ولنذكر قصيدته الجيدة التي رثى بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب لما توفي ومطلعها:
مصاب دهى قلبي فأذكى غلائلي ... وأصمى بسهم الافتجاع مقاتلي
إلى أن قال:
إمام الهدى ما حي الردى، قامع العدى ... ومروى الصدى من فيض علم ونائل
وقال عنه:
إمام الورى علامة العصر قدوتي ... وشيخ الشيوخ الحبر فرد الفضائل
محمد ذو المجد الذي عز دركه ... وجل مقاما عن لحوق المطاول
إلى عابد الوهاب يعزى أنه ... سلالة أنجاب زكي الفضائل
إلى أن قال:
لقد أشرقت نجد بنور ضيائه ... وقام مقامات الهدى بالدلائل
إلى آخر القصيدة وهي طويلة تنيف على المائة بيتا أوردت منها شطرا في ترجمة الشيخ فيمن رثاه ﵀، وما أوردته هناك يناسب
стр. 1017
ايراده هنا ولكن تفاديا للتكرار أحيل عليه.
وأما في العصر الحاضر ففي اليمن كثير من أهل السنة والجماعة وبعضهم كان سبب هدايته إلى مذهب السلف هو ما تلقاه في جامعات المملكة، وما سمعه من مشايخ الدعوة وما توصل إليه من بحثه في ميراث الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فاقتنع اقتناعا حرا بصحة عقيدة السلف الصالح، وصار من الدعاة إليها وإلى نشرها في بلاده.
أثرها في الشام:
وفي الشام كان لها أثر جيد وقد اطلعت على رسالتين صغيرتين إحدهما بعنوان: النفخة على النفحة لمؤلفها الشيخ ناصر الدين الحجازي الأثري وقد شغلت ٥٦ صفحة من الوسط، والثانية بعنوان: نظرة في النفحة الزكية في الرد على الوهابية مؤلفها أبو اليسار الدمشقي الميداني في ٣٤ صفحة من الوسط وكأنها ذيل للأولى وتعليق. عليها طبعتا في مجلد واحد سنة ١٣٤٠ هـ. بمطبعة الترقي بدمشق.
والأولى عبارة عن رد بليغ صدر من عالم محقق يتقي الله، ويلتزم في رده الحكمة والموعظة الحسنة والإنصاف في المحاجة. جاء في أولها بعد البسملة والحمد لله، والثناء على الله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ أنه بينما كان سائرا في إحدى طرق مدينة دمشق إذ بصر برجل عليه سيما العلم وبيده رسائل يوزعها فأهداه رسالة وهو يرتجف ويشير إلى أنه أبدع فيما كتب، فذهب ناصر الدين إلى أحد مساجد البلد ووجد أحد
стр. 1018
أهل العلم فيه فلما أبصره والرسالة بيده هز رأسه وقال ما هذه الرسالة؟ فأجابه بأنه رأى عنوانها وأن من حاكها أسماها (النفحة الزكية في الرد على شبه الفرقة الوهابية) ومؤلفها يزعم أنه من أكابر علماء دمشق يقال له الشيخ عبد القادر الإسكندراني المنتحل لنفسه لقب الكيلاني، فأجابه ذلك العالم الذي في المسجد بأن مُدعِي هذه الرسالة إنما أغار على كتاب الفجر الطالع لجميل صدقي الزهاوي وعلى ما لفقه الشيخ دحلان فأخذ ما اختاره منهما ولم يزد من عنده إلا أحرفا يسيرة فدهش ناصر الدين وأخذ الرسالة يتصفحها ثم رآها على غير قاعدة المحققين، وإنما هي تلفيقات فانتدب لنقضها بأسلوب العالم المتزن ومسلك المحقق الذي بينه كمنهج لرده. ويمكن تلخيصه، بنقاط هي:
١- أن المحققين ينزهون أنفسهم عن السباب والشتم لمن يردون عليه.
٢- يجعلون نصب أعينهم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ .
٣- وإن من يرد على أحد في كلامه يأخذ جملة من كلامه فيبين الغلط فيها ثم جملة وجملة حتى يستوفي الكلام بلا تحامل ولا اعتساف.
٤- وأن يتلو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ .
ولكن صاحب الرسالة كما قال ناصر الدين لم يسلك في رده ذلك المسلك فأراد ناصر الدين خدمة الحقيقة فقال إن صاحب النفحة صدر
стр. 1019
رسالته بما لفقه الشيخ أحمد دحلان في آخرتاريخ أمراء البيت الحرام وسلك موطىء قدمه حذو النعل بالنعل بلا تأمل ولا تدبر، ولاشك أن الله تعالى يجمع الكل يوم القيامة ثم ينبئهم بما كانوا يعملون.
قال ناصر الدين: وقبيح بمؤلف يملأ كتابه بالإِفتراء والتعدي وفي قصة الإفك أعظم رادع لمن كان يؤمن بالله ورسوله، ويطلب النجاة لنفسه فيحاسبها خاليا، ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ . ومهما تملق المتملقون، واستتر المراؤون فإن الله لا تخفى عليه خافية، ولابد أن يشف الباطل عن الحق، فيظهر ناصعا واضحا، وإليك جملا من كلام صاحب الرسالة تدل على افترائه بما ادعاه.
إلى أن قال: "ومن طبعه الوقوع في أعراض الناس يرى لذلك لذة ولا يحلو في ذوقه إلا الغيبة والنميمة واتباع الهوى" ثم نقل عنه قوله عن محمد بن سعود. أمير الدرعية بلاد مسيلمة فقال ناصر الدين له: "هب أننا سلمنا أنها بلاد مسيلمة فما الذي تراه من ذمها؟! أليست مصر كانت بلاد فرعون وهامان وقارون؟. وما الإسكندرية إلا من بعض بلاد مصر؟! أليست بابل كانت بلاد نمرود؟! أليست مكة كانت موطن أبي جهل وأبي لهب وأضرابهما؟! أليست فلسطين كانت بلاد قوم لوط؟!
هل ضر هذه البلاد شيء من ذلك؟ أم هل تناقص قدرها؟! أَلم تعلم أن أول من أسس هذا القياس من أخبر الله عنه أنه قال: "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين"؟ وما إِخالك يرعاك الله إلا أنك بعد هذا
стр. 1020
تتبع الحق وتحسن النظر في القضية.
وقال ناصر الدين عن صاحب الرسالة أنه قال عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وممن أخذ عنهم الشيخ محمد حياة السندي والشيخ محمد ابن سليمان الكردي وكانا يتفرسان فيه الالحاد ويحذران الناس دسائسه" فقال ناصر الدين: أقول "لو أنصف لعلم أنه يطعن في هذين العالمين وذلك أن كلا منهما أجاز ابن عبد الوهاب بإِجازة مطولة، وأجاز له أيضا الشيخ عبد الله بن إبراهيم نزيل المدينة والمشهور بها كما ذكره صاحب كتاب التوضيح عن توحيد الخلاق، وأخذ أيضا عن الشيخ إِسماعيل العجلوني محدث الديار الشامية والشيخ علي أفندي الداغستاني وكلهم أجاز له. فكيف يتفرسان فيه الإلحاد ويجيزانه ويمدحانه في إجازاتهما؟! وهل هذا إلا مكابرة؟! إلى غير ذلك ممَّا افتراه من غير دليل ولا ثبت، سوى سوء الظن بذلك الرجل فالله يلهمنا رشدنا ويهدينا سواء السبيل. وقال ناصر الدين: "ادعى ذلك الكاتب أنه يتعجب من شر ذمة تروج في دمشق العقيدة الفاسدة والآراء المضللة الخ".
