أستغفر الله ذنبا لست محصيه (١)
فإنهما وإن كان على معنى "من" لكنها ليست للبيان؛ بل هي في الأول للاستغراق، وفي الثاني للابتداء (٢).
وحكم التمييز النصب. والناصب لمبين الاسم هو ذلك الاسم المبهم (٣)؛ كعشرين درهما. والناصب لمبين النسبة المسند من فعل أو شبهه (٤)؛ كطاب نفسًا، وهو طيب
(١) صدر بيت من البسيط، لم نقف على قائله، وعجزه:
رب العباد إليه الوجه والعمل
اللغة والإعراب: أستغفر: أطلب المغفرة. محصيه: ضابطا عدده، الوجه: القصد والتوجه، "ذنبا" مفعول ثان لأستغفر، أو منصوب على نزع الخافض؛ على تضمين أستغفر معنى استنيب. "لست محصيه" الجملة من ليس واسمها وخبرها صفة لـ"ذنبا"، "رب العباد" بدل من لفظ الجلالة، ومضاف إليه. "إليه" خبر مقدم. "الوجه" مبتدأ مؤخر. "والعمل" معطوف على الوجه.
المعنى: أطلب المغفرة والعفو من الله، على ذنوبي الكثيرة التي لا أحصيها؛ فهو رب الخلق جميعا، وإليه الالتجاء في كل شيء، وله يكون العمل والسعي.
الشاهد: في "ذنبا" فإنه ليس بتمييز؛ لأنه وإن كان على معنى "من"، إلا أنها ليست للبيان؛ فهو ليس مبينا لإبهام اسم قبله، أو لنسبة في جملة.
(٢) كأنه أراد استغفار يبتدئ من أول الذنوب إلى ما لا نهاية، وقيل: "من" هنا للتعليل، وهو أظهر.
(٣) أي الذي جاء التمييز لإيضاحة وإزالة الغموض عنه، وإنما عمل مع جموده؛ لشبهه باسم الفاعل؛ في الاسمية، وطلب المعمول في المعنى، ووجود ما به تمام الاسم؛ وهو النون والتنوين؛ فإن "عشرين درهما" -مثلًا- شبيه بضاربين محمدًا، ورطل زيتا شبيها بضارب عليا.
(٤) وهو الوصف كما مثل المصنف. وقيل: الناصب له الجملة التي يوضح النسبة فيها؛ لأنه قد لا يكون في الجملة فعل أو وصف؛ نحو: هذا أخوك إخلاصا، أو أبوك عطفا. فالقول بأن ناصبه الجملة مطرد.
стр. 667
أبوة. وعلم بذلك بطلان عموم قوله:
ينصب تمييزا بما قد فسره (١)(١) هذا عجز بيت من النظم، عرف الناظم بصدره التمييز، وهو بتمامه:
اسم بمعنى "من" مبين نكره … بنصب تمييزًا بما قد فسره
أي أن التمييز هو: الاسم النكرة المتضمن معنى "من"، الذي يبين إبهام ما قبله ويوضحه، وأن ناصبه هو ذلك الشيء المبهم، الذي جاء التمييز لإيضاحه. ووجه البطلان الذي أشار إليه المصنف: أن كلام الناظم يقتضي أن التمييز بنصب بما قد فسره؛ سواء كان مفسرا لإبهام اسم مفرد أو نسبة، مع أن تمييز النسبة ينصب بالجملة، أو بما فيها من فعل أو شبهه على الخلاف الذي ذكرناه، لا بالنسبة المفسرة، وأجاب الأشموني: بأن كلا من الجملة والفعل يوصف بالإبهام من حيث نسبته؛ فيصح كون التمييز مفسرا لهما باعتبار نسبتهما، فيصدق أنه نصب بمفسره. وعلى هذا يكون قول الناظم على عمومه، وقيل: إن ذلك خاص بتمييز المفرد، وخصه بالذكر؛ لأنه جامد غالبا، فربما ينوهم أنه لا يعمل.
стр. 668
فصل: الاسم المبهم أربعة أنواع
أحداها: العدد (١) كـ ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾.
والثاني: المقدار (٢)، وهو: إما مساحة (٣)؛ كشبر أرضا. أو كيل كقفيز برا (٤). أو
(١) سواء كان صريحا؛ كمثال المصنف ونحوه، أو كناية؛ ككم الاستفهامية نحو: كم رطلا اشتريت.
(٢) هو ما يعرف به قدر الشيء وكميته.
(٣) هي الأشياء التي يجري تقديرها بالقياس، ويدخلها العرف في كشبر، وباع … إلخ.
(٤) القفيز من المكاييل يختلف باختلاف الأقطار؛ ففي بعضها ١٨٢/ ٣؛ نحو ثمانية عشر وثلثين قدحا وفي آخر؛ نحو: ٤٨ قدحا، ومن الأرض ١٤٤ ذراعا، وليس مرادا هنا. والبر: القمح.
стр. 669
كمنوين عسلًا؛ وهو تثنية منا (١)؛ كعصا، ويقال فيه من بالتشديد وتثنية منان.
والثالث: ما يشبه المقدار (٢)؛ نحو: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾، ونحي سمنا (٣)، ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٤). وحمل على هذا: "إن لنا غيرها إبلًا" (٥).
والرابع: ما كان فرعًا للتمييز (٦)؛ نحو: خاتم حديدًا؛ فإن الخاتم فرع الحديد، ومثله: باب ساجا (٧)، وجبة خزًا، وقيل: إنه حال (٨).
(١) المنا: رطلان: وهذه الأمثلة ذكرها الناظم بقوله:
كشبر أرضا، وقفيز برا … ومنوين عسلًا وتمرا
(٢) أي في مطلق التقدير، وإن لم يكن معينا ومحدودا، أو لم يوضع للتقدير به، وهذا النوع يكون في الوزن والكيل والمساحة، وقد مثل له المصنف على هذا الترتيب.
(٣) النحي: الزق مطلقا، أو هو خاص بوعاء السمن، وجمعه أنحاء، وهو يشبه الكيل، وليس بكيل حقيقة.
(٤) "مثل" اسم يدل على المماثلة من غير ضبط بحد معلوم، فهو شبيه بالمساحة، وليس مساحة حقيقة.
(٥) "إبلا" منصوب على التمييز من غير؛ لأنها اسم مبهم يدل على المغايرة، وهم يحملون المغايرة عى المماثلة.
(٦) ضابطه: كل فرع أصبح له بسبب التفريع اسم خاص يليه أصله؛ بحيث يصح إطلاق الأصل عليه.
(٧) الساج: نوع من الخشب.
(٨) أي؛ لأنه يس مقدارًا ولا شبيها بالمقدار، وأيضًا: فقد يقع نعتا تابعًا للأول، وكل ما يتبع النكرة نعتا لها، ينصب بعد المعرفة حالا، وإذا أعرب حالا، كان التابع نعتا. أما من يقول بأنه تمييز فحجته: جموده، ولزومه، وتنكيره صاحبه، والغالب في الحال غير ذلك. وإذا أعرب تمييز؛ فالتابع عطف بيان، وتسمى هذه الأنواع الأربعة: تمييز المفرد أو الذات؛ لأنها تزيل الإبهام عن كلمة واحدة، أو ما هو بمنزلتها، والغالب في تلك الكلمة أن تكون شيئا محسوسا مجسما.
стр. 670
والنسبة المبهمة نوعان (١): نسبة الفعل للفاعل؛ نحو: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (٢). ونسبته لمفعول؛ نحو: ﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا﴾ (٣).
ولك في مميز الاسم أن تجره بإضافة الاسم (٤)؛ كشبر أرض، وقفيز بر، ومنوي
(١) تمييز النسبة ويسمى تمييز الجملة -هو: الذي يزيل الإبهام والغموض عن المعنى المنسوب فيها؛ لشيء من الأشياء.
(٢) نسبة "اشتعل" إلى الرأس مبهمة؛ فبين هذا الإبهام بالتمييز؛ وهو "شيبا" وهو محول عن الفاعل؛ لأن الأصل اشتعل شيب الرأس؛ فحول الإسناد من المضاف إلى المضاف إليه فارتفع، وحصل إبهام في الإسناد إليه، فجيء بالمضاف الذي كان فاعلا، وحول عنه الإسناد فجعل تمييزا.
(٣) نسبة "فجرنا" إلى الأرض مبهمة، و"عيونا" تمييز مبين لذلك الإبهام، والأصل: وفجرنا عيون الأرض، فعمل به ما عمل بسابقه، ويرى أكثر النحاة: أن تمييز الجملة لا يخرج عن واحد من هذين، ولو تأويلا؛ مثل: زادت البلاد سكانا، واختلف الناس طباعا، ووفيت العمال أجورا.
(٤) ويحذف من الاسم ما به تنوين، أو نون تشبهه. وقد يكون جره بحرف الجر "من"؛ كما سيأتي، ومع جره يسمى تمييز، فالجر لا يمنع من هذه التسمية.
وفي ذلك يقول الناظم:
وبعد ذي وشبهها اجرره إذا … أضفتها؛ كـ"مد حنطة غذا
أي بعغد هذه الأشياء التي عرض أمثلتها في البيت السابق، وهي ما دل على مساحة أو كيل أو وزن، أو ما يشبهها؛ من كل لفظ جرى العرف على استعماله في واحد منها، اجرر التمييز بالإضافة؛ بشرط أن يكون المميز مضافا للتمييز مباشرة، والمد: رطل وثلث رطل. والحنطة: القمح.
стр. 671
عسل إلا إذا كان الاسم عددًا (١) كعشرين درهما، أو مضافًا (٢)؛ نحو: ﴿بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ و ﴿مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا﴾.
فصل: من مميز النسبة: الواقع بعد ما يفيد التعجب (٣)؛ نحو: أكرم به أبا، وما أشجعه رجلًا، ولله دره فارسا (٤). والواقع بعد اسم التفضيل، وشرط نصب هذا كونه
(١) إذا كان العدد من ثلاثة إلى عشرة وجب جر تمييزه بإضافة العدد إليه، والغاب في هذا التمييز المجرور: أن يكون جمعا. والعدد من أحد عشر إلى تسع وتسعين، يجب نصب تمييزه؛ وأن يكون مفردًا، والمائة والمائتان والمئات والألف والألوف، يجب أن يكون التمييز فيها مفردًا مجرورا.
(٢) أي: إذا أضيف العدد إلى غير التمييز -ولو تقديرا- وجب نصب تمييزه أيضًا لامتناع إضافته مرة أخرى. قال الناظم مشيرا إلى ذلك:
والنصب بعد ما أضيف وجبا … إن كان مثل "ملء الأرض ذهبا
أي يجب نصب التمييز؛ إذا أضيف العدد إلى غير التمييز كما مثل؛ فذهبا تمييز لملء واجب النصب، ولا يجوز جره بالإضافة؛ لأن "ملء" أضيف مرة لغير التمييز، فلا مرة أخرى.
