← Акыда

Акыда · id 12039

عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي

صالح بن عبد الله العبود

Полный текст (1 147 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الله وحده، وبعض فوائد سورة الفاتحة، ونواقض الإسلام، ومسائل مستنبطة من قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وثمان حالات استنبطها الشيخ من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ الآية، وستة أصول عظيمة مفيدة، ورسالة في توحيد العبادة وكتاب الكبائر. وأما مجلدات الحديث فهي تتضمن: مجموع الحديث في الأحكام على أبواب الفقه أربعة أجزاء، طبع لأول مرة في هذه المجموعة وهو جيد مفيد واسع في ذكر الأحكام والآثار. ومجلدا في أحاديث الفتن والحوادث، وأشراط الساعة، وخروج الدجال، وما جاء في المهدي ونزول عيسى ﵇، وغير ذلك. والمجلدان في الفقه فهما القسم الثاني أحدهما مختصر الإنصاف والشرح الكبير. والثاني يتضمن نبذا في الأصول الفقهية، وكتاب الطهارة، وشروط الصلاة وأركانها وواجباتها، وآداب المشي إلى الصلاة، وأحكام الصلاة، وأحكام تمني الموت، وأحوال الأرواح، والقبر والأهوال من السنة والأثر. وكان الأنسب أن يوضع في قسم الحديث لأنه مجموعة أحاديث. ومجلد التفسير ومختصر زاد المعاد فهو القسم الرابع في فضائل القرآن وتفسير آيات من القرآن الكريم من سورة الفاتحة حتى سورة الناس، وهذا

стр. 212

التفسير أشبه باستنباط فوائد من الآيات التي وقع عليها الاختيار ويتضمن مختصر زاد المعاد في الهدي النبوي لابن القيم اختصره الشيخ. ومجلد مختصر السيرة والفتاوى، فهو القسم الثالث يتضمن مختصر سيرة الرسول ﷺ ، وفتاوى ومسائل للشيخ متفرقة. ومجلد الرسائل الشخصية فهي القسم الخامس، وتشتمل على رسائل الشيخ الشخصية في بيان عقيدته وحقيقة دعوته ورد ما ألصق به من التهم الباطلة، وبيان أنواع التوحيد، ومعنى لا إله إلا الله، وبيان ما يناقضها من الشرك في العبادة، وبيان الأشياء التي يكفر مرتكبها ويجب قتاله والفرق بين فهم الحجة وقيام الحجة وتوجيهات عامة للمسلمين في العقيدة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وآخر هذه المجلدات الاثني عشر مجلد ملحق المصنفات يتضمن مسائل لخصها الشيخ من كلام شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ومختصر تفسير سورة الأنفال، والرد على الرافضة، وبعض فوائد صلح الحديبية، والخطب المنبر ية. هذا وقد قام بتصنيف هذه المؤلفات وإعدادها للتصحيح الشيخ عبد العزيز بن زيد الرومي والدكتور محمد بلتاجي، والدكتور سيد حجاب وطبعت طبعة خاصة باسم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بعد أن صححت وحققت بواسطة لجان علمية مكونة من العلماء المتخصصين ذوي الصلة الوثيقة بنوع وطبيعة ما يراجعونه من مؤلفات الشيخ، ومن

стр. 213

ذوي الخبرات في البحوث العلمية قدر الاستطاعة١. ولكن عند تفقدي لمؤلفات الشيخ في هذه المجموعة القيمة لم أجد قليلا من آثار الشيخ ضمنها، كمختصر تفسير سورة الإخلاص والمعوذتين، لابن القيم. وهذا يوجد مخطوطا بمكتبة الآثار العامة ببغداد تحت (رقم ٣٥١٧٩) ٢. وكنبذ ومسائل ورسائل للشيخ هي موجودة في (الدرر السنية) جمع ابن قاسم مثل تفسير الاستعاذة وهي في الدرر السنية (ج ١٠/ ص ٣٥-٣٦) وتفسير أول سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآيات وهي في الدرر السنية (جـ١٠ ص ٣٩-٤٢، جـ١ص ٥٩-٦٢، ص ٧٨-٨٠، ص ٩٥-٩٩، ص ١٠٧-، ص ١٠٢،١٠٥) . ومسائل في التوحيد وهي في الدرر السنية (جـ ٢ ص ٣٨-٣٩، ص ٤٢-٤٦، ص ٥٠-٥٢، ص ٦٦، جـ ٦ ص ٤٩٥-٤٩٦، وجـ ٧ ص ٣٤٦-٣٤٧، وجـ ٨ ص ٨٧) وغير ذلك. ورسالة شخصية موجهة من الشيخ محمد إلى الشيخ عبد الله بن عيسى أولها: "من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن عيسى وما

стр. 214

ذكرت أن الحمولة زعلين من تلك الكلمة.." وهي في الدرر السنية (جـ ٧ ص ٢٨-٢٩) . رسائل في معنى لا إله إلا الله: عنوان الأولى: "هذه كلمات في بيان شهادة أن لا إله إلا الله وبيان التوحيد الذي هو حق الله على العبيد" وهي موجودة ضمن الدرر السنية (ج ٢ ص ٥٢ – ٥٨) . والثانية أولها: "هذه كلمات في معرفة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" وتوجد في "الدرر السنية" (ج ٢ ص ٤٤-٤٨) . والثالثة بعنوان: "فرض معرفة شهادة أن لا إله إلا الله قبل فرض الصلاة والصوم" وتوجد في "الدرر السنية" (ج ٢ ص ٦١) . والرابعة: أن معنى لا إله إلا الله نفي وإثبات تنفي أربعة أنواع وتثبت أربعة أنواع. وتوجد في "الدرر السنية" (ج ٢ ص ٦٢) . والخامسة. في كلمة التوحيد- أولها: "اعلم أرشدك الله أن الله خلقك لعبادته" وتوجد في "الدرر السنية" (جـ ٢ ص ٦٢- ٥ ٦) . وجواب سؤال عن معنى أبيات أولها: أول واجب على الإنسان معرفة الإله باستيقان. وتوجد في "الدرر السنية" (ج١ص ٦٩- ٧١) وغير ذلك قليل. ورسالة في التقليد الممنوع والمأذون فيه والمباح، واتباع الدليل للشيخ محمد بن عبد الوهاب وهي موجودة في روضة ابن غنام،

