← Акыда

Акыда · id 12039

عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي

صالح بن عبد الله العبود

Полный текст (1 147 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

رسول الله ﷺ ، وكلام أصحابه ليس لهم إلا النقل١. والشيخ وأصحابه وأتباعه يعتنون بكتب أهل العلم، ويحرصون على كتب أهل الحديث ويحترمون علوم الأمة الإسلامية، ولا يأمرون بإتلاف شيء منها أصلا إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك، أويحصل بسببه خلل في العقيدة الإسلامية، على أنهم لا يفحصون عن مثل ذلك، إلا إن تظاهر به صاحبه معاندا. أتلف عليه وما حصل مما اتفق لبعض البدو في إتلاف بعض كتب أهل الطائف إنما صدر منه لجهله، وقد زجر هو وأمثاله عن مثل ذلك٢. والشيخ وأتباعه يستعينون على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة المعتبرة، ومن أجلها لديهم، تفسير ابن جرير الطبري، وتفسير ابن كثير الشافعي، وكذا البغوي، وغيرهم، وعلى فهم الحديث بشروح الأئمة المبرزين، كالعسقلاني والقسطلاني، على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير، ويحرصون على كتب الحديث خصوصا الأمهات الست، وشروحها ويعتنون بسائر الكتب في سائر الفنون أصولا وفروعا، وقواعد وسيرا ونحوا وصرفا وجميع علوم الأمة٣.

стр. 352

والشيخ نفسه يحذرمن تفاسير المحرفين للكلم عن مواضعه فانها القاطعة عن الله وعن دينه١. وبالجملة فلا ينكر الشيخ وأتباعه إلا ما خالف أمر الله ورسوله ﷺ ، وطريقة الصحابة وأتباعهم٢. ويرون أن الإجماع حجة لأدلة القرآن الكريم والسنة المطهرة٣، لكن ينكر الشيخ على من يفسر الجماعة والسواد الأعظم، الذين لا يجوز مخالفتهم والشذوذ عنهم، بأنهم الكثرة على الباطل، كما يحدث في أزمان غربة الإسلام وفتراته، وكالذي حصل في زمان الشيخ، ويبين أن معنى الأحاديث التى فيها إجماع الأمة والسواد الأعظم، والتحذير من الشذوذ عنهم إنما هو بإِجماع أهل العلم كلهم: "الجماعة الذين كانوا على الحق في القرون الفاضلة، قبل أن يحدث الفساد فأولئك هم الجماعة فمن كان على مثل ما كانوا عليه فهو مع الجماعة وإن كان وحده، لأن الله أوضح بطلان الاحتجاج بالكثرة على القلة من أهل الحق في غير موضع من القرآن من ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الآية: ١١٦) . وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ

стр. 353

الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ١ (ص:٢٤) . ولأن رسول الله ﷺ أخبر أن الإسلام سيعود غريبا فكيف يأمرنا باتباع غالب الناس؟ وكذلك الأحاديث الكثيرة منها قوله ﷺ : "ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النارإلا واحدة" فهل بعد هذا البيان بيان؟ وينقل الشيخ من كلام أهل العلم ما يوضح به هذا المنهج السلفي السليم فيقول: قال ابن القيم ﵀ في (إِعلام الموقعين) : واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق، وإن كان وحده وإن خالفه أهل الأرض. وقال عمرو بن ميمون سمعت ابن مسعود قال: "عليكم بالجماعة فإِن يد الله مع الجماعة" وسمعته يقول: "سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن وقتها فصل الصلاة وحدك" وهي الفريضة ثم صل معهم فإِنها لك نافلة". قلت: يا أصحاب محمد، ما أدري ما تحدثون قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة ثم تقول صل الصلاة وحدك. قال!: ياعمرو ابن ميمون، لقد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية، أتدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة! والجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك. وقال نعيم بن حماد: إذا فسدت الجماعة فعليك بما كان عليه الجماعة قبل أن تفسد الجماعة، وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة

стр. 354

حينئذ، وقال بعض الأئمة وقد ذكر له السواد الأعظم أتدري ما السواد الأعظم هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه فمسخ المختلفون الذين جعلوا السواد الأعظم والحجة والجماعة: هم الجمهور، فجعلوهم عيارا على السنة، وجعلوا السنة بدعة، وجعلوا المعروف منكرا، لقلة أهله، وتفردهم في الأعصار والأمصار، وقالوا: "من شذ شذ في النار" وما عرف المختلفون أَن الشاذ: ما خالف الحق وإِن كان عليه الناس كلهم إلا واحداً، فهم الشاذون، وقد شذ الناس كلهم في زمن أحمد بن حنبل، إلا نفراً يسيراً فكانوا هم الجماعة، وكانت القضاة يومئذ والمفتون والخليفة وأتباعهم كلهم هم الشاذون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة، ولما لم يتحمل ذلك عقول الناس، قالوا للخليفة: يا أمير المؤمنين أتكون أنت وقضاتك وولاتك والفقهاء والمفتون على الباطل، وأحمد وحده على الحق، فلم يتسع علمه لذلك، فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل، فلا إله إلا الله، ما أشبه الليلة بالبارحة- انتهى كلام ابن القيم١. قال الشيخ: "هذا كلام الصحابة في تفسير السواد الأعظم، وكلام التابعين، وكلام السلف، وكلام المتأخرين حتى ابن مسعود ذكر في زمانه أن أكثر الناس فارقوا الجماعة، وأبلغ من هذا الأحاديث المذكورة عن

