فصل: تختص الإضافة اللفظية بجواز دخول "أل" على المضاف في خمس مسائل (١):
إحداها: أن يكون المضاف إليه بأل (٢)؛ كالجعد الشعر؛ وقوله:
شفاء وهن الشافيات الحوائم (٣)(١) أما المحضة فلا تدخل "أل" فيها على المضاف؛ لئلا يلزم اجتماع معرفين على شيء واحد، أو إضافة المعرفة إلى النكرة، وأجاز الكوفيون دخول "أل" على المضاف إذا كان اسم عدد مضاف إلى معدود فيه "أل"؛ نحو: قرأت الثلاثة الكتب في الأربعة الأيام، وحجتهم في ذلك السماع، وكان القياس في اللفظية كذلك، لكن لما كانت الإضافة فيها على نية الانفصال، اغتفر ذلك فيها.
(٢) لأن رفع القبح عن نصب ما بعد الصفة المشبهة بالإضافة، لا يكون إلا بذلك الشرط كما بينا قريبا، وحمل عليها اسم الفاعل، والجعد: صفة مشبهة، من جعد شعره جعودة، ضد بسط.
(٣) عجز بيت من الطويل للفرزدق، من قصيدة قالها حين خرج قتيبة من مسلم الباهلي، على سليمان بن عبد الملك، وخلع طاعته، فقتل وجيء برأسه إلى سليمان، وصدره:
أبأنا بها قتلى وما في دمائها
اللغة والإعراب: أبأنا: قتلنا وعوضنا، يقال: أبأت فلانا بفلان -قتلت به، وجعلته بواء؛ أي عوضا به. والضمير في "بها" و"هن" للسيوف، وفي "دمائها" للقتلى.
الشافيات جمع شافية، اسم فاعل من الشفاء، الحوائم: العاطش، جمع حائمة، وهي التي تحوم حول الماء من العطش، والمراد المتشوقة للقتل، "أبأنا" فعل وفاعل. "بها" متعلق به، "وما" الواو للحال، و"ما" نافية في دمائها" جار ومجرور خبر مقدم ومضاف إليه.
"شفاء" مبتدأ مؤخر "وهن" الواو للحال وهن مبتدأ. "الشافيات" خبر. "الحوائم" مضاف إليه، والجملة حال.
المعنى: قتلنا بهذه السيوف قتلى منهم، وعوضنا بها قتلانا، ولكن ما سفك من دماء القتلى، لم يشف ما في قلوبنا من غيظ ورغبة في الانتقام؛ لأن من قتلنا غير أكفاء لنا، ولا وفاء في دمائهم لقتلانا، وإنما يشفي غيظ الصدور، وتهدأ حرارة الألم، إذا قتلنا مثل من فقدنا، والسيوف هي الشافيات التي بها تنال الثارات.
الشاهد: إضافة الوصف المقترن بأل، وهو "الشافيات"؛ لأن المضاف إليه مقترن بها، وهو "الحوائم".
стр. 737
الثانية: أن يكون مضافا لما فيه "أل" (١)؛ كالضارب رأس
الجاني، وقوله:
لقد ظفر الزوار أقفية العدا (٢)
الثالثة: أن يكون مضافا إلى ضمير ما فيه "أل" كقوله:
الود أنت المستحقة صفوه (٣)(١) فإن وجودها فيه كوجودها في الثاني؛ لأن المضاف والمضاف إليه، كالشيء الواحد؛ ولهذا لا يسوغ أن يكون بين الوصف وما فيه "أل"، أكثر من مضاف واحد، فلا يصح: الضارب رأس صديق الجاني.
(٢) صدر بيت من الطويل، لم ينسب لقائل، وعجزه:
بما جاوز الآمال ملأسر والقتل
اللغة والإعراب: ظفر: نال. الزوار: جمع زائر. أقفية: جمع قفا وهو مؤخر العنق.
ملأسر: أصله من الأسر؛ فحذفت النون على لغة، وهو كثر في كلام العرب، وكذلك همزة الوصل وذلك كثير أيضا في كلامهم، قال عمر بن ربيعة:
وما أنس ملأشياء لا أنس قولها … لنا مرة منها بقرن المنازل
يريد: من الأشياء. "لقد" اللام واقعة في جواب قسم مقدر، وقد للتحقيق. "الزوار" فاعل ظفر. "أقفية" مضاف إليه. "العدا" مضاف إليه أيضا لأقفية، "بما" متعلق بظفر، وما اسم موصول، "جاوز الآمال" فاعل جاوز يعود على ما، والآمال مفعوله والجملة صلة ما.
"ملأسر" جار ومجرور متعلق بجاوز. "والقتل" معطوف على الأسر.
المعنى: أن الأعداد فروا أما هؤلاء الأبطال حين رأوهم ولم يثبتوا، وأعطوهم ظهورهم وأقفيتهم، فظفروا منهم بأكثر مما كانوا يأملون في أسرهم وقتلهم.
الشاهد: إضافة الزوار، وهو صفة مقرونة بأل، إلى الخالي منها، وسوغ ذلك كون المضاف إليه -وهو أقفية- مضافا مقترن بأل وهو العدا.
(٣) صدر بيت من الكامل، لم يذكر قائله، وعجزه:
стр. 738
ومنع المبرد هذه (١).
الرابعة: أن يكون المضاف مثنى؛ كقوله:
إن يغنيا عني المستوطنا عدن (٢)
مني وإن لم أرج منك نوالا
اللغة والإعراب: الود: الحب والمودة، صفوة: خالصه. أرج: آمل وأطمع. نولا: عطاء. "الو" مبتدأ أول "أنت" مبتدأ ثان، "لمستحقه" خبره، وجملة الثاني وخبره خبر الأول.
"صفوه" مصاف إليه، والهاء مضاف إليه لصفو، وهي عائدة إلى الود. "مني" متعلق بالمستحقه. "وإن" الواو عاطفة، وإن حرف شرط جازم. "أرج" مضارع مجزوم بلم فعل الشرط، والجواب محذوف يدل عليه الكلام. "نوالا" مفعول
أرج.
المعنى: أنت -دون سائر الناس- التي تستحقين وتستوجبين مني خالص وصادق الحب والمودة، ولست أرجو من وراء ذلك منك عطاء، ولا أطلب جزاء.
الشاهد: إضافة الوصف المقترن بأل -وهو المستحقه- إلى مضاف فيه ضمير يعود إليه ما فيه أل، وهو صفوه، وضميره عائد إلى الود، وذلك جائز عند الجمهور.
(١) وأوجب النصب، ولم يعتبر الضمير العائد إلى ما فيه أل، بمنزلة الاسم المقرون بها، وهو محجوج بالسماع، والأفصح في المسائل الثلاث: النصب بالوصف.
(٢) صدر بيت من البسيط، لم نقف على قائله، وعجزه:
فإنني لست يوما عنهما بغني
اللغة والإعراب: يغنينا: يستغنيا، مضارع. غنى بمعنى استغنى. المستوطنا عدن: اللذان اتخذا "عدن" وطنا وموضع إقامة، "إن" شرطية. "يغنيا" فعل الشرط مجزوم بحذف النون والألف فاعل. "المستوطنا" بدل من الألف الاثنين على اللغة الفصحى. "عدن" مضاف إليه.
ويجوز أن يكون "المستوطنا" فاعل، والألف حرف علامة التثنية على لغة "أكلوني البراغيث"، وعدن: بلد في جنوب اليمن على ساحل البحر الأحمر، "فإنني" الفاء واقعة في جواب الشرط وإن واسمها والنون للوقاية، "لست" ليس واسمها، "يوما" منصوب على الظرفية. "عنهما" متعلق "بغنى" الواقع خبرا لليس على زيادة الباء، والجملة خبر إن.
стр. 739
الخامسة: أن يكون جمعا: اتبع بسبيل المثنى وهو جمع المذكر السالم؛ فإنه يعرب بحرفين ويسلم فيه بناء الواحد، ويختم بنون زائدة تحذف للإضافة كما أن المثنى كذلك؛ كقوله:
ليس الأخلاء بالمصغي مسامعهم (١)
المعنى: إن يستغني عني هذان الشخصان المقيمان بعدن، ويريا أنهما في غير حاجة إلي فإني لا أستغني عنهما يوما ما، وأراني محتاجا إليهما دائما.
الشاهد: جواز إضافة الاسم المقترن بأل، إلى اسم ليس مقترنا بها، وهو "عدن"؛ وسوغ هذا: أن المضاف وصف دال على مثنى، وعلل النحويون ذلك بأن الوصف لما طال بالتثنية والجمع -ناسبه التخفيف فلم يحتج لاتصالها بالمضاف إليه.
(١) صدر بيت من البسيط، لم ينسب لقائل، وعجزه:
إلى الوشاة ولو كانوا ذوي رحم
اللغة والإعراب: الإخلاء: جمع خليل وهو الصديق المخلص. بالمصغي، جمع مصغ، وهو اسم فاعل من أصغى إليه، إذا أنصت له وأمال أذنه إليه، مسامعهم: جمع مسمع وهو مكان السمع؛ أي الآذان، الوشاة: جمع واش، وهو النمام الذي يسعى بين المتصافين لإفساد قلوبهم. رحم: قرابة. "بالمصغي" خبر ليس على زيادة الباء هو جمع مذكر سالم.
"مسامعهم" مضاف إليه، والضمير مضاف إليه أيضا. "إلى الوشاة" متعلق بالمضغي. "ولو" الواو عاطفة، و"لو" شرطية. "كانوا" كان واسمها. "ذوي رحم" خبر كان ومضاف إليه.
المعنى: أن الأصدقاء المخلصين في صداقتهم، لا يستمعون ولا يلتفتون لكلام النمامين الذين يسعون للإفساد بين قلوب الأصدقاء، ولو كان هؤلاء الساغون من الأقرباء.
الشاهد: إضافة الاسم المقترن بأل، وهو "المصغي" إلى الخالي منها، وهو "مسامعهم"؛ لأن المضاف وصف مجموع جمع مذكر سالما، وقد بينا علة ذلك. وإلى ما تقدم يشير الناظم بقوله:
ووصل "أل" بذا المضاف مغتفر … إن وصلت بالثان كـ"الجعد الشعر
أو بالذي له أضيف الثاني … كـ"زيد الضارب رأس الجاني"
стр. 740
وجوز الفراء إضافة الوصف المحلي بأل إلى المعارف كلها (١)؛ كالضارب زيد والضارب هذا بخلاف: الضارب رجل (٢). وقال المبرد والرماني في "الضاربك، وضاربك": موضع الضمير خفض (٣).
وكونها في الوصف كاف إن وقع … مثنى أو جمعا سبيله اتبع
أي أن وصل أل، بهذا المضاف -أي الذي إضافته لفظية- جائز؛ إن وصلته بالثاني وهو المضاف إليه، ومثل الناظم بقوله: "فكلاهما فيه أل. وكذلك يجوز وصل أل بالمضاف؛ إذا أضيف المضاف إلى ما فيه أل، ومثل بقوله: "زيد الضارب رأس الجاني"، فرأس مضاف إليه الضارب، وهو خال من أل، ولكنه مضاف إلى ما فيه أل، وهو الجاني"، ثم قال الناظم: ويكفي كون أل في المضاف دون المضاف إليه؛ إذا كان المضاف وصفا مثنى، أو جمعا تحققت فيه شروط المثنى، وهو جمع المذكر السالم.
(١) أي سواء كان تعريفها بالعلمية، أم بالإشارة، أم بالضمير، أم بغيرها، حملا على المعرف بأل وإذا أضيف الوصف المحلي بأل إلى الضمير؛ نحو: الضاربك، والضاربهو جاز كون الضمير في محل جر بالإضافة، أو محل نصب على المفعولية، خلافا للمبرد كما سيأتي.
(٢) فلا يجوز؛ لامتناع إضافة المعرفة إلى النكرة.
(٣) حجتهما: أن الضميسر نائب عن الظاهر، وعند حذف التنوين من الوصف يكون الظاهر.
стр. 741
وقال الأخفش: نصب (١) وقال سيبويه: الضمير كالظاهر؛ فهو منصوب "في الضاربك" (٢) مخفوض في "ضاربك" (٣)، ويجوز في الضارباك والضاربوك الوجهان (٤).
