صلى الله عليه وسلم: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة".
وأن أمة محمد ﷺ ، تفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، ثم ذكر الشيخ أمثلة من ظهور البدع، التي إنما تحدث في حال غربة الإسلام١. ليحدد منهجه في مقاومة البدع وإبطالها.
كما يحدد الشيخ نوع من يكون معه الكلام في ذلك فيقول: "إنما كلامنا مع رجل يؤمن بالله واليوم الآخر، ويحب ما أحب الله ورسوله، ويبغض ما أبغض الله ورسوله، لكنه جاهل قد لبست عليه الشياطين دينه، ويظن أن الاعتقاد في الصالحين حق، ولو يدري أنه كفر يدخل صاحبه في النار ما فعله، ونحن نبين لهذا ما يوضح له الأمر، فنقول: الذي يجب على المسلم: أن يتبع أمر الله ورسوله ويسأل عنه، والله سبحانه أنزل القرآن، وذكر فيه ما يحبه ويبغضه، وبين لنا فيه ديننا وأكمل، وكذلك محمد ﷺ أفضل الأنبياء، فليس على وجه الأرض أحد أحب إلى أصحابه منه وهم يحبونه أحب من أنفسهم وأولادهم ويعرفون قدره ويعرفون أيضا الشرك والإيمان، فإن كان أحد من المسلمين في زمن النبي
стр. 282
صلى الله عليه وسلم قد دعاه أو نذر له أو ندبه، أو أحد من أصحابه، جاء عند قبره بعد موته، يسأله أو يندبه، أو يدخل عليه، للالتجاء له عند القبر، فاعرف أن هذا الأمر صحيح حسن، ولا تطعني، ولا غيري، وإن كان إذا سألت، إذا أنه تبرأ ممن اعتقد في الأنبياء والصالحين، وقتلهم وسباهم وأولادهم، وأخذ أموالهم، وحكم بكفرهم، فاعرف أن النبي ﷺ لا يقول إلا الحق، والواجب على كل مؤمن اتباعه فيما جاء به.
أما من يصر على دعوة الصالحين، والاستغاثة بهم، والنذر لهم، وصيرورة الإنسان فقيرا لهم، ويقول إن هذا أمرحسن، ولو ذكر الله ورسوله ﷺ أنه كفر، فهو مصر بتكذيب الله ورسوله، ولا خفاء في كفره، فليس لنا معه كلام١.
ومنهج الشيخ في الاستدلال على التوحيد وتفسيره: بالبراهين القاطعة، التي احتج الله بها على خلقه، واستدل بها رسل الله، ومن تبعهم على التوحيد. فيستدل الشيخ بربوبية الله العامة لجميع العالمين، وبآثار صفات الله في مخلوقاته، وبصفة الإله واختصاص الله بها، فلا إله غيره، وبسائر صفات الكمال لله تعالى، التي انفرد بها، والدالة على وحدانيته.
ويستدل بنبوة محمد ﷺ ، وبعثته لبيان التوحيد،
стр. 283
وبيانه البيان البليغ، وتمام رسالته، ونصرته وظهور دينه.
ويستدل بالوحي المنزل على رسول الله ﷺ ، المعجز منه وهو القرآن والصحيح من السنة قولا وفعلا وتقريرا.
ويستدل بمخلوقات الله تعالى، وعبوديتها له طوعا وكرها.
وفي ذلك يسلك الشيخ طريقة القرآن في البرهنة على التوحيد التي هي عقلية وشرعية، عقلية حيث أن العقل يشهد بصحتها، وشرعية حيث أن الشرع جاء بها، وما ترك الشيخ فيما علمت مسلكا من مسالك الاستدلال إلا وقد سلكه، فالشيخ أحيانا يذكر الوحدانية، ثم يذكر دليلها، وأحيانا: يذكر الدليل، ثم يذكر الوحدانية عقب ذكر الدليل، وأحيانا: لا يذكر الوحدانية، ولا دليلها، ولكن يذكر فقر المخلوقات، وحاجتها وعدمها، وما إلى ذلك من صفاتها، التي تشهد بعبوديتها، وعدم استحقاقها لشيء من العبادة، وأحيانا: يذكر غنى الله سبحانه، وقدرته، وحكمته، وعلمه، وسائر صفات الكمال، التي انفرد بها، وكلها تشهد باستحقاقه لكل العبادة بجميع أنواعها واختصاصه سبحانه بهذا الحق، وكل هذه المسالك يأخذها الشيخ من القرآن الكريم والسنة المطهرة، والشواهد التاريخية، وكلام العلماء وإجماع أهل العلم.
ومما يسترعي الانتباه: أن الشيخ في احتجاجه واستدلاله، يسلك الطريقة المثلى في ذلك، فيستدل بالمعلوم إلى المجهول، وبالمسلم به إلى المنازع فيه، وبما أقر به الخصم على ما جحده، وبالمجمع عليه على المختلف
стр. 284
فيه، فلننظر إليه في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (الزمر: ٣٨) .
يقول الشيخ: فيها بيان أن عندهم من العلم ما تقوم به الحجة، وأن المجمع عليه يدل على المختلف فيه، ومجادلة المبطل بالحق الذي يسلمه، وأنه تسليم لا يجحدونه بل يقرون به للخصم، والتعجب من الإنكار مع هذا الإقرار، والإلزام الذي لا محيد عنه وأن هذا كاشف لشبهتهم١.
إلى غير ذلك ممَّا سيأتى تفصيله، في مبحث استدلال الشيخ على توحيد الألوهية إن شاء الله تعالى.
أما ما يسمى: قضية إثبات وجود الله تعالى- فإن الشيخ لم يشغل نفسه بذلك كما فعل من يتكلم في التوحيد، من أهل الكلام وغيرهم، لأن وجود الله ثابت مشهود لا شك فيه ولا ريب، والخلق مفطورون على الإقرار بذلك، بل يقرون بتوحيد الله في الربوبية، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (الزمر: ٣٩) .
وقال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه﴾ (الروم:٣٠) . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى
стр. 285
أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٢، ١٧٣) .
قال الشيخ: "ليس المراد معرفة الإله الإجمالية، يعني معرفة الإنسان أن له خالقا، فإنها ضرورية فطرية، بل المراد معرفة الإله، هل هذا الوصف مختص بالله؟ لا يشركه فيه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، أم جعل لغيره قسطا منه؟
فأما المسلمون أتباع الأنبياء، فإجماعهم: على أنه مختص، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥) .
والكافرون يزعمون أنه هو الإله الأكبر، ولكن معه آلهة أخرى تشفع عنده، والمتكلمون ممن يدعي الإسلام، أضلهم الله عن معرفة الإله".
ثم ذكر الشيخ أنه يفسرون الإله: بأنه القادر، وأن الألوهية هي القدرة١، وعلى كل فالشيخ يعتبر الإقرار بقدرة الله، وبربوبيته أمرا فطريا ضروريا بدهيا، وهو الدليل القاطع كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢ (النحل:١٧) .
стр. 286
فهو الذي يستدل به على اختصاص الله تعالى بصفة الإله، فكيف يحتاج إلى دليل وهو الدليل؟! لا شك أن الدليل لا يحتاج إلى دليل.
ولئن كانت ربوبية الله الظاهرة المشهودة بالمحسوس والمنظور والفطرة، تحتاج إلى دليل فإنه لا يصح ثبوت شيء على الإطلاق.
كما قيل:
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
وأما ما يقوله الشيخ في افتتاحية رسالة له، تشتمل على قواعد أربع
يتميز بهن المسلم من المشرك، ونصه: "الحمد لله الذي يستدل على وجوب وجوده ببدائع ما له من الأفعال المنزه في ذاته وصفاته عن النظائر والأمثال، أنشأ الموجودات فلا يعزب عن علمه مثقال"١.
فالشيخ ينبه على دلائل وحدانية الله بالألوهية من صفاته وأفعاله وربوبيته المشهودة، لأن الشيخ لا يقصد مجرد إثبات وجوده وربوبيته، بمعنى أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر الأمور إلا الله، بل مقصوده كما ذكرنا الاستدلال بربوبيته على وحدانيته في الألوهية بدليل أن هذه الرسالة تشتمل على قواعد أربع يتميز بهن المسلم من المشرك وخلاصتهن:
ا- بيان أن الله أبدع خلقنا.
٢- لنعبده.
٣- أن الشرك يفسد العبادة.
стр. 287
٤- أن العبادة إنما تكون على السنة١.
إذا تقرر هذا فمن العبث الاشتغال بإثبات الثابت، وتحصيل الحاصل، ومن الخطأ أن نتفقد هذا العبث في منهج الشيخ، الجاد في دعوته وعقيدته، أو إذا لم نجده نحاول لَيَّ بعض الجوانب الأخرى لتكون مقصود الشيخ بهذا الذي افتقدناه.
إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يجيئوا أقوامهم ليثبتوا ثابتا، ويعلموا معلوما ولم يأمروا أهل ملتهم أن يقولوا: "الله موجود" ولا أن يقولوا: "لا موجود إلا الله" فهذا يفضي إلى وحدة الوجود الباطلة، وصفة الوجود ليست أخص وصفه، كما هي ربوبيته للعالمين، فكونه رب العالمين هو من أخص وصفه سبحانه، لذا فإن الرسل أمروا قومهم بأن يقولوا: "لا إله إلا الله" وبينوا لهم أن هذا القول بصدق هو المطلوب، واستدلوا بربوبية الله للعالمين، التي هي معلومة من أخص وصفه سبحانه لديهم، واحتجوا على قومهم بذلك، كما قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (إبراهيم: ١٠) .
فكانت حجتهم عليهم لله بالغة، فالصلاة والسلام عليهم ولا سبيل لأهل السنة والجماعة والشيخ منهم أن يعدلوا عن منهاجهم.
ولذا فالشيخ يذكر توحيد الربوبية ليستدل به لأنه معلوم - على
стр. 288
توحيد الله بالألوهية وكم كرر في هذا الأمر وقرر.
وأما ما ينقل عن الملاحدة والشيوعين، من أنهم لا يقرون بالربوبية، بل ينكرون وجود الله، فإن هذا الصنف من المخلوقات لا تنفع معهم أدلة، ولا تنجح فيهم حجة، ولا يصح ويثبت في أذهانهم أي علم، فمن العبث الاشتغال بأفكارهم والرد عليها، لأنهم مردوا على الجحود والكفر، فطبع الله على قلوبهم، وازدادوا كفرا بعد كفر، وظلمة فوق ظلمة وفسادا فوق فساد، فالمنهج تجاههم هو: الإعراض عنهم والإقبال على تقرير التوحيد على منهاج الرسل، وكما قرروه والمضي في هذا السبيل بكل قوة، ومن غير التفات إلى المعاندين المكابرين ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ (الأ نعام: ٢٥) .
وتقرير توحيد الله تعالى وإثباته على منهاج الرسل، يفيد إثبات وجود الله مع مزيد التأييد والقوة، والوفاء بالمقصود، ولا أنفع علاجا ودواء لداء انحراف الفطرة وفسادها من تقرير التوحيد، كما قرره الرسول ﷺ وصحابته ومن تبعهم بإحسان فقد تعاملوا مع خلق الله بما أمر الله وأرضوا الله فيمن أسخطه فيهم وفي غيرهم فأقاموا حدود الله وطبقوا شريعته على جميع الأحوال. فكانوا هم الغالبون بإذن الله. ويقول الشيخ: إن التأويل الفاسد في رد النصوص ليس عذرا لصاحبه، كما أنه سبحانه لم يعذر إبليس في شبهته التي أبداها كما يُعْذَرُ من خالف النصوص متأولا مخطئا، بل كان ذلك التأويل زيادة في كفره. ومثل هذا
стр. 289
التأويل ليس على أهل الحق أن يناظروا صاحبه ويبينوا له الحق كما يفعلون مع المخطىء المتأول، بل يبادر إلى عقوبته بالعقوبة التي يستحقهما بقدرذنبه، وإلا أعرض عنه إن لم يقدر عليه، كما كان السلف الصالح يفعلون هذا وهذا، فإنه سبحانه لما أبدى له إبليس شبهته فعل به ما فعل، ولما عتب على الملائكة في قيلهم أبدى لهم شيئا من حكمته وتابوا، وقد وقعت هذه الثلاث لرسول الله ﷺ في غزوته التي فتح الله له فيها مكة، فإنه لما أعطي المؤلفة قلوبهم ووجدت عليه الأنصار عاتبهم واعتذروا وقبل عذرهم، وبين لهم شيئا من الحكمة، ولما قال له ذلك الرجل العابد (اعدل) قال له كلاما غليظا، واستأذن بعض الصحابة في قتله ولم ينكرعليه، لكن ترك قتله لعذر ذكره١.