فقال ناصر الدين يالله العجب! هل من يدعو إلى الله ورسوله ﷺ وإلى عقيدة السلف يعد ضالا مضلا؟! والذي يدعو إلى الترهات يعد صالحا؟! على رسلك! تمهل! وانظر ما كان عليه السلف الصالح والأئمة المجتهدون من الاعتقاد، وتأمل مقالات أبي الحسن الأشعري في الإبانة وعقيدة الإمام الطحاوي، وما قاله الإمام البيهقي في كتاب الأسماء
стр. 1021
والصفات، وما قاله الإمام الذهبي وغيرهم من أساطين العلماء في التوحيد ثم ارجع إلى نفسك وقل ما شئت وتأمل أيضا ما قاله علماء المذاهب الأربعة الموثوق بهم فيما الناس عليه من البدع ثم احكم بما شئت (ألم يأتك والأنباء تنمي ما قاله الإمام الشاطبي وابن الحاج في المدخل وأبو شامة في كتابه الباعث وابن وضاح وغيرهم من الأئمة، فإِن كنت تعد أمثال هؤلاء وهابية فيا برد الذي قالت على كبدي.
وهكذا يمضي حتى أجهز على نفحته التي ليست بزكية بنفخة أطارتها. وكذلك الرسالة الثانية والتي عنوانها: نظرة في رسالة النفحة الزكية في الرد على شبه الفرقة الوهابية مؤلفها أبو اليسار الدمشقي الميداني.
قال إن صاحب هذه النفحة تناول في ذمه النجديين والشاميين، وآذى في سبه وشتمه الأحياء والأموات، وجعل في طليعة نفحته ترجمة للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ما أظن أن أحدا ممن رزق حظا من التحقيق والمعرفة بحال المترجم وجانبا من الإِنصاف يرضى عنها، لاسيما إذا خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. وقال: لا أحب أن أخوض معه فيما كتبه عن الوهابيين ومن يتهمه بالانتساب إليهم من الدمشقيين، فإن السب لا يعمد إليه إلا عاجز أو صاحب هوى.
ثم نقل عنه قوله: فوا خجلتاه كيف يروق للشرذمة المنتسبة إليهم الموجودة في دمشق المتصفة بالتمدن والحضارة أن تكون تابعة لسكان البوادي وتفتتن بعقائدهم البديهية البطلان، مع أن فيهم من ينتسب إلى
стр. 1022
العلم، ويدعي الفهم؟ إلى أن قال: كيف افتتنوا بتلك الترهات، وانخدعوا بالمموهات، ونهضوا يروجون تلك العقائد الزائفة، والأضاليل الباطلة، ويبثون في أفكار العوام هذا المذهب الذي أطبقت عقلاء الأمة على فساده؟!)) اهـ. قال أبو اليسار: أقول هذه جمل من عباراته العالية، وآدابه السامية، في وصف إخوانه الدمشقيين – دع النجديين وما وصفهم به- عرضناها على القارىء الكريم ليعرف بها مبلغه من الأدب، ودرجته من الحرص على جمع الكلمة والتأليف بين المسلمين في هذا اليوم الأيوم.
وقد نقل لنا غير واحد عن هذا الرجل أنه صار في درسه يذم بعض علماء دمشق وغيرهم من أموات وأحياء ويصرح بأسمائهم وأسماء بعض محلاتهم وأحيائهم وينفر ممن أخذ العلم عنهم، أو سمع شيئا منهم. إلى أن قال: ثم ليت شعري كيف يتهم الفئة الدمشقية بالانتساب إلى الشيخ محمد ابن عبد الوهاب وجماعته، ثم يقول بعد: وقد سألت رجلا منهم (يعني الدمشقيين) عن مذهبه يوما: أشافعي أو حنفي؟ فأجابني بأنه أثري يعني لا ينتسب إلى أحد من المجتهدين ﵃. اهـ.
فإذا كنت تفسر قوله بأنه أثري بعدم الانتساب إلى أحد من الأئمة المجتهدين أنفسهم (رحمهم الله تعالى ورضي عنهم) فكيف تنسبه إلى رجل من أتباع أحمد بن حنبل وهو محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله تعالى) ؟! وكيف يمكنك أن تطابق بين الدعوى والدليل؟!
ثم كيف جاز لك أن تملأ رسالتك من دعوى أن الوهابيين قاطبة
стр. 1023
يكفروننا ويزعمون أنا مشركون وها نحن أولاء نراهم في مساجدنا يصلون خلف أئمتنا مقتدين بهم، ولا تكاد تدخل مسجدا من المساجد وقت الصلاة إلا وتجد بعضهم يؤدي الصلاة فيه مؤتما بإمامه؟! فإذا كانوا يرموننا بالشرك كما زعمت فكيف يقتدون بنا ويصلون معنا؟! وهب أنه كان التطرف والرمي بالشرك والكفر من بعض جهالهم وغلاتهم فهل يصح أن يؤخذ الكل بذنب البعض، ألم يقل تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ؟! وهل يمكنك أن تبرىء جهالنا وغلاتنا من مثل هذا التطرف؟! ولم لا تنصح لعوامنا وتندد بهم وتزجرهم عن تكفير غيرهم كما فعلت بأولئك؟!
ثم ما معنى قوله: كيف يروق للشرذمة المنتسبة إليهم الموجودة في دمشق، المتصفة بالتمدن والحضارة أن تكون تابعة لسكان البوادي؟! أي مدخل للتمدن والحضارة فيما نحن فيه؟! أليس الكلام في التوحيد وما دخله من البدع؟! أليست العقائد والعبادات من الدين الذي أكمله الله تعالى على يد رسوله ﷺ ؟! أليس مبنى الدين على الاتباع المحض؟! هل يجوز فيه التغيير والتبديل والزيادة والنقصان؟! ما معنى التمدن والحضارة في هذا المقام؟!
ثم أي تمدن وحضارة تعني؟! إن كنت تعني مدنيتنا وحضارتنا في هذا الزمان فالجواب أَنّا لا نرى أثرا لهذه المدنية بيننا لا في اختراع ولا في صناعة ولا زراعة ولا تجارة! وإن كنت تريد مدنية أسلافنا فلا يحق لنا
стр. 1024
أن نفتخر بها ونحن قد أضعناها. ولقد تذكرت أن أحد الأوربيين كان يذكر لأحد أفاضل المسلمين ما انتهت إليه أوربا من البسطة في العلم، والسعة في الملك، والاختراع في الفن ويباهي بذلك، فقال له المسلم لنا الفخر لأن هذا الرقي قد أخذتموه عن أساتذتكم العرب وهم آباؤنا. فأجابه الأوربي: لا حق لكم بهذا الفخر ونحن أحق به منكم لأنا أخذنا علوم سلفكم ونشرناها فكنا بعلمهم عاملين، أما أنتم فقد أضعتموها وكنتم لهم عاقين.
قال أبو اليسار: "وإن كنت ترى المدنية في الافتتان باللباس والتفنن بالطعام والشراب والإستكثار من الوظائف والمرتبات من أجل ذلك، فهذا أقبح ما سرى إلى صنف العلماء من الأمور الذميمة، وصدهم عن تخريج الطلاب في العلوم والأدب وتصنيف الكتب وإحياء العلوم. إلى أن قال وإن عند كثير من علمائنا الأغنياء من العلوم والمال ما يستطيعون أن يخدموا به كثيرا من الطلاب، فلو كانت هممهم متوجهة لإِحياء العلوم الشرعية والعربية لقاموا بهذه الوظيفة المقدسة حق القيام، وإذا لازدهرت هاتيك العلوم في هذه الديار أيما ازدهار. وإنك لتجد بعض الشبان والكهول من المشتغلين المجدين الذين قضوا شطرا كبيرا من حياتهم في الجمع بين المعقول والمنقول، والتدقيق في الفروع والأصول، يفتشون عن وظيفة علمية تسند إليهم لينفعوا بعلمهم ويستزيدوا منه ويتمرنوا على العمل، وليستعينوا بالمرتب على أمر معيشتهم فلا يجدون إلى ذلك سبيلا،
стр. 1025
ولا من أحد من أهل العلم مساعدة، ولو بالتخلي عن وظيفة ومرتب زائدين عن حاجتهم، فيضطرون هناك إلى الاشتغال بما يقيهم ذل السؤال والأمر لله.
