← Акыда

Акыда · id 12039

عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي

صالح بن عبد الله العبود

Полный текст (1 147 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

"إن العقيدة الراسخة عند النجديين- أمرائهم وعلمائهم- أن الله مكنهم في جزيرة العرب، وأن سلطانهم في تلك الجزيرة لإحياء معالم الشريعة، وإظهار دين الله وجعل سلطان التوحيد في الجزيرة هو السلطان الأول. وإزالة كل أثر من آثار الشرك". ولقد قال الإمام سعود في خطبته بعد دخول مكة سنة ١٢١٨هـ: "إنا كنا من أضعف العرب، ولما أراد الله ظهور هذا الدين دعونا إليه، وكل يهزأ بنا ويقاتلنا". وكان الملك عبد العزيز ﵀ في كل مناسبة يشير إلى هذا ذاكرا فضل الله عليه وعلى أجداده من قبل وأن ما وقع على آل سعود في أيامهم الأولى لم يكن إلا عقوبة لهم من الله تعالى لتهاونهم في أمر المحافظة على الدين والانصراف إلى أمور الدنيا. ولذا فإن المشايخ من وقت لآخر مازالوا يقدِّمون النصيحة لإمامهم ويوصونه بالمحافظة على الدين والأخذ على أيدى المتهاونين به، إذا رأوا شيئا من التراخي والتهاون من ذوي النفوذ والسلطان " ١. وكما قال حافظ وهبة: " لا يزال العلماء وذوو الحجى في كل عهد يقدمون النصيحة ولا يتوانون في لفت نظر ولي الأمر منهم إلى ما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين ويذكرونه بعاقبة التفريط وأن الله لا يغير ما

стр. 982

بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ١. وقد ثبت الله بهؤلاء جميعا الأمة، ونفع بعلم العلماء منهم الناس وقمع بهم بوادر الفتن بسلطان العلم، وسلطان السيف كما قال الشاعر في الملك عبد العزيز: فجئت بالسيف والقرآن معتزم ... تمضي بسيفك ما أمضاه قرآن وأبلغ من ذلك قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد: ٢٥) . هذا ومن يتأمل عهد آل سعود وأثر عقيدة الشيخ السلفية فيه يجده متكامل البناء متصل الحلقات، وكم لهم من يد طولى في نشركتب السلف الصالح وطباعتها وبذل الأموال الطائلة على التعليم ونشر الإسلام في الآفاق وهم بذلك أسبق أمم أهل الأرض في هذا الزمان قاطبة وأسدهم منهجا، وأسلمهم طريقا، فمنذ عهد الملك عبد العزيز وكتب السلف تطبع وتنشر وتوزع مجانا، هذه مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، والدرر السنية، ومجموعة فتاوى ابن تيمية، وكتب ابن القيم، وكتب الفقه، والتفسير، والحديث، في ذلك بين أيدينا شاهدة بآثارهم، وغيرها مما لا يحصيه إلا الله تعالى وقد تمت طباعة ذلك ونشره في هذا العهد المبارك، مما

стр. 983

كان له أعظم سبب في نشر عقيدة السلف الصالح ولولا فضل الله تعالى بهذا العهد الميمون ما وصل إلينا من ذلك عين ولا أثر، ونخص رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالذكر لما لها من اختصاص بهذه الناحية وأعمال جليلة ظاهرة من نشر لكتب السلف، ودعوة وإرشاد وإفتاء في عقيدة السلف الصالح ﵏. انتشار مؤلفات وآثار الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ويحسن هنا استعراض كيفية انتشار مؤلفات وآثارالشيخ محمد بن عبد الوهاب بصفة خاصة لما لها من أثر في نشر عقيدة السلف الصالح وإعادة الناس إليها غير أنه تمشيا مع ما تقتضيه طبيعة الدراسة الجامعية وهي الإِفادة من جهود السابقين إذا كانت جهودا علمية صادقة وعدم إهدارها أو إغفالها، لأن الدراسات العلمية متكاملة، وتهدف إلى الوصول إلى الحقيقة العلمية، فسأكتفي في هذه النقطة بالإحالة على مجهود سبقني قد أتى عليها وفرغ من بحثها صاحبه ألا وهو: دليل ببليوجرافي: أصدره الدكتور أحمد الضبيب وهو عميد شؤون المكتبات بجامعة الرياض في كتاب عنوانه: "آثار الشيخ محمد بن عبد الوهاب، سجل ببليوجرافي لما نشرمن مؤ لفاته" ١.

стр. 984

ومقصود مؤلفه أن يجد الباحث بغيته ميسرة، توخى فيه مؤلفه أن يكون كتابا جامعا للمتفرق من أعمال الشيخ ولجميع ما سطره مما وصل إلى علمه مطبوعا، يدل على مظانها وتواريخ طبعها، وأماكن نشرها، وعدد هذه الطبعات وصورها المختلفة. وجعلها في ثلاثة أبواب خصص أولها وأضخمها لما كتبه الشيخ في العقيدة ذلك أن معظم ما كتبه الشيخ يتعلق بالعقيدة، والثانى لما كتبه الشيخ في الفقه، والثالث لما كتبه الشيخ في التفسير والحديث والسيرة النبوية. وقسم الباب الأول إلى فصول ثلاثة: ١- الكتب والرسائل والنبذ، ويشتمل على ما كتبه مستقلا في شكل كتاب، أو عالجه في رسائل قصيرة أو مطولة، أو سطره في هيئة نبذ قصيرة تتعلق بموضوعات معينة وقد طبع بعض ذلك مستقلا، وطبع بعضه ضمن مجموعات الدعوة السلفية. ٢- المسائل والأجوبة، وأكثر هذه ردود على أسئلة موجهة للشيخ حول موضوعات معينة في العقيدة، أجاب عنها إجابات تختلف طولا وقصرا. ٣- المكاتبات، وتشمل رسائله الخاصة التي بعثها إلى أشخاص

стр. 985

بأعيانهم أو منشوراته العامة التي يوجهها إلى أهالي القرى والمدن ومن يراها من المسلمين. والباب الثاني لما كتبه الشيخ في الفقه، وضمنه فصلين:- الأول: الكتب والرسائل والنبذ. الثاني: الفتاوى والأجوبة الفقهية. والباب الثالث: لما كتبه الشيخ في تفسير القرآن الكريم والتعليق على بعض آياته، وما ألفه في الحديث والسيرة النبوية، واشتمل هذا الباب على فصلين: الأول: ما كتبه في تفسير القرآن الكريم والتعليق على بعض آياته واستمداد بعض المسائل من هذه الآيات. والثاني: ما كتبه في الحديث والسيرة النبوية، وتعليقات الشيخ على بعض الأحاديث. إلا أن الباحث في عقيدة الشيخ السلفية لا يستغني بهذا القسم الذي سماه الدكتور قسم العقيدة عن ما كتبه الشيخ ﵀ في التفسير والحديث والسيرة وفروع الدين مما له صلة وثيقة بالعقيدة، فإن الشيخ ﵀ بين الوحدة الموضوعية الجامعة لهذا الدين برسالته العظيمة الأصول الثلاثة، الرب، المعبود، والعبادة ودين الإسلام بمراتبه الثلاث وأدلته من الكتاب والسنة، والرسول بخصائصه وحقوقه ﷺ . ولذا لابد من الإلمام بجميع ما أثر عن الشيخ بقدر الطاقة.

