← Акыда

Акыда · id 12039

عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي

صالح بن عبد الله العبود

Полный текст (1 147 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وقل للعيون الرمد للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع١ وله مؤلفات كثيرة منها غير ما تقدم في خدمة السنة: ١- الآية الكبرى على ضلال النبهاني في رائيته الصغرى، ألفه ردا على النبهاني لما شن الغارة في سب شيخ الإسلام ابن تيمية، ورشيد رضا، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب. ٢- (فتح المنان) تتمة منهاج التأسيس للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرجمن بن حسن آل الشيخ. ٣- فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية للشيخ محمد بن عبد الوهاب، طبع بعنوان مسائل الجاهلية٢. وهذا في بغداد أحمد بن سعيد البغدادي قال في كتابه (نديم الأديب) : كما نقله الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز فقال: إليك أيها، القارى نص كلام أحمد سعيد منقولا بتمامه من كتاب (نديم الأديب) ص ١١ (وأما) حقيقة هذه الطائفة فإنها حنبلية المذهب وجميع ما ذكر المؤرخون عنها من جهة الاعتقاد محرف، وفيه تناقض كلي لمن اطلع عليه

стр. 1052

بتأمل لأن غالب مؤرخي الشرقيين ينقلون عن الكتب الإفرنجية، فإن كان المؤرخ المنقول عنه صاحب دراية وصادق الرواية تجد أن من يترجم كتابه يجعل الترجمة على قدر اللفظ فيضيع مزية الأصل، وإِن كان المؤرخ غير صادق الرواية فمن باب أولى، ومنهم من يقول إن هذه الطائفة تنهى عن وصف النبي ﷺ بأوصاف المدح والتعظيم، ويقول إِنها تؤمن بقدم القرآن١، وبهذا يظهر بداهية التناقض لأن من يؤمن بقدم القرآن يؤمن بما فيه، وفي القرآن الشريف مدح النبي ﵊ قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٣ وآيات غير هذه كثيرة، أما ما نهى عنه محمد

стр. 1053

ابن عبد الوهاب إنما هو الوصف بأوصاف الألوهية كالقدرة والإرادة وعلم الغيب كما وصف النصارى عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام فقد قال ﵊: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" ومن أراد أن يعرف جليا اعتقاد هذه الطائفة فليطالع كتب مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁ فإِنه مذهبهم، وأما سبب حرب صاحب مصر لهذه الطائفة فقد ذكره المؤرخ الشهير الموسيو (سيديو) الفرنساوي، وكلامه هذا محذوف من ترجمة كتابه التي أمر بها المرحوم علي باشا مبارك وخلاصة معناه هي: أن انكلترا وفرنسا حين علمتا بقيام محمد بن عبد الوهاب وابن سعود وبانضمام جميع العرب إليهما لأن قيامهما كان لإحياء كلمة الدين، خافتا أن ينتبه المسلمون فينضمون إليهما، وتذهب عنهم غفلتهم ويعود الإسلام كما كان في أيام عمر ﵁ فيترتب على ذلك حروب دينية وفتوحات إسلامية ترجع أوربا منها في خسران عظيم فحرضتا الدولة العلية على حربهم، وهي فوضت ذلك إلى محمد علي باشا، وحصل ما حصل (ولكل أجل كتاب) وهذه الطائفة بريئة مما ينسب إليها الجاهلون ومن سبها يأثم والله أعلم بغيبه وأحكم. انتهى ما كتبه المذكور في كتابه نديم الأديب بكماله١.

стр. 1054

أثرها في فارس والهند: وإذا تجاوزنا العراق وعرجنا على فارس في طريقنا إلى الهند، فإننا نجد في ((لنجة)) بلد من البلدان الفارسية الشيخ ملا عمران بن علي بن رضوان يرد على بعض قصائد الملحدين المعادين للشيخ ويثني خلال ذلك على الشيخ بقصيدة، هذا مطلعها: جاءت قصيدتهم تروح وتغتدي ... في سب دين الهاشمي محمد إلى أن قال: الشيخ شاهد بعض أهل جهالة ... يدعون أصحاب القبور الهمد تاجا وشمسانا ومن ضاهاهما ... من قبة أو تربة أو مشهد يرجون منهم قربة وشفاعة ... ويؤملون كذلك أخذا باليد ورأى لعباد القبور تقربا ... بالنذر والذبح الشنيع المفسد ما أنكر القراء والأَشياخ ما ... شهدوا من الفعل الذي لم يحمد بل جوزوه وشاركوا في أكله ... من كان يذبح للقبور ويفتدي فأتاهم الشيخ المشار إليه بالنصـ ... ـح المبين وبالكلام الجيد يدعوهم لله أن لا يعبدوا ... إلا المهيمن ذا الجلال السرمد لا يشركوا ملكا ولا من مرسل ... كلا ولا من صالح أو سيد فتنافروا عنه وقالوا ليس ذا ... إِ عجيب عندنا لم يعهد ما قاله آباؤنا أيضا ولا ... أجدادنا أهل الحجى والسؤدد إِنا وجدنا جملة الآبا على ... هذا فنحن بما وجدنا نقتدي

стр. 1055

فالشيخ لما أن رأى ذا الشأن من ... أهل الزمان اشتد غير مقلد إلى أن قال: لو أنصفوا لرأوا له فضلا على ... إِظهار ما قد ضيعوه من اليد ودعوا له بالخير بعد مماته ... ليكافئوه على وفاق المرشد لكنهم قد عاندوا وتكبروا ... ومشوا على منهاج قوم حسد ورموه بالبهتان والإِفك الذي ... هم يعملون به ومنهم يبتدي كمقالهم هو للمتابع قاطع ... بدخول جنات وحور خرد حاشا وكلا ليس هذا شأنه ... بل إِنه يرجو بها لموحد إلى أن قال: قالوا له ياكافرا يا فاجرا ... ما ضره قول العداة الحسد قالت قريش قبلهم للمصطفى ... ذا ساحر ذا كاهن ذا معتدي إلى أن قال: هل قال إلا وحدوا رب السما ... وذروا عبادة ما سوى المتفرد وتمسكوا بالسنة البيضا ولا ... تتنطعوا بزيادة وتردد هذا الذي جعلوه غشا وهو قد ... بعثت به الرسل الكرام لمن هدي من عهد آدم ثم نوح هكذا ... تترا إلى عهد النبي محمد وكذلك الخلفاء بعد نبيهم ... والتابعون وكل حبر مهتدي منهاجهم هذا عليه تمسكوا ... من كان مستناً بهم فليقتد

стр. 1056

إلى آخر القصيدة وهي طويلة مفيدة١. وقد أوردت في أول هذا الباب للشيخ ملا عمران هذا أبياتا سبعة من قصيدة له أخرى مطلعها: إن كان تابع أحمد متوهبا ... فأنا المقر بأنني وهابي٢ ومن فارس إلى الهند فنجد علماء السنة في الهند قد بلغهم ما يقوله دحلان وأمثاله في الشيخ فبحثوا وتثبتوا وتبينوا كما أمر الله تعالى، وكما هو منهج أهل السنة والجماعة من سلفنا الصالح، فظهر لهم أن الطاعنين في الشيخ مفترون لا أمانة لهم فأثنى عليه فحولهم في عصره وبعد عصره وعدوه من أئمة المصلحين المجددين للإسلام ومن فقهاء الحديث كما نراه في كتبهم وكما قال محمد رشيد رضا٣.