стр. 215

(ج١ ص ٤٢-٤٦) . وهي مخطوطة بالمكتبة العامة بتطوان بالمغرب الأقصى، ونقلت صورة عن صورتها من الشيخ حماد الأنصاري، وحصل في التصنيف قليل من الخطأ الفني كوضع كتاب أحكام تمني الموت "وهو عبارة عن مجموعة أحاديث في قسم الفقه، وكتكرار بعض آثار الشيخ كما وقع تكرار نبذة في اتباع النصوص طبعته في (القسم الثاني، الفقه، المجلد الثاني ص ٣) ثم كررت في (القسم الثالث، الفتاوى ص٩٧) ، وكما يوجد في (القسم الثاني، الفقه، المجلد الثاني ص ١١-١٢) هو مكرر في (القسم الثالث الفتاوى في ص ٢٧-٤٠) ، وكما وقع في تفسير سورة طه من (ص ٢٦٣-٢٦٨ في القسم الرابع) ، هو بعينه الذي وقع في (القسم الثالث، الفتاوى ص ٧٥-٧٩) ، وفي تفسير سورة هود من ص ١٢٠-١٢٣ في القسم الرابع هو بعينه الذي وقع في (القسم الثالث، الفتاوى، ص٥-٨) وغير ذلك قليل. ولم ينفرد شيء من المراجع الأخرى كتاريخ ابن غنام و"مجموعتي التوحيد والحديث" و"مجموعة الرسائل والمسائل النجدية" بأجزائها الأربعة في بذكر شيء من مؤلفات الشيخ ليس في مجموعتى "الدرر السنية"، و"مؤلفات الشيخ"، وهما أشمل ما ظهر حتى الآن من مجاميع لمؤلفاته. تحقيق نسبة بعض الرسائل الشخصية من آثار الشيخ محمد بن عبد الوهاب:

стр. 216

يقول الدكتور عبد الله العثيمين: "إن بعض الرسائل المضافة إلى ما ورد في تاريخ ابن غنام ليس فيها ما يرجح كونها من رسائل الشيخ نفسه، ويمثل بالرسالة التي أرسلها الشيخ إلى عالم من أهل المدينة، والرسالة التي بعثها الشيخ إلى عبد الله الصنعاني، والرسالة التي بعثها الشيخ إلى أهل المغرب، ورسالة رابعة جواب من الشيخ عن كتاب لم يقف على اسم كاتبه. فيقول عن الأولى التي أرسلها الشيخ إلى عالم من أهل المدينة بأنها لم ترد إلا في "الدرر السنية"، ولم يذكر اسم العالم الذي أرسلت إليه، ولم ينص فيها أنها من الشيخ كما هي عادته حيث يبدأ رسائله بعبارة: من محمد بن عبد الوهاب إلى فلان بن فلان. وقال عن الثانية التي بعثها الشيخ إلى عبد الله الصنعاني مثلما قال عن الأولى وزاد بأن فيها شبها كبيرا بأجزاء من الرسالة التي كتبها عبد الله بن الشيخ محمد عند دخوله مكة المكرمة مع سعود بن عبد العزيز من حيث الأسلوب والمضمون، فلعل في هذا ما يرجح أن الذي كتب الرسالة إلى الصنعاني هو الشيخ عبد الله بن محمد وليس أباه. وقال عن الثالثة التي بعثها الشيخ إلى أهل المغرب إنه من الواضح عدم رجحان كونها له لانفراد صاحب "الدرر السنية" بإيرادها وعدم النص فيها على اسم مرسلها، ولأنه من غير المحتمل أن يكون اهتمام زعماء الدعوة بالمغرب قد بدأ قبل استيلائهم على الحجاز ملتقى الوافدين

стр. 217

إلى بيت الله الحرام، وأن هذه الرسالة قد شاعت في تونس زمن الباي حموده باشا. وقد ذكرت المصادر التونسية وصولها إلى ذلك القطر بعد أن تكلمت عن الأمور التي قام بها سعود بن عبد العزيز في الحجاز، وهذا يتلاءم مع القول بأن الاهتمام بالمغرب ناتج عن الوجود السعودي في الحجاز، وعلى هذا الأساس فإنه من المحتمل جدا أن تكون هذه الرسالة أيضا من كتابة الشيخ عبد الله بن محمد، وكان الدكتورالعثيمين قد قال عنها في كتابه عن الشيخ "والحقيقة أن هذه الرسالة كانت من الإمام سعود بن عبد العزيز إلى قادة المغرب بعد استيلائه على الحجاز، وقد لقيت رسالة سعود هذه نوعا من التأييد في المغرب الأقصى، لكنها لقيت معارضة في تونس" (الشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته وفكره للدكتور عبد الله العثيمين ص ٩٩) . وقال عن الرابعة وهي جواب الشيخ عن كتاب لم يقف على اسم كاتبه إنه ورد فيها ما يثير انتباه الباحث ذلك أنه ورد فيها ما يشير إلى أنها قد كتبت وعبد الله المويس لا يزال حيا لكن ورد فيها ما نصه: "فكيف بمن له قريب من أربعين سنة يسب دين الله" قال: ولو فرض أن دعوة الشيخ قد بدأت في نجد حوالي سنة (١١٤٥هـ) فان الرسالة حسب العبارة السابقة تكون قد كتبت خطيا سنة (١١٨٥هـ) تقريبا، ومن المعروف أن المويس قد توفي قبل هذا التاريخ بعشر سنين. انتهى ما لخصته من ملاحظات الدكتور العثيمين على صحة ما

стр. 218

ينسب للشيخ من بعض الرسائل الشخصية١. والجواب عن هذه الملاحظات هو أن دعوى انفراد صاحب الدرر السنية - وهو الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - بإيرادها دعوى لاتتم، لاسيما وأنه جمع مجموع "الدرر السنية" عن مجموعات مشائخه الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، وأَعانه على ذلك الجمع شيخه محمد بن إبراهيم تحريرا وتهذيبا وإعادة وإِبداء، وقرأ أكثره على شيخه محمد بن عبد اللطيف، وعلى شيخه سعد بن حمد بن عتيق٢. فهو في "الدرر السنية" لم ينفرد بشيء، وإنما أثبت فيها ما وافق عليه عدد من العلماء كما ذكرنا أسماءهم وقامت دار الإفتاء بطبع هذه "الدرر السنية" مرتين وتوزع على طلبة العلم من غير نكير بل تقابل بالاستحسان والقبول، ثم إن الدكتور العثيمين لم يبين لنا في الشيخ عبد الرحمن بن قاسم شيئا يجعلنا نتوقف فيما ينفرد به لوحصل ذلك الانفراد، والذي نعلمه عن ابن قاسم أنه موثوق لدى علماء الدعوة وغيرهم ممن عاصره ولقيه وعرفه، فتبين بذلك أن قول الدكتور العثيمين بأن صاحب