(٣) سواء كان التعجب بصيغتيه القياسيتين، أو بغيرهما من الصيغ السماعية، ويجب نصب التمييز الواقع بعده.
(٤) فأبا، ورجلا، وفارسا: تمييز لبيان جنس المتعجب منه، المبهمم في النسبة، والدر في الأصل: مصدر در اللبن يدر در؛ إذ أكثر، وسمي اللبن نفسه درًا. والمراد هنا: اللبن الذي
стр. 672
فاعلًا معنى (١)؛ نحو: زيد أكثر مالًا بخلاف مال زيد اكثر مال (٢).
وإنما جاز هو أكرم الناس رجلًا؛ (٣) لتعذر إضافة "أفعل" مرتين (٤).
ارتضعه من ثدي أمه، وأضيف إلى الله تشريفا، ومعناه: ما أعجب هذا اللبن الذي ارتضعه، وأضيف إلى الله تشريفا، ومعناه: ما أعجب هذا اللبن الذي ارتضعه هذا الرجل، وتغذى به؛ لأنه أنشأ شخصا لا مثيل له في صفات الكمال، فهو لبن من عند منشئ الخلائق ومبدعها، وهو الله ، وإلى هذه الصورة يشير الناظم بقوله:
وبعد كل ما اقتضى تعجبا … ميز كـ"أكرم بأبي بكر أبا
أي يقع التمييز بعد كل ما يدل على التعجب؛ قياسا أو سماعا، ويجب نصبه كما مثل.
(١) علامة ما هو فاعل في المعنى: ألا يكون من جنس ما قبله، وأن يستقيم المعنى بعد جعله فاعلا، وجعل أفعل التفلضيل فعلا؛ فتقول في مثال المصنف: زيد كثر ماله.
(٢) فيجب جره بالإضافة؛ لأنه ليس بفاعل بالمعنى، وضابط هذا النوع: أن يكون أفعل التفضيل بعضا من جنس التمييز، ويصح أن يوضع لفظ "بعض" موضع اسم التفضيل، ولا يفسد المعنى؛ ففي المثال المذكور يصح أن يقال: "مال زيد بعض مال". وإنما يجب الجر بالإضافة إذا كان أفعل التفضيل غير مضاف لشيء آخر غير التمييز، فإن كان مضافا وجب نصب التمييز؛ نحو: علي أفضل الناس إخوة، وهند أفضل النساء أخوات، وكذلك إذا كان غير مضاف؛ نحو: أنت أذكى من محمد عقلا.
(٣) أي بنصب "رجلا" مع تخلف شرط النصب؛ لأن "رجلا" لا يصح أن يكون فاعلا في المعنى؛ فلا يقال: هو كرم رجل.
(٤) فقد أضيف إلى الناس. فلو أضيف إلى رجل أيضًا لزم ذلك، ونصب التمييز في هذا واجب كما تقدم، وإلى صورة أفعل التفضيل أشار الناظم بقوله:
والفاعل المعنى انصبن بأفعلا … مفضلا كـ"أنت أعلى منزلا
أي أن التمييز الواقع بعد أفعل التفضيل يجب نصبه؛ إذا كان فاعلا في المعنى؛ كم مثل الناظم، فـ"منزلا" في المثال يجب نصبه؛ لأنه لا يصح جعله فاعلا بعد جعل أفعل التفضيل فعلا؛ تقول: أنت علا منزلك.
стр. 673
فصل: ويجوز جر التميز بـ"من" (١)؛ كرطل من زيته إلا في ثلاث مسائل:
إحداها: تمييز العدد (٢) كعشرين درهما.
الثانية: التميز المحول عن المفعول (٣) كغرست الأرض شجرًا، ومنه: ما أحسن زيدًا أدبًا (٤) بخلاف ما أحسنه رجلًا (٥).
الثالثة: ما كان فاعلًا في المعنى: إن كان محولًا عن الفاعل صناعة؛ كطاب زيد نفسًا. أو عن مضاف عن غيره؛ نحو: زيد أكثر مالًا (٦)؛ إذ أصله: مال زيد أكثر، بخلاف
(١) أي ظاهرة، واختلف في معناها حينئذ؛ فقيل زائدة، وقيل للتبعيض، والأظهر أنها لبيان الجنس.
(٢) بينا قريبا حكم تمييز العدد. وسبب عدم جره بمن: أن وضع "من" البيانية أن يفسر بها، وبما بعدها اسم جنس قبلها صالح لحمل ما بعدها عليه. وتمييز العدد لا يصلح للجمل؛ لأنه مفرد وما قبله متعدد.
(٣) لأنه التمييز فيه مفسر للنسبة، لا للفظ المذكور، فما بعد "من" من مطلق التمييز مبين لما قبلها، فلا يصح حمله عليه، وكذلك الشأن في المحول عن الفاعل.
(٤) فهو محول عن المفعول، والأصل: ما أحسن أدب زيد.
(٥) أي فإنه وإن كان مفعولا في المعنى إلا أنه ليس محولا عن المفعول؛ لأنه عين ما قبله؛ فلا يصح أن يقال: ما أحسن رجل زيد.
(٦) فإن "مالا" محول عن المبتدأ، كما بين المصنف.
стр. 674
نحو: لله دره فارسًا
وأبراحت جارا (١)
فإنهما وإن كانا فاعلين معنى؛ إذ المعنى: عظمت فارسًا، وعظمت جارا (٢). إلا أنهما غير محولين، فيجوز دخول "من" عليهما؛ من ذلك (٣) نعم رجلًا زيد يجوز نعم من رجل قال:
فنعم المرء من رجل تهامي (٤)(١) أبرحت -بكسر التاء- خطاب للمؤنث؛ أي أعجبت وهذه العبارة مأخوذة، من بيت للأعشى، من قصيدة يمدح فيها قيس بن معدي كرب الكندي، وهو:
أقول لها حين جد الرحيل … أبرحت ريا وأبرحت جارا
والضمير في "لها" يعود إلى الناقة التي ارتحل عليها لممدوحه. جد الرحيل: اشتد.
أبرحت: عظمت، أو عجبت. ربا: المراد به الممدوح الذي يقصده الشاعر بشعره؛ إذا فسر "أبرحت" بعظمت؛ أي عظمت ملكا؛ بمعنى: ما أعظم الملك الذي نقصدينه، ويكون ربا تمييزا، وإذا فسر أبرحت بأعجب، فالمراد بالرب صاحب الناقة، ويكون "أبرحت" على هذا فعلا متعديا، و"ربا" مفعولا به؛ كأنه قال: أعجبت صاحبك. مثله جارا.
المعنى: يتخيل أن ناقته شكت إليه طول سفرها، وما احتملته من مشاق ومتاعب؛ فيقول لها: لا تستعظمي ما تلاقينه من الجهد والتعب؛ فإنك تذهبين إلى ملك عظيم يجزل العطاء الذي ينسى معه كل جهد وعناء.
(٢) فيكون "فارسا وجارا": واقعين على مدلول التاء التي هي الفاعل؛ فيلزم أن يكونا فاعلين في المعنى.
(٣) أي من الفاعل، في المعنى غير المحول عن الفاعل صناعة.
(٤) عجز بيت من الوافر؛ ينسب لأبي بكر بن الأسود الليثي، يرثي هشام بن المغيرة، أحد أشراف مكة، وصدره.
تخيره ولم يعدل سواه
وقبل هذا البيت:
فذرني أصطبح يا بكر إني … رأيت الموت نقب عن هشام
стр. 675
فصل: لا يتقدم التمييز على عامله ؛ إذا كان اسمًا كرطل زيتا، أو فعلًا جامدًا (١)؛ نحو: ما أحسنه رجلًا. وندر تقدمه على المتصرف؛ كقوله:
أنفسا تطيب بنيل المنى (٢)
ومعنى اصطبح: اشرب الصبوح؛ وهو شرب الخمر صباحا، ويقابه الغبوق؛ وهو شربها في العشي. ونقب: بحث.
اللغة والإعراب: تخيره: اختاره واصطفاه، لم يعدل: لم يمل. تهامي: منسوب إلى تهامة، وتطلق على مكة، وعلى أرض معروفة ببلاد العرب. "تخيره" فعل ماض، والفاعل يعود على الموت، والهاء مفعوله، تعود على هشام. "فلم" الفاء عاطفة، ولم جازمة نافية. "سواه" مفعول يعدل، منصوب بفتحة مقدرة على الألف، والهاء مضاف إليه. "فنعم" الفاء عاطفة، ونعم فعل ماض. "المراء" فاعل. و"من" زائدة، "رجل" تمييز للمرء منصوب بفتحة مقدرة؛ منع منها حرف الجر الزائد. "تهامي" صفة لرجل.
المعنى: أن الموت اختار هشاما، ولم يعدل به سواه، ولم يمل إلى غيره من الناس، فهو نعم الرجل من تهامة.
الشاهد: جر التمييز وهو "رجل" بمن؛ لأنه -وإن كان فاعلا في المعنى- لكنه غير محول عن الفاعل الصناعي. وقد اقتصر الناظم على مسألتين مما ذكره المصنف، فقال:
واجرر بـ"من" إن شئت غير ذي العدد … والفاعل المعنى؛ كـ"طب نفسا تفد
أي يجوز جر التمييز بالحرف "من"؛ بشرط ألا يكون التمييز للعدد الصريح، وألا يكون فاعلا في المعنى؛ مثل: طب نفسا تفد؛ أي تستفد؛ فإن الأصل: لتطب نفسك، ثم حول الكلام؛ فصار الفاعل تمييزا. فلا يصح جر "نفسا" بمن.
(١) وكذلك إذا كان فعلا متصرفا يؤدي معنى الفعل الجامد؛ نحو: كفى بالله شهيدا، فإن "كفى" فعل متصرف، ولكنه بمعنى فعل التعجب وهو غير متصرف؛ لأن معناه ما أكفاه.
(٢) صدر بيت من المتقارب، ينسب لرجل من طيئ، لم يعين اسمه، وعجزه.
стр. 676
وقاس على ذلك المازني والمبرد والكسائي (١).
وداعي المنون ينادي جهارا
اللغة والإعراب: تطيب: تطمئن. نيل المنى: إدراك المأمول، والمنى: جمع منية؛ وهي ما يتمناه الإنسان ويأمله، المنون: الموت. "أنفسا" الهمزة للاستفهام، و"نفسا" تمييز معمول لتطيب. "وداعي المنون" الواو للحال، "داعي" مبتدأ. و"المنون" مضاف إليه. "ينادي" الجملة خبر المبتدأ. "جهارا" مفعول مطلق.
المعنى: كيف تستلذ نفس الإنسان وتطمئن بما تظفر به من الأماني والآمال؛ ورسول الموت يطلبها طلبا شديدا، لا شك فيه.
الشاهد: تقديم "نفسا" وهو تمييز على عامله، وهو تطيب؛ لأنه فعل متصرف، وهذا نادر عند سيبويه والجمهور.