стр. 986

وقد ألحق الدكتور الضبيب بكتابه فصلا مستقلاً يشتمل على بعض ما كتب من شروح على بعض مؤلفات الشيخ، وضم إلى ذلك قائمة ببعض الكتب التي تناولت شخصية الشيخ بالترجمة. وهذا السجل لا يستوفي جميع ما سطره الإمام المجدد ونشر من بعده وللمؤلف عذره في هذا، لكن فاته مما توخى أشياء: فإنه مثلا أغفل ذكر مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، الأجزاء١، ٢، ٣ وفي الأول منها آثارللشيخ ورسائل، بينما نجده ذكر الجزء الرابع من هذه المجموعة وذكر جميع أجزاء الدرر السنية حتى جزئي: ٩، ١١ رغم خلوهما من ما سطره الشيخ ولم يذكر نبذة كتبها الشيخ وهي موجودة في الجزء الثاني من الدرر السنية في صفحة ١٢، كما لم يذكر وجود النبذة التي أولها: " الواجب عليك أن تعرف إرسال الرسل في الدرر السنية ج ١ص ٩٥. ولم يحقق نسبة بعض ما نسب للشيخ من مؤلفات وآثار كما وقع له في كتاب "نصيحة المسلمين بأحاديث سيد المرسلين" ونسبه للشيخ١. وهو ليس له كما حققناه في الكلام عن مؤلفاته في المدخل. وانظر. المواد ٦٩-٧٤، ص ٣٢، ٣٣، ومادة ٨٨٩- ٨٩١، ص ١٥٣-١٥٤ من كتابه المذكور.

стр. 987

وجعل لرسالة قواعد الدين الأربع عنوانين للمطولة عنوان وللمختصرة عنوان آخر وموضوعهما واحد، إلا أن الأولى مطولة، والثانية مختصرة ووقع خطأ في ترقيم الصفحات المحال عليها في المادة ٤٢٩ ص ٨٧- وقد التزم أن يذكر طرفا من أول كل مادة١، في كتابه ولم يذكر أول المادة رقم ٣٤-٣٥ ص ٢٧. وكرر مادة واحدة من غير فائدة فانظر: مادة ٢٩٧ هي مادة ٣١١، ومادة ٢٩٨ هي مادة ٣١٢. وخلط في الإحالة على الصفحات مادة مع مادة، في المادة رقم ٢١٣ ص ٥٢ "كلمة لا إله إلا الله.. " دمج معها رسالة أخرى أولها "اعلم أرشدك الله.." وكان قد ذكرها تحت المادة ٢١١ ص ٥١ بعنوان: كلمة التوحيد، ولم يذكر وجودها في الدرر السنية، ج٢ ص ٦٢-٦٥. وحصل خطأ في كتابه تعليق على مادة"٤٢٢" وهو إنما يصلح لمادة ٤١٦. وعلى الرغم من ذلك فهو أول دليل يسجل معظم أعمال الشيخ محمد بن عبد الوهاب من مؤلفات وآثار حسب قواعد علم الببليوجرافيا الحديثة وهو نافع في ذلك، ففيه مادة لا يستغني عنها باحث جاد في آثار الشيخ، وقد استفدت منه ونسأل الله أن يجزيه خيرا ولله الحمد والمنة.

стр. 988

سأكتفي بهذه الإحالة فيما يختص بهذه النقطة تفاديا للتكرار والإطالة بذلك. غير أني أذكر ما جَدَّ في هذا الموضوع وهو ما قامت به جامعة الإمام محمد بن سعود فقد طبعت جل مؤلفات الشيخ محققة ومقابلة على مخطوطات، وطبعت مؤلفات للشيخ لأول مرة كما سبقت الإشارة إلى ذلك عند ذكر مؤلفات الشيخ في المدخل، ثم قامت بتوزيع هذه المؤلفات على كثير من الباحثين في البلدان الإسلامية، ووفرت لديهم ذلك، وهذا له قيمته الواضحة في تأثير عقيدة الشيخ أثرا صحيحا مباشرا من آثار الشيخ الصحيحة الموثوقة وفي تعريف طلاب العلم على حقيقة عقيدته والبحث الموضوعي العلمي في ذلك، وعلى أثر ذلك استكتبت الجامعة عددا كثيرا من العلماء والباحثين عن دعوة الشيخ وعقيدته ثم وصلتها بحوث في ذلك قامت بطبعها أيضا ولكن على الآلة الكاتبة وبلغت ما يقرب من ستة مجلدات ثم وزعتها على مجموعة كبيرة من طلبة العلم والكتاب والعلماء والمثقفين ومن ضمن ذلك مصورات جغرافية تبين أماكن انتشار أثر عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العالم الإسلامي بلغت أربعا وعشرين لوحة يمكن من أراد ذلك مراجعتها. وهذا عمل يبين مدى أثر عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وما من شك أن هذا الاعتناء والنشر لمؤلفات الشيخ وآثاره، يوضح جانبا من أثر عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وما كان ليتم بهذا الشكل الجيد ولا يكون لعقيدة الشيخ هذا الأثر لولا ما

стр. 989

أنعم الله به على أهل المملكة العربية السعودية رعاة ورعية وعلى الخصوص ورثة الشيخ في علمه وورثة أنصار الشيخ في قوتهم وسلطانهم. هذا ومن أعظم ما قامت به حكومة المملكة العربية السعودية تجاه العالم الإسلامي لتعليم العلم النافع والدعوة إلى الخير هو إنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في عام ١٣٨١هـ١، وهي مؤسسة علمية، ذات فائدة ومنفعة كبيرة في الدين والدنيا، عامة وخاصة. فهي منذ تأسيسها تؤتي ثمارها ويتخرج منها أفواج من أبنائها، ينتشرون في أنحاء المعمورة محققين بذلك بحول الله وقوته ما تهدف إليه الحكومة من تأسيسها، فنرجوا الله سبحانه أن يفتح بها آذاناً صماً عن استماع الحق وقلوبا غلفا قد استحكم عليها غلافها حتى صارت بعيدة عن الحق، وأعينا عميا عن النظر في الأدلة والبراهين التي نصبها الله لتدل على وجوده وأنه المستحق للعبادة دون ما سواه. وكذلك إنشاء رابطة العالم الإسلامي للقيام بمهمة الدعوة لدين الله الحق، والعمل في سبيل الله، والدفاع عن الإسلام وحث المسلمين على احترام الأخوة الإسلامية والدعوة إلى التضامن الإسلامي بالحكمة والموعظة الحسنة.

стр. 990

وأَنَّ ما ينعم فيه أهل البلاد السعودية من نعمة لا مثيل لها في العالم كله في هذا الزمان من أمن في الأوطان وصحة في الأبدان، واتحاد تحت راية التوحيد تحت ولاية آل سعود ما هذا إلا من أثر تلك العقيدة السلفية. وإننا ولله الحمد كما يشهد الواقع نمتاز في هذه المملكة عن جميع من حولنا ومن في أقطار المعمورة كلها بهذه الميزة، وكلما كنا متمسكين بعقيدة السلف الصالح كلما كانت آثارها من الأمن والهداية أرسخ وأقوى كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: ٨٢) . ومن يخالجه شك فليستقرىء الواقع في العالم الإسلامي بل وفي غيره وسيجده شاهدا بذلك، وهذا شأن عقيدة السلف الصالح لأنها قطب رحى المسلمين، ويوم يحققونها تكون لهم الإمامة والتمكين وعد الله لا يخلف الميعاد قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥) . ونزل الوحي في الجزيرة العربية، ومن الجزيرة أضاء، والمسلمون جميعا يستقبلون البيت الحرام ويأتمون بأهل الحرم وحماته وولاته فهم في وحدة مدارها على عقيدة السلف الصالح، عقيدة الشيخ محمد بن عبد