وقد كان الواجب يتقاضى من يزعم الغيرة على الدين وأهله، ويدعي أنه من حماته ودعاته، أن يساعدهم بكل ما يمكن رحمة بهم، وبمئات الطلاب التي كان يمكن أن تحصل عندهم وتخرج على أيديهم.
من ذا الذي يخدم الدين للدين، والعلم للعلم خدمة خالصة من كل شائبة لا يتقاضى عليها أجرا أو ليس له في مقابلها شيء؟! ألا ليت أصحاب الوظائف الموكول إليهم أمرها يقومون بها ويوفونها حقها كيلا يأكلوا أجورها من دون عمل وهي لم توقف أوتخصص إلا لمن عمل. ثم يقارن أبو اليسار بين الفريقين فيقول:
(حالنا وحال النجديين)
((إذا أردنا أن نقابل بيننا معشر أهل التمدن والحضارة وبين سكان البوادي النجديين الذين تزعم، وتوازن بين سخائنا على نشر العلم وسخائهم وغيرتنا على الدين وغيرتهم، وكانت حالنا ما قدمنا- ورأينا كثيرا من كتب العلم الديني قد طبعها تجارهم، وجعلوها وقفا لله تعالى، ووزعوا الألوف منها على المسلمين في عامة الأقطار، سواء في ذلك أهل البوادى وسكان المدن والأمصار، ولايزالون دائبين على طبع الكتب النفيسة، حريصين على نشرها مجانا يخرجون بها الناس من ظلمات الجهل
стр. 1026
إلى نور العلم والمعرفة ولم تكن تلك الكتب من تأليف أهل نجد فحسب، بل معها كتب أئمتنا وأَجلائنا الدمشقيين وغيرهم كابن تيمية وابن القيم وابن قدامة، وهم يطبعونها ويوزعونها على المسلمين لا يريدون منهم جزاء ولا شكورا، فأي المدنيتين قد عم خيرها، وظهر أثرها، وحق أن يفخر بها أهلها المدنية التي أفسدت علينا ديننا ومرؤتنا، وسلبتنا جل أوصافنا الحميدة، وأكسبتنا أخلاقا ذميمة كالبخل، والكذب، والكبر، والبذخ، والرياء، وتقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، أم تلك المدنية الفطرية التي لم تشبها شائبة الفساد؟! بربك انصف ثم احكم. وهكذا حتى انتهى منها فوقع الحق وبطل ما كانوا يأفكون. وقد نقلت ما نقلت من هاتين الرسالتين لأبين كيف يعاني أصحاب العقيدة السليمة عقيدة السلف الصالح وكيف يعاني من تأثر بالحق والتزمه حيث لا سلطان له، وكيف يتكلمون بالحق وليس معهم سيف ولكن الله يؤيدهم بلطفه ويُيَسِّر لهم من ينصرهم كما نصر الذين من قبلهم ويستخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم.
وقد كتب الإمام الملك عبد العزيز كما ذكرنا في الفصل الرابع لهما كتابا يحمد الله فيه إليهما على ما من به عليهما من معرفة الحق والبصيرة فيه ومعه هدية هي مجموعة الهدية السنية التي جمعها الشيخ سليمان بن سحمان ويوصيهما بلزوم الحق والاستمرار والصبر عليه ويؤيدهما ويدعو
стр. 1027
لهما ويشكرهما على ذلك. وتقدم إيرادنا نص رسالته١.
وفي مقدمة هذه المجموعة التي كتبها الشيخ سليمان بن سحمان يقول بعد البسملة والثناء على الله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ .
(أما بعد) فقد وقفت على ما كتبه العالمان الجليلان التقيان المنصفان الشيخ ناصر الدين الحجازي الأثري نزيل دمشق والشيخ أبو اليسار الدمشقي الميداني على ما افتراه ... الاسكندراني، مما لفقه من الأكاذيب الشنيعة، والمفتريات الواهية الوضيعة، أوتلقاه عن جميل أفندي البغدادي٢. وقد اعتمد هذا وغيره في كل ما افتروه على ما لفقه إمام ضلالتهم أو بدعتهم أحمد بن زيني دحلان٣. من الخرافات والخزعبلات، التي لا تصغي إليها إلا القلوب المقفلات ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (فاطر: ٨)
стр. 1028
وقوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ (الأنعام: ١١٣) .
فلما تصدر وانتصب هذا الرجل لعداوة أهل الإسلام أتباع الملة الحنيفية والطريقة المحمدية، وشرق بهذا الدين، الذي من الله به على إخواننا الدمشقيين لما تبين لهم حقيقة ما عليه أهل الإسلام الموحدين من أهل نجد المشهورين بالوهابية وأنهم كانوا على ما كان عليه سلف هذه الأمة وأئمتها من إِخلاص العبادة لله رب العالمين وترك عبادة ما سواه مما كان عليه أهل الكفر والشرك برب العالمين، وإنكار البدع المحدثة في الدين، وكتب رداً على الوهابية، المستمسكين بالطريقة المحمدية والملة الحنيفية، ورماهم بما هم برئيون منه من هذه الأكاذيب والأوضاع، التي تمجها الطباع وتستك عند سماعها الأسماع، وبئس ما انتحله من الأكاذيب والأوضاع الوبية، وقد تبع فيها أقوال قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل.
رد عليه هذان العالمان الجليلان، وغارا لله وللمسلمين من تلفيق أهل الكذب والبهتان، فأزالا بما كتباه من الرد عن القلوب صداها، وأماطا به عن العيون قذاها. فجزاهما الله عن الإسلام والمسلمين أفضل الجزاء، فلما قرأناها وتأملناها علمنا وتحققنا أن في الزوايا خبايا، وأَنه قد بقي من فحول الرجال بقايا فله الحمد وله الشكر والمنة.
ثم اعلموا أيها الإِخوان، أنا على ما كان عليه أئمتنا أهل الإسلام،
стр. 1029
والعلماء الأئمة الأعلام، الذين ينفون عن كتاب الله وسنة رسوله تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين، كشيخ الإسلام وعلم الهداة الأعلام، تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، وتلميذه شمس الدين محمد بن أبي بكر (ابن قيم الجوزية) والحافظ الذهبي الشافعي والعماد ابن كثير الشافعي، ومحمد بن جرير الطبري، والحافظ الإمام عبد الرحمن بن رجب الحنبلي١ وغيرهم من علماء أهل الإسلام الذين هم القدوة، وبهم الأسوة، وقد كان لهم قدم صدق في العالمين، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا. وقد سلك شيخ الإسلام، وعلم الهداة الأعلام، الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ على طريقهم وسار على منهاجهم وأثرهم في الدعوة إلى الله وإقامة حججه وبيناته، وساعده على ذلك أئمة أهل الإسلام من آل سعود ﵏. فنصروه وآووه وجاهدوا في الله حق جهاده، حتى ظهر دين الله وانتشر في البلاد والعباد فله الحمد وله الشكر.
ثم إنا لما تحققنا ما أنتما عليه من الحق والتحقيق، وسلوك طريقة أهل الهداية والتوفيق، أحببنا أن نهدي إليكما ونخبركما بما كنا عليه من المعتقد وما ندين الله به وما كان عليه أئمتنا من مشايخ أهل الإسلام، وما قالوه وما قلناه في ذلك نظما ونثرا، والله المسئول المرجو الإجابة، أن يسلك بنا
стр. 1030
وبكما وإخواننا الموحدين طريق الإِصابة، وأن يجزل لنا ولكما الأجر والإثابة، إنه ولي ذلك والقادر عليه وإليكما وإلى جميع إخواننا المسلمين، ما نهديه ونرفعه ليعلم حقيقة ما كنا عليه بعد علم اليقين عين اليقين. انتهى١.
فما من شك ولا ريب أن هذا النشر والبيان لعقيدة الشيخ وأنصاره له أثركبير في نشر عقيدة السلف الصالح في الشام وتمكين الله أنصارها في الأرض، ونصرهم لما نصروا دين الله ورسوله ﷺ .
