لدليل مقالي (١)، أو حالي، حذف عامل المصدر غير المؤكد (٢)، كأن يقال: ما جلست؟ فتقول: بلى جلوسا طويلا، أو بلى جلستين (٣)، وكقولك لمن قدم من سفر: قدوما مباركا (٤).
وأما المؤكد، فزعم ابن مالك أنه لا يحذف عامله؛ لأنه إنما جيء به لتقويته وتقرير معناه، والحذف مناف لهما (٥)، ورده ابنه بأنه قد حذف جوازًا، في نحو:
(١) الدليل المقالي: الذي يكون مرجعه إلى القول والكلام، أما الحالي: فهو الذي يعمد على المشاهدة أو نحوها، مما يحيط بالشخص، ويجعله يفهم أمرا مستنبطا مما حوله، ولا شأن له بالقول والكلام.
(٢) وهو المبين للنوع أو العدد.
(٣) فـ"جلوسا" مصدر نوعي، لوصول بالطول، حذف عامله جوازا، لدليل مقالي، وهو "ما جلست؟ "، والتقدير: "بلى جلست جلوسا طويلا" و"جلستين" مصدر عددي حذف عامله لذلك، والتقدير: بلى جلست جلستين".
(٤) فـ"قدوما" مصدر نوعي حذف عامله لدليل حالي، وهو المشاهدة، والتقدير: قدمت قدوما مباركا، ومثال حذف عامل العددي لدليل حالي: أن ترى خيل السباق، وهي تدور في الملعب، فتقول: دورتين: والتقدير: دارت دورتين.
(٥) ومن أجل ذلك لا يصح تثنيته، ولا جمعه، ولا أن يرفع فاعلا، أو ينصب مفعولا، أو يتقدم على عامله، أو يحذف عامله؛ لأن الحذف مناف لتلك الحكمة، مناف للغرض من الإتيان بالمصدر المؤكد، وفي هذا يقول الناظم:
وحذف عامل الموكد امتنع … وفي سواه لدليل متسع
أي أنه يمتنع حذف عامل المصدر المؤكد، متسع للحذف في غيره، كالمبين للنوع أو العدد، وذلك عند وجود دليل يدل على المحذوف.
стр. 547
أنت سيرا (١)، ووجوبا في: أنت سيرا سيرا، وفي نحو: سقيا ورعيا (٢)، وقد يقام المصدر مقام فعله فيمتنع ذكره معه (٣)، وهو نوعان:
ما لا فعل له، نحو: "ويل زيد" (٤)، و"يحه".
بله الأكف … (٥)(١) أي مما وقع فيه المصدر خبرا عن اسم عين، غير مكرر ولا محصور.
(٢) أي إذا كان مكررا، نحو: أنت سيرا سيرا، أو محصورا، نحو: ما أنت سيرا، وإنما أنت سيرا، أو غير ذلك، نحو: سقيا ورعيا، وحمدا وشكرا، وإنما وجب الحذف في ذلك، لقيام التكرار والحصر مقام العامل، ويجاب عن الناظم بأن هذه المصادر ليست من المؤكد الآن، بل المصدر فيها نائب مناب الفعل وعوض منه، بدليل أنه يمتنع الجمع بينهما، ولا شيء من المؤكدات يمتنع الجمع بينه، وبين المؤكد.
(٣) هذا كالاستثناء من قوله: "وحذف عامل المؤكد امتنع"، فهو من قسم المصدر المؤكد؛ لأن الذي ينوب عن العامل المحذوف هو المصدر المؤكد، ويرى بعض الباحثين: أن الأفضل اعتبار المصدر النائب عن فعله قسما مستقلا، زائدا على الأقسام الثلاثة المتقدمة؛ لأن كثيرا من المصادر النائبة عن عاملها قد يكون مؤكدا لعامله، والأصل في المؤكد ألا يعمل، ولا يحذف عامله، والنائب هنا يعمل، ويحذف عامله، فيقع التعارض بين حكم المؤكد هنا، وحكمه في ناحية أخرى.
(٤) هو وما بعده: مصدر نائب عن فعله، مضاف إلى المفعول.
(٥) لعله يشير بهذا إلى بيت من الكامل، لكعب بن مالك الصحابي، من قصيدة قالها في غزوة الخندق، يصف شدة فتك السيوف بالأعداء، وهو بتمامه:
تذر الجماجم ضاحيا هاماتها … بله الأكف كأنها لم تخلق
اللغة والإعراب: تذر: تترك، الجماجم: جمع جمجمة، وهي عظم الرأس المشتمل على الدماغ، ضاحيا: بارزا للشمس، هاماتها: جمع هامة، وهي الرأس. "تذر" فعل مضارع فاعله يعود على السيوف. "ضاحيا" حال من الجماجم، "هاماتها" فاعل ضاحيا ومضاف إليه. "بله" مصدر نائب عن فعل من معناه. "الأكف" مضاف إليه، وروي "الأكف"
стр. 548
فيقدر له عامل من معناه (١)، على حد: قعدت جلوسا.
وما له فعل وهو نوعان: واقع في الطلب (٢)، وهو الوارد دعاء، كسقيا، ورعيا، وجدعا (٣)، أو أمرا أو نهيا، نحو: قياما لا قعودا (٤)، ونحو: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾، وقوله:
فندلا زريق المال ندل الثعالب (٥)
كذا أطلق ابن مالك، وخص ابن عصفور الوجوب بالتكرار، كقوله:
بالنصب، على أن "بله" اسم فعل أمر بمعنى اترك، والأكف مفعوله.