مسألة: قد يكتسب المضاف المذكر من المضاف إليه المؤنث تأنيثه، وبالعكس.
وشرط ذلك في الصورتين: صلاحية المضاف للاستغناء عنه بالمضاف إليه (٥).
مخفوضا، فكذلك نائبه.
(١) حجته: أن موجب النصب المفعولية وهي محققه، وموجب الخفض الإضافة وهي غير محققة؛ لأن دليلها حذف التنوين، وهو قد يحذف بسبب آخر غير الإضافة؛ كصون الضميسر المتصل من وقوعه منفصلا، واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾.
(٢) لانتفاء شروط إضافة الوصف المحلي بأل المتقدمة.
(٣) أي على المحل؛ لأن عدم تنوين الوصف دليل على الإضافة، ولا مانع منها؛ لأنه مجرد من أل.
(٤) أما الخفض؛ فعلى أن النون حذفت للإضافة والضمير في محل خفض. وأما النصب؛ فعلى أنها حذفت للتخفيف وتقصير الصلة، ويكون الضمير في محل نصب. وقال الجرمي والمازني والمبرد وجماعة: إن الضمير في موضع جر فقط؛ لأن الأصل حذف التنوين للإضافة فلا يعدل عنه إلا إذا تعين غيره.
(٥) أي مع صحة المعنى ولو مجازا، وعدم تغييره في الجلمة، ويشترط أن يكون المضاف جزءا من المضاف إليه، أو مثل جزئه، وذلك بأن تجمعه بكله صلة قوية غير صلة الجزئية، تدل على اتصاله به؛ كاللون، أو الثوب، أو الخلق، أو الحب … إلخ أو أن يكون المضاف كلا للمضاف إليه، نحو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾. أو يكون المضاف إليه أو يكون المضاف وصفا في المعنى للمضاف إليه؛ كإضافة المصدر في البيت الآتي. فإن تحقق الشرطان، كان اكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه -على قتله- قياسيا، وإلا فلا اكتساب وإن صلح الحذف، فلا يجوز أعجبتني يوم العروبة؛ لأن المضاف -وهو "يوم"- ليس جزءا ولا كالجزء، ولا كلا ولا وصفا.
стр. 742
فمن الأول قولهم: قطعت بعض أصابعه (١)، وقراءة بعضهم: "تلتقطه بعض السيارة"، وقوله:
طول الليالي أسرعت في نقضي (٢)
ومن الثاني قوله:
إنارة العقل مكسوف بطوع هوى (٣)(١) " بعض" نائب فاعل قطعت، وأنث الفعل؛ لأن "بعض" اكتسبت التأنيث من المضاف إليه وهو الأصابع، ويصح الاستغناء عنه بالأصابع؛ فيقال: قطعت أصابعه والمضاف بعض المضاف إليه.
(٢) صدر بيت من الرجز، للأغلب العجلي، من قصيدة يتحسر فيها على ذهاب شبابه وضعف قوته؛ بسبب الكبر والشيخوخة، وهو من المعمرين، وعجزه:
نقضن كلي ونقضن بعضي
اللغة والإعراب: نقضي، النقض: الهدم والكسر، وهو هنا: كناية عن ضعف قواه: "طول الليالي" مبتدأ ومضاف إليه. "أسرعت" الجملة خبر المبتدأ، "في نقضي" جار ومجرور متعلق بأسرعت. "نقضن" فعل ماض، ونون النسوة فاعل "كلي" مفعول. "ونقض بعضي" مثله.
المعنى: أن طول الليالي أسرعت في ضعفي، وذهبت بقوتي شيئا فشيئا، ولم يبق علي قبل أن يحين الوقت المعتاد فيه ذلك.
الشاهد: تأنيث الضمير في "أسرعت" مع إعادته إلى "طول" المذكر، وجوز ذلك إضافة "طول " إلى مؤنث، وهو الليالي، فاكتسب منه التأنيث، والمضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد.
(٣) صدر بيت من البسيط، لم ينسب لقائل، وعجزه:
وعقل عاصبي الهوى يزداد تنويرا
اللغة والإعراب: إنارة العقل: إضاءته، والمراد: الغريزة التي بها يدرك العقل الأشياء مكسوف: مظلم، من قولهم: كسفت الشمس، إذا ذهب نورها وزال ضوءها، بطلوع هوى: بالطاعة والانقياد لشهوة النفس. "إنارة العقل" مبتدأ ومضاف إليه. "مكسوف" خبر.
стр. 743
ويحتمله: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)، ولا يجوز قامت غلام هند، ولا قام امرأة زيد؛ لعدم صلاحية المضاف فيهما للاستغناء عنه بالمضاف إليه.
"بطوع هوى" متعلق بمكسوف ومضاف إليه، و"عقل" مبتدأ. "عاصي الهوى" مضاف إليه. "يزداد" الجملة خبر لمبتدأ. "تنويرا" تمييزا.
المعنى: أن مطاوعة الإنسان في هواه، وانطلاقه وراء شهوات نفسه، يغطي نور العقل ووضاءة البصيرة، وعصيانه لهواه يزيد العقل نورا، والبصيرة تبصرة وحسن النظر إلى الأشياء وتقدير لها.
الشاهد: في "مكسوف"؛ حيث أعاد الضمير مذكرا على إنارة وهو مؤنث، وسوغ ذلك كون المرجع مضافا إلى مذكر، وهو العقل فاكتسب التذكير منه.
(١) فقد ذكر "قريب" وهو خبر عن "رحمة"؛ لأنها اكتسبت التذكير من إضافتها إلى لفظ الجلالة. قال الصبان: وعبر بالاحتمال؛ لما في إطلاق المذكر على الله -تعالى- من سوء الأدب، ولكن التذكير وصف للفظ الجلالة؛ لأنه المضاف إليه، لا لذاته -سبحانه- فتدبر. وقيل: "قريب" فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، أو بمعنى فاعل وأجري مجرى مفعول، أو أن التذكير على تأويل الرحمة بمذكر وهو: الغفران. وإلى ما تقدم يشير الناظم بقوله:
وربما أكسب ثان أولا … تأنيثا إن كان لحذف موهلا
أي أن الثاني وهو المضاف إليه، قد يكسب الأول وهو المضاف، التأنيث؛ إن كان الأول مؤهلا -أي صالحا- للحذف والاكتفاء بالثاني عنه، وقد أهمل الناظم الشرط الثاني.
هذا: وقد ذكر المصنف من الأمرو التي يكتسبها المضاف من المضاف إليه: التعريف؛ إن كان المضاف إليه معرفة، والتخصيص إن كان نكرة، والتخفيف إذا ان المضاف اسم فاعل مضاف إلى معموله، ورفع القبح إن كان صفة مشبهة، والتذكير، والتأنيث، وأتي بأمثلة موضحة لذلك، وهنالك أشياء أخرى يستفيدها إلى المضاف من المضاف إليه؛ منها: الظرفية؛
стр. 744
مسألة: لا يضاف اسم لمرادفه (١)؛ كـ ليث أسد، ولا موصوف إلى صفته (٢)؛ كـ"رجل فاضل"، ولا صفة إلى موصوفها (٣)؛ كـ"فاضل رجل". فإن سمع ما يوهم شيئًا من ذلك يؤول.
فمن الأول، قولهم: "جاءني سعيد كرز" (٤)، وتأويله: أن يراد بالأول المسمى وبالثاني الاسم (٥)؛ أي جاءني مسمى هذا الاسم.
بشرط أن يكون المضاف دالا على الكلية أو الجزيئة؛ كلفظ "كل" و"بعض"، والمضاف إليه ظرفا؛ مثل قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ والمصدرية أحيانا؛ إذا كان المضاف إليه مصدرا والمضاف ليس بمصدر؛ كقوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِين ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ فكلمة "أي" مفعول مطلق منصوب بقوله "ينقلبون" ووجوب التصدير؛ إذا كان المضاف إليه لفظا من الألفاظ الذي يجب تصديرها في جملتها؛ كألفاظ الاستفهام؛ فإن وجوب التصدير ينتقل إلى المضاف الذي ليس من ألفاظ الصدارة؛ ولهذا وجب تقديم المبتدأ في نحو: كتاب من معك؟ والخبر في مثل: صبيحة أي يوم سفرك؟ والمفعول مثل: غلام أيهم أكرمت؟ والجار والمجرور في نحو: من صديق أيهم أنت أشعر؟ … وهكذا.
(١) ذلك لأن المضاف يتعرف أو يتخصص بالمضاف إليه؛ فلا بد أن يكون غيره في المعنى؛ لأن الشيء لا يتعرف أو يتخصص بنفسه. والترادف: الاتحاد مأصدقا ومفهوما.
(٢) لأن الصفة تابعة لموصوفها في الإعراب، فلو أضيف إليها الموصوف، لكانت مجرورة دائما.
(٣) لأن الصفة يجب أن تكون تابعة ومتأخرة عن الموصوف، ولا يمكن ذلك في الإضافة.
(٤) فإن "سعيد" و"كرز" اسمان مترادفان مسماهما واحد، وأضيف أحدهما للآخر، والكرز في الأصل: الخرج الذي يضع فيه الراعي زاده ومتاعه وجمعه كرزة. والكراز: الكبش الذي يحمله ويسير به أمام القوم.
(٥) هذا إذا كان الحكم مناسبا للمسمى، فإن ناسب الاسم عكس التأويل؛ نحو: كتبت سعيد كرز؛ أي كتبت اسم هذا المسمى، والإضافة بهذا التأويل على معنى لام الاختصاص.
стр. 745
ومن الثاني؛ (١) قولهم: "حبة الحمقاء، وصلاة الأولى، ومسجد الجامع"، وتأويله: أن يقدر موصوف؛ أي حبة البقلة الحمقاء، وصلاة الساعة الأولى، ومسجد المكان الجامع (٢).
ومن الثالث (٣) قولهم: "جرد قطيفة، وسحق عمامة" (٤). وتأويله: أن يقدر موصوف أيضا، وإضافة الصفة إلى جنسها (٥)؛ أي شيء جرد من جنس القطيفة، وشيء سحق من جنس العمامة.
(١) أي من الإضافة الموصوف إلى صفته، والحمقاء: هي المسماة بـ"الرجلة"، ووصفت بالحمق مجازًا؛ لأنها تنبت في مجاري السيول، فيمر الماء فيغطيها فتطؤها الأقدام.
قال الصبان: وهذا يظهر لو كانت الحبة تطلق على "الرجلة"، ونحوها من البقول، أما إذا كانت واحدة الحب؛ كالبرد وبذر الرجلة، وسائر الحبوب فلا.
(٢) وبذلك يكون الأول مضافا إلى الموصوف؛ من إضافة الشيء إلى جنسه كالمثال الأول، أو زمنه كالثاني، أو كله كالثالث، وقيل: إن الإضافة في حبة الحمقاء من إضافة العام إلى الخاص، ولا حاجة للتأويل والمراد بالساعة الأولى: أول ساعة بعد الزوال، أو أول ساعة تؤدي فيها الصلاة المفروضة.
(٣) وهو من إضافة الصفة إلى موصوفها.
(٤) جرد: بمعنى مجرودة. وسحق: بمعنى بالية؛ أي قطيفة مجرودة، وعمامة بالية. قيل: ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾، إذا قدر أنه من إضاف الصفة إلى الموصوف، ومعناه: الأعين الخائنة.
(٥) أي جنس موصوفها، وتكون الإضافة، معنوية، من إضافة الشيء إلى جنسه، ويجر الجنس بمن؛ لأن الإضافة على معناها، وفيما تقدم يقول الناظم:
ولا يضاف اسم لما به اتحد … معنى وأول موهما إذا ورد
стр. 746
فصل: الغالب على الأسماء أن تكون صالحة للإضافة والإفراد ؛ كغلام، وثوب.
ومنها ما يمتنع إضافته (١)؛ كالمضمرات، والإشارات، وكغير "أي" (٢) من الموصولات، وأسماء الشرط والاستفهام.