стр. 355

رسول الله ﷺ من غربة الإسلام وتفرق هذه الأمة أكثرمن سبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فأي شيء يرد على رسول الله ﷺ ، والعلماء بسنته" ١. وهكذا يرسم الشيخ ﵀ منهجه في أصول الدين، والذي هو منهج السلف الصالح الموافق للمعقولِ والمنقول، وللإسلام والسنة والكتاب والرسول ﷺ . ويبين منهج المخالفين ويرفضه ويحذر عنه لأنه بدعة وضلالة وفاسد في نفسه ومخالف للمعقول ولدين الإسلام والكتاب والرسول وللسلف كلهم. وبعد هذا الاستعراض لمنهج الشيخ يمكن إيجاز منهجه بالنقاط التالية: ١- العلم بالله وبرسوله ﷺ ودين الإسلام بأدلته كما هو الواجب على كل مسلم ومسلمة- والعمل بهذا العلم- والدعوة إلى ذلك- والصبر على الأذى في ذلك. ٢- اعتبار أن مصدر العلم بالدين أصوله وفروعه، مسائله ودلائله، علومه وأعماله، هو الوحي إلى النبي ﷺ من قرآن أو سنة، وكذلك إجماع سلف الأمة من أهل السنة والجماعة يعتبر حجة يجب الأخذ بها. ٣- الإِقبال على ألقرآن والسنة وطلب الهدي منهما، واتباعهما وتقديمهما على جميع ما خالفهما مهما كان أمره، وعدم الإِعراض عنهما

стр. 356

بحجة أنه لا يفهمهما إلا المجتهد المطلق، والمجتهد هو الموصوف بكذا وكذا، أوصافا لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر، وليست الآراء المتفرقة والأهواء المختلفة، والعقول البشرية ومناهج أهل الكلام والفلسفة، والمعرضين عن الكتاب والسنة، مصدر علم وهداية، بل هي مصدر ضلال وغواية. ٤- اتباع الرسول ﷺ في سنته واتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده. واحترام علماء الأمة وأئمتها المشهود لهم بالسنة والاستقامة كالأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم، والاستفادة من فقههم وعلمهم. ٥- ترك الابتداع ومجانبة البدع وإزالتها وهجر أهلها ورفض بدعهم وبيان مساوئها والتحذير منها. ٦- بيان ما هو العلم؟ ومن هم العلماء؟ ومن هم الأولياء؟ وبيان من تشبه بهم وليس منهم كما بين الله في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، نصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، بعد أن صار العلم عند أكثر الناس هو البدع والضلالات ومن بين العلم الصحيح يتهم بالزندقة والجنون. ٧- وزن جميع أقوال الناس وأعمالهم وإراداتهم وما يحدث من الحوادث بالقرآن والسنة وإجماع سلف الأمة من أهل السنة والجماعة فما لم يخالف ذلك قبل، وما خالف فهو البدعة المردودة، وهذا حسب منهج أهل السنة والجماعة، فإِن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، وهو

стр. 357

الميزان الذي أنزله الله مع الكتاب، وذلك صالح لكل زمان ومكان وحال. والخلاصة: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يذهب مذهب أهل السنة وينهج منهجهم ويسلك طريقتهم في علمه وعمله، وقد وافق في منهجه وطريقته المنهج السلفي علما وعملا والله أعلم، ومن بيان منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب في عقيدته وميادين تطبيقها ننتقل إلى الفصل الذي بعده في بيان مجمل عقيدة الشيخ محمد السلفية.

стр. 358

الفصل الثاني: مجمل عقيدته أصول الإيمان: يقول الشيخ: "أصول الإيمان ستة أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره" ١. ويقول يخاطب جماعة كتب إليهم عما يعتقده: "أشهد الله، ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أَعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره" ٢ إهـ. ويقول الشيخ يدعوإلى الإيمان: "وإذا قيل لك ما الإيمان فقل هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدرخيره وشره كله من الله والدليل قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ ودليل القدرقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٣. هذه العبارة التي عبر بها الشيخ بيانا واعتقادا ودعوة قد تضمنت

стр. 359

أصول الإيمان الستة المذكورة في حديث جبر يل١. وقد ألف الشيخ كتابا في أصول الإيمان، اشتمل على أبواب عديدة، يورد تحت كل باب ما يناسبه من النصوص وأكثرها من الحديث الشريف٢. ويقول الشيخ: "إن الإيمان بالأصول الستة هو الإيمان الشرعي"٣. الإيمان بالله تعالى: إن الشيخ يؤمن بالله، يثبت وجوده، وأنه متصف بصفات الجلال والعظمة والكمال منزه من كل عيب ونقص، وأنه المستحق للعبادة كلها، لا إله غيره ولا رب سواه. ويعتقد أن من الإيمان بالله الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا تمثيل- بل يعتقد أن الله كما قال عن نفسه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .

стр. 360

يقول الشيخ فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل "فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه لأنه تعالى أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلا وأحسن حديثا، لا سمي له، ولا كفو له ولا ند له، ولايقاس بخلقه" ليس كمثله شيء وهوالسميع البصير١، والله أحد وهو الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد٢. ويقول الشيخ: "التوحيد نوعان: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية". أما توحيد الربوبية فهو: أن الله سبحانه متفرد بالخلق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم، والإِقرار بهذا حق، لابد منه، لكن لا يدخل الرجل في الإسلام، لأن أكثر الناس مقرون به. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا

стр. 361

تَتَّقُونَ﴾ (يونس: ٣١) . ويقول الشيخ: "إن هذا التوحيد هو الذي أقر به الكفار، ويستدل بالآية المذ كورة". ويقول الشيخ: "وأما توحيد الألوهية فهو: إِخلاص العبادة لله وحده عن جميع الخلق لأن الإله في كلام العرب هو الذي يقصد للعبادة، وكانوا يقولون: إن الله سبحانه هو إله الآلهة، لكن يجعلون معه آلهة أخرى، مثل الصالحين والملائكة وغيرهم، يقولون: إِن الله يرضى هذا ويشفعون لنا عنده. فإذا عرفت هذا معرفة جيدة تبين لك غربة الدين وقد استدل عليهم سبحانه باقرارهم بتوحيد الربوبية على بطلان مذهبهم، لأنه إِذا كان هو المدبر وحده، وجميع من سواه لا يملكون مثقال ذرة - فكيف يدعون معه غيره مع إِقرارهم بهذا؟ ١. إِذاً فتوحيد الألوهية هو: أن لا يعبد العبد إلا الله وحد؟ ولا يشرك معه في العبادة أحدا لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، فضلا عن من دونهما. وهذا هو الذي يدخل الرجل في الإسلام٢. وذلك أن من أتى به فقد أتى بتوحيد الربوبية لأنه متضمن له، وهو من نتائج توحيد الربوبية الواجبة٣.

стр. 362

أما توحيد الأسماء والصفات: وهو الإِقرار بها كما وردت في الكتاب والسنة نفيا وإثباتا من غير تمثيل ولا تعطيل، ولا تحريف في اللفظ والمعنى عن ظاهره اللائق بالله تعالى ولا تكييف، فان الشيخ يجعله مع توحيد الربوبية بجامع أنهما نوع واحد هو: توحيد المعرفة والإِثبات. ويقول الشيخ: وأما توحيد الصفات فلا يستقيم توحيد الربوبية، ولا توحيد الألوهية إلا بالإِقرار بالصفات، لكن الكفار أعقل ممن أنكر الصفات١. ذلك أن العلم بأسماء الله وصفاته هو أصل العلوم، وبمعرفتها يستدل على التوحيد٢. وأن التوحيد لا يكون إلا عن العلم بأنه لا إله إلا الله بيقين، والشهادة بذلك نطقاً باللسان مع تصديق القلب، وعمل الجوارح بمقتضاه، وهذا يعني المعرفة التامة بتفرد الله في ربوبيته وأسمائه وصفاته، كما عليه المسلمون من أهل السنة والجماعة، أتباع رسول الله ﷺ ، الذي هو أعلم الأمة برب العالمين ووحدانيته. وقد بين السلف أن العبادة إذا كانت كلها لله فلا تكون إلا بإِثبات الصفات والأفعال فمن شهد أن لا إله إلا الله، لابد أن يثبت الصفاث، لأنه يشهد أن لا معبود بحق إلا الله وكون الله تعالى هوالمعبود وحده، يدل

стр. 363

على علمه العظيم، وقدرته العظيمة، وهاتان الصفتان أصل جميع الصفات، ومن هنا يثبت جميع الصفات، بخلاف من ظن أن معنى لا إله إلا الله، أي لا يقدر على الخلق إلا الله، فإن الأمر يؤول به إلى انكار الصفات أيضا١. لأن منكر الألوهية هو منكر لحقيقة الربوبية والأسماء والصفات ولا يغلط في توحيد الألوهية إلا من لم يعط توحيد الربوبية حقه٢. وأهل الجاهلية وإن أقروا بتوحيد الربوبية فإنهم لم يعطوه حقه وهو توحيد العبادة فلذلك كانوا مشركين ولم ينفعهم توحيد الربوبية حيث لم يعطوا حقه٣. أما منكرالصفات فإنه منكر لحقيقة الألوهية فإن من شهد أن لا إله إلا الله صدقا من قلبه لابد أن يثبت الصفات والأفعال، ولذا آل الأمر بمن ينكر الصفات إلى إنكار الرب٤ تعالى. ويقرر الشيخ أن الربوبية والألوهية يجتمعان في اللفظ فيفترقان في المعنى، ويفترقان في اللفظ فيجتمع المعنيان في لفظ كل واحد من اللفظين المفترقين، أي يفترقان إذا ذكرا معا كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ وكما يقال رب العالمين وإله العالمين وإله المرسلين

