عليه وسلم فإنه الميزان مع الكتاب فهذا سبيل الهدى" ١.
ويقول الشيخ: " وما جئنا بشيء يخالف النقل ولا ينكره العقل " ٢.
ما أشاعه الأعداء عن منهج الشيخ
هذا وقد أشاع أعداء التوحيد عن الشيخ منهجا ليس من منهجه، وافتروا عليه مسلكا لم يسلكه وحيث إِن الشيخ بنفسه قد أجاب عن افتراءات أعدائه عليه وبين أنه لا أساس لها من الصحة كما شخص أسباب هذه الافتراءات فأذكرها هنا مكتفيا بأجوبة الشيخ حيث إِنها تعتبر جانبا من منهجه، ويجدر بنا أن ننبه إلى أن جميع المفتريات والإشاعات التي أثيرت تنبثق من تلك المفتريات التي أجاب عنها الشيخ، مما يجعلنا نعتبر جواب الشيخ صالحا لكل ما قيل عنه من بعده أيضا.
وفيما يلى تلخيص لأجوبة الشيخ عما نسب إليه أنه انتهجه:
فالشيخ يقول: "أشاعوا عنا أنا نسب الصالحين وأنا على غير جادة العلماء، ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب وذكروا عنا أشياء يستحي العاقل من ذكرها"٣. ويقول الشيخ: "إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها منها ما هو من البهتان الظاهر وهي (قوله) إني مبطل كتب المذاهب،
стр. 317
وقوله إني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، (وقوله) إني أدعي الاجتهاد، (وقوله) إني خارج عن التقليد، (وقوله) إني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة، (وقوله) إنى أكفر من توسل بالصالحين، (وقوله) إني أكفر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق، (وقوله) إني أقول لو أقدر على هدم حجرة الرسول ﷺ لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزابا من خشب، (وقوله) إني أنكر زيارة قبر النبي ﷺ وأنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم، وإني أكفِّر من يحلف بغير الله، فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول:
(سبحانك هذا بهتان عظيم) ولكن قبله من بهت محمدا ﷺ أنه يسب عيسى بن مريم، ويسب الصالحين (تشابهت قلوبهم) ، وبهتوه بأنه يزعم أن الملائكة وعيسى وعزيرا في النار، فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ الآية ا- هـ١.
стр. 318
مسألة التكفير عند الشيخ:
وأما مسألة التكفير- فالشيخ يجيب بأنه لا يكفر بالعموم، ولا يكفر جميع الناس ممن لم يتبعه، ولا يزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، ولا يقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء١. ولا يكفر بالظن، فمن أظهر الإسلام وما تيقنا أنه أتى بناقض لا يكفر لأن اليقين لا يرفع
بالظن٢.
ولا يكفر الشيخ بالموالاة يعني أنه لا يقول من تبع دين الله ورسوله وهو ساكن في بلده أنه ما يكفيه حتى يجيء عندنا ويوالينا بل مراده اتباع دين الله ورسوله ﷺ في أيِّ أرض كانت، ولا يقول إن الذي ما يدخل تحت طاعتي فهوكافر، بل يقول: نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك، وأهله فهو المسلم في أيِّ زمان وأيِّ مكان٣.
ولا يكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة٤، ولا يكفر من يحلف بغير الله، ولا يكفر من توسل بالصالحين٥، ولا يكفر ابن الفارض بعينه
стр. 319
ولا ابن عربي بعينه١، ولا يكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق٢.
ولقد بين الشيخ هذا أتم بيان حيث قال: "وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم إِنَّا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وأنا نكفر من لم يكفر ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه- يعني زعمهم أَنه يكفرمن لم يقم عليه الحجة ونحوذلك- يقول الشيخ: فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله. وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل٣ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ٤ (النور: ١٦) .
وأما القتال فيقول الشيخ فيه: "وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا، ولكن
стр. 320
قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وكذلك من جاهر بسب دين الرسول ﷺ بعد ما عرفه١.
وقد أجاب الشيخ لما سأله الشريف عما يقاتلون عليه وعما يكفرون به الرجل؟ بجواب خلاصته: "أن أول الأركان الخمسة للإسلام الشهادتان، وقد أجمع العلماء على كفر تاركها ووجوب قتاله، أما الأربعة الباقية، فإذا أقر الإنسان بها وتركها تهاونا فالشيخ يقول: فنحن وإن قاتلناه على فعلها فلا نكفره بتركها، لأن العلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلا من غير جحود" ٢.
والشيخ يكفرمن كفر بإجماع المسلمين وهو الذي قامت عليه الحجة، ولا يكفر من لم تقم عليه الحجة.
وفي بيان هذه النقطة من عقيدة الشيخ ننقل ما لخصه الشيخ وارتضاه عن ابن تيمية ﵀ فيقول: "لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين الخمركقدامة وأصحابه ظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموا من آية المائدة، اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون، فإن أصروا على الاستحلال كفروا وإن أقروا بالتحريم جلدوا، فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة حتى يبين لهم الحق فإن
стр. 321
أصروا كفروا، ولهذا كنت أقول للجهمية الذين نفوا أن يكون الله فوق العرش أنا لو وافقتكم كنت كافرا، وأنتم عندي لا تكفرون، لأنكم جهال، ونحن نعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأحياء ولا الأموات ولا الأنبياء ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بلفظ الاستعاذة ولا غيرهما كما أنه لم يشرع لهم السجود لميت، ولا إلى غير ميت ونحو ذلك بل نعلم أنه نهى عن ذلك كله، وأنه من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ماجاء به الرسول ﷺ ، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل دين الإسلام إلا تفطن له، وقال هذا أصل دين الإسلام، وكان بعض أكابر الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول: هذه أعظم ما بينته لنا١.
وفي موضع آخريقول الشيخ في تلخيصه عن ابن تيمية ﵀: "كل من استفرغ وسعه استحق الثواب، وكذلك الكفار ممن بلغته دعوة النبي ﷺ فآمن به وبما أنزل عليه، واتقى الله ما استطاع، كما فعل النجاشي وغيره، ولم تمكنه الهجرة ولا التزام جميع الشرائع لكونه ممنوعا من الهجرة، ومن إظهار دينه، وليس عنده من يعلمه
стр. 322
الشرائع فهذا مؤمن من أهل الجنة، كما كان مؤمن آل فرعون مع قومه، وكامرأة فرعون، بل وكما كان يوسف مع أهل مصر، فإنهم كفار ولم يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من الإسلام فإنه دعاهم إلى التوحيد والإيمان، فلم يجيبوه- قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ (غافر: ٣٤) .