المعنى: أن هذه السيوف شديدة الفتك بالأعداء، تترك رءوسهم -بعد فصلها عن أجسامهم- معرضة للشمس على أرض المعركة، أما الأكف فليس لها أثر، كأنها لم تخلق.
الشاهد: جر الأكف، على أن "بله" مصدر ليس له فعل من لفظه "والأكف" مضاف إليه، وروي "الأكف"، على أنه "بله" اسم فعل أمر، و"الأكف" مفعوله، كما بينا.
(١) فيقدر في ويل زيد، أحزن الله زيدا ويله، أو أهلكه، أو عذبه، وفي ويح زيد، رحم الله زيدا ويحه. وفي بله الأكف، اترك ترك الأكف؛ لأنه بله بمعنى ترك، ومثل "ويل" في معنى الهلاك والعذاب. "ويب"، ويب اللص، أي أهلكه الله. ومثل "ويح" في الترحم وإظهار الشفقة "ويس".
(٢) أي في أسلوب إنشائي مقصود به الطلب، سواء كان طلب فعل أو ترك، أو إقرار للشيء، أو عدم إقراره.
(٣) "سقيا ورعيا" دعاء بالخير أي سقاك الله سقيا، ورعاك رعيا، و"جدعا" دعاء بالشر، والجدع: قطع ظرف الأنف، أو الشفة، أو الأذن، ونحو ذلك، ومثله: بعد، وسحقا، وبؤسا.
(٤) أي قم قياما لا تقعد قعودا، فقياما وقعودا منصوبان بفعل محذوف وجوبا. ولا يجوز حذف المضارع المجزوم بلا الناهية، إلا في هذه الصورة.
(٥) عجز بيت من الطويل، لمحمد بن عبد الله الأنصاري، وقيل لأعشى همدان يهجو لصوصا، وصدره:
على حين ألهى الناس جل أمورهم
стр. 549
فصبرا في مجال الموت صبرا (١)
وقبل هذا البيت:
يمرون بالدهنا خفافا عيابهم … ويرجعن من دارين بجر الحقائب
اللغة والإعراب: الدهنا: موضع بنجد: وهو ممدود، وقصر للشعر، عيابهم: جمع عيبة، وهي الوعاء يوضع فيه الزاد والثياب، كالحقيبة، دارين: موضع بالبحرين، مشهور بالمسك، ويقال: مسك داري: بجر: جمع أبجر، وهو العظيم البطن، وإضافته للحقائب من إضافة الصفة للموصوف، الحقائب جمع حقيبة، وهي العيبة، ألهى الناس: شغلهم، من الإلهاء، وهو شغلك عن الشيء، جل معظم وأثر، ندلا: الندل: التناول والاختطاف بسرعة وخفة، زريق: اسم قبيلة أو رجل. "على حين" جار ومجرور متعلق بيمرن في البيت قبله. "يروى" بالفتح على البناء، لإضافته لجملة "ألهى"، وبالكسر على الإعراب.
"الناس" مفعول ألهى. "جل أمورهم" فاعله ومضاف إليه، "فندلا" مفعول مطلق لمحذوف، أي اندل، "زريق" منادى بحذف حرف النداء، "المال" مفعول لندلا"، لتباينه عن الفعل، "ندل الثعالب" مفعول مطلق مبين للنوع، ومضاف إليه، أو منصوب على نزع الخافض، متعلق بمحذوف صفة لندلا، أي مثل ندل الثعالب.
المعنى: أن هؤلاء اللصوص يخرجون للسرقة، فيمرون بالدهنا وحقائبهم فارغة، ثم يسرقون ويرجعون من دارين، وقد امتلأت حقائبهم بما سرقوا، وهم ينتهزون فرصة اشتغال الناس بأمورهم، ومهامهم، ويوصي بعضهم بعضا بسرعة الخطف والحيلة، كما تفعل الثعالب، والثعلب يضرب به المثل في ذلك. فيقال: أخطف من ثعلب.
الشاهد: في وقوله، "ندلا"، فهو مصدر نائب عن فعله، وهو واقع في الطلب؛ لأن معناه، اندل، أي اخطف، هل ينوب هذا المصدر عن الفعل في الدلالة على معناه؟ وفي تحمل ضميره المستتر الذي كان فاعلا له، فيصير بعد الحذف فاعلا للمصدر؟ أي ينوب عن الفعل المحذوف وفاعله معا، فلا يحتاج لفاعل؟ قولان، والأول أحسن؛ لأنه يساير القواعد، والثاني أيسر وأخف.
(١) صدر بيت من الوافر، لقطري بن الفجاءة، الخارجي المعروف، وعجزه:
فما نيل الخلود بمستطاع
وهذا البيت من قصيدته المشهورة التي، مطلعها:
стр. 550
أي مقرونا باستفهام توبيخي، نحو: أتوانيا وقد جد قرناؤك؟ (١) وقوله:
ألؤما لا أبا لك واغترابا (٢)
أقول لها وقد طارت شعاعا … من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنك لو سألت بقاء يوم … على الأجل المقدر لم تطاعي
الضمير في "لها" يرجع إلى النفس المفهومة من سياق الكلام، شعاعا: متفرقة، يريد بذلك المبالغة في الجزع والفزع، لن تراعي: لن تخافي ولن تجزعي.
اللغة والإعراب: مجال الموت: مكان المعركة الذي يجول فيه الفرسان، الخلود: البقاء المستمر، "صبرًا" مصدر قائم مقام فعل الأمر، أي اصبري، "في مجال الموت" متعلق به، ومضاف إليه، "صبرًا" الثاني توكيد للأول. "فما" الفاء للتفريغ، و"ما" نافية "نيل الخلود" مبتدأ، أو اسم ما على أنها عاملة، والخلود مضاف إليه. "بمستطاع" خبر على زيادة الباء.