стр. 364

ويجتمعان عند الإفراد كما في قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (الحج: ١٦٤) . وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً﴾ (الأنعام: ١٦٤) . وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (فصلت: ٣٠، الأحقاف:١٣) . وكما في قولهم: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الكهف: ١٤) . وكما في قول القائل: من ربك؟ وقول الملكين في القبر من ربك؟ ومعناه من إلهك؟ لأن الربوبية التي أقربها المشركون ما يمتحن أحد بها. فالربوبية في هذا ليست قسيمة لها كما تكون قسيمة لها عند الاقتران قال: فينبغي التفطن لهذه المسألة، مثاله الفقير والمسكين: نوعان في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (التوبة: ٦٠) - ونوع واحد في قوله: "افترض الله عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم" ١. فعلى هذا يقرر الشيخ أن الربوبية إذا قرن ذكر لفظها مع الألوهية تكون قسيمة للألوهية وتفسر بأشهر معانيها وهو أنها تعني فعل الرب مثل الخلق والرزق والإِحياء والإِماتة وإنزال المطر وإنبات النبات وتدبير الأمور. وكذا الألوهية تفسر بأشهر معانيها، وهو أنها تعني فعل العبد التعبدي مثل الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والرغبة والرهبة

стр. 365

والنذر والاستغاثة وغير ذلك من أنواع العبادة١. ويقول الشيخ في تلازم الربوبية والألوهية في جواب حين سئل ﵀: ما قول الشيخ في تسمية المعبودات أربابا: إذ الرب يطلق على المالك، والمعبود على الإله وكل اسم من أسمائه جل وعلا له معنى يخصه بالتخصيص دون التداخل بالتعميم. الجواب: الرب والإله في صفة الله ﵎ متلازمة غير مترادفة، الرب من الملك والتربية بالنعم، والإله من التأله وهو القصد. لجلب النفع ودفع المضرة بالعبادة. ولذلك صارت العرب تطلق الرب على الإله، فسموا معبوداتهم أربابا من دون الله لأجل ذلك أي لكونهم يسمون الله ربا بمعنى إلها٢. والإله اسم صفة لكل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق وهو الله تعالى، وهو الذي يخلق ويرزق ويدبر الأمور، والتأله التعبد٣. وقول الله تعالى: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ أي معبودهم الذي لا معبود لهم غيره فلا يدعى ولا يرجى ولا يخلق ولا يرزق إلا هو، فخلقهم وصورهم وأنعم عليهم وحماهم مما يضرهم بربوبيته، وقهرهم وأمرهم ونهاهم، وصرفهم

стр. 366

كما يشاء بملكه واستعبدهم بالإِلهية الجامعة لصفات الكمال كلها١. ويقرر الشيخ أن النهي عن الشرك والأمر بلا إله إلا الله ليس أحدهما مكررا للآخر، بل هما أصلان كبيران، وإن كانا متلازمين. والنهي عن الشرك يستلزم الكفر بالطاغوت ولا إله إلا الله تستلزم الإيمان بالله، وقد قرن الأنبياء بين النهي عن الشرك والأمربالتوحيد٢. والتوحيد مبني على أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وهذا هو توحيد الربوبية وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وهذا هو توحيد الأسماء والصفات، وواحد في إِلهيته وعبادته لا ند له، وهذا هو توحيد الألوهية، وهذه الأنواع على ترتيبها متلازمة، كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمن أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر فما ذاك إلا لأنه لم يأت به على وجه الكمال المطلوب، فهي وحدة مترابطة، وبهذا يتبين المراد بتنويع التوحيد وأنه ليس كل نوع يمكن أن يؤتى به منفصلا عن الآخر. وإِن شئت قلت التوحيد نوعان: توحيد في المعرفة والاثبات وهوتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد في الطلب والقصد، وهوتوحيد الإِلهية والعبادة، كما فعل الشيخ رحمه الله تعالى تبعا لشيخ الإسلام ابن تيمية٣.

стр. 367

ولا خلاف بين أهل السنة والجماعة أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فان اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلما. فإِن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثير من الناس. وإن عمل بالتوحيد عملا ظاهرا، وهولا يعتقده بقلبه، فهو منافق خالص، وهو شر من الكافر ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (النساء: ١٥٤) - وهذا كثير أيضا١. وهكذا يقرر الشيخ التلازم بين توحيد الربوبية والأسماء والصفات وتوحيد الألوهية ويقول: بأن الله تعالى يعرف عباده بتقرير ربوبيته، ليرتقوا بها إلى معرفة إلهيته، التي هي مجموع عبادته على مراده نفيا وإثباتا، علما وعملا، جملة وتفصيلا، ويقول: "فاعلم أن أهم ما فرض على العباد معرفة أن الله رب كل شيء ومليكه ومدبره بإِرادته، فاذا عرفت هذا فانظرما حق من هذه صفاته عليك، بالعبودية، بالمحبة والإِجلال والتعظيم