стр. 1057

ومن هذه الكتب: كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان، تأليف العلامة الكبير، المحدث الفقيه النحرير، محمد بشير السهسواني الهندي، يقول عنه مؤلف كتاب: ((الياقوت والمرجان)) ، في ذكر علماء سهسوان ما ملخصه: كان من المجددين وأحد المحققين المتأخرين، ولد في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، وتعلم في لكنو، ثم ذهب إلى دهلي فأخذ عن سيد نذيرحسين كتب الصحاح والسنن الستة وغيرها سماعا وقراءة، واستجاز من الشيخ حسين بن محسن الأنصاري اليمني، والشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى النجدى نزيل مكة والشيخ محمد السهارنبوي المهاجر بمكة. وبعد فراغه من الطلب اشتغل بالتدريس وكان وحيد عصره في سعة المعلومات والاطلاع على مذاهب السلف، يصرف أكثر أوقاته في التدريس والتصنيف والوعظ والإِرشاد، وله من المؤلفات إِتمام الحجة على من أوجب الزيارة كالحجة، وكان الشيخ محمد بشير على جانب عظيم من الورع والتقوى والعبادة وقيام الليل، وكان يغلب عليه في وعظه رقة القلب والخشية حتى تدمع عيناه، وفي ٥ المحرم سنة ١٢٩٥ هـ. استدعاه النواب صديق حسن خان بهادير من آكره إلى بهوبال وفوض إليه رئاسة المدارس الدينية في إمارة بهوبال. وقد أقر له أهل الهند كافة بقوة الاجتهاد والفضيلة العلمية واعترفوا له بها.

стр. 1058

تناظر الشيخ محمد بشير والشيخ أحمد دحلان مفتي مكة في مسألة التوحيد، فكتب الشيخ ردا عليه، كتابه المسمى (صيانة الإنسان، عن وسوسة الشيخ دحلان) . واشتهر الكتاب وطبعه علماء نجد ولم يرد عليه أحد من المخالفين. وناظر مرزا غلام أحمد القادياني في دلهي بأمر بيكم بهوبال زوجة صديق حسن خان حتى انقطع القادياني عن المناظرة. وتوفي ﵀ سنة (١٣٢٦ هـ) عن عمر بلغ أربعا وسبعين سنة١. وفي مقدمة كتابه صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان قال الشيخ محمد بشير بعد البسملة والحمدَلة والثناء على الله والشهادتين والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ . أما بعد فإني وقفت على الرسالة التي جمعها الشيخ أحمد بن زيني دحلان، أنقذه الله من دحلان الخذلان، وسماها (الدرر السنية، في الرد على الوهابية) ورأيت مؤلفها يدعي في ديباجة رسالته الباطلة الساقطة الدنية الردية، أنه جمع فيها ما تمسك به أهل السنة في زيارة النبي ﷺ والتوسل به من الدلائل والحجج القوية، من الآيات والأحاديث النبوية.

стр. 1059

فتعجبت منه التعجب الصراح، كيف وليس في الباب حديث واحد حسن فضلا عن الصحاح؟! فتأملت فيها تأمل الناقد البصير، لكي أعلم أنه هل صدق في تلك الدعوى أم كذب كذب المجادل الضرير، فوجدت دعواها عارية عن لباس الصدق والحق المبين، محلاة بحلية الزور والكذب الباطل المهين، فإِنه ليس فيها من الأحاديث إلا ما أورده التقي السبكي (في شفاء الأَسقام) وهي دائرة بين الاحتمالات الثلاثة السقام: إِما موضوعة عملتها أيدى الوضاع اللئام، أو ضعاف واهية رواها من وسم بمثل كثرة الغلط والأوهام. أو شيء يسير من الصحيح والحسن في زعمه، قاصر عن إِفادة المرام، كما بين ذلك كله الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادى في (الصارم المنكى) وليس فيها من الآيات والأحاديث الصحاح والحسان ما يدل على المطلوب المحكي. وكان حقا على المؤلف تعاطي واحد مما يذكر، لئلا يعد كلامه مما يهجر وينكر: أما إِيراده لأحاديث صحيحة أوحسنة دالة على المطلوب غير ما أورد في الشفاء أو الإِجابة عما تكلم به عليها صاحب الصارم وغيره من الأئمة الأذكياء. وإذ لم يفعل هذا ولا ذاك فليس لها فائدة ولا يؤول هذا الطول الى منفعة وعائدة. ومن عجائب صنيعه أن المؤلف مع زعمه أنه من جملة المقلدين، يستدل بالأدلة الشرعية وهو منصب المجتهدين. فعن لي أن أنبه على ما وقع فيه من مساوىء المفاهيم وزخارف الأقوال، وأراجيف الاستدلال،

стр. 1060

لئلا يغتر بها من يقف عليها ممن لا خبرة له بحقائق علم السنة من المتون والرجال١. ثم صار يورد جملة من كلامه وبعدها يَقُومُ بردها وبيان زيفها. ولقد انتصر للشيخ المظلوم، وذب عن عرضه، ونصرالتوحيد بحجته ومنطقه وآزر الحق بدلائل القرآن والسنة، وكل ذلك بأسلوب العالم المنصف، قال عنه محمد رشيد رضا: (ومن فضائل هذا الكتاب ومؤلفه علو أدبه في عباراته، وتحاميه المبالغة في ذم المذموم، ومدح الممدوح، فهو لا يطري الإمام المجدد الذي يدافع عنه، ولا يهجو المتجرم الذي يرد عليه هجوا شعريا يدخل في مفهوم السباب المذموم وإِن كان جزاءا وفاقا، ومقابلة للسيئة بمثلها، فتراه يقول في كل فرية من مفترياته على الشيخ نفسه، أو نقوله غير المسندة: هذا قول لم تصح به رواية فليأتنا بروايته وما قيل في تعديل رواتها لنجيب عنها. وجملة ما يقال في هذا الكتاب إِنه ليس ردا على الشيخ دحلان وحده، ولا على من احتج بما نقله عنهم من الفقهاء مما لاحجة فيه كالشيخ تقي الدين السبكي والشيخ أحمد بن حجر الهيتمي المكي بل رد على جميع القبوريين والمبتدعين حتى الذين جاءوا بعده إلى زماننا هذا٢.