стр. 991

الوهاب، وكذلك تنتصر عقيدة السلف الصالح ولله الحمد. وعلى كل حال فالكلام عن أثر عقيدة الشيخ في داخل سلطانها مهما بلغ من استيعاب ودقة لا يفي بوصف الواقع كما أن وصف الواقع يعجز عنه جهد الباحث ويخرج بنا عن حدود ما رسم لهذا البحث من حجم وجهد ووقت، ولكن حسبنا أن نبين صلة هذا الأثر الحاضر بالماضى ليعلم مشاهد هذا البناء الضخم المتماسك في وحدة المملكة العربية السعودية أن سنده وأساسه وأصله هو عقيدة السلف الصالح التي اعتقدها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعا إليها ونصرها الإمام محمد بن سعود رحمه الله تعالى، فأظهرها الله بذلك على ما سواها وتوارثها بعدهم بنوهم إلى يومنا هذا ونسأل الله بأنه الأحد الصمد الذي لا إله إلا هو أن يثبتهم على عقيدة السلف الصالح وأن يوفقهم لنشرها والقيام بحقوقها وهو المجيب القريب الجواد الكريم. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه. ولعل فيما قدمته من نقول وبيان كفاية في الدلالة على أثر عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية في داخل المملكة العربية السعودية. وحيث عرفنا أثر تلك العقيدة السلفية في بناء ذلك السلطان القوي، والذي هو أصل أثرها في خارج سلطانها ننتقل إلى تعرف أثرها في الخارج وهو ما يشتمل عليه الفصل التالي.

стр. 992

الفصل الخامس: أثرها في خارج سلطانها تمهيد من الثابت في الحقيقة أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يأت الناس بعقيدة جديدة، بل هو عالم عامل بين عقيدة السلف الصالح، وعمل على تطبيقها ووفق بأنصار أحرار ينصرون عقيدة السلف الصالح عن وعي وإدراك كما قال الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل ﵀ بعد أن ذكر الإمام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب قال: "فلما رأى أسلافنا [يعني آل سعود] موافقة أقوالهم وأفعالهم [يعني هؤلاء الأئمة] لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ قبلوا ذلك وقاموا بما أظهره الله على أيديهم، ونحن إن شاء الله على سبيلهم ومعتقدهم، نرجو الله أن يحيينا ويميتنا عليه" ١. والدليل على ذلك أننا نسمع دائما لمز المتمسك بالسنة والمجانب للبدعة صوفية أوكلامية أو غيرها ليعمل بالسنة فهو وهابي وطريقته وهابية، ولو لم يكن قد أخذ عن الشيخ أولقيه أوعاصره أو أخذ عمن أخذ عنه، أو درس حتى كتبه. وهؤلاء الذين يحاولون لمز من يعمل على نشر سنة رسول الله ﷺ بالوهابية على حد قولهم إنما يريدون محاربة انتشار

стр. 993

السنة والطريقة التي كان عليها السلف الصالح بذلك فيلمزون كل من عمل بالسنة وجانب البدعة أنه ينشر الوهابية، ويقصد توسيع نفوذ سلطانها ومد رقعتها فيحاربونه بهذه الفرية ويصمونه بأنه عميل يعيش على أموال السعوديين لينشر ما يسمونه بالوهابية وبأمثال هذه التشنيعات يحاربون سنة رسول الله ﷺ وطريقة السلف الصالح ومعلوم أن أصل مذهب السلف الصالح هو اتباع سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين وسبيل المؤمنين ولم ينفرد به الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحده، ولم ينحصر في دعوته واعتقاده، بل حمله عدول عن عدول. في كل زمان وفي أمكنة متباعدة ليس في زمان عن زمان ولا مكان عن مكان. والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ صار إماما كغيره من أئمة السنة وشرف ونبل بذلك وكذلك أتباعه وأنصاره شرفوا باتباعهم مذهب السلف الصالح، واتخاذ طريقهم في الوسيلة والغاية. لذلك فإني في هذا البحث لا أزعم أن كل أثر من آثار عقيدة السلف الصالح هو من أثر عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، إلا إذا وجد ما يدل على ذلك، لأن السلفية كما ذكرنا ليست محصورة إلا من طريق الشيخ، فأتباع السلف الصالح لا يزالون في كل زمان ومكان يقومون لله بحجته على خلقه قياما يفيد العلم اليقيني إلى قيام الساعة ولله الحمد والمنة. كما أنني لا أزعم أيضا أن الدعوات الاصلاحية أو الحركات السياسية في العالم الإسلامي قد تأثرت بدعوة الشيخ وحركته وحركة

стр. 994

أنصاره من أجلها ما لم أجد دليلا يفيد ذلك سيما وأن أكثر هذه الحركات والدعوات مشوبة بما يخالف عقيدة الشيخ السلفية إما في الوسيلة أو في الغاية وإن كان ينتسب هؤلاء الدعاة المصلحون والمتحركون السياسيون إلى الإسلام والسنة، فليس اجتماع حركة الشيخ وأنصاره مع غيرها من الحركات في قدر مشترك في الذهن يسوغ لنا أن نحكم بأن تلك الحركات متأثرة بحركة الشيخ، لأن الشيخ وأنصاره إنما قاموا بنصرة دين الله ليس لهم غرض سوى ذلك، لا يبتغون زعامة ولا دنيا، إلا أنهم يريدون رضوان الله وما وعدهم الله به، فإن جاءهم فضل من الله لا منة لأحد فيه، أو مكسب لا يمس عقيدتهم، وليس على حساب تنازل منهم عن شىء من عقيدة السلف الصالح فهم يقبلونه شاكرين، وليس من عقيدتهم تصدير الحركات السياسية والثورات والاغتيالات في بلدان العالم، ولا من شأنهم التفريق وتشتيت الشمل والتحزبات والشيع، على العكس من ذلك، إنهم دعاة تأليف واجتماع واتحاد على الحق، دعاة إلى الله على طريق رسول الله ﷺ ويسرهم أن يجيب المدعوون داعي الله وأن يقبلوا هدى رسول الله ﷺ لينجي هؤلاء المدعوون أنفسهم من الهلاك ويهتدوا إلى الصراط المستقيم إلى سعادة من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يقول: "نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي

стр. 995

مكان"، ولا يقول: "إن من تبع دين الله ورسوله ﷺ ما يكفيه حتى يجىء عندنا ويوالينا ولا يقول: "إن الذي ما يدخل تحت طاعتى فهو كافر" ولا يقول: "إنه مبطل مذاهب أهل السنة والجماعة، وإنه ليس لهم كتب إلا ما بيده، وليس لهم علماء إلا من شهد له بالعلم لا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا ولا غيره مما وصفه به أعداء الحق وليس من عقيدته ذلك بل مراده اتباع دين الله ورسوله ﷺ وإظهاره في أي أرض وطائفة كانت١ ومن أي جهة. وقد سئل أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى، من لم تشمله دائرة إمامتكم ويتسم بسمة دولتكم هل داره دار كفر وحرب على العموم؟. فأجابوا: الذي نعتقده وندين الله به أن من دان بالإسلام وأطاع ربه فيما أمر وانتهى عما نهى عنه وزجر فهو المسلم حرام المال والدم كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة ولم نكفر أحدا دان بدين الإسلام لكونه لم يدخل في دائرتنا ولم يتسم بسمة دولتنا بل لا نكفر إلا من كفر الله ورسوله، ومن زعم أنا نكفر الناس بالعموم أو نوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه ببلده فقد كذب وافترى٢. وإذا كانت عقيدة الشيخ السلفية هكذا إنما هي تمسك بالكتاب