стр. 368

والخوف والرجاء والتأله المتضمن للذل والخضوع لأمره ونهيه١، فإِن الله قد استعبد الناس بالإِلهية الجامعة لصفات الكمال كلها٢. ويقول الشيخ: في سورتي الاخلاص بيان العقيدة السلفية الصحيحة٣، وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل وتوحيد المعرفة والارادة وتوحيد- الاعتقاد والقصد٤. وسميتا بسورتي الاخلاص لأن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ خلصت قارءها من الشرك العلمي، كما خلصته ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ من الشرك العملي، ولما كان العلم قبل العمل وهو إمامه وسائقه والحاكم عليه، كانت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تعدل ربع القرآن٥. وقد جعل السلف سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أصلا في الرد على المشبهة والمعطلة، وفي التمييز بين مثبتي الرب الخالق الأحد الصمد، ومن المعطلين، من قوله: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ٦.

стр. 369

فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ السورة متضمنة لما يجب إِثباته له تعالى من الأحدية المنافية لمطلق الشركة بوجه من الوجوه. ونفي الولد والوالد المقرر لكمال صمديته وغناه وأحديته. ونفي الكفء المتضمن لنفي الشبيه والمثيل والنظير. فتضمنت إثبات كل كمال، ونفي كل نقص، ونفي إثبات شبيه له أو مثيل في كماله، ونفي مطلق الشرك، وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الذي يباين صاحبه جميع فرق الضلال والشرك١. كما جعلوا سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ أصلا في التمييز بين من يعبد الله وبين غيره وإن أقركل منهما بأن الله رب كل شيء ومليكه، والتمييز بين المخلصين وبين المشركين من قوله: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ٢. والتوحيد أعظم الفرائض، أعظم من فريضة الصلاة والزكاة والصوم، كما أن الشرك أعظم المحرمات، أعظم تحريما من الزنا والسرقة والكبائر. والتوحيد رأس أعمال أهل الجنة، كما أن رأس أعمال أهل النار الشرك بالله تعالى ٣.

стр. 370

والشيخ يعتقد: أن الإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهل الشرك١. فالتوحيد هو دين الفطرة، التي فطر الله الناس عليها: قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: ١٣٢) . وهو الصراط٢ المستقيم كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام:١٥٣) . وهوشهادة الحق والعمل بمقتضاها، كما في الصحيح عن عمربن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إِن استطعت إليه سبيلا". وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره

стр. 371

وشره. وهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك١. وهو الذي بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ. قال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ (هود: ١١٦) . وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء" رواه مسلم ورواه أحمد من حديث ابن مسعود وفيه: وَمَنِ الغرباء؟ قال: "النُزَّاعُ من القبائل، وفي رواية الغرباء الذين يصلحون إِذا فسد الناس - وللترمذي من حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده: "طوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من- سنتي" ٢. وفي حديث عمرو بن عبسة السلمي الذي في صحيح مسلم (المجلد الأول ص ٥٦٩، باب إِسلام عمرو بن عبسة) أنه لما جاء إلى رسول الله ﷺ بمكة قال له: وما أنت؟ فقال رسول الله ﷺ : "أنا نبي- فقال له: وما نبي؟ فقال رسول الله ﷺ أرسلني

стр. 372

الله- فقال: بأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء- ققال له: ومن معك على هذا. قال: حر وعبد. قال الشيخ في هذا الحديث أن عمرو بن عبسة فهم المراد من التوحيد وأنه توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له وكسر الأوثان ومعلوم أن كسرها لا يستقيم إلا بشدة العداوة وتجريد السيف، وأن هذا أمر كبير غريب، ولأجل هذا قال من معك على هذا؟ قال: "حر وعبد" فأجابه أن جميع العلماء والعباد والملوك والعامة مخالفون له، ولم يتبعه على ذلك إلا من ذكر، فهذا أوضح دليل على أن الحق قد يكون مع أقل القليل، وأن الباطل قد يملأ الأرض. ولله در الفضيل بن عياض ﵀ حيث يقول: لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين، وأحسن منه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. وهو ملة إبراهيم، الذي كان أمة قانتا لله حنيفا، ولم يك من المشركين، وهو الأسوة الحسنة التي أخبر بها الله في كتابه فقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا

стр. 373

بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (الممتحنة:٤) . وقد سفه نفسه من رغب عن هذه الملة، فلا خير إلا فيها، ولا شر إلا فيما خالفها، حنيفية في التوحيد سمحة في العمل إلى قيام الساعة، ووسعت جميع الناس، فأمروا باتباعها ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ . وأمر رسول الله ﷺ باتباعها كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: ١٢٣) . وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن لكل نبي ولاة من النبيين وان ولي أبي خليل ربي" ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ رواه الترمذي١ في التفسير والامام أحمد في المسند ٢. ويقول الشيخ: "وتأمل أن الإسلام لا يصح إلا بمعاداة أهل الشرك، وإن لم يعادهم فهو منهم وإِن لم يفعله" ٣. ويزيد الشيخ هذا المعنى إيضاحا فى ثمان حالات استنبطها من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ

стр. 374

اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (يونس: ١٠٤) . قال ﵀: فيه ثمان حالات: الأولى: ترك عبادة غير الله مطلقا ولو جادله أبوه وأمه بالطمع الجليل والإِخافة الثقيلة كما جرى لسعد ﵁ مع أمه. الحالة الثانية: أن كثيرا من الناس إذا عرف الشرك وأبغضه وتركه لا يفطن لما يريد الله من قلبه من إِجلاله ورهبته، فذكر هذه الحالة بقوله: ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ . الحالة الثالثة: إِنْ قدرنا أنه ظن وجود الترك والفعل فلابد من تصريحه بأنه من هذه الطائفة، ولولم يقض هذا الغرض إلا بالهرب عن بلد فيها كثير من الطواغيت الذين يبلغون الغاية فى العداوة، حتى يصرح أنه من هذه الطائفة المحاربة لهم. الحالة الرابعة: إِن قدرنا أنه ظن وجود هذه الثلاث، فقد لا يبلغ الجد فى العمل بالدين، والجد والصدق هو إِقامة الوجه للدين. الحالة الخامسة: إِن قدرنا أنه ظن وجود الحالات الأربع، فلا بد له من مذهب ينتسب إليه، فأمر أن يكون مذهبه الحنيفية، ويترك كل مذهب سواها، ولوكان صحيحا ففى الحنيفية عنه غنية. الحالة السادسة: إنا إن قدرنا أنه ظن وجود الحالات الخمس فلابد أن يتبرأ من المشركين فلا يكثر سوادهم.

стр. 375

الحالة السابعة: إِنْ قدرنا أنه ظن وجود الحالات الست، فقد يدعو من غير قلبه نبياً أوغيره لشىء من مقاصده ولوكان ديناً يظن أنه إن نطق بذلك من غير قلبه لأجل كذا وكذا خصوصا عند الخوف أنه لا يدخل فى هذه الحال. الحالة الثامنة: إِنْ ظن سلامته من ذلك كله، لكن غيره من إخوانه فعله - خوفا أو لغرض من الأغراض هل يصدق الله أن هذا ولوكان أصلح الناس قد صار من الظالمين، أو يقول كيف يكفر وهو يحب الدين ويبغض الشرك؟ وما أعز من يتخلص من هذا، بل ما أعز من يفهمه، وإِن لم يعمل به، بل ما أعز من لا يظنه جنونا١. ومن ذلك يستنتج الشيخ أن أصل الدين وقاعدته أمران: الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والتحر يض على ذلك والمولاة فيه وتكفير من تركه. الثانى: الإِنذار عن الشرك فى عبادة الله والتغليظ في ذلك والمعاداة فيه وتكفير من فعله٢. وهذا هو الذي بعثت به الرسل إلى أممهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ

стр. 376

بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١ (النحل: ٣٦) . الإيمان بالملائكة: والشيخ يؤمن بالملائكة ويصدق بوجودهم ويعتقد أنهم عباد لله مكرمون، لا يسبقون الله بالقول، وهم بأمره يعملون، والله يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشية الله مشفقون٢. وقال الشيخ فى كتاب أصول الإيمان باب ذكر الملائكة والإيمان بهم: ثم يستدل على الإيمان بهم بقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ٣ (البقرة: ١٧٧) . ويستدل الشيخ بقول الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٤ (النجم: ٢٦) .

стр. 377

ويؤمن الشيخ بكل ما ورد من وصفهم وذكرهم وأصنافهم وأعيانهم فى القرآن الكريم والسنة الشريفة. قال فى كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (سبأ: ٢٣) . ثم أورد الشيخ حديثا من صحيح البخاري ١، عن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر فى السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك، حتى إذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير" الحديث. قال الشيخ فيه تفسير الآية وسبب سؤالهم عن ذلك، وأن الغشي يعم أهل السموات كلهم٢. ويقول الشيخ فى كلامه عن الفوائد من قصة آدم وإبليس: "ومن فوائدها الدلالة على الملائكة وعلى بعض صفاتهم٣، وذكر الشيخ من صفاتهم أنهم يتنزلون على الذين قالوا: ربنا الله ثم استقاموا بأن لا يخافوا ولا يحزنوا ويبشروا بالجنة التي كانوا يوعدون - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا

стр. 378

اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: ٣٠) . ومنهم مقربون ومع ذلك، هم عبيد الله تعالى لا يستنكفون من ذلك كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (النساء: ١٧٢) . وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ (الأنبياء: ١٩، ٢٠) . وجعلهم الله رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ (فاطر: ١) . ومنهم حملة العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون اللذين آمنوا كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (غافر: ٧) . وقد خلقوا من نور كما فى الحديث عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "خلقت الملائكة من النور، وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم" رواه مسلم وغيره١. وهم كثيرون- قال الشيخ- لما ثبت فى بعض أحاديث المعراج أنه

