والسببية؛ نحو: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
والمصاحبة (٢)؛ نحو: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾.
والاستعلاء؛ نحو: ﴿لأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾.
والمقايسة (٣)؛ نحو: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ (٤).
وبمعى الباء؛ نحو:
بصيرون في طعن الأباهر والكلى (٥)
المصنف وقد اجتمعت الظرفية الحقيقة والمجازية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.
(١) أي بسبب ما أفضتم؛ أي خضتم فيه من حديث الإفك، وما اتهمتم به السيدة عائشة وتسمى التعليلية، وفي الحديث: "دخلت امراة النار في هرة حبستها"؛ أي بسبب، أو لأجل هرة.
(٢) هي التي يحسن في موضعها "مع".
(٣) أي: أو الموازنة؛ وهي ما يكون ما قبلها ملاحظا بالقياس إلى ما بعدها، ويحكم عليه بعد القياس بأمر ما؛ فهي واقعة بين مفضول سابق وفاضل لاحق. ولا مانع من العكس أحيانا.
(٤) أي: بالقياس إلى الآخرة وموازنته بمتاعها.
(٥) عجز بيت من الطول، لزيد الخير، الذي كان يعرف في الجاهلية بزيد الخيل، فسماه النبي بعد أن أسلم زيد الخير. وصدره:
ويركب يوم الروع مجنا فوراس
اللغة والإعراب: الروع: الفزع والخوف. فوارس: جمع فارس على غير قياس. بصيرون: عارفون وخبيرون. الأباهر: جمع أبهر، وهو عرق متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه، الكلى: جمع كلوة، أو كلية. "يوم" ظرف منصوب بيركب. "بصيرون" صفة لفوارس. "في طعن" متعلق به "الأباهر" مضاف إليه. "والكلى" معطوف على الأباهر.
المعنى: في اليوم الذي يفزع فيه الناس ويرهبون -وهو يوم الحرب- يركب منا فرسان شجعان مدربون على الحرب، خبيرون بطعن المقاتل التي تقضي على الأعداء.
الشاهد: قوله "في طعن"؛ فإن "في" بمعنى الباء؛ لأن بصيرا يتعدى بها، وتأتي "في" بمعنى "إلى" الغائية، ومنه قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ كناية عن
стр. 702
ولـ"على" أربعة معان:
أحدها: الاستعلاء (١)؛ نحو: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾.
والثاني: الظرفية؛ نحو: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾؛ أي: في حين غفلة.
عدم الرد عن ترك الكلام. وبمعنى "من"؛ نحو قوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾. وبمعنى الباء التي للإلصاق؛ نحو: وقف الحارس في الباب؛ أي ملاصقا له.
وقد اقتصر الناظم في معاني "في" على الظرفية والسببية، وعلى بعض معاني الباء، فقال مشيرا إلى ذلك.
والظرفية استبن بـ"با" … و"في" وقد يبينان السببا
بالبا استعن وعد عوض ألصق … ومثل "مع" و"من" و"عن" بها انطق
ترك من أول البيت كلمة "وزيد"؛ لأنها من معاني اللام وقد ذكرت قبل ثم قال الناظم: والظرفية استبن ببا وفي؛ أي اجعل الظرفية واضحة بهما؛ لأنها من معانيهما؛ أي أن الباء وفي قد اشتركا في إفادة الظرفية، وكذلك السببية، وذكر أن الباء تكون للاستعانة وللتعدية، وللتعويض، وللإلصاق، وبمعنى "مع"؛ أي المصاحبة.
وبمعنى "من" -أي للتبعيض، وبمعنى "عن"- أي المجاوزة، وقد أوضحنا ذلك كله.
(١) أي العلو؛ وهو أكثر معانيها استعمالا، والاستعلاء قد يكون حقيقة إن كان على نفس المجرور وهو الغالب؛ حسا كمثال المصنف، أو معنى؛ نحو: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، ومجازًا إن كان العلو على ما يقرب من المجرور؛ نحو: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى﴾، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، فقد شبه التمكن من الهدى والأخلاق العظيمة الشريفة والثبوت عليها، بمن علا دابة يصرفها كيف شاء، وليس من الاستعلاء المجازي قولهم: "توكلت على الله، واعتمدت عليه"؛ لأن الله لا يعلو عليه شيء لا حقيقة ولا مجاز، وإنما ذلك من باب الإضافة والإسناد؛ أي أضفت توكلي واعتمادي إلى الله، وأسندتهما إليه -سبحانه-.
стр. 703
والثالث: المجاوزة؛ كقولك:
إذا رضيت علي بنو قشير (١) أي: عني.
والرابع: المصاحبة؛ نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾؛ أي: مع ظلمهم.
ولـ"عن" أربعة معان أيضًا.
أحدها المجاوزة (٢)؛ نحو: سرت عن البلد، ورميت عن القوس.
(١) صدر بيت من الوافر، لقحيف العامري، يمدح حكيم بن المسيب القشيري، وعجزه:
لعمر الله أعجبني رضاها
اللغة والإعراب: بنو قشير: قبيلة تنبسب إلى كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. لعمر الله: المراد: الحلف بإقراره لله -تعالى- بالبقاء بعد فناء الخلق. "إذا" ظرف مضمن معنى الشرط. "رضيت" فعل الشرط. "بنو قشير" فاعل رضيت ومضاف إليه. "لعمر الله" اللام للابتداء، وعمر الله مبتدأ ومضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والخبر محذوف وجوبا؛ أي قسمي. "أعجبني رضاها" جواب الشرط.
المعنى: واضح.
الشاهد: وقوع "على" بمعنى "عن"؛ لأن الأصل في "رضي" أن يتعدى بعن لا بعلى.
وقيل: إن "رضي" مضمن معنى عطف. وتأتي "على" بمعنى اللام، نحو: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾؛ أي لهدايته إياكم. وبمعنى "من"؛ نحو: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾؛ أي من الناس. وبمعنى الباء نحو: حقيق على ألا أقول إلا الحق، أي بألا أقول. وبمعنى "عند"؛ نحو: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾؛ أي عندي.
(٢) المجاوزوة هي: ابتعاد شيء مذكور أو غير مذكور عن حرف الجر بسبب شيء قبله؛ فالأول: نحو: رميت السهم عن القوس، والثاني؛ نحو: -رضي الله عنك؛ أي: جاوزتك المؤاخذة بسبب الرضا والمجاوزة قد تكون حقيقة كهذين المثالين، وقد تكون مجازية، إذا كانت في المعانى؛ نحو: أخذت الفقه عن عالم متمكن؛ أي أن الفقه جاوزه بسبب الأخذ منه، والمجاوزة أظهر معاني "عن" وأكثرها استعمالا.
стр. 704
والثاني: البعدية (١)؛ نحو: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾؛ أي حالا بعد حال (٢).
والثالث: الاستعلاء؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: على نفسه، وقول الشاعر:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب
عني … (٣)؛ أي: علي
(١) أي: أن تكون بمعنى "بعد".
(٢) أي: من البعث والسؤال والموت، أو من النطفة إلى ما بعدها، وقيل: إن "عن" هنا باقية على ظاهرها. والمعنى: طبقا متجاوزا في الشدة عن طبق آخر دونه.
(٣) جزء بيت من البسيط، لذي الإصبع العدواني، واسمه حرثان بن محرث، ولقب بذي الإصبع؛ لأن حية نهشت إبهام رجله فقطعها، في مزين بن جابر تمامه:
ولا أنت دياني فتخزوني
وهذا البيت من قصيدة له مشهورة، مطلعها:
يا من لقلب شديد الهم محزون … أمسى تذكر ريا أم هارون
وبعده:
ولا تفوت عيالي يوم مسغبة … ولا بنفسك في الضراء تكفيني
فإن ترد عرض الدنيا بمنقصتي … إن ذلك مما ليس يشجيني
ومنها:
إن الذي يقبض الدنيا ويبسطها … إن كان أغناك عني سوف يغنيني
اللغة والإعراب: لاه: أصله: لله، حذفت لام الجر، واللام الأولى من لفظ الجلالة شذوذا، أفضلت: زدت وصرت صاحب فضل. حسب: هو كل ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه ومآثرهم. دياني: مالك أمري، وهو صيغة مبالغة، من دان فلان فلانا، أخضعه وملك أمره. تخزوني: تسوسني وتقهرني. "لا" مجرور بحرف جر محذوف، والجار والمجرور خبر مقدم. "ابن عمك" مبتدأ مؤخر مضاف إليه. "لا" نافية "أفضلت" فعل. ونائب فاعل. "في حسب عني" متعلقان بأفضلت. "لا" نافية "أنت" مبتدأ. "دياني" خبر مضاف إلى ياء المتكلم. "فتخزوني" مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية، وسكنت الواو تخفيفا وللقافية.
المعنى: لله در ابن عمك، يعني نفسه، فقد حاز من الصفات السامية ما يتعجب منه، وأنت لم تفضلني في المفاخر، ولست القائم على أمري وبيدك مصيري، حتى تسوسني وتقهرني وتذلني.
الشاهد: أن "عن" للاستعلاء بمعنى "على"؛ لأن المعروف أن يقال: أفضلت عليه: وجوز الرضي: أن تكون "عن" باقية على أصلها؛ وضمن الشاعر أفضلت، معنى تجاوزت في الفضل، وفي البيت حذف الجر وإبقاء عمله.
стр. 705
والرابع: التعلي؛ نحو: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾؛ أي لأجله (١).
وللكاف أربعة معان أيضًا:
أحدها: التشبيه (٢)؛ نحو: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ (٣).
والثاني: التعليل؛ نحو: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾؛ أي لهدايته إياكم (٤).
(١) ويجوز أن يكون حالا من ضمير "تاركي"؛ أي ما نتركها صادرين عن قولك.
هذا: وتأتي "عن" بمعنى "من"؛ نحو: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ أي: من عباده، وبمعنى الباء، نحو: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾؛ أي بالهوى. وللبدل؛ نحو: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾؛ أي بدل نفس. ولغير ذلك. وفي بعض معاني "على" و"عن" يقول الناظم:
على للاستعلا ومعنى "في" و"عن" … بعن تجاوزا عني من قد فطن
وقد تجي موضع "بعد" و"على" … كما "على" موضع "عن" قد جعلا
أي: أن "على" تستعمل للاستعلاء، وبمعنى "في" للظرفية، ومثل "عن" للمجاوزة وتؤدي هذا المعنى إذا قصده من فطن له، وتأتي "عن" بمعنى "بعد"، وبمعنى "على" المفيدة للاستعلاء، كما أن "على" تكون بمعنى "عن" للمجاوزة.
(٢) وهو أكثر معاني الكاف تداولًا، والأصل فيها.
(٣) الدهان: الأديم الأحمر، أو جمع دهن؛ أي صارت السماء محمرة كوردة مذابة كالدهن الذي يدهن به.
(٤) فالكاف للتعليل، و"ما" مصدرية.
стр. 706
والثالث: الاستعلاء، قيل لبعضهم: كيف أصبحت؟ قال: كخير؛ أي عليه (١). وجعل مه الأخفش قولهم: "كن كما أنت"؛ أي: على ما أنت عليه (٢).
والرابع: التوكيد؛ وهي الزائدة؛ نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾؛ أي: ليس شيء مثله (٣).
ومعنى إلى، وحتى: انتهاء الغاية (٤) مكانية أو زمانية؛ نحو: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾؛ ونحو: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٥)؛ ونحو: أكلت
(١) استدل المصنف بهذا؛ لأن القول له، والمجيب هو رؤبة بن العجاج الراجز المشهور، وقيل: الكاف للتشبيه على حذف مضاف، أي كصاحب خير.
