← Акыда

Акыда · id 12039

عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي

صالح بن عبد الله العبود

Полный текст (1 147 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

طابحة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. أما والدة الشيخ محمد- ﵀ فهى بنت محمد بن عزاز المشرفي الوهيبي التميمي فهي من عشيرته الأدنين١. وهناك اختلاف طفيف فى نسب الشيخ إلى (مشرف) ففى سرد ابن بشر٢، وعبد الرحمن المغيري٣ لنسب الشيخ يصير (مشرف) الجد السابع للشيخ، قالا: (محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن مشرف) فقد سقط اسمان من أسماء أجداده هما: (محمد) ثم (بريد) بين (بريد) الأول و (مشرف) ويبدو أن عبد الله بن يوسف الشبل قد تبع ابن بشر فى سرده لنسب الشيخ عندما ترجم له٤. أما عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ في كتابه: (مشاهير علماء نجد وغيرهم) ٥ وفى كتابه: (علماء الدعوة) ٦، وعبد الله بن عبد الرحمن

стр. 107

البسام فى كتابه (علماء نجد خلال ستة قرون) ١ فقد زادا فى سردهما لنسب الشيخ عن سرد ابن بشر والمغيري الجد السابع (محمد) ونقص الجد الثامن (بريد) ، كما هو الثابت فى سرد المؤرخ الأقدم حسين بن غنام٢. والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن٣، والشيخ راشد بن علي بن جريس الحنبلى٤، والمؤرخ إبراهيم بن عيسى٥، والفقيه إبراهيم بن ضويان٦، والشيخ عبد الرحمن بن قاسم٧ والشيخ حمد الجاسر٨ - ففى سردهم جميعا لنسب الشيخ يصير (مشرف) الجد التاسع، فيقولون: "محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف". وعلى ما يبدو أن إبراهيم بن عبيد في تاريخه (تذكرة أولى النهى والعرفان) ٩ ومحمد العقيلى فى بحثه١٠ الذي قدمه لمؤتمر أسبوع الشيخ

стр. 108

محمد بن عبد الوهاب، وغيرهما١ قد تبعوهم فى سردهم لنسب الشيخ، وكذلك الدكتور عبد الله العثيمين ذكر أن (مشرفاً) هو الجد التاسع للشيخ- ولكنه حين سرد نسب الشيخ أسقط اسم جده الثالث (محمد) ولعله أسقطه سهوا٢، إلا أن يكون قد تبع الحيدري فى كتابه (عنوان المجد فى بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد) فالحيدري قد أسقط اسم جده الثالث (محمد) واعتبر العد يبدأ من أب الشيخ لا من جده. والذى أثبته الشيخ حسين بن غنام ومن أتى بعده ممن ذكرنا هو الراجح لأنهم أكثر عددا وفيهم من هو أتم ضبطا وأقدم تاريخا. وأما من (مشرف) إلى (ريس) فإن ابن غنام لم يذكر ما بعد (مشرف) من نسب الشيخ وإنما وقف فى نسبه على (مشرف) ٣، وكذلك الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن٤. ولكن ابن بشر٥، وإبراهيم بن صالح بن عيسى٦، وعبد الرحمن بن

стр. 109

قاسم١، وحمد الجاسر٢، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ٣، وعبد الله بن عبد الرحمن البسام٤ يتفقون على أنه هكذا: (مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس) ويخالفهم عبد الرحمن المغيري٥، وتركي آل ماضي٦- فى اسم والد مشرف (عمر) ففى مؤلفيهما أنه (عمرو) والراجح (عمر) لا (عمرو) لأنه هكذا فى مؤلفات ابن بشر وابن عيسى وابن قاسم ومن معهم كما ذكرنا، وهم أضبط وأكثر. كما يخالف كل من سبق ذكره إبراهيم بن ضويان٧، وصاحب التوضيح عن توحيد الخلاق فى جواب أهل العراق٨. فى اسم (ريس) ففى مؤلفيهما أنه (ادريس) والراجح أنه (ريس) لا (ادريس) لأن من ضبطه (ريس) أضبط وأكثر.

стр. 110

وقال المؤرخ إبراهيم بن عيسى: (وأما المشارفة أولاد مشرف بن عمر ابن معضاد بن ريس بن زاخر، فمنهم آل الشيخ المعروفين فى الرياض) ١. وأما من ريس إلى (عقبة) ومن عقبة إلى (مر) - فيقول ابن عيسى: (قال الشيخ محمد بن عبد الله بن مانع: وهذا النسب من ريس إلى عقبة، منقول من خط محمد بن أحمد بن محمد بن منيف بن بسام (بن) منيف القاضي، ومن خط علماء الوهبة المعروفين المعتبرين، مثل الشيخ أحمد بن محمد بن بسام، والشيخ أحمد بن محمد بن حسن القصير، والشيخ سليمان بن علي (جد الشيخ محمد بن عبد الوهاب) والشيخ أحمد بن محمد البجادي، والشيخ عبد المحسن بن علي بن شارخ المشرفي وغيرهم. ومن (عقبة) إلى (مر) منقول عن ابن الكلبي وياقوت الحموي، قال ابن الكلبي: وكان عقبة شريفا٢ أي في قومه. كما نقل ابن عيسى أن الشيخ محمد بن عبد الله بن مانع يقول: (ان ابن منصور ليس بمأمون في نقله عن علماء الوهبة من أن أحدهم إذا وصل فى نسبه إلى مسعود قال هو أخو غيلان ذي الرمة بن عقبة بن بهيش بن مسعود بن حارثة، الخ. وينكرذلك ويقول: (الذي وقفنا عليه ورأيناه

стр. 111

بخطوطهم خلاف ما نقله عنهم ابن منصور، إنما هو: مسعود بن عقبة بن سنيع بن نهشل بن شداد) ... الخ١. وهناك اختلافات أخرى شاذة مثل السقط والتصحيفات التي وقعت في كتاب إبراهيم الحيدري المسمى: (عنوان المجد في بيان، أحوال بغداد والبصرة ونجد) فقد أسقط اسم جده الثالث محمد، وصحف اسم جده (بريد) إلى (بريز) واسم جده (معضاد) إلى (بعضاد) واسم جده (زاخر) إلى (ذاخر) [لوحة ٣١٤-٣١٥] ومثل ما في معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة فقد قال: "محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن أحمد بن راشد بن يزيد بن محمد بن يزيد ابن مشرف التميمي النجدى) ٢ فقد أسقط اسم (علي) ثم (محمد) بين (سليمان) و (أحمد) ، وأبدل (بريدا) بـ (يزيد) في الموضعين، وهذا غير صحيح. وبعض المترجمين أعرض عن تفصيل نسب الشيخ كالزركلي في كتابه (الأعلام ... ) واقتصر على قوله: "محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي) ٣. وبالجملة التي لا خلاف عليها خلافا معتبرا أن الشيخ ينسب فيقال:

стр. 112

(المشرفي) نسبة إلى جده (مشرف) وأسرته آل مشرف، ويقال: (الوهيبي) نسبة إلى جده (وهيب) جد الوهبة، والوهبة يجتمعون في محمد ابن علوي بن وهيب. وهم بطن كبير من حنظلة، وحنظلة بيت من بيوت بني تميم الأربعة الكبار كما قال غيلان ذو الرمة: يعد الناسبون إلى تميم ... بيوت المجد أربعة كبارا يعدون الرباب وآل سعد ... وعمْراً ثم حنظلة الخيارا ويقال: (التميمي) نسبة إلى (تميم) أبي القبيلة الشهيرة١، والتي ورد فيها ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب العتق٢، في الباب الثالث عشر، وفي كتابه المغازي٣ في الباب الثامن والستين، ومسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة٤، في الباب السابع والأربعين ورقم الحديث ١٩٨ عن أبي هريرة واللفظ هنا لمسلم: عن أبي زرعة قال: قال أبوهريرة: لا أزال أحب بني تميم من ثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هم أشد أمتي

стр. 113

على الدجال" قال: وجاءت صدقاتهم فقال النبي ﷺ : "هذه صدقات قومنا" قال: وكانت سبية منهم عند عائشة- فقال رسول الله ﷺ : "أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل". ويتضح من سرد نسب الشيخ المتقدم أنه يلتقي مع نسب الرسول ﷺ في إلياس ابن مضر. أسرته العلمية: إنه منذ القرن العاشر الهجري زمن أجود بن زامل ملك الأحساء ونواحيه تلمع أسماء علماء من آل مشرف كالقاضي عبد القادر بن بريد المشرفي، وكان أحمد بن محمد بن مشرف في أشيقر ممن أخذ عن أحمد بن يحيى بن عطوة وعن أبي النجاموسي الحجاوي مصنف الإقناع وزاد المستقنع وغيرهما١. جده: وفي القرن الحادي عشر الهجري نجد أن جد الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو القاضي سليمان بن علي بن مشرف أكبر عالم في نجد ذلك الزمن، ويتحدث المؤرخ إبراهيم بن عيسى عن مكان ولادته ونشأته وأعماله وتنقلاته فيقول: (ولد في بلد أشيقر ونشأ بها وقرأ على علمائها ولازم منهم أجلهم الشيخ أحمد بن محمد بن مشرف، وبرع ودرس

стр. 114

ومهرفي الفقه ثم طلبه أهل روضة سديرقاضيا لهم فأجابهم إلى ذلك، فانتقل من أشيقر وسكن عندهم فنشرالعلم في الروضة وحث الناس على التعلم ورغبهم فيه وانتفع به خلق كثير واتفق أنه حصل بينه وبين بعض رؤساء البلدكلام فغضب الشيخ من ذلك وانتقل إلى العيينة واستوطنها وتولى قضاءها وباشره بعفة وصيانة" اهـ١. ويصف ابن بشر مكانته العلمية فيقول: "كان سليمان رحمه الله تعالى فقيه زمانه متبحرا في علوم المذهب وانتهت إليه الرئاسة في العلم، وكان علماء نجد في زمانه يرجعون إليه في كل مشكلة من الفقه وغيره رأيت له سؤ الات عديدة وجوابات كثيرة، وصنف كتابا في المناسك، وذكر لي أنه شرح الإقناع فلما علم أن منصوراً البهوتي شرحه أتلف سليمان شرحه) ٢، وقال ابن بسام عن فتاوي الشيخ سليمان (بلغ المحفوظ منها الآن أكثرمن أربعمائة جواب مفرقة في بعض المطبوعات، وأكثرها لا يزال مخطوطا"٣ ا- هـ وقد رأيت في مجموعة الرسائل والمسائل النجدية أجوبة له على مسائل من الفقه بلغت إحدى وثلاثين مسألة٤.

стр. 115

وقال البسام عن شرحه الإقناع: "وقد شرح الإقناع فلما حج سنة (١٠٩٤هـ) تسع وأربعين وألف وجد الشيخ منصورالبهوتي حاجا فأطلعه على شرحه فتأمله الشيخ سليمان ثم قال: وجدته مطابقا لما عندي إلا في مواضع يسيرة وأتلف شرحه عليه"١. ويزيد المؤرخ إبراهيم بن عيسى في وصف مكانته العلمية فيقول: "وكتب بخطه الحسن المضبوط النير كتبا كثيرة من كتب الفقه وغيرها وحصل كتبا كثيرة نفيسة في كل فن وعلى كل كتاب منها خطه بتهميش وتصحيح وإلحاق فوائد وتنبيهات مما يدل على أنه طالعها جميعها مطالعة تأمل وتفهم" ا. هـ٢. وقال الدكتور العثيمين: "يوجد خطه في مكتبة برلين (٤/٢٢) لكتاب جلاء الأفهام في فضل الصلاة على خير الأنام تأليف شمس الدين الزرعي وهو مكون من ٢٢٠ ورقة"٣. توفي الشيخ سليمان بن علي في سنة تسع وسبعين وألف (١٠٧٩هـ) ٤، في بلد العيينة٥.

стр. 116

وكان قد أخذ عنه العلم والفقه جماعة، وتتلمذ له خلق كثير تخرجوا على يديه وانتفعوا به منهم أبناءه عبد الوهاب وإبراهيم وغيرهما١. وقال الشيخ عبد الله البسام: "المعروف أن الشيخ سليمان بن علي لم يبق له عقب الآن إلا من قبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب"٢. ولنا أن نقول: وكذلك ميراث الشيخ سليمان بن علي العلمي بقي في الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من ذريته وغيرهم- ومنهم انتشركما هي سنة الله تعالى في عباده المحسنين، يجيبهم إذا نادوه ودعوه، وينجيهم من الكرب، ويجعل البقاء في ذريتهم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣. والده: وعبد الوهاب بن الشيخ سليمان هو أبو الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب؛ ولد في العيينه ونشأ بها على تربية أبيه بالعلم والفقه من صغره،