стр. 379

صلى الله عليه وسلم رفع له البيت المعمور الذي هو فى السماء السابعة وقيل السادسة بمنزلة الكعبة فى الأرض وهو بحيال الكعبة حرمته فى السماء كحرمة الكعبة فى الأرض وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم١. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما فى السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد، أوملك قائم"، فذلك قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (الصافات: ١٦٥، ١٦٦) . قال الشيخ رواه محمد بن نصر وابن أبى حاتم وابن جرير وأبو الشيخ٢. وقد وصف بعضهم بعظمة خلقه، كما فى الحديث عن جابر ﵁ قال- قال رسول الله ﷺ : "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة

стр. 380

عام" رواه أبوداود، والبيهقي فى الأسماء والصفات والضياء فى المختارة١. ومن سادتهم جبريل ﵇ قد وصفه الله تعالى بالأمانة وحسن الخلق والقوة فقال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ (النجم: ٥، ٦) . ومن شدة قوته رفع مدائن قوم لوط ﵇، وكن سبعا بمن فيهن من الأمم وكانوا قريبا من أربعمائة ألف وما معهم من الدواب والحيوانات، وما لتلك المدائن من الأراضي على طرف جناحه حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم وصياح ديكتهم ثم قلبها فجعل عاليها سافلها فهذا هو شديد القوى وقوله ذومرة أى ذوخلق حسن وبهاء وسناء وقوة شديدة قال معناه ابن عباس ﵄. وقال غيره: ذو مرة أي ذو قوة. وقال تعالى فى صفته: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ

стр. 381

أَمِينٍ﴾ (التكوير:١٩-. ٢) . أي له قوة وبأس شديد، وله مكانة ومنزلة عالية رفيعة عند ذي العرش المجيد، ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أى مطاع فى الملأ الأعلى ﴿أَمِينٍ﴾ أي ذي أمانة عظيمة. ولهذا كان السفير بين الله وبين رسله. وقد كان يأتي إلى رسول الله ﷺ فى صفات متعددة، وقد رآه على صفته التى خلقه الله عليها مرتين وله ستمائة جناح روى ذلك البخاري عن ابن مسعود ﵁. وروى الإمام أحمد عن عبد الله ﵁ قال: "رأى رسول الله ﷺ جبريل ﵇ فى صورته له ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم". قال الشيخ إسناده قوي١. وللبخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لجبرائيل "ألا تزورنا أكثر مما تزورنا" فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ ٢ (مريم:٦٤) .

стр. 382

ومن ساداتهم ميكائيل ﵇ وهو موكل بالقطر والنبات١. ومن ساداتهم إسرافيل وهو صاحب الصور أي الذي ينفخ فى الصور. وروى الترمذي وحسنه والحاكم عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته، وأصغى سمعه ينتظرمتى يؤمر فينفخ قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا" ٢. وجبرائيل وميكائيل وإسرافيل من المختارين المصطفين من الملائكة كما قال النبى ﷺ : "اللهم رب جبر يل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة" ٣ قال ومن ساداتهم ملك

стр. 383

الموت ولم يجىء مصرحا باسمه فى القرآن ولا فى الأحاديث الصحيحة وقد جاء فى بعض الآثار تسميته بعزرائيل والله أعلم. قال الحافظ ابن كثير: "وقال إنهم بالنسبة إلى ما هيأهم الله له أقسام، فمنهم حملة العرش ومنهم الكروبيون الذين هم حول العرش وهم مع حملة العرش أشرف الملائكة وهم المقربون كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (سورة النساء الآية: ١٧٢) . ومنهم سكان السماوات السبع يعمرونها عبادة دائمة ليلا ونهارا- كما قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ (سورة الأنبياء الآية: ٢٠) . ومنهم الذين يتعاقبون إلى البيت المعمور. قال الشيخ: "قلت: الظاهر أن الذين يتعاقبون إلى البيت المعمور سكان السموات، ومنهم موكلون بالجنان وإعداد الكرامات لأهلها وتهيئة الضيافة لساكنيها، من ملابس ومآكل ومشارب ومصاغ ومساكن وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ومنهم الموكلون بالنار"أعاذنا الله منها" وهم الزبانية ومقدموهم تسعة عشر وخازنها مالك وهو مقدم على الخزنة وهم المذكورون فى قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ﴾ (سورة المؤمن الأية: ٤٩) . وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (الزخرف: الآية ٧٧) .

стр. 384

وقال تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١ (سورة التحريم الآية: ٦) . وقال تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً﴾ - إلى قوله:- ﴿وما يعلم جنود وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (سورة المدثر الآية: ٣٠- ٣١) . ومنهم الموكلون بحفظ بنى آدم كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (سورة الرعد الأية: ١١) . قال ابن عباس ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه فإذا جاء أمر الله خلوا عنه. وقال مجاهد ما من عبد إلا وملك موكل يحفظه فى نومه ويقظته من الجن والإِنس والهوام فما منها شىء يأتيه يريده، إلا قال له: وراءك، إلا شيء يأذن الله تعالى فيه فيصيبه. ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد كما قال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ (سورة ق الآية:١٧) . وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (سورة الانفطار الآية: ١٠-١٢) .

