← Акыда

Акыда · id 12039

عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي

صالح بن عبد الله العبود

Полный текст (1 147 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

عن الاختلاف والتفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله" ونحو هذا "قاله مجاهد وغير واحد". ثم أورد ابن كثير عن الإمام أحمد بسنده إلى ابن مسعود ﵁ قال:"خط لنا رسول الله ﷺ خطا بيده ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيما، وخط عن يمينه وشماله ثم قال: هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه" ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ... ﴾ "١. وأورد ابن كثير رواية الحاكم من طريقين عن ابن مسعود وتصحيح الحاكم إياه من الطريقين على شرط البخاري ومسلم، كما أورد ابن كثير رواية أبي جعفر الرازي وورقاء وعمرو بن أبي قيس ويزيد بن هارون ومسدد والنسائي وابن حبان وابن جرير لهذا الحديث عن ابن مسعود كذلك، وقول الحاكم: "وشاهد هذا الحديث حديث الشعبى عن جابر من غير وجه معتمد" وأورده ابن كثير بتفصيل سنده إلى أن قال: "والعمدة على حديث ابن مسعود مع ما فيه من الاختلاف إن كان مؤثرا " ثم أورده موقوفا على ابن مسعود من روايتين لابن جرير وابن مردويه، ثم أورد نحوه من حديث النواس بن سمعان مرفوعا من رواية الإمام أحمد والترمذي والنسائي وقول الترمذي: "حسن

стр. 247

غريب " ١.وفي سنن ابن ماجة عن جابر٢. وفي سنن أبي داود في كتاب السنة، في باب لزوم السنة٣، وفي جامع الترمذي في أبواب العلم عن رسول الله ﷺ في باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة ٤، وفي سنن ابن ماجة في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين٥. وفي سنن الدارمي في باب اتباع السنة٦. وفي المسند للإمام أحمد٧، وفي كتاب السنة لابن أبي عاصم، باب ما أمر به من اتباع السنة وسنة الخلفاء الراشدين٨، عن العرباض بن سارية أن رسول الله ﷺ قال: "اتقوا الله وعليكم بالسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا وأنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم

стр. 248

ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح١، وقال المباركفورى: "وسكت عنه أبو داود ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره"٢. ونقل النووي تصحيح الترمذي مقرا له في "الأربعين النووية"، وكذلك شارح "الطحاوية" وقال الألباني في الهامش: "صحيح كما قال الترمذي" ٣. وعن عمر أن النبي ﷺ قال: "عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة". وعن أسامة بن شريك عن النبي ﷺ قال: "يد الله مع الجماعة" أخرجهما ابن أبي عاصم في كتاب السنة في باب ما ذكرعن النبي ﷺ من أمره بلزوم الجماعة وإخباره أن يد الله على الجماعة وصححهما الألباني٤. وفي صحيح البخاري، في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة في باب

стр. 249

الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ ، حديث موقوف ونصه بعد سياق سنده إلى مرة الهمداني يقول: "قال عبد الله- وهو ابن مسعود١-: "إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين"٢. وقد ورد أوله في (كتاب الأدب في باب الهدي الصالح) من "صحيح البخاري" ... أيضا٣، وفيه: "قال ابن عون ثلاث أحبهن لنفسي ولإخواني هذه السنة أن يتعلموها ويسألوا عنها والقرآن أن يتفهموه ويسألوا عنه، وَيَدَعُوا الناس إلا من خير" ٤ وقد فسر الإمام البخاري قول الله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ فقال: " أئمة، نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا" ٥. وبالجملة نعلم أن طريقهم في العلم والدين هو الاتباع ومجانبة

стр. 250

الابتداع يخلصون قصدهم لله تعالى ويتعلمون العلم النافع وهوالعلم بالله وبرسوله وبدينه الذي ارتضاه ويقولون بما علموا ويكلون علم ما لم يعلموا إلى عالمه، ولا يقولون بغير علم يقفون من الأمور أحد ثلاثة مواقف حسب انقسام هذه الأمور بالنسبة إليهم إلى ثلاثة أقسام: أمر تبين أنه حق ورشد وحلال فيأخذون به ويدعون إليه. وأمر تبين أنه باطل وغي وحرام فيجتنبونه وينهون عنه، وهذا هو المحكم. والأخير هو الأمر المشتبه فيتقونه ويقفون فيه كما في حديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ يقول: "الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى" ١. وكما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا

стр. 251

ُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: ٧) . وفي صحيح البخاري في التفسير باب (منه آيات محكمات) وقال مجاهد الحلال والحرام. (وأخرمتشابهات) : يصدق بعضه بعضا كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ وكقوله جل ذكره: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً﴾ زيغ: شك، ابتغاء الفتنة: المشتبهات، والراسخون يعلمون: يقولون آمنا به. ثم ساق بسنده عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ... ﴾ الآية. قالت: قال رسول الله ﷺ : " فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " ١. وقال ابن كثير: "يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن رد ما

стр. 252

أاشتبه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى ومن عكس انعكس، ولهذا قال تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ﴿وَأُخرُ مُتشَابهات﴾ أي يحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد " إلى أن قال: " نص عليه محمد بن إسحق ﵀ حيث قال منه آيات محكمات فهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه" ١. وهذا هو الإحكام الخاص ببعض القرآن والتشابه الخاص ببعضه الآخر ويرد المتشابه إلى المحكم كما تقدم بيانه. أما الإحكام العام والتشابه العام الذي وصف الله به كل القرآن كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ (هود: ١) . وكما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ﴾ (الزمر:٢٣) . فمعنى الإحكام الإتقان، فالقرآن كله متقن يصدق بعضه بعضا ولا يتناقض. ومعنى التشابه تماثله وتناسبه وتوافقه فإذا أمر بأمر في موضع ففي الموضع الآخر إنما يأمر به أو بنظيره أو بملزوماته، وكذلك النهي إذالم يكن هناك نسخ، وإذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيضه، وإذا أخبر بنفي شيء