стр. 1061

وفيما يلي أسوق مثالا من كلامه الذي ينصر به الحق وهو قوله حين يرد على دحلان في افترائه على الشيخ أنه يكفر الأمة إلا من وافقه، قال الشيخ السهسَواني: وأما قوله (فسعى بالتكفير للأمة خاصها وعامها، وقاتلها على ذلك جملة إلا من وافقه على قوله) فهذه العبارة تدل على تهور في الكذب، ووقاحة تامة، وفي الحديث "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت". وصريح هذه العبارة أن الشيخ كفر جميع الأمة من المبعث النبوي١ إلى قيام الساعة، إلا من وافقه على قوله الذي اختص به، وهل يتصور هذا عاقل عرف حال الشيخ، وما جاء به ودعا إليه؟! بل أهل البدع كالقدرية والجهمية والرافضة والخوارج لا يكفرون جميع من خالفهم، بل لهم أقوال وتفاصيل يعرفها أهل العلم. والشيخ ﵀ لا يعرف له قول انفرد به عن سائر الأمة، ولا عن أهل السنة والجماعة منهم، وجميع أقواله في هذا الباب- أعني ما دعا إليه من توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد العمل والعبادات- مجمع عليه عند المسلمين، لا يخالف فيه إلا من خرج عن سبيلهم، وعدل عن مناهجهم،

стр. 1062

كالجهمية والمعتزلة، وغلاة عباد القبور، بل قوله مما اجتمعت عليه الرسل، واتفقت عليه الكتب، كما يعلم ذلك بالضرورة من عرف ما جاءوا به وتصوره، ولا يكفر إلا على هذا الأصل، بعد قيام الحجة المعتبرة، فهو في ذلك على صراط مستقيم متبع لامبتدع وهذا كتاب الله، وسنة رسوله، وكلام أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم من أهل العلم والفتوى معروف مشهور، مقرر في محله، في حكم من عدل بالله وأشرك به وتقسيمهم الشرك إلى أكبر وأصغر، والحكم على المشرك الشرك الأكبر بالكفر مشهور عند الأمة، لا يكابر فيه إلا جاهل لا يدري ما الناس فيه من أمر دينهم وما جاءت به الرسل. وقد أفرد هذه المسألة بالتصنيف غير واحد من أهل العلم، وحكى الإِجماع عليها، وأنها من ضروريات الإسلام، كما ذكره تقي الدين ابن تيمية وابن قيم الجوزية وابن عقيل، وصاحب الفتاوي البزازية، وصنع الله الحلبي والمقريزي والشافعي، ومحمد بن حسين النعيمي الزبيدى، ومحمد بن إسماعيل الصنعاني، ومحمد بن علي الشوكاني وغيرهم من أهل العلم١،٢.

стр. 1063

ويظهر من مطالعة كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان، أن مؤلفه الشيخ محمد بشير السهسواني الهندي، قد وصلته رسائل كتبها الشيخ محمد بن عبد الوهاب واطلع على كثير من مؤلفاته ومؤلفات من بعده فهو ينقل عن الشيخ نفسه من كتبه ورسائله وينقل عن المؤرخ ابن غنام من تاريخه روضة الأفهام وينقل عن ابن الشيخ عبد الله وينقل عن حفيد ابنه الشيخ عبد اللطيف١. ولا نغفل ذكر العلامة النواب أمير بهوبال صديق حسن خان، الذي أحيا بمصنفاته السنة، وانتشرت بسببه علومها المولود سنة ١٢٤٨هـ.، ولما شب تلقى العلم عن شيوخ جهابذة كالشيخ أحمد بن عبد الرحيم المدعو بـ (شاه ولي الله المحدث الدهلوي، والشيخ حسين بن محسن السبعي الأَنصاري اليمني تلميذ الشريف محمد بن ناصر الحازمي تلميذ الإمام الشوكاني. والشيخ عبد الحق بن فضل الهندي تلميذ الإمام الشوكاني أيضا٢، وهو الذي استدعى الشيخ بشير السهسواني صاحب كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان سنة ١٢٩٥ هـ. من آكره إلى بهوبال وفوض إليه رئاسة المدارس الدينية في إمارة بهوبال٣.

стр. 1064

وكان معجبا بالإمام الشوكاني، ومحصلا لمؤلفاته وله كتاب الدين الخالص في التوحيد والتحذير من ضده. وجرت من بعض مشايخ الدعوة له مكاتبات كالشيخ حمد بن عتيق، فقد أرسل إليه الشيخ حمد رسالة أولها بعد البسملة: (من حمد بن عتيق إلى الإمام المعظم، والشريف المقدم محمد الملقب صديق زاده الله من التحقيق، ... وذكر الشيخ حمد أنه وصله تفسيره، وأثني عليه وبين له أمورا لاحظها وهي بسيطة بجانب ما أحسن فيه من تفسيره١. ورحل إليه الشيخ سعد بن حمد بن عتيق وأخذ عنه في الهند وعن غيره٢. كما ارتحل الشيخ إسحق بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ إلى بهوبال وأخذ عن الشيخ محمد بشير السهسواني والشيخ حسين بن محسن الأنصاري شيخ صديق حسن خان ٣ وغيرهما في مدرسة بهوبال السلفية تحت رعاية عالمها صديق حسن خان رحمه الله تعالى. وكذلك الشيخ سعد بن الشيخ حمد بن عتيق رحل إليهم لطلب العلم ولما سألوه عن معتقد مشايخه من أهل بلده أجابهم سنة ١٣٥٢ هـ وكتب لهم في

стр. 1065

ذلك١. وممن ألف في سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته من كلية ندوة العلماء بالهند الأستاذ مسعود عالم الندوي وهو من الأحناف في أول أمره، وتتلمذ على الدكتور محمد تقي الدين الهلالي من أول سنة ١٣٤٩ هـ إلى سنة ١٣٥٢ هـ. في الهند ثم في بغداد بعد ذلك التاريخ أقام عند الدكتور الهلالي مدة سنة وبصحبة الأستاذ عاصم الحداد، وكان أحد رؤساء الجماعة الإسلامية التي يرأسها الأستاذ المودودي فسجن معه في الباكستان وبقي سنين في السجن فلم يجد سبيلا إلى التأليف فعكف على نيل الأوطار للشوكاني فتبين له أن التعصب للمذهب الحنفي من غير حجة لا يرضاه الله ولا يرضاه السلف الصالح ومنهم الإمام أبو حنيفة نفسه فرجع عن التعصب والتزم اتباع الكتاب والسنة٢. وقد ألف هذا الأستاذ كتابا عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما ذكرنا وعنوانه: محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه باللغة الأردية، وترجمه منها إلى اللغة العربية الأستاذ عبد العليم بن عبد العظيم البستوي، وقدم له الدكتور محمد تقي الدين الهلالي فقال فيه: "وإذا كان الفضل في إِخراج هذه الدرة الثمينة يرجع إلى تلميذي مسعود عالم

стр. 1066

الندوي، فإن الفضل في إِخراجها من عالم العجمية إلى عالم العربية إلى تلميذي عبد العليم بن عبد العظيم البستوي المتخرج في الجامعة الإِسلامية" ١. ويقول المترجم وهو زميلنا عبد العليم عبد العظيم البستوي ما ملخصه: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب من المجددين المجاهدين، ولذا درست سيرته وتعرفت طريقته في كتب كثيرة ألفت في ذلك فرأيت كتاب الأستاذ مسعود عالم الندوي ﵀ يمتاز بأنه ألف لنصرة الحق وأداء الواجب والتزم الإِنصاف في ما ناقشه من قضايا وبحوث مع الاطلاع على كثير من الكتب حول الشيخ من عربية وأعجمية، وسيجد القارىء في هذا الكتاب سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته وأنها سيرة إسلامية ودعوة إسلامية خالصة وأنها دعوة تحاول أن تعود بالمسلمين إلى الرقي والمجد والازدهار كما كانوا في القرون الأولى إِنها دعوة دعا إليها جميع الأنبياء والمرسلين، وإِن محمد بن عبد الوهاب لم يبتدع شيئا من عنده ولا خرج عن عقيدة المسلمين التي اتفق عليها أئمة الإسلام كلهم٢. وفي الهند جهود مخلصة في خدمة السنة المطهرة يتحدث عنها زميلنا عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي في كتابه بهذا العنوان الذي نشرته