ويزيد الشيخ ذلك إيضاحاً فيقول: " إن الشبهة إذا كانت واضحة البطلان لا عذر لصاحبها، فإن الخوض معه في إبطالها تضييع للزمان وإتعاب للحيوان، مع أن ذلك لا يردعه عن بدعته، وكان السلف لا يخوضون مع أهل الباطل في رد باطلهم كما عليه المتأخرون، بل يعاقبونهم إن قدروا وإلا أعرضوا عنهم.
وقال أحمد لمن أراد أن يرد على أحدهم: اتق الله ولا تنصب نفسك لهذا، فإن جاءك مسترشدا فأرشده٢.
стр. 290
ويقول الشيخ: إن في قول الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: ٣٦ ا-١٣٧) . إن في هذا الكلام غاية إنصاف الخصم، وإن الذي لا ينقاد له ليس داؤه جهالة بل مشاقة، وإنك إذا أنصفته وأصر، فهو سبب لانتقام الله منه١.
ويستنبط الشيخ من قصة آدم وإبليس أنه لا ينبغي للمؤمن أن يغتر بالفجرة، بل يكون على حذر منهم، ولو قالوا ما قالوا، خصوصا أولياء الشيطان الذين تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته، فإن اللعين حلف ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ .
ومنها أن زخرفة القول قد تخرج الباطل في صورة الحق كما في الحديث: "إن من البيان لسحرا" ٢ فإن اللعين زخرف قوله بأنواع منها تسمية الشجرة شجرة الخلد، ومنها تأكيد قوله: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ وغير ذلك مما ذكر في القصة، فينبغي للمؤمن أن يكون من زخرف القول على حذر، ولا يقنع بظاهره حتى يعجم العود٣.
стр. 291
إعراض الشيخ عن مبحث الوجود:
وكما قدمنا أن منهج الشيخ هو منهج السلف الصالح، فإنه في إعراضه عن مبحث الوجود والاستدلال عليه، لأنه أمر مسلم به، ولأنه هو الدليل على توحيد العبادة المطلوب، والذي من أجله فقط أرسلت الرسل، فقد اتبع منهج كبار الأئمة في بيان التوحيد، وإقامة الأدلة عليه، مثل الإمام أبي حنيفة وغيره من أئمة المذاهب الأربعة الكبار.
قال ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة: " وقد أعرض الإمام عن بحث الوجود اكتفاء بما هو ظاهر في مقام الشهود، ففي التنزيل: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فوجود الحق ثابت في فطرة الخلق كما يشير إليه قوله : ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ويومىء إليه حديث: "كل مولود يولد على الفطرة".
وإنما جاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لبيان التوحيد، وتبيان التفريد، ولذا أطنفت كلمتهم وأجمعت حجتهم على كلمة: لا إله إلا الله، ولم يؤمروا بأن يأمروا أهل ملتهم بأن يقولوا: الله موجود، بل قصدوا إظهار أن غيره ليس بمعبود ردا لما توهموا وتخيلوا حيث قالوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ و ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ .
على أن التوحيد يفيد الوجود مع مزيد التأييد. ثم العقائد يجب أن
стр. 292
تؤخذ من الشرع الذي هو الأصل١.
وقال ملا علي قاري: حكي عن أبي حنيفة ﵀ أن قوما من أهل الكلام أرادوا البحث معه في تقرير توحيد الربوبية فقال لهم: أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلىء من الطعام والمتاع وغيره بنفسها، وتعود بنفسها فتترسى بنفسها، وتتفرغ بنفسها وترجع، كل ذلك من غير أن يديرها أحد؟ فقالوا: هذا محال لا يمكن أبدا، فقال لهم إذا كان هذا محالا في سفينة، فكيف في هذا العالم
كله علوه وسفله؟ انتهى٢.
ولقد أحسن أبو العتاهية في قوله:
فوا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكة ... وتسكينة أبدا شاهد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد٣
وأما من بلي بشيء من وسوسة التسلسل في الفاعلين، فإن الشيخ يرشد إلى ما أرشد إليه رسول الله ﷺ حيث أرشد من بُليَ بشيء من وسوسة التسلسل في الفاعلين إذا قيل له: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ أن يستعيذ بالله وينتهيَ ويقرأ ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالْآخِرُ
стр. 293
وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
وكذلك قال ابن عباس لأبي زميل وقد سأله: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قال: قلت: والله لا أتكلم به، فقال: أشيء من شك؟ قلت: بلى، قال: ما نجا من ذلك أحد، فإذا وجدت في نفسك شيئا، فقل: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
فأرشدهم بالآية إلى بطلان التسلسل ببديهة العقل وأن سلسلة المخلوقات في ابتدائها تنتهي إلى أول ليس قبله شيء كما تنتهي في آخرها إلى آخر ليس بعده شيء، كما أن ظهوره: هو العلو الذي ليس فوقه شيء، وبطونه هو أنه ليس دونه واسطة، فليس دونه شيء سبحانه.
ولو كان قبله شيء يكون مؤثرا فيه لكان هو الرب الخلاق، فلا بد أن ينتهي الأمر إلى خالق غني عن غيره، وكل شيء فقير إليه، قائم بنفسه، وكل شيء قائم به، موجود بذاته، قديم لا أول له، وكل ما سواه فوجوده به بعد عدمه، باق بذاته، وبقاء كل شيء به١.
ثم يرشد الشيخ إلى أن ما يقع في القلب من خواطر الشيطان لا يضر، بل هو صريح الإيمان إذا كان مع الكراهة أخذا من قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ الآية٢.
стр. 294
فسبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، هو خالق كل شيء وما سواه مخلوق.
والشيخ حين يجعل أصله في علم التوحيد، هوالتمسك بالكتاب والسنة ومجانبة الهوى والبدعة ولزوم طريق أهل السنة والجماعة الذي كان عليه الصحابة والتابعون ومضى عليه السلف الصالحون يكون متبعا للعلماء السابقين غير مبتدع.