стр. 253

لم يثبته. وهذا كما يصدق على القرآن الكريم يصدق على السنة الشريفة وعلى إجماع المسلمين لقوله ﷺ : " لا تجتمع أمتي على ضلالة " فإن شيئا من ذلك لا يناقض الآخركما لا يناقض بعضه بعضا، ولكن قد يشتبه منه شيء على كثير من الناس- فالموفق للصراط المستقيم يرده إلى المحكم البين، وهذا هو حكمه. أما ما عدا الوحي ففيه القول المختلف الذي ينقض بعضه بعضا، يثبت الشيء تارة وينفيه أخرى، أو يأمر به وينهى عنه في وقت واحد، ويفرق بين المتماثلين فيمدح أحدهما ويذم الآخر١. وجماع الأمركما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أن الكتاب والسنة يحصل منهما الكمال والهدى والنور لمن تدبركتاب الله وسنة نبيه وقصد اتباع الحق وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته، ولا يحسب الحاسب أن شيئا من ذلك يناقض بعضه بعضا البتة"٢. وقال الشاطبى: "فإن الذي عليه كل موفق بالشريعة أنه لا تناقض فيها ولا اختلاف فمن توهم ذلك فيها فلم يمعن النظر ولا أعطى وحي الله حقه " ولذلك قال الله تعالى: ﴿أفَلا يَتدبَرُونَ القُرآن﴾ فحضهم على التدبر

стр. 254

أولا ثم أعقبه ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ فبين أنه لا اختلاف فيه والتدبر يعين على تصديق ما أخبر به"١. خلاصة أصول السلف الصالح: إن أصول السلف الصالح التي يصدرون عنها ويرجعون إليها عند الاختلاف ويردون إليها عند التنازع، وينزلون على حكمها ويعتمدون عليها في العلم والدين تتلخص فيما يلى: المصدر الأول: كتاب الله تعالى وهو كلامه أصدق الكلام، ولا أصدق منه. المصدر الثانى: السنة الشريفة وهي هدي محمد ﷺ خير الهدي، ولا هدي خير منه. وهى التي تفسر القرآن وتبينه، وهي مثل القرآن في الحجة ولا تناقضه. المصدر الثالث: الإجماع (إجماع المسلمين) وهم الجماعة أهل السنة الذين لا يجتمعون على ضلالة. والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح من القرون الثلاثة الأولى، وأما بعدهم فكثر الاختلاف وانتشرت الأمة. المصدر الرابع: القياس: ينبني القياس على الثلاثة المصادر المتقدمة. فهذه الثلاثة هي موازين أهل السنة والجماعة يزنون بها كل شيء

стр. 255

ولا يزنونها بشيء، وهذا هو معنى القياس، فإنهم يزنون بهذه الثلاثة المتقدم ذكرها طردا وهو التسوية بين المتماثلات، وعكسا وهو التفرقة بين المختلفات، يزنون بذلك جميع ما عليه الناس من أعمال وأفعال وأقوال وأحوال باطنة وظاهرة مما له تعلق بالعلم والدين. نصوص تبين أن الاختلاف واقع في الأمة: ومما أخبر به رسول الله ﷺ أن أمته تتفرق إلى فرق كثيرة: قال الإمام الشاطبي في كتاب الاعتصام١: "صح من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك وتتفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" وخرجه الترمذي هكذا. وفي رواية أبي داود قال: "افترق اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" ٢. نصوص تبين ماذا يختلفون فيه، وسبب الاختلاف، وذمه، وذم أهله، ومصيرهم:

стр. 256

في صحيح البخاري في كتاب التوحيد حديث فيه قول النبي ﷺ "إن ... قوما يقرؤون القرآن لا يجاوزحناجرهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" ١. وهذا الحديث في مواضع كثيرة من صحيح البخاري وغيره. وفي صحيح البخاري أيضاً في كتاب الفتن: "باب تغير الزمان حتى يعبدوا الأوثان" وفيه حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية" ٢. وفي كتاب السنة لابن أبي عاصم وصححه الألباني عن معاوية ﵁ قال قام فينا رسول الله ﷺ يوما فذكر: "أن أهل الكتاب قبلكم تفرقوا على اثنتين وسبعين فرقة في الأهواء، ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، ألا وإِنه يخرج في أمتي قوم يهوونً هوى يتجارى بهم ذلك الهوى كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يدع منه عرقا ولا مفصلا إلا دخله".

стр. 257

وأخرجه ابن أبي عاصم من طرق متعددة١، ومثل ذلك في سنن أبي داود كتاب السنة٢. وقال الإمام الشاطبى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء﴾ . "وهي آية نزلت عند المفسرين في أهل البدع، ويوضحه من قرأ: (إن الذين فارقوا دينهم) والمفارقة للدين بحسب الظاهر إنما هي الخروج عنه، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ... ﴾ الآية وهي عند العلماء منزلة في أهل القبلة وهم أهل البدع وهذا كالنص إلى غير ذلك من الآيات" ٣. وأورد ابن أبي عاصم أحاديث كثيرة تؤكد هذا المعنى منها عن سنان بن أبي سنان أنه سمع أبا واقد الليثى يقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حديثوا عهد بكفر وكانوا أسلموا يوم الفتح- قال فمررنا بشجرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فلما قلنا ذلك للنبي ﷺ قال: "الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنوا إسرائيل لموسى: اجعل لنا