стр. 219

الدرر السنية انفرد فيما لم يذكر في غيرها غير صحيح وكذلك أَضعافه صحة نسبة ما ينفرد به لو كان ذلك فإن صاحب الدرر رجل موثوق. وأما ما يفهم عن الدكتور العثيمين بأن الرسالة التي لم يذكر فيها اسم من أرسلت إليه ولم ينص فيها أنها من الشيخ كما هي عادته حيث يبدأ رسائله بعبارة: من محمد بن عبد الوهاب إلى فلان بن فلان أنه يتوقف في نسبتها إلى الشيخ فهذا لا يثير أدنى شك في نسبتها ما دامت تنسب إليه لأن عدم ذكر اسم من أرسلت إليه، وعدم النص فيها من محمد ابن عبد الوهاب لا يعني أن الشيخ لم يكتبها ويرسلها مفتوحة لينتفع بها العموم، ويجوز أن اسم المرسل والمرسل إليه حذفا لدفع مفسدة ونحو ذلك بعد أن انتهى الغرض من ذكرهما. وأما حكاية الشبه بين ما يكتبه الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وما ينسب للشيخ محمد بن عبد الوهاب من الرسالة إلى أهل المغرب. وأن هذا الشبه يشكك في النسبة فإن الأمر بالعكس وهو أن هذا الشبه يؤكد النسبة- فالشيخ عبد الله هو ابن الشيخ محمد وتلميذه والآخذ عنه فلم لا يشبه أباه؟ في كل أسلوبه ومضمونه؟ أما قطع الدكتور بعدم احتمال أن يهتم الشيخ بالمغرب وغيره من بلاد المسلمين قبل الحجاز فقد كانت بداية دعوة الشيخ في غير الحجاز، وكانت دعوته صالحة للجميع كيف ما اتفق من غير ترتيب بلد على بلد أو جماعة دون أخرى لأن الشأن هو قبولها، ولقد كان قبول دعوة الرسول ﷺ في الضعفاء قبل الأشراف. ومن المدينة قبل مكة وهذا ما يجعل الشيخ غير

стр. 220

آبه بترتيب قطر على قطر، وإنما يهمه أن يقبل منه، وكون رسالة الشيخ إلى أهل المغرب شاعت في تونس زمن الباي حموده باشا وكون المصادر التونسية ذكرت وصولها إلى ذلك القطر بعد أن تكلمت عن الأمور التي قام بها سعود في الحجاز فهذا لا يدل على أن الشيخ لم يكن قد كتبها وأرسلها إلى أهل المغرب في زمنه وكونها لم تنتشر في تونس إلا متأخرة وبعد قيام الأمور السعودية في الحجاز لا يثير الاستغراب ولا يقدح في نسبتها للشيخ لأنه أمر طبيعى فالناس يشيع بينهم أثر من عظم شأنه ولو بعد وفاته بزمن طويل. وقول الدكتور العثيمين والحقيقة أن هذه الرسالة كانت من الإمام سعود قول لم يحقق بأدلة كافية في الوصول إلى هذه الحقيقة ومخالفة الحقيقة المذكورة. وما ذكره الدكتور العثيمين عن إجابة الشيخ على كتاب لم يقف على اسم كاتبه بأنه ورد فيها ما يدل على أنها كتبت والمويس لا يزال حيا ثم ورد فيها ما يدل على أنها كتبت بعد وفاة المويس فهذا غير صحيح لأن ما ورد فيها من قوله: "فكيف بمن له قريب من أربعين سنة يسب دين الله" لا يدل على أن الرسالة كتبت بعد وفاة المويس حسب ما استنتجه العثيمين بناء على حسابه أن سباب المويس للدين إنما بدأ حين بدأت دعوة الشيخ حوالي سنة (١١٤٥هـ) ، والمويس مات سنة (١١٧٥هـ) قبل تمام الأربعين، فإن ما ورد من قول الشيخ في ذلك الجواب يعني المويس: "فكيف بمن له قريب من أربعين سنة يسب

стр. 221

دين الله" لا يعني أن حساب الأربعين سنة ابتدأ منذ بدء دعوة الشيخ بل ابتدأ قبل ذلك، ثم إن الشيخ كان قد ظهر له فساد ما عليه أكثر أهل عصره من علماء السوء وغيرهم منذ كان في العيينة أى قبل سنة (١١٣٥هـ) . وبهذا يندفع ما أورده الدكتور العثيمين من ملاحظات اعتراضية حول صحة نسبة بعض الرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. تحقيق نسبة رسالة في مبحث الاجتهاد والتقليد للشيخ: ويقول الدكتور عبد الله العثيمين كذلك: "وقد أظهر البحث أنها جزء من كتاب الإمام ابن قيم الجوزيه أعلام الموقعين" أي أنها نسبت إلى الشيخ وليست من عمله١. ولكن للشيخ أثره الواضح في اختصارها يتبين بأول مقارنة بينها وبين أصلها في الكتاب المذكور، ومن المعلوم أن اختصار المطول غرض من أغراض التأليف ونوع منه، فلا وجه للاعتراض على نسبتها مختصرة من آثار الشيخ محمد بن عبد الوهاب لعدم الفطنة إلى عمل الشيخ فيها. تحقيق أن كتاب "أحكام تمني الموت" ليس من مؤلفات الشيخ: هو مجموعة أحاديث تتناول أمورا تتعلق بالموت والقبر، وحالة الأرواح المقبوضة في البرزخ، ليست مبوبة بعناوين سوى الفهرس الذي هو من عمل المصحح، ويظهر أنه اختصار لكتاب (الروح) لابن قيم