ونجد من علماء الشام الشيخ محمد بهجة البيطار الذي عينه الملك عبد العزيز ﵀ مديرا لدار التوحيد بالطائف أول ما أنشئت ومن مؤلفاته "حياة شيخ الإسلام ابن تيمية، محاضرات ومقالات ودراسات، ونشره المكتب الإسلامي بدمشق عام ١٣٨٥ هـ".
ويرد في هذا الكتاب على (الفريد غيوم) في كتابه الإسلام، ترجمة محمد مصطفى هدارة، والدكتور شوقي اليماني السكري الطبعة الأولى سنة ١٩٥٨ م بالقاهرة ومن رده عليه رده ما جاء في ص ١٠٠ من كتابه، وهو قوله: (في المملكة الوهابية) (حيث يسود المذهب الوهابي) قال محمد بهجة البيطار: الجواب: ليس للوهابية، ولا للإمام محمد بن عبد
стр. 1031
الوهاب مذهب خاص، ولكنه ﵀ كان مجددا لدعوة الإسلام، ومتبعا لمذهب أحمد بن محمد بن حنبل١.
هذا وللمكتب الإسلامي في دمشق وبيروت نشاط ملموس في طبع ونشر مؤلفات الشيخ وسائر مؤلفات السلف الصالح.
ومن تعليق للأمير شكيب أرسلان من أهل الشام على الوهابية على حد تعبيره نقتطف من قوله ما نصه: (ولكن المقرر أنها حركة إنابة إلى العقيدة الحق وهدى السلف الصالح واقتفاء أثر رسول الله ﷺ والصحابة، ونبذ الخرافات والبدع وحظر الإستغاثة بغير الله ومنع التمسح بالقبور والتعبد عند مقامات الأولياء، ولذلك يسمونها عقيدة السلف، ويلقب الوهابيون أنفسهم سلفيين، وأكثر اعتمادهم في الاجتهاد على الإمام أحمد ابن حنبل، والإمام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية٢.اهـ.
وشكيب أرسلان عضو من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، وكانت له صلة وثيقة بمحمد رشيد رضا، وقد قابل الملك عبد العزيز أثناء رحلته إلى الحجاز سنة ١٣٥٤ هـ٣. وقال: "لله در الملك ابن سعود يقول: ما أخشى على المسلمين إلا من المسلمين ما أخشى من الأجانب
стр. 1032
كما أخشى من المسلمين، وهو كلام أصاب كبد الصواب، فإِنه ما من فتح فتحه الأجانب من بلاد المسلمين إلا كان نصفه أو قسم منه على أيدي أناس من المسلمين، منهم من تجسس للأجانب على قومه، ومنهم من بث لهم الدعاية بين قومه، ومنهم من سل لهم السيف في وجه قومه، وأسال في خدمتهم دم قومه.
وقال محمد رشيد رضا مضيفاً إلى ما نقله شكيب أرسلان عن الملك عبد العزيز من كلام صائب أَنه في حفل حافل بحجاج الأقطار- وقد طالب مصري أزهري الملك عبد العزيز بمحاربة الإِنكليز والفرنسيين المعتدين على المسلمين ذاكرا عداوتهم لهم فقال الملك عبد العزيز: الإِنكليز والفرنسيين معذورون إذا عادونا لأنه لا يجمعنا بهم جنس ولا دين ولا لغة ولا مصلحة، ولكن المصيبة التي لا عذر لأحد فيها أن المسلمين أصبحو أعداء أنفسهم، وأنا والله لا أخاف الأجانب وإنما أخاف من المسلمين، فلو حاربت الإِنكليز لما حاربوني إلا بجيش من المسلمين١.
وهذا محمد كرد علي من أهل الشام في كتابه (القديم والحديث) منتقيات من مقالاته، وهو عضو في المجمع العلمي العربي بدمشق يقول:
وما ابن عبد الوهاب إلا داعية، هداهم من الضلال، وساقهم إلى
стр. 1033
الدين السمح وإذا بدت شدة من بعضهم، فهي ناشئة من نشأة البادية، وقلما رأينا شعبا من أهل الإسلام يغلب عليه التدين والصدق والإِخلاص، مثل هؤلاء القوم.
وقد اختبرنا عامتهم وخاصتهم، سنين طويلة، فلم نرهم حادوا عن الإسلام قيد غلوة، وما يتهمهم به أعداؤهم، فزور لا أصل له١.
أثرها في بلدان الخليج العربي:
نجد في قطر أن حكامه آل ثاني كانوا يسهمون إسهاما كبيرا في طبع مؤلفات علماء السلف الصالح ولا تنكر صلتهم الوثيقة بأنصار عقيدة الشيخ من قديم وكان في قطر من العلماء الذين يحملون عقيدة سلفية سليمة، ولهم دور لا ينكر في ذلك الأثر الحميد، كالشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع الذي كان مديرا عاما للمعارف في المملكة العربية السعودية ثم طلبه أخيرا حكام قطر، ليستفيدوا من علمه، ويشير عليهم بما كانوا متقبلين له، من نصر لعقيدة السلف الصالح ونشر لكتبهم كمجموعة التوحيد النجدية وكتب فقه الحنابلة وغيرها.
وأخيرا يخرج إلينا كتاب للشيخ أحمد بن حجر بن محمد آل بوطامي قاضي المحكمة الشرعية بقطر، قدم له وصححه سماحة الشيخ عبد العزيز ابن عبد الله بن باز وأمر بطبعه الملك فيصل بن عبد العزيز، عام ١٣٩٥ هـ.
стр. 1034
وهو عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعقيدته السلفية ودعوته الإِصلاحية وثناء العلماء عليه، وهوكتاب علمي جيد، من أجود ما كتب في هذا الموضوع، قال في مقدمته: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي الداعي إلى توحيد الله تعالى من المجددين العدول والمصلحين المخلصين قام يدعو إلى تجريد التوحيد، وإِخلاص العبادة لله وحده بما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله خاتم النبيين ﷺ ، وقام بنبذ البدع والمعاصى وعبادة الأولياء والصلحاء والأشجار والغيران، ويأمر بإِقامة شرائع الإسلام المتروكة وتعظيم حرماته المنتهكة.
ومع ذلك فالناس لازالوا من عصره إلى اليوم بين مادح وقادح. ثم يبين أن السبب في القدح هو دعاية الأتراك وأشراف مكة في ما مضى ضد ما قام به الشيخ وأنصاره والتي نالت رواجا وانتشارا في الأقطار الإسلامية وتأثر بها الأكثرون، بالإِضافة إلى كتب ألفها بعض أدعياء العلم ينقدون عقيدة الشيخ وأنصاره بما لفق عليها من غير تثبت وراجت الدعاية لدى الجمهور وظنوا أنها صحيحة.
وقد جهل أولئك المؤلفون أو تجاهلوا: أن الواجب على الشخص ولاسيما من انتسب إلى العلم- أن لا يقبل كل ما يقال عن شخص أومذهب أو طائفة حتى يثبت لديه بأنه يسمع من ذلك المنسوب إليه ما أذيع عنه، أو يقرأ كتابه ويتأكد من صحة نسبة الكتاب إليه، وهكذا القول فيما سمعه عن مذهب أو طائفة.
стр. 1035
ثم يقول الشيخ أحمد بن حجر: أما في هذا العصر، فقد خفت وطأة تلك الدعاية السيئة، وعرف كثير من العقلاء في سائر الأقطار والبلدان، حقيقة دعوة الشيخ وصحتها، وذلك بفضل انتشار العلم والوعي في العالم، وبفضل ما اتصفت واشتهرت به الدولة السعودية من التوحيد، وتحكيم الشرع المبين، وإِقامة شعائر الإسلام، وإِقامة الحدود الشرعية، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونشر العدل والأمان، وتمسكها بالسنة الصحيحة والقرآن ومحاربة أهل البدع، والاهتمام بالعلم والتعليم، ونشر المدارس والمعاهد والكليات في سائر أرجاء المملكة العربية السعودية، وفتح الأبواب للطلاب الوافدين من مختلف البلدان، وإعانتهم بالوسائل النافعة الكافية، كما اشتهرت بالكرم والبذل، لجميع الوافدين إليها من غير فرق بين مذهب وبلد وعنصر.