стр. 1067

إِدارة البحوث الإِسلامية والدعوة والإِفتاء بالجامعة السلفية في بنارس بالهند. وحركة الانطلاق الفكري بالهند وجهود الشاه ولي الله الدهلوي وفي غيرها من نشاطات إسلامية والجامعة السلفية في بنارس بالهند التي أنشئت في سنة ١٣٨٣ هـ. تحت إِشراف جمعية أهل الحديث الهندية. وهذه كلها وإِن لم تكن قد أخذت عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية مباشرة فهي تلتقي معه في عقيدة السلف الصالح على الأغلب، وهذا ما تحرص على أن تؤكده كتاباتهم ففي كتاب بعنوان حركة الانطلاق الفكري بالهند وجهود الشاه ولي الله الدهلوي تأليف محمد إسماعيل السلفي وتعريب مقتدي حسن الأعظمي: يقولون إِن تسمية ما هم عليه بالوهابية كذب محض وافتراء عظيم، فالمركز الرئيسي للوهابيين الحجاز ونجد. ويقولون: إنهم هم الذين أخذوا علم الحديث من الهند، أو استفادوا من العلامة حياة السندي والحافظ الشوكاني في الحديث، فكأن الوهابيين أيضا قد أخذوا السلفية من الهند أو اليمن والحجاز١. وكانت تطبع بعض مؤلفات الشيخ بالهند وتاريخ ابن غنام، وينتشر هناك ما ينتشر من ذلك ولهذا أثر كبير في بث الوعي الإسلامي السليم والعقيدة السلفية بالهند.

стр. 1068

أثرها في مصر: ونعود من الهند إلى مصر، وما أدراك ما مصر؟! إذا تذكرنا الحملة المصرية وما أعقبها من ترحيل من قدروا عليه من آل سعود وآل الشيخ من الدرعية إلى مصر بحريمهم وذراريهم ومعهم علمهم وعقيدتهم السليمة، التي لا تزول وإن زالت الدولة والرواسي، فالعقيدة أمر ثابت يبقى ولا يزيله حتى الموت ومفارقة الروح الجسد سيما إذا كانت عقيدة صحيحة ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومع هذه الحال لا بد وأن يظهر أثر العقيدة ونلتمس مما كتبه المؤرخ المصري الشيخ عبد الرحمن الجبرتي ما يبين أثر هذه العقيدة، فنجده ينتقد محمد علي باشا وجميع من شاركه في محاربته، وينتقد احتفالهم الهائل بوصول من قدروا على أسره من أنصار العقيدة السلفية وحملتها: ويقول عن احتفالهم: وكان ذلك من أغرب الأعمال التي لم يقع نظيرها بأرض مصر، وما يقرب من ذلك". إلى أن قال: وقد ذهب في هاتين الملعبتين من الأموال ما لا يدخل تحت الحصر، وأهل الاستحقاق يتلظَّوْنَ من الفشل والتفليس مع ما هم فيه من غلاء الأسعار في كل شيء وانعدام الأدهان. إلى أن قال: وأعصوان المحتسب مرصدون لمن يرد من الفلاحين والمسافرين بالسمن فيحجزونه لمطالب الدولة ومطايخهم ودورهم في هذه الولائم والجمعيات) ١.

стр. 1069

وكان قد ذكر زينتهم ووصف إسرافهم وألمح إلى أن معظمها كان حيث مساكن الأفرنج والأرمن فإِنهم تفننوا في عمل التصاوير والتماثيل وأشكال السُّرُجِ وغيرها، وذكر أنها ملاهي وأغاني وتسماعات وقيان وجنك رقاصات١. وتظهر العقيدة في مقابلة الباشا المزهو بغرور النصر المؤقت للإمام عبد الله المصاب الصابر ويحدثنا عن ذلك الجبرتي فيقول: "وصل عبد الله الوهابي فذهبوا به إلى بيت إسماعيل باشا ابن الباشا فأقام يومه وذهبوا به في صبحها عند الباشا بشبرا فلما دخل عليه قام له، وقابله بالبشاشة وأجلسه بجانبه، وحادثه وقال له (ما هذه المطاولة؟) فقال: "الحرب سجال" قال: "وكيف رأيت إبراهيم باشا؟ " قال: "ما قصر وبذل همته، ونحن كذلك.. حتى كان ما كان قدره المولى" فقال: "أنا إن شاء الله تعالى أترجى فيك عند مولانا السلطان" فقال: "المقدر يكون ... " ٢. ثم لما قتل الإِمام عبد الله شهيدا ومن معه قال الجبرتي: "فذهبوا مع الشهداء" ٣ وهذا يعني تأثره بعقيدة السلف الصالح.

стр. 1070

وذكر أَن ابن الإمام عبد الله هو وخواصه ومن معهم نحو أربعمائة نسمة أسكنوا بدور بالقشلة، ولم يكن على ابن الإمام هو وخواصه حرج يذهبون ويجيئون ويترددون على المشايخ وغيرهم ويمشون في الأسواق ويشترون البضائع والاحتياجات. ونجد الجبرتي ينكر بيعهم بعض الأسرى ويقول "هم مسلمون أحرار" ١. وهذا قديم في أمثالهم فقد باعوا يوسف عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة والسلام. ولعل هذا مما دس على الجبرتي، إذ الحوادث التي جرت أثناء تلك الحروب مشهورة، وهذا ليس منها في الشهرة. وما من شك أن مثل هذه الأمور تبين همجية أعداء السلف الصالح وبعدهم عن الشريعة الإسلامية. وتبين صفاء العقيدة لدى أصحابها ونقاءها حتى في الحالات التي قد ذهب عنهم كل شيء وفسدت دنياهم عليهم هم لا يزالون مشاعل خير وعلامات رشد تدعو إلى عقيدة السلف الصالح إن لم يكن بلسان مقالهم وسلطانهم فبلسان حالهم. وقد ذكرت قبل قليل كلام أحمد سعيد البغدادي في بحث أثر عقيدة الشيخ السلفية في العراق ومن كلامه ذلك كلامه عن سبب حرب