(١) وحجتهم ما ذكر، وأيضا: القياس على غيره من الفضلات المنصوبة بفعل متصرف.
والأجواد عدم جواز التقديم، إلا لضرورة كما يقول سيبويه؛ لأن التمييز كالنعت في الإيضاح، والنعت لا يتقدم على عامله، فكذلك ما أشبهه، وأيضا فالغالب في التمييز المنصوب بفعل متصرف، أن يكون فاعلا في الأصل، فلا يغير عما كان يستحقه من وجوب التأخير، أما البيت ونحوه فضرورة، وفي حكم تقديم التمييز، وعدم تقديمه، يقول الناظم:
وعامل التمييز قدم مطلقا … والفعل ذو التصريف نزرا سبقا
أي أن عامل التمييز يجب تقديمه؛ سواء كان التمييز تمييز مفرد أو نسبة، وإذا كان عامل التمييز فعلا متصرفا، فقد يتأخر هذا العامل، ويتقدم التمييز عليه نادرا.
أما توسط التمييز بين العامل ومعموله، فجائز؛ بشرط أن يكون العاملا فعلا أو وصفا يشبه؛ نحو: صفا نفسا الورع.
стр. 677
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد:
أ العدد غير الصريح مثل: "كم" يجوز جر تمييزه بمن؛ تقول: كم من كتاب عندك.
ب ملخص ما قيل في إعراب "يا جارتا ما أنت جارة": أن "يا" حرف نداء، و"جارتا" منادى منصوب؛ لإضافته لياء المتكلم المنقلبة ألفا؛ وأصله "يا جارتي"، و"ما": إما أن تكون نافية تفيد التعجب. و"أنت جارة" جملة اسمية من مبتدأ وخبر.
المعنى: لست جارة. وإنما أنت شيء أكبر من ذلك؛ فأنت بمنزلة الأم أو الأخت أو القريبة؛ إعلانا للتعجب من إخلاصها، الذي لا يصدر إلا عن واحدة من هؤلاء، لا عن جارة، وإما أن تكون "ما" استفهامية خبرا مقدما، و"أنت" مبتدأ مؤخر، و"جارة" تمييز.
ومعنى الجملة: التعجب؛ بسبب أداة الاستفهام الدالة على التعظيم، ويجوز في هذه الصورة: أن تكون "جارة" حالا مؤوله بمعنى ملاصفة، كما يجوز أن تكون "ما" نافية. والجملة بعدها منفية؛ أي أنت ليست أهلا أن تكوني جارة … إلخ.
جـ يتفق الحال والتمييز في أن كلا منهما: اسم، نكرة، منصوب، فضلة، راف للإبهام. ويختلفان في الأمور الآتية.
١ التمييز لا يكون إلا اسما مفردا، أما الال فيجيء جملة، وشبه جملة "ظرفا وجارا ومجرورا".
٢ التمييز يكون مبينا للذوات أو النسبة، أما الحال فلا يكون إلا مبنيا للهيئات.
٣ التميز لا يتعدد إلا بالعطف، أما الحال فتتعدد بعطف، وغير عطف.
٤ التمييز في الغالب يكون جامدا، أما الحال فيكون مشتقة وجامدة، وقد يأتي التمييز مشتقا.
٥ الراجح عدم تقديم التمييز على عامله، إذا كان فعلا مشتقا أو وصفا يشبهه، أما الحال فيجوز فيه ذلك.
٦ التمييز لا يكون إلا مؤكدا لعامله على الصحيح أما الحال فقد تكون مؤكدة، وأما قول الشاعر:
تزود مثل زاد أبيك فينا … فنعم الزاد زاد أبيك زادا
فالصحيح أن "زاد" معمول لتزود؛ إما مفعولا مطلقا إن أريد به التزود، أو مفعولا به إن
стр. 678
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أريد الشيء الذي يتزود به من أفعال البر، وعليهما فـ"مثل " نعت له تقدم فصار حالا.
وأما قول الآخر:
نعم الفتاة فتاة هند لو بذلت … رد التحية نطقا أو بإيماء
ففتاة حال مؤكدة.
стр. 679
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأسئلة والتمرينات:
١ عرف التمييز ووضح نوعية، وبين فيما يكون كل منهما؟ مع التمثل.
٢ ما حكم التميز الواقع بعد ما يفيد التعجب أو التفضيل؟ وضح ما تقول بالمثال.
٣ متى يجب نصب التمييز؟ ومتى يجب جره؟ ومتى يمتنع ذلك؟ مثل لما تذكر.
٤ ما حكم التمييز بالنسبة لعامله؛ من حيث تقدمه عليه، أو تأخره عنه؟ وضح.
٥ اشرح قول ابن مالك:
واجرر بمن إن شئت غير ذي العدد … والفاعل المعنى كـ"طب نفسا تفد
٦ بين موضع الشاهد فيما يأتي في هذا الباب، وأعرب ما تحته خط:
قال تعالى: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾.
﴿اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾.
﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا﴾.
﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾.
﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَة﴾.
أتهجر ليلى بالفراق حبيبها … وما كان نفسا بالفراق تطيب
إذا المرء عينا قر بالعيش مثريا … ولم يعن بالإحسان كان مذمما
طافت أمامة بالسر كبان آونة … يا حسنه من قوام ما ومنتقبا
إنا لقوم أبت أخلاقنا كرما … أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا
٧ اشرح اليت الآتي شرحا أديبا، وأعربه، وبين ما فيه من شاهد:
كفى بالمرء عيبا أن تراه … له وجه وليس له لسان
٨ بين في العبارات الآتية: التمييز، نوعه، عامله، حكمه؛ من حيث النصب والجر:
كان سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ من أطيب الناس عنصرا وأكثرهم عدلا؛ حتى لقب بالفاروق، ومع هذا كان أرقهم قلبا، ولقد عظم عند رسول الله ﷺ رجلا، فلله دره بطلا، وأنعم به جريئا في الحق، لا يخاف فيه لومة لائم. اشترك.
стр. 680
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مع الرسول في جميع الغزوات؛ فيا له من شجاع، وما أحسنه مقدامًا، يجود بروحه فداء لغيره، ودفاعا عن دينه، أحسن بالفدائيين رجالا مدافعين عن وطنهم المغتصب.
٩ أكمل الجمل الآتية بوضع تمييز مناسب، واضبطه بالأوجه الجائزة:
- أعطيت الفقراء من الزكاة كلية … ...
- اشتريت رطلين … ...
- في كيس نقودي عشرة … ... وثلاث … ...
- قابلني ثلاثون من المجاهدين فأعطيتهم … ...
- جنينا محصول فدان … ...
- ما في الأرض قدر راحة … ...
١٠ هات مثالين من إنشائك لما يأتي، ووضح السبب:
أ- تمييز جملة واجب المطابقة للاسم السابق.
ب- تمييز جملة تمتنع مطابقته للاسم السابق.
جـ- تمييز جملة تجوز فيه المطابقة وعدمها للاسم السابق.
стр. 681
هذا باب حرف الجر (١):
وهي عشرون حرفًا (٢): ثلاثة مضت في الاستثناء؛ وهي: خلا، وعدا، وحاشا.
هذا باب حروف الجر:
(١) هكذا: سماها البصريون، وعللوا ذلك بأنها تعمل الجر فيما بعدها؛ ظاهرا أومقدر أو محليا، كما قيل: حروف النصب، والجزم لذلك. أو؛ لأنها تجر معاني الأفعال وشبهها، وتوصلها إلى ما تجره، ومن أجل هذا سماها الكوفيون: "حروف الإضافة"؛ لأنها تضيف معاني الأفعال، وتربطها بما بعدها.
(٢) أي على المشهور، وفي بعضها خلاف. وقد جمعها الناظم في قوله:
هاك حروف الجر وهي من إلى … حتى خلا حاشا عدا في عن على
مذ منذ رب اللام كي واو وتا … والكاف والبا ولعل ومتى
وهذه الحروف تقع كلها أصلية؛ إلا "من" و"الباء" و"اللام" و"الكاف"؛ فتستعمل زائدة أحيانا، أما "رب" و"لعل" فإنهما حرفا جر، شبيهان بالزائد. وحرف الجر الزئاد لا يفيد معنى جديدا؛ وإنما يقوى المعنى القائم الجملة، ويؤكده ولا يحتاج لشيء يتعلق به، والمجرور به يكون مجرورا في اللفظ فقط، ومحله رفع أو نصب، أو جر على حسب ما يقتضيه العامل، أما حرف الجر الشبيه بالزائد فيفيد معنى جديدا في الجملة؛ هو التقليل، ولا يحتاج لمتعلق كالزائد، ويجر ما بعدها لفظا، وله محل من الإعراب كالزائد، ولذلك سمي شبيها بالزائد. وأما حرف الجر الأصلي فيؤدي معنى جديدا في الجملة، ويوصل بين معنى العامل والاسم المجرور به، ويظهر معناه في جملته، وعلى ما بعده، ولا بد له من متعلق -أي عامل- يتعلق به؛ من فعل أو شبهه؛ لأن مهمته توصي المعنى بين العامل والاسم المجرور، والمجرور به مجرور في اللفظ، وقد يكون مع ذلك في محل رفع أو نصب أو جر -على حسب العوامل؛ فله إعراب لفظي، وآخر محلي وكل حرف من حروف الجر المذكورة قد يتعدد معناه، وقد يشاركه غيره في بعض المعاني، وبعض الحروف المشتركة قد يكون أوضح في تأدية المعنى من غيره إلى غير ذلك؛ مما سيمر بك مفصلا -إن شاء الله.
стр. 682
وثلاثة شاذة:
أحدها: "متى" في لغة هذيل (١)، وهي بمعنى "من" الابتدائية (٢). سمع من بعضهم أخرجها متى كمه (٣)، وقال:
متى لجج خضر لهن نئيج (٤)(١) من القبائل العربية القحطانية التي عنها أخذ اللسان العربي. وكان فيها شعراء كثيرون مشهورون؛ منهم: أبو ذؤيب الهذلي.
(٢) قال في الهمع: "وتأتي اسما بمعنى "وسط" حكى، و"ضعها متى كمه"؛ أي وسطه وهي حينئذ مبنية؛ لمشابهتها الحرفية.
(٣) أي من كمه.
(٤) عجز بيت من الطويل، لأبي ذؤيب الهذلي يصف سحابا، وصدره:
شربن بماء البحر ثم ترفعت
اللغة والإعراب: شربن، المراد: حملن الماء، والضمير للسحاب، ترفعت: ارتفعت وتصعدت، لجج: جمع لجة؛ وهي معظم الماء، نئيج: مر سريع بصوت، "شربن" فعل ماض، ونون النسوة فاعل، وقد ضمن معنى تروين. فعداه بالباء، أو الباء بمعنى. "من".