(٢) الكاف بمعنى "على"، و"ما" موصولة في محل جر بالكاف، و"أنت" مبتدأ حذف خبره -أي كن على الحال التي أنت عليها. وقيل: "أنت" خبر حذف مبتدؤه؛ أي كن كالشخص الذي هو أنت. وقيل: "ما" زائدة ملغاة والكاف جارة و"أنت" ضمير مرفوع نائب عن الضمير المجرور، وهو في محل جر بالكاف، والجار والمجرور خبر "كن"؛ أي كن فيما يستقبل مماثلا لنفسك فيما مضي. وقيل غير ذلك من الأعاريب.
(٣) هكذا قدره الأكثرون؛ فرارا من إثبات المثل وهو محال عليه -سبحانه-، وقد زيدت الكاف لتوكيد نفي المثل؛ لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة، وقيل: إن الكاف ليست بزائدة، و"مثل" بمعنى الذات أو الصفة، وقيل غير ذلك.
وقد ذكر الناظم من معاني الكاف ما جاء في قوله:
شبه بكاف وبها التعليل قد … يعنى وزائدًا لتوكيد ورد
أي أن الكاف تأتي لتشبيه، وقد تأتي للتعليل، وورد مجيئها زائدة للتوكيد. ولم يذكر الناظم الاستعلاء من معانيها.
(٤) المقصود بالغاية كما تقدم: المسافة والمقدار. والمراد بانتهاء الغاية: أن المعنى قبلهما ينقطع وينتهي بوصوله إلى المجرور بعدهما، وتشاركهما في ذلك "اللام" وقد تقدمت.
(٥) "إلى" هنا لانتهاء الغاية. الزمانية وفي الآية قبلها للمكانية.
стр. 707
ونحو: أكلت السمكة حتى رأسها، ونحو: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (١).
وإنما يجر بـ"حتى" في الغالب: آخر، أو متصل بآخر كما مثلنا؛ فلا يقال: سهرت البارحة حتى نصفها (٢).
ومعنى "كي" التعليل (٣)، ومعنى "الواو، والتاء" (٤): القسم.
(١) " حتى" للانتهاء في الزمان، وفي المثال الأول لانتهاء الغاية في المكان.
(٢) لأن النصف ليس آخرا ولا متصلا به. والغالب أن يكون مجرور. "حتى" اسما ظاهرا، لا مضمرا.
هذا: وتأتي "إلى" للمصاحبة، نحو: من غش في المعاملة أساء قومه إلى نفسه؛ أي مع نفسه وللاختصاص؛ نحو: أمر الأمة إلى رئيسها، وأمر الأسرة إلى راعيها، والظرفية؛ نحو سيجمع الله الناس إلى يوم تشيب فيه الولدان؛ أي في يوم.
وتأتي "حتى" للتعليل والدلالة على أن ما قبلها علة وسبب لما بعدها بعكس اللام؛ فإن ما بعدها هو العلة لما قبلها، وفي هذه الحالة لا تجر إلا المصدر المنسبك من أن الناصبة وصلتها؛ نحو: أحسن عملك حتى تكافأ، وقد اقتصر الناظم على ما في قوله:
للانتها "حتى" و"لام" و"إلى" … و"من" و"باء" يفهمان بدلا
أي أن "حتى" تدل على انتهاء الغاية، وكذلك "اللام" و"إلى" و"من" والباء" يشتركان في معنى واحد؛ هو البدل وقد تقدم ذلك. هذا: وقد ذكر النحاة فروقا بين "حتى" و"إلى" تجر الظاهر والمضمر، و"حتى" لا تجر إلا الظاهر على الراجح، و"إلى" تدل على النهاية إذا وجدت قبلها "من" الدالة على البداية، ولا يصح مجيء "حتى".
(٣) تقدم الكلام عليها صفحة ٢٦٤.
(٤) حروف القسم أربعة: اللام والباء، وقد تقدم الكلام عليهما. انظر صفحة ٢٧٥، وصفحة ٢٧٩، أما الواو والتاء فيدلان على القسم غير الاستعطافي، ولا يصح أن يذكر معهما فعل القسم، ولا يجران إلا الاسم الظاهر، والتاء لا تجر من الأسماء الظاهرة إلا: "الله، رب، الرحمن"، ومن الشذوذ أن تجر غير هذه الثلاثة، انظر صفحة: ٢٦٩.
стр. 708
ومعنى مذ ومنذ (١): ابتداء الغاية إذا كان الزمان ماضيا؛ كقوله:
أقوين مذ حجج ومذ دهر (٢)
وقوله:
وربع عفت آثاره منذ أزمان (٣)(١) انظر صفحة: ٢٦٨.
(٢) عجز بيت من الكامل، لزهير بن أبي سلمى، من قصيدة يمدح فيها هرم بن سنان. وصدره:
لمن الديار بقنة الحجر
اللغة والإعراب: قنة: هي أعلى الجبل. الحجر: منازل قوم ثمود بالشام عند وادي القرى. أقوين: خلون من السكان. حجج: سنين، جمع حجة وهي السن، وهو اسم زمان كالدهر. "لمن" اللام جارة، ومن اسم استفهام في محل جر باللام، والجار والمجرور خبر مقدم. "الديار" مبتدأ مؤخر، "بفنة" متعلق بمحذوف صفة للديار. "الحجر" مضاف إليه، "أقوين". فعل ماض ونون النسوة فاعل، والجملة حال من الديار بتقدير قد. "مذ" حرف جر بمعنى من. "حجج" مجرور بها.
المعنى: لمن هذه الديار التي بأعلى المكان؟ وقد خلت من ساكنيها من سنوات وأزمان طويلة.
الشاهد: في "مذ" حيث استعملت حرف الجر بمعنى "من" لابتداء الغاية الزمنية والمجرور ماض، وهو قليل.
(٣) عجز بيت من الطويل، لامرئ القيس الكندي، وصدره:
قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان
اللغة والإعراب: "قفا" أمر للواحد بلفظ الاثنين على عادة العرب؛ مثل: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾. ذكرى: تذكر. عرفان: معرفة. ربع: منزل ودار. عفت آثاره: درست وانمحت علاماته. "قفا" فعل أمر، وألف الاثنين فاعل. "نبك" مضارع مجزوم في جواب الأمر بحذف الياء. "من ذكرى" جار ومجرور متعلق بنبك. "حبيب مضاف إليه، "وعرفان" معطوف على حبيب، "وربع" معطوف على ذكرى، أو على حبب. "عفت آثاره" الجملة.
стр. 709
والظرفية إن كان حاضرا (١)؛ نحو: منذ يومنا. وبمعنى "من" وإلى "معا إن كان معدودًا؛ نحو: مذ يومين (٢).
ورب للتكثير كثيرا وللتقليل قليلا (٣): فالأول؛ كقوله ﵇: "يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة" (٤)، وقول بعض العرب عند انقضاء رمضان: يا رب صائمه
صفة لربع. "منذ" حرف جر بمعنى من. "أزمان" مجروريها، والجار والمجرور متعلق بعفت.
المعنى: قف يا صاحبي نندب حظنا ونذرف الدمع من تذكر الأحبة والأصدقاء الذين فقدناهم، وتلك المنازل التي درست بعد أن كانت عامرة بأهلها، وذهبت آثارها ومعالها من أزمان طويلة.
الشاهد: جر "منذ" للزمان الماضي وهي للابتداء، وأكثر العرب يرى وجوب جر "منذ ومذ" للحاضر، وترجيح جر "منذ" للماضي، وترجيح رفع "مذ" للماضي على جره.
(١) فيكونان على معنى "في" وينصبان بالفعل قبلهما.
(٢) أي ما رأيته من ابتداء هذه المدة إلى انتهائها؛ ويشترط حينئذ: أن يكون الزمان نكرة معدودا لفظا، كمذ يومين، أو بمعنى كمذ شهر؛ لأنهما لا يجران المبهم -أي غير المعدود. ويجوز وقوع المصدر بعدهما، تقول: ما رأيته مذ قدوم الحجاج- أي مذ زمن قدوم الحجاج، كما يجوز وقوع "أن" وصلتها بعدهما. نحو: ما رأيته منذ أن الله خلقني، وهو على تقدير زمان أيضًا، وفي مذ ومنذ الحرفان يقول الناظم:
وإن يجرا في مضي فكـ"من" … هما وفي الحضور معنى "في" استبنع
أي إن وقع ما بعدهم مجرورا، وكان ماضيا فهما حرفا جر بمعنى "من"، وإن كان حاضرا فهما بمعنى "في"، وقوله استبن: أي اطلب بيان معنى "في" الظرفية.
(٣) يرى فريق من النحاة، أنها للتقليل دائما، وزعم ابن درستويه وجماعة أنها للتكثير دائما.
(٤) "يا" للتنبيه أو للنداء والمنادى محذوف. "رب" حرف جر شبيه بالزائد. "كاسية"؛ أي مكسية مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة. "في الدنيا" متعلق به. "عارية" خبر. "يوم القيامة"
стр. 710
لن يصومه وقائمه لن يقومه (١). والثاني؛ كقوله:
ألا رب مولود وليس له أب … وذي ولد لم يلده أبوان (٢)
ظرف متعلق بعارية، ومضاف إليه، ويجوز أن تكون عارية صفة لكاسية باعتبار اللفظ أو المحل، والخبر محذوف؛ أي ثابتة.
المعنى: كثير من الناس مستور ومكسو في الدنيا، مفضوح وعار اليوم القيامة.
الشاهد: أن "رب" هنا للتكثير؛ لأن الحديث مسوق للتخفيف، والتقليل لا يناسبه.
ومثله وقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.
(١) "صائمه" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة، والهاء مضاف إليه، وهي في محل نصب مفعول لصائم. "لن يصومه" الجملة خبر. وقد استدل بهذا الكسائي على إعمال اسم الفاعل المجرد بمعنى الماضي.
المعنى: كثير ممن يصومون رمضان ويقومون ليلة لا ثواب لهم في صومهم وقيامه؛ لأنهم يضيعون ثوابهم بما يرتكبون من آثام.
الشاهد: فيه كسابقة.
(٢) بيت من الطويل، ينسب لرجل من أزد السراة، ولم يعين اسمه. وذكر الفارسي أنه لرجل اسمعه عمرو الجنبي، لقي امرأ القيس في إحدى الفلوات فخاطبه بهذا البيت.
اللغة والإعراب: مولود ليس له أب: هو عيسى ﵇ ولد ليس له أبوان: هو آدم أبو البشر، فقد خلق من تراب. "ألا" للتنبيه. "رب" حرف جر وتقليل شبيه بالزائد.
"مولود" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها حركة حرف الجر الشبيه بالزائد، "وليس له أب" الواو للحال، والجملة من ليس ومعموليها، في موضع نصب على الحال، وخبر المبتدأ محذوف؛ أي موجود "وذي" معطوف على مولود مجرور بالياء؛ لأنه من الأسماء الخمسة، "ولد" مضاف إليه "يلده" مضارع مجزوم بلم بسكون مقدر منع من ظهوره حركة التخلص من التقاء الساكنين العارض؛ فقد سكنت اللام تشبيها بكتف وفخذ ونحوهما، من كل كلمة ثانيها مكسور؛ فإنه يجوز إسكانه للتخفيف وسكنت الدال للجازم، فحركت الدال بالفتح إتباعا للياء، ويجوز في ضمها إتباعا للهاء. "أبوان" فاعل يلد، والجملة صفة لذي ولد.