стр. 1071

صاحب مصر لهذه الطائفة، وأنه كما ذكره (سيديو) الفرنسي وخلاصته أن إِنكلترا وفرنسا حين علمتا بقيام محمد بن عبد الوهاب وابن سعود وبانضمام جميع العرب إليهما لأن قيامهما كان لإِحياء كلمة الدين، خافتا أن ينتبه المسلمون فينضمون إليهما وتذهب عنهم غفلتهم ويعود الإسلام كما كان في أيام عمر ﵁ فيترتب على ذلك حروب دينية وفتوحات إسلامية ترجع أوروبا منها في خسران عظيم فحرضتا الدولة العلية على حربهم وهي فوضت ذلك إلى محمد علي باشا وحصل ما حصل (ولكل أجل كتاب) ١. ويؤيد ما أفاد به أحمد سعيد الكاتب الأمريكي لوثروب ستودارد حيث يقول وبدافع من ولائه للصليبية عن محمد علي في حملته المشؤومة على المسلمين ما نصه: "وكان هذا المقدام الألباني سيد مصر وأميرها، واقفاً حق الوقوف على قدرة أوربة وشدة بأسها وتفوقها، فدعا إليه ضباطا من أهل الغرب فنظموا له جيشا قويا، ودَرَّبُوه تدريبا على الطراز الغربي، وجهز بمعدات الأسلحة الغربية، وكان غالب هذا الجيش مؤلفا من المقاتلة الألبانيين الأشداء، فسرعان ما أجاب محمد علي نداء السلطان فأيقن حينئذ أن الوهابيين على شدة غيرتهم الدينية وحماستهم لن يستطيعوا بعد الوقوف في وجه البنادق والمدافع الأوربية يطلق عيارها جنود مجربون"٢.

стр. 1072

ويذكر الأستاذ مسعود الندوي: أن الحكومة البريطانية هنأت إبراهيم باشا على تدميره الدرعية وقضائه على حضارتها١ وهذا تأكيد على أن عدو عقيدة الشيخ وأنصارها هم أعداء الإسلام والمسلمين. وها هو الشيخ الجبرتي المؤرخ المصري المشهور يصف إبراهيم باشا بما هو متصف به من صفات يتصف بها كل أضداد السلف الصالح ذوي الإسلام الخالص. فيقول: "ورجع إبراهيم باشا من هذه الغيبة متعاظما في نفسه جدا وداخله من الغرور ما لا مزيد عليه حتى إن المشايخ لما ذهبوا

стр. 1073

للسلام عليه والتهنئة بالقدوم عليهم فلما أقبلوا عليه- وهو جالس في ديوانه- لم يقم لهم ولم يرد ﵈ فجلسوا وجعلوا يهنئونه بالسلام فلم يجبهم ولا بالإِشارة بل جعل يحادث شخصا سخرية عنده. وقاموا على مثل ذلك منصرفين ومنكسرين١. ولا شك أن مثل هذا يكون حافزا للمشايخ وغيرهم من أهل مصر أن يعيدوا النظر في عقيدة السلف الصالح التي يحملها من أوفدوا عليهم ويعلموا أن إبراهيم باشا المتسلط إنما احتقرهم لأنه إنما كان قد انتصرعلى أمثالهم فكيف يهنئونه على ذلك لولا هوانهم عند أنفسهم وقد احتقرهم لأنهم كذلك، وهذا دليل لهم صارخ على أن من حاربهم الباشا من أهل نجد ما حاربهم إلا لأنهم مسلمون من أتباع السلف الصالح من المسلمين وأن نظرته إلى جميع المنتسبين إلى الإسلام واحدة هي نظرة ازدراء واحتقار لهم ولما اتسموا به من الإسلام فهو قد انتصر عليهم بزعمه وعلى دينهم فلم يبق في نفسه لهم احترام وإِن كانوا من المشايخ العظام، وأصحاب العلوم والفهوم. وهذا بلا شك يعطي ردود فعل متعاطفة مع أبناء الشيخ العلماء وسائر حملة عقيدة السلف الصالح خصوصا الذين نقلهم الباشا إلى مصر، ويكون له دوركبير في التأثير، ومؤشره تأثر الشيخ عبد الرحمن الجبرتي رحمه الله تعالى والذي ألمحنا لطرف منه هنا. ونورد ما ذكره عبد

стр. 1074

الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ في تعليقه على عنوان المجد من أسماء آل الشيخ الذين نقلهم الباشا إلى مصر، فيقول ما خلاصته إن ابن بشر لم يذكر في تاريخه أسماءهم مع أنهم محدودو العدد ومشهورو الأسماء بل هم قادة الدعوة وزعماء الإِصلاح في ذلك الوقت ولمزيد الفائدة نذكر أسماءهم فهم: الشيخ عبد الله بن الشيخ وصحبته حرمه وابنه الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله، والشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد وصحبته حرمه وابنه الشيخ عبد اللطيف، وكان عمر الشيخ عبد اللطيف ذلك الوقت لا يزيد عن ثمان سنوات. والشيخ علي بن الشيخ محمد، والشيخ إبراهيم بن الشيخ محمد. هؤلاء هم الذين نقلهم الباشا إلى مصر، فأما الشيخ عبد الرحمن بن حسن فمكث بمصر ثمان سنوات ثم رجع إلى الرياض بعد تولي الإمام تركي بن عبد الله الحكم بسنة أي سنة ١٢٤١ هـ. وأما ابنه الشيخ عبد اللطيف فبقي بمصر واحدا وثلاثين عاما ثم رجع إلى الرياض في ولاية الإمام فيصل بن تركي سنة ١٢٦٤هـ١. وأما الشيخ عبد الله بن الشيخ فتوفي بمصر سنة ١٢٤٢هـ٢. ويقول ابن بشر: "وكان لعبد الله المذكور ابن اسمه عبد الرحمن

стр. 1075

جلب معه إلى مصر وهو صغير وذكر لي أنه اليوم في رواق الحنابلة في الجامع الأزهر وعنده طلبة علم وله معرفة تامة ودراية عظيمة١. ولعل ذلك من عوامل نشر عقيدة السلف الصالح وإقامة الحجة بها وكذا الشيخ علي بن الشيخ فقد توفي بمصر في سنة ١٢٤٥هـ. على أغلب الظن كما يقول عبد الرحمن بن عبد اللطيف٢. وكذلك الشيخ إبراهيم بن الشيخ فإنه توفي بمصر ولم يقف ابن قاسم على تاريخ وفاته لكنه كان موجودا سنة ١٢٥١هـ. في مصر٣. ووجود مثل هؤلاء المشايخ إلى هذا الزمن في مصر، واحتكاكهم بطلبة العلم والمشايخ والعلماء سيكون له أثر في نشر عقيدة السلف الصالح وهم أبناء الشيخ المشهود لهم بالعلم والتحقيق كما قال الحفظي: أولاده مشايخ التحقيق ... وسدرة في منتهى الطريق٤ وعلى كل حال فالأثرلم يبد بارزا حتى أعاد الله الكرة لعقيدة السلف الصالح بالإمام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل. عندئذ وجدنا مطبعة المنار بمصر، ومجلة المنار بمصر وصاحبها محمد رشيد رضا، يقبل الخير ويتجاوب مع الملك عبد العزيز في نشرمؤلفات وآثار علماء