"متى" حرف جر أصلي بمعنى "من" لجج "مجرور بها على لغة هذيل، والجار والمجرور متعلق بشربن. "خضر" نعت لجج، "لهن نئيج" مبتدأ وخبر، والجملة صفة للجج، أوحال من النون في شربن، على زعم العرب.
المعنى: هذا البيت يعبر عما كان العرب يعتقدون؛ من أن للسحب شبه خراطيم، تدنو من البحر الملح في بعض الأماكن، فتأخذ من مائه ما شاءت ثم تصعد إلى الجو سريعا ولها دوي، فيعذب هذا الماء وينتقل ثم ينزل إلى حيث يشاء الله مطرا. ونستطيع أن نفسر هذا الاعتقاد الساذج بما يتفق مع ما قرره العلم اليوم، وهو أنه كناية عن تصعد ماء البحار بوساطة حرارة الشمس، وتنقله من جهة إلى أخرى بالهواء، حتى يرتفع إلى حيث يشاء الله، ويكون سحبا تنزل بعد مطرا.
الشاهد: استعمال "متى" بمعنى "من" على لغة هذيل، وجرها "لجج".
стр. 683
والثاني: "لعل" في لغة عقيل (١) قال:
لعل الله فضلكم علينا (٢)
ولهم في لامها الأولى: الإثبات، والحذف، وفي الثانية: الفتح، والكسر (٣).
والثالث: "كي"، وإنما تجر ثلاثة؛
أحدها: "ما" الاستفهامية (٤)؛ يقولون إذا سألوا عن علة الشيء: "كميه" (٥)، والأكثر أن يقولوا "لمه".
(١) قبيلة عربية، أبوها عقيل بن كعب ربيعة، من قيس عيلان بن مضر.
(٢) صدر بيت من الوافر، لم ينسب لقائل، وعجزه:
بشيء إن أمكم شريم
اللغة والإعراب: لعل: حرف جر شبيه بالزائد، ومعناه الترجي، قيل: وهو هنا بمعنى الإشفاق، ولا يتعلق بشيء. فضلكم: زادكم. شريم: هي المرأة المقضاة التي اختلط مسلكاها؛ ويقال فيها: شرماء وشروم. "لعل" حرف ترج وجر شبيه بالزائد. "الله" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة؛ منع منها حرف الجر الشبيه بالزائد. "فضلكم" الجملة خبر. "إن أمكم شريم" الجملة من إن ومعموليها لا محل لها، وهي بمنزلة التعليل لما قبلها؛ إن قرئت بكسر إن، وبفتحها في تأول مصدر مجرور على أنه بدل من شيء.
المعنى: آمل في يكون الله فضلكم علينا وأكرمكم؛ لأن، أو يكون أمكم بهذه الحالة؛ قد اختلط قبلها بدبرها. وهذا -من الشاعر- تهكم واستهزاء.
الشاهد: استعمال "لعل" حرف جر على لغة عقيل، وقد جر بها لفظ الجلالة.
(٣) هذه اللغات ليست خاصة بـ"لعل" التي يجر الاسم بعدها -كما رآه بعضهم، بل جاءت في لغات العرب عامة.
(٤) أي التي يسأل بها عن سبب الشيء وعلته.
(٥) أصلها: كيما؟ أي "لما"، ومعروف أن "ما" الاستفهامية إذا جرت تحذف ألفها، ويحل محلها "هاء السكت" في الوقف؛ حفظا للفتحة الدالة على الألف، ويقال في إعرابها:
стр. 684
الثاني: "ما" المصدرية وصلتها (١) كقوله:
يراد الفتى كيما يضر وينفع (٢)
أي للضر والنفع، قاله الأخفش، وقيل: "ما" كافة (٣).
الثالث: "أن" المصدرية، وصلتها؛ نحو: جئت كي تكرمني، فإذا قدرت "أن" بعدها (٤)؛ بدليل ظهورها في الضرورة كقوله:
لسانك كيما أن تغر وتخدعا (٥)
كي حرف جر أصلي للتعليل، و"ما" استفهامية مجرورة بكي حذفت ألفها وجوبا لما بينا.
(١) أي المصدر المنسبك من "ما" وصلتها، فإن هذا هو المجرور محلا بالحرف.
(٢) عجز بيت من الطويل، لقيس بن الخطيم، وقيل للنابغة، وصدره:
إذا أنت لم تنفع فضر فإنما
اللغة والإعراب: يراد: يقصد. "إذا" ظرف مضمن معنى الشرط، في محل نصب بضر. "أنت" فاعل لفعل محذوف، هو فعل الشرط، يفسره المذكور. "لم تنفع" الجملة مفسرة. "فضر" الفاء واقعة في جواب "إذا"، و"ضر" فعل أمر، ويجوز في رائه الفتح للخفة، والضم؛ إتباعا لحركة الضاد، والكسر للتخلص "فإنما" للتعليل، وإنما أداة حصر، "يراد الفتى" فعل ونائب فاعل. "كي" جارة تعليلية بمنزلة اللام، و"ما" مصدرية؛ وهي وما بعدها في تأويل مصدر مجرور بكي.
المعنى: إذا لم يكن في مقدورك أن تنفع من يستحق النفع والعون، فضر من يستحق الضرر والإيذاء؛ فإن الإنسان لا يقصد منه في الحياة غير هذين العملين.
الشاهد: دخول "كي" على "ما" المصدرية، وجرها المصدر المؤول.
(٣) أي "لكي" عن عمل الجر، كما تكف "رب" في "ربما".
(٤) أي ليكون المصدر المنسبك من "أن" المضمرة وصلتها في محل جر "بكي".
(٥) عجز بيت من الطويل، لجميل بن معمر العذري، وصدره:
فقالت أكل الناس أصبحت مانحا
اللغة والإعراب: مانحا: اسم فاعل من المنح؛ وهو الإعطاء. تغر: تخدع؛ يقال:
стр. 685
والأولى أن تقدر "كي" مصدرية (١)، فتقدر اللام قبلها؛ بدليل كثرة ظهورها معها؛ نحو: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾.
والأربعة عشر الباقية قسمان:
سبعة تجر الظاهر والمضمر: وهي: من، وإلى، وعن، وعلى، وفي، والباء، واللام؛ نحو: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾، ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾، ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾، ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، ﴿﵃﴾، ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾.
غره غرورا، خدعه: ختله، وأراد به المكروه من حيث لا يعلم. "أكل" الهمزة للاستفهام، وكل مفعول أول مقدم لمانحا. "الناس" مضاف إليه. "أصبحت" فعل ماض ناقص، والتاء اسمها. "مانحا" خبرها "لسانك" مفعول ثان لمانحا، ومضاف إليه "كي" حرف تعليل وجر. "ما" زائدة. "تغر" مضارع منصوب بأن والفاعل أنت، و"تخدعا" معطوف على تغر والألف للإطلاق، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بكي.
المعنى: أصبحت مانحا جميع الناس حلاوة لسانك، وحسن كلامك؛ لتغرهم وتوقعهم في المكروه من حيث لا يشعرون. إن هذا عمل لا يليق بالكملة من الرجال.
الشاهد: ظهور "أن" المصدرية بعد "كي"، وهذا يدل على أن "كي" للتعليل وليست حرفا مصدريا، وأنه يقدر بعدها "أن" إن لم تكن موجودة.
(١) فتكون هي الناصبة للمضارع، وذلك إذا لم تذكر "أن" بعدها. وإذا ذكرت "أن" المصدرية بعدها ولم تسبقها لام الجر، كانت حرف جر؛ كلام التعليل معنى وعملا، وإن ذكرت قبلها اللام، كانت حرفا مصدريا ناصبا بنفسه؛ كأن المصدرية معنى وعملا، وإن توسطت بينهما؛ فالأحسن اعتبارها جارة للمصدر المنسبك بعدها، مؤكدة للام الجر قبلها، ويجوز أن تكون مصدرية مؤكدة بـ"أن" بعدها، والمصدر المنسبك مجرور باللام قبلها، وإن لم توجد "لام الجر" قبلها، ولا "أن" بعدها، جاز اعتبارها مصدرية؛ بتقدير اللام قبلها، أو حرف جر بتقدير "أن" بعدها.
هذا: وتختص "متى"، و"لعل"، و"كي" بالدخول على الاسم الظاهر، وقد علمت أنها لا تستعمل في الجر إلا قليلا. ولم ينبه الناظم على ذلك، وقد ذكر بعض النحاة من حروف الجر "لولا"، إذا دخلت على الضمائر المتصلة؛ نحو: لولاي ولولاك ولولاه، فهي عند سيبويه، وجمهور البصريين في هذه الحالة حرف جر زائد، لا يتعلق بشيء، والضمير بعدها في محل جر بها، وفي محل فع بالابتداء؛ كمدخول "من" الزائدة؛ في مثل قولك: ما في الدار من أحد: أما عند الكوفيين والأخفش من البصريين فموضع الضمير المتصل رفع لا غير، وقد وضع المتصل موضع المنفصل.
стр. 686
﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ﴾، ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ﴾، ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾، ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾، ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ﴾، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ﴾.
وسبعة تختص بالظاهر: (١)، وتنقسم أربعة أقسام (٢):
ما لا يختص بظاهر بعينه، وهو: حتى، والكاف، والواو. وقد تدخل الكاف في الضرورة على الضمير؛ كقول العجاج:
وأم أو عال كها أو أقربا (٣)(١) أشار إليها الناظم بقوله:
بالظهر اخصص منذ مذ وحتى … والكاف والواو ورب والتا
(٢) هذا التقسيم بالنسبة لعملها في الظاهر الذي تجره؛ كما سترى.
(٣) عجز بيت من الرجز المشطور، للعجاج بن رؤبة، في حمار وحشي، وصدره:
خلى الذنابات شمالا كثبا
اللغة والإعراب: خلى: ترك. الذنابات: موضع معين. شمالا: أي ناحية الشمال. كثبا: قريبا، والكثب: القرب. أم أوعال: هضبة معروفة. كها: أي مثل الذنابات في البعد.
"خلى" فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الحمار الوحشي. "الذنابات" مفعوله الأول منصوب بالكسرة، نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. "شمالا" ظرف مكان، أو مفعول خلى الثاني. "كتبا" حال من الذنابات، أو هو المفعول الثاني لخلى، و"شمالا" حاال. "وأم" -بالنصب- معطوفا على الذنابات. "أو عال" مضاف إليه. "كها" جار
стр. 687
وقول الآخر:
كه ولا كهن إلا حاظلا (١)
وما يختص بالزمان؛ وهو: مذ ومنذ، فأما قولهم: ما رأيته مذ أن الله خلقه؛ فتقديره:
ومجرور متعلق بمحذوف حال من "أم أوعال". ويجوز رفع أم على الابتداء، وخبره "كها"، "أو أقربا" معطوف على الهاء من كها.
المعنى: إن هذا الحمار ترك الذنابات عن شماله قريبا منه، وترك أم أوعال؛ مثل الذنابات أقرب منها إليه.