стр. 117

وكما أخذ عن والده الشيخ سليمان، فقد أخذ عن غيره أيضا من علماء العيينة حتى أدرك في الفقه كأبيه وولي قضاء العيينة مكان أبيه١. وقد رأيت له جوابا في مجموعة الرسائل والمسائل النجدية على سؤال وجهه إليه عبد الله بن أحمد بن سحيم عن أحوال منكرة من أناس يسمون أنفسهم فقراء يدخلون في النار ويضربون أنفسهم بالحديد ويقفزون من السطوح ويلعبون بذكر الله حيث يفعلونه كنبح الكلاب ... فأجاب بأن هؤلاء فسقة شياطين منافقون وأفعالهم منكرة وبعضها كفر بلا ريب يتعوذ المسلمون بالله من أفعالهم وأن أهل حرمة وأضرابهم الذين اتبعوهم وجادلوا عنهم لا يصلى خلف أحدهم ولا تقبل شهادته ويحث على إنكار مثل ذلك باليد واللسان، واستدل بأدلة سديدة مما يدل على أصالة علمه وفقهه٢. وفي هذه الأسرة العلمية من آل مشرف ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب. مولده ونشأته العلمية ومواهبه: ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة ألف ومائة وخمس عشرة (١١١٥هـ) من هجرة المصطفى ﷺ ،٣، على ما هو

стр. 118

معروف١، في بلدة العيينة على الصحيح٢، وكما ذكرنا في أسرة علمية، تعلم القرآن وحفظه عن ظهرقلب قبل بلوغه عشرسنين، وكان حاد الفهم وقاد الذهن ذكي القلب سريع الحفظ٣، قرأ على أبيه في الفقه، وكان رحمه الله تعالى في صغره كثير المطالعة في كتب التفسير والحديث وكلام العلماء في أصل الإسلام فشرح الله صدره في معرفة التوحيد وتحقيقه ومعرفة نواقضه المضلة عن طريقه٤، وجد في طلب العلم وأدرك وهو في سن مبكرة حظا وافرا من العلم حتى إن أباه كان يتعجب من فهمه ويقول: "لقد استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام"٥ وكتب أبوه إلى بعض إخوانه رسالة نوه فيها بشأنه وفهمه الجيد وأنه بلغ الاحتلام قبل إكمال اثنتي عشرة سنة من عمره ورآه أهلا للصلاة بالجماعة إماما لمعرفته بالأحكام، وزوجه بعد البلوغ مباشرة ثم طلب من أبيه الحج إلى بيت الله الحرام فأذن له فحج وقصد المدينة وأقام فيها شهرين

стр. 119

ثم رجع بعد ذلك إلى أبيه في العيينة وأخذ يدرس الفقه على مذهب الإمام أحمد على والده، ورزق مع قوة الحفظ سرعة الكتابة بحيث إنه يخط كراسا بخط واضح في الجلسة الواحدة بلا سأم ولا تعب مما يحير أصحابه١، ويقول عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ: "وقد كتب بخط يده كثيرا من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية لا يزال بعضها موجودا بالمتحف البريطاني بلندن"٢. وقال حفيده وتلميذه الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "لما قدم جده سليمان بن علي من الروضة ونزل العيينة كان أفقه من نزل نجدا في وقته فتخرج عليه خلق كثير من أهل نجد منهم ابناه عبد الوهاب وإبراهيم، وكان المتولى للقضاء في العارض أبو عبد الوهاب، وكان عمه يسافر إلى ما حولهم من البلاد لحاجتهم إليه في الإفتاء وما يقع بينهم من بيع العقارات وكان عليه اعتمادهم فيما كتبه وأثبته، وأكثر إقامته مع أخيه عبد الوهاب فظهر شيخنا بين أبيه وعمه، فحفظ القرآن وهو صغير، وقرأ في فنون العلم، وصار له فهم قوي وهمة عالية في طلب العلم فصار يناظر أباه وعمه في بعض المسائل بالدليل على بعض الروايات عن الإمام أحمد والوجوه عن الأصحاب فتخرج عليهما في الفقه وناظرهما في مسائل قرأها

стр. 120

في الشرح الكبير والمغني، والإنصاف لما فيهما من مخالفة ما في متن المنتهى والإقناع"١. وقال ابن بشر: "وكان رحمه الله تعالى في صغره كثير المطالعة في التفسير والحديث وكلام العلماء في أصل الإسلام فشرح الله صدره في معرفة التوحيد وتحقيقه ومعرفة نواقضه المضلة عن طريقه"٢. وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: "أمده الله بكثرة الكتب وسرعة الحفظ، وقوة الإدراك وعدم النسيان، سمع الحديث، وأكثر في طلبه، وكتب ونظر في الرجال والطبقات وحصل ما لم يحصل غيره، برع في تفسير القرآن، وغاص في دقائق معانيه، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها، وبرع في الحديث وحفظه، فقل من يحفظ مثله مع سرعة استحضاره له وقت إقامة الدليل، وفاق الناس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب وفتاوى الصحابة والتابعين بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب بل بما يقوم دليله عنده، تمسك بأصول الكتاب والسنة، وتأيد بإجماع سلف الأمة"٣. وهكذا نشأ الشيخ محمد بن عبد الوهاب نشأة علمية، فأبوه القاضي كان يحثه على طلب العلم ويرشده إلى طريق المعرفة، ومكتبة جده العلامة القاضي سليمان بن علي بأيديهم، وعمه إبراهيم أكثر إقامته

стр. 121

مع أخيه عبد الوهاب، فيلتقي به ابن أخيه محمد بن عبد الوهاب ويأخذ عنه، وبعض أقارب الشيخ الآخرين من آل مشرف وغيرهم من طلاب العلم، وبيتهم في الغالب ملتقى طلاب العلم وخواص الفقهاء سيما الوافدين باعتباره بيت القاضى، ولابد أن يتخلل اجتماعاتهم ولقاءاتهم مناقشات ومباحث علمية يحضرها محمد بن عبد الوهاب والقضايا التي كان أبوه ينظر فيها، فإن قربه يمكنه من معرفة مجرياتها١، وهو قد أنعم الله عليه بالإدراك العميق والحفظ القوي والذكاء الممتاز والرغبة والطموح، والجد في اكتساب معالي الغايات وإن كانت بعيدة، فما له لا يدرك الحظ الوافر والبلغة العظيمة من العلم النافع والميراث النبوي الكريم؟ لقد أتم الله عليه نعمته ورزقه إدراك بعض الأرب من العلم، في بلده وأخذ ما عند علماء نجد ووصلوه بسندهم، ولكن همته العالية وطموحه الوثاب، كان يحفزه على البحث الدائب والدراسة المتواصلة، والتفكير النافع والمناقشة البناءة مع العلماء والطلبة وغيرهم، فلا يقنع بما اقتنع به سابقوه ويقتنع به معاصروه. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "وقد أخبر شيخنا رحمه الله تعالى أنه كان في ابتداء طلبه العلم، وتحصيله في فن الفقه وغيره لم يتبين له الضلال الذي كان الناس عليه من عبادة غير الله، من جن أو غائب، أو طاغوت، أو شجر أو حجر أو غير ذلك ثم إن الله جعل له نهمة في مطالعة