стр. 258

إلها كما لهم آلهة قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من قبلكم" ورواه ابن عينية ومالك أيضا. قال الألباني إسناده حسن وصحح الحديث بشواهد أخرى (ج ١/ ٣٦، ٣٧) . ومنها ما رواه مسلم في كتاب العلم باب اتباع سنن اليهود والنصارى١ عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لسلكتموه" قالوا يا رسول الله من اليهود والنصارى؟ قال: "فمن إذا" ٢. وقال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم: ٣٢) وهذه الأمة اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة وهم أهل السنة والجماعة"٣. مما تقدم نعلم أن الاختلاف والتفرق في الدين فتنة، وهو أمر واقع في أصل الدين وفي توحيد الله بالعبادة، وفي معنى العبادة كما اختلف الذين من قبل في ذلك، وهو أصل محكم فيما أنزل الله على النبي وأرسله

стр. 259

به ﷺ لا يتناقض ولا يختلف ولا يتضاد، ولكن الناس هم يختلفون.. وأقبح اختلاف ما كان بسبب الأهواء المخالفة لما جاء به رسول الله ﷺ وهي أصل المحدثات في الدين والبدع المذمومة التي يتعبد بها أصحابها وكل واحدة من هذه المحدثات لها أتباع هم فرقة من الفرق الكثيرة التي أخبر الرسول ﷺ أنها تبلغ في أمته ثلاثا وسبعين فرقة كلها في النار إلا الجماعة التي تمسكت بالكتاب والسنة في تعبدها لله تعالى، ولم تتعبد لربها بما ليس عليه أمر رسول الله ﷺ في باطنها وظاهرها، فهي الجماعة الناجية والفرقة الفائزة.

стр. 260

منهج الشيخ ومنهج الشيخ ﵀ هو منهج السلف الصالح، ويوافق تماما ما ذكرناه في هذا التمهيد من منهجهم ﵃. الشيخ يرى أن الله نصب الأدلة وبين الآيات الدالة عليه، وأعطى الفطر، ثم العقول، ثم بعث الرسل وأنزل الكتب، كلها دالة عليه ومعرفة به ، ومن آياته القرآن الكريم الذي تحدى الله بسورة من مثله فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّار ... ﴾ الآية (البقرة: ٢٣، ٢٤) . وقد ضرب الله في هذا القرآن الأمثال الجلية وبين البيان الواضح، وحمد نفسه على هذا البيان، ومع وضوح الأدلة فالأكثر جهال قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١ (الزمر: ٢٧-٢٩) .

стр. 261

والله سبحانه قطع العذر وأقام الحجة بإنزال هذا الكتاب وإرسال الرسول ﷺ ، وإبقاء دينه، لا خير إلا دل عليه، ولا شر إلا حذر منه إلى قيام الساعة، والخير الذي دل عليه هو التوحيد وجميع ما يحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذر منه هو الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه، بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض الله طاعته على جميع الثقلين. الجن والإنس١. ويقول رحمه الله تعالى في جواب أفتى به حين سئل رحمه الله تعالى عن قوله تعالى ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾ ٢ الآية. فأجاب ﵀: (إعلم رحمك الله أن الله سبحانه عالم بكل شيء، يعلم ما يقع على خلقه وما يقعون فيه، وما يرد عليه من الواردات إلى يوم القيامة. وأنزل هذا الكتاب المبارك الذي جعله تبيانا لكل شيء، وجعله هدى لأهل القرن الثاني عشر ومن بعدهم، كما جعله لأهل القرن الأول ومن بعدهم. ومن أعظم البيان الذي فيه بيان الحجج الصحيحة، والجواب عما يعارضها، وبيان بطلان الحجج الفاسدة ونفيها. فلا إله إلا الله ماذا حرمه المعرضون عن كتاب الله من الهدى والعلم، ولكن لا معطي لما منع الله، وهذه التي سألت عنها، فيها بيان بطلان شبهة يحتج بها بعض أهل النفاق

стр. 262

والريب في رماننا هذا في قضيتنا هذه. وبيان ذلك: أن هذه في آخر قصة آدم وإبليس، وفيها من العبر والفوائد العظيمة لذريتهما ما يجل عن الوصف، فمن ذلك: أن الله أمر إبليس بالسجود لآدم، ولو فعل لكان فيه طاعة لربه وشرف له، ولكن سولت له نفسه أن ذلك نقص في حقه إذا خضع لواحد دونه في السن ودونه في الأصل على زعمه، فلم يطع الأمر، واحتج على فضله بحجة وهي: أن الله خلقه من أصل خير من أصل آدم، ولا ينبغي أن الشريف يخضع لمن دونه، بل العكس فعارض النص الصريح بفعل الله الذي هو الخلق، فكان في هذا عبرة عظيمة لمن رد شيئا من أمر الله ورسوله، واحتج بما لا يجدي. فلما فعل لم يعذره الله بهذا التأويل، بل طرده ورفع آدم، وأسكنه الجنة. فكان مع عدو الله من الذكاء والفطنة ودقة المعرفة ما يجل عن الوصف، فتحيل على آدم حتى ترك شيئا من أمر الله، وذلك بالأكل من الشجرة، واحتج لآدم بحجج. فلما أكل لم يعذره الله بتلك الحجج، بل أهبطه إلى الأرض، وأجلاه من وطنه، ثم قال: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ ١ يقول تعالى: لأجلينكم عن وطنكم، فإن بعد هذا كلام وهو أني أرسل إليكم هدى من عندي لا أكلكم إلى رأيكم ولا رأي علمائكم، بل أنزل عليكم العلم الواضح الذي يبين الحق

