الإيمان بكتب الله:
والشيخ يؤمن بكتب الله ويصدق بأنها كلام الله، وأنها حق ونور وهدى، وما سمى الله منها كالتوراة والانجيل والزبور يؤمن بها بأسمائها، كما يؤمن بأن لله كتباً أخرى لا يعلم أسماءها وعددها إلا الله كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: ١٣٦-١٣٧) .
قال الشيخ ﵀ فيها أمر الله أن نقول ما ذكرفي الآية وليس هذا من إظهار العمل الذي إخفاؤه أفضل، والإيمان بجميع المنزل وعدم التفريق بين أحد منهم والتصريح بالإسلام وبإخلاص ذلك لله وليس هذا من الثناء على النفس، بل من بيان الدين الذي أنت عليه، ولهذا قال بعض السلف ينبغي لكل أحد أن يعلم هذه الآية أهل بيته وخدمه، وفيها التصريح بأن الإيمان هو العمل١.
стр. 387
ويعتقد الشيخ أن القرآن، هو الكتاب لا ريب فيه، كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد ﷺ ١.
وأنه الكتاب الكامل المهيمن على الكتب السابقة لا ريب فيه هدي للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة، وينفقون مما رزقهم الله وقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ .
قال الشيخ: "هذا من عطف الخاص على العام" ٢.
وفي قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٢، ٣) .
يقول الشيخ: في ذلك وصف القرآن بأنه كتاب منزل إلى النبي ﷺ والنهي عن الحرج بفاء التفريع: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ وذكر الحكمة في ذلك وهي الإنذار العام والذكر الخاص، والأمر باتباعه والتحريض على ذلك بأنه منزل إلينا من ربنا: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، والنهي عن اتباع ماسواه٣.
стр. 388
وقول الله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (يوسف: ١-٣) .
يستنبط الشيخ من هذه الآيات أن القرآن كاف عما سواه من الكتب، وأنه المراد بأحسن القصص لا قصة يوسف وحدها، وأن قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أي هذه آيات الكتاب المبين الواضح الذي يوضح الأشياء المبهمة- وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي تفهمون معانيه والقصص مصدر قَصَّ الحديث يقصه قصصا أي بإيحائنا إليك هذا القرآن- وقوله: ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ أي الجاهلين به. وهذا مما يبين جلالة القرآن، لأن فيه دلالة على أن علمه ﷺ من القرآن، وفيه دلالة على جلالة الله وقدرته، ودلالة على عظيم نعمته على نبيه ﷺ وفيه دلالة على كذب من ادعى أن غيره من الكتب أوضح منه١.
وفي قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (الحجر: ١، ٢) .
يقول الشيخ ما معناه بأن فيها الترغيب في القرآن بجمعه بين الوصفين:
стр. 389
الكتاب وقرآن مبين، فقوله الكتاب معرف بالألف واللام لاستغراقه معنى الكتاب وقرآن مبين١. والذكر هو القرآن، وقد حفظه الله عن شياطين الجن والإنس، حفظاً كافياً في تصديق الرسول وشييه عن إِنزال الملائكة كما يقترح المعاندون، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢ (الحجر: ٩٦) .
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (الحجر: ٨٧) .
قال الشيخ: فيها: المنة بايتاء السبع المثاني والقرآن العظيم، وفيه التعزية عما أصابه وعما صرف عنه٣. والقرآن الكريم تبيان لكل شيء كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: ٨٩) .
فمن ابتغى الهدى من غيره ضل كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٤ (الزخرف: ٣٦-٣٧) .
ويقول الشيخ: وقد من الله تعالى علينا بكتابه الذي جعله ﴿تِبْيَاناً لِكُلِّ
стр. 390
شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: ٨٩) . فلا يأتي صاحب باطل
بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ (الفرقان: ٣٣) .
قال بعض المفسرين هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة١.
ويبين الشيخ موقف المؤمن من متشابه القرآن فيقول: "إن الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (آل عمران:٧) .
وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" ٢ وهو عن عائشة ﵂ متفق عليه.
ففي هذا نعلم أن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه.