стр. 122

التفسير والحديث، وتبين له من معاني الآيات المحكمات والأحاديث الصحيحة أن هذا الذي وقع فيه الناس من الشرك أنه الشرك الذي بعث الله رسله، وأنزل كتبه بالنهي عنه، وأنه الشرك الذي لا يغفره الله لمن لم يتب منه فبحث في هذا الأمرمع أهله وغيرهم من طلبة العلم فاستنارقلبه بتوحيد الله الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه"١. أثر البيئة في توجيه الشيخ علميا: لقد أبصر الشيخ البيئة من حوله بواقعها والناس في حياتهم ودينهم على الغالب في تناقض وتصادم مع ما نشأ عليه من علم وما عرفه من الحق على يد أبيه ومن خلال مطالعته لكتب المحققين من علماء السلف الصالح، فما يتعلمه من أبيه ومن ميراث العلماء في واد والحياة الواقعة والعمل الجاري من الناس على العموم والغالب في واد آخر، بل في مصادمة ومناقضة مع حياته العلمية الخاصة التي ورثها من متصل إسناد العدول وحملة العلم النبوي من لدن رسول الله ﷺ ، إليه اتصالا متينا لا يتطرق إليه انقطاع ولا انفصام، ذلك أن البيئة في نجد على الخصوص كما هي في سائر البلاد الأخرى على العموم- بيئة جاهلية، بيئة خرافة وبدعة، امتزجت بالنفوس فأصبحت جزءا من عقيدتها إن لم تكن هي عقيدتها. وقد بينا ذلك في المبحث السابق بفضل الله تعالى٢. ولا

стр. 123

شك أن بيئةً هذه عقيدتها مناقضة لعقيدة السلف الصالح، مناقضة للإسلام، الذي يتربى عليه الشيخ في محضن خاص من المحاضن التي يحفظ الله بها دينه، ويقيم على الناس بها حجته استمرارا لرسالة خاتم أنبيائه ورسله محمد بن عبد الله ﷺ . ولابد أن يخرج الشيخ إلى هذه البيئة ويعاملها بمقتضى سنة الله في خلقه، الذي خلق الموت والحياة ليبلو الناس أيهم أحسن عملا وهو العزيز الغفور، والشيخ بين أمرين إما أن يستسلم للبيئة ويصبح مثل الآخرين فتكون نفسه وقلبه وروحه ميدانا للمتناقضات وصراعها واختلاط البدعة والوهم بعقيدته السليمة ودينه القيم وحياته الطيبة، وتصبح الجاهلية سائدة في نفسه كالأكثر الغالب من الناس. وإما أن يصمم على محاربة الخرافة المنتثرة والبدعة الشائعة، والجاهلية الجاثمة الثقيلة، وما أثقلها من كابوس جاثم، إنها حياة أغلبية المجتمع من حوله، التي تضغط بقوة على من يحيا بالإسلام ونوره.. ولكن قد اختارالشيخ ﵀ وجزاه خيرا أن يقوم لله قومة انصدعت لها جبال الجاهلية، وتقطعت بها غيوم الباطل وشبهاته، فعزم على تنحية البدع من الحياة التي حوله وإيقاظ النائمين، وتنبيه الغافلين، والعمل على نشر الإسلام والنور من الكتاب والسنة وسيرة الصالحين.

стр. 124

توجه الشيخ للرحلة في طلب العلم: قال ابن بشر: "فلما تحقق الشيخ معرفة التوحيد ونواقضه، وما كان وقع فيه كثير من الناس من هذه البدع المضلة صار ينكر هذه الأشياء، واستحسن الناس ما يقول، لكن لم ينهوا عما فعل الجاهلون، ولم يزيلوا ما أحدث المبتدعون" ا. هـ١. هنا توجه الشيخ للرحلة في طلب العلم للتسلح بسلاح ماض قاطع، فإن إنكار الشيخ لهذه الأمورالشائعة جعلته في مواجهة للمعارضة من علماء السوء وتلبيساتهم وشبهاتهم، وتأليب العامة عليه، وتهمتهم إياه بالانحراف والجهل. فكان كل ذلك يزيد تفكيره، وحرصه على تحصيل العلم وإِدراك الحق فلابد أن يرحل في طلب العلم وتحقيق ما شرح الله له صدره من حقيقة هذا الدين القيم على أيدي حملته العدول الذين لن تخلو منهم الأرض ولن ينقطع منهم زمان إلى قيام الساعة.. . فليرحل إلى مظانهم في أقطار البلاد الإسلامية حيث إنهم لا يحصرون في مكان دون آخر ولا زمان دون زمان. فإِن للعلماء بقايا، وفي الزوايا خبايا، وحجة الله قائمة وذكره محفوظ وميراث رسول الله ﷺ مضبوط في الكتب والصدور يحمله من كل خَلَفٍ عدوله، ويتوارثه جيل بعد جيل،

стр. 125

ورب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ليرحل الشيخ في طلب العلم والتسلح بسلاحه فإن الطريق إلى الله لابد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج، فالواجب على المسلم أن يتعلم من دين الله ما يصير له سلاحا يقاتل به هؤلاء الشياطين الذين يصدون عن سبيل الله ويقطعون الطريق إليه، كما يقول الشيخ١. لذلك قرر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يرتحل من بلده العيينة يطلب العلم والنصرة وإِعداد العدة من النور والحكمة، (ولعله يجد من يساعده على ما عرف من دين الإسلام) ٢. وقال الشيخ: "كنت عند الشيخ ابن سيف يوما فقال لي تريد أن أريك سلاحا أعددته للمجمعة؟ قلت: نعم. فأدخلني منزلا عنده فيه كتب كثيرة وقال: هذا الذي أعددنا لها"٣. رحلاته العلمية: (خط سيرها، والأماكن التي رحل إليها، وزمانها - وشيوخه - وتحصيله- ونتيجة ذلك) قال المؤرخ ابن بشر عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "فلما رأى أنه لا يغني القول، ولم يتلق الرؤساء الحق بالقبول تجهزمن بلد