стр. 263

من الباطل والصحيح من الفاسد، والنافع من الضار ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ١. ومعلوم أن الهدى هو هذا القرآن. فمن زعم أن القرآن لا يقدرعلى الهدى منه إلا من بلغ رتبة الاجتهاد فقد كذب الله بخبره أنه هدى؛ فإنه على هذا القول الباطل لا يكون في حق الواحد من الآلاف المؤلفة، وأما أكثر الناس فليس هدى في حقهم، بل الهدى في حقهم أن كل فرقة تتبع ما وجدت عليه الآباء. فما أبطل هذا من قول. وكيف يصح لمن يدعي الإسلام أن يظن بالله وكتابه هذا الظن؟ ولما عرف سبحانه أن هذه الأمة سيجري عليها ما جرى على من قبلها من اختلافهم على الأكثر من سبعين فرقة، وأن الفرق كلها تترك هدى الله إلا فرقة واحدة، وأن كل الفرق يقرون أن كتاب الله هو الحق لكن يعتذرون بالعجز، وأنهم لو يتعلمون كتاب الله ويعملون به لم يفهموه لغموضه قال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ وهذا تكذيب هؤلاء الذين ظنوا في القرآن ظن السوء. قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. وبيان هذا أن هؤلاء الذين يزعمون أنهم لو تركوا طريقة الآباء، واقتصروا على الوحي

стр. 264

لم يهتدوا بسبب أنهم لا يفهمون، كما قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ ، فرد الله عليهم بقوله ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ ١ فضمن لمن اتبع القرآن أنه لا يضل كما ضل من اتبع الرأي، فتجدهم في المسألة الواحدة يحكون سبعة أقوال أو ستة ليس منها قول صحيح، والذي ذكره الله في كتابه في تلك المسألة بعينها لا يعرفونه. والحاصل أنهم يقولون: لا نترك القرآن إلا خوفا من الخطأ، ولم نقبل على ما نحن فيه إلا للعصمة فعكس الله كلامهم، وبين أن العصمة في اتباع القرآن إلى يوم القيامة. وأما قوله: ﴿وَلا يَشْقَى﴾ فهم يزعمون أن الله يرضى بفعلهم ويثيبهم عليه في الآخرة، ولو تركوه واتبعوا القرآن لغلطوا وعوقبوا. فذكر الله أن من اتبع القرآن أمن من المحذور الذي هو الخطأ عن الطريق، وهو الضلال، وأمن من عاقبته وهو الشقاء في الآخرة ثم ذكر الفريق الآخر الذي أعرض عن القرآن فقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ ٢ وذكر الله هو القرآن الذي يبين الله لخلقه فيه ما يحب ويكره، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ٣ الآيتين. فذكر الله لمن أعرض

стр. 265

عن القرآن وأراد الفقه من غيره عقوبتين، إحداهما: المعيشة الضنك، وفسرها السلف بنوعين، أحدهما: ضنك الدنيا- وهو أنه- إن كان غنيا- سلط عليه خوف الفقر وتعب القلب والبدن في جميع الدنيا حتى يأتيه الموت، ولمَ يَتَهنَّ بعيش. الثاني: الضنك في البرزخ وهو عذاب القبر. وفسر الضنك في الدنيا أيضا بالجهل، فإن الشك والحيرة لهما من القلق وضيق الصدر ما لهما، فصار في هذا مصداق لقوله في الحديث عن القرآن: "من ابتغى الهدى من غيره أضله الله" فبان لك أن الله عاقبهم بضد قصدهم، فإنهم قصدوا معرفة الفقه فجازاهم بأن أضلهم وكدر عليهم معيشتهم بعذاب قلوبهم لخوف الفقر وقلة غنى أنفسهم، وعذاب أبدانهم بأن سلط عليهم الظلم والفقر وأغرى بينهم العداوة والبغضاء. فإن أعظم الناس تعاديا هؤلاء الذين ينتسبون إلى المعرفة، ثم قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ والعمى نوعان: عمى القلب وعمى البصر. فهذا المعرض عن القرآن لما عميت بصيرته في الدنيا عن القرآن، جازاه الله أن حشره يوم القيامة أعمى. قال بعض السلف: أعمى عنِ الحجة لا يقدر على المجادلة بالباطل كما كان يصنع في الدنيا ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾ فذكر الله أنه يقال له: هذا بسبب إِعراضك عن القرآن في الدنيا وطلبك العلم من غيره. قال ابن كثير في الآية ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ أي خالف أمري وما أنزلته على

стр. 266

رسولي. أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ أي: في الدنيا فلا طمأنينة له ولا انشراح ولا تنعم. وظاهره أن قوما أعرضوا عن الحق وكانوا في سعة من الدنيا فكانت معيشتهم ضنكا، وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس مخالفا لهَم معاشهم من سوء ظنهم بالله. ثم ذكر كلاما طويلا، وذكر ما ذكرته من أنواع الضنك. والله أعلم" ١. فبناء على هذا فالشيخ رحمه الله تعالى يرى كما يرى السلف ﵃ أن أصل أصول العلم والهدى هو ما جاء به رسول الله ﷺ من العلم بالله، والعلم برسوله ﷺ ، والعلم بدين الإسلام بأدلته، لأن رسول الله ﷺ لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ٢ (النساء: ١٦٣) . وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ (يوسف: ١٠٢) .