المعنى: اصبري أيتها النفس، ولا تيأسي، واثبتي في مواطن القتال، حتى النصر أو الموت الشريف، فإن الفرار لا ينجي، والبقاء المستمر في هذه الحياة الدنيا غير ممكن، فلكل أجل كتاب.
الشاهد: أن تكرار المصدر القائم مقام فعل الأمر -وهو "صبرا"- هو الذي أوجب حذف العامل، على رأي عصفور، ومن تبعه، أما ابن مالك، وغيره: فيرى وجوب الحذف، متى كان المصدر واقعا موقع فعل الأمر، من غير قيد.
(١) أي: أتتوانى توانيا؟ وهذا توبيخ للمخاطب. وقد يكون التوبيخ للمتكلم، فتوجه صيغة التوبيخ مشتملة على الخطاب، ويريد نفسه بقرينة، كمن يقول لنفسه، أتركا للعمل وأنا محتاج؟ وقد يكون التوبيخ للغائب، نحو: أجبنا وهو صاحب الحق في أرضه.
(٢) عجز بيت من الوافر، لجرير الشاعر الأموي، يهجو خالد بن يزيد الكندي، وصدره:
أعبدًا حل في شعبي غريبًا
اللغة والإعراب: حل: نزل واستقر. شعبي: موضع، أو المراد جبال متشعبة. غريبا: وصف، من الغربة، هي البعد عن الأهل والوطن، ألؤما: اللؤم الخسة والدناءة: لا أبا
стр. 551
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لك: المقصود بهذا الأسلوب هنا الذم، أي أنه مجهول النسب، اغترابا: بعدا عن الوطن، "أعبدا" الهمزة للنداء، و"عبدا" منادى منصوب؛ لأنه شبيه بالمضاف، أو: الهمزة للاستفهام، داخلة على فعل محذوف، تقديره: أتفخر مثلًا، والفاعل أنت، و"عبدا" حال من الفاعل. "حل" فعل ماض وفاعله يعود على "عبدا"، والجملة صفة له "غريبا" حال من الفاعل "ألؤما" الهمزة للاستفهام التوبيخي، و"لؤما" مصدر معمول لمحذوف وجوبا، أي أتلؤم لؤما. "واغترابا" معطوف على لؤما. "لا أبا لك" جملة معترضة بين المتعاطفين، قصد بها الدعاء على المخاطب، "لا" نافية للجنس. "أبا" اسمها منصوب بالألف، "لك" اللام زائدة، والكاف في محل جر بالإضافة، والخبر محذوف.
المعنى: يهجو الشاعر رجلا، فيقول له: أيها الذليل الحقير، الذي حل بهذا المكان وهو عنه غريب، لا أهل له به، ولا عشيرة، بم تفخر؟ لقد جمعت بين الدناءة والاغتراب.
الشاهد: وقوع المصدر -وهو "لؤما واغترابا"- نائبا عن الفعل بعد الاستفهام التوبيخي، فعامله محذوف وجوبا عند جميع النحاة.
هذا: ونيابة المصدر على عامله المحذوف في الأساليب الطلبية، قياسية، بشرط: أن يكون العامل المحذوف فعلا من لفظ المصدر ومادته، وأن يكون المصدر مفردا منكرا، وإلا كان سماعيا، مثل: "ويل" و"ويح" … إلخ.
وفي حذف عامل المصدر النائب عن فعله، يقول الناظم في إيجاز وإجمال:
والحذف حتم مع آت بدلا … من فعله كندلا اللذ كاندلا
أي أن الحذف واجب في عامل المصدر، الآتي بدلا، وعوضا عن فعله، ومغنيا عن التلفظ به، مثل "ندلا" -أي: خطفا- الذي هو بمعنى "اندل"، في الدلالة على الطلب، ولعله يشير بهذا المثال إلى البيت السابق "صفحة ١٢٣".
стр. 552
وواقع في الخبر (١)، وذلك في مسائل:
إحداها: مصادر مسموعة (٢) كثر استعمالها، ودلت القرائن على عاملها، كقولهم عند تذكر نعمة وشدة: حمدًا وشكرا لا كفرا (٣)، وصبرا لا جزعًا (٤) وعند ظهور أمر معجب عجبًا (٥)، وعند خطاب مرضي عنه أو مغضوب عليه: أفعليه وكرامة ومسرة (٦)، ولا أفعله ولا كيدا ولا هما (٧).
الثانية: أن يكون تفصيلًا لعاقبة ما قبله (٨)، نحو: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا
(١) هذا هو النوع الثاني المقابل لقوله سابقًا "واقع في الطلب"، والمراد بالخبر هنا: ما ليس بطلب فيشمل الإنشاء غير الطلبي، كصيغة التعجب، والمدح والذم، وجملة القسم -لا جملة الجواب، ومثل: حمدا وشكرا، وقد جعل النحاة ذلك من قسم الخبر، نظرا لصورة العامل ولفظه، وقيل: إنها أساليب خبرية لفظا ومعنى.
(٢) الأمثلة التي ذكرها المصنف، من الإنشاء غير الطلبي، الذي يراد به إقرار معنى ما، أو عدم إقراره من غير طلب شيء، وقد جرت هذه الأساليب مجرى الأمثال، ولذلك لا تغير كالأمثال، ويقتصر فيها على المسموع على الصحيح، ولا يقاس عليها، ووجوب حذف العامل فيها خاص باجتماعها، مراعاة للمأثور، وإلا لا يكون الحذف واجبًا.