إلى أن قال الشيخ: وكثيرا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيا بل وإماما وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وعمر بن عبد العزيز عوديَ، وأوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل إنه سم على ذلك، فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة، وإن لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون عليه بل يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها.
إلى أن قال الشيخ بعد أن ذكر أحكام الفوائت من الصلاة وغيرها: إِن الحكم لا يثبت إلا مع التمكن من العلم، وأنه لا يقضي ما لم يعلم وجوبه، وهذا يطابق الأصل الذي عليه السلف وهو أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، فالوجوب مشروط بالقدرة، والعقوبة لا تكون إلا على ترك مأمور وفعل محظور، وبعد قيام الحجة" ١.
وبذلك يتبين أن الشيخ لا يكفر أحداً بعينه إلا إذا قامت عليه الحجة
стр. 323
غير أنه يبين من هم الذين لم تقم عليهم الحجة فيقول: "إن الذي لم تقم عليه الحجة، هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة، أويكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه فان حجة الله هي القرآن فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة".
ويفرق الشيخ بين قيام الحجة وفهمها في جوابه لبعض من أشكل عليهم هل قامت الحجة على من بلغه القرآن أولا؟ فيقول: "ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وبين فهم الحجة، فان أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (الفرقان: ٤٤) ، وقيام الحجة، وبلوغها نوع، وقد قامت عليهم، وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم (هو) ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها.
ويقول الشيخ: إن أشكل عليكم ذلك فانظروا قوله ﷺ في الخوارج: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم" وقوله: "شر قتلى تحت أديم السماء" ١.
стр. 324
قال الشيخ: مع كونهم في عصر الصحابة ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم ومع إجماع الناس أن الذي أخرجهم من الدين هو التشدد والغلو والاجتهاد وهم يظنون أنهم يطيعون الله وقد بلغتهم الحجة ولكن لم يفهموها، وكذلك قتل علي ﵁ الذين يعتقدون فيه وتحريقهم بالنار مع كونهم تلاميذ أصحابه مع عبادتهم وصلاتهم وصيامهم وهم يظنون أنهم على حق، وكذلك إجماع السلف على تكفير غلاة القدرية١، وغيرهم مع شدة عبادتهم وكونهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم لأجل كونهم لم يفهموا فإن هؤلاء كلهم لم
стр. 325
يفهموا١.
ويقصد الشيخ بفهم الحجة أي: عقلها وعلى هذا فالأنواع والأعيان ممن بلغه القرآن والسنة وقامت عليه بهما الحجة فلم يسلم يكفر ببلوغ كلام الله إليه وكلام رسول الله ﷺ وخلوه من الموانع التي يعذربها أما كونه لم يعقل الحجة كعقل أبى بكر وعمر فلا يعذر بذلك.
يقول الشيخ ﵀ تعالي: فإذا كان المعين، يكفر إذا قامت عليه الحجة فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله ﷺ مثل فهم أبي بكر ﵁ بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شيء يعذر به فهوكافر كما كان الكفاركلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ (الأنعام: ٢٥) وقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ (الأنفال: ٢٢) ٢.
وقول الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (الفرقان: ٤٤) ، وقال تعالى حكاية عن أهل جهنم: ﴿لَوْ كُنَّا
стр. 326
نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (تبارك: ١٠) .
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ (الكهف:١٠٣-١٠٤) .
وهكذا كل من بلغه الحكم الشرعي من المسلمين فقد قامت عليه الحجة ببلوغ الحكم الشرعي إليه وإِن لم يعقل حكمته وأسراره ومعناه فهو مسلم عليه أن يلتزم الحكم الشرعي، والمرجع في الأحكام الشرعية هو علم علماء الإسلام المشهود لهم بذلك من قرآن وسنة وإِجماع وقياس.
ومرجع الحكم على أعيان الناس بتركهم الحكم الشرعي كترك أحد المعينين الالتزام بالتوحيد ومع ذلك يكفر من التزم التوحيد ويصد الناس عن التوحيد بعد معرفته أنه دين الله ودين رسوله ﷺ ولا يفرح به ولا يحبه ولا يحب أهله ولا يتبرأ من الشرك وأهله فهذا مرجعه إلى علم الخاص والعام ممن يقبل خبرهم وعلمهم١.
ولما احتج بعض الناس على الشيخ في تكفيره من قامت عليه الحجة الرسالية بفهم فهمه على غير وجهه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية نقل الشيخ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية بعينه وبين أنه لا متعلق لأحد بشيء من كلام هذا الإمام فقال الشيخ ﵀: "وأنا أذكر لفظه الذي احتجوا به على زيفهم". قال رحمه الله تعالى: "أَنا من أعظم الناس نهيا
стр. 327
عن أن ينسب معين إلى تكفير أو تبديع أو تفسيق أو معصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى وعاصيا أخرى- انتهى كلامه- وهذه صفة كلامه في المسألة في كل موضع وقفنا عليه من كلامه لا يذكر عدم تكفير المعين إلا ويصله بما يزيل الإِشكال أن المراد بالتوقف عن تكفيره قبل أن تبلغه الحجة وإذا بلغته حكم عليه بما تقتضيه تلك المسألة من تكفير أوتفسيق أومعصية وصرح ﵁ أيضا أن كلامه أيضا في غير المسائل الظاهرة فقال في الرد على المتكلمين لما ذكرأن بعض أئمتهم توجد منه الردة عن الإسلام كثيرا قال: وهذا إِن كان في المقالات الخفية فقد يقال إنه فيها مخطىء ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفرتاركها لكن هذا يصدرعنهم في أموريعلم الخاصة والعامة من المسلمين أن رسول الله ﷺ بعث بها وكفر من خالفها مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة أحد سواه من الملائكة والنبيين وغيرهم فإنَّ هذا أظهر شعائر الإسلام ومثل إيجاب الصلوات الخمس وتعظيم شأنها ومثل تحريم الفواحش والربى والخمر والميسر ثم تجد كثيرا من رؤوسهم وقعوا فيها فكانوا مرتدين وأبلغ من ذلك أن منهم من صنف في دين المشركين كما فعل أبو عبد الله الرازي (يعني الفخر الرازي) ١ قال وهذه ردة صريحة باتفاق المسلمين- انتهى كلامه. يعني ابن تيمية، ثم علق الشيخ على كلامه بقوله:
стр. 328
فتأمل هذا وتأمل ما فيه من تفصيل الشبهة التي يذكرها أعداء الله لكن من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا.