стр. 385

قال الحافظ بن كثير ومعنى إِكرامهم أن يستحي منهم فلا يملي عليهم الأعمال القبيحة التي يكتبونها فإن الله خلقهم في خلقهم وأخلاقهم. ثم قال ما معناه إن من كرمهم أنهم لا يدخلون بيتا فيه كَلْبٌ ولا صورة ولا جنب ولا تمثال ولا يصحبون رفقة معهم كلب أوجرس١. وروى مالك والبخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهوأعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون" وفي رواية أن أبا هريرة قال: اقرأوا ان شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ (سورة الأسراء الآية: ٧٨) . وروى الإمام أحمد ومسلم حديث: " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه". وفي المسند والسنن حديث: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يصنع" والأحاديث في ذكرهم ﵈ كثيرة جدا٢.

стр. 386

الإيمان بكتب الله: والشيخ يؤمن بكتب الله ويصدق بأنها كلام الله، وأنها حق ونور وهدى، وما سمى الله منها كالتوراة والانجيل والزبور يؤمن بها بأسمائها، كما يؤمن بأن لله كتباً أخرى لا يعلم أسماءها وعددها إلا الله كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: ١٣٦-١٣٧) . قال الشيخ ﵀ فيها أمر الله أن نقول ما ذكرفي الآية وليس هذا من إظهار العمل الذي إخفاؤه أفضل، والإيمان بجميع المنزل وعدم التفريق بين أحد منهم والتصريح بالإسلام وبإخلاص ذلك لله وليس هذا من الثناء على النفس، بل من بيان الدين الذي أنت عليه، ولهذا قال بعض السلف ينبغي لكل أحد أن يعلم هذه الآية أهل بيته وخدمه، وفيها التصريح بأن الإيمان هو العمل١.

стр. 387

ويعتقد الشيخ أن القرآن، هو الكتاب لا ريب فيه، كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد ﷺ ١. وأنه الكتاب الكامل المهيمن على الكتب السابقة لا ريب فيه هدي للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة، وينفقون مما رزقهم الله وقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ . قال الشيخ: "هذا من عطف الخاص على العام" ٢. وفي قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٢، ٣) . يقول الشيخ: في ذلك وصف القرآن بأنه كتاب منزل إلى النبي ﷺ والنهي عن الحرج بفاء التفريع: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ وذكر الحكمة في ذلك وهي الإنذار العام والذكر الخاص، والأمر باتباعه والتحريض على ذلك بأنه منزل إلينا من ربنا: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، والنهي عن اتباع ماسواه٣.

стр. 388

وقول الله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (يوسف: ١-٣) . يستنبط الشيخ من هذه الآيات أن القرآن كاف عما سواه من الكتب، وأنه المراد بأحسن القصص لا قصة يوسف وحدها، وأن قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أي هذه آيات الكتاب المبين الواضح الذي يوضح الأشياء المبهمة- وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي تفهمون معانيه والقصص مصدر قَصَّ الحديث يقصه قصصا أي بإيحائنا إليك هذا القرآن- وقوله: ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ أي الجاهلين به. وهذا مما يبين جلالة القرآن، لأن فيه دلالة على أن علمه ﷺ من القرآن، وفيه دلالة على جلالة الله وقدرته، ودلالة على عظيم نعمته على نبيه ﷺ وفيه دلالة على كذب من ادعى أن غيره من الكتب أوضح منه١. وفي قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (الحجر: ١، ٢) . يقول الشيخ ما معناه بأن فيها الترغيب في القرآن بجمعه بين الوصفين:

стр. 389

الكتاب وقرآن مبين، فقوله الكتاب معرف بالألف واللام لاستغراقه معنى الكتاب وقرآن مبين١. والذكر هو القرآن، وقد حفظه الله عن شياطين الجن والإنس، حفظاً كافياً في تصديق الرسول وشييه عن إِنزال الملائكة كما يقترح المعاندون، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢ (الحجر: ٩٦) . وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (الحجر: ٨٧) . قال الشيخ: فيها: المنة بايتاء السبع المثاني والقرآن العظيم، وفيه التعزية عما أصابه وعما صرف عنه٣. والقرآن الكريم تبيان لكل شيء كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: ٨٩) . فمن ابتغى الهدى من غيره ضل كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٤ (الزخرف: ٣٦-٣٧) . ويقول الشيخ: وقد من الله تعالى علينا بكتابه الذي جعله ﴿تِبْيَاناً لِكُلِّ

стр. 390

شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: ٨٩) . فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ (الفرقان: ٣٣) . قال بعض المفسرين هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة١. ويبين الشيخ موقف المؤمن من متشابه القرآن فيقول: "إن الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (آل عمران:٧) . وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" ٢ وهو عن عائشة ﵂ متفق عليه. ففي هذا نعلم أن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه.
следующие страницы →