ومنها ما هو واجب الإضافة إلى المفرد، وهو نوعان:
١ - ما يجوز قطعه عن الإضافة في اللفظ (٣)؛ نحو: كل، وبعض، وأي (٤)، قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٥)، ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، ﴿أَيَّامًا
(١) لأنه لا يعرض له ما يحتاج معه إلى الإضافة، وكذلك لمشابهته الحروف، والحروف لا تضاف.
(٢) أما هي فملازمة للإضافة لفظا أو تقديرا لضعف شبهها بالحرف، بما عارضه من شدة افتقارها إلى مفرد تضاف إليه، لتوغلها في الإبهام، وسيأتي بعد توضيح حكم "أي".
(٣) فيحذف المضاف إليه؛ لفظا وينوي معناه، ويستغني عنه بالتنوين الذي يدل عليه، والذي يسمى تنوين العوض، ويبقى للمضاف حكمه في التعريف أو التنكير.
(٤) يشترط في "كل": ألا تكون للتوكيد؛ نحو: ت أصادق العرب كلهم، ولا للنعت؛ مثلك المجاهد المخلص هو الرجل كل الرجل؛ فإن كانت كذلك وجب إضافتها لفظا كما ذكرنا، ويشترط في "أي" ألا تقع نعتا أو حالا، وإلا تعينته إضافتها لفظا، ومن هذا النوع:
"غير"، و"مع" والجهات الست، وسيأتي توضيح لذلك في موضعه.
(٥) التنوين في "كل" عوض عن المضاف إليه المحذوف؛ أي كلهم. والضمير للشموس والأقمار، وأفرد "فلك" مراعاة للفظ كل، وجمع "يسبحون" مراعاة للمضاف إليه المحذوف، واختلف عند قطع "كل" و"بعض" عن الإضافة لفظا، هل هما معرفتان بنية الإضافة؟ ذهب سيبويه والجمهور إلى ذلك، وعليه فتأتي الحال منهما متأخرة؛ فتقول: مررت بكل ساجدًا وببعض جالسا وهو الصحيح، وذهب الفارسي إلى أنهما نكرتان وهذا الخلاف حين يكون المضاف إليه معرفة؛ فإن كان نكرة فلا خلاف في تنكيرهما.
стр. 747
تَدْعُوا﴾ (١).
٢ - وما يلزم الإضافة لفظا، وهو ثلاثة أنواع:
ما يضاف للظاهر والمضمر؛ نحو: كلا وكلتا وعند، ولدى، وقصارى (٢) وسوى.
وما يختص بالظاهر؛ كأولي، وأولات، وذي، وذات (٣)؛ قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ﴾، ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ﴾، ﴿وَذَا النُّونِ﴾ (٤)، ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾.
وما يختص بالمضمر، وهو نوعان:
ما يضاف لكل مضمر، وهو "وحد" (٥)؛ نحو: ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾.
(١) " أيا" اسم شرط مفعول مقدم لتدعو، و"ما" زائدة.
(٢) قصارى الشيء وقصاراه: غايته ونهايته؛ يقال: قصاراك أن تفعل كذا؛ أي جهدك وغايتك وآخر أمرك؛ ومثله: حمادى؛ تقول: حماداك وحمادي؛ أي غايتك وغايتي … إلخ.
(٣) أي وفروعهما؛ كذوا، وذواتا، وذووا، وذوات، والكل بمعنى صاحب.
(٤) أي صاحب النون، وهو سيدنا يونس ﵇، والنون: الحوت.
(٥) يضاف "وحد" إلى ضمير الغائب والمخاطب والمتكلم، كما مثل المصنف، ولا فرق بين المذكر والمؤنث، ولا بين ضمير المفرد وغيره، وهو مصدر يدل على التوحيد والانفراد ملازم للإفراد والتنكير، وقد يثنى شذوذا، وهو منصوب غالبا؛ فقيل: على الحال لتأويله بموحد؛ أي منفردا، وقيل: على أنه مفعول مطلق لفعل من لفظه؛ يقال: وحد الرجل يحد إذا انفرد، أو مصدر لا فعل له من لفظه. وقد يجر بعلى؛ يقال: أخذت كل درهم على وحده، وبالإضافة وقد ورد في خمس كلمات؛ يقال في المدح: هو نسيج وحده، وقريع وحده، وفي الدلالة على الإعجاب بالنفس: رجيل وحده. وفي الذم: عيير وحده، وجحيش وحده.
стр. 748
وقوله:
وكنت إذا كنت إلهي وحدكا (١)
وقوله:
والذئب أخشاه إن مررت به وحدي (٢)(١) صدر بيت من الرجز، لعبد الله بن عبد الأعلى القرشي، وعجزه:
لم يلك شيء يا إلهي قبلكا
اللغة والإعراب: قبلك، قيل: إن معنى القبلية: المعية؛ بدليل مقابلتها بقوله وحدك؛ لأن القبلية محالة في حقه تعالى، وقيل: إن الظرف ليس قيدا في الفعل المنفي بلم.
والمعنى: لم يكن شيء أصلا إل أنت. "كنت" كان وفاعلها؛ لأنها تامة بمعنى وجدت.
"إذا" ظرف للماضي بمعنى حين متعل بكان. "إلهي" منادى بحذف حرف النداء.
"وحدكا" منصوب على الحال من فاعل كان والألف للإطلاق، "يك" مضارع مجزوم بلم على النون المحذوفة للتخفيف. "شيء" اسم يك. "قبلكا" ظرف خبر يك ومضاف إليه.
المعنى: وجدت يا إلهي حين وجدت وحدك، لم يك معك شيء قبل خلق هذا العالم ثم أوجدت العالم.
الشاهد: إضافة "وحد" إلى ضمير الخطاب.
(٢) جزء بيت من المنسرح، للربيع بن ضبع الفزاري، يصف ذهاب قوته، وضعفه، بعد أن كبر وشاخ وتمامه:
وأخشى الرياح والمطرا
وقبله:
أصبحت لا أحمل السلاح ولا … أملك رأس البعير إن نفرا
اللغة والإعراب: معاني المفردات واضحة. "الذئب" مفعول لفعل محذوف يفسره أخشى. "إن مررت" شرط وفعله، والجواب محذوف يدل عليه ما قبله، "وحدي" حال من التاء في مررت. وإعراب الباقي واضح.
المعنى: إني لكبر سني وضعفي وعدم قدرتي على مقاومة أي شيء، أخاف من الذئب إن مررت وليس معي أحد، ولا أحتمل هبوب الرياح وسقوط المطر فإن ذلك يؤذيني لشدة ضعفي.
الشاهد: إضافة "وحد" إلى ضمير المتكلم.
стр. 749
وما يختص بضمير المخاطب، وهو: مصادر مثناة لفظا ومعناها التكرار (١) وهي: "لبيك" بمعنى إقامة على إجابتك بعد إقامة (٢)، و"سعديك" بمعنى إسعادا لك بعد إسعاد، ولا تستعمل إلا بعد لبيك (٣)، و"حنانيك" بمعنى تحننا عليك بعد تحنن، و"دواليك" بمعنى تداولا بعد تداول (٤)، و"هذاذيك" -بذالين معجمتين- بمعنى إسراعا لك بعد إسراع. قال:
ضربا هذاذيك وطعنا وخضا (٥)(١) المراد بالتكرار، التكثير الذي يزيد على اثنين، وهي ملحقة بالمثنى في إعرابه؛ مراعاة لمظهرها، وليست مثنى حقيقا من حيث معناها، وتعرب مفعولا مطلقا لفعل من لفظها، إلا هذاذيك، فيقدر فعلها من معناها، وهو: أسرع على الصحيح.
(٢) أصل لبيك: ألب لك إلبابين؛ أي أقيم على طاعتك وإجابتك إقامة كثيرة، فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، ثم حذف الزوائد، وحذف الجار من الضمير المفعول وأضيف المصدر إليه، وقيل: إنه من لب بمعنى ألب؛ أي أقام؛ وكذا الباقي؛ ومثلها: حجازيك؛ أي محاجزة بعد مجاجزة، وحذاريك؛ أي حذرًا بعد حذر.
(٣) لأن "لبيك" هي الأصل في الإجابة، و"سعديك" بمنزلة التوكيد لها.
(٤) أي تواليا وتناوبا في طاعتك بعد توال وتناوب.
(٥) صدر بيت من الرجز، للعجاج، من أرجوزة يمدح فيها الحجاج بن يوسف الثقفي، وعجزه:
يمضي إلى عاصي العروق النحضا
اللغة والإعراب: ضربا هذاذيك: أي ضربا يهذا هذا بعد هذ؛ والهذ: الإسراع في القطع وغيره، وخضا -الوخض: الطعن الذي يصل إلى الجوف، وقيل بالعكس، والمراد: الطعن الذي يسرع إلى الموت، عاصي العروق: هو العرق الذي يسيل ولا يرقأ دمه، وجمعه عواص، النحضا، النحض: اللحم المكتنز كلحم الفخذ، "ضربا" مصدر منصوب بفعل محذوف، أو مفعول به لمحذوف؛ أي نجزيهم ضربا. "هذاذيك" مفعول مطلق لمحذوف من معناه؛ أي أسرع، وهو مضاف إلى الكاف، "وطعنا" معطوف على ضربا "وخضا" صفة له "يمضي" الجملة صفة ثانية لضربا "النحضا" منصوب على تقدير الخافض "في" المعنى: اضرب ضربًا كثيرا مسرعًا في القطع، واطعن طعنًا جائفًا في اللحم حتى يمزق الأجسام، فتصل أجزاؤها إلى العروق العاصية التي يسيل دمها بلا انقطاع.
الشاهد: إضافة "هذاذيك" إلى ضمير المخاطب.
стр. 750
وعامله وعامل "لبيك" من معناهما، والبواقي من لفظها (١)، وتجويز سيبويه في "هذاذيك" في البيت، وفي "دواليك" من قوله.
دواليك حتى كلنا غير لابس (٢)
الحالية: بتقدير نفعله متداولين، وهاذين؛ أي مسرعين، ضعيف؛ للتعريف (٣)،
(١) فيقدر: أسرع، وأجيب، وأسعد، وأتخنن، وأتداول، وقد علمت أن لـ"لبيك" فعلا من لفظها، قال الصبان: "والمتجه عندي أن لبيك منصوب بفعل من لفظه". وذكر بعضهم فعلا لهذاذيك؛ وهو: هذ يهذ هذا؛ أي أسرع.
(٢) عجز بيت من الطويل، أنشده سيبويه، وهو لسحيم الأسود، عبد بني الحسحاس، من الشعراء المخضرمين، وصدره:
إذا شق برد شق بالبرد مثله
اللغة والإعراب: برد: هو الكساء الموشى؛ أي المخطط المزخرف، دواليك: من المداولة وهي المناوبة بينك وبين غيرك. "إذا" ظرف مضمن معنى الشرط. "برد" نائب فاعل شق. "مثله" نائب فاعل شق الثاني، ومضاف إليه، "دواليك" مفعول مطلق منصوب بفعل محذوف من معناه، مضاف إلى الكاف، "حتى" اتبدائية. "كلنا غير لابس" مبتدأ وخبر مضاف إليه.
المعنى: إذا شق واحد منا برد صاحبه ومزقه؛ شق الآخر برده كذلك بالتناوب، حتى نرى وكلنا ليس عليه برد. قيل في سبب ذلك: أن الرجل كان إذا أراد تأكيدا المودة بينه وبين من يحب، واستدامة صحبته، شق كل واحد منهما برد صاحبه؛ يرى أن ذلك أبقى المودة بينهما.
الشاهد: إضافة "دواليك" إلى ضمير المخاطب، وهو مفعول مطلق، لا حال؛ خلافا لسيبويه.
(٣) أي؛ لأنه معرفة بإضافته للضمير، والحال واجب التنكير، وقوله: "ولأن المصدر … إلخ".
دفع به ما قد يقال: إن هذه الحال مما جاء معرفا لفظا، وإن كان منكرا معنى.
стр. 751
ولأن المصدر الموضوع للتكثير لم يثبت فيه غير كونه مفعولا مطلقا.