(٣) وهذا من أمثلة سيبويه، والتقدير: أحمد الله حمدًا، وأشكره شكرا، لا أكفره كفرا، قيل: ولا يستعمل كفرا إلا مع حمدا وشكرا.
(٤) أي أصبر ولا أجزع.
(٥) أي أعجب عجبًا.
(٦) أي: وأكرمك كرامة، وأسرك مسرة، ولا تستعمل مسرة إلا بعد كرامة، وكرامة: اسم مصدر أكرم.
(٧) أي لا أكاد كيدا، ولا أهم همًا.
واختلف في "أكاد" هذه، فقيل تامة، والمعنى: ولا مقارب، وقيل ناقصة وخبرها محذوف، أي ولا أكاد أقارب الفعل.
(٨) أي أن يكون المصدر في موضع يوضح ويفصل عاقبة جملة قبله، أي يبين الغاية والغرض من مضمون الجملة قبله، وذلك يكون بوقوعه بعد أداة تفيد التفصيل.
стр. 553
بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (١).
الثالثة: أن يكون مكررًا، أو محصورًا، أو مستفهما عنه، وعامله خبر عن اسم عين (٢)، نحو: أنت سيرا سيرا (٣)، وما أنت إلا سيرا، وإنما أنت سير البريد، … .... …
(١) فـ"منا" و"فداء" ذكرا تفصيلا وتوضيحا لعاقبة الأمر بشد الوثاق؛ والتقدير: فإما أن تمنوا منا؛ بإطلاق الأسرى بدون فداء، وإما أن تفدوا فداء؛ والفداء العوض المالي غيره، وهما مصدران منصوبان بالفعلين المحذوفين وجوبا، وقد ناب كل منهما عن فعله في بيان معناه.
وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
وما لتفصيل كإما منا … عامله يحذف عنا
أي إذا دل هذا المصدر على تفصيل أمر مجمل قبله؛ فإن عامله يحذف وجوبا حيث عن؛ أي عرض. وأشار بقوله: "كإما منا" إلى الآية الكريمة التي ذكرها المصنف.
(٢) أي اسم ذات مجسمة؛ فلا يراد به أمر معنوي؛ كالعلم، والفهم، والنبل … إلخ. وجملة الشرط أربعة:
الأول: أن يكون المصدر مكررا، أو محصورا، أو مستفهما عنه، أو معطوفا عليه أيضا؛ نحو: أنت سيرا وطيرانا.
الثاني: أن يكون عامله خبر لمبتدأ، أو ما أصله المبتدأ.
الثالث: أن يكون هذا المبتدأ اسم عين.
الرابع: أن يكون معنى المصدر مستمرا إلى زمن الحال، لا منقطعا ولا مستقبلا. فإن فقد شرطا من هذه الشروط، كان الحذف جائزا لا واجبا.
(٣) الأول مثال للمكرر، والثاني والثالث للحصر. وإنما وجب حذف العامل فيهما؛ لقيام التكرير مقام العامل، وكذلك الحصر؛ لما فيه من التأكد القائم مقام التكرير.
стр. 554
وأأنت سيرًا؟ (١)
الرابعة: أن يكون مؤكدًا لنفسه أو لغيره، فالأول: الواقع بعد جملة وهي نص في معناه (٢)، نحو: له علي ألف عرفا، أي اعترافا (٣)، والثاني: الواقع بعد جملة تحتمل معناه وغيره، نحو: زيد ابني حقا (٤)،. . . . . . . . . . .
(١) مثال لدخول الاستفهام على المبتدأ، ووجوب الحذف في ذلك، لقيام الاستفهام في شدة الطلب للفعل، مقام التكرير، ويلاحظ أن الخبر في الجميع خبر عن اسم عين، فلو كان خبرا عن اسم معنى، نحو: إنما سيرك سير الجواد، تعين، رفع المصدر على الخبرية، بخلاف ما إذا كان خبرا عن اسم عين، فإنه يؤمن معه الخبرية؛ لأن المعنى لا يخبر به عن اسم العين إلا مجازا كما سبق.
وقد اقتصر الناظم في هذه المسألة على المكرر والمحصور، فقال:
كذا مكرر وذو حصر ورد … نائب فعل لاسم عين استند
أي كذلك يحذف المصدر وجوبًا، إذا وقع المصدر نائبا عن فعل محذوف استند لمبتدأ اسم عين، أي أخبر به عنه، وكان هذا المصدر مكررا، أو محصورا، ويزاد على ذلك: إذا كان مستفهما عنه، أو معطوفا عليه، كما بينا.
(٢) أي يكون مضمونها كمضمونه، ومعناها الحقيقي كمعناه لا تحتمل شيئا آخر.
(٣) فجملة "له على ألف" نص في الاعتراف لا تحتمل غيره، فمدلول الجملة هو مدلول المصدر، وسمي مؤكدا لنفسه؛ لأنه بمنزلة إعادة الجملة التي قبله.
(٤) فجملة "زيد ابني" تحتمل الحقيقة، وتحتمل المجاز على معنى: أنت مثل ابني في الحنو والعطف، وقد صارت نصا بالمصدر وهو "حقا"؛ لأنه أزال الشك ورفع المجاز وأثبت الحقيقة، ولذلك سمي مؤكدا لغيره؛ لأنه جعل ما قبله نصا بعد أن كان محتملا، وأثر فيه فكأنه غيره؛ لأن المؤثر غير المأثر.