стр. 996

بالكتاب والسنة ودعوة إلى الله وحده بهذا التمسك الراشد. فكذلك هي ليست مصدر تزمت وترك للدنيا ورفض للمصالح فيها. وإنما هي عقيدة الصلاح والأصلح في الدنيا والآخرة، كيف لا وهي مبنية على أن صريح العقل يوافق صحيح النقل؟! وعلى ضوء هذا التمهيد وضوء ما قدمت في الفصل الأول من الباب الثاني عن أسباب تأثير عقيدة الشيخ السلفية سأبحث عن أثر عقيدة الشيخ السلفية في خارج سلطانها في هذا الفصل. فأقول إنه ما من شك أن تطهير البيت للطائفين والركع السجود وتطهير الحرمين عموما من عبادة القبور، وأنواع البدع والفجور والضرب على أيدي العابثين وتأمين الطرق إليهما من القطاع والسراق مع تعظيم حرمتهما، وخدمة حجاج بيت الله، والعمل على تيسير أدائهم فريضة الحج التي هي الركن الخامس من أركان الإسلام بكل وسائل الأمن والراحة والمعيشة أيضا. هو أثر من آثار عقيدة السلف الصالح ﵏ فهذا شأنهم في ولاية البيت، قال تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ (الأنفال: ٣٤) . وبالتالي فله من الأثر العظيم في انتشار عقيدة الشيخ السلفية في العالم الإسلامي ما لا يستطيع أحد جحده وإنكاره، وكلما يدرك بالبداهة أثر ولاية أنصار العقيدة السلفية الطيب المشكور غير أن تتبع ذلك الأثر ليس في وسع الباحث، وحسبنا بهذا إشارة إليه. ونشير إلى سبب آخر وهو الرسائل التي كان يرسلها أئمة وعلماء

стр. 997

عقيدة السلف الصالح من ورثة الشيخ وورثة أنصاره إلى عموم المسلمين في الخارج فلها أثر بالغ أيضا. فمنذ ظهور الشيخ محمد ﵀، وتلك الرسائل تتوالى فقد أرسل الشيخ نفسه إلى السويدي عالم من أهل العراق يجيبه على كتاب ورد إلى الشيخ منه فبين الشيخ في جوابه أنه متبع وليس بمبتدع وأن عقيدته ودينه الذي يدين الله به هو مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة١. ورسالة إلى فاضل آل مزيد رئيس بادية الشام، بناء على ما ذكر راشد بن عربان للشيخ من كلام حسن عن فاضل وأنه طالب منه المكاتبة بسبب ما يجيئه من الكلام فذكر له الشيخ صفة الأمر وأنه الدعوة إلى الإسلام٢. ورسالته إلى البكيلى صاحب اليمن٣، وإلى إسماعيل الجراعي ٤، وإلى عبد الله بن عبد الله الصنعاني٥، ورسالته إلى أهل المغرب٦. وغير هذه الرسائل، من رسائل شخصية ورسائل عامة

стр. 998

ومؤلفات شاملة تبعث في كل اتجاه حسب القدرة والطاقة كما فعل الإمام عبد العزيز بن محمد حين بعث كتاب التوحيد وغيره إلى والي بغداد١، كل ذلك لا شك أن له أثرا في انتشار عقيدة السلف الصالح وتأثيرها في تلك المواطن خارج سلطانها. ومن بعد الشيخ محمد مازالت الرسائل ترسل فتلك الرسالة المهمة الجليلة رسالة الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود التي أرسلها إلى من يراه من العلماء والقضاة في الحرمين والشام ومصر والعراق وسائر علماء المشرق والمغرب يبين فيها حكمة خلق الله الخلق وأنها ليعبدوه فأمرهم بها وحذرهم مخالفته وأن الجزاء واقع لا محالة وأخذ يشرح ذلك ويدلل عليه من الكتاب والسنة وهي رسالة عظيمة التأثير. والرسالة الأخرى التي أرسلها الإمام عبد العزيز بن محمد٢ إلى من يراه من بلدان العجم والروم وشرح فيها عقيدة السلف الصالح بعثها مع محمد خلف النواب الذي قدم الدرعية مع الحاج وجلس مدة يتعلم العقيدة فلما فقه أرسل معه تلك الرسالة وأحالهم عليه ليبين لهم. ورسالته أيضا إلى من يراه من أهل المخلاف السليماني مع الشريف أحمد الذي قدم عليهم ورأى وحقق صحة ما هم عليه، والتمس أن يرسل الإمام معه إلى قومه

стр. 999

رسالة فكتبها١. وسبق ذكر شىء من ذلك٢. ورسالة الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي كتبها لما مكنهم الله مع الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد من ولاية الحرمين وقد شرح فيها دعوة الشيخ محمد وبين عقيدتهم وأنها عقيدة السلف الصالح وشرح مذهب أهل السنة والجماعة في الأصول والفروع ورد المفتريات عليهم بالقول والفعل وكل يشهد مصداق ذلك، وما من شك أنها تقدم للحجاج والعمار والوافدين من خارج الدولة فيكون لها تأثير بالغ عظيم وسبق ذكرها٣. ومن الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد إلى سليمان باشا جوابا على خطاب من سليمان مبني على خطاب سابق من الإمام سعود إلى يوسف باشا، يبين فيها الإمام أنهم متبعون ما أمر الله به رسوله وعباده المؤمنين، ويرد عليه افتراءاته وتلبيساته، ويبين له طريقة رسول الله ﷺ وأصحابه وتابعيهم بإحسان٤. وللشيخ إسحاق بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن رسالة جليلة في بيان معتقد الشيخ وكان قد سافر للهند بطلب العلم على أهل الحديث

стр. 1000

وعلماء السنة هناك وينشر الحق باستطاعته ولعله كتبها لمواجهة بعض الإشاعات والترويجات على الشيخ في الهند وغيره فنشرها بين طلبة العلم وجاء فيها بعد الثناء على الله سبحانه وبحمده والصلاة والسلام على رسوله ﷺ ، أما بعد فإنه ابتلي من استحوذ عليه الشيطان بعداوة شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ومسبته وتحذير الناس عنه وعن مصنفاته لأجل ما قام بقلوبهم من الغلو في أهل القبور وما نشؤوا عليه من البدع التي ملأت الصدور، فأردت أن أذكر طرفا من أخباره وأحواله ليعلم الناظر فيه حقيقة أمره فلا يروج عليه الباطل، ولا يغتر بحائد عن الحق مائل مستنده ما ينقله أعداؤه الذين اشتهرت عداوتهم له في وقته وبالغوا في مسبته، إلى أن قال: والذي يقضي به العجب قلة إنصافهم وفرط جورهم واعتسافهم وذلك أنهم لا يجدون زلة من المنتسبين إليه، ولا عثرة إلا نسبوها إليه وجعلوا عارها راجعا عليه وهذا من تمام كرامته وعظم قدره وإمامته. وقد عرف من جهالهم، واشتهر من أعمالهم أنه ما دعا إلى الله أحد، وأمر بمعروف ونهى عن منكر في أي قطر من الأقطار إلا سموه (وهابيا) وكتبوا فيه الرسائل إلى البلدان بكل قول هائل يحتوي على الزور والبهتان ومن أراد الإنصاف وخشي مولاه وخاف، نظر في مصنفات هذا الشيخ. أهـ ثم ذكر الشيخ بعض ما وقف عليه من كلامه وما عرف واشتهر