стр. 222

الجوزية، بل كتاب (شروح الصدور بشرح حال الموتى والقبور) للسيوطي. أوله: "الحمد لله رب العالمين، اللهم صلى على محمد وآله وصحبه وسلم، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد متمنيا؛ فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ... ". قَال الشيخ صالح الفوزان "ويشتمل الكتاب على أشياء تتعارض مع ما نقل عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه؛ مثل الكلام في الروح، وتلقين الميت بعد الدفن، والقراءة على القبور، حيث إن الشيخ وتلاميذه يعتبرون هذه الأشياء من البدع المحرمة"١. طبعته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لأول مرة عن نسخة مصورة من مخطوطة بالمكتبة السعودية بالرياض برقم (٧٧١/ ٩٦) بتصحيح ومقابلة الشيخ عبد الرحمن بن محمد السدحان وزميله، ضمن مؤلفات الشيخ بقسم الفقه في (٧٨ صفحة) . ويذكر الدكتور العثيمين أنه يوجد له مخطوط في مكتبة لايدن بهولندا تحت رقم (٢٤٧٩) ٢. وقد صنفه المصنفون في قسم الفقه وهو عبارة عن مجموعة أحاديث

стр. 223

في أمور تتعلق بالموت وما بعده إلى البرزخ. وقد صدرت دراسة قيمة كتبها الشيخ صالح بن فوزان في رسالة صغيرة، طبعتها دار ابن خزيمة بالرياض للنشر والتوزيع عام (١٤١٢هـ) وقد أثبت فضيلته في هذه الدراسة عدم صحة نسبة هذا الكتاب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وإنما التبس الأمر على من نسبها من جامعة الإمام بسبب ما ورد على ظهر المخطوطة بأنها كتبت بخط الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد بادرت جامعة الإمام محمد بن سعود بإصدار هذه الدراسة بيانا لحقيقة الأمر، وأن كتاب (أحكام تمني الموت) ليس من مؤلفات الشيخ؛ فلا تسمح لأحد بالاحتجاج بما وقع من الخطأ١. تحقيق أن كتاب نصيحة المسلمين بأحاديث خاتم المرسلين ليس من مؤلفات الشيخ: أما هذا الكتاب، فقد نسبه الدكتور العثيمين للشيخ٢، لأنه طبع منسوبا إلى الشيخ ضمن مجموعة الحديث النجدية طبعة المنار والسلفية وقطر، ويذكرمن مؤلفات الشيخ كما في السجل الببليوجرافي الذي عمله الدكتور أحمد محمد الضبيب وفي غيره كثير لكنه لم يطبع ضمن مجموعة جامعة الإمام محمد بن سعود لمؤلفات الشيخ، وقد حقق نسبته الشيخ

стр. 224

إسماعيل الأنصارى فذكر أنه نص كتاب الأدب من مشكاة المصابيح للخطيب العمري التبريزي وأيد تحقيقه هذا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بجوابه له، وأنقل منه ما يختص بذلك بنصه: "نعيد إليكم تحقيقكم الجيد عن كتاب نصيحة المسلمين ونفيدكم أنه قد اتضح لنا من هذا التحقيق المرفق أن كتاب النصيحة في مجموعة الحديث النجدية ليس من مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بل هو قطعة من المشكاة كما ذكرتم وضعها بعض تلاميذه أو بعض طلاب العلم عن حسن قصد ضمن المجموعة (يعني كتاب مجموعة الحديث النجدية) لقصد الفائدة" ا. هـ. ويمكن أن بعض أحفاد الشيخ وجده بخط الشيخ فظن أنه له. وكذلك رسالة في أنواع التوحيد وأنواع الشرك والكفر التي أولها: "الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى ... " نسبت للشيخ محمد بن عبد الوهاب في مجموعة التوحيد ط الهند ص ٢-٥ وط مكة ص ٩-١١ وط دمشق ص ٣-٩ وفي الدرر السنية ج ٢/ ٣٤-٣٧ وفي مؤلف الرويشد جـ ٢/ ٣٠-٣٥ وفي السجل الببليوجرافى لمؤلفات الشيخ وآثاره الذي أعده الدكتور أحمد الضبيب. ولكنها نسبت للشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ ضمن مجموعة التوحيد ط السلفية بمصر وهي طبعة محققة وقد قررت ضمن مقرر التوحيد للسنة الخامسة الابتدائية في معارف المملكة العربية السعودية بعنوان: "الرسالة المفيدة المهمة الجليلة

стр. 225

للشيخ عبد الرحمن بن حسن" قام بطبعها عمر عبد الجبار. ولم تذكر ضمن مؤلفات الشيخ التي قامت بجمعها وطبعها جامعة الإمام محمد بن سعود. ولذا فمن المحتمل أنها من مؤلفات حفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن. وكذلك رسالة جوابية بعنوان: (أوثق عرى الإيمان) أولها: "الحمد لله رب العالمين، اعلم أولا أيدك الله تعالى بتوفيقه أن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ... ". توجد في مجموعة التوحيد، ط. دمشق، ص ١٥٨،١٧ منسوبةً للشيخ محمد بن عبد الوهاب. وتوجد في مجموعة التوحيد، ط السلفية، ص ٣٦٦-٣٧٦ منسوبه لحفيده سليمان بن عبد الله بن الشيخ.- والتحقيق أنها ليست للشيخ محمد بدليل ما ورد من استشهاد مؤلفها بما عزاه للشيخ محمد في نفس هذه الرسالة الجوابية في ص ١٦٩ من المجموعة المشتملة عليها، ط. دمشق وفي ص ٣٧١ من ط. السلفية، ونصه: (قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ... الخ". وفاته: وفى عام ست ومائتين وألف من هجرة المصطفى ﷺ توفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀. قال ابن غنام كان ابتداء المرض به في شوال، ثم كانت وفاته في

стр. 226

يوم الاثنين من آخر الشهر١ وكذا قال عبد الرحمن بن قاسم٢، أما ابن بشر فيقول كانت وفاته آخر ذي القعدة من السنة المذكورة٣، وقول ابن غنام أرجح لتقدمه في الزمن على ابن بشر ومعاصرته للشيخ وشهوده زمن وفاته، وتدوينه لتاريخه وقد رثاه، وابن بشر ينقل عن ابن غنام فلعله نقل ذلك وسها في نقله، والأمر سهل. ولقد كان للشيخ من العمر نحو اثنتين وتسعين سنة على اعتبار أن ولادته كانت في سنة خمس عشرة ومائة وألف من الهجرة، وتوفي ولم يخلف دينارا ولا درهما، فلم يوزع بين ورثته مال ولم يقسم٤، وقد رثاه الشعراء وأثنى عليه العلماء، قال ابن قاسم عن يوم جنازته "وكان يوما مشهودا، وتزاحم الناس على سريره، وصلوا عليه في بلدة الدرعية، وخرج الناس مع جنازته الكبير والصغير"٥. قال الإمام أحمد: "قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز"٦.