الشاهد: كون "رب" هنا للتقليل؛ لأنه لا يوجد من هذين الصنفين إلا فرد واحد، ولا تجر رب غالبا إلا الاسم الظاهره النكرة، وتحتاج هذه النكرة لصفة من مفرد أو جملة أو شبهها، وقد تجر ضميرا للتنبيه يفسره اسم منصوب بعده يعرب تمييزا … إلخ، انظر صفحة ٢٦٩.
стр. 711
يريدان بذلك آدم وعيسى - عليهما الصلاة والسلام -
فصل: من هذه الحروف ما لفظه مشترك بين الحرفية والاسمية، وهو خمسة:
أحدهما: الكاف (١) والأصح أن اسميتها مخصوصة بالشعر؛ كقوله:
يضحكن عن كالبرد المنهم (٢)(١) يرى الأخفش والفارسي وابن مالك: أن استعمالها اسما قياسي في سعة للكلام، ولا يختص بضرورة الشعر، وقد كثر في كلام الفحول من الشعر، وإذا صارت اسما كانت بمعنى "مثل"، وتقع فاعلا فتكون مبنية على الفتح في محل رفع؛ كقول الشاعر:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه ...... … ... … ... … ... …
ومفعولا؛ كقول آخر:
ولم أر كالمعروف أما مذاقه … فحلو وأما وجهه فجميل
وفي محل جر، نحو: تبتسم عن كاللؤلؤ، وكمثال المصنف.
(٢) رجز للعجاج بن رؤبة، يصف نسوة بالحسن والجمال وصدره:
بيض ثلاث كتعاج جم
اللغة والإعراب: بيض: جمع بيضاء. نعاج: جمع نعجة، والمراد بها هنا البقرة الوحشية، شبهت بها المرأة الحسناء، ولا يقال نعاج لغيرها. جم: جمع جماء وهي التي لا قرن لها. البرد: مطر ينعقد كرات صغيرة. المنهم: الذائب منه بعضه حتى يصير كرات صغيرة جدا. "بيض" مبتدأ. "ثلاث" صفة له "كنعاج" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة ثانية. "جم" صفة لنعاج. "يضحكن" فعل مضارع ونون النسوة فاعل، والجملة خبر المبتدأ "كالبرد، الكاف اسم بمعنى "مثل" في محل جر بعن، والبرد مضاف إليه. "المتهم" صفة للبرد.
المعنى: أن هؤلاء النسوة البيض اللاتي كبقر الوحش خفة ورشاقة، يضحكن عن أسنان كالبرد الصغير صفاء ولطافة.
стр. 712
والثاني والثالث: "عن"، و"على"؛، وذلك إذا دخلت عليهما "من"؛ (١)
كقوله:
من عن يميني مرة وأمامي (٢)
الشاهد: استعمال الكاف في "كالبرد" اسما بمعنى "مثل"؛ بدليل دخول حرف الجر عليها، وحرف الجر لا يدخل إلا على الاسم.
(١) ليس ذلك بقيد لاسميتهما، وإنما الغالب وقوعهما مجرورتين بمن، وإذا استعملا اسمين، كانت "عن" بمعنى جانب، و"على" بمعنى فوق. وهذا الاستعمال قياسي فيهما. وإلى استعمال الكاف و"عن" و"على" أسماء يشير الناظم بقوله:
واستعمل اسما وكذا "عن" و"على" … من أجل ذا عليهما "من" دخلا
أي أن الكاف استعملت اسما، وكذلك "عن" و"على"، ومن أجل استعمالهما اسمين دخل عليهما الحرف الجار "من"، وهو لا يدخل إلى على الأسماء.
(٢) عجز بيت من الكامل، لقطري بن الفجاءة الخارجي، وصدره:
فلقد أرباني للرماح دريئة
اللغة والإعراب: دريئة: هي الحلقة التي يتعلم عليها الطعن والرمي. "ولقد" اللام واقعة في جاب قسم مقدر، وقد حرف تحقيق. "أراني" مضارع، والفاعل أنا، والنون للوقاية، والياء مفعول أول. "للرماح" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من دريئة، الواقع مفعولا ثانيا لأرى. "من" جارة. "عن" اسم بمعنى جانب أو جهة، في محل جر بمن، والجار والمجرور متعلق بمحذوف يدل عليه أراني. "يميني" مضاف إليه. "مرة" منصوب على المصدرية "وأمامي" معطوف على يميني.
المعنى: يصف نفسه بالشجاعة والصبر على الجلاد في معمعة الحرب حين يفر الأبطال، فتتقاذف عليه رماح الأعداء ونبالهم، وتأتيه من كل جانب وهو ثابت، أو يريد: أن المحاربين معه يتخذونه وقاية يتقون بها رمايا الأعداء؛ لشجاعته ورباطة جأشه.
стр. 713
وقوله:
غدت من عليه بعدما تم ظمؤها (١)
والرابع والخامس: "مذ"، ومنذ". وذلك في موضعين (٢).
الشاهد: أن "عن" اسم بمعنى جانب أو جهة، بدليل دخول حرف الجر عليه وهو "عن".
(١) صدر بيت من الطويل، لمزاحم بن الحارث العقيلي يصف قطاة، وعجزه:
تصل وعن قيض بزيزاء مجهل
اللغة والإعراب: غدت: صارت والضمير فيه عائد على القطاة. ثم: كمل. ظمؤها: مدة صبرها عن الماء؛ والظم: ما بين الشرب والشرب، تصل: تصوت أحشاؤها من العطش، قيض: هو القشر الأعلى للبيض. زيزاء: بيداء، وهي الأرض القفر التي لا ماء فيها. مجهل: قفر ليس فيها أعلام يهتدي بها. "غدت" فعل ماض من أخوات كان، واسمها مستتر يعود على القطاة. "من" جارة. "عليه" اسم بمعنى فوق في محل جر بمن، والهاء مضاف إليه. "بعد" ظرف منصو بغدت. "ما" مصدرية. "ثم ظمؤها" فعل وفاعل ومضاف إليه، والمصدر المنسبك من "ما" وما بعدها مضاف إليه لبعد أي بعد تمام، "تصل" الجملة خبر غدت. "وعن قيض" معطوف بالواو على قوله "من عليه" "بزيزاء" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لقيض، ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، "مجهل" مضاف إليه، أو صفة لزيزاء، أو بدل كل من كل.
المعنى: أن هذه القطاة صارت من فوق فرخها، وقد مضت المدة التي تصبر فيها عن الماء -تصوت من شدة الظمأ، وهي على قشور البيض والأفراخ في تلك الأرض الغليظة القفر الخالية مما يهتدي به السائرون.
الشاهد: استعمال "على" اسما بمعنى "فوق"؛ بدليل دخول حرف الجر عليها. وقيل: معناه "عند".
(٢) وإليهما يشير الناظم بقوله:
و"مذ ومنذ" اسمان حيث رفعا … أو أوليا الفعل كـ"جئت مذ دعا"
стр. 714
أحدهما: أن يدخلا على اسم مرفوع؛ نحو: ما رأيته مذ يومان، أو مذ يوم الجمعة، وهما حينئذ: مبتدآن، وما بعدهما خبر (١). وقيل: بالعكس (٢)، وقيل: ظرفان، وما بعدهما فاعل بكان تامة محذوفة (٣).
والثاني: أن يدخلا على الجملة؛ فعلية كانت، وهو الغالب؛ كقوله:
ما زال مذ عقدت يده إزاره (٤)(١) ومعناهما: الأمد ونفي المدة؛ إذا كان الزمان حاضرا؛ نحو: ما رأيته مذ يومنا، أو معدودا كمثال المصنف "منذ يومان"، والتقدير: مدة عدم الرؤية يومنا، أو يومان ومن المعدود: منذ يوم، أو شهر، أو سنة، أو عشرة أيام، أو خمسة عشر يوما، أو عشرون يوما، أو مائة يوم، أو ألف يوم … إلخ. وإن كان الزمان ماضيا؛ نحو: ما رأيته مذ يوم الجمعة فمعناه: أول مدة انقطاع الرؤية يوم الجمعة، وهذا مذهب المبرد والفارسي وبعض الكوفيين.
(٢) ويكونان ظرفين متعلقين بمحذوف هو الخبر وما بعدهما مبتدأ مؤخر، ويكون معنى ما لقيته مذ يومان بيني وبين لقائه يومان، وفي هذا تكلف وتقدير لا مبرر له، وهو مذهب الأخفش والزجاج.
(٣) والتقدير: مذ كان أو قد مضى يومان أو يوم الجمعة، وهما حينئذ متعلقان بمضون ما قبلهما، مع ملاحظة استمرار الانتفاء إلى زمن التكلم، وهذا مذهب جمهور الكوفيين، واختاره ابن مالك، ولعل الرأي الأول هو الأولى بالاتباع.
(٤) صدر بيت من الكامل، للفرزدق يرثي يزيد بن المهلب، وعجزه:
فسما فأدرك خمسة الأشبار
اللغة والإعراب: عقدت يده إزاره: كناية عن مجاوزته حد الطفولة وبلوغه سن التمييز والإزار: ما يلبسه الإنسان في نصفه الأسفل. فسما: شب واتفع. أدرك: بلغ ووصل، خمسة الأشبار: المراد: ارتفعت قامته وبلغ مبلغ الرجال. "ما" نافية. "زال" فعل
стр. 715
أو اسمية كقوله:
وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع (١)
ماض ناقص، واسمها يعود على يزيد: "مذ" ظرف مبني على السكون في محل نصب بزال، وهو مضاف إلى جملة "عقدت يداه إزاره" من الفعل والفاعل والمفعول. "قسما" معطوف على عقدت، "فأدرك" معطوف عليه كذلك، "خمسة الأشبار" مفعول أدرك، ومضاف إليه، وخبر زال جملة "يدني" في البيت بعده، وهو:
يدني كتائب من كتائب تلتقي … في ظل معترك العجاج مثار
المعنى: أن يزيد منذ بلغ سن التمييز، واستطاع أن يقضي حوائجه بنفسه، ظهرت عليه مخايل الرجولة، وأخذ يتدرج في مدارج الرفعة والشجاعة ويظهر منه ما لا يرى إلا في الأبطال والعظماء.
الشاهد: دخول "مذ" على جملة فعلية، وهو الغالب فيها، وينبغي أن يكون الفعل ماضيًا.
(١) صدر بيت من الطويل للأعشى ميمون بن قيس، وعجزه:
وليدا وكهلا حين شبت وأمردا
وهذا البيت من قصيدته المشهورة التي مطلعها:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا … وبت كما بات السليم مسهدا
اللغة والإعراب: أبغي: أطل. يافع: هو الغلام الذي بلغ الحلم، أو ناهز العشرين؛ يقال أيفع الغلام ويفع؛ فهو يافع، ولا يقال موفع؛ وكأنهم استغنوا باسم الفاعل من الثلاثي. وليدا: صبيا. كهلا: هو من وخطه الشيب، أو من جاوز الثلاثين، أو الأربعين إلى الخمسين والستين. أمردا: هو الشاب الذي طر شاربه ولم تنبت لحيته؛ لأنه لم يبلغ سن الالتحاء؛ فإذا بلغه ولم تنبت لحيته فهو ثط. "ما" نافية "زلت" فعل ماض ناقص، والتاء اسمها. "أبغي المال" الجملة خبر زال. "مذ" ظرف معمول لأبغي. "أنا يافع" مبتدأ وخبر، والجملة مضاف إليه بمذ.
المعنى: إنني أطلب المال، وأسعى للحصول عليه منذ كنت ناشئا، ثم صبيا، إلى أن بلغت سن الكهولة.
الشاهد: دخول "مذ" على الجملة الاسمية.