الشاهد: في "كها"؛ حيث جرت الكاف الضمير المتصل، وحقها أن تجر الظاهر، أو الضمير المنفصل عند بعض النحاة. وهذا ضرورة.
(١) عجز بيت من الرجز لرؤبة بن العجاج، يصف حمارا وحشيا، وأتنا وحشيات، وصدره:
فلا ترى بعلا ولا حلائلا
اللغة والإعراب: بعلا: زوجا، والجمع البعولة؛ ويقال للمرأة أيضا: بعل وبعلة؛ كزوج وزوجة، حلائل: جمع حليلة وهي الزوجة. حاظلا: مانعا من التزوج. "لا" نافية. "بعلا" مفعول أو لترى. "ولا" الواو حرف عطف، "ولا" زائدة لتوكيد النفي. "كه" جار ومجرور متعلق بمحذوف، صفة لبعلا، "ولا كهن" معطوف على "كه"، و"لا" زائدة لتوكيد النفي. "إلا" أداة حصر. "حاظلا" مفعول ثان لترى، ويجوز جعل "حاظلا" حالا من "بعلا" إن جعلت "ترى" بصرية.
المعنى: لا ترى من الأزواج والزوجات مثل حمار الوحش وأتنه، كل يقصر نفسه على صاحبه، ولا يتطلع إلى غيره، إلا من منع أنثاه قهرا عن التزوج؛ وذلك أن الحمار يمنع أتنه من حمار آخر يريدها. وكانت عادة العرب في الجاهلية إذا طلقوا امرأة منعوها من التزوج إلا بإذنهم، فجعل الأتن كالحلائل، وجعل الحمار بعلهن.
الشاهد: جر الضمير المصتل في "كه"، و"كهن" بالكاف للضرورة، وقد تدخل "حتى" كذلك على الضمير في الضرورة؛ كقوله:
فلا والله لا يلفي أناس … فتى حتاك يا ابن أبي زياد
стр. 688
مذ زمن أن الله خلقه؛ أي مد زمن (١) خلق الله إياه.
وما يختص بالنكرات، وهو: "رب"، وقد تدخل في الكلام على ضمير غيبة ملازم للإفراد، والتذكير، والتفسير بتمييز بعده مطابق للمعنى (٢)، قال:
ربه فتية دعوت إلى ما (٣)
وما يختص بالله، ورب مضافا للكعبة، أو لياء المتكلم، وهو: "التاء؛ نحو: ﴿وَتَاللَّهِ
(١) وعلى ذلك تكون "مذ" جرت زمانا محذوفا مضافا إلى المصدر، ويشترط في الزمان المجرور بهما؛ أن يكون معينا معدودا لفظا أو معنى، كمنذ يومين، أو شهر لا مبهما، كمنذ زمن؛ لأنهما لا يجران المبهم؛ والمراد بالمبهم: النكرة غير المعدودة. وأن يكون ماضيا أو حالا لا مستقبلا كما سيأتي؛ فلا يقال: منذ غد. وأن يكون متصرفا؛ فلا تقول: ما رأيته منذ سحر، تريد سحر يوم بعينه، فإن لم ترده من يوم بعينه، فهو متصرف، كقوله تعالى: ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾، ويشترط في عاملهما: أن يكون فعلا ماضيا؛ إما منفيا متكررا؛ نحو: ما رأيته مذ يوم الخميس -أو مثبتا متطاولا؛ كسرت منذ يوم الخميس، ولا يجوز قتلته، أو ما قتلته منذ يوم الخميس؛ إذا كانت مذ أو منذ بمعنى "من" والمراد بالتطاول: أن يكون في طبيعة الحدث معنى الاستمرار كالسير والنوم والمشي، ولا شك أن القتل المتعلق بمعين لا يستمر ولا يتكرر؛ فلو قلت: ما قتلت -بدون هاء- صح الكلام.
(٢) أي في الإفراد والتذكير وفروعهما. وهذا المعنى هو المراد من الضمير الذي يسمونه "الضمير المجهول"؛ لعدم عودته على متقدم، وقد استغنى بمطابقة التمييز للمعنى عن مطابقته للضمير؛ تقول: ربه رجلا، وربه رجلين، وربه رجالا، وربه امرأة، وربه امرأتين، وربه نساء، والكوفيون يجيزون مطابقة الضمير للمفسر لفظا؛ تقول: ربها امرأة وربهما رجلين، وربهم رجالا، وربهن نساء … وهكذا.
(٣) صدر بيت من الخفيف، لم يعرف قائله، وعجزه:
يورث المجد دائبا فأجابوا
اللغة والإعراب: فتية: جمع فتى. دعوت: ناديت. يورث: يكسب. المجد: الكرم والشرف. دائبا مداوما مجتهدا فيه. "ربه" رب حرف جر شبيه بالزائد والهاء في محل جر
стр. 689
لأَكِيدَنَّ﴾، وترب الكعبة، وتربي لأفعلن، ونذر تالرحمن تحياتك (١).
برب، وفي محل رفع مبتدأ. "فتية" تمييز المجرور برب. "دعوت" الجملة خبر المتبدأ، ومفعول دعوت محذوف؛ أي دعوتهم. "دائبا" حال من التاء في دعوت، أو صفة لمصدر محذوف؛ أي إيراثا دائبا. "فأجابوا" معطوف على دعوت.
المعنى: كثير من الشباب دعوتهم إلى ما يكسبهم المجد والشرف والكرم، وثابرت على دعائهم، فاستجابوا لما دعوتهم إليه، ولبوا ندائي.
الشاهد: جر "رب" ضميرا مفردا مذكرا؛ مع أنه مفسر بتمييز مجموع؛ وهو "فتية" واختلف في الضمير المجرور برب؛ فقيل معرفة، وقيل نكرة؛ لأنه عائد على واجب التنكير.
(١) معناه: وحياتك، فالتاء بدل من واو القسم.
وقد أشار الناظم إلى الأقسام المتقدمة بقوله:
واخصص بمذ ومنذ وقتا وبرب … منكرا والتاء لله ورب
وما رووا من نحو "ربه فتى" … نزر كذا "كها" ونحوه أتى
أي أن "مذ" و"منذ" لا يجران من الأسماء الظاهرة إلا أسماء الزمان، ولا تجر "رب" إلا النكرات، والتاء مختصة بالقسم، وتجر لفظ الجلالة، وكلمة "رب" على النحو الذي بينه المصنف، وما رواه النحاة من جر "رب" لضمير الغيبة، نحو: ربه فتى، نادر وشاذ، وكذلك جر الكاف لهذا الضمير.
هذا: ويجوز دخول الكاف على ضمير الرفع؛ تقول: ما أنا كهو، وما أنا كأنت، وما أنت كأنا. وعلى ضمير النصب؛ نحو: ما أنا كإياك، وما أنت كإياي.
стр. 690
فصل: في ذكر معاني الحروف (١).
لـ"من" سبعة معان:
أحدهما: التبعيض (٢)؛ نحو: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، ولهذا قرئ: ﴿بَعْضَ
مَا تُحِبُّونَ﴾.
والثاني: بيان الجنس (٣)؛ نحو: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾.
(١) بين البصريين والكوفيين خلاف في جواز نيابة بعض الحروف عن بعض؛ فمذهب البصريين أن لكل حرف من حروف الجر معنى واحدا، يؤديه على سبيل الحقيقة؛ فمعنى "في" الظرفية، و"على" الاستعلاء، و"من" الابتداء، و"إلى" الانتهاء. إلخ؛ فإذا أدى معنى آخر غير الحرف الخاص به، كان تأديته لهذا المعنى بطريق المجاز، أو بتضمين العامل الذي يتعلق به الحرف معنى عامل آخر يتعدى بهذا الحرف، ولا بد لصحة استعمال المجاز من علاقة بين المعنى المنقول منه، والمعنى المنقول إليه، وقرينة تصرف الذهن عن المعنى الأصلي إلى المعنى المجازي.
ومذهب الكوفيين: أن قصر الحرف على معنى واحد تعسف لا مبرر له، وأنه إذا اشتهر استعمال الحرف في معنى، وشاعت دلالته عليه؛ بحيث يفهمها السامع بلا لبس ولا غموض؛ كان هذا المعنى حقيقا بالنسبة للحرف، ولا مجاز ولا تضمين، وفي هذا المذهب تيسير، وقد رجححه كثير من المحققين، على أن الباحثين منفقون على أن المجاز إذا اشتهر وشاع أصبح حقيقة عرفية.
(٢) أي الدلالة على البعضية، وعلامتها: صحة حذف "من" ووضع "بعض" مكانها.
(٣) أي بيان أن ما بعدها جنس يشمل ما قبلها، وأكثر ما تقع بعد "نا" و"مهما" لشدة إبهامهما، وعلامتهما: صحة الإخبار بما بعدها عما قبلها، وهنالك علامة أخرى وهي: صحة حذف "من" ووضع اسم موصول مكانها؛ مع ضمير يعود على ما قبلها إن كان معرفة. فإن كان نكرة، فالعلامة أن يخلفها الضمير وحده؛ فنحو: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ تقول فيه: هي ذهب. و"من" البيانية مع مجرورها، ظرف في محل نصب على الحال. إن كان ما قبلها معرفة، ونعت تابع لما قبلها إن كان ما قبلها نكرة.
стр. 691
والثالث: ابتداء الغاية (١) المكانية باتفاق؛ نحو: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، والزمانية، خلافا لأكثر البصريين، ولنا قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ (٢)، والحديث: "فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة" (٣)، وقول الشاعر:
تخيرن من أزمان يوم حليمة (٤)(١) المراد بالغاية هنا: المقدار والمنسافة لا آخر الشيء، وعلامتها: أن يصلح في مكانها "إلى" أو ما يفيد فائدتها؛ نحو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن معنى أعوذ بالله ألتجئ إليه.
(٢) من الآية: ١٠٨ من سورة التوبة، ويقول البصريون: إن "من" لابتداء الغاية في الأحداث، والتقدير: من تأسيس أول يوم.
(٣) هذا حديث رواه أنس بن مالك قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! هلكت المواشي وتهدمت البيوت، وتقطعت السبل؛ فادع الله. فدعا ﵇، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة".
(٤) صدر بيت من الطويل، للنابغة الذبياني، في وصف السيوف، من قصيدة له في مدح عمرو بن الحارث، أحد الملوك الغسانيين، وعجزه.