وتجويز الأعلم في هذاذيك في البيت الوصفية (١) مردود لذلك (٢)، وقوله فيه وفي أخواته: إن الكاف لمجرد الخطاب، مثلها في "ذلك" (٣) مردود أيضا؛ لقولهم: "حنانيه" و"لبي زيد" (٤)، ولحذفهم النون لأجها ولم يحذفوها في "ذانك" (٥)، وبأنها لا تحلق الأسماء التي لا تشبه الحرف (٦). وشذت إضافة "لبي" إلى ضمير الغائب في نحو قوله:
لقلت لبيه لمن يدعوني (٧)(١) أي لضربا. والمعنى: اضرب ضربا مسرعًا أو مكررًا.
(٢) أي للتعريف؛ لأن ضربا نكرة، فلا يوصف بمعرفة؛ ولأن المصدر … إلخ.
(٣) أي مثل الكاف في ذلك؛ في أنها لا موضع لها من الإعراب.
(٤) فقد أضيف "حنانيه" إلى الضمير، و"لبي" إلى الاسم الظاهر، وقيام ضمير الغيبة، والاسم الظاهر مقام الكاف، دليل على اسميتها؛ لأن الاسم إنما يقوم مقامه مثله.
(٥) وهذا أيضا دليل على أنها اسم مضاف إليه، وكذلك في "تانك".
(٦) أي أن الكاف الحرفية لا تحلق كل ما لا يشبه الحرف. ولبيك وأخواته مصادر لا تشبه الحرف؛ فلا تلحقها الكاف الحرفية، فهذه ثلاث علل للرد على الأعلم.
(٧) رجز أنشده أبو علي الفارسي، ولم ينسبه، وقبله:
إنك لو دعوتني ودوني … زوراء ذات مترع بيون
اللغة والإعراب: زوراء: هي الأرض البعيدة الأطراف. مترع: مملوء أو ممتد؛ من قولهم: حوض ترع؛ أي ممتلئ والذي في اللسان: منزع بدل مترع؛ وهو الفراغ الذي في البئر حتى الماء، بيون: هي البئر الواسعة الرأس الضيقة الأسفل، أو البعيدة القاع. "إنك" إن واسمها. "لو" شرطية غير جازمة. "دعوتني" فعل الشرط. "ودوني" الواو للحال، و"دوني" ظرف خبر مقدم، ومضاف إليه، "زوراء" مبتدأ مؤخر، والجملة حال من ياء دعوتني، "ذات مترع" صفة لزوراء ومضاف إليه. "بيون" صفة لمترع. "لقلت" جواب لو، وجملة الشرط وجوابه خبر إن. "لبيه" مفعول مطلق لمحذوف منصوب بالياء، مضاف إلى الهاء، وهو التفات من الخطاب إلى الغيبة.
المعنى: إنك لو طلبتني وناديتني لأمر ما -وبيننا أرض نائية، صبعة المسالك، ذات مياه بعيدة الغور- لأجبتك سريعا، ولما تأخرت عن تلبية طلبك.
الشاهد: إضافة "لبى" إلى ضمير الغائب، وهو شاذ؛ لأنه مختص بضمير المخاطب.
стр. 752
وإلى الظاهر في نحو قوله:
فلبى فلبي يدي مسور (١)
وفيه رد على يونس في زعمه أنه مفرد، وأصله لبا؛ فقلبت ألفه ياء لأجل الضمير كما في لديك وعليك (٢). وقول ابن الناظم: إن خلاف يونس في لبيك وأخواته وهم (٣).
(١) عجز بيت من المتقارب، أنشده سيبويه، ولم يعين قائله، وهو لأعرابي من بني أسد، استعان بآخر اسمه مسور في دفع غرامة مالية فأعانه، وصدره:
دعوت لما نابني مسورا
اللغة والإعراب: دعوت: استعنت. نابني: أصابني ونزل بي. مسور: اسم رجل. فلبى: أجاب دعائي بقوله لبيك. "لما" متعلق بدعوت، و"ما" اسم موصول. "نابني" الجملة صلة ما. "مسورا" مفعول دعوت. "فلبى" الفاء عاطفة، وجملة "لبى" معطوف على جملة "دعوت"، وفاعله يعود على مسور، ومفعوله محذوف؛ أي فلباني أو فلبى رجائي. "فلبى" الفاء للسببية، و"لبى" مفعول مطلق لمحذوف منصوب بالياء. "يدي" مضاف إليه مجرورا بالياء. "مسور" مضاف إليه كذلك.
المعنى: دعوت مسورا واستغثت به، لدفع ما نابني وحل بي، فأجابني إلى ما دعوته إليه؛ فتلبية بعد تلبية ليدي مسور، أبادر إليه إذا ناداني وسألني في أمر ينوبه؛ كما بادر إلي، وخص يديه بالذكر؛ لأنهما اللتان قدمتا المال له.
الشاهد: إضافة "لبى" إلى الاسم الظاهر، وهو "يدي"؛ وذلك شاذ.
(٢) وجه الرد كما قال سيبويه: أنه لو كان مفردًا مقصورًا -كما يرى يونس- لما قلبت ألفه ياء مع الظاهر في قوله: "فلبى يدي مسور"، كما لا تقلب ألف "لدي" و"على" عند ذلك؛ إذ يقال: لدي الباب، وعلى الجبل؛ ببقاء الألف، فكان ينبغي أن يقال: لبى زيد، فدل ذلك على أنه مثنى، وليس بمقصور.
(٣) بفتح الهاء؛ أي غلط؛ لأن خلاف يونس في لبيك فقط.
стр. 753
ومنها ما هو واجب الإضافة إلى الجمل؛ (١) اسمية أو فعلية، وهو: "إذا" و"حيث" (٢).
وفيما تقدم في هذا الفصل يقول الناظم:
وبعض الأسماء يضاف أبد … وبعض ذا قد يأت لفا مفردا
وبعض ما يضاف حتما امتنع … إبلاؤه اسما ظاهرا حيث وقع
كوحد لبى ودوالي سعدى … وشذ إبلاء "يدي" للبى
أي بعض الأسماء يضاف دائما لفظا ومعنى؛ وبعض هذه قد يجيء مفردًا مقطوعا عن الإضافة؛ لفظا لا معنى، وبعض الأسماء التي يتحتم إضافتها، يمتنع إضافتها إلى الاسم الظاهر، ويجب أن يكون المضاف إليه ضمير؛ ومنها "وحد"، و"لبى" و"شذ"، وقرع يدي -وهو اسم ظاهر- مضافا إليه للبى.
(١) يشترط في الجملة الواقعة مضافا إليه: أن تكون خبرية؛ فلا تصلح الشرطية المبدوءه بإن، أو ما يشابهها في التعليق، ولا تصلح الإنشائية مطلقا، ويشترط كذلك أن تكون مشتملة على ضمير، يعود على المضاف؛ لأن المضاف إلى الجملة، مضاف في التقدير إلى مفرد -هو المصدر المكون منها. فكما لا يعود ضمير من المصدر المضاف إليه إلى المضاف؛ كذلك لا يعود من الجملة إليه.
(٢) "إذا" ظرف للزمان الماضي المبهم في الغال، ومعناها: زمن، أو وقت، أو حين. وقد ترد
стр. 754
فأما "إذ"؛ فنحو: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾، ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا﴾ (١)، وقد يحذف ما أضيفت إليه للعلم به (٢) فيجاء بالتنوين عوضا منه؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣).
ظرفا للمستقبل بمعنى "إذا"، إذا دلت قرينة على ذلك؛ نحو قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾، ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِم﴾، وإذا أضيفت لجملة فعلية وجب أن يكون الفعل ماضيا لفظا ومعنى، أو معنى فقط؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾، وقيل: يجب أن يكون معنى الجملة قد تحقق قبل النطق بها، أو أنه سيتحقق من غير شك. وهذا كله ليكون المضاف إليه مماثلا لمعنى "إذ" في الزمن.
وتلزم "إذ" البناء، وتكون في محل نصب على الظرفية؛ إلا إذا أضيف إليها اسم؛ كيومئذ، وحينئذ؛ فتكون في محل جر بالإضافة.
هذا: "وترد "إذ" للتعليل؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾، وهي في هذه الحالة: إما حرف زائد للتعليل كاللام، أو ظرف زمان، والتعليل مستفاد من قوة الكلام، وتأتي لإفادة المفأجاة؛ أي مفاجأة ما بعدها لما قبلها وذلك بعد "بينا" أو"بينما"، نحو: بينا نحن جلوس إذ أقبل علينا ضيف عزيز: وتعرب حينئذ حرف للمفاجأة، أو حرفا زائدًا؛ لتأكيد معنى الجملة.
و"حيث" هي في الغالب ظرف مكان نادر التصرف، وهي مبنية دائما على الضم في محل نصب على الظرفية؛ أو خفض بمن؛ ولا يجوز قطعها عن الإضافة لفظا، ولا يضاف إلى الجملة من أسماء المكان غيرها.
(١) "إذ" في المثالين مفعول به لاذكروا عند بعض النحاة، وعند الجمهور -وهو الحق- أن "إذ" ظرف لمفعول به محذوف؛ أي اذكروا نعمة الله عليكم، إذ أنتم قليل، وإذ كنتم قليلا.
(٢) وأكثر ما يكون ذلك؛ إذا كان المضاف اسم زمان، كيومئذ وحينئذ وساعتئذ؛ فيحف المضاف ويؤتى بالتنيوين؛ عوضا عن الجملة المحذوفة، وتحرك الذال عند التنوين بالكسر؛ للتخلص من الساكنين.
(٣) أي يوم إذ غلبت الروم. و"إذ" حينئذ باقية على بنائها، على الصحيح.
стр. 755
وأما "حيث: فنحو: جلست حيث جلس زيد، وحيث زيد جالس (١)، وربما أضيفت إلى المفرد (٢)؛ كقوله:
ببيض المواضي حيث لي العمائم (٣)(١) الغالب في الجملة الاسمية بعد "حيث"، ألا يكون خبرها فعلا. وإضافتها للجملة الفعلية أكثر؛ سواء كانت مثبتة، أو منفية.
(٢) يجيز بعض النحاة إضافتها للمفرد، مع بقائها مبنية، نحو: إنا مسافر حيث الهدوء، ويؤيده جواز فتح همزة "أن" بعدها؛ فتكون مضافة إلى المصدر المنسبك من أن ومعموليها، وهو مفرد، وبعضهم يعربها، ويندر أن تقع ظرف زمان أو غيره، ولا يقاس على ما يسمع من ذلك.
(٣) عجز بيت من الطويل، للفرزدق، وصدره:
ونطعنهم تحت الحبا بعد ضربهم
اللغة والإعراب: نطعنهم -بضم العين وفتحها- نضربهم؛ يقال: طعنه بالرمح؛ كمنعه ونصره -ضربه ووخزه. الحبا: جمع حبوة؛ وهي الثوب الذي يحتبى به.
والاحتباء: أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعها به مع ظهره، ويشده عليها. وقد يكون الاحتباء باليدين؛ والمراد هنا: أوساطهم. بيض: جمع أبيض، والمراد: السيوف المواضي؛ جمع ماض، وهو النافذ القاطع؛ أي السيوف القواطع. "لي" العمائم: لفها وشدها طاقة بعد طاقة على الرءوس. "تحت الحبا" مفعول ومضاف إليه "بع" ظرف متعلق بنطعن "ضربه" مضاف إليه. وضمير الغائبين مضاف إليه؛ من إضافة المصدر لمفعوله "حيث" ظرف مكان في محل نصب، متعلق بضرب، أو حال. "لي العمائم" مضاف إليه.
المعنى: نضربهم برماحنا في أواسطهم؛ حيث لا يبرءون من الطعن بعد ضربهم بالسيوف القواطع على رءوسهم.
الشاهد: إضافة حيث إلى اسم مفرد، وفي المغني: أن من أضاف "حيث" إلى المفرد، أعربها؛ ومنه قول الشاعر:
أما ترى حيث سهيلا طالعا
بفتح ثاء حيث على أنها مفعول ترى، وخفض سهيل. وفيما يضاف وجوبا إلى الجملة الاسمية والفعلية، يقول ابن مالك:
стр. 756
ولا يقاس عليه خلافا للكسائي.
ومنها ما يختص بالجمل الفعلية وهو: "لما" عند من قال باسميتها (١)؛ نحو: لما جاءني أكرمته. و"إذا" (٢). . . . . . . . . . .