стр. 716
وهما حينئذ ظرفان باتفاق (١).
فصل: تزاد كلمة "ما" بعد من، وعن، والباء فلا تكفهن عن عمل الجر (٢)؛ نحو: ﴿مِمَّا خَطِياتِهِمْ﴾، ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾. وبعد "رب" و"الكاف" فيبقى العمل قليلا؛ كقوله:
ربما ضربة بسيف صقيل (٣)(١) قيل: ظرفان مضافان إلى الجملة، أو إلى زمن مضاف إلى الجملة. وقيل: إنهما مبتدأن؛ بتقدير زمن مضاف إلى الجملة، يكون هو الخبر، والتقدير في مثال الناظم: "جئت مذ دعا" وقت المجيء هو زمن دعائه، وفي بيت للأغشى: أول وقت طلبي المال، هو وقت كوني يافعًا؛ وعلى ذلك فدعوى الاتفاق على الظرفية غير مسلمة هذا، وأصل منذ: مذ، ولا تدخل "من" عليهما، ولا يصح العكس أيضا.
(٢) لأنها لا تزيل اختصاصهن بالأسماء، وتقتضي قواعد الكتابة اتصال الحرفين خطا، قال: الناظم:
وبعد "من" و"عن" و"باء" زيد "ما" … فلم يعق عن عمل قد علما
أي تزاد "ما" بعد "من" و"عن" والباء فلا تكفها وتمنعها عن عمل لها معلوم، وهو جر ما بعدها.
(٣) صدر بيت من الخفيف، لعدي بن الرعلاء الغساني. وعجزه:
بين بصرى وطعنة نجلاء
اللغة والإعراب: صقيل: مجلو أملس. بصرى: بلد الشام؛ كان بها سوق في الجاهلية، وذهب إليها النبي ﷺ مع عمه للتجارة، ورآه فيها بحيرا
стр. 717
وقوله:
كما الناس مجروم عليه وجارم (١)
والغالب أن تكفهما عن العمل (٢) فيدخلان حينئذ على الجمل.
الراهب، وعرفه، وحذر عمه عليه، نجلاء: واسعة ظاهرة الاتساع، "رب" حرف جر شبيه بالزائد. "ما" زائدة بعدها "ضربة" مجرور برب لفظا، وهي مبتدأ. "بسيف" متعلق بمحذوف صفة لضربة. "صقيل" صفة لسيف. "بين" ظرف متعلق بمحذوف، وخبر المبتدأ "بصرى" مضاف إليه، أو صفة لضربة، والخبر محذوف. "وطعنة" معطوف على ضربة.
"نجلاء" صفة لها، مجرورة، بالكسرة الظاهرة للضرورة، وقد أضاف الشاعر "بين" إلى "بصرى"، وهو مفرد لم يعطف عليه مثله، مع أن "بين" لا تضاف إلا إلى متعدد؛ إما؛ لأن "بصرى" في قوة المتعدد؛ لأنها ذات أجزاء، ومحلات كثيرة؛ أي بين أجزائها وأماكنها. أو أن هناك مضافا محذوفا؛ أي بين أماكن بصرى.
المعنى: كثيرا ما استعملت سيفي للضرب، ورمحي للطعن، في هذه الجهة استعمالا مشرفا.
الشاهد: زيادة "ما" بعد "رب"، وعدم منعها من العمل. وذلك قليل.
(١) عجز بيت من الطويل، لعمرو بن براقة الهمداني، وصدره:
وننصر مولانا ونعلم أنه
اللغة والإعراب: ننصر: نعين ونؤازر، مولانا؛ المراد هنا: حليفنا أو سيدنا، مجروم: مظلوم واقع عليه الجرم والتعدي، وجار: ظالم معتد. "مولانا" مفعول ننصر، منصوب بفتحة مقدرة على الألف، وهو مضاف إلى "نا". "أنه" أن واسمها. "كما" الكاف حرف تشبيه وجر، و"ما" زائدة. "الناس" مجرور بالكاف، والجار والمجرور خبر "أن"، والجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي نعلم. "مجروم" خبر ثان؛ لأن. "عليه" جار ومجرور، ونائب فاعل لمجروم؛ لأنه اسم مفعول. "وجازم معطوف عليه.
المعنى: أن من أخلاقنا وشيمتنا أن نساعد حليفنا، ونعينه على عدوه، ونحن نعلم أنه كغيره من الناس يظلم، ويظلم غيره.
الشاهد: زيادة "ما" بعد الكاف في "كما الناس"، وعدم كفها عن عمل الجر.
(٢) وحينئذ تسمى "كافة" أما إذا لم تكف؛ فتسمى "زائدة" لا غير.
стр. 718
كقوله:
كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه (١)
وفي زيادة "ما" بعد "رب" و"الكاف" يقول الناظم:
وزيد بعد "رب" و"الكاف" فكف … وقد تليهما وجر لم يكف
أي زيد الحرف "ما" بعد "رب"، وبعد "الكاف" فكفهما عن العمل، وقد يلهما ولا يكفيهما، ومعنى "لم يكف: لم يمنع" وكذلك تزاد "ما" قليلا بعد اللام؛ كقول الأعشى:
إلى ملك خير أربابه … فإن لما كل شيء قرارا
أي فإن لكل شيء. وما ورد من دخول "ما" على هذه الحروف وكفها عن العمل، يؤول عند الجمهور على أن "ما" مصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر مجرور بها. وتزاد "ما" أيضًا بعد أدوات الشرط الجازمة، وغير الجازمة؛ فلا تغير وضعها؛ نحو: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ﴾، ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾. والغرض من زيادتها في هذه الأحوال كلها التأكيد.
(١) عجز بيت من الطويل، لنهشل بن جرى، يرثي أخاه مالكا، وكان قد قتل في جيش علي يوم صفين، وصدره:
أخ ماجد لم يحزني يوم مشهد
اللغة والإعراب: ماجد: ذو مجد؛ والمجد: الرفعة والشرف والكرم. يحزني: يوقعني في الخزاية؛ وهي الإهانة والفضيحة؛ والمراد: يخذلني. يوم مشهد: اليوم الذي يشهده الناس ويحضرونه؛ والمراد يوم صفين، وهو الذي قتل فيه أخوه مالك. سيف عمرو؛ المراد: عمرو بن معد يكرب الزبيدي، وسيفه: الصمصامة. مضاربة: جمع مضرب؛ وهو نحو شبر من طرفه. "أخ" مبتدأ. "ماجد" صفته. "لم يخزني" الجملة خبر. ويجوز أن يعرب. "أخ" خبرا لمبتدأ محذوف، وما بعده صفة. "يوم مشهد" ظرف متعلق بيخزني، ومضاف إليه. "كما" الكاف جارة، و"ما" كافة. "سيفا عمرو" مبتدأ، ومضاف إليه. "لم تخنه مضاربه" الجملة خبر المبتدأ.
стр. 719
وقوله:
ربما أوفيت في علم (١)
والغالب على "رب" المكفوفة أن تدخل على فعل ماض (٢) كهذا البيت، وقد تدخل على مضارع منزل منزلة الماضي لتحقق وقوعه؛ نحو: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣).
المعنى: يمدح أخاه بالشجاعة والإقدام والكرم، وأنه لم يتخل عنه، ولم يخذله، ولم يحجم عن لقاء الأعداء معه يوم صفين؛ كما أن سيف عمرو بن معد يكرب لم يخذله ولم ينب في يده عن شيء ما.
الشاهد: أن "ما" كفت الكاف في "كما" عن الجر؛ فرفع "سيف" على الابتداء، وهذا هو الكثير فيها. هذا: وتقع "كما" بعد الجمل صفة في المعنى؛ نحو: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾، وتعرب نعتا لمصدر أو حالا؛ أي نعيده أول خلق؛ إعادة مثل ما بدنا، أو نعيده مماثلا للذي بدأناه. ومثل: "كما": "كذلك".
(١) صدر بيت من المديد لجذيمة بن الأبرش بن مالك بن فهم ملك الحيرة، وهو صاحب الزباء، وعجزه:
ترفعن ثوبي شمالات
اللغة والإعراب: أوفيت: نزلت، علم: جبل. شمالات: جمع شمال؛ وهي ريح تهب من ناحية القطب الشمالي. "ربما" رب حرف جر شبيه بالزائد، و"ما" كافة "ترفعن" مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، "ثوبي" مفعول ترفعن. "شمالا" فاعله.
المعنى: كثيرًا ما أنزل على الجبال العالية، في مهب الرياح العاتية، محتملا المصاعب؛ لأرقب الأعداء؛ يفتخر بأنه يرقب الطليعة بنفسه متحملا لمشاق؛ ولا يعتمد على غيره.
الشاهد: أن "ما" كفت "رب" عن عمل الجر؛ لأنها دخلت على الجملة الفعلية.
(٢) لأن معناها التكثير أو التقليل؛ وهما إنما يكونان فيما عرف حده، والمستقبل مجهور، وإذا كانت "ما" كافة، و"رب" غير عاملة، وجب وصلهما كتابة، فإن كانت "رب" عاملة، وجب فصلهما.
(٣) فإن "يود"، وإن كان مستقبلا حقيقة؛ لأنه في يوم القيامة؛ لكن لما كان معلوما لله تعالى، نزل منزلة الماضي، بجامع التحقق في كل، وقيل: إن المضارع مقصود به حكاية حال ماضية.
стр. 720
وندر دخولها على الجملة الاسمية كقوله:
ربما الجامل المؤيل فيهم (١)
حتى قال الفارسي: يجب أن تقدر "ما" اسما مجرورًا برب بمعنى شيء (٢)، والجامل خبرا لضمير محذوف، والجملة صفة لما (٣)؛ أي رب شيء هو الجامل المؤبل.
فصل: تحذف "رب"، ويبقى عملها بعد الفاء كثيرًا؛ كقوله:
على طريق المجاز:
(١) صدر بيت من الخفيف، لأبي دؤاد الإيادي، وعجزه:
وعناجيج بينهن المهار
اللغة والإعراب: الجامل: اسم جمع للإبل لا واحد له، وقيل: القطيع من الإبل مع رعاتها. المؤبل: المعد للقنية. عناجيج: جمع عنجوج؛ كعصفور؛ وهي الخيل الجياد الطويلة الأعناق، المهار: جمع مهر، وهو ولد الفرس، والأنثى مهرة. "ربما": "رب" حرف تقليل وجر شبيه بالزائد، و"ما" كافة زائدة "الجامل" مبتدأ "المؤبل" صفته "فيهم" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، "وعناجيج" مبتدأ معكوف على الجامل، وخبره محذوف يدل عليه ما قبله. "بينهن المهار" خبر مقدم، ومبتدأ مؤخر، والجملة صفة لعناجيج.
المعنى: يصف نفسه بالكرم والجود، وأنه لا يبخل على من يتصل به بأحسن ما عنده؛ من الإبل المتخذة للقنية، والخيل الجياد التي معها أولادها.
الشاهد: دخول "رب" المكفوفة بما على الجملة الاسمية، وذلك نادر.
(٢) وذلك ليكون الاسم المجرور بها نكرة.
(٣) و"فيهم" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال؛ أي كائنا فيهم؛ وبذلك يكون مدخول رب مفردا، وإنما قدر الفارسي ضميرا محذوفا، ولم يجعل الجملة على حالها صفة لما ليحصل الربط بين الصفة والموصوف، وفي هذه الحالة تكتب "ما" مفصولة من "رب" بخلاف "ما" الكافة؛ فإنها تكتب موصولة.