ثم قال الشيخ أحمد: وبالرغم مما قلنا من انتشار الوعي واتصاف الدولة العربية السعودية بتلك الصفات الكريمة، لازال كثير من المنتسبين إلى العلم، فضلا عن العوام، يزعمون أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، لم يكن على الصواب، وأن الفئة الوهابية، تكفر المسلمين، ولا ترى للأنبياء مقاما ولا احتراما ولا شفاعة كما لا تحترم الأولياء والصالحين ولا ترى زيارة قبر الرسول ﷺ ولا غيره. إلى غير ذلك من الأقاويل الزائفة التي لا تعتمد إلا على الوراثة والسماع عن الماضين الجاهلين، والاغترار ببعض كتب المخرفين.
стр. 1036
قال: فمن أجل ذلك رأيت أن أكتب في سيرة الشيخ المجدد لما اندرس من معالم الإيمان والإسلام، وعقيدته، ودعوته الإصلاحية مؤلفا وسطا، اعتمدت فيه على ما ذكر المؤرخون لنجد كابن غنام، وابن بشر، والألوسي، والريحاني وغيرهم ممن ذكر الشيخ ودعوته في ثنايا كتبهم كما اعتمدت على بعض رسائل إمام الدعوة وأبنائه وأحفاده، وسأختمه- إن شاء الله- بثناء العلماء الراسخين، وبعض المؤرخين المحققين من المسلمين والغربيين، على ذلك الإمام الجليل الذي شغل عصره، وبعده بعلومه وآرائه وإصلاحه. ودعوته المقيدة بالكتاب والسنة والذي دوى صوته بعلومه ودعوته في نجد وفي الخارج، وجادل وناضل بقوة جنانه وفصاحة لسانه، وواضح برهانه١.
وللشيخ محمد بن حسن المرزوقي القطري رد على النبهاني في تهجمه على شيخ الإسلام ابن تيمية ومحمد رشيد رضا، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب٢.
стр. 1037
أما عن أثرها في البحرين:
فننقل قصة طريفة جرت إبان نكبة الدرعية والتجاء بعض علماء الدعوة إلى البحرين وإلى عمان وغيرهما.
قال الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب، تأليف الشيخ عبد العزيز بن حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر في قصة تأليف الكتاب المذكور ما ملخصه (إن الإنكليز أرسلوا مندوبا إلى البحرين من القسس، ليعمل على بث الدعاية النصرانية وشكوكها، لفتنة الناس في البحرين عن دينهم، كما هي سياسة أعداء الإسلام من الصليبيين في الشرق الإسلامي كله، فقام ذلك القسيس بتأليف كتاب ضمنه شبهاتهم حول الإسلام، ودفعه إلى أمير البحرين عبد الله بن خليفه وطلب منه أن يعرضه على المشايخ ليقولوا رأيهم، فرد عليه الشيخ عبد العزيز بن حمد آل معمر بكتابه: (منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب) ودفعه إلى أمير البحرين ففرح به الأمير أشد الفرح ودعا القنصل الإنكليزي القسيس وأعطاه الرد فاندهش جدا لأنه كان يظن عجز علماء البحرين، ثم قال: (هذا الرد لا يكون من هنا، وإنما هو من البحر النجدي)
стр. 1038
ولعل ما نقلناه فيما تقدم يبين لنا مدى أثر عقيدة الشيخ السلفية في نشر الحق والعمل به واتباع السلف الصالح في منهجهم الإصلاحي والحكم بعدل وإنصاف على عقيدة الشيخ السلفية في تلك الربوع الخليجية وغيرها.
أثرها في العراق:
وإذا جاوزنا الخليج إلى العراق فإننا نجد مدرسة أهل السنة والجماعة يتصدرها آل الألوسي أمثال العلامة نعمان خير الدين الألوسي، والعلامة محمود شكري الألوسي.
أما نعمان خير الدين الألوسي الشهير بابن الألوسي البغدادي ولد سنة ١٢٥٢ هـ. وولي القضاء في أماكن متعددة في العراق ثم ترك المناصب، وزار مصر في طريقه إلى الحج ثم الإستانه ومكث سنين هناك ثم عاد يحمل لقب رئيس المدرسين فعكف على التدريس والتصنيف إلى أن توفي ببغداد سنة ١٣١٧ هـ.. وله مؤلفات كثيرة ويعنينا منها مؤلفه: شقائق النعمان في رد شقاشق ابن سليمان ويعني داود بن سليمان بن جرجيس وسيأتى طرف من خبره. وكذلك مؤلفه الآخر المشهور جلاء العينين في محاكمة الأحمدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، وأحمد بن محمد ابن حجر الهيتمي وهو دفاع عن شيخ الإسلام ابن تيمية ما اتهمه به وتهجم به عليه أحمد بن حجر وقد أقزع ابن حجر في السباب والشتم والمهاترة تجاه شيخ الإسلام من غير دليل، ولا حجة ولكن عمي البغي
стр. 1039
وصمم الهوى، يدفعان صاحبهما إلى مجاوزة حدود أدنى العقول١.
أما صاحبنا نعمان الألوسي فكما قال فيه بهجت الأثري في كتاب أعلام العراق كان عقله أكبر من علمه، وعلمه أبلغ من إِنشائه وإِنشاؤه أمتن من نظمه، وكان جواداً، وفياً، زاهداً، حلو المفاكهة سمح الخلق٢.
وقد انتهج في انتصاره لشيخ الإسلام ابن تيمية في عقيدة السلف الصالح أسلوب المناقشة في هدوء وإِقامة الدليل، وتوضيح الحجة، وسطوع البرهان بروح العالم الراسخ، والعاقل الثابت، وهذا منهج يرتضيه علماء السلف الصالح من أهل السنة والجماعة٣.
وأما العلامة محمود شكري الألوسي أبو المعالي فهو ابن أخي نعمان خير الدين الذي تقدم ذكره ولد سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف من الهجرة أبوه عالم أديب وكاتب بارع اسمه عبد الله بهاء الدين، وأما جده فهو الإمام محمود شهاب الدين صاحب التصانيف المشهورة وأشهرها روح المعاني في التفسير وقد أخذ محمود شكري العلم عن أبيه وتأثر به في حسن السمت، وصفاء الطوية، وحب الأدب والعلم، ولما توفي أبوه عام ١٢٩١ هـ. كفله عمه العلامة نعمان خير الدين الألوسي الذي سبق
стр. 1040
ذكره آنفا ثم أخذ العلم من مشايخ بغداد وجد واجتهد في مواصلة الدرس ومتابعة البحث، وكلّف بالتاريخ والسيرة واللغة، وزاول الكتابة، له الاطلاع الواسع، والمادة الغزيرة والتحقيق النادر، والرأى الصائب، وتصدر للتدريس في داره، وفي جامع عادل خاتون، وعين مدرسا رسميا في جامع الحيدرية، ثم في جامع السيد سلطان علي، ثم عين مدرسا في مدرسة مرجان، وجعل رئيس المدرسين، ونفع الله به وتخرج منها خلق كثير١.