وإذا قسم التوحيد إلى نوعين، هما توحيد الربوبية- ويدخل فيه إثبات الأسماء الحسنى وصفات الكمال على ما جاء في الشرع، وهو القسم العلمي الخبري من قسمي التوحيد، وتوحيد الألوهية أوتوحيد العبودية- الذي هو القسم الطلبي الإرادي، وإذا بين أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية دون العكس في القضية ليس هذا القول من الشيخ لمتابعته ابن تيمية، أو علماء الحنابلة، أو علماء أهل السنة من المالكية والشافعية فحسب، بل لمتابعته أيضا علماء الحنفية فيما حققوه من السنة النبوية الشريفة.
هذا الإمام أبو حنيفة ﵀ بدأ مؤلفه المسمى بـ" الفقه الأكبر" بقوله: " أصل التوحيد وما يصح الاعتقاد عليه يجب أن يقول: آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والقدر خيره وشره
стр. 295
من الله تعالى" ١.
ويقول الشيخ علي البزدوي من الحنفية في "أصول الفقه": " العلم نوعان: علم التوحيد والصفات، وعلم الفقه والشرائع والأحكام. والأصل في النوع الأول: هو التمسك بالكتاب والسنة، ومجانبة الهوى والبدعة، ولزم طريق أهل السنة والجماعة، الَّذي كان عليه الصحابة والتابعون ومضى عليه السلف الصالحون، وهو الَّذي عليه أدركنا مشايخنا، وكان على ذلك سلفنا؛ أعني: أبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمداً، وعامة أصحابهم رحمهم الله تعالى"٢.
وهذا أبو جعفر أحمد الطحاوي المتوفى سنة (٣٢١هـ) قبل ابن تيمية يذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني فيقول: " نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: أن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره٣.
стр. 296
فقوله: "لا شيء مثله" في توحيد الصفات والأسماء "ولا شيء يعجزه" في توحيد الربوبية والقدرة، وكل ذلك في توحيد المعرفة والإثبات.
"ولا إله غيره" في توحيد الألوهية وذلك في توحيد الطلب والإرادة قال شارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي المتوفى سنة (٧٤٦هـ) : "ثم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله، ونزلت به كتبه نوعان: توحيد في الإثبات والمعرفة وتوحيد في الطلب والقصد"١.
بل إن من المتأخرين من الأحناف من يقررما قرره الشيخ محمد بن عبد الوهاب قبل أن يولد.
وهذا ملا علي بن سلطان القاري الحنفي المتوفى سنة (١٠١٤هـ) قبل ميلاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمائة سنة يقرر ما قرره الشيخ من نوعي التوحيد، فقال في شرحه الفقه الأكبر لأبي حنيفة " أقول: فابتداء كلامه في الفاتحة بالحمد لله رب العالمين، يشير إلى تقرير توحيد الربوبية المترتب عليه توحيد الألوهية المقتضي من الخلق تحقيق العبودية" إلى أن قال: "والحاصل أنه يلزم من توحيد العبودية توحيد الربوبية دون العكس في القضية لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ، وقوله سبحانه حكاية عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ .
стр. 297
بل غالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد، بل القرآن من أوله إلى آخره في بيانهما وتحقيق شأنهما، فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي.
وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرامه لأهل التوحيد وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في العقبى فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب والسلاسل والأغلال فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوق أهله وثوابهم، وفي شأن ذم الشرك وعقوق أهله وجزائهم، فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ توحيد، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ توحيد، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ توحيد، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ توحيد، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (وهم أهل التوحيد) ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ الذين فارقوا التوحيد عنادا وجهلا وإفسادا.
وكذا السنة تأتي مبينة ومقررة لما دل عليه القرآن، فلم يحوجنا ربنا إلى رأي فلان وذوق فلان ووجد فلان في أصول ديننا- ولذا نجد من خالف الكتاب والسنة مختلفين مضطربين- بل قال الله تعالى:
стр. 298
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ .
فلا نحتاج في تكميله إلى أمر خارج عن الكتاب والسنة، كما قال الله تعالى: ﴿هذا بلاغ للناس﴾ ١.
وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ ٢.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣ ٤.
وأظنه نقل عن شارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي٥.
وليس سبب الخلاف بين الشيخ وخصومه هو تقسيم التوحيد إلى نوعين وبيان الفرق بينهما كما يذهب إليه الدكتور العثيمين٦، وإنما الخلاف بينه وبين خصومه، هو أنه يقول: "ما يدعى إلا الله وحده لا شريك له كما قال تعالى في كتابه: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ (الجن: ١٨) ، وقال في حق النبي ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا
стр. 299
رَشَداً﴾ (الجن: ٢١) .
ولما ذكر الشيخ لهم أن هذه المقامات التي في الشام والحرمين وغيرهما أنها على خلاف أمر الله ورسوله، وأن دعوة الصالحين والتعلق بهم هوالشرك بالله الذي قال فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (المائدة: ٧٢) .
لما أظهرلهم هذا أنكروه وكبر عليهم، وقالوا: جعلنا مشركين. وقالوا: هذا ليس إِشراكا. هذا هو مرتكز الخلاف بين الشيخ وخصومه١، ولو أن خصوم الشيخ أقروا بتوحيد الله في هذا وتابوا مما كانوا عليه من دعاء غير الله ما كان الشيخ ليطالبهم بالتفريق بين نوعي التوحيد، كيف! والشيخ يرى أن لفظ الربوبية يأتي بمعنى الألوهية كما في قوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ (الكهف: ١٤) . قال الشيخ: "قولهم ربنا رب السموات والأرض " هذه الربوبية هي الألوهية ٢.
والشيخ حين يفرق بين توحيد الربوبية والألوهية، إنما ليبين أن الربوبية عندما تفسر بأشهر معانيها الذي هو فعل الرب، وحين تؤتى بتوحيد الربوبية على هذا التفسير أي اعتقاد أن الله واحد في فعله فإنه لا
стр. 300
يكفي عن الإتيان بتوحيد الألوهية، والذي منه إفراد الله بالدعاء لأن المشركين زمن الرسول ﷺ كانوا يقرون بتوحيد الربوبية هذا ومع ذلك لم يدخلهم في الإسلام، لأنهم لم يأتوا بتوحيد الألوهية- على ما سيأتي بيانه بالتفصيل في المباحث الآتية إن شاء الله تعالى.