стр. 391
ونقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله ...
فالشيخ يرد المتشابه إلى المحكم، ويؤمن بالجميع ويعلم أن المتشابه لا يناقض المحكم.
ويستدل الشيخ بما رواه ابن جريرعن سعد ابن أبي وقاص قال: أنزل الله على النبي ﷺ القرآن فتلاه زمانا فقالوا يا رسول الله لو حدثتنا فنزل:
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ١ (الزمر: ٢٣) .
ويقول الشيخ: "ومما يدل على أن القرآن كاف عما سواه من الكتب أن عمر أتى النبي ﷺ بكتاب فقرأه عليه فغضب فقال: "أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لاتسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي" رواه أحمد وفي لفظ أنه استكتب جوامع من التوراة وقال: "ألا أعرضها عليك"، وفيه:
стр. 392
"لو أصبح فيكم موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين"
قال الشيخ: وقد انتفع عمر بهذا فقال للذي نسخ كتاب دانيال امحه بالحميم والصوف الأبيض، وقرأ عليه أول هذه السورة، وقال: "لئن بلغني أنك قرأته أو أقرأته أحدا من الناس لأنهكنك عقوبة" ١.
وقال الشيخ في حديث نحو حديث قصة عمر هذه عن أبي هريرة رواه الإسماعيلي في معجمه وابن مردويه.
وقال الشيخ في حديث آخر تضمن قصة عمر بأسلوب آخر. عن عبد الله بن ثابت بن الحارث الأنصاري رواه عبد الرزاق وابن سعد والحاكم في الكنى٢.
стр. 393
وفي كتاب أصول الإيمان عقد الشيخ باباً سماه باب الوصية بكتاب الله عزوجل وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٣) .
وأورد في ذلك أحاديث عن النبي ﷺ منها ما رواه مسلم عن زيد ابن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ خطب فحمد الله وأثنى عليه ثم
стр. 394
قال: "أما بعد أيها الناس فإِنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي" وفي لفظ "كتاب الله هو حبل الله المتين من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة" رواه مسلم١.
وله في حديث جابر، الطويل، أنه ﷺ قال في خطبة يوم عرفه: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به- كتاب الله وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت".
قال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس " اللهم اشهد" ثلاث مرات ٢.
وقد ألف الشيخ في فضائل القرآن الكريم كتاباً طبع مقدمة لما جمع من تفسيره فذكرالشيخ فيه باب فضائل تلاوة القرآن وتعلمه وتعليمه، وباب ما جاء في تقديم أهل القرآن وإكرامهم وباب وجوب تعلم القرآن وتفهمه واستماعه، والتغيلظ على من ترك ذلك، وباب الخوف على من
стр. 395
لم يفهم القرآن أن يكون من المنافقين، وباب قول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ وباب إثم من فجر بالقرآن وباب إثم من تأكل بالقرآن وباب الجفاء عن القرآن وباب من ابتغى الهدى من غير القرآن، وباب الغلو في القرآن، وباب ما جاء في اتباع المتشابه، وباب وعيد من قال في القرآن برأيه وبما لا يعلم، وباب ما جاء في الجدال في القرآن، وباب ما جاء في الاختلاف في القرآن في لفظه أو معناه، وباب إذا اختلفتم فقوموا، وباب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ ، وباب ما جاء في التغني بالقرآن١.
وقد ذكرنا في منهج الشيخ أنه يعتبر القرآن المرجع الأصلي الذي يجب الرجوع إليه ولا يجوز الاعراض عنه لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً﴾ (طه: ٩٩-١٠٠) .
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: ١٢٤) .
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وإنهم وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢ (الزخرف: ٣٦-٣٧) .
стр. 396
والحاصل أن الشيخ، يؤمن بكتب الله المنزلة ويصدق بأنها كلام الله حقيقة، ويصدق بأسماء ما سمي منها، ويخص القرآن الكريم بالتعبد بتلاوته وقراءته وتدبره، واتباع ما فيه وتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه، وتحليل ما أحل وتحريم ما حرم، لأنه بيان لكل شيء وخاتم لكل كتاب، ومهيمن عليه، وصراط مستقيم وأحسن الحديث، وحبل الله المتين، فالاعتصام به عصمة، وهو كلام الله الذي لا نظير له من الكلام في دفع الشر، وأنه صالح لكل زمان ومكان١.