وله نشاط في إحياء الكتب الدينية، ونشر مذهب السلف وله اليد الطولى في إِذاعتها ونشرها، وكان يرى أن مذهب السلف هو الواسطة الوحيدة لتحرير العقول من رق التعصب الذميم ولم يكن يحب الفخر والظهور، وإنما يرمي إلى حصول الغرض من أي طريق، مباشر أو غير مباشر، وكان يحمل على أهل البدع في درسه وفي داره وفي المسجد. ويرد عليهم برسائل فعاداه كثير من الناس، وسعوا به لدى والي بغداد عبد الوهاب باشا، فكتب عبد الوهاب إلى مرجعه السلطان عبد الحميد الثاني العثماني فصدر الأمربنفيه إلى بلاد الأنا ضول، فلما وصل إلى الموصل في سنة ١٣٢٠ هـ. قام أعيانها فمنعوه من تجاوزها، وكتبوا للسلطان يحتجون، فسمح له بالعودة إلى بغداد فعاد إليها، وقد اتصل بالملك عبد
стр. 1041
العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في نجد عام (١٣٣٣ هـ) ، وبحث مع الملك بعض الشؤون ثم عاد مكرما محترما. ولما كان في سنة ١٣٤٢ هـ. توفي في العراق رحمه الله١.
ولأصالتهم في عقيدة السلف الصالح فإننا لنجد عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية لديهم يحكيها العلامة أبو المعالي. محمود شكري الألوسي في مؤلفه تاريخ نجد فقد قال ﵀: "اعلم أن أهل نجد كلهم مسلمون موحدون بل وجميع سكنة جزيرة العرب وقد دخلوا في الإسلام في العصر الأول عند ظهور أنوار الشريعة الغراء. وهم على عقائد السلف الصالح ثم ذكر اعتقادهم في الله تعالى وذكر اعتقادهم في الرسول ﷺ واعتقادهم في الآل والأصحاب إلى أن قال: والحاصل أن مذهبهم في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة وأن طريقتهم طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم، بل الأحكم".
ثم ذكر: "وأنهم في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ولا ينكرون على من قلد أحدا من الأئمة الأربعة دون غيرهم لعدم ضبط مذهب الغير كالشيعة والزيدية والكرامية ونحوهم. إلى آخر ما حكاه في هذا الموضوع إلى أن قال:
стр. 1042
وأما ما يكذب عليهم سترا للحق، وتلبيسا على الخلق، بأنهم يفسرون القرآن برأيهم، ويأخذون من الحديث ما وافق فهمهم من دون مراجعة شرح ولا معول على شيخ، وأنهم يضعون من رتبة النبي ﷺ وأنه ليس له شفاعة وأن زيارته غير مندوبة، وأنهم لا يعتمدون أقوال العلماء وأنهم يتلفون مؤلفات أهل المذاهب لكون الحق والباطل فيها وأنهم مجسمة، وأنهم يكفرون الناس على الإِطلاق من بعد الستمائة إلى هذا الزمان إلا من كان على ما هم عليه، وأنهم لا يقبلون بيعة أحد إلا إذا أقر عليه أَنه كان مشركا وأن أبويه ماتا على الشرك بالله، وأنهم ينهون عن الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنهم يحرمون زيارة القبور المشروعة مطلقا، وأنهم لا يرون حقا لأهل البيت، وأنهم يجبرونهم على تزويج غير الكفء لهم، إلى غير ذلك من الإفتراءات، فكل ذلك زور عليهم وبهتان وكذب محض من خصومهم أهل البدع والضلال، بل أقوالهم وأفعالهم وكتبهم على خلاف ذلك كله. فمن روى عنهم شيئا من ذلك أو نسبه إليهم فقد كذب عليهم وافترى، ومن شاهد حالهم وحضر مجالسهم وتحقق ما عندهم علم قطعا أن جميع ذلك وضعه عليهم، وافتراه أعداء الدين، وإخوان الشياطين، تنفيرا للناس عن الإِذعان لإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة، وترك أنواع الشرك الذي نص الله على أنه لا يغفره، وأنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فإنهم يعتقدون أن من فعل أنواعا من الكبائركالقتل للمسلم بغير حق، والزنى، والربا، وشرب الخمر،
стр. 1043
وتكرر منه ذلك لا يخرج بفعل ذلك عن دائرة الإسلام، ولا يخلد في دار الانتقام، إذا مات موحدا لله تعالى في جميع أنواع العبادة ... والذي اعتقدوه في رتبة النبي ﷺ أن رتبته أعلى مراتب المخلوقين على الإِطلاق، وإِنه حي في قبره حياة مستقرة أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل إذ هو ﷺ أفضل منهم بلا ريب. وأنه يسمع سلام من يسلم عليه، وأنه تسن زيارته غير أن لا تشد الرحال إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومن أنفق أنفس أوقاته بالصلاة عليه الواردة عنه فقد فاز بسعادة الدارين وكفي همه وغمه كما جاء في الحديث. وأنهم لا ينكرون كرامات الأولياء، ويعترفون لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم مهما ساروا على الطريقة الشرعية، والقوانين المرعية، غير أنهم لا يستحقون شيئا من أنواع العبادة لا حال الحياة ولا بعد الممات. بل يطلبون من أحدهم الدعاء في حال الحياة، بل ومن كل مسلم، فقد جاء في الحديث ((دعاء المرء مستجاب لأخيه)) ويثبتون الشفاعة للنبي ﷺ يوم القيامة حيثما ورد وكذا سائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حيثما ورد أيضا. ويسألونها من الله تعالى المالك لها والإذن فيها لمن شاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها كما ورد، فإنهم يقولون متضرعين إلى الله تعالى: اللهم شفع نبينا محمدا ﷺ فينا يوم القيامة أوعبادك الصالحين أو ملائكتك ونحو ذلك. ولا يلزم أن يكونوا مجسمة وإن قالوا بالجهة كما ورد الحديث بها. ويقولون فيمن مات تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا
стр. 1044
يعملون. ولا يقولون بكفرمن صحت ديانته واشتهر صلاحه وعلمه وورعه وزهده، وحسنت سيرته، وبالغ في نصح الأمة وإن كان مخطئا في هذه المسألة أو غيرها (كابن حجر الهيتمي المكي) ﵀، فإِنهم يعلمون كلامه في (الدر المنظم) ولا ينكرون سعة علمه، ولهذا يعتبرون ما بقي من كتبه كشرح الأربعين، والزواجر وغيرها، ويعتمدون على نقله.
هذا ما هم عليه. وقد كتبوا في ذلك عدة رسائل خاطبوا بها من له عقل وعلم وهو متصف بالإِنصاف، خال من الميل إلى التعصب والاعتساف، ينظر إلى ما يقال، لا إلى من قال.
وأما من شأنه لزوم مألوفه وعادته سواء كان حقا أو غير حق مقلدا فهو ممن قال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ عادته وجبلته أن يعرف الحق بالرجال، لا الرجال بالحق، فلا يخاطب هذا وأمثاله فجنود التوحيد بحمد الله منصورة، وراياتهم بالسعد والإقبال منشورة.
وما كتبناه في هذا الحاصل هو مضمون رسالة كتبها أحد فضلاء علماء نجد وهو الشيخ (عبد الله ابن العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب) عليهم الرحمة، وقد قرئت عند دخول الأمير (سعود بن عبد العزيز في الحرمين الشريفين بمحضر علماء المذاهب الأربعة وبمسمع منهم. فمن الواجب على طالب معرفة الحق وإدراك الحقائق أن لا يبادر بالإنكار قبل التبصر، ولا يحكم على شيء قبل الوقوف على حقيقة الحال، فالخطأ في ذلك عظيم.
стр. 1045
فلا تحكم بأول ما تراه ... فأول طالع فجر كذوب
والقصد بما ذكرناه التنبيه على خطأ من نسب إلى القوم ما هم بريئون منه مما يخل بالديانة، حتى أساء الظن بقسم عظيم من الأمة العربية وانطوى على بغضهم الذي هو من أعظم أسباب النفاق.