ومن أراد مزيد بيان وإيضاح في منهج الشيخ في التكفير فنحيله على كتاب " مصباح الظلام " في الرد على من كذب على الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام، تأليف الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، أمر بطبعه الأمير سعود بن عبد العزيز آنذاك، الملك فيما بعد، وصححه وعلق عليه محمد حامد الفقي- رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية.
قال الشيخ عبد اللطيف في أوله: وقد رأيت لبعض المعاصرين كتابا يعارض به ما قرر شيخنا من أصول الملة والدين، ويجادل بمنع تضليل عباد الأولياء والصالحين، ويناضل عن غلاة الرافضة والمشركين، الذين أنزلوا العباد بمنزلة الله رب العالمين وأكثر التشبيه بأنهم من الأمة، وأنهم يقولون لا إله إلا الله، وأنهم يصلون ويصومون، ونسي في ذلك عهود الحمى، وما قرره كافة الراسخين من العلماء، وأجمع عليه الموافق والمخالف من
стр. 329
الجمهور والدهماء، ونص عليه الأكابر والخواص من اشتراط العلم والعمل في الإتيان بكلمة الإخلاص، والحكم بموجب الردة على فاعل ذلك من سائر العبيد والأشخاص، وسمى كتابه "جلاء الغمة عن تكفير هذه الأمة"١ ومراده بالأمة هنا من عبد آل البيت وغلا فيهم وعبد الصالحين ودعاهم واستغاث بهم، وجعلهم وسائط بينه وبين الله يدعوهم ويتوكل عليهم- هذا مراده- ولكنه أوقع عليهم لفظ الأمة ترويجا على الأغمار والجهال. ولبسا للحق بالباطل، وهويعلم ذلك وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من المفترين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَبذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فلكل مفتر نصيب منها بحسب جرمه وعلى قدر ذنبه. وقد رأيت على هذا الرجل من الذلة والمهانة مدة حياته ما هو ظاهر بين يعرفه من عرفه.
وقد بين الشيخ عبد اللطيف هذه المسألة في منهج الشيخ بيانا
стр. 330
واسعا، ورد على من افترى عليه في هذه النقطة ردا كافيا واستغرق رده ثلثمائة وتسعاً وخمسين صفحة من القطع الوسط.
وقد تناول هذه النقطة الشيخ حسين بن غنام في تاريخه، وقال: إن الشيخ كان ملتزما بالمنهج السوي ولم يتسرع لسانه بتكفير أناس أشربت قلوبهم بالمعاصي وبما كانوا عليه من القبائح الشركية حتى نهضوا عليه وعلى جماعته وصاحوا بتكفير من يدعو إلى دين الله ورسوله، وقالوا إِن كان الذي نفعل من الدعوات والاعتقادات بأهل القبور من تلك الأزمان شرك وكفر فنحن كفار، وخافوا أن يظهر أمره فإذا ظهرخافوا أن يحكم عليهم بما تسرعوا هم به عليه فأشاعوا أن ابن عبد الوهاب يجعلكم كفارا ويكفركل الناس بقصد التنفير والتحذير١.
والحقيقة:- أن منهج الشيخ يتركزعلى أربع نقاط اشتهر بها:
١- بيان التوحيد، والدعوة إليه على حين غربته، في أناس وزمان لم يكن قد طرق آذان أكثرهم هذا البيان، وأظهر لهم الشيطان أن الإخلاص وإفراد الله بالعبادة تنقص للصالحين وتقصير في حقوقهم فصدق عليهم إبليس ظنه، فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين٢.
٢- بيان الشرك والبراءة منه والتحذير عنه ولو كان في كلام وعمل
стр. 331
من ينتسب إلى العلم أو العبادة من دعوة غير الله أو قصده بشيء من العبادة ولو زعم الزاعمون أنهم يريدون بذلك القصد شفاعة هؤلاء المدعوين أو المقصودين بشيء من العبادة عند الله في زمان وأناس يظن أكثرهم أن هذا أفضل القربات وأجل الطاعات لأن الشيطان أظهرلهم هذا الشرك في صورة محبة الصالحين واتباعهم فأشربت قلوبهم هذا الشرك والعياذ بالله١.
٣- تكفير من بان له التوحيد وأنه دين الله ورسوله ﷺ ثم أبغضه ونفرالناس عنه وجاهد في صد الناس عن الدخول فيه. وكذا من عرف الشرك وأن رسول الله ﷺ بعث بانكاره وأقر بذلك ثم مدحه وحسنه للناس وزعم أن أهله لا يخطئون لأنهم السواد الأعظم.
٤- الأمر بقتال هؤلاء المشركين خاصة حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٩٣) .
وفي الأنفال قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢ (الأنفال: ٣٩) .
стр. 332
وهذا بعد إقامة الحجة عليهم من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع السلف الصالح من الأئمة كما قدمنا.
قال الشيخ: "فلما اشتهر عني هؤلاء الأربع صدقني من يدعي أنه من العلماء في جميع البلدان في التوحيد وفي نفي الشرك، وردوا علي التكفير والقتال" ١. ويقولون: التوحيد زين والدين حق، إلا التكفير والقتال. والشيخ يقول: "اعملوا بالتوحيد ودين الرسول ﷺ ، ويرتفع حكم التكفير والقتال" ٢.