стр. 126

(العيينة) إلى حج بيت الله الحرام- فلما قضى حجه سار إلى المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام"١. يفيد كلام ابن بشر هذا أن الشيخ بدأ رحلاته العلمية من العيينة إلى الحجاز فحج بيت الله الحرام أولا، ثم سار إلى المدينة ثانيا. وعلى ما يظهر من كلام ابن غنام وكلام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن أن الشيخ كان قد حج قبل هذه الحجة التي ذكرها ابن بشر بداية رحلة الشيخ في طلب العلم، قال ابن غنام ينسب عن والد الشيخ أنه يقول عنه: "وقد تحققت أنه بلغ الاحتلام قبل إكمال اثنتي عشرة سنة على الإتمام ... وزوجتُه بعد البلوغ في ذلك العام ثم طلب مني الحج إلى بيت الله الحرام، فأجبته بالإسعاف لذلك المرام، فحج وقضى ركن الإسلام، وأدى المناسك على التمام، ثم قصد مدينته ﵊ وأقام فيها شهرين ثم رجع بعد ذلك فائزا بأجر الزيارة والمناسك"٢. ثم ذكر ابن غنام أن الشيخ بعد رجوعه من المدينة إلى العيينة أخذ في القراءة على والده في الفقه، على مذهب الإمام أحمد ثم بعد ذلك رحل يطلب العلم إلى ما يليه من الأقطار، وزاحم فيه العلماء الكبار، فوطىء

стр. 127

الحجاز والبصرة لذلك مرارا، وأتى الأحساء لتلك الأوطار"١. ويقول الشيخ عبد اللطيف أيضا: "وبعد بلوغ الشيخ سن الاحتلام قدمه والده في الصلاة ورآه أهلا للائتمام، ثم طلب الحج إلى بيت الله الحرام، فأجابه والده إلى ذلك المقصد والمرام، وبادر إلى قضاء فريضة الإسلام وأداء المناسك على التمام، ثم قصد المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وأقام بها قريبا من شهرين، ثم رجع إلى وطنه قرير العين، واشتغل بالقراءة فى الفقه على مذهب الإمام أحمد ﵀ ثم بعد ذلك رحل يطلب العلم"٢. فيتضح من كلام ابن غنام والشيخ عبد اللطيف أن حجته الأولى كان يدفعه إليها واجب أداء ركن الإسلام وفريضته لما توفرت شروطها ببلوغ الشيخ ألا وهي حج بيت الله الحرام، أما هذه الحجة التي ذكرها ابن بشر بداية رحلاته العلمية فواضح أنها كانت بعد أن قرر مغادرة العيينة لطلب العلم، وبنحو ما حررته، يقول مسعود الندوي ما نصه: "وكان قد تشرف بحج بيت الله الحرام وكانت مركزية الحجاز قد أثرت في نفسه وحينما فكر في طلب العلم قصد الحجاز" إلى أن قال: "حج بيت الله الحرام، وزار المسجد النبوي مرة ثانية، ثم حضر مجالس العلماء،

стр. 128

وانقطع لطلب العلم"١. وقال الدكتور العثيمين: "الواضح مما ذكره كل من ابن غنام وابن بشر أن الحجاز كانت أولى الجهات التي سافر إليها محمد بن عبد الوهاب في سلسلة رحلاته العلمية"٢. وقال أيضا: "كانت ذكريات حجة الشيخ الأولى لا تزال عالقة في ذهنه، وكان ما شاهده في الحرمين كافيا لإقناعه بأن تكون خطوته الأولى في أسفاره العلمية إلى الحجاز، وقد بدأ هذه الخطوة بالسفر إلى مكة المكرمة، حيث حج مرة ثانية"٣. ولا مانع من أن يكون الشيخ قد تلقى عن بعض المشائخ في المدينة في حجته الأولى وإن لم يكن قد أطال الإقامة فيها كما فعل في المرة الثانية، بل إننا لنجد ذلك في كتابات الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ في العدد الأول والثاني والثالث من مجلة راية الإسلام، ففيها أن الشيخ رحل إلى مكة وحج، ثم إلى المدينة وتلقى فيها على بعض المشائخ، ثم عاد إلى العيينة، ثم رحل إلى مكة وأقام بها، وتلقى فيها عن بعض

стр. 129

المشائخ، ثم إلى المدينة وأطال المكث فيها، ورأى ما أفزعه من الأعمال المنافية للشرع عند حجرة النبي ﷺ ، ثم رحل إلى البصرة١. والشيخ - على ما يَرْوي ابن بشر من رحلته العلمية - خرج من المدينة- بعد أن أقام فيها ماشاء الله يطلب العلم- إلى نجد، ومن نجد تجهز إلى البصرة يريد الشام فلما وصل البصرة جلس فيها يقرأ عند عالم من أهل المجموعة- قرية من قرى البصرة- في مدرسة فيها٢. ويذكر حفيد الشيخ وتلميذه الشيخ عبد الرحمن بن حسن في معرض رده على ابن منصور الذي يفتخر برحلته إلى البصرة والزبير ليقول: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يتخرج على أشياخ في العلم؛ قال الشيخ عبد الرحمن: إن الشيخ أيضا سافر إلى البصرة غير مرة كل مرة يقيم بين من كان بها من العلماء، فما الذي يخص ابن منصور بأخذ العلم منها دونه إذا كان الكل قد سافر إليها٣. ويقول عبد الرحمن بن حسن: "ثم إن شيخنا رحمه الله تعالى بعد رحلته إلى البصرة، رحل إلى الأَحساء ثم رجع من الأحساء إلى البصرة"٤.

стр. 130

ويذكر ابن بشر أن الشيخ تجمع عليه أناس في البصرة من رؤسائهم وغيرهم فآذوه أشد الأذى وأخرجوه منها وقت الهجيرة فلما خرج وتوسط في الدرب فيما بينها وبين بلد الزبير أدركه العطش وأشرف على الهلاك وكان ماشيا على رجليه وحده فوافاه صاحب حمار مكاري يقال له: أبو حميدان فسقاه وحمله على حماره حتى وصل الزبير) ١. وقال عبد الرحمن بن حسن: "إن الشيخ خرج من البصرة إلى نجد قاصدا الحج فحج ﵀، فلما قضى الحج وقف في الملتزم وسأل الله أن يظهر هذا الدين بدعوته، وأن يرزقه القبول من الناس، فخرج قاصدا المدينة مع الحجاج يريد الشام فعرض له بعض سراق الحجيج فضربوه وسلبوه وأخذوا ما معه وشجوا رأسه وعاقه ذلك عن مسيره مع الحجاج فقدم المدينة بعد أن خرج الحاج منها ثم رجع إلى نجد فقام فيهم يدعوهم إلى التوحيد" ا. هـ باختصار٢. ويؤيد هذا الكلام كلام ابنه عبد اللطيف في الرسائل والمسائل٣، وكلام الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في الدرر السنية في ترجمته للشيخ) ٤. فكلام الشيخ عبد الرحمن بن حسن هذا واضح وصريح في أن