وقد بين الشيخ منهجه في الإحكام في نبذة كتبها بعنوان: "أربع قواعد تدور عليها الأحكام " وتتلخص في الآتي:
ا- تحريم القول على الله بلا علم.
٢- أن كل شيء سكت عنه الشارع فهو عفو.
٣- أن ترك الدليل الواضح والاستدلال بالمتشابه طريق أهل الزيغ كالرافضة والخوارج.
٤- أن الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن لم يفطن لهذه القاعدة ويريد أن يتكلم على كل مسألة بكلام فاصل فقد ضل وأضل١.
والشيخ يرى أن الصواب في المسائل المشكلة عدم الجزم بشيء بل يقول: (الله أعلم) مثل ما قال أهل الكهف: ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ (الكهف: ١٩) . وكما أمر الله بإسناد الأمرإلى علمه: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فالسكوت عنها هو العلم والمتكلم بلا علم ينكر عليه٢.
стр. 301
والله ﵎ نهى عن افتراء الكذب عليه والقول عليه بلا علم والمحاجة والمجادلة بغير علم وقول ما ليس للقائل به علم مطلقا- قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: ٣٦) .
والذي يجب العلم به أن كل ما قال الرسول ﷺ حق يجب الإيمان به ولولم يعرف الإنسان معناه، وأنه لا تضاد ولا تناقض في كلام الله وكلام الرسول ﷺ كما أنه ليس بين كلام الرسول ﷺ وكلام الله أَيَّ مناقضة١.
والأدلة الصحيحة لا تتناقض، بل يصدق بعضها بعضا، لكن قد يكون أحدهما أخطأ في الدليل لأنه إما استدل بحديث لم يصح، وإما لأنه فهم من كلمة صحيحة مفهوما مخطئا.
وحاشا كلام الله وكلام رسوله ﷺ من التضاد، بل كله حق يصدق بعضه بعضا والواجب على المؤمن في مثل هذا أن يحسن الظن بكلام الله وكلام رسوله ويقول كما أمر الله: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (آل عمران: ٧) . فإذا تبين له الحق فليقل به وليعمل به، وإلا فليمسك وليقل الله ورسوله أعلم٢.
стр. 302
نعم قد يرد حديثان متضادان ولكن أحدهما ليس بصحيح، وقد يكون أحدهما ناسخا لكنه قليل جدا ومع ذلك لا يرد المنسوخ إلا قد يرد ما يبينه١.
وينبغي لطالب العلم أن يتفطن لصورة المسألة في الدليل الذي يدل عليها ويجيل نظره في ذلك فإن كثيرا من الأغاليط وقعت في مسألة واضحة جدا ويستدل الغالط على غلطه بشيء من القرآن والسنة، وهو لا يدل على ذلك كما فعل الرافضة والقدرية والجهمية وغيرهم.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ٢ الآية (آل عمران: ٧) .
فينبغي رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة ليزول الإشكال، وللمفتي أن يستفصل اذا احتاج لذلك٣.
فإن الله تعالى ابتلى الناس بالمتشابه كما ابتلاهم بالمحكم ليعلم من يقف حيث وقفه الله ومن يقول على الله بلا علم. ولو بلغ الإنسان من العلم ما بلغ لكان ما علمه قليلا بالنسبة إلى ما لم يعلمه. فقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ٤ (الإسراء: ٨٥) .
стр. 303
وقد توقف الشيخ في الإفتاء عن معنى قوله: "الشؤم في ثلاث" الخ وقال: "لم يتبين لي معناه، والله أعلم بمراد رسوله ﷺ .
وفي جواب، هل المراد حفظ القرآن مع حفظ المعاني؟ في ما ورد من الفضل في حفظه؟ قال الشيخ: "لا يحضرني جواب يفصل المسألة".
وفي إغلاق الباب عند الجذاذ ووقت الحصاد قال: "فلا أجسر على الجزم بتحريمه" وفي موضع قال: "فلا أتجرأ على الجزم بتحريمه" وفي معنى عقد اللحية- قال: "لا أعلمه " وفي مقصود الحسن بتفسير الجبت برنة الشيطان- قال " لا أعرف مقصود الحسن " وفي الفرق بين الروح
والرحمة- قال: "لا أعرفه ".
وفي مسألة إذا لم يعرف هل هذا وقف على من يرث أم لا ولكن الإفاضة على أنه ممن يرث قال: "فأنا لا أدري عن هذه المسألة لكن أرى لك التوقف عنها ولا ينزع من يد من يأكله إلا ببينة، وغير ذلك١.
ويرى أنه لا غنى للمسلم عن معرفة أمور أهل الجاهلية الكتابيين والأميين التي خالفهم "فيها رسول الله ﷺ فالضد يظهرحسنه الضد، وبضدها تتبين الأشياء، والحق لا يتبين إلا بالباطل٢.
стр. 304
وأنه قد يكون لأهل الباطل والشرك علوم كثيرة وكتب وحجج، ويفرحون بما عندهم من العلم، ومن حكمة الله أن جعل منهم أعداء للرسل وأتباعهم وهم شياطين الجن والإنس١، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.
ومن أمورهم أن التقليد بالباطل هو القاعدة الكبرى لجميع أهل الجاهلية أولهم وآخرهم كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: ٢٣) .
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (لقمان: ٢١) .
فأتاهم رسول الله ﷺ بقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ (سبأ: ٤٦) .
وقول الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٣) ٢. لذا فالشيخ لا يرتضي مناهج الجاهلية ولا قياساتهم واستدلالاتهم الفاسدة ولا حججهم الباطلة مثل استدلالهم على بطلان الشيء بأنه لم يتبعه إلا الضعفاء كقوله تعالى حكاية عنهم: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ (الشعراء: ١١١) .
стр. 305
وقوله عنهم: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ (الأنعام:٥٣) - فرد الله استدلالهم بقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ (الأنعام: ٥٣) .
ومثل اقتدائهم بفسقة العلماء والعباد أمثال من قال الله فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣٤) . وقال تعالى: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (المائدة:٧٧) .
ومثل استدلالهم على بطلان الدين بقلة أفهام أهله وعدم حفظهم.
ومثل استدلالهم بالقياس الفاسد، وإنكارهم القياس الصحيح واستدلالهم على الحق بقوم ضالين غير أنهم أعطوا قوى في الأفهام والأعمال، وفي الملك والجاه والمال، فرد الله ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (الأحقاف: ٢٦) .