стр. 227

ثناء العلماء ورثاءهم: قال الشيخ عبد الله البسام، وقد رثاه الشعراء وأثنى عليه العلماء، وتداول الرسائل فيه المسلمون١. وهذا صحيح، ولو ذهبنا نذكر ذلك لطال المبحث، ولكن نكتفي ببعضه. ولعل مرثيه تلميذه ومؤرخه الشيخ حسين بن غنام خير ما يرسم لنا مشاعر الجمهور الكبير الذي شيع جنازته، ومشاعر المسلمين حوله لما أصيبوا بموته، ورحيله عن أتباعه وتلاميذه والآخذين عنه- فنوردها لذلك. قال ابن غنام يرثيه: إلى الله في كشف الشدائد نفزع ... وليس إلى غير المهيمن مفزع لقد كسفت شمس المعارف والهدى ... فسالت دماء في الخدود وأدمع إمام أصيب الناس طرا بفقده ... وطاف بهم خطب من البين موجع وأظلم أرجاء البلاد لموته ... وحل بهم كرب من الحزن مفظع شهاب هوى من أفقه وسمائه ... ونجم ثوى في الترب واراه بلقع٢ وكوكب سعد مستنير سناؤه ... وبدر له في منزل اليمن مطلع وصبح تبدَّى للأنام ضياؤه ... فداجي الدياجي بعده متقشع لقد غاض بحر العلم والفهم والندى ... وقد كان فيه للبرية مرتع

стр. 228

فقوم جلا عنهم صدا الرين فاهتدوا ... فأسماعهم للحق تصغى وتسمع وقوم ذوو فقر وجهد وفاقة ... حووا واقتنوا ما فيه للعيش مطمع لقد رفع المولى به رتبة الهدى ... بوقت به يعلى الضلال ويرفع أبان له من لمعة الحق لمحة ... أزيل بها عنه حجاب وبرقع سقاه نمير الفهم مولاه فارتوى ... وعام بتيار المعارف يقطع فأحيى به التوحيد بعد اندراسه ... وأقوى به من مظلم الشرك مهيع١ فأنوار صبح الحق باد سناؤها ... ومصباحه عال ورياه ضيع٢ سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها ... سواه ولا حاذاه فيها سميدع٣ وشمر في منهاج سنة أحمد ... يشيد ويحيى ما تعفى ويرقع وينفي الأعادي من حماه وسوحه ... ويدمغ أرباب الضلال ويدفع يناظر بالآيات والسنة التى ... أمرنا إليها في التنازع نرجع فأضحت به السمحاء يبسم ثغرها ... وأمسى محياها يضيء ويلمع وعاد به نهج الغواية طامسا ... وقد كان مسلوكا به الناس تربع٤ وجرت به نجد ذيول افتخارها ... وحق لها بالألمعي ترفع

стр. 229

فآثاره فيها سوام١ سوافر ... وأنواره فيها تضىء وتسطع لقد وجد الإسلام يوم فراقه ... مصابا خشينا بعده يتصدع وطاش ذوو الأحلام والفضل والنهى ... وكادت له الأرواح تترى وتتبع وطارت قلوب المسلمين بيومه ... وظنوا به أن القيامة تقرع فضجوا جميعا بالبكاء تأسفا ... وكادت قلوب بعده تتفجع وفاضت عيون واستهلت مدامع ... يخالطها مزج من الدم يهمع بكته ذوو الحاجات يوم فراقه ... وأهل الهدى والحق والدين أجمع فما لي أرى الأبصار قلص دمعها ... وليست على فقده تهمى وتدمع وما لي أرى الألباب تبدي قساوة ... وليست على ذكراه يوما توجع لقد غدرت عين تضن بمائها ... عليه وكبد قد أبت لا تقطع يحق لأرواح المحبين أن ترى ... مقوضة لما خلت منه أربع وتتلو سريرا فوقه قمر الهدى ... وشمس المعالي والعلوم تشيع فما بالها قرت بأشباح أهلها ... ولم تك في يوم الوداع تودع فيالك من قبر حوى الزهد والتقى ... وحل به طود من العلم مترع٢ لئن كان في الدنيا له القبر موضع ... فيوم الجزا يرجى له الخلد موضع سقى قبره من هاطل العفو ديمة٣ ... وباكره سحب من البر تهمع

стр. 230

وأسكنه بحبوحة الفوز والرضا ... ولا زال بالرضوان فيها يمتع١ وهناك مرثية لمحمد بن علي الشوكاني، قاضى صنعاء والعالم المشهور يرثي بها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وهي مرثية بليغة مؤثرة تبلغ أكثر من مائة بيت، وتعتبر من أصدق ما يصور مشاعر علماء أهل السنة سيما الذين ليسوا داخل سلطان دولة الدعوة وأفصحوا عن مشاعرهم وآرائهم من مكان بعيد عن المجاملة والمداراة لا سيما بعد الموت والله أعلم. ونورد من هذه المرثية بعضا نكتفي به عن طولها- قال ﵀: مصاب دها قلبي فأذكى غلائلي ... وأصمى بسهم الافتجاع مقاتلي إلى أن قال: مصاب به ذابت حشاشة مهجتي ... وعن حمله قد كل متني وكاهلي إلى أن قال: مصاب به الدنيا قد اغبر وجهها ... وقد شمخت أعلام قوم أسافل إلى أن قال: به هد ركن الدين وانبت حبله ... وشيد بناء الغي مع كل باطل وقام على الإسلام جهرا وأهله ... نعيق غراب بالمذلة هائل وسيم منار الاتباع لأحمد ... هوان انهدام جاء من كل جاهل