ومع أن الشيخ يجل الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن رجب والذهبي وابن كثير وغيرهم من أئمة السلف ﵃، فليس الشيخ ﵀ إمعة يقلد شيخ الإسلام أوغيره تقليدا أعمى ويتعصب له ولكن يلتزم طريق رسول الله ﷺ ويعتقد أن رسول الله ﷺ لا يقول إلا الحق، وكل قوله يعمل به ولا يطرح منه شيء وأما ما عداه فيؤخذ من قوله ويترك حتى شيخ الإسلام ابن تيمية يترك قوله إذا غلط فيه. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ذلك: على أن الذي نعتقده وندين الله به ونرجوا أن يثبتنا عليه أَنه لو غلط هو أو أجل منه في هذه المسألة وهي مسألة المسلم إذا أشرك بالله بعد بلوغ الحجة أو
стр. 333
المسلم الذي يفضل هذا على الموحدين أو يزعم أنه على حق أو غير ذلك من الكفر الصريح الظاهر الذي بينه الله ورسوله وبينه علماء الأمة أنا نؤمن بما جاءنا عن الله وعن رسوله من تكفيره ولو غلط من غلط فكيف والحمد لله ونحن لا نعلم عن واحد من العلماء خلافا في هذه المسألة. وإنما يلجأ من شاق فيها إلى حجة فرعون ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ أوحجة قريش ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ ١.
وننقل عن الشيخ حسين بن مهدي النعمي الصنعاني شهادة بذلك فقال ﵀: "قالوا: إنَّ قائل تلك المقالة- وهي اتجاه وجوب تخريب المشاهد- قلد ابن تيمية في ذلك. ومن تدبر أصول القوم: وجدهم دلوا على أنهم من جملة العامة. ولا أدري من أين جاء لهم ذلك؟. نعم هو نتيجة من نتائج الحكم بتعذر الاجتهاد.
ومن حق الباحث: أن يدلي بما يوافق خصمه على صحته، أو بحجة قاهرة، تؤذن أن دفعها مكابرة، وأن التمسك بمعارضها قصور، أو ضلال.
وكون من ذكروه قلد ابن تيمية: بطلانه معلوم غير موهوم، لما أنه ينهى عن التقليد وينادي بمنعه٢. ولأن عامة مباحثه مبنية على تحرير المقام بمبلغ نظره، وإن كان لا سبيل إلى رفع الخطأ جملة في كل بحث.
стр. 334
وذلك منه من دون تقليد لابن تيمية ولا غيره، ولا احتجاج بقول أحد قط، أو التدين به من دون استبانته منه حسبما علم. وليس معصوما كغيره أيضا. ولأنه في خصوص هذه المسألة أبرزحجته، وحرر من البرهان ما استطاع.
فأيُّ معنى لقولكم أنه قلد ابن تيمية؟ والحال أنكم لم تأتوا عن أنفسكم ولا فيما نقلتم شيء يقابل بعض ما أقامه في هذه المسألة من أدلة الكتاب والسنة، التى لا يردها إلا مشاق لله ولرسوله؟ ولأنه قد ناقض ابن تيمية في كثير من المسائل ذهب إليها، لظهور ضعف كلامه عنده. فلو كان واقفا على تقليده- كما وقفتم على رسوم شرح المنهاج١ وغيره- لما فعل. فما باله يسوغ لنفسه تقليد ابن تيمية في هذه المسألة دون غيرها؟ فلقد حكيتم عجبا. وقد قرأنا عليه وعرفنا مذهبه وأنتم لا تعرفونه، إنما يبلغكم عنه ما يبلغ، فتأخذون في مضادته بلا بصيرة، ولا وازع لكم عن الرجم بالظنون والأوهام، ولا علم يهدي إلى تمييز الصحيح من ذي السقام.
فالعتب عليكم: أترضون أن يكون من خطاب ما لا يفهم؟
وكفى دليلا على تنكبكم الصواب: ذكركم الأقوال من فروع المذهب في مقابلة مناهي صريحة صحيحة مشهورة في الصحاح وغيرها، ثم تعرضكم لشيخ من شيوخ الإسلام، وإمام من جلة الأئمة الأعلام-
стр. 335
وهو ابن تيمية- بأنه ضال مضل، وما كان- رحمه الله تعالى- أهلا لهذا. والرجل أمره شهير، وأقواله ومذاهبه يتناقلها الجم الغفير. وما مثله يحتاج إلى كشف عن رفيع محله، وقد تعرض له ولتلميذه الإمام محمد بن أبي بكر ابن أيوب الزرعي- وهو ابن قيم الجوزيه- رحمه الله تعالى بعض القائلين. وهما إمامان جليلان لاحقان بأماثل السلف. كالشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، ومؤلفاتهما وتراجمهما ونقل أهل العلم لأقوالهما ومذاهبهما ونفائس تحقيقهما: كافية شافية مقنعة لمن عدل وأنصف١.
والشيخ يرفض الاختلاف والتنازع في أمور ترجع كلها إلى الصواب، وما يحصل النزاع فيها والاختلاف إلا لقلة العلم والجهل بتفاصيل المسائل وقواعد الأحكام الشرعية وهو الذي يسمى اختلاف التنوع.
وأورد الشيخ بعض القواعد لذلك مثل: إذا سن النبي ﷺ أمرين وأراد أحد أن يأخذ بأحدهما ويترك الآخر أنه لا ينكر عليه كالقراءات الثابتة، ومثل الذين اختلفوا في آية فقال أحدهما أَلم يقل الله كذا؟ وقال الآخر: ألم يقل الله كذا؟ وأنكر النبي ﷺ عليهم، وقال كل منكما محسن، فأنكر الاختلاف وصوب الجميع في الآية٢.
стр. 336
ويبين الشيخ أن هذا المنهج الذي سارعليه ليس من عنده، أومن كتاب وجده ليس عليه عمل، أوعن أهل مذهبه، ولكنه أمر الله تعالى ورسوله ﷺ وإِجماع العلماء في كل مذهب من المذاهب الأربعة.
ومن يؤمن بالله واليوم الآخر لا ينبغي له أن يعرض عن هذا لأجل أهل زمانه، أوأهل بلده، أو لأجل أن أكثر الناس في زمانه أعرضوا عنه١.
ويقول الشيخ في رسالته إلى الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف: "وأما ما ذكر لكم عني فإني لم آته بجهالة بل أقول ولله الحمد والمنة وبه القوة إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين، ولست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له وأدعو إلى سنة رسول الله ﷺ التي أوصى بها أول أمته وآخرهم وأرجو أني لا أَردُّ في الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إِن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلها على الرأس والعين ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي حاشا رسول الله ﷺ فإنه لا يقول إلا الحق وصفة الأمر غير خاف عليكم ما درج عليه رسول
стр. 337
الله ﷺ وأصحابه والتابعون وأتباعهم والأئمة كالشافعي وأحمد وأمثالهما ممن أجمع أهل الحق على هدايتهم وكذلك ما درج عليه من سبقت له من الله الحسني من أتباعهم، وغير خاف عليكم ما أحدث الناس في دينهم من الحوادث وما خالفوا فيه طريق سلفهم، ووجدت المتأخرين أكثرهم قد غير وبدل، وسادتهم وأئمتهم وأعلمهم وأعبدهم وأزهدهم مثل ابن القيم والحافظ الذهبي والحافظ العماد ابن كثير والحافظ ابن رجب قد اشتد نكيرهم على أهل عصرهم".