стр. 397
الإيمان بالرسل:
ويؤمن الشيخ بالرسل الذين أرسلهم الله والأنبياء الذين نبأهم الله. ومن الإيمان بهم، معرفة مراد الله في بعثتهم كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ الآية.
وأما الحكمة الأخرى فذكرها أيضا في غير موضع، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ .
فقوله: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ وقوله: ﴿ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ هما حكمة الله في إيجاد الخليقة وإليهما ترجع كل حقيقة١.
ويعتقد أنهم صادقون فيما أخبر وا به، وأنهم بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة، وأنه يجب احترامهم وعدم التفريق بينهم وأن من كذب واحدا منهم فقد كذب جميع الرسل، ويؤمن الشيخ بمن سمى الله منهم في كتابه باسمه كإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى ومن قبلهم نوح وخاتمهم محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم تسليما كثيراً، وكل من صرح باسمه في القرآن الكريم والسنة يؤمن به باسمه وما لم يصرح باسمه فيؤمن به على الإطلاق كما ورد.
стр. 398
وأول الرسل نوح وآخرهم محمد عليهم الصلاة والسلام، والدليل على أن أولهم نوح ﵇ قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ ١ (النساء: ١٦٢-١٦٦)
وأن إبراهيم ﵇ خليل الرحمن وجعله الله للناس إماما في التوحيد وما كان من المشركين٢.
وقد أعطى موسى ﵊ قوة في جسمه أخذا من قصته في القرآن وبطشه بالعدو وقدرته على السقاية للمرأتين من ماء مدين. ومن خصوصياته التي اشتهر بها تكليم الله إياه، ولذلك يذكرها إبراهيم ﵇ حين يحيل إذا طلبت منه الشفاعة وقد أرسل إلى فرعون وقومه بتسع آيات بينات، ولأصحابه فضيلة على من سواهم من
стр. 399
قومه١.
وأن يوسف جميل الظاهر بالحسن وجميل الباطن بالعفة، وهوكريم عارف، صرف الله عنه السوء والفحشاء وكان من المخلصين٢.
وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه٣.
وأن الأنبياء يتفاوتون في الفضل وأنهم أشد الناس بلاء٤. وأن قصص الرسل ممدوح فيه عبرة لا يفهمها إلا أولوا الألباب٥
ولا نبي إلا رعى الغنم، ورعي الغنم صفة كمال٦.
وأن الرسل من البشر كلهم رجال، وليس في الجن ولا في النساء رسل، وأنهم من أهل القرى٧.
стр. 400
وأنه يجوز عليهم الخطأ والنسيان فيما لا تعلق له بتبليغ الرسالة، ولا تنكر إصابة الشيطان للأنبياء بما لا يقدح في النبوة، وأنهم على بشريتهم وإِن كانوا أنبياء، وهذا من أدلة التوحيد١ وهم يحتاجون إلى التنبيه على فضل لا إله إلا الله، كما في قصة موسى حين قال: يارب علمني شيئا أذكرك به٢٠ الحديث.
وأن دينهم التوحيد، وأن الدعوة إلى توحيد الله سبيلهم وسبيل من اتبعهم٣ وبذلك أرسلوا ورسالتهم حق٤.
وخلاصة رسالتهم: هي أن يدعوا المخالفين إلى أن يوحدوا الله تعالى ويتركوا الشرك به كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦) ٥.
وأن رسالة الرسل عمت كل أمة من بني آدم، وكل أمة لها رسولها يخصها، وأن الله يثيب من أطاع الرسل بالجنة، ويعاقب من عصاهم
стр. 401
بالنار١.
وأرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين والدليل قوله تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: ١٦٥) ٢، وأنهم ما أتوا أممهم إلا بالوحي٣.