إلى اليوم قد جربن كل التجارب
اللغة والإعراب: تخيرن: وقع الاختيار عليهن، واصطفين، وضمير الإناث للسيوف المذكورة في قوله قبل:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم … بهن فلول من قراع الكتائب
"يوم حليمة": يوم من أيام حروب العرب المشهورة، وكان سنة ٦١ ق هـ. وحليمة هي: بنت الحارث بن أبي شمر ملك غسان، وكان أبوها قد وجه جيشا إلى المنذر بن ماء السماء -ملك الحيرة بالعراق- فشجعت الجيش ومنحت أفراده جزءا من طيبها فانتصر وقتل النذر، وقد ضرب بذلك المثل فقيل: "ما يوم حليمة بسر". وهو يضرب لكل أمر مشهور. جرين: اختبرن وامتحن. التجارب: جمع تجربة، وهي اختيار الشيء مرة بعد أخرى. "تخيرن" مضارع للمجهول ونون النسوة نائب الفاعل. "من أزمان" متعلق به. "يوم حليمة" مضاف إليه. "إلى اليوم" متعلق أيضا بتخيرن. "قد" للتحقيق. "جربن" إعرابه مثل تخيرن. "كل" مفعول مطلق مضاف إليه "التجارب".
стр. 692
والرابع: التنصيص على العموم (١)، أو تأكيد التنصيص عليه (٢)، وهي الزائدة (٣).
ولها ثلاثة شروط: أن يسبقها نفي، أو نهي (٤) … ... … ... … ... … ... … ...
المعنى: أن هذه السيوف جريت واختبرت مرات كثيرة من هذا الوقت، وأظهرت التجارب مضاءها وصفاء جوهرها، وجودة صقلها، وشدة فتكها بالأعداء.
الشاهد: في قوله "من أزمان"؛ فإن "من" فيه لابتداء الغاية الزمنية على مذهب الكوفيين، ويجب البصريون على ذلك: بأن الكلام على تقدير مضاف؛ أي من استمرار يوم حليمة، وكذلك يقدرون مضافا في الحديث؛ لتكون "من" لابتداء الغاية في الأحداث؛ أي من صلاة يوم الجمعة، وقد يكون الابتداء في غير الزمان والمكان؛ نحو: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾، وقولك: من فلان إلى فلان.
(١) أي عموم المعنى وشمول كل فرد من أفراد الجنس، وهي الداخلة على نكرة ليست ملازمة للوقوع بعد النفي، ولا تدل على العموم بنفسها؛ نحو: ما جاءني من رجل؛ ذلك أن كلمة "رجل" من النكرات التي قد تقع بعد النفي، أو لا تقع، فوقوعها بعد النفي لا يفيد العموم والشمول لكل فرد، بل يحتمل خروج بعض الأفراد من دائرة النفي، فإذا أريد النص في الشمول على سبيل اليقين؛ جيء بالحرف الزائد "من"، ووضع قبل النكرة مباشرة؛ ومن ثم لا يصح أن يقال: ما غاب من رجل، وإنما غاب رجلان أو أكثر؛ منعا للتناقض.
(٢) هي الداخلة على نكرة لا تستعمل إلا بعد نفي أو شبهه، فتدل بنفسها على العموم؛ مثل: أحد، عريب ديار؛ تقول: ما جاءني من أحد، فيدل ذلك دلالة قاطعة على العموم والشمول، وإنما كانت الأولى للتنصيص، وهذه للتأكيد؛ لأن النكرة الملازمة للنفي تدل على العموم بنفسها فزيادة "من" تأكيد لذلك العموم. أما الأولى فإن النكرة قبل دخول "من" تحتمل نفي الوحدة، ونفي الجنس على سبيل العموم؛ فدخولها نص على الثاني.
(٣) المراد بزيادتها: وقوعها في موضع يطلبه العامل بدونها، فتكون مقمحة بين طالب ومطلوب، وإن كان سقوطها مخلا بالمعنى المراد.
(٤) فلا تزاد في الإثبات إلا في تمييز "كم" الخبرية؛ إذا كان مفصولا منها بفعل متعد، نحو قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.
стр. 693
أو استفهام بهل (١)، وأن يكون مجرورها نكرة (٢)، وأن يكون؛ إما فاعلا؛ نحو: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾، أو مفعولا (٣)؛ نحو: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾، أو مبتدأ (٤)؛ نحو: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (٥).
(١) أو بالهمزة كذلك على الراجح؛ نحو: هل جاءك، أو جاءك من بشير؟
(٢) فلا تجر معرفة وذهب الأخفش إلى عدم اشتراط الشرطين معا؛ فأجاز زيادتها في الإيجاب، وأن تجر معرفة، وجعل من ذلك قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم﴾، وأجاب الجمهور: بأن "من" في الآية للتبعيض، لا زائدة.
(٣) أي حقيقة؛ فخرج ثاني مفعولي "ظن"، وثالث مفاعيل "أعلم"؛ لأنهما خبران في الأصل، لا مفعولان حقيقة.
(٤) أي ولو في الأصل؛ فيدخل أول مفعولي "ظن" وثاني مفاعيل "أعلم" قيل: أو مفعولا مطلقا؛ نحو قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي من تفريط.
(٥) "خالق" مبتدأ. "غير الله" نعت على المحل، ومضاف إليه، والخبر محذوف؛ أي لكم. وجملة "يرزقكم" نعت ثان.
هذا: ولم يشترط الكوفيون في مجرور "من" الزائدة إلا شرط واحد؛ وهو أن يكون فاعلا، أو مفعولا أو مبتدأ، وذهب الأخفش والكسائي إلى جواز زيادتها بلا شرط مطلقا، وقد اقتصر الناظم على هذه المعاني الأربعة فقال:
بعض وبين وابتدئ في الأمكنه … بـ"من" وقد تأتي لبدأ الأزمنه
وزيد في نفي وشبهه فجر … نكرة كـ"ما لباغ من مفر"
أي أن "من" تجيء للتبعيض؛ ولبيان الجنس، وابتداء الغاية في الأمكنة كثيرا، وفي الأزمنة قليلا، وزائدة بعد نفي، أو شبهه، مع جر النكرة، وسيذكر الناظم المعنى الخامس "لمن"، وهو البدلية بعد.
стр. 694
والخامس: معنى البدل (١)، نحو: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ (٢).
والسادس: الظرفية (٣)؛ نحو: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾، ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (٤).
والسابع: التعليل (٥)؛ كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ (٦)، وقال الفرزدق:
يغضي حياء ويغضى من مهابته (٧).
وللام اثنا عشر معنى:
أحدها: الملك (٨)؛ نحو: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ﴾.
والثاني: شبه الملك ويعبر عنه بالاختصاص (٩)؛ نحو: السرج للدابة.
(١) أي: أن تكون بمعنى كلمة "بدل"؛ بحيث أن تحل هذه الكلمة محلها.
(٢) أي: بدل الآخر.
(٣) فتكون بمعنى "في" التي للظرفية؛ مكانية أو زمانية.
(٤) "من" في الآية الأولى للظرفية المكانية، وفي الثانية للزمانية.
(٥) فتدخل على اسم يكون سببا، وعلة في شيء آخر.
(٦) أي: أغرقوا لأجل خطيئاتهم، فقدمت العلة على المعلول للاختصاص.
(٧) تقدم هذا الشاهد، والكلام عليه في باب النائب عن الفاعل صفحة: ٤٥.
الشاهد: فيه هنا يكون "من" دالة على العليل؛ أي يغضي لأجل مهابته.
تنبيه: إذا ولي "من" اسم مبدوء بأل، فالأحسن فتح نونها؛ نحو: من القوم. وإذا وليها ساكن آخر، فالغالب كسر نونها نحو: سررت من اجتهادك.
(٨) هي التي تقع بين ذاتين؛ الثانية منهما هي التي تملك حقيقة، وهذا المعنى أكثر استعمالاتها.
(٩) وتقع بين ذاتين؛ ثانيتهما لا تملك حقيقة، وإنما تختص بالأولى دون تملك من إحداهما للأخرى؛ كمثال المصنف، أو أولاهما لا تملك؛ كأنت لي وأنما لك. وقد تقع اللام قبل الذاتين؛ نحو: لأخي ابن ذكي. فإن وقعت بين معنى وذات؛ نحو: الحمد لله، والويل للمنافقين، كانت للاستحقاق، وقد يعبر عن الجميع بلام الاختصاص.
стр. 695
والثالث: التعدية (١)؛ نحو: ما أضرب زيدًا لعمرو (٢).
والرابع: التعليل؛ كقوله:
وإني لتعروني لذكراك هزة (٣)
والخامس: التوكيد، وهي الزائدة (٤)؛ نحو قوله:
ملكا أجار لمسلم ومعاهد (٥)(١) أي إلى المفعول به، فما بعدها يكون في حكم المفعول به معنى، وإن كان مجرورا.
(٢) الفعل "ضرب" متعد في الأصل، فلما نقل إلى "فعل" للتعجب صار قاصرا، فعدي بالهمزة إلى "زيد"، وباللام إلى "عمرو". هذا مذهب البصريين، ويقول الكوفيون: إن الفعل باق على تعديته بلا نقل، واللام هنا لتقوية العامل؛ لضعفه باستعماله للتعجب.
(٣) تقدم الكلام عليه من باب "إن وأخواتها".
الشاهد: فيه هنا كون اللام في "لذكراك" للتعليل؛ أي لأجل تذكري إياك.
(٤) في هذه الحالة يكون التوكيد محضا، فنزداد لتأكيد معنى الجملة؛ بتمامها وتقويتها دون العامل، ويجري عليها ما يجري على حرف الجر الزائد، وأكثر ما تكون بين الفعل، ومعموله المتأخر عنه؛ كمثال المصنف. أو بين المتضايقين؛ نحو: يا بؤس للحرب، ويحسن الاقتصار على المسموع فيها. وهل ما بعدها مجرور بها أو بالمضاف؟ قولان.
(٥) عجز بيت من الكامل للرماح بن ميادة، يمدح عبد الواد بن سلميان بن عبد الملك بن مروان، أمر المدينة، وصدره.
وملكت ما بين العراق ويثرب
اللغة والإعراب: يثرب: الاسم القديم للمدينة المنورة؛ سميت باسم رجل من العمالقة بناها، وتسمى كذلك "طيبة" سماها بذلك الرسول، أجاز: حفظ وحمى، معاهد: هو من يدخل بلاد الإسلام بعهد من الإمام. "ما" اسم موصول مفعول ملكت، "بين" ظرف متعلق بمحذوف صلة. "العراق" مضاف إليه. "ويثرب" معطوف على العراق، مجرور بالكسرة الظاهرة للوزن. "ملكا" مفعول مطلق. "أجاز" الجملة صفة لملكا. "لمسلم" مفعول أجار على زيادة اللام. "ومعاهد" معطوف عليه باعتبار اللفظ.
المعنى: لقد امد سلطانك وانبسط نفوذك؛ حتى شمل ما بين العراق والمدينة المنورة، وشملت الجميع بعدلك وحمايتك؛ سواء في ذلك المسلم والمعاهد.
الشاهد: زيادة اللام في "لمسلم" لمجرد التوكيد؛ لأن "أجار" يتعدى بنفسه، وقد تقدم على معموله، فليس بحاجة إلى اللام.