стр. 1076

الدعوة وعلى رأسهم الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب. فهذه مجموعة الرسائل والمسائل النجدية أربعة مجلدات كبار وغيرها وكثير من كتب السلف الصالح في الفقه والتفسير والحديث وغير ذلك بلغ المجلدات الكبار وبلغ قدرا كبيرا من ذلك كان له أثر كبير في بث الوعي بين المسلمين ونشر ضالتهم من الحق في تلك المؤلفات السلفية ومحمد رشيد رضا يخدمها بالتعليق والإِشراف على طبعها وكانت له مواقف حميدة وكتابات منصفة وبيانات للحق ناصعة في مجلته الكبيرة مجلة المنار التي بلغت ما يربو على عشرين مجلدا واستمر صدورها سنين عديدة وكان ينشر دفاعا مجيدا عن دعوة السلف الصالح، وما يدفعه إلى ذلك إلا تأثره بعقيدة السلف الصالح وتطلعه إلى نهضة المسلمين إذا استيقظوا من غفلتهم إلى دينهم بهذه العقيدة السليمة ومن كتاباته أجد بين يدي طائفة من المقالات نشرت في مجلة المنار، وجريدة الأهرام جمعت وأصدرت بعنوان: ((الوهابيون والحجاز)) وكانت طبعتها الأولى سنة ١٣٤٤ هـ. وأصبحت كتابا بذلك العنوان ويضم من الأبحاث أضواءا على حقيقة العقيدة السلفية، مثل تسجيله: شهادة التاريخ للوهابيين، وبيان عجز الشريف الحسين عن القيام بعقيدة السلف الصالح وأنه وإلى الأجانب على العرب وجعل الحجاز دولة حربية ونفسه ملكا للعرب وعزم على إِخضاع نجد واليمن بالقوة مع عداوته لابن سعود وطعنه في عقيدته السلفية مما جعلها الله أسبابا لزحف ابن سعود على الحجاز وتمكينه من ولايته

стр. 1077

وتطهيره ثم شخص السبب لعداوة أشراف مكة المستولين عليها لأهل نجد عن مؤرخ مصري، وأنه ليس السبب في غير العقيدة، فأهل نجد يعتقدون عقيدة السلف الصالح، وأولئك على خلافها، ثم ذكر أشهر وقائع تعدى أهل الحجاز على النجديين ومنها منعهم من الحج ودسائس الشريف في نجد وإِغراؤه جيرانها بها وإِحباطه مؤتمر الكويت١ والوثائق الرسمية لنجد على أهل الحجاز ثم يتحدث عن صبر سلطان نجد وأنه صبر لم يعهد له نظير من قوى يعتدى عليه دينيا ودنيويا حتى علم هو وأمته بعد التروي واستفتاء العلماء أن إِنقاذ الحرمين من الحسين واجب شرعا ولو لم يكن لذلك موجب إلا منع أهل نجد من الحج لكفى. ويقول محمد رشيد رضا فكيف إذا أضيف إلى ذلك سائر ما أشرنا إليه فيما أجملناه في الأهرام وفصلناه في المنار من إلحاده بالظلم لأهل الحرمين والحجاج، وإِدخاله للنفوذ الأجنبي في البلاد وخطره على الأمة العربية وما بقي لها من البقعة الصغيرة المستقلة في جزيرتها وتكفيره للترك وللمصريين كالنجديين ثم تنحله منصب الخلافة. أما السلطان عبد العزيز ففي تصريحه نص قطعي باعترافه هو وعلماء بلاده بإسلام جميع الشعوب الإسلامية والرغبة في

стр. 1078

التعارف والتواد معها وبأن هؤلاء الأمراء الحجازيين ورثوا عن سلَفِهمْ تكفير النجديين والطعن فيهم والتنفير منهم. وقال محمد رشيد: وقد استفتينا واستفتى غيرنا في شأن هذا البَاغِي الشريف حسين في سنة ١٣٤١ هـ. فأفتى بعض علماء الأزهر بأنه من البغاة المتغلبين الذين يجب قتالهم على إمام المسلمين وكتبنا فتوى مطولة نشرناها في المنار الذي صدر في ذى الحجة من تلك السنة ج٨ م ٢٤ ص ٥٩٣-٦١٦ ونشرناها في جريدة الأهرام أيضا أجملنا فيها صفاته وجناياته، ولكننا استدركنا على من جعل حكمه حكم البغاة متسائلين أين إمام المسلمين الأعظم الذي يجب عليه قتاله؟ ثم بينا أن إِنقاذ الحرمين من بغيه وظلمه يجب على كل من يقدرعليه من جماعات المسلمين وأمرائهم وأن أقدرهم على ذلك سلطان نجد وإمام اليمن وذكرنا ما يقال في المانع المشترك لهما من ذلك وهو الخوف أن يفضي إلى تدخل الإِنكليز في الحجاز لأنه جعله تحت حمايتهم١. وفي مقالة لمحمد رشيد رضا يبين نهضة الوهابيين كما يسميهم بالإِصلاح وما آلوا إليه وأن آل سعود أهل نهضة إصلاحية إِسلامية وخصوصا السلطان عبد العزيز، السلطان العامل الصامت بخلاف ملوك الدعاية القوالين ثم كتب ملخصا لسيرة السلطان ابن سعود وملخصا

стр. 1079

لسيرة الشريف. ورد على الدعايات الكاذبة١. إلى آخر ما كتب وبين فكان لكتاباته أثر في تنبيه المصريين خصوصا والمسلمين عموما إلى رشد حملة عقيدة السلف من أهل نجد وصحة عقيدتهم، وأَنه لأثر كبير لاشك فيه، سيما والشيخ محمد رشيد رضا عالم محقق يأمر بالسنة وينهى عن البدعة خصوصا بدع القبورين في العبادة كما في مقالاته هذه ويقصد نهضة المسلمين جميعا ويهدف لمصلحتهم، ومحمد رشيد رضا حين يدعو للملك الإمام عبد العزيز وللعلماء الذين معه، يعلم أن عقيدتهم السلفية هي الأصلح للمسلمين عامة. ويقول الشيخ محمد رشيد رضا في رسالته التي بعنوان: (السنة والشيعة أو الوهابية والرافضة) : "ولما رأيت ما رأيت من سوء أمر مؤتمر النجف لشيعة العراق، ومن أمارات نشر الإِلحاد في إِيران والأفغان، ومن تجديد الشيخ العاملي في تواليفه والشيخ عارف الزين في مجلته الطعن في السنة، وتنفير المسلمين من دولتها الوحيدة في إِقامتها ونصرها، ومن بث الرفض والخرافات بين المسلمين، رأيت من الواجب علي أن أظهر للمسلمين ما يخفى على جمهورهم من الحقائق التي لم يكن العاملي ولا الزين يعلمان بوقوفي عليها، لعلهما يفيئان إلى أمر الله، فكتبت الفصول الآتية بهذه النية". وتشير الرسالة إلى أن العاملي المسمى محسن الأمين وهو الرافضي