стр. 1001

واستفاض من تقارير الشيخ ومراسلاته ومصنفاته المسموعة المقروءة عليه وما ثبت بخطه وعرف واشتهر من أمره ودعوته وما عليه الفضلاء النبلاء من أصحابه وتلامذته أنه على ما كان عليه السلف الصالح وأئمة الدين أهل الفقه والفتوى ثم سرد عقيدة الشيخ ﵀ حسب ما ذكر١. وهذا سنلاحظ أثره الواضح في تلك الديار التي سافر إليها في الهند وغيرها كما في صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان للشيخ محمد بشير السَّهواني الهندي، وغيره فيما يأتي من بحث أثر عقيدة الشيخ السلفية في الهند. ثم في عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن، كانت رسائل مثل رسالة محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن إلى من يراه من أهل القرى ورؤساء القبائل من أهل اليمن وعسير وتهامة وشهران وبني شهر وقحطان وغامد وزهران وكافة أهل الحجاز يقول فيها: إنه لما كان في سنة تسع وثلاثين وثلثمائة وألف من الهجرة: (بعثنا الإمام المقدم، والرئيس المفضل المفخم، صاحب السعادة والسيادة عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود، أعلا الله سعوده، وأدام للمسلمين وجوده، لأجل تعليمكم ما أوجبه الله عليكم وتعبدكم به من دين الإسلام، الذي معرفته والعمل به والبصيرة فيه سبب لدخول الجنة،

стр. 1002

والجهل به والإعراض عنه وعدم قبوله والانقياد له سبب لدخول النار. فلما قدمنا بعض جهاتكم رأينا أهلها قد جال بهم الشيطان والهوى، وتمادوا في الغي والطغيان والإعراض عن النور والهدى، وفرقوا أمرهم وكانوا شيعا، وغلب عليهم الجهل وإيثار الشهوات، واستجابوا لداعي الشبهات، فوقعوا في وادى جهل خطير، فهم على شفا حفرة من السعير، وغلب على أكثرهم الاعتقاد في أهل القبور والأحجار والغيران، وتعظيم أهل الصلاح من المقبورين، وهذا هو دين أهل الجاهلية الأولين. ثم أخذ يشرح عقيدة السلف الصالح ويدعو إليها بالحجج والبراهين١. ورسالة أخرى من الشيخ محمد بن عبد اللطيف إلى من ذكرنا في الرسالة التي قبلها من أهل تلك الجهات ومنها جهة اليمن، وفي هذه الرسالة يركز الشيخ محمد بن عبد اللطيف على أن عقيدتهم ودينهم هو دين الإسلام، وهو عقيدة أهل الحق، أهل السنة والجماعة، وهم السلف الصالح٢. وما من شك أن مثل تلك الجهود والرسائل كان لها أثر جيد في جهات اليمن مما خرج عن سلطان أنصارها، على ما سنبينه قريبا في مبحث أثرها في اليمن ويضاف إلى ما تقدم من الأسباب تشجيع ولاة

стр. 1003

الأمور في المملكة للوافدين من أجل طلب العلم وتوفير المنح الدراسية لهم من جميع أنحاء العالم الإسلامي لاسيما في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة أول عاصمة للخلافة الإسلامية. ويشكل الطلاب الوافدون إليها من خارج المملكة من غير السعوديين، من أبناء العالم الإسلامي في شتى أقطار المعمورة وينتمون إلى (٨٨) قطرا، يشكلون ٨٥% من طلاب الجامعة الإسلامية البالغ عددهم (٦٦٦٥) طالبا حسب احصائيات شهرجمادى الآخرة عام ١٤٠٣ هـ. وهؤلاء الطلاب الوافدون يتلقون العلم المستمد من الكتاب والسنة وفقا لما كان عليه سلف الأمة الإسلامية. ولا ننسى ما تسهم به جامعة الإمام محمد بن سعود في هذا المجال لاسيما بالفروع التي تم فتحها في خارج المملكة وهي تابعة لها كمعهد تعليم اللغة العربية بأندونيسيا والمعهد العلمي برأس الخيمة، والمعهد العلمي في موريتانيا. وكذلك رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في نشاطها خارج المملكة ومن ذلك مبتعثيها في سائر أنحاء العالم للدعوة والإرشاد. وهذا له أثر حسن في نشر عقيدة السلف الصالح، وكل ذلك من أثر عقيدة الشيخ السلفية.

стр. 1004

أثرها في اليمن: يذكر محمد رشيد رضا أن علماء السنة في اليمن قد بلغهم كل ما قيل في الشيخ محمد بن عبد الوهاب فبحثوا وتثبتوا وتبينوا كما أمر الله تعالى فظهر لهم أن الطاعنين فيه مفترون لا أمانة لهم وأثنى عليه فحولهم في عصره وبعد عصره، وعدوه من الأئمة المصلحين المجددين للإسلام ومن فقهاء الحديث كما نراه في كتبهم١. وإذا تذكرنا قصيدة الإمام الصنعاني التي يمدح فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويثني على طريقته ويؤيد عقيدته ومسلكه، بدا لنا كيف وصل تأثير عقيدة الشيخ إلى هناك، ودورها في نشر عقيدة السلف الصالح، يقول الأمير الصنعاني بين يدي قصيدته الدالية المشهورة التي مطلعها: سلام على نجد ومن حل في نجد ... وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي قال: لما طارت الأخبار بظهور عالم في نجد يقال له محمد بن عبد الوهاب ووصل إلينا بعض تلاميذه وأخبرنا عن حقائق أحواله وتشميره في التقوى وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اشتاقت النفس إلى مكاتبته بهذه الأبيات سنة ١١٦٣ هـ. وأرسلناها من طريق مكة المشرفة

стр. 1005

وهي: ثم أوردها في ديوانه ويقول فيها: قفي وأسألي عن عالم سوحها ... به يهتدي من ضل عن منهج الرشد محمد الهادي لسنة أحمد ... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي لقد أنكرت كل الطوائف قوله ... بلا صدر في الحق منهم ولا ورد وما كل قول بالقبول مقابل ... ولا كل قول واجب الرد والطرد سوى ما أتى عن ربنا ورسوله ... فذلك قول جل قدرا عن الرد وأما أقاويل الرجال فإنها ... تدور على قدر الأدلة في النقد وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي وينشر جهرا ماطوى كل جاهل ... ومبتدع منه فوافق ما عند ويعمر أركان الشريعة هادما ... مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود بئس ذلك من ود وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد وكم عقروا في سوحها من عقيرة ... أهلت لغير الله جهلا على عمد وكم طائف حول القبور مقبل ... وملتمس الأركان منهن باليد إلى أن قال يصف ما في دلائل الخيرات من غلو: غلو نهى عنه الرسول وبدعة ... بلا مرية فاتركه إن كنت تستهدي أحاديث لا تعزى إلى عالم فلا ... تساوى فليسا إن رجعت إلى النقد١

стр. 1006

وصيرها الجهال للذكر ضرة ... يرى درسها أزكى لديهم من الحمد لقد سرني ما جاء لي من طريقه ... وكنت أرى هذى الطريقة لي وحدي إلى آخر قصيدته الطويلة المفيدة، والتي تدل على أن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجته غير أن الشيخ ﵀ رزق بأنصار يبتغون وجه الله وحده، وهذا فضل من الله تعالى، ويدل كلام الأمير الصنعاني في قصيدته هذه على أن أثر الشيخ في إِظهار مذهب أهل السنة والجماعة قد وصل إلى اليمن، وانظر الأمير يقول في قصيدته هذه التي قالها في الشيخ ومن أجله وإصلاحه: سلام على أهل الحديث فإنني ... نشأت على حب الأحاديث من مهدي هم بذلوا في حفظ سنة أحمد ... وتنقيحها من جهدهم غاية الجهد إلى أن قال: إليك طوت عرض الفيافي وطولها ... فكم جاوزت غورا ونجدا الى نجد أناخت بنجد واستراح ركابها ... وعاد خليا عن رحيل وعن شد فأحسن قراها بالقراءة ناظما ... جوابا فقد أضحت لديك من الوفد وصل على المختار والآل أنها ... لحسن ختام النظم واسطة العقد١