وغالب من أشاع ذلك هم أهل البدع والأهواء الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، وكذبوا بأقوالهم وأفعالهم على الدين المبين الذي هو بعيد عنهم بمراحل. وهم الدجالون الجالبون على الإسلام كل عار، وإلا فأهل الإيمان هم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
ثم (ذكرمناظرة جرت بين عراقي ونجدي تحريرا) فقال:
هذه مناظرة اتفقت بين عالم عراقي من سكنة بغداد، وبين فاضل كامل، وعالم عامل من علماء نجد: كتب بها العراقي إلى العالم النجدي، فأجاب عنها بما سيأتى:
ولكونها تزيد الحق وضوحا والواقع بيانا أدرجناها على سبيل التلخيص والاختصار ليتجلي بها الحق المستور، ويرد بها الباطل المشهور، رجاء الفوز بثواب ذلك إن شاء الله تعالى.
ثم ذكرها ويقصد بالعراقي داود بن سليمان بن جرجيس صاحب التلبيس والذي زار عنيزة واتصل بالشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين في أثناء عشر سنين ومائتين وألف وحصلت منه تشبيهات لينصر دعواه: أن وقوع الشرك في الأمة المحمدية مستحيل ويزعم أن دعاء غير الله طلبا
стр. 1046
للزلفى عند الله ليس شركا. ثم رد عليها الشيخ عبد الله المذكور بكتاب طبع سنة ١٣٤٤ هـ. بمطبعة الحلبي بعنوان: كتاب تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن سليمان بن جرجيس، استوفى مائة وعشرين صفحة، ثم طبع ملخصا بعنوان الانتصار لحزب الله الموحدين والرد على المجادل عن المشركين، عني بنشره الشيخ عبد الملك بن إبراهيم آل الشيخ وكان طبعه بالمطبعة السلفية بالقاهرة واستوفى تسعا وثلاثين صفحة: وقد رد عليه أيضا شيخ المسلمين ومفتي نجد الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ، وكذلك ابنه الشيخ عبد اللطيف رد على داود هذا بمؤلف اسمه (منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس) .
والألوسي يعني بالعالم النجدي الشيخ عبد اللطيف فإن من مؤلفاته تتمة لمنهاج التأسيس الذي ألفه الشيخ عبد اللطيف، وقد لخصها الشيخ الألوسي على شكل مناظرة فيقول:
قال السائل العراقي: ثم يورد قوله وبعد نهايته يقول: قال العالم النجدي: ثم يورد جوابه وبيانه حتى أتى على شبهات الخصوم أعداء التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، ثم ذكر الألوسي طرفا من معتقد المغالين في القبور والصالحين، وحقيقة ما هم عليه من الدين المخالف لدين المرسلين ليعلم الواقف عليه أي الفريقين أحق بالأمن إن كان الواقف ممن اختصه الله بالفضل والمن؛ لئلا يلتبس الأمر بتسميتهم لكفرهم ومحالهم
стр. 1047
تشفعا وتوسلا واستظهارا مع ما في التسمية من الهلاك المتناهي عند من عقل الحقائق ثم أخذ يبين ذلك.
ولما انتهى من البيان، أخذ يقص شيئا من سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
ويذكر طرفا من أخباره، وأحواله ليعلم الناظر فيه حقيقة أمره، فلا يروج عليه تشنيع من استحوذ عليه الشيطان وأغواه، وبالغ في كفره واستهواه، ثم مضى في ذلك يقرر الحق ويبين الرشد ويقارن أقوال الشيخ بأقوال من سلف من علماء المسلمين وأئمتهم المهديين، ونقل عبارة أبي الحسن الأشعري في كتابه مقالات الإِسلاميين واختلاف المصلين في نقله جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة، إلى نهايتها وهي قوله: ((فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه. وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب وما توفيقنا إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل، وانتهى الألوسي من بحثه هذه المسألة عند ذلك١.
هذا وللألوسي ﵀ مؤلف جيد في نقض شبه المخالفين للرسل والسالكين غير منهج السلف الصالح من المسلمين والمؤمنين هذا المؤلف هو ((غاية الأماني في الرد على النبهاني)) وكان قد ألفه ولم يصرح بذكر اسمه عليه، ولكنه كنى عنه: بأبي المعالى الحسيني وزاد عليها السلامي
стр. 1048
الشافعي لئلا يتضح اسمه خوفا على نفسه، ويقول محمد رشيد رضا في تقريظه: غاية الأماني في الرد على النبهاني، كتاب مؤلف من سفرين كبيرين، لأحد علماء العراق الأعلام، المكنى بأبي المعالي الحسيني السلامي الشافعي، رد فيها ما جاء به النبهاني في كتابه شواهد الحق من الجهالات والنقول الكاذبة، والآراء السخيفة، والدلائل المقلوبة، في جواز الاستغاثة بغير الله تعالى، وما تعدى به طوره في سب أئمة العلم وأنصار السنة، كشيخ الإسلام ابن تيمية، إلى أن قال: وفي هذا الكتاب ما لا أحصيه من الفوائد العلمية في التوحيد، والحديث، والتفسير، والفقه، والتاريخ، والأدب، وما انفرد به بعض المشاهير فأنكره العلماء عليه، كالإنكار على الغزالي وابن عربي الحاتمي وغيرهما.. فعلى هذا الكتاب نحيل الذين يكتبون إلينا في الشرق والغرب، يسألوننا أن نرد على النبهاني، وكذا من اغتروا بقوله ونقوله، وظنوا أن قولنا في الاعتذار عن عدم قراءة كتبه والرد عليها أنه لا يوثق بعمله ولا نقله هو من قبيل السب، وحاشا لله ما هو إلا ما نعتقده فيه وفي كتبه بعد النظر في بعضها، ورؤية ما فيها من الأحاديث الموضوعة والنقول المكذوبة، والاستنباطات الباطلة ممن جعل نفسه بالاستنباط مجتهدا وهو ينكر الاجتهاد، ويعترف بأنه ليس أهلا له. انتهى كلام صاحب المنار١. ولتأليفه هذا الكتاب دون أن يصرح باسمه عليه
стр. 1049
قصة ذكرها الشيخ محمد السبيل في ترجمته للألوسي فقال: عندما عزمت على كتابة هذه الترجمة اتصلت بالعالم السلفي، الشيخ محمد نصيف بجدة، والذي كان له مساهمة فعالة في سبب تأليف الكتاب وطبعته الأولى، فأفاد بما ملخصه: أنه عندما ظهر كتاب النبهاني المسمى (شواهد الحق) وقرأه الشيخ محمد نصيف، ورأى ما فيه من التلفيق والتحريف الواهي، وتهجمه على المحققين من علماء السلف، وتجويزه دعاء الأموات والاستغاثة بهم، وغير ذلك ما يخالف صريح الكتاب وصحيح السنة، عندما قرأه كتب للعالم العلامة الشيخ محمود شكري الألوسي، يطلب منه أن يقوم بالرد على النبهاني، ويدحض أباطيله، وينتصر للحق وأهله، فلم يمض سنة إلا وقد جاء الرد المسمى (غاية الأماني في الرد على النبهاني) للشيخ محمود شكري الألوسي، واتفق الشيخ محمد نصيف والشيخ عبد القادر التلمساني، من تجار جدة المحسنين، والعلماء السلفيين، على أن يقوما بطبعه وتكاليف الطبع بينهما نصفين. وكان الشيخ التلمساني آنذاك في مصر، فاتفقا أن يقوم بطبعه فرج زكي الكردي بمطبعته في مصر فقام بطبعته الأولى وقد وضع المؤلف على طرة الكتاب: تأليف أبي المعالي الحسيني، إشارة إلى كنيته ونسبه الحسيني، وزاد عليها السلامي الشافعي لئلا يتضح اسمه خوفا على نفسه، وذلك أن العلماء السلفيين في ذلك
стр. 1050
العصر يخافون على أنفسهم من معارضة أهل البدع والخرافيين - كالنبهاني وغيره- والسبب في ذلك أن السلطان عبد الحميد سلطان الدولة العثمانية قد قرب المشايخ من أهل الطرق، من الصوفية أنصار البدع، فلذلك خاف السيد محمود شكري الألوسي من إِظهار اسمه على طرة الكتاب، وكذلك صاحب المطبعة فرج الله زكي خاف على نفسه، ولم يذكر اسمه إلا رمزا (ف، ج، ز) ولا اسم مطبعته، ولا البلد التي فيها المطبعة، وكذلك الشيخ عبد القادر التلمساني والشيخ نصيف خافا على أنفسهما من نفس العلة، لأن السلطان عبد الحميد في ذلك الوقت له النفوذ في بغداد ومصر والحجاز وهي البلدان التي فيها المؤلف والطابع والمطبعة، ولهذه المضايقات والخوف عندما تم طبع الكتاب لم يتمكنوا من توزيعه إلا عندما أخذت حكومة اسطنبول بالقوانين الوضعية الأوربية وأعلنت الدستور وكان الدستور يقضي بحرية العقائد والأديان، فعند ذلك أرسلت حصة الشيخ محمد نصيف من الكتاب إليه في الحجاز، ووزعها، ووضع على كل نسخة وزعها اسم المؤلف بخط يده، وكذلك الشيخ عبد القادر وزع نسخه في مصر وغيرها، ثم إن الشيخ محمد نصيف عندما لم يخف من جراء إظهار الكتاب أعلن في جرائد بيروت في ذلك الحين أن لديه كتابا في الرد على النبهاني للشيخ الألوسي اسمه (غاية الأماني في الرد على النبهاني) ، ثم انبرى بعض تلامذة النبهاني وأعلن عن الرد، وحاول أن يحط من قدر الكتاب ولكن كما قيل:
стр. 1051
وقل للعيون الرمد للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع١
وله مؤلفات كثيرة منها غير ما تقدم في خدمة السنة:
١- الآية الكبرى على ضلال النبهاني في رائيته الصغرى، ألفه ردا على النبهاني لما شن الغارة في سب شيخ الإسلام ابن تيمية، ورشيد رضا، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.