وألزموا إضافة إلى الجمل … "حيث" و"إذ" وإن ينون يحتمل
إفراد إذ … ... … ... … ... ...... … ... … ... … ... …
أي ألزم النحاة "حيث" و"إذ" الإضافة إلى الجمل، بالشروط التي أوضحناها.
وإن ينون "إذ"، وذلك بعد حذف المضاف إليه، ومجيء التنوين عوضا عنه، يحتمل ويجوز إفرادها؛ أي قطعها عن الإضافة؛ لفظا لا معنى.
(١) القائل باسميتها: الفارسي وابن جني وابن السراج وآخرون؛ وقالوا: هي ظرف بمعنى "حين"؛ ولذا تسمى "لما الحينية". وقيل: بمعنى "إذ"، ورجحه ابن مالك في المعني؛ لأنها مختصة بالماضي، وفيها معنى الشرط، ويجب أن يكون شرطها، وجوابها ماضيين عند الأكثرين، وتضاف إلى شرطها، وتنصب بجوابها، وعند سيبويه: هي حرف وجود لوجود، لا محل لها.
(٢) هي ظرف غير جازم، مبني دائما، متضمن معنى الشرط غالبا، وتكون للزمان المستقبل كثيرا، وللماضي قليلا، ووقوع الماضي، في جملة شرطها أو جزائها، لا يخرجها عن الدلالة عن المستقبل، ويقع شرطها، وجوابه ماضيين، أو مضارعين، أو مختلفين، وناصبها: المحققين. وإما جوابها فتكون مضافة إلى جملة الشرط وهو المشهور، ويجوز أن يحذف المضاف إليه وتجيء التنوين عوضا عنه؛ تقول: من ينكر المعروف فليس إذا يستحقه؛ أي فليس إذا يجحده يستحقه، وتأتي "إذا" للمفاجأة، فتختص الجملة الاسمية، وهي حينئذ حرف على الأصح، نحو: خرجت فإذا محمد ينتظرني، وقيل هي ظرف، قد أشار الناظم إلى "إذا" بقوله:
стр. 757
عند غير الأخفش والكوفيين (١) نحو: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾، وأما نحو: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ فمثل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك﴾ (٢). وأما قوله:
إذا باهلي تحته حنظلية (٣)
وألزموا "إذا" إضافة إلى … جمل الإفعال كـ"هن إذا اعتلى"
ومعنى: هن إذا اعتلى؛ كن متواضعا هبنا، إذا تكبر وتعالى غيرك.
(١) أما عندهما، فيجوز إضافتها إلى الجمل الاسمية؛ تمسكا بظاهر ما ورد من الآيات التي ذكرها المصنف.
(٢) فكل من "السماء" و"أحد" فاعل بفعل محذوف يفسره المذكور، وليس كل منهما مبتدأ، والفعل بعدهما خبرا.
(٣) صدر بيت من الطويل للفرزدق، وعجزه:
له ولد منها فذاك المذرع
اللغة والإعراب: بأهلي: منسوب إلى باهلة، وهي قبيلة من قيس عيلان، ويكثر الشعراء من ذمها؛ ومن ذلك وقول الشاعر:
إذا قيل للكلب يا باهلي … عوى الكلب من لؤم هذا النسب
حنظلية: نسبة إلى حنظلة؛ وهي أكرم قبائل تميم؛ حتى ليقال: "حنظلة الأكرمون".
المذرع: الذي أمه أشرف من أبيه. "إذا" ظرف فيه معنى الشرط، "باهلي" اسم كان محذوفة، "تحته" ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، ومضاف إليه. "حنظلية" مبتدأ مؤخر، والجملةفي محل نصب خبر كان المحذوفة وحدها. ويجوز أن يكون المحذوف كان واسمها، و"باهلي" مبتدأ أول. "تحته حنظلية" مبتدأ ثان وخبر، والجملة خبر الأول، والجملة خبر كان المحذوفة مع اسمها ضمير الشأن. "له ولد" خبر مقدم، ومبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ والخبر صفة لباهلي، أو حال. "منها" جار ومجرور صفة لولد "فذاك" الفاء واقعة في جواب الشرط، وذاك اسم إشارة مبتدأ "المذرع" خبر.
المعنى: إذا تزوج رجل من باهلة امرأة من حنظلة، وأتى منها بولد؛ فهو المذرع؛ أي
стр. 758
فعلى إضمار كان؛ كما أضمرت هي وضمير الشأن في قوله:
فهلا نفس ليلى شفيعها (١)
فصل: وما كان بمنزلة "إذ" أو"إذا؛ في كونه اسم زمان مبهم لما مضى أو لما يأتي (٢)، فإنه بمنزلتهما فيما يضافان إليه (٣)؛ فلذلك تقول: جئتك زمن الحجاج أمير، أو
الذي أمه أشرف من أبيه.
الشاهد: في "إذا باهلي"؛ فإنه على تقدير كان محذوفة بعد إذا؛ بما أنه ليس بعده فعل يصلح للتفسير؛ لأن إذا لا يليها إلا الفعل؛ لفظا أو تقديرا. واحتج به الأخفش على دخول "إذا" على الجملة الاسمية.
(١) جزء من بيت من الطويل، لقيس بن الملوح، المعروف بمجنون ليلى، وقيل لغيره، وأوله:
ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة … إلى … ... … ... … ...
اللغة والإعراب: نبئت: أخبرت: بشفاعة؛ الشفاعة: التوسل ابتغاء الخير الشفيع: الذي يكون منه التوسل "نبئت" ماض للمجهول، والتاء نائب الفاعل، وهو المفعول الأول. "ليلى" مفعول ثان لنبئت. "أرسلت" الجملة مفعول ثالث. "بشفاعة" مفعول أرسلت؛ على زيادة الباء "إلى" متعلق بأرسلت "فهلا" الفاء للسببية، وهلا حرف تحضيض. "نفس ليلى" خبر مقدم، ومضاف إليه. "شفيعها" مبتدأ مؤخر، ومضاف إليه، والجملة خبر كان المحذوفة، مع اسمها ضمير الشأن؛ أي فهلا كان هو؛ أي الحال والشأن.
المعنى: أخبرت أن ليلى أرسلت إلي شفيعا، يطلب مني العودة إلى الوصل والمودة، فهلا تقدمت بنفسها لطلب ذلك؛ إن كان هذا أجدى، وأحق بالقبول.
الشاهد: حذف كان واسمها ضمير الشأن بعد هلا، ولم تجعل "نفس ليلى" اسم كان محذوفة، كما حدث في البيت السابق؛ لأن "شفيعها" اسم مفرد مرفوع، لا يصلح أن يكون خبرا، وهلا من الأدوات التي لا يليها إلا الفعل.
(٢) قول المصنف: لما مضى، راجع لوجه الشبه بإذ. وقوله: أو لما يأتي، راجع لوجه الشبه بإذ. والمراد بالمبهم من الزمان: ما ليس محدودا؛ بالأ يكون له أي اختصاص؛ كحين، ومدة، ووقت، ووزمن، ولحظة، وبرهة، أو يكون له اختصاص من بعض النواحي؛ كغداة وعشية، وليل، ونهار، وصباح، ومساء أما المحدود فهو: ما دل على عدد معين؛ كيومين، وأسبوع، وشهر، وسنة، أو وقت محدود؛ كأمس، وغد، وهذا لا يضاف إلى جملة.
(٣) فما يكون بمعنى، "إذ" يجوز إضافته إلى الجملة بنوعيها، بالشرط الذي ذكرناه؛ وهو أن
стр. 759
أو زمن كان الحجاج أميرًا؛ لأنه بمنزلة "إذ" (١)؛ وآتيك زمن يقدم الحاج، ويمتنع في: زمن الحاج قادم؛ لأنه بمنزلة "إذا" (٢).
هذا قول سيبويه، ووافقه الناظم في مشبه "إذ" دون مشبه "إذا"؛ محتجا بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ (٣). وقوله:
فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة (٤)
وهذا ونحوه مما نزل فيه المستقبل -لتحقق وقوعه- منزلة ما قد وقع ومضى (٥).
يكون معنى الجملة ماضيا أو مستقبلا محتم الوقوع، كما يجوز أن يضاف إلى المفرد أو لا يضاف، وما يكون بمنزلة، "إذا" يضاف إلى الجملة الفعلية، غير أن الإضافة في "إذ" و"إذا" واجبة، وفيما يكون بمنزلتهما جائزة.
(١) "فزمن" في المثال الأول مضاف إلى جملة اسمية، وفي الثاني مضاف إلى فعلية.
(٢) أي: و"إذا" لا تضاف إلى الجمل الاسمية؛ فكذلك ما كان بمعناها.
(٣) فقد أضيف "يوم" هو يشبه "إذا" في الاستقبال، إلى الجملة الاسمية.
(٤) صدر بيت من الطويل، لسواد بن قاب السدوسي الأزدي الصحابي، يخاطب الرسول،
وعجزه:
بمغن فتيلا عن سواد بن قارب
وتقدم الكلام عليه في باب "ما ولا ولات" صفحة ٢٥٧ جزء أول.
الشاهد فيه هنا: إضافة "يوم" إلى الجملة الاسمية، على رأي الناظم؛ مع أنه بمنزلة "إذا" في الدلالة على المستقبل، و"إذا" لا تضاف إليها. وظاهره الرد على سيبويه، الذي لا يجيز ذلك.
(٥) أي فيكون "يوم" مشبها لإذ؛ لا لإذا؛ لأن المراد من الماضي ما كان متحقق الوقوع؛ سواء عبر عنه بالماضي، أو بالمضارع، وهذا توجيه سيبويه، وهو رد على رأي الناظم، وفي أسماء الزمان المشبهات "إذ"، يقول الناظم:
وما كـ"إذ" معنى كإذ … أضف جوازًا نحو "حين جا نبذ"
أي والذي مثل "إذا" في المعنى؛ من حيث كونه اسم زمان ماض مبهم، يضاف جوازا إلى مثل ما تضاف إليه "إذ"؛ من الجمل الاسمية والفعلية؛ نحو: حين جاء نبذ؛ أي طرد. واقتصر الناظم على مشبه، "إذ" دون مشبه "إذا"؛ لأنه يجيز إضافة مشبه "إذا" إلى الجملة الاسمية؛ محتجا بما ذكره المصنف ورده.
стр. 760
فصل: ويجوز في الزمان المحمول على "إذ" أو"إذا": الإعراب على الأصل والبناء حملًا عليهما (١)؛ فإن كان ما وليه فعلًا مبنيا؛ فالبناء أرجح للتناسب؛ كقوله:
على حين عاتبت المشيب على الصبا (٢)(١) " إذ" و"إذا" مبنيان على الفتح في جميع الأحوال، أما ما يشبههما؛ فيجوز فيه الإعراب على الأصل؛ بناء على أن الأصل في الأسماء الإعراب، وهذا يحسن إذا كان المضاف إليه جملة اسمية، أو جملة مضارعية فعلها معرب، وجيوز فيه البناء على الفتح، ويحسن عند الإضافة إلى جملة فعلية فعلها مبني، وقد أوضح ذلك المصنف.
(٢) صدر بيت من الطويل، للنابغة الذبياني، من قصيدة، يعتذر فيها للنعمان بن المنذر،
وعجزه:
وقلت ألما أصح والشيب وازع
اللغة والإعراب: "على" الأولى، بمعنى "في"، والثانية للتعليل. عاتبت؛ العتاب: اللوم مع السخط، وعدم الرضا، الصبا، والصبوة والميل إلى الهوى، أصح: أتنبه، وازع: زاجر، من وزع؛ أي زجر ونهي. "على حين" جار ومجرور متعلق بأسبل، أو برددتها في قوله قبل:
وأسبل مني عبرة فرددتها … على النحو منها مستهل ودامع
"عاتبت المشيب" الجملة في محل جر بإضافة "حين" إليها، "على الصبا" متعلق بعاتبت. "ألما" الهمزة للاستفهام الإنكاري، و"لما" حرف نفي وجزم. "أصح" مضارع مجزوم بحذف الواو. "والشيب وازع" الواو للحال، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب حال، من الضمير المستتر في أصح.