ثم يستطرد الشيخ ﵀ قائلا: "فإذا استدل عليهم أهل زمانهم بكثرتهم وإطباق الناس على طريقتهم قالوا هذا من أكبر الأدلة على أَنه باطل لأن رسول الله ﷺ قد أخبر أن أمته تسلك مسالك اليهود والنصارى حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، وقد ذكر الله في كتابه أنهم فرقوا دينهم وكانوا شيعا وأنهم كتبوا الكتاب بأيديهم وقالوا هذا من عند الله وأنهم تركوا كتاب الله والعمل به وأقبلوا على ما أحدثه أسلافهم من الكتب وأخبر أنه وصاهم بالاجتماع، وأنهم لم يختلفوا لخفاء الدين بل اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (المؤمنون: ٥٣) ، والزبر الكتب، فإذا فهم المؤمن قول الصادق المصدوق: "لتتبعن سنن من كان قبلكم " وجعله قبلة قلبه تبين له أن هذه الآيات وأشباهها ليست على ما ظن الجاهلون أنها كانت في قوم كانوا فبانوا، بل يفهم ما
стр. 338
ورد عن عمر ﵁ أنه قال في هذه الآيات مضى القوم وما يعني به غيركم، وقد فرض الله على عباده في كل صلاة أن يسألوه الهداية إلى صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم الذين هم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين. فمن عرف دين الإسلام وما وقع الناس فيه من التغيير له عرف مقدار هذا الدعاء وحكمة الله فيه١. وفي مخاطبته لابن عبد اللطيف يقول: "وإِن أردت النظر في أعلام الموقعين، فعليك بمناظرة في أثنائه عقدها بين مقلد وصاحب حجة، وإن ألقى في ذهنك أنَّ ابن القيم مبتدع وأن الآيات التي إستدل بها ليس هذا معناها فاضرع إلى الله واسأله أن يهديك لما اختلفوا فيه من الحق وتجرد إلى الله ناظرا أو مناظرا، واطلب كلام أهل العلم في زمانه مثل الحافظ الذهبي وابن كثير وابن رجب وغيرهم ومما ينسب للذهبي ﵀:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس خلف فيه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه
فإن لم تتبع هؤلاء فانظركلام الأئمة قبلهم كالحافظ البيهقى في كتاب المدخل، والحافظ ابن عبد البر والخطابي وأمثالهم. ومن قبلهم كالشافعي وابن جرير وابن قتيبة وأبي عبيد فهؤلاء إليهم المرجع في كلام الله وكلام رسوله وكلام السلف ... وتأمل ما في كتاب (الاعتصام)
стр. 339
للبخاري وما قال أهل العلم في شرحه، وهل يتصور شيء أصرح مما صح عنه ﷺ أن أمته ستفترق على أكثرمن سبعين فرقة أخبر أنهم كلهم في النار إلا واحدة، ثم وصف تلك الواحدة أنها التى على ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه١.
ويقول الشيخ لمن خالفه: الكتب عندكم انظروا فيها ولا تأخذوا من كلامي شيئا لكن إذا عرفتم كلام رسول الله ﷺ ، الذي في كتبكم فاتبعوه ولو خالفه أكثر الناس.
ويذكر أيضا أنَّ هذا الذي أنكروا عليه وأبغضوه وعادوه من أجله إذا سألوا عنه كل عالم في الشام واليمن أوغيرهم يقول: هذا هو الحق وهو دين الله ورسوله، ولكن ما أقدر أن أظهره في مكاني لأجل أن الدولة ما يرضون، وابن عبد الوهاب أظهره لأن الحاكم في بلده ما أنكره بل لما عرف الحق اتبعه، هذا كلام العلماء٢. وحاصل ما يقرره الشيخ أمران:
فالأمر الأول: هو قوله: لا تطيعوني ولا تطيعوا إلا أمر رسول الله ﷺ الذي في كتبكم.
والأمر الثاني: أن كل عاقل مقر به لكن ما يقدر أن يظهره.
ويقول الشيخ: "فنحن ولله الحمد متبعون غير مبتدعين " ٣ مقلدون
стр. 340
للكتاب والسنة وصالح سلف الأمة. على مذهب أهل السنة والجماعة، الذي هو على أمر الله ورسوله ﷺ .
وعليه الرسول ﷺ وصحابته والتابعون وأتباعهم، وإجماع علماء المسلمين وأئمة الدين ممن أجمع أهل الحق على هدايتهم ودرايتهم مثل الأئمة المقتدى بهم من أهل الحديث والفقه كالأئمة الأربعة، أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد ابن حنبل رحمهم الله تعالى ورضي عنهم أجمعين، وكذلك ما درج عليه الأعلام من أتباع هؤلاء الأئمة فنحن على ذلك وإن خالفنا غالب الناس في ما أحدثوا في دينهم من الحوادث لأننا على ما كان عليه أهل السنة والجماعة الذين هم الفرقة الناجية وهم سلف الأمه وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وإن صرنا غرباء، فطوبى للغرباء١.
ويخص الإمام أحمد بن حنبل بالذكر لأنه إمام أهل السنة فهو يعتقد
стр. 341
اعتقاده جملة وتفصيلا ويحمد الله على ذلك.
وكان كثيرا ما يتمثل بثلاثة أبيات هي:
بأي لسان أشكر الله إنه ... لذو نعمة قد أعجزت كل شاكر
حباني بالإسلام فضلا ونعمة ... عليَّ وبالقرآن نور البصائر
وبالنعمة العظمى اعتقاد ابن حنبل ... عليها اعتقادي يوم كشف السرائر١
ويقول الشيخ عبد الله بن الشيخ في رسالته التي كتبها لما دخلوا مكة سنة ١٢١٨هـ "مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة وطريقتنا طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم بل والأعلم والأحكم خلافا لمن قال طريق الخلف أعلم" ٢.