стр. 131

الشيخ خرج من البصرة إلى نجد قاصدا الحج فحج، ووقف في الملتزم وسأل الله أن يظهر هذا الدين بدعوته، وأن يرزقه القبول من الناس، ثم خرج من مكة قاصدا المدينة مع الحجاج ليسافر منها إلى الشام مع حاج الشام ولكن فاته ركب الشام بسبب ما تعرض له من لصوص البادية، سراق الحجيج، وحين قدم المدينة لم يدركهم، وسواء بقي في المدينة أو لم يبق بها فإنه رجع إلى نجد من المدينة وقام يدعو أهل نجد إلى التوحيد، فلم لا تكون هذه حجة ثالثة، حيث كانت الثانية هي بداية رحلاته العلمية على ما قدمنا من رواية ابن بشر ولم ينفها ابن غنام ولا ابن حسن فكذلك تكون هذه على ما يروْي ابن حسن، ولم ينفها ابن بشر الحجة الثالثة. ويؤيد هذا أن ابن غنام يذكر أن الشيخ وطىء الحجاز والبصرة لطلب العلم مرارا١، والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن قال أيضا: (رحل إلى البصرة والحجاز مرارا) ٢، فقولهما (مرارا) يدل على أكثر من مرتين. كما يؤيد هذا أيضا أن بعض المصادر تذكر (أخذ الشيخ عن علي الداغستاني وإجازة الداغستاني له) ٣.

стр. 132

وعلى ما يقرر مسعود الندوي أن الداغستاني ولد سنة ١١٢٥هـ واحتل مكانا عاليا في علماء دمشق ورحل إلى المدينة ليرْوي عن الشيخ محمد حياة السندى، ورجع إلى الشام سنة ١١٥٠هـ١ وأن الشيخ بدأ رحلته العلمية في العشرين من عمره٢ أي في عام ١١٣٥ هـ تقريبا فليس من المعقول أن يكون الشيخ أخذ عن الداغستاني ابن عشر فقط ولكن من المعقول أن يكون أخذ عنه بعد أن أمضى بضع عشرة سنة في طلب العلم راحلا إلى نجد والبصرة وعائدا إلى الحجاز وقد تم للداغستاني عشرين سنة ونيفا وأمكنه أن يحتل مكانا عاليا في علماء دمشق وأن يأتيَ للمدينة ليروي عن شيخها السندي فيلتقي به الشيخ في هذه المرة ويأخذ عنه ويستجيزه ما معه من علم أهل الشام، فهذا دليل على أن الشيخ ختم رحلته العلمية بالحج والزيارة بالإضافة إلى كلام ابن حسن الصريح بذلك والمتقدم قبل قليل. والله أعلم. وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن عن جده الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وكان قد عزم وهو بمكة أن يصل الشام مع الحاج فعاقه عنهم عائق، فقدم المدينة وأقام بها، ثم إن العليم الحكيم رده

стр. 133

إلى نجد رحمة لمن أراد أن يرحمه بمن يؤويه وينصره، وقدم على أبيه وصنوه وأهله ببلد حريملاء، فناداهم بالدعوة إلى التوحيد"١. وقال ابن بشر: "ثم إن الشيخ أراد أن يصل إلى الشام فضاعت نفقته التي معه فانثنى عزمه عن المسير إليه. لما أراد الله سبحانه الذي يعلم السر وأخفى أن يمضي أمره ويعليَ كلمته بجمع أهل نجد بعد تفرقهم، على إمام واحد، يزيل عنها شعائر الكفر والبدع"٢. وقال ابن قاسم: "ثم ارتحل يريد الشام فحصل له عائق لما اقتضته الحكمة الربانية من ظهور هذا الدين في البلاد النجدية فقصد نجدا ووجد والده قد ارتحل إلى بلدة حريملاء"٣. وكل هذه النصوص تصرح بأن الشيخ انثنى عزمه عن الشام وعاد إلى نجد لمَّا أراد الله أن يرحمهم به، وأما ما فهمه الدكتور العثيمين من قول ابن بشر عن الشيخ: "ثم إنه خرج من الأحساء وقصد بلد حريملاء"٤ من أن الأحساء كانت آخر المواطن لرحلات الشيخ ولو للحج، وأنه لم يرحل بعد رحلته العلمية إلى الحرمين، وأن عودته النهائية إلى حريملاء لم تكن من المدينة؛ فإن هذا المفهوم مرجوح لما قدمناه

стр. 134

والله أعلم. وخلاصة ما تقدم أن الشيخ ﵀ رحل إلى خارج وطنه لطلب العلم إلى الحجاز، ثم إلى البصرة وإلى الأحساء ثم البصرة أيضا والزبير ثم إلى الحجاز ولم يتمكن من الرحلة إلى الشام وعاد إلى نجد يدعوهم إلى التوحيد. وهذا ما نطمئن إليه. ويذكر الدكتور محمد عبد الله ماضي أن الشيخ سافر إلى بغداد١، وكذا يذكر الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم٢، وعبد الحليم الجندي٣، وإبراهيم فصيح صبغة الله الحيدري٤، والله أعلم. زمان رحلات الشيخ العلمية: أما الزمن لهذه الرحلات العلمية، فليس فيه بيان دقيق وهو مجال اجتهاد. فيرجح الدكتور العثيمين أن مغادرة الشيخ بلدته العيينة لطلب العلم تمت قبل بلوغه عشرين سنة من العمر٥. كما قرر نحوه مسعود الندوي في كتابه: (محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه) ٦.

стр. 135

وكذلك يرجح الدكتور العثيمين أن الشيخ كان في الأحساء في الزمن الذي بين عامي ١١٤٤،١١٤٨هـ لأن ابن غنام أورد رسالة بعثها الشيخ أثناء إقامته الأخيرة في العيينة يدعوا إلى الله إلى العالم عبد الله بن عبد اللطيف ومما جاء فيها أن الشيخ اجتمع به من نحو (عشر سنين) كما في المخطوطة لتاريخ ابن غنام بخط صالح المرشد١. ومن المعلوم أن الشيخ كان في العيينة بين سنتي ١١٥٤، ١١٥٨هـ، وكذلك يرجح الدكتور العثيمين عودة الشيخ النهائية من رحلته العلمية إلى حريملاء كان بين سنتي ١١٤٤ - ١١٤٩هـ، لأن ابن بشر ذكر أن الشيخ بقي مع أبيه في حريملاء مدة سنين ولعل صيغة الجمع هنا تُوحِي بأن ذلك كان أكثرمن ثلاث سنوات، وذكر ابن بشر أن أبا الشيخ توفي سنة ١١٥٣ هـ٢. أَيْ: أن الشيخ قضى ما بين إحدى عشرة وست عشرة سنة في السفر والترحال لطلب العلم وتحقيق مسائل عقيدة السلف الصالح. وقبل هذه الرحلة وأثناءها أخذ الشيخ عن مشائخ فضلاء، وعلماء أجلاء في نجد والمدينة والبصرة والأحساء، وحصل على إجازات منهم