المعنى: سال مني الدمع وانهمل، وقت معاتبتي للشيب، وقد حل بي، وذهب زمان الصبوة والفتوة والانغماس في الشهوات وقلت لنفسي، موبخا: كيف لا أصحو وأفيق من غفلتي واسترسالي في الشهوات! والشيب أكبر زاجر وواعظ.
الشاهدك: في "حين"؛ روي بالفتح على البناء لإضافته لمبني، وبالخفض على الإعراب.
стр. 761
وقوله:
على حين يستصبين كل حليم (١)
وإن كان فعلا معربا أو جملة اسمية؛ فالإعراب أرجح عند الكوفيين، وواجب عند البصريين، واعترض عليهم بقراءة نافع: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ﴾ بالفتح (٢)، وقوله:
على حين التواصل غير داني (٣)(١) عجز بيت من الطويل، لم ينسب لقائل، وصدره:
لأجتذبن منهن قلبي تحلما
اللغة والإعراب: تحلما؛ التحلم: تكلف الحلم وتصنعه. يستصبين: يستملن ويجتذبن. حليم: عاقل رزين. "لأجتذبن" اللام للتوكيد واقعة في جواب قسم مقدر. "أجتذبن" مضارع مؤكد بالنون الخفيفة. "منهن" جار ومجرور متعلق به، "قلبي" مفعول مضاف إليه ياء المتكلم. "تحلما" مفعول لأجله، أو حال بمعنى متحلما. "على حين"جار ومجرور متعلق بأجتذبن، "يستصبين" مضارع مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة فاعله، والجملة مضاف إليه لحين. "كل جليم" مفعول يستصبين، ومضاف إليه.
المعنى: اجتذب قلبي، وأشده إلى نفسي من هؤلاء الفاتنات؛ متكلفا الحلم، والكف عن الميل إلى الهوى؛ لأنه يستملن إلى الله والصبوة كل عاقل.
الشاهد: فيه كالذي قبله؛ غير أن الفعل الذي أضيف إليه "حين" هناك مبني بالإصالة؛ لأنه ماض، وهذا مبني لاتصاله بنون النسوة، وأصله معرب.
(٢) أي ببناء "يوم" على الفتح، لا على الإعراب؛ لأن الإشارة إلى اليوم؛ كما في قراءة الرفع، فلا يكون ظرفا، ويجيب البصريون -الذين يوجبون الإعراب- بأن الفتحة "في يوم" فتحة إعراب، وهو منصوب على الظرفية خبرًا لهذا. والإشارة ليست لليوم؛ وإنما هي للمذكور قبل؛ من كلامه مع عيسى، وكلام عيسى معه؛ أي هذا المذكور كائن في هذا اليوم، ويمكن أن يكون على لغة سليم؛ من إعمال القول مطلقا.
(٣) عجز بيته من الوافر، لم ينسب لقائل، وصدره:
تذكر ما تذكر من سليمى
اللغة والإعراب: التواصل: المواصلة وترك القطعية والهجر، دان: قريب. تذكر فعل ماض، والفاعل هو "ما" اسم موصول مفعول تذكر الأولى "تذكر الثاني" الجملة صلة.
стр. 762
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"ما"، والعائد محذوف؛ أي تذكره. "من سليمى" جار ومجرور حال من "ما". "على حين" متعلق بتذكر "التواصل غير داني" الجملة من المبتدأ والخبر مضاف إليه لحين.
المعنى: تذكر وأعاد إلى ذاكرته وذهنه كل ما كان بينه، وبين سليمى -وأبهم المذكر؛ تعظيما له وتفخيما- لا في وقت لا ينتظر فيه قرب الوصال، والتقرب بينهما.
الشاهد: في "حين"؛ روى بالفتح على البناء، في محل جر بعلى، مع إضافته لجملة اسمية. وبهذا يرد على البصريين؛ والذين يمنعون البناء في هذه الحالة، وإن كان الإعراب أكثر. وإلى ما ذكر في هذا الفصل، يشير ابن مالك بقوله:
وابن أو أعرب ما كـ"إذ" قد أجريا … واختر بنا متلو فعل بنيا
وقبل فعل معرب أو مبتدا … أعرب ومن بنى فلن يفندا
أي يجوز البناء والإعراب في كل اسم زمان حمل على "إذ"، وكان مثلها في المعنى، والمختار بناء ما يتلوه فعل مبني، وإعراب ما وقع قبل فعل معرب، أو قبل مبتدأ "المراد: جملة اسمية". ومن بني في جميع الأحوال، فلن يفندا؛ أي يغلط.
هذا: وهنالك ألفاظ غير زمانية، ولكنها تشبه الزمان؛ في ارتباطها بالوقت والزمن؛ مثل آية بمعنى علامة، وهذه تضاف جوازًا إلى الجملة الفعلية، التي فعلها متصرف، ويغلب أن يأتي بمعنى علامة، وهذه تضاف جوازًا إلى الجملة الفعلية، التي فعلها متصرف، ويغلب أن يأتي بعدها "ما" النافية أو المصدرية، وتعرب على حسب ما تستحقه قبل الإضافة؛ كقول الشاعر:
ألا من مبلغ عني تميما … بآية ما يحبون الطعاما
بآية يقدمون الخيل شعثا … كأن على سنابكها مداما
فكلمة آية معربة، مضافة إلى المصدر المؤول في البيت الأول، وإلى الجملة المضارعية في الثاني.
стр. 763
فصل: مما يلزم الإضافة "كلا" و"كلتا" (١)، ولا يضافان إلا لما استكمل ثلاثة شروط:
أحدها: التعريف (٢)؛ فلا يجوز: كلا رجلين، ولا كلتا امرأتين، خلافا للكوفيين (٣).
والثاني: الدلالة على اثنين (٤)؛ إما بالنص؛ نحو: كلاهما، و ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾ أو بالاشتراك؛ نحو قوله:
كلانا غني عن أخيه حياته (٥)(١) أي للإضافة لفظا ومعنى، وكلا وكلتا مفردان لفظا، مثنيان معنى، يدلان على اثنين واثنتين، ويجوز في خبرهما، وفي كل ما يحتاج إلى المطابقة بينه وبينهما، مراعاة اللفظ وهو الأفصح، ومراعاة المعنى.
(٢) لأنهما في المعنى يؤكدان ما أضيفتا إليه، والمنكور لا يؤكد عند البصريين.
(٣) فقد أجازوا إضافتهما إلى النكرة المختصة؛ لجواز توكيدها؛ تقول: حضر كلا رجلين عالمين، وكتلا امرأتين شاعرتين، والأحسن الأخذ بهذا الرأي.
(٤) أي شيئين؛ مذكرين أو مؤنثين، واشترط ذلك؛ لأن الغرض منهما تقوية التثنية في المضاف إليه، وتأكيدها، ولا بد أن يطابق التأكيد المؤكد.
(٥) صدر بيت من الطويل، ينسب لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، يخاطب الحسين بن عبد الله، وكان صديقين ثم تهاجرا، وقيل لغيره، وعجزه:
ونحن إذا متنا أشد تغانيا
اللغة والإعراب: معاني المفردات واضحة "كلانا" مبتدأ موفوع بالألف، ومضاف إليه. "غني" خبر. "عن أخيه" منصوب على الظرفية، أو على نزع الخافض، ومضاف إليه "ونحن" متبدأ. "إذا متنا" شرط وفعله، وهو اعتراض بين المبتدأ والخبر وهو "أشد". "تغانيا" تمييز.
المعنى: واضح.
الشاهد: إضافة "كلا" إلى الضمير "نا"؛ وهو لفظ مشترك يدل على الاثنين والجماعة؛ فصحت إضافة "كلا" إليه.
стр. 764
فإن كلمة "نا" مشتركة بين الاثنين والجماعة، وإنما صح قوله:
إن للخير والشر مدى … وكلا ذلك وجه وقبل (١)
لأن "ذا" في المعنى، مثلها في قوله تعالى: ﴿لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (٢)، أي: وكلا ما ذكر، وبين ما ذكر.
والثالث: أن يكون كلمة واحدة (٣)؛ فلا يجوز: كلا زيد وعمرو؛ فأما قوله:
كلا أخي وخليلي واجدي عضدا (٤)(١) لعبد الله بن الزبعري، أحد شعراء قريش، من قصيدة قالها بعد غزوة أحد، يتشفى بالمسلمين، وكان وقتئذ لا يزال على جاهليته، ثم أسلم بعد، وقبله النبي ﷺ وأمنه بعد فتح مكة.
اللغة والإعراب: مدى؛ المدى: غاية الشيء ونهايته. وجه: جهة، ومستقبل كل شيء وجهه. قبل، القبل: المحجة الواضحة. "للخبر" جار ومجرور خبر "إن" مقدم. "مدى" اسمها مؤخر. "وكلا" الواو عاطفة. "كلا" متبدأ مرفوع بضمة مقدرة على الألف. "ذلك" ذا: اسم إشارة مضاف إليه، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، "وجه" خبر المبتدأ. "وقبل" معطوفة على وجه؛ وسكن للشعر.
المعنى: إن للخير والشر غاية ونهاية، ينتهيان إليها ويقفان عندها، وكلاهما أمر معروف، يستقبله الإنسان ويعرفه، كما يستقبل الوجه. وضبطه بعضهم "قبل"؛ بكسر القاف، وفتح الباء، جمع قلبة؛ أي كلا من الخير والشر بمثابة القبلة التي يتوجه إليها المصلي.
الشاهد: إضافة "كلا" إلى مفرد لفظا، مثنى معنى؛ وهو ذلك؛ لأنه عائد على اثنين هما: الخير والشر.
(٢) أي بين الفارض والبكر؛ والفارض: السنة، والبكر: الفتية، والعوان: النصف.
(٣) فلا يضافان إلى كلمتين متفرقتين؛ لأنهما موضوعان لتأكيد المثنى.
(٤) صدر بيت من البسيط لم ينسب لقائل معين، وعجزه:
في النائبات وإلمام الملمات
اللغة والإعراب: الخليل: الصديق. عضدا: سندا يعتمد عليه، ويركن إليه عند
стр. 765
فمن نوادر الضرورات.
ومنها "أي" (١): تضاف للنكرة (٢) مطلقًا؛ نحو: أي رجل، وأي رجلين، وأي رجال؟
الشدائد. النائبات: المصائب التي تنوب الإنسان، جمع نائبة. إلمام: نزول، مصدر ألم؛ أي نزل. الملمات: نوازل الدهر وحوادثه، جمع ملمة. "كلا" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الألف. "أخي" مضاف إليه "وخليلي" معطوف عليه مضاف إلى ياء المتكلم، "واجدي" خبر كالا باعتبار لفظه، وياء المتكلم مضاف إليه، وهي في محل نصب مفعوله الأول. "عضدا" مفعول ثان. "في النائبات" متعلق بواجدي.
المعنى: كل من أخي وصديقي يجدني عند حلول المصائب والشدائد، ونزول حوادث الدهر ونوائبه، معينا وركنا يستند إليه، وناصرا ينصره ويساعده.
الشاهد: إضافة "كلا" إلى متعدد، مع التفريق بالعطف؛ وهو أخي وخليلي، وهذا نادر كل الندرة، ولا تضاف كلا وكلتا لشيء من الضمائر غير "نا" و"الكاف" المتصلة بالميم والألف، والهاء كذلك؛ تقول: كلانا، كلاكما، كلاهما، وكذلك كلتا.
وإلى كلا وكلتا وشروطهما أشار الناظم بقوله:
لمفهم اثنين معرف بلا … تفرق أضيف "كلتا" و"كلا"
أي أضيفت كلتا وكلا لمفهم اثنين -أي لما يدل عليه اثنين- مع تعريفه، وعدم تفرق أفرداه؛ فقد أجيز: بين محمد وعلي، واشترك محمد وعلي، ولم يجز العطف في كلا وكلتا، مع عدم التفريق بينه، وبين سابقيه، والعلة في ذلك: الورود عن العرب.
(١) "أي" الملازمة للإضافة خمسة أنواع: نوعان ملازمان للإضافة لفظا ومعنى؛ وهما: الوصفية، التي تقع نعتا، والحالية، التي تقع حالا، وثلاثة ملازمة للإضافة معنى لا لفظا؛ وهي: الاستفهامية، والشرطية، والموصولة؛ فيحوز قطعها عن الإضافة لفظا، مع نية المضاف إليه، وحينئذ تنون؛ ليكون التنوين عوضا عن المحذوف.