وأما في الفروع فهو أيضا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل يقول الشيخ: "أما مذهبنا فمذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة، ولا ننكر على أهل المذاهب الأربعة إذا لم يخالف نص الكتاب والسنة وإجماع الأمة وقول جمهورها" ٣
ويقول الشيخ عبد الله بن الشيخ في رسالته التي كتبها لما دخلوا مكة سنة ١٢١٨هـ منتصرين: ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد
стр. 342
لدينا يدعيها إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه وقال به أحد الأئمة الأربعة أخذنا به وتركنا المذهب كإرث الجد والإخوة فإِنا نقدم الجد بالإرث وإن خالف مذهب الحنابلة١.
والشيخ يرى أن إطلاق القول: بأنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد غير مسلم به ولكن يلزم قيده ببعض مسائل الخلاف التي لم يتبين فيها الصواب، أما بعضها الآخر الذي تبين فيه الصواب فلا يسوغ مخالفتها بل ينكر على المخالف كائنا من كان٢.
ويستنبط الشيخ من تعاليم الرسول ﷺ لأمير الجيش أو السرية الذي أمره إذا حاصر أهل حصن فأرادوه أن يترك لهم على حكم الله فلا يترك لهم، ولكن يترك لهم على حكمه فإنه لا يدري أيصيب فيهم حكم الله أم لا؟. رواه مسلم.
قال الشيخ فيه كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري: أيوافق حكم الله أم لا؟ ٣.
ويقول الشيخ عبد الله بن الشيخ: "ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض فلا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد وقد سبق جمع من
стр. 343
أئمة المذاهب الأربعة إلى اختيارات لهم في بعض المسائل مخالفين للمذاهب الملتزمين تقليد صاحبه١. وأما كتب المتأخرين ﵏ فإِن الشيخ يذكر أنها عنده وعند أصحابه ويعملون بما وافق النص منها وما لا يوافق النص لا يعملون به٢.
وأما المذاهب الأخرى فإن الشيخ عبد الله بن الشيخ يقول أيضا: "إن مذاهب غير الأربعة ليست منضبطة كالرافضة والزيدية والإمامية ونحوهم ولا نقرهم ظاهرا على شيء من مذاهبهم الفاسدة" ٣.
وهكذا فإِن الشيخ لا يتعصب للمذاهب من غير حجة ولا يقلد أحدا من غير دليل ولكنه ينشد الحق ويدور معه حيث دار ويتبع من اتبع الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع الأمة وقول جمهورها ولا يعارض أمر الله ورسوله بالرأي٤، وينصف خصمه فيقول "وأنا أشهد الله وملائكته وأشهدكم (يعني علماء البلد الحرام) على دين الله ورسوله أني متبع لأهل العلم وما غاب عني من الحق وأخطأت فيه فبينوا لي، وأنا أشهد الله أني أقبل على الرأس والعين والرجوع إلى الحق
стр. 344
خير من التمادي في الباطل" ١.
ويقول في رسالته إلى عبد الوهاب بن عبد الله بن عيسى: "فأنا ولله الحمد لم آت الذي أتيت بجهالة، وأشهد الله وملائكته أنه أتاني منه (يعني والده عبد الله بن عيسى) أو ممن دونه في هذا الأمر كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين وأترك كل قول إمام اقتديت به حاشا رسول الله ﷺ فإنه لا يفارق الحق ٢، ولا ينجي إلا اتباعه ﷺ " ٣.
ويرد الشيخ على من يرى أن من سلك هذا المسلك فقد نسب نفسه إلى الاجتهاد وترك الاقتداء بأهل العلم بأن هذا المسلك هو في الحقيقة الاقتداء بأهل العلم، فإِنهم قد وصوا الناس بذلك، ومن أشهرهم كلاماً في ذلك الإمام الشافعي وإذا خالف الشيخ من أجل الدليل عالما من
стр. 345
علماء الشافعية أوغيرهم فإنه لم يخالفه وحده من غير إمام سابق قد خالفه من أجل الدليل بل قد اتبع من هو مثل ذلك العالم الذي قد خالف واتبع الدليل والنص من الوحي ويقول الشيخ: "لم أستدل بالقرآن والحديث وحدي حتى يتوجه على ما قيل (من أني نسبت نفسي إلى الاجتهاد) ولا خلاف في أن أهل العلم إذا أجمعوا: وجب اتباعهم، ولكن الشأن إذا اختلفوا هل يجب قبول الحق ممن جاء به ورد المسألة إلى الله والرسول ﷺ مقتدين بأهل العلم؟ أو ننتحل قول بعضهم من غير حجة ونزعم أن الصواب في قوله؟
فالشيخ ﵀ على المذهب الأول يدعو إليه ويناظر عليه، وهو الحق كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ١ (النساء: ٥٩) .
ويقول في رسالته إلى عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الشافعي مذهبا من علماء الأحساء: إنيّ إذا خالفت قول عالم فقد خالفت قوله لقول من هو أعلم منه أو مثله إذا كان معه الدليل ولم آت بشيء من عند نفسي فإِن سمعتم أني أفتيت بشيء خرجت فيه من إجماع أهل العلم توجه
стр. 346
عليّ القول١.
وفي جواب من الشيخ حسين والشيخ عبد الله ابني الشيخ لما سئلا عن عقيدة الشيخ في العمل في العبادة قالا: (عقيدة الشيخ رحمه الله تعالى التي يدين الله بها. هي عقيدتنا وديننا الذي ندين الله به وهو عقيدة سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإِحسان وهو اتباع ما دل عليه الدليل من كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ وعرض أقوال العلماء على ذلك، فما وافق كتاب الله وسنة رسوله قبلناه وأفتينا به، وما خالف ذلك رددناه على قائله وهذا هو الأصل الذي أوصانا الله به في كتابه حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية- أجمع المفسرون على أن الرد إلى الله هوالرد إلى كتابه، وأن الرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته والأدلة على هذا الأصل كثيرة في الكتاب والسنة ليس هذا موضع بسطها، وإذا تفقه الرجل في مذهب من المذاهب الأربعة ثم رأى حديثا يخالف مذهبه فاتبع الدليل وترك مذهبه كان هذا مستحبا بل واجب عليه إذا تبين له الدليل ولا يكون مخالفا لإمامه الذي اتبعه فإن الأئمة كلهم متفقون على هذا
стр. 347
الأصل أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ﵃ أجمعين.