стр. 1007

وكانت ولادة الصنعاني سنة ١٠٩٩ هـ. ووفاته سنة ١١٨٢ هـ١. ونجد في اليمن عالما جليلا من علمائه الأعلام هو الشيخ حسين بن مهدي النعمي التهامي ثم الصنعاني، وفد من مدينة صبيا بتهامة إلى صنعاء لطلب العلم- فأخذ بها في العلوم النقلية والعقلية الفرعية والأصولية. فأقرأ في كتب السنة في صنعاء وكثر الآخذون عنه من الخاصة والعامة، وعملوا بالسنن من رفع اليدين عند الركوع والرفع، وقبضهما على الصدر، وتأمين الإمام والمأموم وغيرها من السنن في الصلاة وهو معاصر للأمير الصنعاني، واستمر على الإِقراء في كتب السنة، والعمل بها مجللا محترما وقد أذن له المهدى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإِن كان المخالف من خاصة المهدي. وتوفي في سنة ١١٨٧ هـ. وخلفه تلميذه يحيى بن حسن الكبسي، وطريقته طريقة شيخه المذكور، انتهى ملخصا مما نقله سليمان بن عبد الرحمن الصنيع من مخطوط كتاب (نشر العرف لنبلاء اليمن بعد الألف) ٢.

стр. 1008

وقد عرضت عليه أجوبة علماء الحرم الشريف من مختلف المذاهب والتي اتفقت أجوبتهم على إِبقاء القباب والأضرحة والأبنية على القبور، بناء على سؤال رفع إليهم بشأن هدم القباب وتسوية القبور، بسبب ظهور أمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بذلك وسعيه في هدم تلك الأضرحة ومحاربة ما ترتب على وجودها من وثنية وعبادة لغير الله من دونه فتصدى هذا الشيخ النعمي للرد عليها وجعله كتابا اسمه ((معارج الألباب في مناهج الحق والصواب)) ، وبإِمعان النظر فيه يتضح لنا ما وهبه الله من المقدرة وسعة الاطلاع وقوة اليقين مما حمله على إعلان الحق وعدم المبالاة بمخالفة الناس والمفتين وأرباب المناصب والجاه١. قال الشيخ النعمي في مقدمة كتابه هذا: وبعد: فلما كان في شهر ربيع الآخر من شهور سنة سبع وسبعين ومائة وألف من الهجرة النبوية. وقفت على صورة سؤال، وغير ما جواب في شأن ما يسر الله هدمه وافتقاده من المشاهد والقباب، وإزالة ما أزيل منها بالتدمير والخراب لما تفاحشت خطوب مفاسدها في هذا الزمان، وضاهت رسوم الجاهلية الجهلاء المنافية للتوحيد والإيمان. مع كون وضع القباب أمرا صادم المأثور الصحيح من النهي الصريح فهو بمجرده ممنوع شرعا كما قد شرحت ما جاء فيه ضمن

стр. 1009

رسالة مستقلة وجيزة، أسفرت عن وجهه الصبيح واسمها: (مدارج العبور، على مفاسد القبور. وكان قبل هذا التاريخ بمدة يسيرة: ألقي إلي بعض أعيان الزمن بمدينة صنعاء اليمن ... كتابا ورد عليه من مكة المشرفة، ذكر فيه ما حاصله أنه وصل إلى هنالك سؤال في هذه المسألة وأنه أجاب فيه مفتوا الأربعة المذاهب. بما يتضمن التشنيع على من دل على هدم القباب والمشاهد، وأشار بتخريب تلك المعاقل والمعاهد١. ثم ذكر أنه اطلع على الأجوبة وإذا هي أحموقات حرية بالإطراح، وأغاليط خليقة أن يتسلى عنها ويستراح، وأن لا يرفع لبيب إليها رأسا، ولا يتسنم للرد عليها قرطاسا، لأنها لم ترح رائحة التحقيق، ولا تمسك من تحرى السداد بحبله الوثيق٢. ثم قال: (ولولا وجوب النصح والإرشاد، ورفع اللبس: لاتجه في السكوت عن فتاويهم إِلحاق اليوم بالأمس) ٣. وذكر أن المجيبين أضاعوا عهود العلم والهدى وأهملوها، وليس سبيل من هذا شأنه إلا التنبيه، وإِزاحة الضرر عمن لم يعلم ما في مقاله من التمويه، لأنه لم يسلك معك مسلك المحاورات بين أهل التحصيل، بل سد عليك طريق أخد الحكم من دليله، فما الذي تبتغيه عنده بعد؟! وأي سفاهة علمت أقبح مما صنع هؤلاء الجماعة؟! ويقول: (إن طفقنا نقول

стр. 1010

لهم: هذا حرام لدلالة هذه الأحاديث الصحيحة على ذلك، أجابوا: بأنه صرح به في المنهاج وشرحه، وهو الذي فهمه ابن عبد الحق من عبارة الروضة بالجواز، قلنا ما هي الحجة على الآخر؟ قالوا: لا يحل لنا ولا لك. أن نقول: يحل كذا، يحرم كذا، لقول رسول الله ﷺ كذا، ومحال في زماننا هذا شيء من ذلك، فلم يبق حجة إلا ما ذكر سنان أفندى في كتاب ((تبيين المحارم)) ، والشيخ زكريا في شرح المنهاج، وحواشيه لنور الدين الزيادي، وما ذكرته مطرح وأنت عاص بهذا الصنيع) إلى آخر ما ذكره عنهم من أصلهم الذي حرروه وهو امتناع أخذ الحكم من دليله، وتعذر ذلك في هذه الأعصار مع أنهم نقضوه بشيء كثير من كلامهم. فأورد أمثلة من قولهم قال رسول الله ﷺ : كذا وكذا، مرارا كثيرة وهو من عجيب ما يستظرفه العقلاء، ودليل على بطلان أصلهم بديهة وطبعاً ووضعا إلى آخر ما قال١. ثم حصر الكلام في ثلاثة أبواب: الأول في أبحاث متفرقة تتعلق بتلك الأجوبة٢. والباب الثاني في ذكر جملة شافية من الأحاديث الصحيحة، والأخبار الصريحة الشاهدة بأن وضع القباب والبناء على القبور من أصله

стр. 1011

وتشريفها، والكتابة عليها وتجصيصها واتخاذها مساجد، وما يتصل بذلك: أمر تقرر في الشرع منعه، وسبق الحكم الجازم بالنهي عنه، والكف عن ارتكابه، وثبتت القضية في ذلك، ومضت كلمة الحق بسد ذريعته، تحذيرا لنا أن نسلك سنن من قبلنا، مع قطع النظر عن المفاسد المترتبة على ذلك١. والباب الثالث في سوق ألفاظ من ذلك السؤال وتلك الأجوبة، مع الإِشارة إلى ما فيها من فساد٢. وهو كتاب عظيم النفع، سديد في جوابه وبيانه رحم الله مؤلفه وجزاه خيرا عن الإسلام والمسلمين. ومن بعد الأمير الصنعاني والشيخ حسين النعمي الإمام الشوكاني المولود سنة ١١٧٣ هـ. والمتوفي سنة ١٢٥٠هـ٣ وقد عايش الشوكاني أحداث باشا مصر وما حل من مصائبه، وكان لهذه الأحداث وما يصحبها من إِشاعات وبلبلة في الأخبار وتضارب أثر في ما يكتبه إلا أنه لا يشك في الإمام سعود ومعتقده فقد قال: "وبعض الناس يزعم أنه يعتقد اعتقاد الخوارج، وما أظن ذلك صحيحا، فإِن صاحب نجد وجميع أتباعه يعملون بما تعلموه من محمد بن