واعتقادهم في مخاريق السحرة وأمثالهم أنها من كرامات الصالحين واعتياضهم كتب السحر عن ما أتاهم من الله، كما ذكر الله ذلك في قوله: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (البقرة: ١٠١-١٠٢) .
ونسبتهم الباطل إلى الأنبياء فرد الله عليهم بمثل قوله: ﴿وما كفر
стр. 306
سليمان﴾ وبمثل قوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً﴾ (آل عمران: ٦٧) . وقدحهم في الصالحين بفعل سيء من بعض المنتسبين إليهم كقدح اليهود في عيسى، وقدح اليهود والنصارى في محمد صلى الله عليه وسلم١.
وتحريفهم كتاب الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، وتصنيفهم الكتب الباطلة ونسبتها إلى الله كما قال الله عنهم ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٧٩) .
ولا يقبلون من الحق إلا الذي مع طائفتهم، ومع ذلك لا يعملون بما تقوله طائفتهم٢. ولكن يثبتون أهواءهم وظنونهم ويعرضون عما جاءت به الرسل فيصبحون على خلاف ما جاءت به الرسل من النفي والاثبات يثبتون ما نفته الرسل وينفون ما أثبتته الرسل، ويعتذرون عن إعراضهم عن ما جاءت به الرسل بعدم الفهم كقولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ ٣.
ويلحدون في أسماء الله الحسنى وصفاته، ويعطلون الله من صفات الكمال والعظمة والجلال، وينسبون إليه النقائص سبحانه، وقد ينزهون
стр. 307
أنفسهم عنها، ويجحدون القدر أو يحتجون به على معارضة الشرع، ويسبون الدهر١، ويعملون الحيل الظاهرة والباطنة في دفع ما جاءت به الرسل، وقد يقرون بالحق ليتوصلوا بذلك إلى دفعه، ويلقبون أهل الهدى بالصباة والحشوية، وإذا غلبوا بالحجة فزعوا إلى الشكوى إلى الملوك وأهل النفوذ يرمون أصحاب الحجة الغالبة بالفساد في الأرض وانتقاص الملك وتبديل الدين٢.
كما قال تعالى عن فرعون أنه قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (غافر: ٢٦) - وقال عن قومه أنهم قالوا: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ (الأعراف: ١٢٧) .
ودعواهم اتباع السلف مع التصريح بمخالفتهم كمن ينتسب إلى إبراهيم مع إظهارهم ترك اتباعه٣.
стр. 308
الشيخ لم يشتغل بالكلام - يرفض منهج أهل الكلام
لقد كان الشيخ ينطلق من إسلامه وإيمانه ومن منهجه السلفي في كلامه على التوحيد فلم يشغل نفسه بما شغل به أهل البدع أنفسهم. كالمتكلمين المعرضين عن طريقة الرسل وأتباعهم من سلف الأمة وأئمتها فاشتغلوا ببدع من الكلام والاستدلال كالجوهر والعرض والتحيز والجهة ونحو ذلك من الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها بالوحي.
وينقل الشيخ عن شيخ الإسلام ابن تيمية: أن ابن سريج لما سئل عن التوحيد ذكر توحيد المسلمين، ثم قال: وأما توحيد أهل الباطل فهو الخوض في الجواهر والأعراض، وإنما بعث النبي ﷺ بإنكار ذلك. وكلام السلف والأئمة في ذم الكلام وأهله مبسوط في مواضعه.
ومن ذلك ما ينقل من كلام أبي الوفاء بن عقيل قال: " أنا أقطع أن أبا بكر وعمر ماتا ما عرفا الجوهر والعرض فإن رأيت أن طريقة أبي علي الجبائى وأبي هاشم خير لك من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت" ا- هـ١.
ولذا فالشيخ يرى أن المتكلمين أهل شك وريب ولم ينتهوا من مباحثهم إلى طمأنينة وقضوا حياتهم وفارقوا الحياة وهم في حيرة واضطراب واختلاف وأمر مريج وقول مختلف، وقال: يقول شيخ الإسلام
стр. 309
ابن تيمية "وتجد عامة هؤلاء الخارجين عن منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة يعترف بذلك، إما عند الموت وإما قبل الموت. والحكايات في هذا كثيرة معروفة.
هذا أبو الحسن الأشعري: نشأ في الاعتزال أربعين عاما يناظر عليه، ثم رجع عن ذلك وصرح بتضليل المعتزلة وبالغ في الرد عليهم.
وهذا أبو حامد الغزالي مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف ينتهى في هذه المسائل إلى الوقف والحيرة ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث وصنف إلجام العوام عن علم الكلام.
وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، قال في كتابه الذي صنفه في أقسام اللذات: "لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة أهل القرآن أقرأ في الإثبات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ .
وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ ، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ .
ثم قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي وكان يتمثل كثيرا:
стр. 310
نهاية إقدام العقول عقال ... وأرواحنا في وحشة من جسومنا
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وحاصل دنيانا أذى ووبال ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وهذا إمام الحرمين ترك ما كان ينتحله ويقرره واختار مذهب السلف، وكان يقول "يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو أني عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به " وقال عند موته لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت فيما نهوني عنه. والآن إن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي- أو قال- عقيدة عجائز نيسابور.
وكذلك قال أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستانى: "إنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم" وكان ينشد:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم
وابن الفارض- من متأخري الاتحاديه- صاحب القصيدة التائية المعروفة بنظم السلوك، وقد نظم فيها الاتحاد نظما رائق اللفظ، فهو أخبث من لحم خنزير في صينية من ذهب وما أحسن تسميتها بنظم الشكوك، الله أعلم بها وبما اشتملت عليه، وقد نفقت كثيرا وبالغ أهل العصر في تحسينها والاعتداد بما فيها من الاتحاد- لما حضرته الوفاة أنشد:
إِن كان منزلتي في الحب عندكم ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي
стр. 311
والخلاصة: "أن أهل الكلام يردون باطلا بباطل " ١.