стр. 721
فمثلك حبلى قد طرفته ومرضعا (١)
وبعد "الواو" أكثر: كقوله:
وليل كموج البحر أرخى سدوله (٢)(١) صدر بيت من الطويل؛ لامرئ القيس الكندي، من معلقته المشهورة يخاطب به محبوبته، وعجزه:
فألهيتها عن ذي تمائم محول
اللغة والإعراب: طرقت: أتيتها ليلا؛ والطروق: الإتيان في الليل. ألهيتها: شغلتها.
تمائم: جمع تميمة؛ وهي التعاويذ التي تعلق على الصبي لتقيه من العين والسحر ونحوهما، على عقيدة العرب، محول: اسم فاعل؛ من أحول الصبي، إذا مر عمره حول. "فمثلك" الفاء عاطفة و"مثلك" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة، وجر لفظا برب المحذوفة بعد الفاء والكاف مضاف إليه. "حبلى" بدل من "مثل"، وجملة "قد طرقت" خبر المبتدأ "ومرضع" معطوف على حبلى. "فألهيتها" الفاء عاطفة، و"ألهيتها" فعل وفاعل ومفعول. "عن ذي" متعلق به، "تمائم" مضاف إليه، ممنوع من الصرف؛ لصيغة منتهى الجموع. "محول" صفة لذي تمائم مجرورة بالكسرة.
المعنى: رب المرأة مثلك حبلى، ومرضع قد أتيتها ليلا، فشغلتها عن طفلها الصغير الذي تولع به، وخص الحبلى والمرضع؛ لأنهما أزهد النساء في الرجال، ومع ذلك تعلقتا به، ومالتا إليه.
الشاهد: جر "مثل" في اللفظ -برب المحذوفة بعد الفاء، وذلك كثير.
(٢) صدر بيت من الطويل، لامرئ القيس أيضًا من المعلقة المذكورة، وعجزه:
علي بأنواع الهموم ليبتلي
اللغة والإعراب: كموج البحر: أي مثله؛ في شدة هوله وظلمته. سدوله: ستوره والمفرد سدل. ليبتلي: ليختبر ويمتحن. "وليل" الواو واو رب، "ليل" مبتدأ وهو مجرور لفظا برب المحذوفة. "كموج البحر" متعلق بمحذوف صفة لليل، ومضاف إليه، والخبر محذوف، أي قطعته. "أرخى" سدوله"، الجملة صفة ثانية لليل، أو هي الخبر. "علي" متعلق بأرخى. "ليبتلي" اللام للتعليل، ويبتلي مضارع منصوب بأن المضمرة بعد اللام.
стр. 722
وبعد "بل" قليلا؛ كقوله:
بل مهمه قطعت بعد مهمه (١)
وبدونهن أقل؛ كقوله:
المعنى: رب ليل عظيم الهول والخوف أسد على ستور ظلامه مع أنواع الهموم والأحزان؛ ليختبر ما عندي من الشجاعة والاحتمال والصبر، أو الجزع والفزع -قطعته ولم أبال بشيء.
الشاهد: جر "ليل" برب المحذوفة بعد الواو؛ وهذا أكثر من حذفها، وجر ما بعدها بعد الفاء.
(١) بيت من الرجز المشطور، لرؤبة بن العجاج.
اللغة والإعراب: مهمه: مفازة بعيدة الأطراف؛ قيل: سميت بذلك؛ لأن سالكها يقول لصاحبه من الخوف والذعر: مه مه؛ أي كف عن الحديث. "بل"حرف عطف للإضراب. "مهمه" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة، وجر لفظا برب المحذوفة بعد "بل"، "قطعت" الجملة خبر. ويجوز أن يعرب "مهمه" مفعولا
مقدما لقطعت. "بعد مهمه" ظرف متعلق بقطعت ومضاف إليه.
الشاهد: في "بل مهمه"؛ حيث جر برب المحذوفة بعد "بل".
وحذف "رب" بعد "بل" وإبقاء عملها، قليل بالنسبة للواو والفاء، وكل حرف من هذه الأحرف الثلاثة يسمى العوض عن "رب"، أو النائب عنها، ويقال في الإعراب: الواو واو "رب"، والفاء فاء "رب"، وبل: بل "رب".
وفي حذف "رب" بعد هذه الأحرف يقول الناظم:
وحذفت "رب" فجرت بعد "بل" … و"ألفا" وبعد "الواو شاعر ذا العمل
أي أن "رب" قد تحذف، ويبقى ما بعدها مجرورا بها لفظ؛ وذلك قليل بعد "بل"، وكثير
стр. 723
رسم دار وقفت في طلله (١)
وقد يحذف غير "رب" ويبقى عمله؛ وهو ضربان:
سماعي؛ كقول رؤبة: "خير والحمد لله"؛ جوابًا لم قال له: كيف أصبحت؟ (٢)
وقياسي (٣)؛ كقولك: بكم درهم اشتريت ثوبك؟؛ أي: بكم من درهم؟ خلافًا للزجاج في تقديره الجر بالإضافة (٤).
بعد الفاء، وشاع بعد الواو.
(١) صدر بيت من الخفيف، لجميل بن معمر العذري، وعجزه:
كدت أقضي الحياة من جلله
اللغة والإعراب: رسم دار: هو ما بقي من آثارها لاصقا بالأرض؛ كالرماد ونحوه.
طلله، الطلل: ما شخص؛ أي ارتفع من آثارها؛ كالوتد والأثافي. من جلله: من أجله، أو من عظم شأنه في نفسي. "رسم" بالجر مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة، وجر لفظا برب محذوفة. "دار" مضاف إليه، "وقفت" الجملة صفة لرسم. "في طلله" جار ومجرور متعلق بوقفت. "كدت" كاد واسمها أقضي الحياة" الجملة خبر كاد، والجملة من كاد ومعموليها خبر المبتدأ.
المعنى: رب أثر باق من آثار ديار الأحبة، وقفت عنده؛ فكدت أموت أسى وحزنا على تلك الديار؛ التي كانت عامرة ولها أعظم شأن في نفسي، فأصبحت خرابا خاوية من أهلها.
الشاهد: جر "رسم" برب محذوفة؛ من غير أن يسبق هذا المجرور حرف من الأحرف الثلاثة التي مرت، وذلك نادر.
(٢) الأصل: بخير، أو على خي؛ فحذف الجار، وأبقي عمله. ورؤبة هذا من فصحاء العرب، الذين يستدل بقولهم.
(٣) ويطرد في مواضع كثيرة؛ منها: أن يكون حرف الجر داخلا على تمييز "كم" الاستفهامية؛ بشرط أن تكون مجرورة بحرف جر مذكور قبلها؛ كمثال المصنف.
(٤) بأي إضافة "كم" إلى تمييزها.
стр. 724
وكقولهم: إن في الدار زيدا والحجرة عمرا (١)؛ أي: وفي الحجرة، خلافا للأخفش؛ إذ قدر العطف على معمولي عاملين (٢).
وقولهم: مررت برجل صالح إلا صالح فطالح (٣)؛ حكاه يونس، وتقديره: إلا أمر بصالح، فقد مررت بطالح (٤).
(١) هذا هو الموضع الثاني؛ وهو: أن يكون حرف الجر مع مجروره بعد عاطف، والمعطوف عليه مشتمل على حرف جر مماثل للمحذوف؛ "فالحجرة" مجرورة بفي محذوفة، وليست معطوفة على الدار؛ لئل يلزم العطف على معمولي عاملين مختلفين، وذلك ممنوع عند سيبويه، ومن تبعه؛ وذلك لضعف العاطف عن القيام مقام عاملين مختلفين.
(٢) فجعل "الحجرة" معطوفة على الدار، وعمرًا معطوفا على "زيدا"، والدار وزيد، معمولان لعاملين مختلفين؛ لأن العامل في الدار حرف الجر، والعامل في "زيدا" إن.
(٣) هذا هو الموضع الثالث؛ وهو: أن يكون حرف الجر مسبوقا بفاء الجزاء، الواقعة بعد ما تضمن مثل المحذوف.
(٤) هذا تقرير ابن مالك. وقدره سيبويه: إلا أكن مررت بصالح فبطالح؛ قيل: هو الصواب؛ لئلا ينتقض إخبارك أولا بالمرور فيما مضي؛ لأن: إلا أمر معناه في المستقبل، ويمكن حمل تقدير ابن مالك عليه؛ بأن يجعل معنى إلا أمر: إن لا أكن مررت. وفيما سبق؛ من حذف الجار وإبقاء عمله؛ تشبيها برب. يقول الناظم:
وقد يجر بسوى "رب" لدى … حذف وبعضه يرى مطردا
أي وقد يجر الاسم بحروف غير "رب" مع حذفها، وبعض حالات الحذف والجر قد يكون قياسيا مطردا، وبعضه سماعي لا يقاس عليه.
ومما يطرد فيه الحذف غير ما ذكره المصنف:
أ- أن يكون حرف الجر "لام التعليل" إذا جرت "كي" المصدرية وصلتها؛ نحو: كافأتك
стр. 725
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كي تقبل على عملك؛ أي لكي؛ إذا قدرت "كي" تعليلية.
ب- أو يكون الجار أحد حروف القسم، والمجرور لفظ الجلالة، دون عوض من حرف القسم المحذوف؛ نحو: الله لأعاقبن المهمل، أي بالله.
جـ- إذا كان الجار واقعا مع المجرور، في سؤال مقرون بالهمزة، بعد كلام متضمن؛ مثل المحذوف؛ نحو: أعلي بن إبراهيم؛ استفهاما لمن قال: مررت بعلي.
د- أو كانا واقعين بعد "هلا" التي للتحضيض، وقبلهما كلام مشتمل على مثل المحذوف؛ كأن يقال: سأتصدق بدينار؛ فيقال: هلا دينارين؛ أي بدينارين.
هـ- أن يكون المجرور بالحرف معطوفا على خبر "ليس"، أو"ما" الحجازية؛ بشرط أن يكون صالحا لدخول حرف الجر عليه؛ بأن يكون الخبر اسما لم ينتقض نفيه بإلا؛ نحو: لست مدركا القطار، ولا قادر على العودة؛ بجر "قادر" بالعطف على "مدركا"، الذي يجوز جره بالباء، فيقال: لسبت بمدرك، فعلى الجواز الموهوم، عطف عليه بالجر؛ وهذا هو الذي يسميه النحاة "العطف على التوهم".
و- إذا كان الجار مسبوقا بإن الشرطية، وقبلهما كلام مشتمل على مثيل للمحذوف؛ نحو: سلم على من تحب؛ إن محمد، وإن علي.
ز- إذا كان حرف الجر مع المجرور معطوفين على مشتمل على حرف جر، مثل المحذوف، مع الفصل "بلا" بين حرف العطف، وحرف الجر؛ نحو: ما للمعلم إلا الإرشاد والتوجيه، ولا الطالب إلا الجد والتحصيل، أو: ولا للطالب.
حـ- أن يكون حرف الجر كالموضع السابق، مع الفصل "بلو" كقوله: متى استعنتم بنا ولو فئة منا وجدتم منا كل عون؛ أي: ولو بفئة.
هذا: ولا يجوز الفصل بين حرف الجر ومجروره اختيارا، ويجوز الفصل بينهما اضطرارا؛ بظرف، أو جار ومجرور.
تنبيه: ذكرنا فيما سبق: أن الظرف؛ والجار والمجرور لا بد لهم من متعلق يرتبطان به؛ وهذا المتعلق قد يكون فعلا، أو شبهه؛ كاسم الفعل، أو مؤولا بما يشبه ذلك، أو ما يشير إلى معناه؛ نحو: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾؛ أي وهو المسمى بهذا الاسم، ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾؛ أي انتفى الكون مجنونا بنعمة ربك؛ فإن
стр. 726
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يكن شيء من ذلك؛ قدر الكون المطلق متعلقا ويستثنى من ذلك:
أ- الحروف الزائدة؛ لأنه أتي بها للتأكيد لا للربط.