стр. 267

قال الشيخ: " فيه الرد على مخالفي الرسل في قولهم: ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ (البقرة: ١١٨) ، أو نحو ذلك، لأن الرسل ما أتو الأمم إلا بالوحي١، وخاتم الرسل محمد بن عبد الله ﷺ ، أوحى الله إليه هذا القرآن وآتاه مثله معه من السنة، والله تعالى بين دلالة نبوة رسوله ﷺ ، بالتحدي بأقصر سورة من القرآن الكريم فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ ... ﴾ والآية٢. (البقرة: ٢٤) . وبشهادة علماء أهل الكتاب كما في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ (الشعراء: ١٩٨) ، وبكون أهل الكتاب يعرفونه كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ... ﴾ الآية. وغير ذلك من الآيات التي تقطع الخصم وتدل على أن محمدا ﷺ رسول الله يوحى إليه بالعلم والهدى كما أوحي إلى من قبله وخص بالقرآن الذي قال الله فيه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ . قال الشيخ في تفسير ذلك ما حاصله: ذلك الكتاب الكامل الذي لا

стр. 268

شك فيه، وأن الهداية به للمتقين خاصة فمن لا يتبعه ليس هو من المتقين، وفيه الرد على قول الشياطين من شياطين الإنس ممن يدعي العلم أن القرآن لا يفسر١. وأجاب الشيخ عن اختلافهم في الكتاب العزيز وهل يجب تعلمه واتباعه على المتأخرين لإمكانه؟ أو لا يجوز للمتأخرين لعديم إمكانه؟ بأن الكتاب العزيزحكم بينهم بالحكم الذي هو قول الله تعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً. مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً﴾ (طه: ١٠٠) . وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ لآيات. (طه: ١٢٤-١٢٧) . وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (الزخرف: ٣٦) ٢. وكذلك أمر رسول الله ﷺ هو مثل القرآن؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) . وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (النور: ٥٤) . وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ (آل عمران:٣١) .

стр. 269

فمن أراد أن يهتدي ويكون محبوبا عند الله فليقبل ما آتاه الرسول ﷺ ، وينتهي عما نهاه عنه ويطيعه فيما أمر. قال ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " رواه البخاري ومسلم، وفي رواية مسلم " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ١. يقول الشيخ: "وأما متابعة الرسول ﷺ فواجب على أمته متابعته في الاعتقادات والأقوال والأفعال، فتوزن الأقوال والأفعال بأقواله وأفعاله فما وافق منها قُبل، وما خالف رُدَّ على فاعله كائنا من كان، فإن شهادة أن محمدا رسول الله تتضمن تصديقه فيما أخبر به وطاعته ومتابعته في كل ما أمربه. وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل: ومن يأبى قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" ٢. ويقول: "فتأمل رحمك الله ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه بعده والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين وما عليه الأئمة

стр. 270

المقتدى بهم من أهل الحديث والفقهاء كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ﵃ أجمعين لكي نتبع آثارهم" ١. ومن منهج الشيخ: أن طلب العلم فريضة على كل ذكر وأنثى، وأنه شفاء للقلوب المريضة، كما قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ ٢ (طه: ١٢٣) ، وأن العلم قبل العمل ومقدم عليه، وهو إمامه وسائقه والحاكم عليه٣. ويريد بالعلم، العلم بما أمر الله به ونهى عنه أي العلم بالتوحيد والإيمان، أي: معرفة الله، ومعرفة نبيه محمد بن عبد الله ﷺ ، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، والعمل بتلك المعرفة٤. ومفتاح العلم في ذلك هو الدليل كما في قوله تعالى: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ (الكهف: ١٥) وأول الآية: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ

стр. 271

آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ قال الشيخ: فهذه المسألة مفتاح العلم وما أكبر فائدتها لمن فهمها١. ويرى الشيخ أن اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة هدي الرسول ﷺ وما جاء به، فإنه لا سبيل إلى الفلاح إلا على يديه، ولا إلى معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جهته، فأي حاجة فرضت وضرورة عرضت، فضرورة العبد إلى هدي الرسول ﷺ فوقها بكثير ... وإذا كانت السعادة معلقة بهديه ﷺ فيجب على كل من أحب نجاة نفسه أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن خطة الجاهلين. والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم٢. فهو يريد علما غير نافع ولا علما مجردا عن العمل، ولا يقصد غير ما أمر الله به ونهى عنه. يقول ﵀: "إذا أمر الله العبد بأمر، وجب فيه سبع مراتب: الأولى العلم، والثانية محبته، الثالثة العزم على الفعل، الرابعة العمل، الخامسة كونه يقع على المشروع خالصا صوابا، السادسة التحذير من فعل

стр. 272

ما يحبطه، السابعة الثبات عليه " ١. وفي كتاب أصول الإيمان للشيخ عقد أبوابا في شأن العلم، هي: باب التحريض على طلب العلم وكيفية الطلب، وباب قبض العلم، وباب التشديد في طلب العلم للمراء والجدال وباب التجوز في القول وترك التكلف والتنطع. أورد تحتها أحاديث مناسبة عن رسول الله ﷺ يتبين منها الحث على طلب علم ما أنزله الله على رسوله ﷺ من الهدى والعلم، لوجه الله تعالى خالصا، وبيان كيفية طلب العلم، وما هو العلم وما ينبغي أن يقصد به٢. ويعتقد الشيخ أن هذا أهم ما على الإنسان معرفته والعمل به قبل كل معرفة وعمل، فإنه أصل العلم وقاعدته وأن هذا العلم والإيمان في مكانهما من ابتغاهما وجدهما إلى يوم القيامة٣. فلا يزال العلماء بذلك يوجدون، فإن الحق لا ينقطع كلية، ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجته، إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، كما هي البشارة المحمدية بأن الحق لا يزول بالكلية، كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة وأنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من