ويقول الشيخ عن مناهج المخالفين من أهل الكلام للرسل، في معرض رسالته إلى ابن عبد اللطيف: "ومما يهون عليك مخالفة من خالف الحق، وإن كان من أعظم الناس وأذكاهم وأعظمهم جاها وأتبعه أكثر الناس تذكر ما وقع في هذه الأمة من افتراقهم في أصول الدين وصفات الله تعالى، وما وقع فيه من الجهل والمحذور غالب من يدعي المعرفة وما عليه المتكلمون من التناقض والحيرة وتسميتهم طريقة رسول الله ﷺ ، حشوا وتشبيها وتجسيما، مع أنك إذا طالعت في كتاب من كتب أهل الكلام مع كونه يزعم أن هذا واجب على كل أحد، وهو أصل الدين؛ تجد الكتاب من أوله إلى آخره لا يستدل على مسألة منه بآية من كتاب الله، ولا حديث عن رسول ﷺ ، اللهم إلا أن يذكره ليحرفه عن مواضعه، وهم معترفون أنهم لم يأخذوا أصولهم من الوحي، بل من عقولهم، ومعترفون أنهم مخالفون للسلف في ذلك؛ مثل ما ذكرفي فتح الباري في مسألة الإيمان على قول البخاري، وهو قول وعمل
стр. 312
ويزيد وينقص، فذكر إجماع السلف على ذلك، وذكر عن الشافعي أنه نقل الإجماع على ذلك، وكذلك ذكر أن البخاري نقله ثم بعد ذلك حكى كلام المتأخرين ولم يرده.
فإن نظرت في كتاب التوحيد في آخر الصحيح، فتأمل تلك التراجم، واقرأ في كتب أهل العلم من السلف ومن أتباعهم من الخلف ونقلهم الإجماع على وجوب الإيمان بصفات الله تعالى وتلقيها بالقبول، وأن من جحد شيئا منها أو تأول شيئا من النصوص فقد افترى على الله وخالف إجماع أهل العلم ونقلهم الإَجماع على أن علم الكلام بدعة وضلالة حتى قال أبو عمر بن عبد البر. "أجمع أهل العلم في جميع الأعصار والأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وضلالات لا يعدون عند الجميع من طبقات العلماء".
قال الشيخ: "إنهم ابتدعوا كلاما من عند أنفسهم وكابروا به العقول أيضا".
ويقول الشيخ: "إن أهل الكلام وأتباعهم من أحذق الناس وأفطنهم ولهم من الذكاء والحفظ والفهم ما يحير اللبيب وهم وأتباعهم مقرون أنهم مخالفون للسلف مع هذا، وأيضا فهم عاجزون عن الرد على الفلاسفة إفكهم وباطلهم لكون مذهبهم فاسدا في نفسه ومخالفا للعقول مع مخالفته لدين الإسلام والكتاب والرسول وللسلف كلهم، حتى إن بعض أئمتهم المتكلمين لما ردوا على الفلاسفة في تأويلهم آيات الأمر والنهى مثل قولهم المراد بالصيام كتمان أسرارنا، والمراد بالحج زيارة مشايخنا، والمراد بجبريل
стр. 313
العقل الفعال وغير ذلك من إفكهم، رد عليهم الجواب بأن هذا التفسير خلاف المعروف بالضرورة من دين الإسلام فقال لهم الفلاسفة أنتم جحدتم علو الله على خلقه واستواءه على عرشه مع أنه مذكورفي الكتب على ألسنة الرسل، وقد أجمع عليه المسلمون كلهم وغيرهم من أهل الملل، فكيف يكون تأويلنا تحريفا وتأويلكم صحيحا؟ فلم يقدر أحد من المتكلمين أن يجيب عن هذا الإيراد".
ثم يخاطب الشيخ ابن عبد اللطيف فيقول: "وأنا أدعوك إلى التفكير في هذه المسألة وذلك أن السلف قد كثركلامهم وتصانيفهم في أصول الدين وإبطال كلام المتكلمين وتفكيرهم وممن ذكر هذا من متأخري الشافعية البيهقي والبغوي وإسماعيل التميمي، ومن بعدهم كالحافظ الذهبى، وأما متقدموهم كابن سريج والدارقطني وغيرهما، فكلهم على هذا الأمر، ففتش في كتب هؤلاء فإن أتيتنى بكلمة واحدة أن منهم رجلا واحدا لم ينكر على المتكلمين، فلا تقبل مني شيئا أبدا، ومع هذا كله وظهوره غاية الظهور راج عليكم حتى ادعيتم أن أهل السنة هم المتكلمون والله المستعان" ١.
وفي معرض رد الشيخ على بعض أهل الكلام تفسيرهم الإله أنه القادر على الاختراع، وأن الألوهية هي القدرة، فإذا أقروا بذلك فهو
стр. 314
معنى لا إله إلا الله، ونفيهم الصفات بوهم أن التوحيد لا يتم إلا بنفيها، ومن أثبتها سموه مجسما- يقول الشيخ في سبب هذا الضلال: "وأصل هذا ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ". وذكر الرحمن هو القرآن فلما طلبوا الهداية من غيره أضلهم الله، وقيض لهم الشيطان فصدهم عن أصل الأصول، ومع هذا يحسبون أنهم مهتدون.
وبيان ذلك أنه ليس المراد معرفة الإله الإجمالية يعني معرفة الإنسان أن له خالقا فإنها ضرورية فطرية بل معرفة الإله هل هذا الوصف مختص بالله لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل أو لغيره قسط منه، فأما المسلمون أتباع الأنبياء فإجماعهم على أنه مختص كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . (سورة الأنبياء:٢٥)
والكافرون يزعمون أنه هو الإله الأكبر ولكن معه آلهة أخرى تشفع عنده، والمتكلمون ممن يدعي الإسلام أضلهم الله عن معرفة الإله ...
وذكر الشيخ: " أن العجب العجاب ظنهم أن الألوهية هي القدرة، وأن معنى قولك لا إله إلا الله أي لا يقدر على الخلق إلا الله، إذا فهمت هذا تبين لك عظم قدرة الله على إضلال من شاء مع الذكاء والفطنة، كأنهم لم يفهموا قصة إبليس ولا قصة قوم نوح وعاد وثمود وهلم جرا- كما قال شيخ الإسلام في آخر الحموية أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء
وأوتوا علوما وما أوتوا فهوما، وأوتوا سمعاً وأبصارا وأفئدة، ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ
стр. 315
يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ١.