٢- (فتح المنان) تتمة منهاج التأسيس للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرجمن بن حسن آل الشيخ.
٣- فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية للشيخ محمد بن عبد الوهاب، طبع بعنوان مسائل الجاهلية٢.
وهذا في بغداد أحمد بن سعيد البغدادي قال في كتابه (نديم الأديب) :
كما نقله الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز فقال: إليك أيها، القارى نص كلام أحمد سعيد منقولا بتمامه من كتاب (نديم الأديب) ص ١١ (وأما) حقيقة هذه الطائفة فإنها حنبلية المذهب وجميع ما ذكر المؤرخون عنها من جهة الاعتقاد محرف، وفيه تناقض كلي لمن اطلع عليه
стр. 1052
بتأمل لأن غالب مؤرخي الشرقيين ينقلون عن الكتب الإفرنجية، فإن كان المؤرخ المنقول عنه صاحب دراية وصادق الرواية تجد أن من يترجم كتابه يجعل الترجمة على قدر اللفظ فيضيع مزية الأصل، وإِن كان المؤرخ غير صادق الرواية فمن باب أولى، ومنهم من يقول إن هذه الطائفة تنهى عن وصف النبي ﷺ بأوصاف المدح والتعظيم، ويقول إِنها تؤمن بقدم القرآن١، وبهذا يظهر بداهية التناقض لأن من يؤمن بقدم القرآن يؤمن بما فيه، وفي القرآن الشريف مدح النبي ﵊ قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٣ وآيات غير هذه كثيرة، أما ما نهى عنه محمد
стр. 1053
ابن عبد الوهاب إنما هو الوصف بأوصاف الألوهية كالقدرة والإرادة وعلم الغيب كما وصف النصارى عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام فقد قال ﵊: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" ومن أراد أن يعرف جليا اعتقاد هذه الطائفة فليطالع كتب مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁ فإِنه مذهبهم، وأما سبب حرب صاحب مصر لهذه الطائفة فقد ذكره المؤرخ الشهير الموسيو (سيديو) الفرنساوي، وكلامه هذا محذوف من ترجمة كتابه التي أمر بها المرحوم علي باشا مبارك وخلاصة معناه هي: أن انكلترا وفرنسا حين علمتا بقيام محمد بن عبد الوهاب وابن سعود وبانضمام جميع العرب إليهما لأن قيامهما كان لإحياء كلمة الدين، خافتا أن ينتبه المسلمون فينضمون إليهما، وتذهب عنهم غفلتهم ويعود الإسلام كما كان في أيام عمر ﵁ فيترتب على ذلك حروب دينية وفتوحات إسلامية ترجع أوربا منها في خسران عظيم فحرضتا الدولة العلية على حربهم، وهي فوضت ذلك إلى محمد علي باشا، وحصل ما حصل (ولكل أجل كتاب) وهذه الطائفة بريئة مما ينسب إليها الجاهلون ومن سبها يأثم والله أعلم بغيبه وأحكم. انتهى ما كتبه المذكور في كتابه نديم الأديب بكماله١.
стр. 1054
أثرها في فارس والهند:
وإذا تجاوزنا العراق وعرجنا على فارس في طريقنا إلى الهند، فإننا نجد في ((لنجة)) بلد من البلدان الفارسية الشيخ ملا عمران بن علي بن رضوان يرد على بعض قصائد الملحدين المعادين للشيخ ويثني خلال ذلك على الشيخ بقصيدة، هذا مطلعها:
جاءت قصيدتهم تروح وتغتدي ... في سب دين الهاشمي محمد
إلى أن قال:
الشيخ شاهد بعض أهل جهالة ... يدعون أصحاب القبور الهمد
تاجا وشمسانا ومن ضاهاهما ... من قبة أو تربة أو مشهد
يرجون منهم قربة وشفاعة ... ويؤملون كذلك أخذا باليد
ورأى لعباد القبور تقربا ... بالنذر والذبح الشنيع المفسد
ما أنكر القراء والأَشياخ ما ... شهدوا من الفعل الذي لم يحمد
بل جوزوه وشاركوا في أكله ... من كان يذبح للقبور ويفتدي
فأتاهم الشيخ المشار إليه بالنصـ ... ـح المبين وبالكلام الجيد
يدعوهم لله أن لا يعبدوا ... إلا المهيمن ذا الجلال السرمد
لا يشركوا ملكا ولا من مرسل ... كلا ولا من صالح أو سيد
فتنافروا عنه وقالوا ليس ذا ... إِ عجيب عندنا لم يعهد
ما قاله آباؤنا أيضا ولا ... أجدادنا أهل الحجى والسؤدد
إِنا وجدنا جملة الآبا على ... هذا فنحن بما وجدنا نقتدي
стр. 1055
فالشيخ لما أن رأى ذا الشأن من ... أهل الزمان اشتد غير مقلد
إلى أن قال:
لو أنصفوا لرأوا له فضلا على ... إِظهار ما قد ضيعوه من اليد
ودعوا له بالخير بعد مماته ... ليكافئوه على وفاق المرشد
لكنهم قد عاندوا وتكبروا ... ومشوا على منهاج قوم حسد
ورموه بالبهتان والإِفك الذي ... هم يعملون به ومنهم يبتدي
كمقالهم هو للمتابع قاطع ... بدخول جنات وحور خرد
حاشا وكلا ليس هذا شأنه ... بل إِنه يرجو بها لموحد
إلى أن قال:
قالوا له ياكافرا يا فاجرا ... ما ضره قول العداة الحسد
قالت قريش قبلهم للمصطفى ... ذا ساحر ذا كاهن ذا معتدي
إلى أن قال:
هل قال إلا وحدوا رب السما ... وذروا عبادة ما سوى المتفرد
وتمسكوا بالسنة البيضا ولا ... تتنطعوا بزيادة وتردد
هذا الذي جعلوه غشا وهو قد ... بعثت به الرسل الكرام لمن هدي
من عهد آدم ثم نوح هكذا ... تترا إلى عهد النبي محمد
وكذلك الخلفاء بعد نبيهم ... والتابعون وكل حبر مهتدي
منهاجهم هذا عليه تمسكوا ... من كان مستناً بهم فليقتد