ويرى أن الله سبحانه اختار الأنبياء من ولد آدم، واختار الرسل من الأنبياء، واختار من الرسل أولي العزم منهم، وهم الخمسة المذكورون في سورتي الأحزاب والشورى٤.
والشيخ يشير بهذا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ (الأحزاب: ٨) .
وإلى قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (الشورى: ١٣) .
стр. 402
ويقول الشيخ: "واختارمن أولي العزم الخليلين: إبراهيم ومحمدا صلى الله عليهما وسلم وعليهم أجمعين"١.
وأن الله أخذ الميثاق الشديد على الرسل لئن بعث فيهم رسول الله محمد ﷺ ليؤمنن به ولينصرنه، فأقروا بذلك- قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: ٨١-٨٢) ٢.
ويقول الشيخ في كلامه على قصة آدم وإبليس ومن فوائدها أنها من أدلة الرسل عامة، ومن أدلة نبوة محمد ﷺ خاصة٣. ويؤمن بأن نبينا محمدا ﷺ خاتم النبيين والمرسلين وأنه لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته. والدليل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٤ (التوبة: ١٢٨) .
ويقول الشيخ: "والدليل على أَنه رسول الله ﷺ من العقل والنقل:
стр. 403
أما النقل فواضح، وأما العقل فنبه عليه القرآن، من ذلك ترك الله خلقه بلا أمر ولا نهي لا يناسب في حق الله ونبه عليه في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ﴾ ١ ومنها أن قول الرجل: إني رسول الله إما أن يكون خير الناس، وإما أن يكون شرهم وأكذبهم، والتمييز بين ذلك سهل يعرف بأمور كثيرة، ونبه على ذلك بقوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ الآيات٢، ومنها شهادة الله بقوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ ٣ ومنها شهادة أهل الكتاب بما في كتبهم كما في الآية، ومنها- وهي أعظم الآيات العقلية- هذا القرآن الذي تحداهم الله بسورة من مثله، ونحن إِن لم نعلم وجه ذلك من جهة العربية فنحن نعلمها من معرفتنا بشدة عداوة أهل الأرض له علمائهم وفصحائهم، وتكريره هذا واستعجازهم به، ولم يتعرضوا لذلك على شدة حرصهم على تكذيبه، وإِدخال الشبه على الناس، ومنها تمام ما ذكرنا وهو إِخباره سبحانه أنه لا يقدر أحد أن يأتي بسورة مثله إلى يوم القيامة، فكان كما ذكر مع كثرة
стр. 404
أعدائه في كل عصر، وما أعطوا من الفصاحة والكمال والعلوم".
ثم استمر الشيخ يذكر الأدلة العقلية فيقول: "ومنها نصرة من اتبعه، ولوكانوا أضعف الناس، ومنها خذلان من عاداه وعقوبته في الدنيا، ولو كانوا أكثر الناس وأقواهم، ومنها أَنه رجل أمي لا يخط ولا يقرأ الخط ولا أخذ عن العلماء، ولا ادعى ذلك أحد من أعدائه مع كثرة كذبهم وبهتانهم، ومع هذا أتى بالعلم الذي في الكتب الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ١ (العنكبوت: ٤٨) .
ومن ذلك ما استدلت به خديجة من صفاته الكريمة حيث قالت: أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدا. ثم استدلت بما فيه من الصفات على أن من كان كذلك، لم يخزه الله أبدا، فعلمت بفطرتها وكمال عقلها أن الأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة تناسب كرامة الله وإحسانه، ولا تناسب الخزي٢.
وقد عصم الله رسوله ﷺ من الناس، فاجتهدت قريش في قتله
стр. 405
وأخفاه الله عنهم وحفظه وصاحبه في الغار١.
وفي معرض إيراد الشيخ أدلة تحت باب ما جاء أن بعض هذه الأمة تعبد الأوثان أورد حديث ثوبان ﵁ لمسلم أن رسول الله ﷺ قال: "إِن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها. وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوِيَ لي منها وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم. وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد. وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة. وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولواجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا" ٢ رواه البرقاني في صحيحه٣، وزاد: " وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين. وإذا
стр. 406
وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان. وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي. ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، ولا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎".