قال الإمام مالك ﵀ كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ .
وقال الشافعي ﵀ لأصحابه إذا صح الحديث عندكم فاضربوا بقولي الحائط وفي لفظ إذا صح الحديث فهو مذهبي.
وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ عجبت لقوم عرفوا الإِسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أتدري ما الفتنة- الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، وقال لبعض أصحابه لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي وتعلموا كما تعلمنا، وكلام الأئمة في هذا كثير جدا مبسوط في غير هذا الموضع. وأما إذا لم يكن عند الرجل دليل في المسألة يخالف القول الذي نص عليه العلماء أصحاب المذاهب فنرجو أنه يجوز العمل به لأن رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا، وإنما أخذوا الأدلة من أقوال الصحابة فمن بعدهم ولكن لا ينبغي الجزم أن هذا شرع الله ورسوله ﷺ حتى يتبين الدليل الذي لا معارض له في المسألة، وهذا عمل سلف الأمة وأئمتها قديماً وحديثاً والذي ننكر هو التعصب للمذهب وترك اتباع الدليل، إذا تبين فهذا الذي أنكرناه وأنكره العلماء في القديم والحديث١.
стр. 348
ويرى الشيخ أنه ينبغي، للمؤمن أن يجعل همه ومقصده معرفة أمرالله ورسوله ﷺ في مسائل الخلاف، والعمل بذلك، ويحترم أهل العلم ويوقرهم ولو أخطأوا، لكن لا يتخذهم أربابا من دون الله- هذا طريق المنعم عليهم. أما اطراح كلامهم وعدم توقيرهم فهو طريق المغضوب عليهم. وأما اتخاذهم أربابا من دون الله، إذا قيل قال الله قال رسوله قيل هم أعلم منا- فهذا هو طريق الضالين١.
ويقول: "بالجملة فمتى رأيت الاختلاف فرده إلى الله والرسول، فإذا تبين لك الحق فاتبعه، فإن لم يتبين واحتجت إلى العمل، فقلد من تثق بعلمه ودينه" ٢.
وقد بين الشيخ رحمه الله تعالى في بعض رسائله التقليد الممنوع والمأذون فيه والمباح فقال: وأما القول في التقليد واتباع الدليل فإن الله سبحانه فرض علينا فرضين:
الأول: اتباع رسول الله ﷺ وترك ما خالفه في كل شيء وأن الإنسان لا يؤمن حتى يحكمه فيما شجر بينه وبين غيره.
стр. 349
والفرض الثاني: أن الله فرض علينا في كل مسألة تنازعنا فيها أن نردها إلى الله والرسول كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وخاطب بها جميع المؤمنين المجتهد وغيره، ولكن نقول الواجب عليك تقوى الله ما استطعت وذلك أن تطلب علم ما أنزل الله على رسوله من الكتاب والحكمة على قدر فهمك فما عرفت من ذلك فاعمل به وما لم تعرفه واحتجت فيه إلى تقليد أهل العلم قلدتهم، وما أجمعوا عليه فهو الحق، وما تنازعوا فيه ردّ إلى الله والرسول؟ وأما أخذ الإنسان ما اشتهت نفسه ووجد عليه آباءه وترك ما خالفه من كلام أهل العلم وغفلته عن كلام الله ورسوله، واستهزاؤه. بمن طلب ذلك، فهذا هوالضلال الذي أنكرنا والأدلة على هذا من كلام أهل العلم أكثرمن أن تحصرثم أخذ يسوق كلام ابن رجب في الطبقات في ترجمته ابن هبيرة وقوله: إذا ذكرت لأجدهم الدليل قال ليس هذا مذهبنا. وما قاله الشيخ تقي الدين ابن تيمية في جواب سؤال وجه إِليه عن المقلد لبعض الأئمة إذا رأى حديثا يخالف إمامه١.
وأجاب الشيخ عن اتباع بعض الناصر للمذهب أنه اتباع لبعض المتأخرين لا للأئمة ومثل بالحنابلة مع أنهم من أقل الناس بدعة قال: فأكثر الإِقناع والمنتهى مخالف لمذهب أحمد ونصه فضلا عن سنة رسول الله ﷺ
стр. 350
ونصها١.
ومع ذلك فالشيخ وأبناؤه وحملة الدعوة لا يفتشون على أحد في مذهبه، ولا يعترضون عليه إلا إذا خالف نصا جليا، وفي مسألة يحصل بها شعار ظاهر من شعائر الإسلام فإِنهم يأمرونه بالتزام النص.
يقول الشيخ عبد الله بن الشيخ: "ولا نفتش على أحد في مذهبه ولا نعترض عليه إلا إذا اطلعنا على نص جلي مخالف لمذهب أحد الأئمة وكانت المسألة مما يحصل بها شعار ظاهر كامام الصلاة فنأمر الحنفي والمالكي بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال والجلوس بين السجدتين لوضوح دليل ذلك، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة فلا نأمره بالاسرار، وشتان بين المسألتين، فإذا قوى الدليل أرشدناهم بالنص، وإن خالف المذهب، وذلك يكون نادرا جدا٢.
والشيخ يرى أن الموافقة أفضل ولوكان على المفضول من المذاهب، مثل: إذا أمّ رجل قوما، وهم يرون القنوت أويرون الجهر بالبسملة، وهو يرى غير ذلك والأفضل ما رأى، فموافقتهم أحسن، ويصير المفضول هو الفاضل٣.
والشيخ وأتباعه إذا فسروا شيئا من القرآن، إنما يفسرونه بكلام
стр. 351
رسول الله ﷺ ، وكلام أصحابه ليس لهم إلا النقل١.
والشيخ وأصحابه وأتباعه يعتنون بكتب أهل العلم، ويحرصون على كتب أهل الحديث ويحترمون علوم الأمة الإسلامية، ولا يأمرون بإتلاف شيء منها أصلا إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك، أويحصل بسببه خلل في العقيدة الإسلامية، على أنهم لا يفحصون عن مثل ذلك، إلا إن تظاهر به صاحبه معاندا. أتلف عليه وما حصل مما اتفق لبعض البدو في إتلاف بعض كتب أهل الطائف إنما صدر منه لجهله، وقد زجر هو وأمثاله عن مثل ذلك٢.