стр. 555
وهذا زيد الحق لا الباطل، ولا أفعل كذا ألبتة (١).
الخامسة: أن يكون فعلًا علاجيا (٢) تشبيهيا، بعد جملة مشتملة عليه وعلى صاحبه (٣)، كمررت فإذا له صوت صوت حمار، وبكاء بكاء ذات داهية (٤).
(١) فجملة "لا أفعل كذا" تحتمل استمرار النفي وانقطاعه، وكلمة "ألبتة" رفعت احتمال الانقطاع وحققت استمرار النفي، والبت، والقطع، و"أل" فيها لازمة وهمزتها للقطع، وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
ومنه ما يدعونه مؤكدا … لنفسه أو غيره فالمبتدأ
نحو "له على ألف عرفا" … والثاني كـ"ابني أنت حقا صرفا"
أي من المصدر المحذوف عامله وجوبا، ما يسمى المؤكد لنفسه، والمؤكد لغيره، فالمبتدأ، أي النوع الأول، وهو المؤكد لنفسه، نحو: "له على ألف عرفا"، أي اعترافا، فاعترافا مصدر منصوب بفعل محذوف وجوبا، أي اعترف اعترافا، والنوع الثاني وهو المؤكد لغيره، نحو: "أنت ابني حقا"، وقد شرح هذا المثال، ومعنى صرفا، أي خالصا لا شبهة فيه، وهو نعت لحقا، المصدر النائب عن فعله المحذوف وجوبا.
(٢) أي يحتاج في إحداثة إلى علاج بتحريك عضو من الأعضاء، كالضرب والكلام، والمراد: أن معناه مما يطرأ ويتجدد، وليس من الأمور الثابتة، والسجايا الفطرية الملازمة، كالذكاء، والطول، والقصر،. . . . . . . . . . . إلخ.
(٣) جملة الشروط هي: كونه مصدرا، مشعرا بالتجدد، دالا على التشبيه، بعد جملة، مشتملة هذه الجملة على معناه وعلى فاعله المعنوي، ليس فيها ما يصلح للعمل فيه.
(٤) فالمصدر في المثالين فعل علاجي، دال على التشبيه، واقع بعد جملة وهي: له صوت
стр. 556
ويجب الرفع في نحو: له ذكاء ذكاء الحكماء؛ لأنه معنوي لا علاجي (١)، وفي نحو: صوته صوت حمار، لعدم تقدم الجملة، وفي نحو: فإذا في الدار صوت صوت حمار، ونحو: فإذا عليه نوح نوح الحمام، لعدم تقدم صاحبه (٢)، وربما نصب نحو هذين لكن
وله بكاء، وهذه الجملة مشتملة على اسم بمعناه، وهو المصدر الأول، ومشتملة كذلك على صاحب المصدر، وهو الهاء في أوله، وليس فيها ما يصلح للعمل في المصدر الثاني، فتعين أن يكون منصوبا بفعل محذوف وجوبا، يدل عليه الكلام، وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
كذاك ذو التشبيه بعد جمله … كـ"لي بكا بكاء ذات عضلة"
أي كذلك يجب حذف عامل المصدر، إذا قصد به التشبيه بعد جملة مشتملة على فاعله المعنوي كما بينا، واكتفى بالمثال عن بقية الشروط، نحو: لي بكاء بكاء ذات عضلة: أي لي بكاء أبكي بكاء ذات عضلة، والعضلة: الداهية أو الممنوعة من الزواج، أي بكاء من أصابتها داهية، فبكاء الثانية مصدر، دال على التشبيه، واقع بعد جملة. . . . . . . . . . . إلخ، وهو منصوب وهو منصوب بفعل محذوف وجوبا، ويجوز في هذين المثالين مع استيفاء جيمع الشروط، الرفع، على أن المصدر الثاني بدل من المصدر الأول، أو نعت له؛ لأنه تخصص بالإضافة إلى ما بعده.
(١) بل هو من الملكات الثابتة وإنما وجب الرفع من غير العلاجي؛ لأن نصب "صوت" وشبهه، إنما كان؛ لأن ما قبله بمنزلة "يفعل" مسندا إلى "فاعل"، فالتقدير في له صوت: هو يصوت، فاستقام نصب ما بعده لاستقامة تقدير الفعل في موضعه، وذلك غير ممكن في له ذكاء.
(٢) أما في المثال الأول، فإن الضمير المنتقل إلى الجار والمجرور، للمصدر لا لصاحبه، والضمير المجرور في "عليه" في الثاني، عائد على المنوح عليه لا على الناتح، فليس في الجملتين فاعل الفعل المقدر الذي ينصب المصدر.
стр. 557
على الحال (١).
تنبيه: مثل: له صوت صوت حمار، قوله:
ما إن يمس الأرض إلا منكب … منه وحرف الساق طي المحمل (٢)
لأن ما قبله بمنزلة: له طي (٣)، قاله سيبويه.
(١) أي من الضمير المستكن في الجار والمجرور، لا على أنه مفعول مطلق.
(٢) بيت من الكامل، لأبي كبير الهذلي -عامر بن الحليس- يصف تأبط شرا على الصحيح، "وهو ابن امرأته"، وليس الوصف لفرس، كما يقول بعض النحاة.
اللغة والإعراب: المنكب: مجمع عظم العضد والكتف، المحمل: علاقة السيف.
"ما" نافية مهملة، "إن" زائدة لتأكيد النفي، "الأرض" مفعول يمس، "إلا" أداة استثناء ملغاة.