قال الشيخ فيها من الآيات العظيمة: إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب وأخبر بمعنى ذلك فوقع كما أخبر، بخلاف الجنوب والشمال، وإخباره بأنه أعطى الكنزين وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين، وإخباره بأنه منع الثالثة، وإخباره بوقوع السيف، وأنه لا يرفع إذا وقع، وإخباره بظهور المتنبئين في هذه الأمة، وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة وكل هذا وقع كما أخبر، مع أن كل واحدة منها أبعد ما يكون في العقول١.
ويقول الشيخ ﵀ في قوله تعالى في آخر سورة يوسف خطابا
стр. 407
لرسول الله ﷺ : ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ .
فيه تنبيه الله على آية الرسالة بأن هذه القضية غيب لا يتوصل إليه الرسول ﷺ إلا بالوحي لكونه لا يقرأ ولا يخط، ولا أخذ عن عالم، وتقريرهذه الحجة بقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ لأن هذا لا سبيل إلى العلم به إلا بالوحي أو بحضوره وأن مكرهم خفى حتى لو حضرهم أحد لخفي عليه.
ويقول الشيخ في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: ١٠٩) .
يقول الشيخ فيها: رد شبهتهم في كونه بشرا وذلك واضح لأنهم إن كانوا ممن يقر بالرسالة في الجملة كأهل الكتاب والمشركين فواضح، وإن أنكروها كالمجوس فالنكال الذي أوقع الله بمن خالف الرسل الذي سمعوه وشاهدوه حجة عليهم، وفيها الرد عليهم في قولهم: ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ أو نحو ذلك، لأن الرسل ما أتوا الأمم إلا بالوحي، وفيها استجهال الله إياهم حيث لم يسيروا في الأرض فيعتبروا بمن قبلهم، فدل ذلك على أن فهم ذلك مقدور لهم١.
стр. 408
ويذكر الشيخ ان رسول الله ﷺ اقتصر من الأدلة على الوحي ففيه كفاية، وتبرأ من دعوى أن عنده خزائن الله أو أنه يعلم الغيب أوأنه ملك كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: ٥٠) . ويقول الشيخ: إن الذي يقتصر على الوحي هو البصير، وضده الأعمى١.
ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله هي طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجرو أن لا يعبد الله إلا بما شرع، وأن محمدا عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب، بل يطاع ويتبع، وهو خيرة الله من خلقه، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده وكل ما قاله حق وكل ما أخبر عنه صدق.
وتتضمن هذه الشهادة الإيمان بأن خاتم الرسل هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، [انتقل إلى الرفيق الأعلى] وله من العمر ثلاث وستون سنة، أربعون منها قبل النبوة، وثلاث عشرون نبياً رسولاً، نُبئ بـ (إقرأ) ، وأرسل بـ (المدثر) وبلده مكة، وهاجر إلى المدينة، بعثه الله بالنذارة عن الشرك،
стр. 409
ويدعوا إلى التوحيد، فلما أخذ على هذا عشر سنين؛ عرج به إلى السماء، وفرضت عليه الصلوات الخمس، وصلى في مكة ثلاث سنين. وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة فلما استقر بالمدينة أمر ببقية شرائع الإسلام مثل الزكاة والصوم والجهاد والحج والأذان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من شرائع الإسلام أخذ على هذا عشر سنين أيضا وبعدها توفي صلوات الله وسلامه عليه، ودينه باق، لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه، والخير الذي دل عليه التوحيد وجميع ما يحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذر منه الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه. بعثه الله إلى الناس كافة، وكل ما قاله حق وافترض الله طاعته على جميع الثقلين: الجن والإنس ودعوته عامة لكل زمان ومكان إلى قيام الساعة، وهذه من فضيلته على الأنبياء والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ (الأعراف: ١٥٨) .
وأكمل الله به الدين. والدليل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ (المائدة: ٣) .
والدليل على موته ﷺ قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (الزمر: ٣٠، ٣١) .