(٢) كل الأنواع المتقدمة، ما عدا الموصولة، فلا تضاف إلا لمعرفة؛ كما سيأتي.
стр. 766
وللمعرفة (١) إذا كانت مثناة،؛ نحو: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ﴾، أو مجموعة؛ نحو: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ولا تضاف إليها مفردة (٢) إلا إن كان بينهما (٣)؛ جمع مقدر (٤)؛ نحو: أي زيد أحسن؟ إذا المعنى: أي جزاء زيد أحسن؟ أو عطف عليها مثلها بالواو (٥)، كقوله:
أيي وأيك فارس الأحزاب (٦)(١) إن كانت استفهامية، أو شرطية، أو موصولة.
(٢) أي لا تضاف "أي" المذكورة إلى المعرفة المفردة.
(٣) أي بين "أي" وبين المعرفة المفردة.
(٤) أي لفظ يدل على جمع؛ وهو "أجزاء" في المثال المذكور، أو قصد الجنس بالمضاف إليه؛ نحو: أي الدينار دينارك؟، وأي الكسب أطيب؟.
(٥) أي تكررت بعطف معرفة مفردة على الأولى بالواو خاصة. ولا يشترط إضافة الأولى منهما إلى ضمير المتكلم، خلافا لبعضهم، فيصح أن يقال: أيك وأي محمد أفقه؟ وأي على، وأي محمد أفضل؟
(٦) عجز بيت من الكامل، لم يعلم قائله، وصدره:
فلئن لقيتك خاليين لتعلمن
اللغة والإعراب: خاليين: منفردين ليس معنا أحد. الأحزاب: جمع حزب؛ وهو الجماعة من الناس أمرهم واحد. "فلئن" اللام موطئة للقسم، وإن حرف شرط جازم، "لقيتك" فعل الشرط. "خاليين" حال من الفاعل والمفعول في لقيتك، "لتعلمن" اللام واقعة في جواب القسم، وتعلمن مضارع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد، وجواب الشرط محذوف، يدل عليه جواب القسم "أيي" مبتدأ ومضاف إليه، "وأيك" معطوفة على أيي. "فارس الأحزاب" خبر ومضاف إليه، وجملة المبتدأ والخبر سدت مسد مفعولي "تعلم"؛ المعلق بسبب الاستفهام.
المعنى: يتوعد الشاعر محدث، ويقول له: إذا تقابلنا منفردين، ليس معنا أحد، ونزل كل منا إلى صاحبه، فستعلم أينا الفارس المغوار، الذي لا ينازعه أحد.
الشاهد: إضافة "أي" إلى مفرد معرفة؛ لتكرارها بعطف مثلها عليها بالواو.
стр. 767
إذ المعنى: أينا. ولا تضاف "أي" الموصولة إلا لمعرفة (١)؛ نحو: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ خلافا لابن عصفور (٢). ولا "أي" المنعوت بها، والواقعة حالا، إلا لنكرة (٣)؛ كمررت بفارس، أي فارس، وبزيد، أي فارس. وأما الاستفهامية والشرطية، فيضافان إليهما (٤)؛ نحو: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾، ﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ
(١) لأنه يراد بها معين، والصلة لا تستقل بذلك مع أي؛ لتوغلها في الإبهام، فلا بد من إضافتها لمعرفة، ولا بد أن تدل المعرفة على متعدد، أو يعطف مثلها بالواو؛ كما سلف.
(٢) فقد أجاز إضافتها للنكرة.
(٣) أي غالبًا؛ لأن نعت النكرة، والحال ينبغي أن يكون نكرتين، وينبغي أن تكون هذه النكرة مماثلة للمنعوت؛ لفظا ومعنى، أو معنى فقط؛ كما مثل المصنف.
(٤) أي إلى النكرة والمعرفة، وذلك؛ لأن معنى الاستفهام، والشرط يؤدي بهما.
وخلاصة ما تقدم أن لأي ثلاثة أحوال:
أ- الإضافة إلى النكرة والمعرفة، في الشرطية والاستفهامية، ويضافان إلى النكرة مطلقا؛ سواء كانت لمتعدد أو غير متعدد، وهما حينئذ بمعنى المضاف إليه كاملا؛ ولذا يكونان بمعنى "كل"، ويشترط في المعرفة أن تكون لمتعدد، ويكونان معها بمعنى "بعض"، ويجوز قطعهما عن الإضافة؛ فمثال الشرطية في قوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، ومثال الاستفهامية أن تقول: أكرمت رجلًا؛ فيقال لك: أيا يا فتى؟
ب- الإضافة إلى النكرة في الوصفية والحالية، ومعنى الوصفية: الدلالة على بلوغ المنعوت الغاية؛ مدحا أو ذما؛ ويشترط أن تكون النكرة مماثلة للمنعوت؛ لفظا ومعنى، أو معنى فقط والوصفية لا تتكرر، ولا تنوى بها الأجزاء، وتدل الحالية على ما تدل عليه الحال؛ من بيان هيئة صاحبها المعرفة.
جـ- الإضافة إلى المعرفة في "أي" الموصولة؛ وهي بمعنى الذي؛ ويشترط في المعرفة أن تدل على متعدد بالإضافة، أو بالعطف بالواو على مثل المتقدم، كما سبق بيانه، ويراعى لفظه في المطابقة، وقد تقطع عن الإضافة لفظا؛ تقول: أكرم أيا هو أفضل.
وفي "أي" وأحكامها، يقول الناظم:
ولا تضف لمفرد معرف … "أيا" وإن كررتها فأضف
стр. 768
قَضَيْتُ﴾ (١)، ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾، وقولك: أي رجل جاءك فأكرمه.
ومنها لدن (٢) بمعنى عند، إلا أنها تختص بستة أمور:
أحدها: أنها ملازمة لمبدأ الغايات (٣)؛. . . . . . . . . . .
أو تنو الاجزا واخصصن بالمعرفه … موصولة "أيا" وبالعكس الصفه
وإن تكن شرطًا أو استفهاما … فمطلقا كمل بها الكلاما
أي: لا يجوز إضافة "أي" للمفرد المعرفة، إلا مع تكرارها أو مع نية الأجزاء والمراد: الاستفهامية، والشرطية، والموصولة؛ لأنها هي التي تضاف إلى المعرفة والموصولة تختص بالمعرفة. أما الشرطية والاستفهامية؛ فيجوز إضافتهما للنكرة كما يوضحه الإطلاق بعد.
وتختص الصفة بنوعيها؛ النعتية والحالية، بعكس الموصولة؛ أي بالإضافة إلى النكرة، ثم بين إن الشرطية والاستفهامية يكمل بهما وبما أضيفتا إليه الكلام مطلقا؛ سواء أضيفتا إلى المعرفة أو إلى النكرة.
(١) مثالان للاستفهامية والشرطية المضافتين إلى معرفة، وما بعدها للمضافتين إلى نكرة.
(٢) هي ظرف مبهم يدل على بدء الغاية الزمانية أو المكانية، والمراد بالغاية: ما يدل عليه الكلام بعدها من المقدار الزمني أو المسافة المكانية، من حيث يكون البدء بها. وتجر ما بعدها بالإضافة لفظا إن كان معربا، ومحلا إن كان مبنيا أو جملة.
(٣) أي أول المسافات المكانية أو المقادير الزمانية، فمسماها نقطة البداية ودخول "من" التي للابتداء عليها؛ لتدل على هذا المعنى المراد منها؛ لأن غير مألوف في الأسماء أما "عند" فتكون لمبدأ الغابات كثيرا، وللدلالة على الحضور المجرد؛ نحو: جلست عندك. ويندر أن يقال: جلست لدنك، وإنما تكون "عند" لابتداء الغاية كثيرا إذا دخلت عليها "من" الابتدائية، فإن لم تدخل عليها "من"، كانت للدلالة على مجرد الحضور.
стр. 769
فمن ثم يتعاقبان (١) في نحو: جئت من عنده ومن لدنه، وفي التنزيل: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾؛ بخلاف نحو: جلست عنده؛ فلا يجوز فيه جلست لدنه؛ لعدم معنى الابتداء هنا (٢).
الثاني: أن الغالب استعمالها مجرورة بمن (٣).
الثالث: أنها مبنية (٤) إلا في لغة قيس (٥)، وبلغتهم قرئ: ﴿مِنْ لَدُنْه﴾.
الرابع: جواز إضافتها إلى الجمل (٦)؛ كقوله:
لدن شب حتى شاب سود الذوائب (٧)(١) أي يتداولان على شيء واحد.
(٢) لأن المقصود: جلست في مكان قريب منه.
(٣) فتكون مبنية على السكون في محل جر، ولم ترد في القرآن الكريم إلا كذلك. ومن القليل تجردها للظرفية، وحينئذ تكون مبنية على السكون في محل نصب. أما "عند" فتنصب كثيرا على الظرفية، أو تجر بمن، وجرها بمن -على كثرته- قليل بالنسبة لجر "لدن" بها.
(٤) بخلاف "عند" فإنها معربة عند أكثر العرب.
(٥) فإنها معربة عندهم تشبيها بعند، وإعرابها عندهم مخصوص بالمشهور فيها، وهو "لدن"، وقد سكنت الدال للتخفيف مع الإشمام بالضمة، والأصل ضمها وزعم الفارسي أن "لدن" في الآية على هذه القراءة مبنية، والكسرة للتخلص من الساكنين: سكون الدال، والنون لأجل بناء لدن.
(٦) وإذا أضيفت للجملة تمخضت للدلالة على بداية الغاية الزمانية دون المكتابة، لأن الأرجح أنه لا يضاف إلى الجملة من ظروف المكان، غير "حيث" كما تقدم.
(٧) عجز بيت من الطويل، لعمير بن شييم المعروف بالقطامي الشاعر، وصدره:
صريع غوان راقهن ورقنه
اللغة والإراب: صريع: مصروع، وهو المطروح على الأرض. غوان: جمع غانية.
стр. 770
الخامس: جواز إفرادها قبل "غدوة" (١)؛ فنصبها: إما على التمييز (٢) أو على التشبيه بالمفعول به (٣) أو على إضمار "كان" واسمها (٤). وحكى الكوفيون رفعها على إضمار "كان" تامة (٥). والجر القياس (٦) والغالب في الاستعمال.
وهي المرأة الحسناء التي استغنت بجمالها عن التزين. راقهن: أعجبهن، وروي: شاقهن؛ أي بعث الشوق إلى أنفسهن: الذوائب: جمع ذؤابة، وهي الضفيرة من الشعر. "صريع غوان" خبر لمبتدأ محذوف ومضاف إليه. "راقهن" الجملة صفة لغوان. "وشقنه" معطوف على راقهن. "لدن" ظرف زمان تنازعه العوامل الثلاثة. صريع، ورقهن، ورقنه، وهو مضاف إلى جملة "شب". "حتى" حرف غاية وجر. "سود الذوائب" فاعل شاب ومضاف إليه، من إضافة الصفة إلى الموصوف.
المعنى: أن هذا المخاطب مصروع ومغلوب على أمره، بسبب هؤلاء الغانيات الفاتنات، اللاتي تعلقن به، وقد أعجبب وتعلق بهن منذ نشأ، حتى شابت ذوائبه فأعرضن عنه، وأعرض عنهن قهرا.
الشاهد: إضافة "لدن" إلى جملة "شب" وفاعله المستتر فيه جوازا.
(١) أي قطعها عن الإضافة لفظا ومعنى، من غير أن يفصل بينها فاصل.
(٢) أي للدن؛ لأن نونها تشبه التنوين، ويكون من تمييز المفرد سماعًا؛ لأنها اسم لأول زمن مبهم، فسر بغدوة.
(٣) لأن "لدن" تشبه اسم الفاعل، في أن نونها تثبته تارة وتحذف أخرى، مثله.
(٤) وتكون "غدوة" خبرا، والأصل: لدن كان الوقت غدوة. وهذا الوجه حسن؛ لبعده عن التكلف؛ ولأن فيه إبقاء "لدن" على ما ثبت لها من الإضافة إلى الجملة.