стр. 136

وكتب كثيرا من كتب السنة وكتب ابن تيمية وابن القيم، وكان ينكر ما يراه مخالفا للإسلام إنكارا لفت الأنظار إليه وانفرد به انفرادا جعله مستهدفا بالأذى والإخراج؛ كما حصل له في البصرة. وفيما يلي تفصيل هذه الجملة: شيوخه وما أخذه عنهم من فنون العلم: ١- في نجد: سبق أن ذكرنا أن الشيخ تلقى العلم في نشأته العلمية في بلدة (العيينة) على والده الشيخ عبد الوهاب قاضي العيينة، وعلى عمه الشيخ إبراهيم، وهما أخذا عن أبيهما علامة الديار النجدية ومرجع علمائها الشيخ سليمان بن علي١، ولا يستبعد أخذه عن غير والده وعمه ولكننا نستطيع تسمية أبيه وعمه فحسب فنجعل والده أول شيخ له نترجمه هنا فنقول: ١- الشيخ عبد الوهاب بن الشيخ سليمان بن علي. ولد في مدينة العيينة- قاعدة بلدان نجد إذ ذاك وكان والده الشيخ سليمان بن علي علامة نجد في زمنه هو قاضي العيينة فشب في بيت علم وفضل واشتغل بالعلم من صغره فأخذ عن والده وعن غيره من علماء العيينة ونجد كالشيخ محمد بن ناصر حتى أدرك لاسيما في الفقه، فانه

стр. 137

فقيه كأبيه ودرس وأفتى وكتب عن بعض المسائل الفقهية كتابات حسنة ووليَ قضاء العيينة فمكث فيه مدة طويلة. قال عبد الله بن بسام: (وقد رأيت له أحكاما عام ١١٢٠ هـ١ ثم ترك قضاء العيينة حين عزله خرفاش بن معمرعام ١١٣٩هـ وانتقل إلى حريملاء ونزلها وتولى القضاء فيها حتى توفي عام ١١٥٣هـ رحمه الله تعالى وقد ربى ابنه الشيخ محمد تربية علمية كما ذكرناه قريبا) ٢. ٢- والشيخ الثاني هو: الشيخ إبراهيم بن الشيخ سليمان بن علي. ولد سنة ١٠٧٠هـ سبعين وألف في بلدة العيينة وكان والده الشيخ سليمان بن علي قاضيها كما ذكرنا في ترجمة أخيه الشيخ عبد الوهاب قبله، وأخذ عن أبيه وعن غيره من العلماء حتى حصل خصوصا في الفقه وكتب من كتب الفقه شيئا كثيرا بيده وخطه حسن مضبوط وقد وَلِيَ القضاء في بلدة أشيقر. وقال البسام (رأيت له حكما في بعض عقاراتها) ٣. وتوفي سنة ١١٤١هـ وخلف ابنه عبد الرحمن المتوفى سنة ١٢٠٦هـ وانقطع عقبه٤.

стр. 138

٢- في الحجاز: هل درس على علماء مكة؟ يذكر الشيخ عبد العزيز بن باز أنه أخذ عن بعض علماء الحرم الشريف١. ويقول الدكتور العثيمين: "وتشير بعض المصادر إلى أنه درس على علماء الحرمين وهذا يعني أنه درس في كل من مكة والمدينة ولكن عدم ذكر المصادر لأي عالم درس محمد بن عبد الوهاب عليه في مكة يرجح أنه لم يدرس فيها مدة تستحق العناية والبحث"٢. ولكني وجدت في بعض المصادر أن الشيخ أخذ عن الشيخ عبد الله بن سالم البصري وهو مكي٣. وفيما يلي ترجمته وبيان أخذ الشيخ عنه: ٣- الشيخ عبد الله بن سالم بن محمد بن سالم بن عيسى البصري أصلا المكي مولدا ومدفنا الشافعي، مسند الحجاز عمدة المحققين٤. ولد سنة ٠٥٠ ١هـ أو ١٠٤٩هـ، أو ١٠٤٨هـ وتوفي سنة

стр. 139

١١٣٤هـ١، الإمام المحدث الحافظ٢، تأهل للعلم في مكة ومات فيها، ترجم له العلامة الشيخ عابد السندي الحنفي فقال: وأما إمام الحديث والمقدم في عصره الشيخ عبد الله بن سالم البصري فهو إمام عصره- إلى أن قال: جمع في علم الحديث بين الرواية والدراية وبلغ من التحقيق أكمل غاية، وصنف التصانيف الفائقة، وقرأ في المسجد الحرام عدة كتب، من جملتها البخاري ومسلم والسنن الأربع، وقرأ البخاري أيضا بتمامه في جوف الكعبة الشريفة٣ مرتين وقرأ مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى جميعه في الروضة الشريفة في ستة وخمسين مجلسا سنة ألف ومائة وإحدى وثلاثين٤. وقال الكتانى: "قد اتفقوا على أنه حافظ البلاد الحجازية٥، وأخذ عن عدة مشائخ منهم العلامة محمد بن علاء الدين البابلى، وجل أخذه عنه٦، ومن مناقبه تصحيحه للكتب الستة حتى صارت نسخه هي المرجع، وجمع مسند الإمام بعد أن فرقته الأيدي وصححه وبمصر في

стр. 140

خزانة الشيخ محمد بن محمد الأمير المالكي نسخة من مسند الإمام أحمد بخطه مصححة، وجمع من تفسير الكتب ما لا يوجد عند غيره١، وتفرد بإقراء جميع الكتب الستة وهو صاحب الامداد بمعرفة علو الاسناد، اسم لفهرس جمع في أسانيده، في نحو ثلاث كراريس طبع بالهند، من جمع ولده الشيخ سالم متداول بين المشائخ٢، وقد أخذ عنه من أهل الحرمين والشام والمشرق واليمن ما لا يحصى عددهم٣. حدث عنه شيوخ العصر وشيوخ المشائخ منهم المعمر محمد بن حياة السندي نزيل المدينة المنورة، ومنهم العلامة إسماعيل بن محمد العجلوني وغيرهما٤. وهذا الشيخ يعتبر الشيخ الثالث للشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد شيخه الأول أبيه عبد الوهاب وشيخه الثاني عمه إبراهيم ابني الشيخ سليمان بن علي علامة نجد وتقدمت ترجمتهما وبيان عن أسرته العلمية٥، والدليل على أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أخذ عن هذا