стр. 273

خالفهم إلى قيام الساعة١. ومن منهجه في إزالة الشبهة أن يتبع عادة السلف الصالح، فمن عادتهم أنهم يزيلون الشبهة بسؤال العلماء، وأن العلماء يجيبون السائل بما يزيل شبهته، وذلك أنهم ينسبون الكلام إلى رسول الله ﷺ فقط٢، لعمق علمهم٣ ولا يخفي أن المقصود بالسلف الصالح وبالعلماء هنا أنهم الصحابة والتابعون، فإن هذه القاعدة التي اعتادها السلف الصالح، ويبينها الشيخ في مؤلفاته لينبه على أنها قاعدة منهجية يتبعها المسلمون في سير حياتهم، وهي مستنبطة من الآثار الواردة عن الصحابة وعن التابعين، ولما حدث في نفوس بعض الناس إشكال في القدر لبعدهم عن العلم النبوي، اتجهوا إلى صحابة النبي ﷺ ، كابن عمر، وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت ونحوهم فهم العلماء٤. ومن عادة هؤلاء السلف الصالح، أنهم يبدأون بالأهم فالأهم والتنبيه

стр. 274

على التعليم بالتدريج كما رسم ذلك رسول الله ﷺ : حين بعث معاذا إلى اليمن فقال له "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله " وفي رواية: "إلى أن يوحدوا الله، فإنْ هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإنْ هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم.. " الحديث متفق عليه- ونحوه من حديث بعث علي إلى خيبر ليفتحها متفق عليه١. ويقول ﵀: "إذا أردت البحث عن هدي الله الذي جاء من عنده، فإنك تبتدئ بالأسهل فالأسهل، وأسهل ما يكون وأهمه القصص التي قص الله علينا عن الأنبياء وأممهم، وأول ما تبتدئ به من القصص التي قص الله، قصة أبيك آدم وإبليس، وما ذكر الله عنهم وكون آدم لما اعترف بذنبه وتاب، تاب الله عليه، وأكثر الناس يظنون أن الاعتراف بالذنب مذلة، ويستهزؤون بمن أقر بذنبه واعترف وتاب منه، وكون إبليس لعنه الله لما احتج بالقدر ولم يعترف بذنبه أن الله طرده وآيسه من رحمته، وكون أكثر الناس يظن أن فعل إبليس هو الذي يرضاه الله، ويزدري على من فعل فعل آدم، نعوذ بالله من سوء الفهم". ويقول أيضا: "ينبغي للمعلم أن يعلم الإنسان على قدر فهمه، فإن كان ممن يقرأ القرآن أو عرف أنه ذكي، فيعلم أصل الدين وأدلته،

стр. 275

والشرك وأدلته، ويقرأ عليه القرآن، ويجتهد أنه يفهم القرآن فهم قلب، وإن كان رجلا متوسطا ذكر له بعض هذا، وإن كان مثل غالب الناس، ضعيف الفهم، فيصرح له بحق الله على العبيد، مثل ما ذكر النبي ﷺ لمعاذ، ويصف له حقوق الخلق، مثل حق المسلم على المسلم، وحق الأرحام، وحق الوالدين، وأعظم من ذلك حق النبي ﷺ ، وأفرضه شهادتك له أنه رسول الله، وأنه خاتم النبيين، وتعلم أنك لو ترفع واحدا من الصحابة في منزلة النبوة صرت كافراً، فإذا فهم ذلك فقل حق الله عليك أعظم وأعظم، فإذا سأل عن حق الله فاذكر له أنك تعبده، ولا تصير مثل البدوي، وأيضا تخلص له العبادة، لا تكون مثل من يدعوه ويدعو غيره، أو يذبح له ولغيره، أويتوكل عليه وعلى غيره، وكل العبادات كذلك، وتعرفه أن من أخل بهذا حرمت عليه الجنة، ومأواه النار، ولو ظن أنه ما يشرك، فإذا عرف التوحيد، ولا عمل به، ولا أحب وأبغض فيه؛ ما دخل الجنة، ولو ظن أنه ما أشرك لأن فائدة ترك الشرك تصحيح التوحيد، ومن أعظم ما تنبهه عليه التضرع عند الله، والنصيحة وإحضار القلب في دعاء الفاتحة إذا صلى" ١. وينبغي للعالم إذا سأله العامي عما لا يحتاج إليه، أو سأله عما غيره أهم منه، أن يفتح له بابا إلى المهم. ولا يحقر عن التعليم من يظنه أبعد

стр. 276

الناس عنه، ولا يستبعد فضل الله عليه، فإن الرجلين اللذين مع يوسف في السجن من خدام الملوك الكفرة، بخلاف من يقول: ليس هذا بأهل للعلم، وتعليمه إضاعة للعلم١. فإن من يهتم بالعلم ويسأل عنه، هوالذي ينتفع به، فلا يعرض عنه، أما من لا يهتم به فهو الذي لا ينتفع٢. ويبين الشيخ أن من أساليب العلماء، أنهم يخرجون المسألة للمتعلم بالاستفهام عنها لقوله ﷺ : " أتدرون ماذا قال ربكم؟ " في حديث زيد بن خالد قال: "صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية، على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟ " ٣ ومن أسلوبهم، أنهم يصنفون الكتب في بيان الحق، والدعوة إليه، وبيان ما هو من عند الله على الحقيقة، ولا يصنفون الكتب الباطلة، ولا ينسبون إلى الله الباطل، كما هو أسلوب الجاهلين٤. ومن منهج الشيخ ﵀، أنه يحدث الناس بما يعرفون، أخذا بقول علي ﵁: " حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب

стр. 277

الله ورسوله؟ " رواه البخاري، وقد أورده الشيخ في كتاب التوحيد١. وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في شرحه: "وقد كان شيخنا المصنف ﵀ لا يحب أن يقرأ على الناس إلا ما ينفعهم، في أصل دينهم وعباداتهم ومعاملاتهم، الذي لا غنى لهم عن معرفته، وينهاهم عن القراءة في مثل كتب ابن الجوزى: كالمنعش، والمرعش، والتبصرة، لما في ذلك من الإعراض عما هو أوجب وأنفع، وفيها ما الله به أعلم مما لا ينبغى اعتقاده، والمعصوم من عصمه الله" ٢. ومما استنبطه الشيخ من قصة آدم وإبليس أن في القصة شاهدا لما ذكر في الحديث: "إِن من العلم جهلا" ٣ أي من بعض العلم ما العلم به جهل، والجهل به هو العلم فإن اللعين من أعلم الخلق بأنواع الحيل التي لا يعرفها آدم، مع أن الله علمه الأسماء كلها، فكان ذلك العلم من إبليس هو الجهل، وفي الحديث: "إِن الفاجر خب لئيم وأن المؤمن غر كريم " ٤ وأبلغ من ذلك وأعم منه قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ فقيل

стр. 278

لهم ما قيل وعوتبوا، فكانت توبتهم أن قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (البقرة: ٣٢) فكان كما لهم ورجوعهم عن العتب، وكمال علمهم أن أقروا على أنفسهم بالجهل إلا ما علمهم سبحانه، ففي هذه القصة شاهد للقاعدة الكبرى في الشريعة المنبه عليها في مواضع منها قوله ﷺ : "وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها"١. والشيخ يبين أن أهم وأنفع شيء هو معرفة قواعد الدين على التفصيل، فان أكثر الناس يفهم القواعد ويقر بها على الإجمال، ويدعها عند التفصيل٢. مثل من يقول: التوحيد زين والدين حق، فإذا تبين له أن من التوحيد والدين تكفير المشرك وقتاله على ذلك، ترك هذا الأمر لأنه لا

стр. 279

يوافق هواه١. ويبين الشيخ أن الكلام ينحصر في مسألتين من العلم: الأولى: أن الله بعث محمدا ﷺ لإخلاص الدين، لا يجعل معه أحد في العبادة، والتأله، لا ملك ولا نبي، ولا قبر، ولا حجر، ولا شجر، ولا غير ذلك. الثانية: وجوب اتباع سنة رسول الله ﷺ في الاعتقادات والأقوال والأفعال كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (آل عمران: ١٣١) . وترك ابتداع ما ليس من سنته ﷺ في عبادة الله تعالى، لقوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " رواه البخاري ومسلم، وفي رواية مسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهورد". فتوزن أقوال الناس وأفعالهم الباطنة والظاهرة، في عبادة الله تعالى بأقوال الرسول ﷺ وأفعاله، فما وافق منها أقوال الرسول ﷺ وأفعاله قبل وما خالف رد على فاعله كائنا من كان٢.

стр. 280

ويقول الشيخ بعد كلام له في تقرير طلب العلم بالسنة والعمل بها: "وقد تبين أن الواجب طلب علم ما أنزل الله على رسوله ﷺ من الكتاب والحكمة ومعرفة ما أراد بذلك كما كان عليه الصحابة والتابعون ومن سلك سبيلهم، وكلما يحتاج إليه الناس فقد بينه الله ورسوله ﷺ بيانا شافيا كافيا، فكيف أصول التوحيد والإيمان، ثم إذا عرف ما بينه ﷺ نظر في أقوال الناس وما أرادوا بها فعرضت على الكتاب والسنة والعقل الصريح الذي هو موافق للرسول ﷺ فإنه الميزان مع الكتاب فهذا سبيل الهدى، وأما سبيل الضلال والبدع والجهل فعكسه أن تبتدع بدعة بآراء رجال وتأويلاتهم، ثم تجعل ما جاء به الرسول ﷺ تبعا لها وتحرف ألفاظه وتؤوّل على وفق ما أصلوه، وهؤلاء تجدهم في نفس الأمر لا يعتمدون على ما جاء به الرسول ﷺ ، ولا يتلقون منه الهدي، ولكن ما وافقهم منه قبلوه، وجعلوه حجة لا عمدة، وما خالفهم منه تأولوه كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه، أو فوضوه كالذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني" ١. وليعلم طالب العلم أن العوام محتاجون إلى كلام أهل العلم من تحقيق هذه المسائل ونقل كلام العلماء. وقد نوه ﷺ ، بأن دينه يصير بعده غريبا، فقال

стр. 281

صلى الله عليه وسلم: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة". وأن أمة محمد ﷺ ، تفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، ثم ذكر الشيخ أمثلة من ظهور البدع، التي إنما تحدث في حال غربة الإسلام١. ليحدد منهجه في مقاومة البدع وإبطالها. كما يحدد الشيخ نوع من يكون معه الكلام في ذلك فيقول: "إنما كلامنا مع رجل يؤمن بالله واليوم الآخر، ويحب ما أحب الله ورسوله، ويبغض ما أبغض الله ورسوله، لكنه جاهل قد لبست عليه الشياطين دينه، ويظن أن الاعتقاد في الصالحين حق، ولو يدري أنه كفر يدخل صاحبه في النار ما فعله، ونحن نبين لهذا ما يوضح له الأمر، فنقول: الذي يجب على المسلم: أن يتبع أمر الله ورسوله ويسأل عنه، والله سبحانه أنزل القرآن، وذكر فيه ما يحبه ويبغضه، وبين لنا فيه ديننا وأكمل، وكذلك محمد ﷺ أفضل الأنبياء، فليس على وجه الأرض أحد أحب إلى أصحابه منه وهم يحبونه أحب من أنفسهم وأولادهم ويعرفون قدره ويعرفون أيضا الشرك والإيمان، فإن كان أحد من المسلمين في زمن النبي