стр. 696
وأما ﴿رَدِفَ لَكُم﴾، فالظاهر أنه ضمن معنى اقترب (١)، فهو مثل: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾. والسادس: تقوية العامل الذي ضعف؛ إما بكونه فرعا في العمل (٢)؛ نحو: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، وأما بتأخره عن المعمول؛ نحو: ﴿إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (٣)، وليست المقوية زائدة محضة (٤)، ولا معدية محضة (٥)، بل هي بينهما.
والسابع: انتهاء الغاية (٦)؛ نحو: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
والثامن: القسم (٧)؛ نحو: لله لا يؤخر الأجل.
والتاسع: التعجب (٨)؛ نحو: درك!
(١) يرى المبرد: أن اللام فيه زائدة.
(٢) أي مأخوذا من غير كالفروع؛ وذلك كالمصدر، واسمي الفاعل والمفعول، وأمثلة المبالغة.
(٣) "تعبرون" أصل في العمل؛ لأنه فعل، ولكن تأخره عن معموله أضعفه؛ فقوي باللام. والرؤيا: الحلم المنامي، وتعبيره: تفسيره.
(٤) أي؛ لأنها تفيد التقوية، وتتعلق بالعامل الذي قوته؛ بخلاف الزائدة المحضة؛ فإنها لا تتعلق بشيء.
(٥) وذلك لاطراد صحة إسقاطها.
(٦) أي المسافة في الزمان والمكان.
(٧) أي والتعجب معا. ويشترط أن تكون جملة القسم محذوفة، وأن يكون المقسم به لفظ الجلالة؛ لأنها خلف عن التاء؛ والتاء أكثر ما تستعمل مع لفظ الجلالة.
(٨) أي المجرد عن القسم؛ بشرط القرينة، ويغلب أن يكون بعد النداء؛ نحو: يا للغروب وما فيه من روعة!
стр. 697
والعاشر: الصيرورة (١)؛ نحو:
لدوا للموت وابنوا للخراب (٢)
والحادي عشر: البعدية (٣)؛ نحو: ﴿أَقِمُ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أي: بعده.
والثاني عشر: الاستعلاء (٤)؛ نحو: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ﴾؛ أي: عليها.
(١) أي لبيان ما يصير إليه الأمر، وتسمى كذلك "لام العاقبة"؛ لأنها توضح عاقبة الشيء، وما يؤول إليه.
(٢) صدر بيت من الوافر، لم ينسب لقائل، وعجزه:
فكلكم يصير إلى الذهاب
اللغة والإعراب: "لدوا" فعل أمر من الولادة، مبني على حذف النون، وواو الجماعة فاعل "للموت" متعلق به. "للخراب" متعلق بابنوا. والخراب: ضد العمران. "فكلكم" الفاء للتعليل، و"كلكم" مبتدأ ومضاف إليه. "يصير" مضارع ناقص، واسمها يعود إلى كل. "إلى الذهاب" متعلق بمحذوف خبر يصير، وجملة يصير من اسمها وخبرها خبر المبتدأ.
المعنى: لدوا وتكاثروا وابنوا وشيدوا كما تشاءون؛ ليكون المال والمصير والعاقبة إلى ما ذكر؛ فكل إنسان مصيره الموت والفناء.
الشاهد: إن اللام في "للموت" وفي "للخراب" للصيرورة؛ كما ذكرنا، وليست للتعليل؛ لأن الموت ليست علة للولد، وليس الخراب علة البناء.
(٣) أن تكون اللام بمعنى "بعد"، ويصح حلولها محلها. والمثال الذي ذكره المصنف سبق ذكره في باب المفعول له: صحفة ١٣٧. وذكر هنالك أن اللام للتعليل، وفسر الدلوك بميل الشمس عن السماء.
(٤) أي الدلالة على أن شيئا حسيا أو معنويا وقع فوق الاسم الذي بعدها، فتكون بمعنى "على" والمراد في الآية: أنهم يسقطون على وجوهم والأذقان: جمع ذقن، وهي مجمع اللحيين في الإنسان. ومثال الاستعلاء المعنوي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾؛ أي عليها. وقوله ﵊ لعائشة حين اشترت بريرة: "اشترطي لهم الولاء"؛ أي عليهم.
стр. 698
وللباء اثنا عشر معنى أيضًا:
أحدها: الاستعانة (١)؛ نحو: كتبت بالقلم.
والثاني: التعدية (٢)؛ نحو: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾؛ أي: أذهبه.
والثالث: التعويض (٣)؛ نحو: بعتك هذا بهذا.
هذا: وتأتي اللام للظرفية؛ نحو قوله تعالى في أمر الساعة: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾، وبمعنى "قبل"؛ نحو: كتبت هذا لليلة بقيته من رمضان؛ أي قبل ليلة.
وبمعنى "من" البيانية؛ كقول الشاعر:
لنا الفضل في الدنيا وأنفك راغم … ونحن لكم يوم القيامة أفضل
أي نحن أفضل منكم يوم القيامة، ولمعان أخرى كثيرة، مبسوطة في "المغني". وقد اقتصر الناظم على بعض ما تقدم من المعاني، فقال:
واللام للملك وشبهه وفي … تعدية أيضًا وتعليل قفي
وزيد … ... … ... … ...... … ... … ... …
أي أن اللام تفيد معنى الملك وشبهه، وتأتي للتعدية والتعليل، وتقع زائدة، ومعنى قفي: نسب وعرف.
(١) هي الدالة على آلة الفعل وأداته التي يحصل بها معناه، فهي الواسطة بين الفاعل ومفعوله المعنوي؛ ولذلك تسمى "باء الآلة"، وهذا المعنى هو و"الإلصاق" أكثر المعاني استعمالا لها.
(٢) أي يستعان بها غالب في تعدية الفعل إلى مفعوله، كما تعدية همزة النقل؛ ولذلك تسمى "باء النقل"، وأكثر ما تعدى الفعل القاصر كمثال المصنف، ومن ورودها مع الفعل المتعدي قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾، وقولهم: صككت الحجر بالحجر، والأصل: دفع بعض الناس بعضا، وصك الحجر الحجر.
(٣) هي الداخلة على الأعواض والأثمان؛ حسا أو معنى؛ والعوض: دفع شيء في مقابلة
стр. 699
والرابع: الإلصاق (١)؛ نحو: أمسكت بزيد (٢).
والخامس: التبعيض (٣)؛ نحو: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾؛ أي: منها (٤).
والسادس: المصاحبة (٥)؛ نحو: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾؛ أي: معه (٦).
والسابع: المجاوزة (٧)؛ نحو: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾؛ أي: عنه.
والثامن: الظرفية (٨)؛ نحو: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾؛ أي: فيه ونحو: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾.
والتاسع: البدل (٩)؛ كقول بعضهم: ما يسرني أني شهدت بدرًا بالعقبة؛ أي بدلها.
شي آخر؛ ولذلك تسمى باء المقابلة، وهي غير البدل الذي هو اختيار أحد الشيئين وتفضيله على الآخر من غير مقابلة من الجانبين، وقد مثل المصنف للعوض الحسي، أما المعنوي، فنحو: قابلت إحسانه بالشكر والدعاء.
(١) الإلصاق هو: مطلق التعلق، وهذا المعنى أصل معانيها لا يفارقها، وهو إما حقيقي كمثال المصنف، أو مجازي؛ نحو: مررت بمحمد؛ أي جعلت مروري بمكان يقرب من مكانه.
(٢) معناه: قبضت على شيء من جسمه، أو ما يتصل به من ثوب أو نحوه، وهذا أبلغ من أمسكت زيدا؛ لأنه يفيد منعه من الانصراف بأي وجه كان.
(٣) أي أن يكون الاسم المجور بها بعضا من شيء قبلها.
(٤) وقيل: ضمن يشرب معنى يروي.
(٥) المصاحبة: انضمام شيء لآخر انضماما يقتضي تلازمهما فيما يقع عليهما أو منهما، وعلامتها: أن يصلح في موضعها "مع"، ويغني عنها وعن مصحوبها الحال.
(٦) أو كافرين على الحال؛ ومثل هذه الآية: ﴿اهْبِطْ بِسَلامٍ﴾؛ أي معه، أو مسلما.
(٧) سيأتي قريبا أيضاح معنى المجاوزة، وعلامة المجاوزة هنا: أن يصلح في مكانها "عن". قيل: ويختص هذا المعنى بالسؤال كما مثل المصنف، وبدليل: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾، وقيل: لا يختص بذلك بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾؛ أي عنه.
(٨) هي التي يصلح في مكانها "في" والظرفية مكانية وزمانية، وقد مثل لهما المصنف.
(٩) أي أن تكون بمعنى كلمة "بدل"، وقد بينا الفرق بين البدل وبين العوض، قريبا، والقول.
стр. 700
والعاشر: الاستعلاء (١)؛ نحو: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَار﴾ أي: قنطار.
والحادي عشر: السببية (٢)؛ نحو: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾.
والثاني عشر: التأكيد، وهي الزائدة (٣)؛ نحو: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، ونحو: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، ونحو: بحسبك درهم، ونحو: زيد ليس بقائم. ولـ"في" ستة معان:
الظرفية؛ حقيقة (٤) مكنية أو زمانية؛ نحو: ﴿فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾، ونحو: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. أو مجازية (٥)؛ نحو: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾.
الذي ذكره المصنف هو لرافع بن خديج الصحابي، وفي الحديث: "ما يسرني حمر النعم" أي بدلها.
(١) هي التي يصلح في موضعها "على"، وقد تقدم قريبا معنى الاستعلاء.
(٢) أي: أو التعليل. وهي التي يكون ما بعدها سببا أو علة فيما قبلها.
(٣) وتزاد في مواضع منها: زيادتها في فاعل "أفعل" في التعجب للتوكيد، وزيادتها فيه لازمة، وتغلب في فاعل "كفى"، وتزاد في المفعول نحو: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وزيادتها في غير ذلك مقيسة. وفي خبر "ليس" و"ما" وزيادتها فيهما لتأكيد النفي وفي المبتدأ مع لفظ حسب، وقد مثل الموضح لذلك، وتأتي الباء للقسم، وهذا من أكثر استعمالاتها وهي الأصلية فيه، وتستعمل في القسم الاستعطافي وهو الذي يكون جوابه جملة طلبية نحو: بالله هل زاركم محمد؟ أي أسألك بالله. وغير الاستعطافي، وهو المؤكد بجملة خبرية نحو: بالله لتسافرن. وللغاية بمعنى "إلى" نحو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾؛ أي أحسن إلي.
(٤) وهي: ما كان للظرف احتواء وللمظروف تحيز، وذلك بأن يكون كل من الظرف والمظروف من الذوات، و"أدنى" و"بضع" قد اكتسبتا الظرفية من المضاف إليهما؛ فإن "أدنى" اسم تفضيل من الدنو، و"بضع" اسم لما بين الثلاث إلى التسع.
(٥) هي ما فقدت ركني الحقيقة؛ نحو: في عملك نفع، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، أو الاحتواء؛ نحو: محمد في سعة من الرزق، أو التحيز كمثال.