стр. 231

وهبت لنار الابتداع سمائم ... بسم لنفس الدين مرد وقاتل إلى أن قال: فقد مات طود العلم قطب رحى العلا ... ومركز أدوار الفحول الأفاضل وماتت علوم الدين طرا بموته ... وغيب وجه الحق تحت الجنادل إمام الهدى مَاحي الردى قامع العدا ... ومُروي الصدى مِنْ فيض علم ونائل إلى أن قال: إمام الورى علاَّمة العصر قدوتي ... وشيخ الشيوخ الحبر فرد الفضائل محمد ذو المجد الذي عز دركه ... وجل مقاما عن لحوق المطاول إلى عابد الوهاب يعزى وأَنه ... سلالة أنجاب زكي الخصائل إلى أن قال: لقد أشرقت نجد بنور ضيائه ... وقام مقامات الهدى بالدلائل إلى أن قال: ولم يأل جهدا في نصيحة مسلم ... برأي وتدبير وحسن تعامل يجازي بإحسان إساءة غيره ... وبالجاه عن مستوجه غير باخل تقمص بالتقوى وبالخشية ارتدى ... ولم يمض منه العمر في غير طائل ومن شأنه قمع الضلال ونصره ... لمن كان مظلوما وليس بخاذل إلى أن قال: ففيم استباح أهل الضلال لعرضه ... وما نكست أعلامه بالأراذل وليس له شيء عن الله شاغل ... ولا عن وصال الاعتبار بغافل

стр. 232

فلولاه لم تحرز رحى الدين مركزا ... ولا اشتد للإسلام ركن المعاقل ولا كان للتوحيد واضح لاَ حِبٍ ... يقيم اعوجاج السير من كل عادل فما هو إلا قائم في زمانه ... مقام نبي في إماتة باطل إلى أن قال: وآها على تحقيقه في دروسه ... وتوضيحه للمعضلات المشاكل فمن للبخاري بعده ولمسلم ... يبين المخبا منهما للمحاول ومن ذا لتفسير الكتاب ومن ترى ... لأحكام فقه الدين من للرسائل ومن لمسانيد سمت ومعاجم ... وكشف لثام الحكم عند النوازل؟ ومن للمعاني والبيان ومنطق ... وردع أخي الجهل الغوي المجادل؟ ومن لك بالأصلين واللغة التي ... بها أنزل القرآن أشرف نازل؟ ومن بعده للصدع بالحق قائم ... بجد ولا يخشى ملامة عاذل أفق يا معيب الشيخ ماذا تعيبه ... لقد عبت حقا وارتحلت بباطل نعم ذنبه التقليد قد جذ حبله ... وفل التعصب بالسيوف الصواقل ولما دعا لله في الخلق صارخا ... صرختم له بالقذف مثل الزواجل أفيقوا أفيقوا إنه ليس داعيا ... إلى دين آباء به وقبائل دعا لكتاب الله والسنة التي ... أتانا بها طه النبي خير قائل إلى أن قال يخاطب أولاد الشيخ وآل سعود: فيا سائر الأولاد للشيخ إنني ... أعزِّيكموا مع ذي انتساب ابن وائل وأوصيكم بالصبر طرا وبالرضا ... بجاري القضاء في عاجل ثم آجل

стр. 233

إلى أن قال يخاطبهم: وأنتم بحمد الله عنه خلائف ... بعلم وفضل شامخ القدر شامل وإنا لنرجوا أن تكونوا أئمة بكم ... يقتدى في دينه كل فاضل وللخير والإحسان من كل وجهة ... تحث إليكم مضمرات الرواحل إلى أن قال: عليكم سلام الله ما هب ناسم ... وجمَّلَ زاكي ذكركم كل عاطل وأوفى الثنا مني عليكم مكررا ... وأزكى تحيات سوام كوامل وأضعافها للمقرنين كلهم ... هداة الورى من محتدي فرع وائل هم الناس أهل الباس يَعرف فضلهم ... جميع بني الدنيا فما للمجادل لقد جاهدوا في الله حق جهاده ... إلى أن أقاموا بالضبا كل مائل إلى أن ختمها بقوله: وأزكى صلاة الله ثم سلامه ... على المصفى الهادي كريم الشمائل محمد المختار من فرع هاشم ... وآل وأصحاب كرام أفاضل وتبلغ أكثرمن مائة بيت١. رحم الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجزاه خيرا عن الإسلام والمسلمين. وإنه شيخ الإسلام وإمام المسلمين من بعده بحق.

стр. 234

الباب الأول: خلاصة كتاب عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية الفصل الأول: في بيان منهج الشيخ رحمه الله تعالى في عقيدته ودعوته ... الفصل الأول: في بيان منهج الشيخ رحمه الله تعالىفي عقيدته ودعوته توطئة: بذكر خلاصة مذهب السلف الصالح ﵃: منهج السلف الصالح: لعل من المناسب هنا أن أمهد بذكر نبذة من منهج السلف الصالح في اعتقادهم السليم وعلمهم النافع وعملهم الصالح، والأصول التي يعتمدون عليها في ذلك ويرجعون إليها عند الاختلاف حتى نرى على ضوئها منهج الشيخ رحمه الله تعالى، ونعلم أنه منهج السلف الصالح وأن الشيخ متبع غير مبتدع ناهج منهج العلماء المجددين المنصورين، ولم يأت بشيء من الدين ليس على منهج الأوائل المصلحين. يذهب السلف الصالح ﵃ إلى أن أصل أصول العلم والهدى هو الوحي إلى النبي محمد بن عبد الله الذي هو خاتم الأنبياء والمرسلين فلا نبي بعده ولا رسول. قال الله تعالى: ﴿إنَّا أوْحَيْنَا إليْكَ كمَا أوْحَينَا إلى نُوح ٍوالنبيينَ مِنْ بَعَدِه﴾ (النساء: ١٦٣) . وقال رسول الله وخاتم النبيين محمد بن عبد الله ﷺ : "ما من الأنبياء نبي إلا أعطيَ من الآيات ما مثله أومن (أو آمن) عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أني أكثرهم

стр. 235

تابعا يوم القيامة" ١. والوحي يشمل القرآن الكريم والسنة الشريفة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنطقُ عِنْ الهوَى إنْ هَو إلا وَحْي يُوحَى﴾ ولذا والله أعلم بدأ الإمام البخاري صحيحه بذكر الوحي وكيف كان بدؤه إلى رسول الله ﷺ . ونورد من هذا الوحي آيات وأحاديث تستمد منها أصول العقيدة الصحيحة: قال الله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (سبأ: ٦) . وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الرعد: ١٩) . وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ

стр. 236

إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم: ١) . وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة:٢) . وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢) . وفي صحيح البخاري في كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى١، ورواه في مواضع أخرى في صحيحه، وفي صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام٢ "عن ابن عباس قال لما بعث النبي ﷺ معاذا إلى نحو أهل اليمن قال له: إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس " واللفظ للبخاري. وفي صحيح البخاري في كتاب العلم في باب فضل من علم وعَلَّمَ

стр. 237

عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعَلَّمَ ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" ١. ورواه مسلم في صحيحه٢، في كتاب الفضائل في باب بيان مثل ما بعث النبي ﷺ من الهدى والعلم. ورواه الإمام أحمد في المسند٣. ما ينبني على ذلك من أصول العلم: وينبنى على ذلك من أصول العلم ما يلى:

стр. 238

على الدين كله ولوكره المشركون، وسراجا منيرا ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ويجب على الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم وعقيدتهم إلى ما بعث الله به رسوله وأنزله عليه من الكتاب والحكمة والسنة بلا حرج ولا تردد ولا توقف، فمن تعارض عنده ما جاء به الرسول ﷺ وآراء الرجال فقدمها عليه أو توقف فيه أو قدحت في كمال معرفته فهو أعمى عن الحق١، وليس ممن أوتوا العلم. ٢- وينشأ من هذا أصل آخر هو أن البصير العاقل يعلم قطعا أن رسول الله ﷺ قد بلغ رسالته هذه وبينها أصولها وفروعها، البلاغ المبين، والبيان البليغ، وأدى أمانته خير أداء، ونصح لأمته أخلص النصح، وجاهد في سبيل الله حق الجهاد وما قبضه الله إليه إلا وقد علم أمته جميع أبواب الاعتقاد والتعبد، وعلم أمته كتاب الله، ومثلَ كتاب الله معه من سنته المطهرة الشريفة، وعلَّم أمته كل شيء من دينهم حتى آداب قضاء الحاجة٢.

стр. 239

وبالجملة فقد دلهم على الخير كله، وحذرهم عن الشر كله، حتى تركهم على المحجة البيضاء؛ ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعده إلا هالك١، من بدء الخلق حتى يدخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه٢. وأمره الله أن يقول فقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف:١٠٨) .فقال رسول الله ﷺ ذلك حق القول. ووصى أمته بكتاب الله وسنته، وأخبرهم خبر الصَّدق ما إن تمسكوا بهما فلن يضلوا، فصلوات الله وسلامه عليه. وكان قد حث أمته على أن يبلغ الشاهد منهم الغائب٣ فرب مبلغ أوعى من سامع٤، ودعا لمن سمع مقالته فوعاها وأداها كما سمعها أن يلبسه الله النضرة ويوصله إلى نضرة الجنة٥.

стр. 240

٣- ولأن رسول الله ﷺ هو خاتم الأنبياء والرسل إلى كافة وتوفي بعد أن بلغ رسالته ورسالته باقية إلى قيام الساعة لجميع الثقلين، فإن العاقل البصير يعلم قطعا أن الذي ورث العلم عنه وخلفه في أمته هم صحابته الذين معه واختارهم الله لصحبته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ثم الذين اتبعوهم بإحسان، ثم أئمة الهدى وأعلام الهداية الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، ثم من يرثهم ويخلف من بعدهم ويتبع سبيلهم بإحسان وإن تكن أزمانهم أزمان فترات وغربة فإن حجة الله لا تزال قائمة ورسالة محمد ﷺ مستمرة يحملها من كل خلف عدوله١ إلى قيام الساعة كما ذكر الإمام البخاري في "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيحه: باب قول النبي ﷺ لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون وهم أهل العلم " ثم أورد حديث معاوية قال سمعت النبي ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم ويعطي الله،

стр. 241

ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله" ١. وإذا كان هذا معلوما فمن المعلوم امتناع أن يكون خير أمة رسول الله ﷺ وأفضل قرونها ومن تبعهم بإحسان قد قصروا في هذا الواجب، أوكانوا غير عالمين وغير قائلين بالحق المبين، ومن المعلوم كذلك عدم جواز أن يكون المخالفون لهم أعلم بالحق منهم وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من العلماء ورثة الأنبياء، الذين وهبهم الله من العلم بالكتاب والسنة وجودة الإسناد وصحته ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء فضلا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم٢. معنى السلفية: إن المراد من التعبير بالسلفية هو اتباع طريقة السلف الصالح من هذه الأمة المسلمة، الذين هم أهل السنة والجماعة ومعنى ذلك هو الإجماع المعتبر من الاجتماع على اتباع سنة رسول الله ﷺ وآثاره باطنا وظاهرا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، واتباع وصية رسول الله صلى الله عليه

стр. 242

وسلم في ذلك حيث قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" الذين يعتقدون بأن أصدق الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد في أي زمان وأي مكان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة أهل الجماعة لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسما لنفس القوم المجتمعين"١. وقال أيضا في ختام العقيدة الواسطية: "لما أخبر النبي ﷺ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وفي حديث عنه أنه قال "هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى أولوا المناقب المأثورة، والفضائل المذكورة، وفيهم

стр. 243

الأبدال وفيهم أئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة" اهـ. وقال ابن كثير: "هم أهل السنة والجماعة المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين من قديم الدهر وحديثه كما رواه الحاكم في مستدركه أنه سئل رسول الله ﷺ عن الفرقة الناجية من هم؟ قال: "من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي" اهـ١. وفي جامع الترمذي في كتاب الإيمان في باب افتراق هذه الأمة أورد الترمذي تفسير رسول الله ﷺ للناجية عن عبد الله بن عمرو بقوله: "ما أنا عليه وأصحابي" وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب مفسر، لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه". وقد أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتابه (السنة) والأجري في كتابه الشريعة من طريقين لكن عن عبد الرحمن بن زياد. وقال المباركفوري في سنده "عبد الرحمن بن زياد الأفريقي وهو ضعيف، فتحسين الترمذي له لاعتضاده بأحاديث الباب، وحديث عبد الله بن عمرو هذا أخرجه أيضا الحاكم وفيه " ما أنا عليه