стр. 1012

عبد الوهاب وكان حنبليا ثم طلب الحديث بالمدينة المشرفة فعاد إلى نجد وصار يعمل باجتهادات جماعة من متأخري الحنابلة كابن تيمية وابن القيم وأضرابهما وهما من أشد الناس على معتقدي الأموات، وقد رأيت كتابا من صاحب نجد الذي هو الآن صاحب تلك الجهات أجاب به على بعض أهل العلم وقد كاتبه وسأله بيان ما يعتقده فرأيت جوابه مشتملا على اعتقاد حسن موافق للكتاب والسنة١. ويقول: وبلغنا أنه وصل إلى مكة بعض علماء نجد لقصد المناظرة فناظر علماء مكة بحضرة الشريف في مسائل تدل على ثبات قدمه وقدم صاحبه في الدين وفي سنة (١٢١٥ هـ) وصل من صاحب نجد المذكور مجلدان لطيفان أرسل بهما إلى حضرة مولانا الإمام حفظه الله أحدهما يشتمل على رسائل لمحمد بن عبد الوهاب كلها في الإرشاد إلى إخلاص التوحيد والتنفير من الشرك الذي يفعله المعتقدون في القبور وهي رسائل جيدة مشحونة بأدلة الكتاب والسنة والمجلد الأخر يتضمن الرد على جماعة من المقصرين من فقهاء صنعاء وصعدة ذاكروه في مسائل متعلقة بأصول الدين وبجماعة من الصحابة فأجاب عليهم جوابات محررة مقررة محققة تدل على أن المجيب٢

стр. 1013

من العلماء المحققين العارفين بالكتاب والسنة وقد هدم عليهم جميع ما بنوه وأبطل جميع ما دونوه لأنهم مقصرون متعصبون فصار ما فعلوه خزياً عليهم وعلى أهل صنعاء وصعدة وهكذا من تصدر ولم يعرف مقدار نفسه وأرسل صاحب نجد مع الكتابين المذكورين بمكاتبة منه إلى سيدي المولى الإمام فدفع حفظه الله جميع ذلك إليّ فأجبت عن كتابه الذي كتب إلى مولانا الإمام حفظه الله على لسانه بما معناه أن الجماعة الذين أرسلوا إليه بالمذاكرة لا ندرى من هم وكلامهم يدل على أنهم جهال والأصل والجواب موجودان في مجموعي١. ويقول الشوكاني عن الإمام سعود سمعنا أنه قد استولى على بلاد الأحساء والقطيف وبلاد الدواسر وغالب بلاد الحجاز. ومن دخل تحت حوزته أقام الصلاة والزكاة والصيام وسائر شعائر الإسلام ودخل في طاعته من عرب الشام الساكنين ما بين الحجاز وصعدة غالبهم إما رغبة وإما رهبة وصاروا مقيمين لفرائض الدين بعد أن كانوا لا يعرفون من الإسلام شيئا ولا يقومون بشيء من واجباته إلا مجرد التكلم بلفظ الشهادتين على ما في لفظهم بها من عوج. وبالجملة فكانوا جاهلية جهلاء كما تواترت بذلك الأخبار إلينا ثم صاروا الآن يصلون الصلوات لأوقاتها ويأتون بسائر الأركان الإسلامية على أبلغ صفاتها٢.

стр. 1014

وقد صارت جيوش صاحب نجد في بلاد يام وفي بلاد السراة المجاورين لبلاد أبي عريش ومن تبعه من هذه الأجناس اغتبط بمتابعته وقاتل من يجاوره من الخارجين عن طاعته فبهذا السبب صار معظم تلك البلاد راجعا إليه١. ويقول: وفي سنة ١٢١٧ هـ. دخلت بلاد أبي عريش وأشرافها في طاعة صاحب نجد ثم تزلزلت الديار اليمنية بذلك واستولى أصحابه على بعض ديار تهامة وجرت أمور يطول شرحها وهي الآن في سريان وقد أفردت ما بلغنا من ذلك في مصنف مستقل لأن هذه الحادثة قد عمت وطمت وارتجفت لها أقطار الديار الشامية والمصرية والعراقية والرومية بل وسائر الديار لاسيما بعد دخول أصحاب النجدي مكة المشرفة وطرد أشرافها عنها ولله أمر هو بالغه. ثم في سنة (١٢٢٢) وصل إلينا جماعة من صاحب نجد سعود بن عبد العزيز لبعضهم معرفة في العلم ومعهم مكاتيب من سعود إلى الإمام المنصور بالله رحمه الله تعالى وإليّ أيضا ثم وصل جماعة آخرون كذلك في سنة (١٢٢٧) ثم وصل جماعة آخرون كذلك في سنة (١٢٢٨) ودار مع هؤلاء الواردين ومع غيرهم من المكاتبة ما لا يتسع المقام لبسطه٢.

стр. 1015

ويقول في ترجمة الإمام سعود بن عبد العزيز "وكان جده محمد بن سعود شيخا لقريته التي هو فيها فوصل إليه الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب الداعي إلى التوحيد المنكر على المعتقدين في الأموات". فأجابه وقام بنصره ومازال يجاهد من يخالفه وكانت تلك البلاد قد غلبت عليها أمور الجاهلية وصار الإسلام فيها غريبا ثم مات محمد بن سعود وقد دخل في الدين بعض البلاد النجدية وقام ولده عبد العزيز مقامه فافتتح جميع الديار النجدية والبلاد العارضية والحسا والقطيف وجاوزها إلى فتح كثير من البلاد الحجازية ثم استولى على الطائف ومكة والمدينة وغالب جزيرة العرب. وغالب هذه الفتوح على يد ولده سعود ثم قام بعده ولده سعود فتكاثرت جنوده واتسعت فتوحه ووصلت جنوده إلى اليمن فافتتحوا بلاد أبي عريش وما يتصل بها، ثم تابعهم الشريف حمود بن محمد شريف أبي عريش وقد تقدمت ترجمته وأمدوه بالجنود ففتح البلاد التهامية كاللحية والحديدة وبيت الفقيه وزبيد وما يتصل بهذه البلاد ومازال الوافدون من سعود يفدون إلينا إلى صنعاء إلى حضرة الإمام المنصور وإلى حضرة ولده الإمام المتوكل بمكاتيب إليهما بالدعوة إلى التوحيد وهدم القبور المشيدة والقباب المرتفعة ويكتب إلي أيضا مع ما يصل من الكتب إلى الإماميين. ثم وقع الهدم للقباب والقبور المشيدة في صنعاء وفي كثير من الأمكنة المجاورة. لها وفي جهة ذمار وما يتصل بها١.