стр. 141

الشيخ المترجم هو ما جاء في فهرس الفهارس للكتاني عند ذكره ثبت (حصر الشارد من أسانيد محمد عابد السندي) المتوفي سنة ١٢٥٧هـ بالمدينة، فقال الكتاني عن محمد عابد هذا: "وروى كتاب القرى لقاصد أم القرى عن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب النجدي عن أبيه إمام الطائفة الوهابية النجدية عن البصري"١. فهذا يدل بوضوح على أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أخذ عن البصري وأما تعقيب الكتاني باستبعاده ذلك لأن ابن عبد الوهاب إنما عاصر البصري بنحو عشرين سنة وهو بنجد والبصري بمكة، ولأن المعروف لديه هو أن ابن عبد الوهاب إنما أخذ عن طبقة كبار تلاميذ البصري وتلاميذ تلاميذه كعلي الداغستاني الدمشقي وعبد اللطيف الأحسائي ومحمد العفالقى٢، فلا يتم، لأن الكتاني لم يذكر أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب حج وزار المدينة وأقام بها شهرين وهو في الثالثة عشرة من عمره أي: في سنة ١١٢٧هـ تقريبا. وهذه المدة كان الشيخ البصري فيها حيا يرزق يقوم بالتدريس، فقد كانت وفاته عام ١١٣٤هـ على ما يثبته الكتانى٣، وهو الثابت في تراجم أفاضل مكة٤

стр. 142

وسبق ذكره قبل قليل١، فإذا تذكرنا هذا علمنا إمكان لقاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، واتصاله بالشيخ البصرى، فلا محل لتعقُّب الكتاني باستبعاد ذلك فيما يرى فالحجة فيما روى. ويكون الشيخ محمد بن عبد الوهاب آخر تلاميذ البصري موتا، لأنه توفي سنة ١٢٠٦هـ، وما يقوله الكتاني من أن آخرهم فيما يحفظ موتا الشمس محمد بن عبد الله المغربي غير صحيح لأن المغربي مات سنة ١٢٠١هـ. والله أعلم٢. في المدينة المنورة: "كانت المدينة المنورة ملتقى العلماء وطلاب العلم من مختلف الأقطار الإسلامية، كان بعض هؤلاء يأتي إليها فيستقرفيها. وكان بعضهم يأتي إليها فيقيم فيها فترة ثم يغادرها إلى وطنه. وقد ضمت في تلك الفترة بالذات علماء درس عليهم وتأثر بهم عدد ممن أصبحت لهم أدوارمهمة في بلدانهم"٣. وكان المناخ التعليمي فيها كما هو في مكة مختلفا عما ألفه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسقط رأسه العيينة. فبينما كان الاهتمام في

стр. 143

بلده منصبا تقريبا على الفقه الحنبلي كان في مكة والمدينة شاملا لكثير من العلوم والفنون. وإذا كان العلماء في العيينة محصورين عددا ونوعية فإنهم في الحجازكانوا كثيرين في عددهم مختلفين في مشاربهم وأنواع علومهم. وكان ذلك الوضع الجديد فرصة عظيمة للوافد الحاج ليدرس ما يحب من فنون المعرفة، ويحضر دروس من يختاره من المشائخ١. وفيما يلي تراجم من أخذ عنهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب من علماء بالمدينة المنورة: ٤- الشيخ العالم عبد الله بن إبراهيم بن سيف من آل سيف رؤساء بلد (المجمعة) والد إبراهيم مصنف العذب الفائض شرح ألفية الفرائض٢. قال ابن عيسى عن الشيخ عبد الله بن إبراهيم هذا: "انتقل أبوه إبراهيم بن سيف بن عبد الله الشمري من بلد المجمعة بعد أن قام على بيته وجعل بعضه مسجدا وهو المعروف اليوم بمسجد إبراهيم في بلد المجمعة، وبعضه حفر فيه بئراً لوضوء الناس، وبعضه بستانا للبئر المذكورة، وأوقف بعض عقاره على إمام المسجد المذكور، وسكن في المدينة المنورة"٣. وقال عبد الله بن بسام: "قرأ على الشيخ فوزان بن نصر الله

стр. 144

النجدى"١. وقال عنه صاحب السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة: "من أفاضل الفقهاء قرأ على علماء المدينة المنورة ثم ارتحل إلى الشام فقرأ على علامتها وشيخ الحنابلة بها أبي المواهب، وسكن في المدينة إلى أن مات، وأخذ عنه جمع"٢. وقال عنه عبد الرحمن الأنصاري المتوفى سنة ١١٩٧هـ فى كتابه: (تحفة المحبين والأصحاب فى معرفة ما للمدنيين من الأنساب) له قصيدة فريدة في ذم الدخان وشربه٣، ذكر ابن بسام أن مطلعها: يا مولعا بدخان النار تشربه ... وتدعي الحل فيه هات برهانا أورد عليه دليلا كي تحلله ... لا فلسفات وتغليطا وبهتانا٤ وتوفي الشيخ عبد الله بن سيف في المدينة عام ١١٤٠هـ٥ رحمه الله تعالى وهو رابع شيخ من مشايخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وقد وجدت في كتاب (الحطَّة) لصديق حسن خان: أن الشيخ

стр. 145

محمد بن عبد الوهاب أخذ عن عبد الله بن إبراهيم النجدي تلميذ الشيخ أبي المواهب الحنبلي ١. ولقد أخذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن المترجم كثيرا من العلم وصارت بينهما محبة وكان بمحمد بن عبد الوهاب حفيا، وبذل جهدا كبيرا في تثقيفه وتعليمه. وكان من أكبر عوامل توثيق الروابط بينهما وتمكين المحبة توافق أفكاره ومبدءه مع تلميذه في عقيدة التوحيد والتألم مما عليه أهل نجد وغيرهم من عقائد باطلة وأعمال زائفة٢. وقال الشيخ محمد عن شيخه هذا: "كنت عنده يوما- فقال لي: تريد أن أريك سلاحا أعددته للمجمعة؟ قلت: نعم. فأدخلني منزلا عنده فيه كتب كثيرة، وقال هذا الذي أعددنا لها) ٣. وقد ذكرنا ذلك قبل قليل"٤. وأول حديث سمعه منه، الحديث المشهور المسلسل بالأولية. نقل ابن غنام من خطه ما نصه: (حدثني الشيخ عبد الله بن إبراهيم بمنزله بظاهر المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام عن شيخ الإسلام ومفتي الشام أبى المواهب الحنبلي إجازة قال أخبرنا والدي تقي الدين عبد الباقي
следующие страницы →