стр. 1080

المتعصب ألف كتابا استغرق خمسمائة صفحة، جعل عنوانه (الرد على الوهابية) . ودس فيه ما يبغي من الخرافات القبورية والرفضية، والطعن في حكم الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود وعلى ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الهادي والشيخ محمد بن عبد الوهاب ويرد الشيخ محمد رشيد رضا بقوله: "أقول: أولا: إن الوهابية يدعون بحق أنهم موحدون وحامون لحمى التوحيد من تطرق الشرك، وكان يدعي هذه الدعوى بحقٍ قبلهم شيخ الإسلام. يعني ابن تيمية. ثانياً: أن الوهابية لم يدعوا أنهم هم الموحدون وحدهم وأن غيرهم من جميع المسلمين، مشركون كما افترى عليهم هذا الرافضي المتعصب وغيره، بل لم يدعوا أنهم فرقة أو أهل مذهب مستقل ... وإنما يقولون كما يقول غيرهم من العلماء بتوحيد الله الذي دعت إليه جميع رسله" ١. ويأتي من بعد المنار وصاحبه، جماعة أنصار السنة المحمدية ورئيسها محمد حامد الفقي ومطبعتهم، فقد كان لهم دور في بث العقيدة السلفية ونشر كتب عقيدة السلف الصالح وبيان الحق والرد على طوائف الصوفية المنحرفة عن السنة، وكان لرئيس جماعة أنصار السنة المحمدية الشيخ محمد حامد الفقي نشاط خاص في هذا المجال وله كتاب سماه أثر الدعوة الوهابية في الإِصلاح الديني والعمراني في جزيرة العرب وغيرها كتبه

стр. 1081

وتحدث به في نادي جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر وهذا النادي يحضره كثير من المصريين وغيرهم وقد نفع الله به وطبع عام ١٣٥٤ هـ. بمطبعة النهضة بشارع عبد العزيز بمصر، وقال الشيخ محمد حامد الفقي في مقدمته: أما بعد فهذ نبذة لطيفة في بيان حقيقة الدعوة الوهابية وإمامها وشيعتها وأنصارها وقصة إِزاحة الأوهام وإِبطال الأكاذيب التي نسجت حولها. وذلك لتخبط الكثير من الناس في شأنها١. وغيرهما، ويتعاون معهم في نشر عقيدة السلف الصالح بدافع من إيمانه وإيمان جماعته بسلامة منهجهم. ونذكرمن أبرزهم شيخنا الدكتور محمد خليل هراس فقد كتب عن منهج الشيخ وأنصاره وسمى ما كتبه: الحركة الوهابية وهو رد على مقال للدكتور محمد البهي في نقده للوهابية وطبعته الجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة عام ١٣٩٦ هـ. وقال في مقدمته ما ملخصه: لأستاذنا الدكتور محمد البهي كتيب نشرته (دار الفكر ببيروت) عالج فيه الفكر الإِسلامي في أدواره وعقد فيه فصلا عن الحركة الوهابية وملأه بمزاعم لا تتفق مع الحق، ولا سند لها من الواقع، ونقدها نقدا جانب فيه الإِنصاف ولم يراع فيه موازين البحث العلمي٢.

стр. 1082

ثم إن الدكتور الهراس نقض نقده ورد عليه ردا منصفا أجاد فيه وأفاد رحمه الله تعالى. ولا ننسى محمد منير بن عبده آغا النقلي الدمشقي الأزهري: صاحب ((دار الطباعة المنيرية)) في القاهرة. تفقه في الأزهر سلفيا وأصبح من علمائه. وأنشأ دار الطباعة المنيرية (١٣٣٧ هـ) ونشركثيرا من المصنفات القديمة والحديثة. وصنف كتاب: نموذج من الأعمال الخيرية في إدارة الطباعة المنيرية- مطبوع أنجزه في شعبان ١٣٥٨ هـ. وله (إِرشاد الراغبين في الكشف عن آي القرآن المبين) مطبوع وتوفي بالقاهرة١، وله المجموعة المنيرية وهي مجموعة رسائل سلفية لشيخ الإسلام ابن تيمية والصنعاني والشوكاني والصابوني وَأَبي محمد الجويني وغيرهم. وسماها المجموعة المنيرية وله عليها تعليقات وقد خدم كثيرا من رسائل السلف خاصة ومؤلفاتهم، ومن ذلك مجموعة بعنوان: (الأصول الثلاثة وأدلتها ويليها شروط الصلاة وواجباتها وأركانها، والقواعد الأربع للشيخ محمد ابن عبد الوهاب علق عليها وصحح أصولها وكساها حواشي مفيدة محمد منير الدمشقي، طبعت في القاهرة، إدارة الطباعة المنيرية بلا تاريخ٢

стр. 1083

ومنها: كتاب التوحيد الذي هوحق الله على العبيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب نشر المكتبة القيمة، بمباي والقاهرة، دار الطباعة المنيرية سنة ١٣٤٤ هـ١. ومنها: كشف الشبهات للشيخ محمد بن عبد الوهاب علق عليه وصححه محمد منير الدمشقي، وفي ذيله نبذة في الحث على اتباع الكتاب والسنة والعمل بهما للمعلق طبع القاهرة في إدارة الطباعة المنيرية، سنة ١٣٥١ هـ٢. وفي مقدمة الأصول الثلاثة وأدلتها يقول الشيخ محمد منير عبده أغا الدمشقي الأزهري بعد الثناء على الله والصلاة والسلام على رسوله ﷺ . أما بعد: سألني كثير من أهل العلم والمعرفة أن أطبع رسالة الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في الأصول الثلاثة وأدلتها وشروط الصلاة وواجباتها وأركانها وأنشرها بين المسلمين لاسيما العوام منهم لينتفعوا بها ويعملوا بأحكامها، وهى سهلة موجزة صحيحة على مذاهب أهل السنة والجماعة فأجبتهم لذلك٣. كما نذكر المطبعة السلفية ومكتبتها وصاحبها محب الدين الخطيب،

стр. 1084

وقد طبعت كثيرا من كتب السلف الصالح مع التحقيق والعناية من ذلك طبعهم لمجموعة التوحيد النجدية وعنايتهم بها، ولازالت حتى بعد وفاة مؤسسها تحت إِشراف ابنه قصي. وكذلك مطبعة المدني المؤسسة السعودية في مصر وغيرها من المطابع التي تطبع آثار الشيخ ومؤلفاته وسائر مؤلفات السلف الصالح مما يكون له تأثير في نشر العقيدة السلفيلية. وما يزال مدد تأثير عقيدة السلف الصالح في زيادة واستمرار خصوصا لما نهضت المملكة بالتعليم واستوفدت مدرسين من مصر لجامعة الإمام محمد بن سعود والجامعة الإِسلامية، وغيرهما من جامعات المملكة فإن هؤلاء الأساتذة يعودون بانطباعات ومشاعر يحملونها ويبثونها في مجتمعاتهم وهذا ليس خاصا بمصر غير أنه في مصر أكثر ظهورا، ونذكر على سبيل المثال أستاذا زائرا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية في العام الجامعي ١٣٩٥-١٣٩٦ هـ. وهو المستشار عبد الحليم الجندي، والرئيس السابق لإِدارة قضايا الحكومة في جمهورية مصر العربية ورئيس لجنة تجلية مبادىء الشريعة الإسلامية بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، وعضو لجنة الشريعة بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، جاءنا زائرا ثم عاد يخرج كتابا اسمه (الإمام محمد بن عبد الوهاب أو انتصار المنهج السلفي) يقول في مقدمته: ومن أجل الاعتبار بما صنعه ابن عبد الوهاب وحاجة العصر الحالي

стр. 1085

إلى التأسي بكل كلمة قالها وكل صنيع صنعه وضع هذا الكتاب، ليذكر كل ذي بصر أن صفحات هذا التاريخ العظيم تتكرر ويعني تاريخ الإسلام إلى أن يقول: "بهذا أصبحت المملكة العربية السعودية دولة رائدة في المجتمع العالمي، معلمة للمجتمع الإسلامي، بانتصار الشريعة على الجريمة والرذيلة والتواكل والجهل والفشل بسيادة العدالة والطمأنينة وانتشار الجامعات وازدهار الأخلاق الرغيبة والائتمار بالمعروف والتناهي عن المنكر. وبهذا قامت جماعة إسلامية حقا هي آدىٍ للأمانة وآكد في التعامل، وأبعد من التبذل، وأصون للحرمات، تتواصل فيها الطبقات وتكدح، وتجد وتجتهد، وتثبت لعالم تتخاذل دوله، وتتسلل شعوبه أن العذاب يحل بالأمم من أنفسها، ولا يصيب الذين ظلموا خاصة، وأن الله صادق وعده ناصر جنده، وإن غبي عن ذلك عبدة القوة أو المادة، أو عمي الآخرون عن رؤية الواقع" ١.