"منكب" فاعل يمس. "منه" جار ومجرور صفة لمنكب، "وحرف الساق" معطوف على منكب ومضاف إليه، "طي" مفعول مطلق منصوب بمحذوف وجوبا، "المحمل" مضاف إليه.
المعنى: أن هذا الفتى ضامر مدمج الخلق كطي المحمل، إذا اضطجع لا يصل بطنه إلى الأرض، وإنما يمس الأرض منه منكبه وحرف ساقه، وإن له تجافيا كتجافي حمالة السيف.
الشاهد: في "طي المحمل"، فإنه مصدر منصوب بفعل محذوف وجوبا، وهو، وإن لم تسبقه جملة مستوفية للشروط التي ذكرناه، إلا أن الكلام السابق على المصدر، يدل على ما تدل عليه الجملة، كما ذكر المصنف.
(٣) أي: وهذه جملة مشتملة على المصدر وصاحبه.
فائدتان: أ إذا أضيف المصدر، مثلك ويلك، وويحك، وبعدك، يكثر نصبه على المفعولية المطلقة، وقيل مفعول به، ويجوز فيه -على قلة- الرفع على الابتدائية والخبر محذوف، أو العكس، وإذا أفرد جاز الأمران على السواء، وإذا كان معرفا بأل فالأحسن الرفع على الابتداء، تقول: الويل له، ويجوز نصبه على أنه مفعول لفعل محذوف، أما ما يفيد الطلب، نحو: صبر جميل، فيرفع على أنه مبتدأ أو خبر والثاني محذوف، أي صبر جميل أجمل، أو أمري صبر جميل.
ب هناك مصادر مسموعة بالنصب بصيغة التثنية مع الإضافة، مثل: لبيك وسعديك.
стр. 558
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحنانيك، ودواليك … إلخ، ونصبها بفعل محذوف وجوبا، وهي نائبة عنه، والأصل: ألبي لبيك، وأسعد سعديك، وحن حنانيك، وأداول دواليك.
ومعناها: أجيبك إجابة بعد إجابة، وأساعدك مساعدة بعد مساعدة، وتحنن علي حنانا بعد حنان، واجعل الأمر متداولا بيننا مرة بعد مرة، وهل هي مثناة حقيقة؟ أو المراد مجرد التكثير؟ رأيان وكلاهما، مقبول على حسب ما يقتضيه المقام، ومن المصادر ما هو مفرد منصوب ملازم للإضافة إلا في الضرورة، مثل -سبحان الله، أي براءة له من النقص، ومعاذ الله، أي عياذًا واستعانة به، وريحان الله أي استرزاق الله.
стр. 559
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسئلة والتمرينات:
١ عرف المفعول المطلق، وبين الفرق بينه وبين المصدر، ثم بين المصدر واسمه، ووضح ما تقول بالمثال.
٢ اذكر أنواع المفعول المطلق، ومثل لكل نوع بأمثلة من إنشائك.
٣ اذكر أربعة أنواع، مما ينوب عن المصدر في الانتصاب على المفعولية المطلقة، ومثل لما تقول بأمثلة من عندك.
٤ اشرح قول ابن مالك:
وما لتوكيد فوحد أبدا … وثن واجمع غيره وأفردا
٥ اذكر ثلاثة من المواضع التي يجب فيها حذف عامل المصدر، وهات أمثلة موضحة.
٦ فيما يأتي شواهد لبعض مسائل هذا الباب، بين موضع الشاهد وأعربه:
قال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾.
في الأمثال: لا تخبط عشواء، ولا ترجع القهقري.
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا … وبت كما بات السليم مسهدا
أسجنا وقتلا واشتياقا وغربة … ونأي حبيب إن ذا لعظيم
ويح الشباب من النعومة إنها … أعراض سم للشباب وشيك
أطربا وأنت قنسري … والدهر بالإنسان دواري
٧ أعرب البيت الآتي، واشرحه، وبين ما فيه من شاهد:
لأجهدن فإما دفع واقعة … تخشى وإما بلوغ السؤل والأمل
٨ ضع في المكان الخالي فيما يأتي: ما يصلح من أنواع المفعول المطلق، وبين نوعه:
تحتفل الهيئات كل عام … بعيد الأسرة، وهو تقليد استحدث … وأحبه الشعب. . . . . . . . . . . لأنه يبعث على تقوية الروابط .... بين أفراد الأسرة، وينمي الصلة … بينها، فيعيش المجتمع … وترفرف عيلهم أعلام السعادة.
٩ كن من إنشائك جملتين لكل من الآتي:
стр. 560
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أ مفعول مطلق محذوف عامله وجوبا.
ب مفعول مطلق مبين للنوع.
جـ مصدر واقع في الطلب.
د مفعول مطلق مبين للعدد.
١٠ بين فيما يأتي: أنواع المفعول المطلق، والمصدر، والعامل، ونوعه، وحكمه:
عجبا لبعض الناس يعيش عيش المترفين، وينصح غيره، نصح المتقشفين، ويذهب في الغواية كل مذهب، وينعي على العاملين بعض الانحراف سهوا أو خطأ، وإذا تحدث سمعت نصحًا، وكان المتحدث اللبق حقا، وتمنت لو قلت ذلك القول، وربما نطقت سمعا وطاعة، وإذا فتشت عنه وجدته المنافق حقا، وصحت في وجهه: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ فيا رب، حنانيك وعبادك المخلصين، وسحقا لأولئك العابثين المنافقين، ومعاذ الله أن تكون من الجاهلين أو المغرورين.
стр. 561
هذا باب المفعول له (١):
ويسمى: المفعول لأجله، ومن أجله (٢)، ومثاله: جئت رغبة فيك.