وهو يوم القيامة صاحب الحوض المورود، والمقام المحمود، أول شافع، وأول مشفع، ولا ينكر شفاعته إلا أهل البدع فله الشفاعة الكبرى
стр. 410
وهي المقام المحمود، وأسعد الناس بها أهل التوحيد الخالص، ولا تكون لمن أشرك بالله١.
وطريق رسول الله ﷺ هو صراط الذين أنعم الله عليهم، فالمنعم عليهم هم رسول الله ﷺ وأصحابه، والمسلم في كل ركعة من صلاته يسأل الله أن يهديه طريقهم والمراد بذلك الدين الذي أنزله الله على رسوله ﷺ وكل من خالفه من طريق أو علم أو عبادة، فليس بمستقيم٢.
ويعتقد الشيخ أن الإيمان به ﷺ حقيقة يقتضي نصرته وطاعته والهدى في ذلك، فإِن من حقوقه ﷺ طاعته كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩) .
стр. 411
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر:٧) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بى وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عزوجل" رواه مسلم١.
ولهما عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" ٢.
ولهما عن أنس مرفوعا: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالديه والناس أجمعين" ٣.
وعن المقدام بن معدى كرب الكندي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يوشك الرجل متكئا على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ
стр. 412
مثل ما حرم الله" رواه الترمذي وابن ماجه١.
ورسول الله ﷺ على خلق عظيم وعدل وتواضع يعرف ذلك حتى أعداؤه٢. وكان ﷺ أشرح الخلق صدرا وأطيبهم نفسا (لما جبل عليه ﷺ من الكرم العظيم) بالإِضافة إلى ما خصه الله به من شرح صدره بالرسالة وخصائصها وتوابعها، وشرح صدره حسا، وإِخراج حظ الشيطان منه٣. وله ﷺ الفضائل العظيمة وقول الحق الذي لا يقدر غيره أن يقوله٤.
وهو الرسول النبي الأمي حبيب الله وصفيه من خلقه ﷺ ٥.
وأقرب الخلائق منزلة عند الله تعالى٦.
ويقول فى قول الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (آل عمران:١٠١)
стр. 413
فيها: أن آيات الله لا نظير لها فى دفع الشر فى سائر الكلام، كما أن رسوله ﷺ لا نظير له فى الأشخاص فى دفع ذلك١. وهو سيد المرسلين٢، وسيد ولد آدم على الحقيقة من غير افتخار٣.
وقد أكرمه الله بالخلة وهي أعلى من المحبة كما كان إبراهيم٤.
ولابد من الأدب مع رسول الله ﷺ وتعظيم حرمته، وعدم التقدم بين يديه وقد نزل تغليظ فى ذلك فى أول سورة الحجرات ووصف الله الذين ينادون رسول الله ﷺ من وراء الحجرات، بأن أكثرهم لا يعقلون٥
وكان ﷺ فى حياته يسأله المسلمون الاستسقاء ويتوسلون بدعائه ويستشفعون٦.
وهو ﷺ في البرزخ تعرض عليه أعمال أمته من الصلاة والسلام عليه٧.
стр. 414
وهو ﷺ أفضل جميع الخلائق والأنام وسيد ولد آدم عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام ١
ويرى الشيخ فضيلة أمة محمد ﷺ على غيرها من الأمم بالكمية والكيفية٢، وأن الله سبحانه اختار ولد إسماعيل من أجناس بنى آدم، ثم اختار عنهم بنى كنانة من خزيمة، ثم اختار من ولد كنانة قريشا، ثم اختار من قريش بنى هاشم ثم اختار من بنى هاشم سيد ولد آدم محمد ﷺ كما في المسند عن معاوية بن حيدة مرفوعا "أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله" ٣.
فهم أفضل الأمم واختار لهم أفضل القبل، كما اختار لهم أفضل الرسل، وأفضل الكتب وأخرجهم من خير القرون، وخصهم بأفضل الشرائع، ومنحهم خير الأَخلاق، وأسكنهم خير الأرض٤.
ويؤمن بأن أفضل أمة محمد ﷺ أبو بكر الصديق، وفي قول النبي ﷺ : "ولو كنت متخذا من أمتى خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا".