стр. 1086

حول مايقال في تأثر بعض الحركات والدعوات بعقيدة الشيخ السلفية وما قيل من تأثر بعض الحركات والدعوات في خارج سلطان أنصار عقيدة الشيخ مثل حركة السنوسي في ليبيا وحركة أحمد بن عرفان في الهند، وحركة الفرائضيين في الهند، وحركة نزار علي في الهند أيضا، وحركات البدري الثلاث في أندونيسيا، وحركة الإِخوان المسلمين، وبعض دعاة في البلدان قيل إنهم تأثروا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مثل الشيخ محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، والجمعية الشرعية في مصر، وما قيل أيضا أن الثورات التي انطبعت بطابع ديني تأثرت بدعوة الشيخ كالثورة المهدية في السودان وثورة ايش محمد كول في التركستان، وما قيل من أن إِصلاح سلطان المغرب المولى سليمان بن محمد في المغرب، وعبد الحميد بن باديس في الجزائر، قد تأثروا بدعوة الشيخ١، كل ذلك

стр. 1087

يحتاج إلى دقة وتحقيق ودليل يثبت أن هذه الدعوات والحركات تأثرت بعقيدة الشيخ وحركته ودعوته وقيام أنصاره. وأغلب ما تعتمد عليه هذه الأقاويل على مصادر غربية بعيدة معادية لا دقة لديها ولا تحقيق، ولكن تعتمد على الظنون وما تريده من تشويه للصورة الصحيحة حتى لا يفهم الناس الحقيقة. والحقيقة أن هذه الدعوات والحركات والثورات نابعة من أهلها، وهم بأنفسهم لا يذكرون أَنهم من أتباع الشيخ ولا أنهم تتلمذوا عليه أو

стр. 1088

قرأوا كتبه ومؤلفاته وأرادوا تطبيقها ولا أحد يثبت ذلك فيذكره، بل إن هؤلاء لا يعترفون بهذه التبعية، ولا بالتأثر به. وربما أن أكثرهم لا يعرفه إلا عن طريق أعدائه ودعاياتهم الكاذبة وبصورة مشوهة غير حقيقية، أو يعرفه بعضهم ولكن لا يعترف بطريقته السلفية وإِن كان ينتسب إلى السلف، كما هو شأن الأشعرية والصوفية وأهل الكلام وأهل السياسة الدنيوية التي تريد العلو في الأرض والرئاسة أو تريد الدنيا ولا تريد الآخرة. فكل هذه المذاهب وما كان على هذه الشاكلة لا تعترف بعقيدة السلف الصالح وهي العقيدة التي يعتقدها الشيخ. فأصحابها يخالفونها في كثير أو قليل والأمثلة على ذلك كثيرة فهذا السنوسي قد سئل عنه أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ حمد بن ناصر بن معمر ﵏ فقال السائل السنوسي المغربي مصنف السنوسية المعروفة بعلم الصفات فهل تنقمون عليه شيئا من ذلك؟ الخ. فكان جوابهم أن السنوسي ليس من أئمة السنة والجماعة فإن أهل السنة والجماعة هم الذين نعتهم النبي ﷺ لما ذكرأن (بني إسرائيل افترقت على ثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) قالوا ما هي يارسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" ١ والسنوسي المذكور صنف كتابه أم البراهين على مذهب الأشاعرة وفيها أشياء كثيرة

стр. 1089

مخالفة ما عليه أهل السنة، فإن الأشاعرة خالفوا ما عليه السلف الصالح في مسائل، منها: مسألة العلو، ومسألة الصفات، ومسألة الحرف والصوت. الخ جوابهم١. وبعضهم الآخر قي نصوص الصفات سلك مسلك من يفوض المعنى والكيف ولا يقول بأن، المعنى معلوم والكيف مجهول إذ لا فرق عنده بين المعنى والكيف، ثم صحح مذهب الخلف أهل التأويل المذموم وهو صرف اللفظ عن معناه الراجح من ظاهره إلى المعنى المرجوح بحجة فرارهم من التشبيه والتمثيل وهم قد وقعوا في شر مما توهموه وفروا عنه، ورجح مذهب أهل التفويض وجعلهم هم السلف٢، ولم يذكر مذهب السلف الصحيح الذي عبر عنه الإمام مالك حيث قال: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، ففرق بين المعنى والكيف وأن المعنى معلوم والكيف مجهول"، وكذلك الإمام الطحاوي قال العلم علمان علم موجود وعلم مفقود٣، فالموجود علم المعنى والمفقود علم الكيف في باب صفات الله المقدسة. وقد رد الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ قول من قال في وسيلة دعوته الله وأتوسل إليك بصفاتك الكاملة التي لا يعلمها إلا أنت فقال الشيخ عبد الرحمن: اعلم أن الذي لا يعلمها إلا هو كيفية الصفة،

стр. 1090

وأما الصفة فيعلمها أهل العلم بالله كما قال الإمام مالك: "الاستواء معلوم والكيف مجهول" ففرق هذا الإمام بين ما يعلم منه معنى الصفة على ما يليق بالله فيقال استواء لا يشبه استواء المخلوق ومعناه ثابت لله كما وصف به نفسه، وأما الكيف فلا يعلمه إلا الله فتنبه لمثل هذا فالإمام مالك تكلم بلسان السلف١. ويدعي هذا البعض من أولئك الدعاة أن في نصوص الصفات ما يوهم التمثيل والتشبيه٢. بينما أنه ليس في نصوص الصفات ما يوهم ظاهره اللائق بالله تعالى تمثيلا أو تشبيها، ومن توهم شيئا من ذلك فهو لأنه لم يعط النص حقه من التأمل والتدبر وإمعان النظر، ولو فعل ذلك لم يجد في ظاهره اللائق بجلال الله تعالى ما يوهم تمثيلا أوتشبيها وحاشا أن يكون ظاهركلام الله وكلام رسوله يوهم ذلك، والسلف والأئمة لم يكونوا يتوهمون أن ظاهرها التمثيل ولا يرضون بذلك كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية٣ وعلى ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب وسائر السلف الصالح. وفي تعاليمهم أن أركان بيعتهم عشرة أولها: الفهم ويريدون بالفهم
следующие страницы →