ب- "لعل" في لغة عقيل؛ لأنها شبيهة بالزائد.
جـ- "رب"؛ مثل: رب رجل محسن قابلت؛ لأن مجرورها مفعول.
د- "لولا" عند من جربها؛ لأنها بمنزلة "لعل"؛ في رفع ما بعدها محلا.
هـ- حروف الاستنثاء؛ وهي: خلا، وعدا، وحاشا، إذا خفضن.
стр. 727
هذا باب الإضافة (١):
تحذف من الاسم الذي تريد إضافته؛ ما فيه من تنوين ظاهر أو مقدر (٢)؛ كقولك في ثوب ودراهم: ثوب زيد ودراهمه، ومن نون تلي علامة الإعراب وهي: نون التثنية وشبهها؛ نحو: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، وهذان اثنا، ونون جمع المذكر السالم وشبهه؛ نحو: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةَ﴾، وعشر وعمرو (٣)، ولا تخذف النون التي تليها علامة الإعراب؛ نحو: بساتين زيد، وشياطين الإنس (٤).
هذا باب الإضافة:
(١) معناها في اللغة: مطلق الإسناد، واصطلاحنا: إسناد اسم إلى آخر، على تنزيل الاسم الثاني من الأول منزلة تنوينه، أو ما يقوم مقام التنوين في تمام الكلمة، وإن شئت قلت: هي نسبة تقييدية بين اسمين، تقتضي أن يكون ثانيهما مجرورا دائما، والمراد بالنسبة: الإسناد والحكم، ومعنى كونمها تقييدية: أنها نسبة جزئية الغرض منها تقييد المضاف بالمضاف إليه، وإيجاد نوع من القصر والتحديد له، بعد أن كان عاما مطلقا.
(٢) كتنوين الممنوع من الصرف؛ كدراهم كما مثل المصنف، وكذلك يجب حذف أل غير الأصلية التي هي من بنية الكلمة من صدر المضاف؛ إذا كانت الإضافة محضة، أو غير محضة. والمضاف غير مثنى أو جمع على حده، والثاني مجرد من أل كما سيأتي في موضعه.
(٣) عشرو: شبيه بجمع المذكر في إعرابه بالحروف، وليس بجمع؛ لأنه لا مفرد له.
(٤) لأن النون في المثالين تليها علامة الإعراب، وهي الحركة وعلامة الإعراب تأتي في المرتبة بعد آخر الكلمة، وإلى حذف النون والتنوين من المضاف، يشير الناظم بقوله:
نونا تلي الإعراب أو تنوينا … مما تضيف احذف كطور سينا
أي احذف من الاسم الذي تريد إضافته، نونا تلي حرف الإعراب، وكذلك التنوين الذي في آخر الاسم، ومثل الناظم لحذف التنوين من المضاف بكلمة "طور" عند إضافته "لسينا" والطور: جبل معروف في صحراء سينا على الحدود الشمالية الشرقية لمصر.
стр. 728
ويجر المضاف إليه بالمضاف وفاقا لسيبويه (١)، لا بمعنى اللام خلافا للزجاج (٢).
فصل: وتكون الإضافة على معنى "اللام" بأكثرية، وعلى معنى "من" بكثرة، وعلى معنى "في" بقلة (٣).
وضابط التي بمعنى "في": أن يكون الثاني ظرفا للأول (٤)؛ نحو: ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾، ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾.
والتي بمعنى "من" أن يكون المضاف بعد المضاف إليه، وصالحًا للإخبار به عنه (٥)؛ كخاتم فضة؛ ألا ترى أن الخاتم بعض جنس الفضة؟ وأنه يقال: هذا الخاتم فضة.
فإن انتفى الشرطان معا؛ نحو: ثوب زيد وغلامه، وحصير المسجد وقنديله (٦)، أو الأول فقط؛ نحو: يوم الخميس (٧)، أو الثاني فقط؛ نحو: يد زيد (٨)، فالإضافة بمعنى لام
(١) ووافقة الجمهور وهو الصحيح؛ بدليل اتصال الضمير به، والضمير لا يتصل إلا بعامله.
(٢) أي: ولا بالإضافة، ولا بحرف مقدر ناب عنه المضاف، خلافا لمن قال ذلك.
(٣) ذهب أبو حيان: إلى أن الإضافة ليست على معنى أي حرف، ولا على نية حرف.
(٤) أي: أن يكون المضاف إليه ظرف زمان أو مكان واقعا فيه المضاف، سواء كانت الظرفية حقيقة أو مجازية؛ فإن المقصود أن يكون وعاء للمضاف وغلافا يحتويه، وقد مثل لهما المصنف.
(٥) أي يصح الإخبار بالمضاف إليه عن المضاف.
(٦) فإن الثوب والغلام ليسا بعض زيد، وكذلك الحصير والقنديل ليسا بعض المسجد، ولا يصح الإخبار بزيد ولا بالمسجد عما قبلهما، والإضافة في الأولين للملك، وفي الآخرين للاختصاص.
(٧) فإن اليوم ليس بعض الخميس، وإن كان يصح الإخبار عنه بالخميس، فالإضافة هنا من إضافة المسمى للاسم.
(٨) فإن اليد وإن كانت بعض زيد، لكن لا يصح الإخبار عنها به، والإضافة فيه من إضافة الجزء إلى كله.
стр. 729
الملك والاختصاص (١).
فصل: والإضافة على ثلاثة أنواع
نوع يفيد تعرف المضاف بالمضاف إليه أن كان معرفة؛ كـ غلام زيد، وتخصصه به إن كان نكرة (٢)؛ كغلام امرأة. وهذا النوع هو الغالب (٣).
ونوع يفيد تخصص المضاف دون تعرفه (٤). وضابطه: أن يكون المضاف متوغلا
(١) لام الملك كما في: ثوب زيد وغلامه، ولام الاختصاص كبقية الأمثلة، وعلى هذا تكون الإضافة التي على معنى اللام هي: التي يتحقق معناها دون معنى "من" أو"في".
هذا: ولا يشترط في الإضافة التي بمعنى اللام صحة التصريح باللام، بل يكفي إفادة معناها؛ كيوم الاثنين، وعلم البلاغة، وشجرة التفاح؛ فإنها بمعنى لام الاختصاص ولا يصح إظهار اللام فيها. ومن الإضافة على معنى "من": إضافة الإعداد إلى المعدودات؛ نحو: خمسة أقلام. وإضافة العدد إلى مثله؛ نحو: أربعمائة، ولا يضر عدم صحة الإخبار في الظاهر؛ لأن المضاف إليه يشمل المضاف، وإضافة المقادير إلى الأشياء المقدرة؛ نحو: بعت فدان قمح، وقد سبق ذلك في التمييز.
(٢) المراد بالتخصص: تقليل الشيوع والاشتراك في النكرة؛ بحيث تصبح في درجة بين المعرفة والنكرة، من ناحية التعيين والتحديد.
(٣) ذلك؛ لأن كلا من المتضايفين يؤثر في الآخر، فالمضاف يؤثر الجر في المضاف إليه، وهذا يؤثر في الأول التعريف أو التخصيص، وضابطه: انتفاء ضابطي القسمين الآتيين.
(٤) هذا النوع ينقسم إلى قسمين: -
أ- قسم ملازم للتنكير، لا يقبل التعريف أصلا ولو أضيف إلى معرفة؛ لشدة توغله في الإبهام، وقد ذكر المصنف ضابطه.
ب- وقسم يقبل التعريف، ولكن يجب تأويله بنكرة؛ لأنه حل محل ما لا يكون
إلا نكرة؛ ومن ذلك: المعطوف على مجرور "رب" وعلى التمييز المجرور بعد "كم"؛ نحو: رب رجل وصديقه، كم ناقة وفصيلهما؛ لأن مجرور رب و"كم" لا يكون إلى نكرة، فالمعطوف عليهما نكرة كذلك. وكذلك كلمة "وحد"، و"جهد"، و"طاقة" ونحوها في مثل قولهم: فعل ذلك وحده، أو جهده، أو طاقته؛ لأن هذه الكلمات أحوال غالبا، والحال لا يكون إلا نكرة؛ ولهذا يجب تأويلها بمنفردا، وجاهدا، ومطيقا.
стр. 730
في الإبهام (١)؛ كغير و"مثل"؛ إذا أريد بهما مطلق المماثلة والمغايرة (٢) لا كمالهما (٣)؛ ولذلك صح وصف النكرة بهما؛ في نحو: مررت برجل مثلك أو غيرك (٤). وتسمى الإضافة في هذين النوعين: معنوية؛ لأنها أفادت أمرا معنويا (٥)؛ ومحضة؛ أي خالصة من تقدير الانفصال (٦).
(١) أي متعمقا ومتغلغلا وشديد الدخول فيه.
(٢) نحو: مررته برجل غيرك، أو مثلك؛ لأن المغايرة أو المماثلة العامة بين شيئين لا تخص وجها بعينه.
(٣) لأن صفات المخاطب معلومة، فثبوتها كلها لشخص، أو ثبوت أضدادها جميعا لشخص يستلزم تعيينه، وإذا أريد بـ"غير" و"مثل" مغايرة خاصة ومماثلة خاصة، وحكم بتعريفهما، وأكثر ما يكون ذلك في "غير": إذا وقعت بين ضدين معرفتين؛ نحو: رأيت العلم غير الجهل، ومررت بالكريم غير الشحيح، ومنه قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، فقد زيل إبهام "غير" بتعين جهة المغايرة، ويكون في "مثل": إذا أضيفت لمعرفة وقارنها ما يشعر بمماثلة خاصة؛ نحو: محمود مثل عنترة؛ أي في الشجاعة، وعلي مثل حاتم؛ أي في الجود. ومن الألفاظ المتوغلة في الإبهام: تربك، نحوك، ندك، شبهك، ومعناها: نظرك، وشرعك قطك، قدك، وهي بمعنى حسبك وكافيك، وخدنك، بمعنى صاحبك، ولا يقاس على هذه، بل يقتصر على السماع.
وكافيك، وخدنك، بمعنى صاحبك، ولا يقاس على هذه، بل يقتصر على السماع.
(٤) وهذا يدل على أنها لم تتعرف. بالإضافة؛ لأن النكرة لا توصف بمعرفة.
(٥) وهو استفادة المضاف من المضاف إليه التعريف أو التخصيص؛ ولأنها تتضمن معنى حرف من حروف الجر الثلاثي: من، في، اللام.
(٦) فإن نحو: والد محمد مثلك، ليس في تقدير: والد لمحمد مثل لك؛ بل بين المضاف والمضاف إليه قوة ارتباط واتصال، وأكثر ما يكون المضاف في الإضافة المحضة: اسما جامدا غير مؤول بالمشتق؛ كالمصادر وأسمائها. والمشتقات الشبيهة بالجوامد التي لا تعمل مطلقا، كأسماء المكان والزمان، والآلة، وأفعل التفضيل على المشهور.
стр. 731
ونوع لا يفيد شيئا من ذلك. وضابطه: أن يكون المضاف صفة تشبه المضارع؛ في كونها مرا بها الحال أو الاستقبال (١).