وجميع ما اشترطوا له خمسة أمور:
كونه مصدرًا (٣)، فلا يجوز جئتك السمن والعسل، قاله الجمهور، وأجاز يونس: أما العبيد فذو عبيد (٤)، بمعنى: مهما يذكر شخص لأجل العبيد فالمذكور ذو عبيد، وأنكره (٥)، سيبويه.
وكونه قلبيا (٦)، كالرغبة، فلا يجوز جئتك قراءة للعلم، ولا قتلًا للكافر، قال ابن الخباز (٧)، وغيره، وأجاز الفارسي: جئتك ضرب زيد (٨)، أي لتضرب زيدا.
هذا باب المفعول له:
(١) هو المصدر الذي يدل على سبب وعلة ما قبله، ويشارك عامله في وقته وفاعله.
(٢) أي لأجل ومن أجل شيء آخر، حصل بسببه المفعول، فالمراد ما فعل لأجله وبسببه فعل.
(٣) لأن المصدر يشعر بالعلية، أما الذوات فلا تكون في الغالب عللا للأفعال.
(٤) أي بنصب "العبيد" على أنه مفعول لأجله مع أنه غير مصدر، وزعم أن هذا لقول العرب، يقولونه إذا وصف شخص آخر بعبيد وغيرهم، كالمنكرين عليه وصف بغير العبيد.
وقال البعض: إنه مفعول لأجله بتقدير مضاف، أي أما تملك العبيد، فالمفعول هو المصدر المحذوف، وهو تملك.
(٥) أي أنكر القياس عليه، وقال: إن رواية النصب لغة ضعيفة.
(٦) أي من أفعال النفس الباطنة، وقيل في سبب اشتراط ذلك إن العلة هي السبب في إيجاد الفعل وسبب الشيء متقدم عليه، وأفعال الجوارح ليست كذلك ولم يشترط بعضهم ذلك، وأجاز: جئتك إكرامًا لي، وجئتك اليوم إكراما لك غدا.
(٧) هو شمس الدين، أحمد بن الحسين الخباز الإربلي الموصلي النحوي، الضرير. كان أستاذ بارعا، علامة زمانه في النحو واللغة والعروض، وله مصنفات مفيدة، منها: النهاية في النحو، وشرح ألفية ابن معطي، ومات بالموصل سنة ٦٣٧ هـ.
(٨) أي مع أن المصدر ليس قلبيا، وكذلك ليس مشتركا مع العامل في الفاعل؛ لأن فاعل المجيء غير فاعل الضرب، فكأن الفارسي لا يشترط هذين الشرطين.
стр. 562
وكونة علة (١): عرضا كان كرغبة، أو غير عرض كقعد عن الحرب جبنا.
واتحاده بالمعلل به وقتا (٢)، فلا يجوز تأهبت السفر (٣)، قال الأعلم والمتأخرون.
واتحاده بالمعلل به فاعلا (٤)، فلا يجوز جئتك محبتك إياي، قاله المتأخرون أيضا، وخالفهم ابن خروف (٥).
(١) هذا هو الأصل فيه، ومن أجل ذلك: يشترط ألا يكون من لفظ الفعل ولا من معناه، لئلا يصير مصدرا مؤكدا لعامله، أو مبينا لنوعه، أو عدده؛ لأن هذا كله يناقض التعليل.
(٢) أي بأن يتحد وقت الفعل "المعلل" والمصدر "المعلل" سواء حدث الفعل في بعض زمان المصدر، كجئتك طمع، أو في آخره، كحبستك خوفا من فرارك، أو العكس: كجئتك إصلاحًا لحالك.
(٣) لأن زمن التأهب غير زمن السفر، وأيضا فالسفر ليس قلبيا.
(٤) أي: بأن يكون فاعل الفعل وفاعل المصدر واحدا.
(٥) فقد أجاز النصب مع اختلاف الفاعل محتجًا بنحو قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، فإن فاعل الإرادة هو الله، وفاعل الخوف والطمع والعباد والمخاطبون، وقد أجيب: بأن الاتحاد في الفاعل تقديري، فإن معنى يريكم، يجعلون ترون، فيكون فاعل الرؤية هو فاعل الخوف والطمع، أو هو على حذف مضاف، أي إرادة الخوف والطمع، وإلى بعض هذه الشروط أشار الناظم بقوله:
ينصب مفعولا له المصدر إن … أبان تعليلا كـ"جد شكرا ودن
وهو بما يعمل فيه متحد … وقتا وفاعلا … ... … ...
أي ينصب المصدر على أنه مفعول له، إن أبان، أي أظهر سبب وعلة ما قبله، مثل: جد.
стр. 563
ومتى فقد المعلل شرطا منها، وجب -عند من اعتبر ذلك الشرط- أن يجره بحرف التعليل (١)، ففاقد الأول نحو: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ (٢)، والثاني نحو: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ (٣)، بخلاف: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٤)، والرابع (٥) نحو:
*فجئت وقد نضت لنوم ثيابها (٦)(١) ولا يسمى حينئذ مفعول لأجله، وإنما يجر بحرف التعليل، إلا إذا فقد التعليل منعا للتناقض، وحروف التعليل وهي: اللام، وفي، والباء، ومن. وقد اقتصر على اللام؛ لأنها الأصل.
(٢) "الأنام" علة الوضع، ولكنها ليست مصدرا، فجرت باللام.
(٣) "إملاق" علة القتل، ولكنه ليس قلبيا فخفض بمن.