يرى الشيخ في هذا التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة وفيه الإِشارة إلى خلافته٥.
стр. 415
ويقول الشيخ في تلخيصه عن ابن تيمية ﵀: "ذكر غير واحد الإِجماع على أن الصديق أعلم الأمة، وهذا بين فإِنهم لم يختلفوا في مسألة في ولايته إلا فصلها بحجة من الكتاب والسنة، كما بين لهم موته ﷺ ، وموضع دفنه، وقتال مانعي الزكاة، وأن الخلافة في قريش، واستعمله ﷺ على أول حجة حجت من مدينته، وعلم المناسك- أدق العبادات- ولولا سعة علمه بها لم يستعمله، ولم يستخلف غيره، لا في حج ولا في صلاة وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ أخذه أنس من أبي بكر وهو أصح ما رُويَ فيها، وفي الجملة لا يعرف مسألة غلط فيها، وعرف لغيره مسائل كثيرة، وتنازعوا بعده في مسائل الجد والإِخوة، والعمريتين والعول، وغير ذلك من مسائل الفرائض ومسألة الحرام والطلاق الثلاث بكلمة، والخلية، والبرية، والبته، وغير ذلك من مسائل الطلاق، وفي مسائل صارت نزاعا إلى اليوم لكنه في خلافة عمر نزاع محض وقوي النزاع في خلافة عثمان حتى حصل كلام غليظ من بعضهم لبعض، وفي خلافة علي صار النزاع بالسيف، ولم يعلم أنه استقر بينهم نزاع في خلافة أبي بكر في مسألة واحدة، وذلك لكمال علمه، ثم التي خولف فيها بعد موته قوله فيها أرجح١.
ويشرح الشيخ مثلا من ذلك وهو: "أنه لما مات رسول الله ﷺ ارتد
стр. 416
غالب من أسلم وحصلت فتنة عظيمة ثبت الله فيها من أنعم عليهم بالثبات بسبب أبي بكر الصديق ﵁ فإِنه قام فيها قياما لم يدانه فيه أحد من الصحابة، ذكَّرهم فيه ما نسوا وعلمهم ما جهلوا، وشجعهم لما جبنوا- فثبت الله به دين الإسلام".
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٥٤) .
يقول الشيخ: "قال الحسن: هم والله أبو بكر وأصحابه١- ويقول: جعلنا الله من أتباعه وأتباع ما حمله وأصحابه" ٢.
ثم عمر الفاروق ﵁ فهو الثاني بعد أبي بكر ﵁
في الخلافة والفضل٣ وهوالمحدث الملهم الذي أمرنا باتباع سنته وله الفضائل المشهورة، والسوابق المأثورة٤.
ثم عثمان ذو النورين هو ثالث الخلفاء في الخلافة والفضل رضي الله
стр. 417
عنه١.
كان من ذوي السابقة والشرف والعلم، هاجر الهجرتين، وصلى القبلتين. وزوجه رسول الله ﷺ ابنتيه، لما توفيت الأولى معه، زوجه الأخرى. وكان رسول الله ﷺ يقدمه ويستحي منه٢.
ثم علي المرتضى هو رابع الخلفاء الراشدين في الخلافة والفضل- ومن فضائله قتل الخوارج رضي الله عنه٣، ومن فضيلته ﵁ ما ورد في الحديث المتفق عليه عن سهل بن سعد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها؟ فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ ، كلهم يرجو أن يعطاها. فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه فأتى به. فبصق في عينيه، ودعا له. فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام. وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك
стр. 418
رجلا واحدا، خير لك من حمر النعم". قال الشيخ فيه فضيلة علي رضي الله عنه١.
ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة وهم٢: طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح "وهو أمين الأمة" ٣.
ثم أهل بدر رضي الله عنهم٤.
ثم أهل الشجرة، أهل بيعة الرضوان٥ ﵃.
ثم سائرالصحابة رضي الله عنهم٦.