وإلى ما تقدم يشير الناظم بقوله:
والثاني اجرر وانو "من" أو"في" إذا … لم يصلح إلا ذاك واللام خذا
لما سوى ذينك واخصص أولا … أو أعطه التعريف بالذي تلا
أي اجرر الثاني، وهو المضاف إليه، وانو؛ أي تخيل وجود الحرف "من" أو "في" إذا لم يتحقق المعنى إلا على نية أحدهما، فإن لم يصلح أحدهما، فخذ اللام وانوها في كل موضع سوى الموضع الصالح لهذين الحرفين، واخصص الأول، وهو المضاف، أو عرفه بالذي تلاه، وهو المضاف إليه.
(١) أما الصفة التي بمعنى الماضي أو مطلق الزمن؛ فإن الإضافة فيها محضة؛ نحو: قارئ الدرس أمس كان نشيطا، وقارئ الدرس نشيط. واختلف في الصفة التي بمعنى الاستمرار؛ فقيل هي كالحال. وقيل: الاستمرار يحتوي على الأزمنة الثلاثة؛ فإذا اعتبر جانب الماضي، كانت الإضافة حقيقة، فلا يعمل، ويتعرف بالإضافة؛ كما في: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بدليل وصف المعرفة به. وإن اعتبر جانب الحال أو الاستقبال، كانت الإضافة حقيقة، فيعمل، ولا يعرف كما في وجاع الليل سكنًا.
هذا: وإذا كان المضاف إليه جملة في هذا النوع من الإضافة؛ فإن هذه الجملة تعتبر في حكم المفرد والمضاف إليه؛ لأنها تؤول بمصدر مضاف إلى فاعله إن كانت فعلية، وبمصدر مضاف إليه مبتدئه إن كانت اسمية؛ نحو: أزورك حين تكون في المنزل؛ أي حين وجودك، وأزورك حين والدك موجود؛ أي حين وجود والدك، وهذا المصدر يكون معرفة إن أضيف إلى معرفة، ونكرة متخصصة إن أضيف إلى النكرة.
стр. 732
وهذه الصفة ثلاثة أنواع: اسم الفاعل (١)؛ كـ"ضارب زيد"، وراجينا، واسم المفعول؛ كـ"مضروب العبد"، ومروع القلب (٢)، والصفة المشبهة؛ كـ"حسن الوجه"، وعظيم الأمل، وقليل الحيل.
والدليل على أن هذه الإضافة لا تفيد المضاف تعريفا: وصف النكرة به؛ في نحو: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٣) ووقوعه حالا؛ في نحو: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ (٤) وقوله:
فأتت به حوش الفؤاد مبطنا (٥)(١) سواء كان مضافا لمعموله الظاهرة أو المضمر، وقد مثل لهما المصنف، ومثل اسم الفاعل: أمثلة المبالغة.
(٢) سواء كان من الثلاثي أم عن غيره؛ كمثالي المصنف. ومروع، من روعه الشيء بمعنى أفزعه.
(٣) فـ"هديا" نكرة منصوبة على الحال، و"بالغ الكعبة" صفتها ومضاف إليه، ولا توصف النكرة بالمعرفة.
(٤) "ثاني" حال من فاعل "يجادل" في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ والحال واجب التنكير، والأصل عدم التأويل.
(٥) صدر بيت من الكامل، لأبي كبير الهذلي، يمدح تأبط شرًّا -أحد فتاك العرب وذؤبانهم،
وعجزه:
سهدا إذا ما نام ليل الهوجل
اللغة والإعراب: أتت به: فاعل أنت يعود إلى أم تأبط شرا، وكان أبو كبير قد تزوجها، والضمير في "به" يعود إلى تأبط شرا. حوش الفؤاد: حديد القلب جريء الجنان. مبطنا: ضامر البطن، سهدا: قليل النوم. الهوجل: الثقيل الكسلان، أو الأحمق. "حوش الفؤاد" حال من الضمير في "به" ومضاف إليه، وهو صفة مشبهة مضافة إلى فاعلها، "مبطنا، وسهدا" حالان مثل حوش. "إذا" ظرف زمان متعلق بسهدا. "ما" زائدة. "ليل الهوجل" فاعل نام ومضاف إليه. وإسناد النون إلى الليل مجاز عقلي من إسناد الفعل إلى زمنه؛ أي نام الهوجل في الليل.
المعنى: أن هذه المرأة جاءت بمولود ذكي جر ضامر البطن يقظ، قليل النوم في الليل حين ينام غير من الكسالى الحمقى.
الشاهد: إضافة الصفة المشبهة -وهي "حوش"- إلى فاعلها المحلى بأل، ولم يفدها ذلك تعريفا؛ لأنها جاءت حالا، والحال لا يكون إلا نكرة.
стр. 733
ودخول "رب" عليه في قولك:
يا رب غابطنا لو كان يطلبكم (١)
والدليل على أنها لا تفيد تخصيصا: أن أصل قولك ضارب زيد، ضارب زيدًا، فالاختصاص موجود (٢) قبل الإضافة. وإنما تفيد هذه الإضافة التخفيف (٣) أو رفع
(١) صدر بيت من البسيط، من قصيدة جرير يهجو فيها الأخطل الشاعر الأموي النصراني،
وعجزه:
لاقى مباعدة منكم وحرمانا
اللغة والإعراب: غابطنا: اسم فاعل من الغبطة، وهي أن يتمنى الإنسان مثل حال من يغبطه، من غير أن يتمنى زوال ما عنده. مباعدة، بعدا وانصرافا. حرمانا: منعا وعدم استجابة. "يا" حرف تنبيه، أو نداء والمنادى محذوف. "رب" حرف جر شبيه بالزائد. "غابطنا" مبتدأ مجرور برب لفظا، ومضاف إليه. "لو" شرطية غير جازمة. "كان" فعل الشرط واسمها "هو" يعود إلى الغابط "يطلبكم" الجملة خبر. "لاقي" فعل ماض جواب الشرط وفاعله يعود إلى الغابط. "يطلبكم" الجملة خبر. "لاقى" فعل ماض جواب الشرط وفاعله يعود إلى الغابط. "مباعدة" مفعوله. "منكم" متعلق بمحذوف صفة لمباعدة والجملة من "لو" وشرطها وجوابها خبر المبتدأ.
المعنى: كثير من الناس يغبطوننا على اتصالنا بكم، ويتمنون أن يكونوا مثلنا؛ لأنهم يظنون أننا ننعم بهذا الاتصال، ولو قصدوكم وطلبوا شيئا مما عندكم لأبعدتموهم وحرمتموهم العطاء، ولعرفوا حقيقة ما يناله المتصل بكم.
الشاهد: دخول "رب" على غابطنا، وهو اسم فاعل مضاف إليه ضمير المتكلم و"رب" مختصة بالدخول على النكرات، ولو كان معرفة ما صح ذلك، فدل على أنه لم يستفد تعريفا من إضافته للضمير.
(٢) أي بمعمول اسم الفاعل.
(٣) لأن الأصل في الصفة أن تعمل النصب، والمختص أخف؛ لأنه لا تنوين معه ولا نون كما بين المصنف.
стр. 734
القبح؛ أما التخفيف فبحذف التنوين الظاهر؛ كما في ضارب زيد، وضاربات عمرو، وحسن وجهه، أو المقدر كما في ضوارب زيد، وحواج بيت الله (١). أو نون التثنية كما في ضاربا زيد. أو الجمع كما في ضاربوا زيد.
وأما رفع القبح ففي نحو: مررت بالرجل الحسن الوجه؛ فإن في رفع الوجه (٢) قبح خلو الصفة من ضمير يعود على الموصوف (٣)، وفي نصبه (٤) قبح إجراء وصف القاصر مجرى وصف المتعدي (٥)، وفي الجر تخلص منهما. ومن ثم (٦) امتنع الحسن وجهه لانتفاء قبح الرفع (٧)؛ ونحو: الحسن وجه لانتفاء قبح النصب؛ لأن النكرة تنصب على التمييز (٨).
وتسمى الإضافة في هذا النوع لفظية؛ لأنها أفادت أمرا لفظيا (٩)، وغير محضة؛ لأنها في تقدير الانفصال (١٠).
(١) في "ضوارب" و"حواج" تنوين مقدر حذف الإضافة؛ بدليل نصبهما المفعول.
(٢) أي على الفاعلية بالصفة المشبهة.
(٣) لأن الصفة لا ترفع ظاهرا أو ضميرا معا، والغالب في الصفة المشبهة أن تشتمل على ضمير يكون بمنزلة البرابط بيها وبين ما تجري عليه، ويدل على معناها.
(٤) أي على التشبيه بالمفعول به، إن كان معرفة، وعليه أو على التمييز، إن كان نكرة.
(٥) أي في نصب الشبيه بالمفعول به؛ لأن الصفة المشبهة لا تصاغ إلا من اللازم، فهي كفعلها لا تنصب المعفول به.
(٦) أي ومن أجل أن الإضافة فيما ذكر إنما هي لرفع قبح الرفع والنصب على النحو الذي بسط.
(٧) لأن المرفوع ضميرا مضافا إليه يعود على الموصوف.
(٨) أي والتمييز ينصبه المتعدي والقاصر.
(٩) وهو التخفيف بحذف التنوين، ونوني المثنى والجمع من آخر المضاف، والتحسين المترتب على إزالة القبح.
(١٠) فإن المضاف فيها لا بد أن يكون وصفا عاملا، وكثيرا ما يرفع ضميرًا مستترا، وهذا
стр. 735
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الضمير يكون فاصلا تقديرا بين الوصف المضاف، ومعموله على الرغم من استتاره.
ويجعل الإضافة غير خالصلة الاتصال، وإلى ما تقدم يشير الناظم بقوله:
وإن يشابه المضاف "يفعل" … وصفا فعن تنكيره لا يعدل
كرب راجينا عظيم الأمل … مروع القلب قليل الحيل
وذي الإضافة اسمها لفظيه … وتلك محضة ومعنويه
أي أن المضاف إذا كان وصفا مشبها "يفعل"؛ أي مشبها المضارع في العمل والدالة على الحال والاستقبال، فإن لا يعزل عن تنكيره؛ أي لا يفارقه التنكير أبدا؛ مثل "رب راجينا"؛ فـ"راج" مضاف، وهو اسم فاعل لم يكتسب التعريف بإضافته للضمير؛ بدليل دخول "رب" عليه، وهي لا تدخل إلا على نكرة. "وعظيم الأمل" صفة مشبهة نعت لراج النكرة، وقد أضيفت إلى معرفة ولم تكتسب منها التعريف،
و"مروع القلب" اسم مفعول مضاف للمعرفة بعده، ولم يكتسب منها التعريف؛ لأنه وصف لراج ومثله: "قليل الحيل" فهو صفة مشبهة مضاف لمعرفة، وهو نعت لراج كذلك، والإضافة التي من هذا النوع تسمى: لفظية، وغير محضة، والنوع السابق يسمى: محضة، ومعنوية.
ومن الإضافة غير الحضة: إضافة الاسم المنعوت إلى نعت؛ كقولهم: "صلاة الأولى، و"مسجد الجامع"، و"ديانة القيمة" والأصل: الصلاة الأولى، والمسجد الجامع، والديانة القيمة"، وإضافة النعت إلى منعوته؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ وإضافة المسمى إلى الاسم؛ نحو: شهر رمضان وشجر البرتقال، وعلم الحساب. ومنه: ذات اليمين وذات الشمال، وإضافة صدر المركب المزجي إلى عجزه، على رأي.