(٤) أي: لأن الخشية مصدر قلبي، ولذا نصب.
(٥) وهو الاتحاد في الوقت، ولم يذكر فاقد الشرط الثالث، وهو: كونه علة، لإخراجه بقوله: ومتى فقد المعلل، ومثال ما ليس بعلته: قتلته صبرًا، فيجب نصبه على المفعولية المطلقة، ولا يجوز جره باللام؛ لأنه يفيد بذلك التعليل، والمقصود عدمه.
(٦) صدر بيت من الطويل، لامرئ القيس من معلقته المشهورة، عجزه:
لدى الستر إلا لبسة المتفضل
اللغة والإعراب: نضت: خلعت، بتشديد الضاد وتخفيفها، لدى الستر: عند الستار، لبسته المتفضل، ما تلبسه وقت النوم من قميص ونحوه، والمتفضل: المتوشح بثوبه، أو لابس الثوب الواحد. "وقد نضت" الواو للحال، والجملة حالية، والفاعل هي "لنوم" متعلق بنضت، واللام للتعليل، ثيابها. مفعول نضت، ومضاف إليه. "لدى" ظرف منصوب "بنضت"، "الستر" مضاف إليه. "إلا" حرف استثناء. "لبسة" منصوب على الاستثناء، "المتفضل" مضاف إليه.
المعنى: أتيت إلى محبوبتي، وقد خلعت ثيابها استعداد للنوم، ولم يبق عليها سوى ثوب واحد معد للنوم فيه، يزيد بذلك: أنها وليدة نعمة.
الشاهد: في قوله: "لنوم"، حيث جر بلام التعليل؛ لأن زمن النوم متأخر عن زمن خلع الثياب، فلم يتحدا في الوقت.
стр. 564
والخامس نحو:
وإني لتعروني لذكراك هزة (١)
وقد انتفى الاتحادان في: ﴿أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٢).
ويجوز جر المستوفي للشروط (٣) بكثرة إن كان بأل، وبقلة إن كان مجردًا (٤).
(١) صدر بيت من الطويل، لأبي صخر الهذلي، وعجزه:
*كما انتقض العصفور بلله القطر*
اللغة والإعراب: تعروني: تنزل بي، لذكراك: لتذكري إياك. هزة: رعدة وانتقاضة. انتقض العصفور: ارتعد وارتعش، القطر: المطر، "إني" إن واسمها. "لتعروني" اللام واقعة في جواب قسم محذوف، "لذكراك" اللام للتعليل، وذكراك مجرور بها، والكاف مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، "هزة" فاعل تعروني، "كما" الكاف للتشبيه، و"ما" مصدرية، "انتفض العصفور" فعل وفاعل، وما وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالكاف، "بلله القطر" الجملة من الفعل والمفعول والفاعل حال من العصفور بتقدير قد.
المعنى: إني لأضطرب، وتنزل بي، وتغشاني عند تذكرك رعدة ورعشة، كما يضطرب العصفور ويرتعش وينتفض، إذا نزل عليه المطر، وابتل بمائه.
الشاهد: في "لذكراك" حيث جره باللام، وهو علة لعرو الهزة، لاختلاف الفاعل؛ لأن فاعل العرو الهزة، وفاعل الذكرى، هو المتكلم.
وهذا البيت من قصيدته المشهورة التي مطلعها:
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها … فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
(٢) ففاعل الإقامة، المخاطب، وفاعل الدلوك -"وهو الميل عن وسط السماء"- الشمس، وزمنهما مختلف؛ لأن زمن الإقامة متأخر عن زمن الدلوك، ولذلك جر باللام، وفي الآية مانع آخر، وهو: أن المصدر ليس قلبيًا.
(٣) يشير بهذا إلى أن الشروط المذكورة هي لجواز النصب، لا لوجوبه، وأن الجر هو الأصل لجوازه مطلقًا.
(٤) وقد أشار الناظم إلى درجة النصب والجر، عند دخولهما في أقسام المفعول لأجله، فقال
стр. 565
وشاهد القليل فيهما قوله:
لا أقعد الجبن عن الهيجاء (١)
وإن شرط فقد
فاجرره بالحرف وليس يمتنع … مع الشروط كلزهد ذا قنع
وقل أن يصحبها المجرد … والعكس في مصحوب "أل" وأنشدوا
لا أقعد الجبن عن الهيجاء … ولو توالت زمر الأعداء
أي أنه إذا فقد شرط من الشروط المذكورة، فاجرره بحرف التعليل، ولا تنصبه، ولا يمتنع الجر مع استيفاء الشروط، تقول: هذا قنع لزهد. والمثال يدل على جواز تقديم المفعول له على عامله، منصوبا كان أو مجرورا، وقل أن يصحب الحرف المجرد من أل والإضافة، والعكس في المقرون بأل، أي أن الجر كثير، والنصب قليل، كما في قول الشاعر:
لا أقعد عن الهيجاء
أي لا أقعد عن الهيجاء للجبن، ولم يذكر الناظم حكم المضاف، وكلامه يشعر بأن النصب والجر فيه سيان.
(١) صدر بيت من الرجز، لم نقف على قائله، وعجزه:
ولو توالت زمر الأعداء
اللغة والإعراب: الجبن: الخوف والفزع، الهيجاء: الحرب، تقصر وتمد. توالت: تتابعت وتكاثرت، زمر: جماعات، جمع زمرة وهي الجماعة. "لا" نافية. "الجبن" مفعول له لأقعد. "عن الهيجاء" جار ومجرور متعلق بأقعد، "ولو" شرطية غير جازمة، "توالت"