(٥) وتكون غدوة فاعلا، والتقدير: لدن كانت غدوة؛ أي وجدت وظهرت، وعلى هذا تكون "لدن" ظرفا مضافا إلى الجملة تقديرا. وقيل: مرفوع بلدن لشبهها بالفاعل، كما عملت "يا" في المنادى لنيابتها عن أدعو.
(٦) أي بإضافة "لدن" إليها كما تجر سائر الظروف. أما "عند" فلا ينقطع عن الإضافة إلا إذا كان اسما محضا وبعد عن الظرفية.
هذا: ولا ينصب بعد "لدن" من الأسماء إلا غدوة، ولا تكون غدوة إلا منونة أما "عند".
стр. 771
السادس: أنها لا تقطع إلا فضلة (١)؛ تقول: السفر من عند البصرة (٢)، ولا تقول: من لدن البصرة.
ومنها "مع": وهو اسم لمكان الاجتماع (٣)، معرب إلا في لغة ربيعة وغنم (٤) فتبنى
(١) لأنها ظرف غير متصرف، فهي مقصورة على النصب على الظرفية أو الجر بمن. أما "عند" فلا.
(٢) فالجار والمجرور خبر عن السفر.
هذا: وتأتي "عند" ظرفا للأعيان والمعاني؛ تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به، ويندر ذلك في "لدي" قيل: ومنه قوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾.
وتقول: عندي مال وإن كان غائبا عنك. ولا تقول: لدي مال إلا إذا كان حاضرا، وفي "لدن" يقول ابن مالك.
وألزموا إضافة "لدن" فجر … ونصب "غدوة بها عنهم ندر
أي أن العرب ألزموا "لدن" الإضافة فجر المضاف إليه، وقد يتجرد عن الإضافة وينصب كلمة "غدوة" دون غيرها نادرا.
(٣) هي ظرف مكان أو ظرف زمان، يدل على اجتماع والتقاء بين اثنين في مكان واحد أو زمان واحد، وإرادة المكان أو الزمان توضحه القرائن. مثال دلالته على المكان: التواضع مع الغنى كرم نفس. ومثال الزمان: يذهب الفلاح إلى الحقل في الصباح الباكر. وهي حينئذ ظرف غير متصرف ملازم في الغالب للإضافة لفظا ومعنى، معرب منصوب على الظرفية؛ ولأنها اسم يخبر بها عن الذوات؛ تقول: محمد معك. وتأتي بمعنى "عند" فتفيد الحضور المجرد، ولا تدل على اجتماع ومصاحبة، وتكون حينئذ معربة مضافة، واجبة الجر بمن الابتدائية؛ نحو: من أراد البذل فلينفق من معه لا من مع غيره.
(٤) ربيعة: إحدى قبليتين عظيمتين تفعرت إليهما العرب العدنانية، والثانية مضر، وربيعة أبو القبيلة. وغنم: قبيلة أبوها ورئيسها غنم بن تغلب وائل.
стр. 772
على السكون (١)؛ كقوله:
فريشي منكم وهواي معكم (٢)
وإذا لقي الساكنة ساكن جاز كسرها وفتحها (٣)؛ نحو: مع القوم، وقد تفرد بمعنى "جميعا" (٤) فتنصب على الحال (٥)؛ نحو: جاءوا معًا.
(١) لجمودها بملازمتها الظرفية ولتضمنها معنى حرف المصاحبة، وهي على اللغة حرف جر.
(٢) صدر بيت من الوافر، نسبه الشاطبي إلى الراعي النميري، ونسبه العيني إلى جرير، من كلمة يمدح فيها هشام بن عبد الملك بن مروان، وعجزه:
وإن كان زيارتكم لماما
اللغة والإعراب: الريش اللباس الفاخر، ومثله الرياش، أو المال والخصب ونحوهما. هواي، الهوى: الميل القلبي. لماما: أي في بعض الأحايين، وقتا بعد وقت.
"فريشي" مبتدأ مضاف لياء المتكلم. "منكم" متعلق بمحذوف خبر. "معكم" ظرف مكان مبني على السكون في محل نصب متعلق بمحذوف خبر هواي. "وإن كانت" شرط وفعله، "زيارتكم" اسم كان ومضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله أو مفعوله. "لماما" خبر كان، وجواب الشرط محذوف يدل عليه السياق.
المعنى: كل ما عندي من لباس فاخرا أو مال وعيش خصب هو منكم ومن فضلكم، وأنا محب لكم وقلبي متعلق بكم، وإن كانت زيارتكم لي قليلة لا تدل على موالاتكم لي، أو زيارتي لكم قليلة.
الشاهد: بناء "مع" على السكون على لغة ربيعة، والمشهور فتحها على أنه معربة، والفتحة للإعراب.
(٣) فتبنى على الكسر للتخلص من الساكنين، أو على الفتح للخفة.
(٤) معناها في هذه الحالة: الدلالة على مجرد اصطحاب اثنين أو أكثر واجتماعهما، ولا تدل على اتحاد في الزمان أو المكان إلا بقرينة، وتكون حينئذ معربة منصوبة منونة، ولا حظ لها في الإضافة.
(٥) وقد تعرب ظرفا مخبرا به عن المبتدأ؛ نحو: المجاهدان معا، وتستعمل للجمع مطلقا، كما
стр. 773
ومنها "غير": وهو اسم دال على مخالفة ما قبله لحقيقة ما بعده (١). وإذا وقع بعد "ليس" وعلم المضاف إليه (٢): جاز ذكره كقبضت عشرة ليس غيرها (٣)، وجاز حذفه
تستعمل للاثنين؛ تقول: المجاهدون معًا؛ أي مجتمعون وموجودن معا … إلخ. واختلف النحاة في "مع" أهي ثنائية الوضع؟ أم ثلاثية حذفته لامها، وأصلها معي؟ وخير الآراء: أن الظرفية ثنائية الوضع معربة يحذف تنوينها عند الإضافة، وتقع حالا أو خبرا على حسب السياق، وهي متعلقة بمحذوف، أما المنونة التي تجردت عن الظرفية؛ فإن أعربت حالا كانت منصوبة بالفتحة الظاهرة إن اعتبرت ثنائية، أو بفتحة مقدرة على الألف المحذوفة -لالتقائها ساكنة مع التنوين- إن اعتبرت ثلاثية. وإن أعربت خبر؛ فلا بد من اعتبارها ثلاثية مرفوعة بضمة مقدرة على الألف المحذوفة لفظا لا خطا، أما من يعربها خبرا وهي ثنائية، فيحتم بناءها على الظرفية، وتعليقها بمحذوف هو الخبر، كما ذكرنا.
وفي "مع" يقول ابن مالك:
ومع "مع" فيها قليل ونقل … فتح وكسر لسكون يتصل
أي أن لفظ "مع" فيها لغة قليلة هي: "مع" بسكون العين، ونقل عن العرب في هذه: الفتح والكسر، إذا جاء بعدها ساكن متصل بها لم ينفصل منها بفاصل.
(١) أما في ذاته وحقيقته؛ كمررت بجرل غيرك. أو في وصف من الأوصاف العرضية التي تطرأ على الذات؛ نحو: خرج الطالب من الامتحان بوجه غير الذي دخل به، وهو اسم محض لا ظرفية فيه.
(٢) أي: بأن دل عليه دليل، ونوى نص لفظه لا معناه، ومصل "ليس"، "لا" النافية عند بعض النحاة.
(٣) برفع "غير" على أنها اسم "ليس" وخبرها محذوف، والتقدير ليس غيرها مقبوضا، وبنصها على أنها خبر "ليس" واسمها محذوف، والتقدير ليس المقبوض غيرها.
стр. 774
لفظا (١) فيضم بغير تنوين (٢). ثم اختلف، فقال المبرد: ضمة بنا؛ لأنها كقبل في الإبهام، فهي اسم أو خبر (٣). وقال الأخفش: إعراب؛ لأنها اسم ككل وبعض لا ظرف كقبل وبعد، فهي اسم لا خبر. وجوزهما ابن خروف (٤). ويجوز الفتح قليلًا مع التنوين ودونه (٥)، فهي خبر، والحركة إعراب باتفاق؛ كالضم مع التنوين (٦).
(١) أي إذا نوي معناه، بأي لفظ آخر يؤدي المعنى المقصود دون لفظه.
(٢) ويحذف التنوين لنية معنى المضاف إليه.
(٣) أي اسم لليس في محل رفع، أو خبر لها في محل نصب، والآخر محذوف، والتقدير كما سلف.
(٤) فعلى البناء هي اسم "ليس" أو خبرها، وعلى الإعراب هي اسم لا خبر.
(٥) أما مع التنوين فلقطعها عن الإضافة لفظا، ومعنى، وأما مع عدمه لفنية لفظ المضاف إليه.
(٦) وتكون "غير" اسم ليس: وإجمال القول: أن "غير" تعرب بالحركات كلها بدون تنوين على حسب الجملة قبلها؛ إذا أضيفت لفظا ومعنى، وكذلك الشأن إذا حذف المضاف إليه ونوي لفظه، وسبقتها "ليس" أو"لا" النافيتان. وإذا قطعت عن الإضافة نهائيا، ولم ينو لفظ المضاف ولا معناه، أعربت كذلك بالحركات كلها، ولكنها تكون منونة، أما إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه دون لفظه، فتبنى على الضم من غير تنوين، وتبنى على الفتح إذا كان المضاف إليه المحذوف المنوي لفظه -مبنيا. وإذا لم تسبق "غير" "بليس" ولا "بلا" النافيتين، استعملت نعتا أو نصبت على الاستثناء، على حسب الحالة، وارتضى بعض النحاة: جواز إعراب "غير" وبنائها عند حذف المضاف إليه مطلقا؛ سواء نوى لفظه أم نوى معناه، وحسنه الكثيرون.
هذا: وإذا حلت "لا" النافية للجنس محل "ليس"، جاز في "غير"؛ البناء على الض في محل نصب على أنها اسم لا، والمضاف إليه محذوف منوي المعنى، وكذلك الخبر، ويجوز البناء على الفتح في محل نصب كذلك. وإذا كانت "لا" للوحدة بنيت "غير" على الضم في محل رفع على أنها اسم "لا"، والمضاف إليه محذوف منوي معناه، والخبر محذوف كذلك. ويجوز رفعها بتنوين وبغير تنوين، على حسب قطعها عن الإضافة أو نية لفظ المضاف إليه. وفي "غير" يقول الناظم:
стр. 775
ومنها "قبل" و"بعد" (١): ويجب إعرابها في ثلاث صور:
إحداها: أن يصرح بالمضاف إليه؛ كجئتك بعد الظهر وقبل العصر، ومن قبله ومن بعده (٢).
الثانية: أن يحذف المضاف إليه وينوى ثبوت لفظه، فيبقى الإعراب وترك التنوين كما لو ذكر المضاف إليه؛ كقوله:
ومن قبل نادى كل مولى قرابة (٣)
واضمم بناء "غيرا" ان عدمت ما … له أضيف ناويًا ما عدما
أي اضمم لفظ "غير" ضمة بناء؛ إن عدمت؛ أي حذف ما أضيف له "غير" وقد نوى هذا المحذوف، واقتصر الناظم على هذا ولم يذكر باقي الحالات، وبعضه يعلم مما ذكره في نظائر "غير"، بعد.
(١) هما: اسمان ظرفان؛ يدل أولهما على سبق شيء على آخر، وتقدمه عليه في الزمان أو المكان الحسي أو المعنوي، ويدل الثاني على تأخر شيء على آخر كذلك، وهم ملازمان للإضافة غالبا.
(٢) في المثال الأول، نصبا على الظرفية الزمانية، وفي الثاني جرا بمن؛ وتقول في المكان: دارنا قبل داركم، أو بعدها.
(٣) صدر بيت من الطويل، لم يعرف قائله، وعجزه:
فما عطفت مولى عليه العواطف
اللغة والإعراب: من قبل: أي من قبل ما حدث. مولى: للمولى معان كثيرة؛ منها: ابن العم، والسيد، والناصر، والقريب، والأول أو الأخير، هو المراد هنا. عطفت: أمالت