стр. 1016

ولنذكر قصيدته الجيدة التي رثى بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب لما توفي ومطلعها: مصاب دهى قلبي فأذكى غلائلي ... وأصمى بسهم الافتجاع مقاتلي إلى أن قال: إمام الهدى ما حي الردى، قامع العدى ... ومروى الصدى من فيض علم ونائل وقال عنه: إمام الورى علامة العصر قدوتي ... وشيخ الشيوخ الحبر فرد الفضائل محمد ذو المجد الذي عز دركه ... وجل مقاما عن لحوق المطاول إلى عابد الوهاب يعزى أنه ... سلالة أنجاب زكي الفضائل إلى أن قال: لقد أشرقت نجد بنور ضيائه ... وقام مقامات الهدى بالدلائل إلى آخر القصيدة وهي طويلة تنيف على المائة بيتا أوردت منها شطرا في ترجمة الشيخ فيمن رثاه ﵀، وما أوردته هناك يناسب

стр. 1017

ايراده هنا ولكن تفاديا للتكرار أحيل عليه. وأما في العصر الحاضر ففي اليمن كثير من أهل السنة والجماعة وبعضهم كان سبب هدايته إلى مذهب السلف هو ما تلقاه في جامعات المملكة، وما سمعه من مشايخ الدعوة وما توصل إليه من بحثه في ميراث الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فاقتنع اقتناعا حرا بصحة عقيدة السلف الصالح، وصار من الدعاة إليها وإلى نشرها في بلاده. أثرها في الشام: وفي الشام كان لها أثر جيد وقد اطلعت على رسالتين صغيرتين إحدهما بعنوان: النفخة على النفحة لمؤلفها الشيخ ناصر الدين الحجازي الأثري وقد شغلت ٥٦ صفحة من الوسط، والثانية بعنوان: نظرة في النفحة الزكية في الرد على الوهابية مؤلفها أبو اليسار الدمشقي الميداني في ٣٤ صفحة من الوسط وكأنها ذيل للأولى وتعليق. عليها طبعتا في مجلد واحد سنة ١٣٤٠ هـ. بمطبعة الترقي بدمشق. والأولى عبارة عن رد بليغ صدر من عالم محقق يتقي الله، ويلتزم في رده الحكمة والموعظة الحسنة والإنصاف في المحاجة. جاء في أولها بعد البسملة والحمد لله، والثناء على الله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ أنه بينما كان سائرا في إحدى طرق مدينة دمشق إذ بصر برجل عليه سيما العلم وبيده رسائل يوزعها فأهداه رسالة وهو يرتجف ويشير إلى أنه أبدع فيما كتب، فذهب ناصر الدين إلى أحد مساجد البلد ووجد أحد

стр. 1018

أهل العلم فيه فلما أبصره والرسالة بيده هز رأسه وقال ما هذه الرسالة؟ فأجابه بأنه رأى عنوانها وأن من حاكها أسماها (النفحة الزكية في الرد على شبه الفرقة الوهابية) ومؤلفها يزعم أنه من أكابر علماء دمشق يقال له الشيخ عبد القادر الإسكندراني المنتحل لنفسه لقب الكيلاني، فأجابه ذلك العالم الذي في المسجد بأن مُدعِي هذه الرسالة إنما أغار على كتاب الفجر الطالع لجميل صدقي الزهاوي وعلى ما لفقه الشيخ دحلان فأخذ ما اختاره منهما ولم يزد من عنده إلا أحرفا يسيرة فدهش ناصر الدين وأخذ الرسالة يتصفحها ثم رآها على غير قاعدة المحققين، وإنما هي تلفيقات فانتدب لنقضها بأسلوب العالم المتزن ومسلك المحقق الذي بينه كمنهج لرده. ويمكن تلخيصه، بنقاط هي: ١- أن المحققين ينزهون أنفسهم عن السباب والشتم لمن يردون عليه. ٢- يجعلون نصب أعينهم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ . ٣- وإن من يرد على أحد في كلامه يأخذ جملة من كلامه فيبين الغلط فيها ثم جملة وجملة حتى يستوفي الكلام بلا تحامل ولا اعتساف. ٤- وأن يتلو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ . ولكن صاحب الرسالة كما قال ناصر الدين لم يسلك في رده ذلك المسلك فأراد ناصر الدين خدمة الحقيقة فقال إن صاحب النفحة صدر

стр. 1019

رسالته بما لفقه الشيخ أحمد دحلان في آخرتاريخ أمراء البيت الحرام وسلك موطىء قدمه حذو النعل بالنعل بلا تأمل ولا تدبر، ولاشك أن الله تعالى يجمع الكل يوم القيامة ثم ينبئهم بما كانوا يعملون. قال ناصر الدين: وقبيح بمؤلف يملأ كتابه بالإِفتراء والتعدي وفي قصة الإفك أعظم رادع لمن كان يؤمن بالله ورسوله، ويطلب النجاة لنفسه فيحاسبها خاليا، ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ . ومهما تملق المتملقون، واستتر المراؤون فإن الله لا تخفى عليه خافية، ولابد أن يشف الباطل عن الحق، فيظهر ناصعا واضحا، وإليك جملا من كلام صاحب الرسالة تدل على افترائه بما ادعاه. إلى أن قال: "ومن طبعه الوقوع في أعراض الناس يرى لذلك لذة ولا يحلو في ذوقه إلا الغيبة والنميمة واتباع الهوى" ثم نقل عنه قوله عن محمد بن سعود. أمير الدرعية بلاد مسيلمة فقال ناصر الدين له: "هب أننا سلمنا أنها بلاد مسيلمة فما الذي تراه من ذمها؟! أليست مصر كانت بلاد فرعون وهامان وقارون؟. وما الإسكندرية إلا من بعض بلاد مصر؟! أليست بابل كانت بلاد نمرود؟! أليست مكة كانت موطن أبي جهل وأبي لهب وأضرابهما؟! أليست فلسطين كانت بلاد قوم لوط؟! هل ضر هذه البلاد شيء من ذلك؟ أم هل تناقص قدرها؟! أَلم تعلم أن أول من أسس هذا القياس من أخبر الله عنه أنه قال: "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين"؟ وما إِخالك يرعاك الله إلا أنك بعد هذا

стр. 1020

تتبع الحق وتحسن النظر في القضية. وقال ناصر الدين عن صاحب الرسالة أنه قال عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وممن أخذ عنهم الشيخ محمد حياة السندي والشيخ محمد ابن سليمان الكردي وكانا يتفرسان فيه الالحاد ويحذران الناس دسائسه" فقال ناصر الدين: أقول "لو أنصف لعلم أنه يطعن في هذين العالمين وذلك أن كلا منهما أجاز ابن عبد الوهاب بإِجازة مطولة، وأجاز له أيضا الشيخ عبد الله بن إبراهيم نزيل المدينة والمشهور بها كما ذكره صاحب كتاب التوضيح عن توحيد الخلاق، وأخذ أيضا عن الشيخ إِسماعيل العجلوني محدث الديار الشامية والشيخ علي أفندي الداغستاني وكلهم أجاز له. فكيف يتفرسان فيه الإلحاد ويجيزانه ويمدحانه في إجازاتهما؟! وهل هذا إلا مكابرة؟! إلى غير ذلك ممَّا افتراه من غير دليل ولا ثبت، سوى سوء الظن بذلك الرجل فالله يلهمنا رشدنا ويهدينا سواء السبيل. وقال ناصر الدين: "ادعى ذلك الكاتب أنه يتعجب من شر ذمة تروج في دمشق العقيدة الفاسدة والآراء المضللة الخ". فقال ناصر الدين يالله العجب! هل من يدعو إلى الله ورسوله ﷺ وإلى عقيدة السلف يعد ضالا مضلا؟! والذي يدعو إلى الترهات يعد صالحا؟! على رسلك! تمهل! وانظر ما كان عليه السلف الصالح والأئمة المجتهدون من الاعتقاد، وتأمل مقالات أبي الحسن الأشعري في الإبانة وعقيدة الإمام الطحاوي، وما قاله الإمام البيهقي في كتاب الأسماء
следующие страницы →