стр. 701
والسببية؛ نحو: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
والمصاحبة (٢)؛ نحو: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾.
والاستعلاء؛ نحو: ﴿لأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾.
والمقايسة (٣)؛ نحو: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ (٤).
وبمعى الباء؛ نحو:
بصيرون في طعن الأباهر والكلى (٥)
المصنف وقد اجتمعت الظرفية الحقيقة والمجازية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.
(١) أي بسبب ما أفضتم؛ أي خضتم فيه من حديث الإفك، وما اتهمتم به السيدة عائشة وتسمى التعليلية، وفي الحديث: "دخلت امراة النار في هرة حبستها"؛ أي بسبب، أو لأجل هرة.
(٢) هي التي يحسن في موضعها "مع".
(٣) أي: أو الموازنة؛ وهي ما يكون ما قبلها ملاحظا بالقياس إلى ما بعدها، ويحكم عليه بعد القياس بأمر ما؛ فهي واقعة بين مفضول سابق وفاضل لاحق. ولا مانع من العكس أحيانا.
(٤) أي: بالقياس إلى الآخرة وموازنته بمتاعها.
(٥) عجز بيت من الطول، لزيد الخير، الذي كان يعرف في الجاهلية بزيد الخيل، فسماه النبي بعد أن أسلم زيد الخير. وصدره:
ويركب يوم الروع مجنا فوراس
اللغة والإعراب: الروع: الفزع والخوف. فوارس: جمع فارس على غير قياس. بصيرون: عارفون وخبيرون. الأباهر: جمع أبهر، وهو عرق متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه، الكلى: جمع كلوة، أو كلية. "يوم" ظرف منصوب بيركب. "بصيرون" صفة لفوارس. "في طعن" متعلق به "الأباهر" مضاف إليه. "والكلى" معطوف على الأباهر.
المعنى: في اليوم الذي يفزع فيه الناس ويرهبون -وهو يوم الحرب- يركب منا فرسان شجعان مدربون على الحرب، خبيرون بطعن المقاتل التي تقضي على الأعداء.
الشاهد: قوله "في طعن"؛ فإن "في" بمعنى الباء؛ لأن بصيرا يتعدى بها، وتأتي "في" بمعنى "إلى" الغائية، ومنه قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ كناية عن
стр. 702
ولـ"على" أربعة معان:
أحدها: الاستعلاء (١)؛ نحو: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾.
والثاني: الظرفية؛ نحو: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾؛ أي: في حين غفلة.
عدم الرد عن ترك الكلام. وبمعنى "من"؛ نحو قوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾. وبمعنى الباء التي للإلصاق؛ نحو: وقف الحارس في الباب؛ أي ملاصقا له.
وقد اقتصر الناظم في معاني "في" على الظرفية والسببية، وعلى بعض معاني الباء، فقال مشيرا إلى ذلك.
والظرفية استبن بـ"با" … و"في" وقد يبينان السببا
بالبا استعن وعد عوض ألصق … ومثل "مع" و"من" و"عن" بها انطق
ترك من أول البيت كلمة "وزيد"؛ لأنها من معاني اللام وقد ذكرت قبل ثم قال الناظم: والظرفية استبن ببا وفي؛ أي اجعل الظرفية واضحة بهما؛ لأنها من معانيهما؛ أي أن الباء وفي قد اشتركا في إفادة الظرفية، وكذلك السببية، وذكر أن الباء تكون للاستعانة وللتعدية، وللتعويض، وللإلصاق، وبمعنى "مع"؛ أي المصاحبة.
وبمعنى "من" -أي للتبعيض، وبمعنى "عن"- أي المجاوزة، وقد أوضحنا ذلك كله.
(١) أي العلو؛ وهو أكثر معانيها استعمالا، والاستعلاء قد يكون حقيقة إن كان على نفس المجرور وهو الغالب؛ حسا كمثال المصنف، أو معنى؛ نحو: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، ومجازًا إن كان العلو على ما يقرب من المجرور؛ نحو: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى﴾، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، فقد شبه التمكن من الهدى والأخلاق العظيمة الشريفة والثبوت عليها، بمن علا دابة يصرفها كيف شاء، وليس من الاستعلاء المجازي قولهم: "توكلت على الله، واعتمدت عليه"؛ لأن الله لا يعلو عليه شيء لا حقيقة ولا مجاز، وإنما ذلك من باب الإضافة والإسناد؛ أي أضفت توكلي واعتمادي إلى الله، وأسندتهما إليه -سبحانه-.
стр. 703
والثالث: المجاوزة؛ كقولك:
إذا رضيت علي بنو قشير (١) أي: عني.
والرابع: المصاحبة؛ نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾؛ أي: مع ظلمهم.
ولـ"عن" أربعة معان أيضًا.
أحدها المجاوزة (٢)؛ نحو: سرت عن البلد، ورميت عن القوس.
(١) صدر بيت من الوافر، لقحيف العامري، يمدح حكيم بن المسيب القشيري، وعجزه:
لعمر الله أعجبني رضاها
اللغة والإعراب: بنو قشير: قبيلة تنبسب إلى كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. لعمر الله: المراد: الحلف بإقراره لله -تعالى- بالبقاء بعد فناء الخلق. "إذا" ظرف مضمن معنى الشرط. "رضيت" فعل الشرط. "بنو قشير" فاعل رضيت ومضاف إليه. "لعمر الله" اللام للابتداء، وعمر الله مبتدأ ومضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والخبر محذوف وجوبا؛ أي قسمي. "أعجبني رضاها" جواب الشرط.
المعنى: واضح.
الشاهد: وقوع "على" بمعنى "عن"؛ لأن الأصل في "رضي" أن يتعدى بعن لا بعلى.
وقيل: إن "رضي" مضمن معنى عطف. وتأتي "على" بمعنى اللام، نحو: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾؛ أي لهدايته إياكم. وبمعنى "من"؛ نحو: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾؛ أي من الناس. وبمعنى الباء نحو: حقيق على ألا أقول إلا الحق، أي بألا أقول. وبمعنى "عند"؛ نحو: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾؛ أي عندي.
(٢) المجاوزوة هي: ابتعاد شيء مذكور أو غير مذكور عن حرف الجر بسبب شيء قبله؛ فالأول: نحو: رميت السهم عن القوس، والثاني؛ نحو: -رضي الله عنك؛ أي: جاوزتك المؤاخذة بسبب الرضا والمجاوزة قد تكون حقيقة كهذين المثالين، وقد تكون مجازية، إذا كانت في المعانى؛ نحو: أخذت الفقه عن عالم متمكن؛ أي أن الفقه جاوزه بسبب الأخذ منه، والمجاوزة أظهر معاني "عن" وأكثرها استعمالا.
стр. 704
والثاني: البعدية (١)؛ نحو: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾؛ أي حالا بعد حال (٢).
والثالث: الاستعلاء؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: على نفسه، وقول الشاعر:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب
عني … (٣)؛ أي: علي
(١) أي: أن تكون بمعنى "بعد".
(٢) أي: من البعث والسؤال والموت، أو من النطفة إلى ما بعدها، وقيل: إن "عن" هنا باقية على ظاهرها. والمعنى: طبقا متجاوزا في الشدة عن طبق آخر دونه.
(٣) جزء بيت من البسيط، لذي الإصبع العدواني، واسمه حرثان بن محرث، ولقب بذي الإصبع؛ لأن حية نهشت إبهام رجله فقطعها، في مزين بن جابر تمامه:
ولا أنت دياني فتخزوني
وهذا البيت من قصيدة له مشهورة، مطلعها:
يا من لقلب شديد الهم محزون … أمسى تذكر ريا أم هارون
وبعده:
ولا تفوت عيالي يوم مسغبة … ولا بنفسك في الضراء تكفيني
فإن ترد عرض الدنيا بمنقصتي … إن ذلك مما ليس يشجيني
ومنها:
إن الذي يقبض الدنيا ويبسطها … إن كان أغناك عني سوف يغنيني
اللغة والإعراب: لاه: أصله: لله، حذفت لام الجر، واللام الأولى من لفظ الجلالة شذوذا، أفضلت: زدت وصرت صاحب فضل. حسب: هو كل ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه ومآثرهم. دياني: مالك أمري، وهو صيغة مبالغة، من دان فلان فلانا، أخضعه وملك أمره. تخزوني: تسوسني وتقهرني. "لا" مجرور بحرف جر محذوف، والجار والمجرور خبر مقدم. "ابن عمك" مبتدأ مؤخر مضاف إليه. "لا" نافية "أفضلت" فعل. ونائب فاعل. "في حسب عني" متعلقان بأفضلت. "لا" نافية "أنت" مبتدأ. "دياني" خبر مضاف إلى ياء المتكلم. "فتخزوني" مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية، وسكنت الواو تخفيفا وللقافية.
المعنى: لله در ابن عمك، يعني نفسه، فقد حاز من الصفات السامية ما يتعجب منه، وأنت لم تفضلني في المفاخر، ولست القائم على أمري وبيدك مصيري، حتى تسوسني وتقهرني وتذلني.
الشاهد: أن "عن" للاستعلاء بمعنى "على"؛ لأن المعروف أن يقال: أفضلت عليه: وجوز الرضي: أن تكون "عن" باقية على أصلها؛ وضمن الشاعر أفضلت، معنى تجاوزت في الفضل، وفي البيت حذف الجر وإبقاء عمله.
стр. 705
والرابع: التعلي؛ نحو: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾؛ أي لأجله (١).
وللكاف أربعة معان أيضًا:
أحدها: التشبيه (٢)؛ نحو: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ (٣).
والثاني: التعليل؛ نحو: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾؛ أي لهدايته إياكم (٤).
(١) ويجوز أن يكون حالا من ضمير "تاركي"؛ أي ما نتركها صادرين عن قولك.
هذا: وتأتي "عن" بمعنى "من"؛ نحو: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ أي: من عباده، وبمعنى الباء، نحو: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾؛ أي بالهوى. وللبدل؛ نحو: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾؛ أي بدل نفس. ولغير ذلك. وفي بعض معاني "على" و"عن" يقول الناظم:
على للاستعلا ومعنى "في" و"عن" … بعن تجاوزا عني من قد فطن
وقد تجي موضع "بعد" و"على" … كما "على" موضع "عن" قد جعلا
أي: أن "على" تستعمل للاستعلاء، وبمعنى "في" للظرفية، ومثل "عن" للمجاوزة وتؤدي هذا المعنى إذا قصده من فطن له، وتأتي "عن" بمعنى "بعد"، وبمعنى "على" المفيدة للاستعلاء، كما أن "على" تكون بمعنى "عن" للمجاوزة.
(٢) وهو أكثر معاني الكاف تداولًا، والأصل فيها.
(٣) الدهان: الأديم الأحمر، أو جمع دهن؛ أي صارت السماء محمرة كوردة مذابة كالدهن الذي يدهن به.
(٤) فالكاف للتعليل، و"ما" مصدرية.