стр. 736
فصل: تختص الإضافة اللفظية بجواز دخول "أل" على المضاف في خمس مسائل (١):
إحداها: أن يكون المضاف إليه بأل (٢)؛ كالجعد الشعر؛ وقوله:
شفاء وهن الشافيات الحوائم (٣)(١) أما المحضة فلا تدخل "أل" فيها على المضاف؛ لئلا يلزم اجتماع معرفين على شيء واحد، أو إضافة المعرفة إلى النكرة، وأجاز الكوفيون دخول "أل" على المضاف إذا كان اسم عدد مضاف إلى معدود فيه "أل"؛ نحو: قرأت الثلاثة الكتب في الأربعة الأيام، وحجتهم في ذلك السماع، وكان القياس في اللفظية كذلك، لكن لما كانت الإضافة فيها على نية الانفصال، اغتفر ذلك فيها.
(٢) لأن رفع القبح عن نصب ما بعد الصفة المشبهة بالإضافة، لا يكون إلا بذلك الشرط كما بينا قريبا، وحمل عليها اسم الفاعل، والجعد: صفة مشبهة، من جعد شعره جعودة، ضد بسط.
(٣) عجز بيت من الطويل للفرزدق، من قصيدة قالها حين خرج قتيبة من مسلم الباهلي، على سليمان بن عبد الملك، وخلع طاعته، فقتل وجيء برأسه إلى سليمان، وصدره:
أبأنا بها قتلى وما في دمائها
اللغة والإعراب: أبأنا: قتلنا وعوضنا، يقال: أبأت فلانا بفلان -قتلت به، وجعلته بواء؛ أي عوضا به. والضمير في "بها" و"هن" للسيوف، وفي "دمائها" للقتلى.
الشافيات جمع شافية، اسم فاعل من الشفاء، الحوائم: العاطش، جمع حائمة، وهي التي تحوم حول الماء من العطش، والمراد المتشوقة للقتل، "أبأنا" فعل وفاعل. "بها" متعلق به، "وما" الواو للحال، و"ما" نافية في دمائها" جار ومجرور خبر مقدم ومضاف إليه.
"شفاء" مبتدأ مؤخر "وهن" الواو للحال وهن مبتدأ. "الشافيات" خبر. "الحوائم" مضاف إليه، والجملة حال.
المعنى: قتلنا بهذه السيوف قتلى منهم، وعوضنا بها قتلانا، ولكن ما سفك من دماء القتلى، لم يشف ما في قلوبنا من غيظ ورغبة في الانتقام؛ لأن من قتلنا غير أكفاء لنا، ولا وفاء في دمائهم لقتلانا، وإنما يشفي غيظ الصدور، وتهدأ حرارة الألم، إذا قتلنا مثل من فقدنا، والسيوف هي الشافيات التي بها تنال الثارات.
الشاهد: إضافة الوصف المقترن بأل، وهو "الشافيات"؛ لأن المضاف إليه مقترن بها، وهو "الحوائم".
стр. 737
الثانية: أن يكون مضافا لما فيه "أل" (١)؛ كالضارب رأس
الجاني، وقوله:
لقد ظفر الزوار أقفية العدا (٢)
الثالثة: أن يكون مضافا إلى ضمير ما فيه "أل" كقوله:
الود أنت المستحقة صفوه (٣)(١) فإن وجودها فيه كوجودها في الثاني؛ لأن المضاف والمضاف إليه، كالشيء الواحد؛ ولهذا لا يسوغ أن يكون بين الوصف وما فيه "أل"، أكثر من مضاف واحد، فلا يصح: الضارب رأس صديق الجاني.
(٢) صدر بيت من الطويل، لم ينسب لقائل، وعجزه:
بما جاوز الآمال ملأسر والقتل
اللغة والإعراب: ظفر: نال. الزوار: جمع زائر. أقفية: جمع قفا وهو مؤخر العنق.
ملأسر: أصله من الأسر؛ فحذفت النون على لغة، وهو كثر في كلام العرب، وكذلك همزة الوصل وذلك كثير أيضا في كلامهم، قال عمر بن ربيعة:
وما أنس ملأشياء لا أنس قولها … لنا مرة منها بقرن المنازل
يريد: من الأشياء. "لقد" اللام واقعة في جواب قسم مقدر، وقد للتحقيق. "الزوار" فاعل ظفر. "أقفية" مضاف إليه. "العدا" مضاف إليه أيضا لأقفية، "بما" متعلق بظفر، وما اسم موصول، "جاوز الآمال" فاعل جاوز يعود على ما، والآمال مفعوله والجملة صلة ما.
"ملأسر" جار ومجرور متعلق بجاوز. "والقتل" معطوف على الأسر.
المعنى: أن الأعداد فروا أما هؤلاء الأبطال حين رأوهم ولم يثبتوا، وأعطوهم ظهورهم وأقفيتهم، فظفروا منهم بأكثر مما كانوا يأملون في أسرهم وقتلهم.
الشاهد: إضافة الزوار، وهو صفة مقرونة بأل، إلى الخالي منها، وسوغ ذلك كون المضاف إليه -وهو أقفية- مضافا مقترن بأل وهو العدا.
(٣) صدر بيت من الكامل، لم يذكر قائله، وعجزه:
стр. 738
ومنع المبرد هذه (١).
الرابعة: أن يكون المضاف مثنى؛ كقوله:
إن يغنيا عني المستوطنا عدن (٢)
مني وإن لم أرج منك نوالا
اللغة والإعراب: الود: الحب والمودة، صفوة: خالصه. أرج: آمل وأطمع. نولا: عطاء. "الو" مبتدأ أول "أنت" مبتدأ ثان، "لمستحقه" خبره، وجملة الثاني وخبره خبر الأول.
"صفوه" مصاف إليه، والهاء مضاف إليه لصفو، وهي عائدة إلى الود. "مني" متعلق بالمستحقه. "وإن" الواو عاطفة، وإن حرف شرط جازم. "أرج" مضارع مجزوم بلم فعل الشرط، والجواب محذوف يدل عليه الكلام. "نوالا" مفعول
أرج.
المعنى: أنت -دون سائر الناس- التي تستحقين وتستوجبين مني خالص وصادق الحب والمودة، ولست أرجو من وراء ذلك منك عطاء، ولا أطلب جزاء.
الشاهد: إضافة الوصف المقترن بأل -وهو المستحقه- إلى مضاف فيه ضمير يعود إليه ما فيه أل، وهو صفوه، وضميره عائد إلى الود، وذلك جائز عند الجمهور.
(١) وأوجب النصب، ولم يعتبر الضمير العائد إلى ما فيه أل، بمنزلة الاسم المقرون بها، وهو محجوج بالسماع، والأفصح في المسائل الثلاث: النصب بالوصف.
(٢) صدر بيت من البسيط، لم نقف على قائله، وعجزه:
فإنني لست يوما عنهما بغني
اللغة والإعراب: يغنينا: يستغنيا، مضارع. غنى بمعنى استغنى. المستوطنا عدن: اللذان اتخذا "عدن" وطنا وموضع إقامة، "إن" شرطية. "يغنيا" فعل الشرط مجزوم بحذف النون والألف فاعل. "المستوطنا" بدل من الألف الاثنين على اللغة الفصحى. "عدن" مضاف إليه.
ويجوز أن يكون "المستوطنا" فاعل، والألف حرف علامة التثنية على لغة "أكلوني البراغيث"، وعدن: بلد في جنوب اليمن على ساحل البحر الأحمر، "فإنني" الفاء واقعة في جواب الشرط وإن واسمها والنون للوقاية، "لست" ليس واسمها، "يوما" منصوب على الظرفية. "عنهما" متعلق "بغنى" الواقع خبرا لليس على زيادة الباء، والجملة خبر إن.
стр. 739
الخامسة: أن يكون جمعا: اتبع بسبيل المثنى وهو جمع المذكر السالم؛ فإنه يعرب بحرفين ويسلم فيه بناء الواحد، ويختم بنون زائدة تحذف للإضافة كما أن المثنى كذلك؛ كقوله:
ليس الأخلاء بالمصغي مسامعهم (١)
المعنى: إن يستغني عني هذان الشخصان المقيمان بعدن، ويريا أنهما في غير حاجة إلي فإني لا أستغني عنهما يوما ما، وأراني محتاجا إليهما دائما.
الشاهد: جواز إضافة الاسم المقترن بأل، إلى اسم ليس مقترنا بها، وهو "عدن"؛ وسوغ هذا: أن المضاف وصف دال على مثنى، وعلل النحويون ذلك بأن الوصف لما طال بالتثنية والجمع -ناسبه التخفيف فلم يحتج لاتصالها بالمضاف إليه.
(١) صدر بيت من البسيط، لم ينسب لقائل، وعجزه:
إلى الوشاة ولو كانوا ذوي رحم
اللغة والإعراب: الإخلاء: جمع خليل وهو الصديق المخلص. بالمصغي، جمع مصغ، وهو اسم فاعل من أصغى إليه، إذا أنصت له وأمال أذنه إليه، مسامعهم: جمع مسمع وهو مكان السمع؛ أي الآذان، الوشاة: جمع واش، وهو النمام الذي يسعى بين المتصافين لإفساد قلوبهم. رحم: قرابة. "بالمصغي" خبر ليس على زيادة الباء هو جمع مذكر سالم.
"مسامعهم" مضاف إليه، والضمير مضاف إليه أيضا. "إلى الوشاة" متعلق بالمضغي. "ولو" الواو عاطفة، و"لو" شرطية. "كانوا" كان واسمها. "ذوي رحم" خبر كان ومضاف إليه.
المعنى: أن الأصدقاء المخلصين في صداقتهم، لا يستمعون ولا يلتفتون لكلام النمامين الذين يسعون للإفساد بين قلوب الأصدقاء، ولو كان هؤلاء الساغون من الأقرباء.
الشاهد: إضافة الاسم المقترن بأل، وهو "المصغي" إلى الخالي منها، وهو "مسامعهم"؛ لأن المضاف وصف مجموع جمع مذكر سالما، وقد بينا علة ذلك. وإلى ما تقدم يشير الناظم بقوله:
ووصل "أل" بذا المضاف مغتفر … إن وصلت بالثان كـ"الجعد الشعر
أو بالذي له أضيف الثاني … كـ"زيد الضارب رأس الجاني"
стр. 740
وجوز الفراء إضافة الوصف المحلي بأل إلى المعارف كلها (١)؛ كالضارب زيد والضارب هذا بخلاف: الضارب رجل (٢). وقال المبرد والرماني في "الضاربك، وضاربك": موضع الضمير خفض (٣).
وكونها في الوصف كاف إن وقع … مثنى أو جمعا سبيله اتبع
أي أن وصل أل، بهذا المضاف -أي الذي إضافته لفظية- جائز؛ إن وصلته بالثاني وهو المضاف إليه، ومثل الناظم بقوله: "فكلاهما فيه أل. وكذلك يجوز وصل أل بالمضاف؛ إذا أضيف المضاف إلى ما فيه أل، ومثل بقوله: "زيد الضارب رأس الجاني"، فرأس مضاف إليه الضارب، وهو خال من أل، ولكنه مضاف إلى ما فيه أل، وهو الجاني"، ثم قال الناظم: ويكفي كون أل في المضاف دون المضاف إليه؛ إذا كان المضاف وصفا مثنى، أو جمعا تحققت فيه شروط المثنى، وهو جمع المذكر السالم.
(١) أي سواء كان تعريفها بالعلمية، أم بالإشارة، أم بالضمير، أم بغيرها، حملا على المعرف بأل وإذا أضيف الوصف المحلي بأل إلى الضمير؛ نحو: الضاربك، والضاربهو جاز كون الضمير في محل جر بالإضافة، أو محل نصب على المفعولية، خلافا للمبرد كما سيأتي.
(٢) فلا يجوز؛ لامتناع إضافة المعرفة إلى النكرة.
(٣) حجتهما: أن الضميسر نائب عن الظاهر، وعند حذف التنوين من الوصف يكون الظاهر.