стр. 244

وأصحابي" ١. وقال الألباني: "هذه الرواية فيها ضعف، وحسنها الترمذي في الإيمان"٢، وهوحسن كما قال الترمذي لتوجيه المباركفوري. وقد أورد الشاطبي في كتابه الاعتصام أقوال الناس في معنى الجماعة المرادة بالنصوص وحصرها في خمسة أقوال، قال: "فهذه خمسة أقوال دائرة على اعتبار أهل السنة والاتباع وأنهم المرادون بالأحاديث، فلنأخذ ذلك أصلا ويبنى عليه معنى آخر"٣. وتلك الأقوال الخمسة نقلها عن السلف الصالح أمثال ابن مسعود وابن المبارك، وعمر بن عبد العزيز والشافعي والطبري وهي عند تأملها متفقة كما قال الشاطبي دائرة على اعتبار أهل السنة والاتباع أنهم هم الجماعة، الفرقة الناجية المرادون بالأحاديث الثابتة في كل زمان ومكان إلى أن يأتي أمر الله تعالى. طريقة السلف الصالح في العلم والدين: نجد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وآثار أصحابه وتابعيهم نصوصا صحيحة صريحة تبين طريق الفرقة الناجية في العلم والدين، وتحث على لزومه.

стр. 245

قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:١٥٣) . قال محمد بن نصر المروزي في مؤلفه "السنة" يفسر هذه الآية: "أخبرنا الله أن طريقه واحد مستقيم وأن السبل كثيرة تصد من اتبعها عن طريقه المستقيم، ثم بين لنا النبي ﷺ ذلك بسنته فحدثنا إسحاق- ثم ساق سنده إلى عبد الله بن مسعود قال خط لنا رسول الله ﷺ خطا ثم قال: هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وشماله وقال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعوإليه وقرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ... ﴾ الآية. ثم ذكر المروزي روايات أخرى بهذا المعنى، وفيها زدياة تفسير الصراط المستقيم بالإسلام وبكتاب الله، وعن أبي العالية، قال هو النبي ﷺ وصاحباه أبو بكر وعمر وقال الحسن: "صدق أبو العالية ونصح" ١. وقال ابن كثير في تفسيره: "قال علي بن طلحه عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وفي قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ونحو هذا في القرآن، قال: "أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم

стр. 246

عن الاختلاف والتفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله" ونحو هذا "قاله مجاهد وغير واحد". ثم أورد ابن كثير عن الإمام أحمد بسنده إلى ابن مسعود ﵁ قال:"خط لنا رسول الله ﷺ خطا بيده ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيما، وخط عن يمينه وشماله ثم قال: هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه" ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ... ﴾ "١. وأورد ابن كثير رواية الحاكم من طريقين عن ابن مسعود وتصحيح الحاكم إياه من الطريقين على شرط البخاري ومسلم، كما أورد ابن كثير رواية أبي جعفر الرازي وورقاء وعمرو بن أبي قيس ويزيد بن هارون ومسدد والنسائي وابن حبان وابن جرير لهذا الحديث عن ابن مسعود كذلك، وقول الحاكم: "وشاهد هذا الحديث حديث الشعبى عن جابر من غير وجه معتمد" وأورده ابن كثير بتفصيل سنده إلى أن قال: "والعمدة على حديث ابن مسعود مع ما فيه من الاختلاف إن كان مؤثرا " ثم أورده موقوفا على ابن مسعود من روايتين لابن جرير وابن مردويه، ثم أورد نحوه من حديث النواس بن سمعان مرفوعا من رواية الإمام أحمد والترمذي والنسائي وقول الترمذي: "حسن

стр. 247

غريب " ١.وفي سنن ابن ماجة عن جابر٢. وفي سنن أبي داود في كتاب السنة، في باب لزوم السنة٣، وفي جامع الترمذي في أبواب العلم عن رسول الله ﷺ في باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة ٤، وفي سنن ابن ماجة في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين٥. وفي سنن الدارمي في باب اتباع السنة٦. وفي المسند للإمام أحمد٧، وفي كتاب السنة لابن أبي عاصم، باب ما أمر به من اتباع السنة وسنة الخلفاء الراشدين٨، عن العرباض بن سارية أن رسول الله ﷺ قال: "اتقوا الله وعليكم بالسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا وأنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم

стр. 248

ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح١، وقال المباركفورى: "وسكت عنه أبو داود ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره"٢. ونقل النووي تصحيح الترمذي مقرا له في "الأربعين النووية"، وكذلك شارح "الطحاوية" وقال الألباني في الهامش: "صحيح كما قال الترمذي" ٣. وعن عمر أن النبي ﷺ قال: "عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة". وعن أسامة بن شريك عن النبي ﷺ قال: "يد الله مع الجماعة" أخرجهما ابن أبي عاصم في كتاب السنة في باب ما ذكرعن النبي ﷺ من أمره بلزوم الجماعة وإخباره أن يد الله على الجماعة وصححهما الألباني٤. وفي صحيح البخاري، في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة في باب

стр. 249

الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ ، حديث موقوف ونصه بعد سياق سنده إلى مرة الهمداني يقول: "قال عبد الله- وهو ابن مسعود١-: "إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين"٢. وقد ورد أوله في (كتاب الأدب في باب الهدي الصالح) من "صحيح البخاري" ... أيضا٣، وفيه: "قال ابن عون ثلاث أحبهن لنفسي ولإخواني هذه السنة أن يتعلموها ويسألوا عنها والقرآن أن يتفهموه ويسألوا عنه، وَيَدَعُوا الناس إلا من خير" ٤ وقد فسر الإمام البخاري قول الله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ فقال: " أئمة، نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا" ٥. وبالجملة نعلم أن طريقهم في العلم والدين هو الاتباع ومجانبة

стр. 250

الابتداع يخلصون قصدهم لله تعالى ويتعلمون العلم النافع وهوالعلم بالله وبرسوله وبدينه الذي ارتضاه ويقولون بما علموا ويكلون علم ما لم يعلموا إلى عالمه، ولا يقولون بغير علم يقفون من الأمور أحد ثلاثة مواقف حسب انقسام هذه الأمور بالنسبة إليهم إلى ثلاثة أقسام: أمر تبين أنه حق ورشد وحلال فيأخذون به ويدعون إليه. وأمر تبين أنه باطل وغي وحرام فيجتنبونه وينهون عنه، وهذا هو المحكم. والأخير هو الأمر المشتبه فيتقونه ويقفون فيه كما في حديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ يقول: "الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى" ١. وكما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا
следующие страницы →