والشيخ وأتباعه يستعينون على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة المعتبرة، ومن أجلها لديهم، تفسير ابن جرير الطبري، وتفسير ابن كثير الشافعي، وكذا البغوي، وغيرهم، وعلى فهم الحديث بشروح الأئمة المبرزين، كالعسقلاني والقسطلاني، على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير، ويحرصون على كتب الحديث خصوصا الأمهات الست، وشروحها ويعتنون بسائر الكتب في سائر الفنون أصولا وفروعا، وقواعد وسيرا ونحوا وصرفا وجميع علوم الأمة٣.
стр. 352
والشيخ نفسه يحذرمن تفاسير المحرفين للكلم عن مواضعه فانها القاطعة عن الله وعن دينه١.
وبالجملة فلا ينكر الشيخ وأتباعه إلا ما خالف أمر الله ورسوله ﷺ ، وطريقة الصحابة وأتباعهم٢. ويرون أن الإجماع حجة لأدلة القرآن الكريم والسنة المطهرة٣، لكن ينكر الشيخ على من يفسر الجماعة والسواد الأعظم، الذين لا يجوز مخالفتهم والشذوذ عنهم، بأنهم الكثرة على الباطل، كما يحدث في أزمان غربة الإسلام وفتراته، وكالذي حصل في زمان الشيخ، ويبين أن معنى الأحاديث التى فيها إجماع الأمة والسواد الأعظم، والتحذير من الشذوذ عنهم إنما هو بإِجماع أهل العلم كلهم: "الجماعة الذين كانوا على الحق في القرون الفاضلة، قبل أن يحدث الفساد فأولئك هم الجماعة فمن كان على مثل ما كانوا عليه فهو مع الجماعة وإن كان وحده، لأن الله أوضح بطلان الاحتجاج بالكثرة على القلة من أهل الحق في غير موضع من القرآن من ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الآية: ١١٦) . وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ
стр. 353
الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ١ (ص:٢٤) .
ولأن رسول الله ﷺ أخبر أن الإسلام سيعود غريبا فكيف يأمرنا باتباع غالب الناس؟ وكذلك الأحاديث الكثيرة منها قوله ﷺ : "ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النارإلا واحدة" فهل بعد هذا البيان بيان؟ وينقل الشيخ من كلام أهل العلم ما يوضح به هذا المنهج السلفي السليم فيقول: قال ابن القيم ﵀ في (إِعلام الموقعين) : واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق، وإن كان وحده وإن خالفه أهل الأرض.
وقال عمرو بن ميمون سمعت ابن مسعود قال: "عليكم بالجماعة فإِن يد الله مع الجماعة" وسمعته يقول: "سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن وقتها فصل الصلاة وحدك" وهي الفريضة ثم صل معهم فإِنها لك نافلة". قلت: يا أصحاب محمد، ما أدري ما تحدثون قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة ثم تقول صل الصلاة وحدك. قال!: ياعمرو ابن ميمون، لقد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية، أتدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة! والجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك.
وقال نعيم بن حماد: إذا فسدت الجماعة فعليك بما كان عليه الجماعة قبل أن تفسد الجماعة، وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة
стр. 354
حينئذ، وقال بعض الأئمة وقد ذكر له السواد الأعظم أتدري ما السواد الأعظم هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه فمسخ المختلفون الذين جعلوا السواد الأعظم والحجة والجماعة: هم الجمهور، فجعلوهم عيارا على السنة، وجعلوا السنة بدعة، وجعلوا المعروف منكرا، لقلة أهله، وتفردهم في الأعصار والأمصار، وقالوا: "من شذ شذ في النار" وما عرف المختلفون أَن الشاذ: ما خالف الحق وإِن كان عليه الناس كلهم إلا واحداً، فهم الشاذون، وقد شذ الناس كلهم في زمن أحمد بن حنبل، إلا نفراً يسيراً فكانوا هم الجماعة، وكانت القضاة يومئذ والمفتون والخليفة وأتباعهم كلهم هم الشاذون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة، ولما لم يتحمل ذلك عقول الناس، قالوا للخليفة: يا أمير المؤمنين أتكون أنت وقضاتك وولاتك والفقهاء والمفتون على الباطل، وأحمد وحده على الحق، فلم يتسع علمه لذلك، فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل، فلا إله إلا الله، ما أشبه الليلة بالبارحة- انتهى كلام ابن القيم١.
قال الشيخ: "هذا كلام الصحابة في تفسير السواد الأعظم، وكلام التابعين، وكلام السلف، وكلام المتأخرين حتى ابن مسعود ذكر في زمانه أن أكثر الناس فارقوا الجماعة، وأبلغ من هذا الأحاديث المذكورة عن
стр. 355
رسول الله ﷺ من غربة الإسلام وتفرق هذه الأمة أكثرمن سبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فأي شيء يرد على رسول الله ﷺ ، والعلماء بسنته" ١.
وهكذا يرسم الشيخ ﵀ منهجه في أصول الدين، والذي هو منهج السلف الصالح الموافق للمعقولِ والمنقول، وللإسلام والسنة والكتاب والرسول ﷺ . ويبين منهج المخالفين ويرفضه ويحذر عنه لأنه بدعة وضلالة وفاسد في نفسه ومخالف للمعقول ولدين الإسلام والكتاب والرسول وللسلف كلهم.
وبعد هذا الاستعراض لمنهج الشيخ يمكن إيجاز منهجه بالنقاط التالية:
١- العلم بالله وبرسوله ﷺ ودين الإسلام بأدلته كما هو الواجب على كل مسلم ومسلمة- والعمل بهذا العلم- والدعوة إلى ذلك- والصبر على الأذى في ذلك.
٢- اعتبار أن مصدر العلم بالدين أصوله وفروعه، مسائله ودلائله، علومه وأعماله، هو الوحي إلى النبي ﷺ من قرآن أو سنة، وكذلك إجماع سلف الأمة من أهل السنة والجماعة يعتبر حجة يجب الأخذ بها.
٣- الإِقبال على ألقرآن والسنة وطلب الهدي منهما، واتباعهما وتقديمهما على جميع ما خالفهما مهما كان أمره، وعدم الإِعراض عنهما