ولذا لم يشغل الشيخ نفسه بمناهج أهل الكلام وابتعد عن بدعهم المذمومة واعتصم بمنهج السلف الصالح في اعتقاده وعلمه.
وهكذا يرفض الشيخ منهج أهل الكلام المبتدع في التوحيد والاعتقاد - ولا يعني ذلك أن الشيخ لا يعتبر العقل الصريح بل العكس فإن الشيخ ﵀ كما قدمنا يعتبر القياس الصحيح ويثبته، ويرد على منكريه ويرفض منهجهم، فما دام القياس صحيحا فالشيخ يثبته سواء كان قياس طرد، وهو التسوية بين المتماثلات) وقياس عكسي، وهو التفرقة بين المختلفات فالشيخ يثبته مادام صحيحا. والشيخ يستدل بالقاعدة الكلية على المسائل الجزئية٢.
ويعتبر القاعدة التي هي خاصية العقل هي ارتكاب أدنى الشرين لدفع أعلاهما وتفويت أدنى الخيرين لتحصيل أعلاهما من الأمور الشرعية٣.
وقد تقدم إيرادنا قول الشيخ رحمه الله تعالى: " ثم إذا عرف ما بينه الرسول ﷺ نظر في أقوال الناس وما أرادوا بها فعرضت على الكتاب والسنة والعقل الصريح الذي هو موافق للرسول صلى الله
стр. 316
عليه وسلم فإنه الميزان مع الكتاب فهذا سبيل الهدى" ١.
ويقول الشيخ: " وما جئنا بشيء يخالف النقل ولا ينكره العقل " ٢.
ما أشاعه الأعداء عن منهج الشيخ
هذا وقد أشاع أعداء التوحيد عن الشيخ منهجا ليس من منهجه، وافتروا عليه مسلكا لم يسلكه وحيث إِن الشيخ بنفسه قد أجاب عن افتراءات أعدائه عليه وبين أنه لا أساس لها من الصحة كما شخص أسباب هذه الافتراءات فأذكرها هنا مكتفيا بأجوبة الشيخ حيث إِنها تعتبر جانبا من منهجه، ويجدر بنا أن ننبه إلى أن جميع المفتريات والإشاعات التي أثيرت تنبثق من تلك المفتريات التي أجاب عنها الشيخ، مما يجعلنا نعتبر جواب الشيخ صالحا لكل ما قيل عنه من بعده أيضا.
وفيما يلى تلخيص لأجوبة الشيخ عما نسب إليه أنه انتهجه:
فالشيخ يقول: "أشاعوا عنا أنا نسب الصالحين وأنا على غير جادة العلماء، ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب وذكروا عنا أشياء يستحي العاقل من ذكرها"٣. ويقول الشيخ: "إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها منها ما هو من البهتان الظاهر وهي (قوله) إني مبطل كتب المذاهب،
стр. 317
وقوله إني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، (وقوله) إني أدعي الاجتهاد، (وقوله) إني خارج عن التقليد، (وقوله) إني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة، (وقوله) إنى أكفر من توسل بالصالحين، (وقوله) إني أكفر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق، (وقوله) إني أقول لو أقدر على هدم حجرة الرسول ﷺ لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزابا من خشب، (وقوله) إني أنكر زيارة قبر النبي ﷺ وأنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم، وإني أكفِّر من يحلف بغير الله، فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول:
(سبحانك هذا بهتان عظيم) ولكن قبله من بهت محمدا ﷺ أنه يسب عيسى بن مريم، ويسب الصالحين (تشابهت قلوبهم) ، وبهتوه بأنه يزعم أن الملائكة وعيسى وعزيرا في النار، فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ الآية ا- هـ١.
стр. 318
مسألة التكفير عند الشيخ:
وأما مسألة التكفير- فالشيخ يجيب بأنه لا يكفر بالعموم، ولا يكفر جميع الناس ممن لم يتبعه، ولا يزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، ولا يقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء١. ولا يكفر بالظن، فمن أظهر الإسلام وما تيقنا أنه أتى بناقض لا يكفر لأن اليقين لا يرفع
بالظن٢.
ولا يكفر الشيخ بالموالاة يعني أنه لا يقول من تبع دين الله ورسوله وهو ساكن في بلده أنه ما يكفيه حتى يجيء عندنا ويوالينا بل مراده اتباع دين الله ورسوله ﷺ في أيِّ أرض كانت، ولا يقول إن الذي ما يدخل تحت طاعتي فهوكافر، بل يقول: نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك، وأهله فهو المسلم في أيِّ زمان وأيِّ مكان٣.
ولا يكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة٤، ولا يكفر من يحلف بغير الله، ولا يكفر من توسل بالصالحين٥، ولا يكفر ابن الفارض بعينه
стр. 319
ولا ابن عربي بعينه١، ولا يكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق٢.
ولقد بين الشيخ هذا أتم بيان حيث قال: "وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم إِنَّا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وأنا نكفر من لم يكفر ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه- يعني زعمهم أَنه يكفرمن لم يقم عليه الحجة ونحوذلك- يقول الشيخ: فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله. وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل٣ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ٤ (النور: ١٦) .
وأما القتال فيقول الشيخ فيه: "وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا، ولكن
стр. 320
قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وكذلك من جاهر بسب دين الرسول ﷺ بعد ما عرفه١.
وقد أجاب الشيخ لما سأله الشريف عما يقاتلون عليه وعما يكفرون به الرجل؟ بجواب خلاصته: "أن أول الأركان الخمسة للإسلام الشهادتان، وقد أجمع العلماء على كفر تاركها ووجوب قتاله، أما الأربعة الباقية، فإذا أقر الإنسان بها وتركها تهاونا فالشيخ يقول: فنحن وإن قاتلناه على فعلها فلا نكفره بتركها، لأن العلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلا من غير جحود" ٢.
والشيخ يكفرمن كفر بإجماع المسلمين وهو الذي قامت عليه الحجة، ولا يكفر من لم تقم عليه الحجة.
وفي بيان هذه النقطة من عقيدة الشيخ ننقل ما لخصه الشيخ وارتضاه عن ابن تيمية ﵀ فيقول: "لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين الخمركقدامة وأصحابه ظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموا من آية المائدة، اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون، فإن أصروا على الاستحلال كفروا وإن أقروا بالتحريم جلدوا، فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة حتى يبين لهم الحق فإن