стр. 282

صلى الله عليه وسلم قد دعاه أو نذر له أو ندبه، أو أحد من أصحابه، جاء عند قبره بعد موته، يسأله أو يندبه، أو يدخل عليه، للالتجاء له عند القبر، فاعرف أن هذا الأمر صحيح حسن، ولا تطعني، ولا غيري، وإن كان إذا سألت، إذا أنه تبرأ ممن اعتقد في الأنبياء والصالحين، وقتلهم وسباهم وأولادهم، وأخذ أموالهم، وحكم بكفرهم، فاعرف أن النبي ﷺ لا يقول إلا الحق، والواجب على كل مؤمن اتباعه فيما جاء به. أما من يصر على دعوة الصالحين، والاستغاثة بهم، والنذر لهم، وصيرورة الإنسان فقيرا لهم، ويقول إن هذا أمرحسن، ولو ذكر الله ورسوله ﷺ أنه كفر، فهو مصر بتكذيب الله ورسوله، ولا خفاء في كفره، فليس لنا معه كلام١. ومنهج الشيخ في الاستدلال على التوحيد وتفسيره: بالبراهين القاطعة، التي احتج الله بها على خلقه، واستدل بها رسل الله، ومن تبعهم على التوحيد. فيستدل الشيخ بربوبية الله العامة لجميع العالمين، وبآثار صفات الله في مخلوقاته، وبصفة الإله واختصاص الله بها، فلا إله غيره، وبسائر صفات الكمال لله تعالى، التي انفرد بها، والدالة على وحدانيته. ويستدل بنبوة محمد ﷺ ، وبعثته لبيان التوحيد،

стр. 283

وبيانه البيان البليغ، وتمام رسالته، ونصرته وظهور دينه. ويستدل بالوحي المنزل على رسول الله ﷺ ، المعجز منه وهو القرآن والصحيح من السنة قولا وفعلا وتقريرا. ويستدل بمخلوقات الله تعالى، وعبوديتها له طوعا وكرها. وفي ذلك يسلك الشيخ طريقة القرآن في البرهنة على التوحيد التي هي عقلية وشرعية، عقلية حيث أن العقل يشهد بصحتها، وشرعية حيث أن الشرع جاء بها، وما ترك الشيخ فيما علمت مسلكا من مسالك الاستدلال إلا وقد سلكه، فالشيخ أحيانا يذكر الوحدانية، ثم يذكر دليلها، وأحيانا: يذكر الدليل، ثم يذكر الوحدانية عقب ذكر الدليل، وأحيانا: لا يذكر الوحدانية، ولا دليلها، ولكن يذكر فقر المخلوقات، وحاجتها وعدمها، وما إلى ذلك من صفاتها، التي تشهد بعبوديتها، وعدم استحقاقها لشيء من العبادة، وأحيانا: يذكر غنى الله سبحانه، وقدرته، وحكمته، وعلمه، وسائر صفات الكمال، التي انفرد بها، وكلها تشهد باستحقاقه لكل العبادة بجميع أنواعها واختصاصه سبحانه بهذا الحق، وكل هذه المسالك يأخذها الشيخ من القرآن الكريم والسنة المطهرة، والشواهد التاريخية، وكلام العلماء وإجماع أهل العلم. ومما يسترعي الانتباه: أن الشيخ في احتجاجه واستدلاله، يسلك الطريقة المثلى في ذلك، فيستدل بالمعلوم إلى المجهول، وبالمسلم به إلى المنازع فيه، وبما أقر به الخصم على ما جحده، وبالمجمع عليه على المختلف

стр. 284

فيه، فلننظر إليه في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (الزمر: ٣٨) . يقول الشيخ: فيها بيان أن عندهم من العلم ما تقوم به الحجة، وأن المجمع عليه يدل على المختلف فيه، ومجادلة المبطل بالحق الذي يسلمه، وأنه تسليم لا يجحدونه بل يقرون به للخصم، والتعجب من الإنكار مع هذا الإقرار، والإلزام الذي لا محيد عنه وأن هذا كاشف لشبهتهم١. إلى غير ذلك ممَّا سيأتى تفصيله، في مبحث استدلال الشيخ على توحيد الألوهية إن شاء الله تعالى. أما ما يسمى: قضية إثبات وجود الله تعالى- فإن الشيخ لم يشغل نفسه بذلك كما فعل من يتكلم في التوحيد، من أهل الكلام وغيرهم، لأن وجود الله ثابت مشهود لا شك فيه ولا ريب، والخلق مفطورون على الإقرار بذلك، بل يقرون بتوحيد الله في الربوبية، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (الزمر: ٣٩) . وقال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه﴾ (الروم:٣٠) . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى

стр. 285

أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٢، ١٧٣) . قال الشيخ: "ليس المراد معرفة الإله الإجمالية، يعني معرفة الإنسان أن له خالقا، فإنها ضرورية فطرية، بل المراد معرفة الإله، هل هذا الوصف مختص بالله؟ لا يشركه فيه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، أم جعل لغيره قسطا منه؟ فأما المسلمون أتباع الأنبياء، فإجماعهم: على أنه مختص، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥) . والكافرون يزعمون أنه هو الإله الأكبر، ولكن معه آلهة أخرى تشفع عنده، والمتكلمون ممن يدعي الإسلام، أضلهم الله عن معرفة الإله". ثم ذكر الشيخ أنه يفسرون الإله: بأنه القادر، وأن الألوهية هي القدرة١، وعلى كل فالشيخ يعتبر الإقرار بقدرة الله، وبربوبيته أمرا فطريا ضروريا بدهيا، وهو الدليل القاطع كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢ (النحل:١٧) .
следующие страницы →