ويترضى عن أمهات المؤمنين، زوجات النبي ﷺ ، المطهرات من كل سوء ويعتقد فضلهن على مراتبهن٧.
стр. 419
ويقول في تلخيصه عن ابن تيمية ﵀: "لآله ﷺ على الأمة حق لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة ما لا يستحق سائر قريش وقريش يستحقون ما لا يستحق غيرهم من القبائل، كما أن جنس العرب يستحقون من ذلك ما لا يستحقه سائرأجناس بنى آدم، على هذا دلت النصوص: وتفضيل الجملة على الجملة لا يقتضى تفضيل كل فرد كالقرن الأول على الثاني، والثاني على الثالث، وأما نفس ترتيب الثواب والعقاب على القرابة ومدح الله للمعين وكرامته عنده فهذا لا يؤثر فيه النسب، وهذا لا ينافي ما ذكرنا قبله، كما قال: (الناس معادن.. الخ) فالأرض إذا كان فيها معدن ذهب ومعدن فضة فالأول خير، لأنه مظنة وجود أفضل الأمرين فإن تعطل ولم يخرج ذهبا كان ما يخرج الفضة أفضل منه، ولهذا كان في بني هاشم النبي ﷺ الذي لا يماثله أحد في قريش، وفي قريش الخلفاء وغيرهم ما لا نظير له في العرب وفي العرب من السابقين الأولين ما لا نظير له في سائر الأجناس.. فالأصل المعتبر هو الإيمان والتقوى، دون من ألغى فضيلة الأنساب مطلقا، ودون من ظن أن الله مفضل الإنسان بنسبه على من هو مثله في التقوى وكلا القولين خطأ وهما متقابلان، فالفضل بالنسب للمظنة والسبب، وبالتقوى لليقين.. والتحقيق والغاية فالأول سبب
стр. 420
وعلامة، والثانى يفضل به لأنه تحقيق وغاية، والثواب يقع على هذا لأن الحقيقة قد وجدت فلم يعلق الحكم بالمظنة، ولأن الله يعلم الأشياء على ما هي عليه، ولهذا كان رضى الله عن السابقين أفضل من الصلاة على آل محمد، لأن الأول إِخبار بما حصل والثانى سؤال ما لم يحصل، ومحمد أخبر الله تعالى أنه يصلي عليه وملائكته فالفضيلة بنوع لا يستلزم الأفضلية مطلقا، ولهذا كان في الأغنياء من هوأفضل من جمهور الفقراء١.
وعلى العموم فالشيخ يعتقد في الآل والأصحاب ومن تبعهم بإحسان، ما ورد به الكتاب والسنة والأصل المعتبر: هو الإيمان والتقوى، فيؤمن بفضائل الصحابة الواردة، وشمائلهم المروية وعمق علمهم، على مراتبهم، ويترضى عن كل واحد منهم لأنه صحابي من صحابة رسول الله ﷺ ، ويرفض مسلك الرافضة في الصحابة لما في قصة الحديبية فلقد ذكر الله رسوله وحزبه ومدحهم بأحسن المدح فقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (الفتح: ٢٩) .
стр. 421
قال الشيخ: "والرافضة تصفهم بضده" ١.
ويرفض مسلك الخوارج أيضا ويتبرأ منهم- ويقول ﵀ في وقعة الجمل إِن مقصود الصحابة الإصلاح بين الناس واجتماع الكلمة، ولكن كان في العسكرين ناس من الخوارج فخافوا من تمالىء العسكرين عليهم، فتحيل الخوارج حتى أثاروا الحرب بينهما من غير رأي فكانت وقعة الجمل المشهورة.
وقال في الحكمين بين علي ومعاوية ﵄، لم يتفق الحكمان على شيء.
وقال الشيخ في الحسن لما ترك الأمر لمعاوية مراعاة لمصلحة المسلمين، لقد جرى مصداق ما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال في الحسن: "إِن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ٢.
ثم أورد الشيخ ما صح عن النبي ﷺ أنه قال في الخوارج: "يخرجون على حين فرقة بين الناس، تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق" ٣.
стр. 422
وأورد أنه صح عنه ﷺ في أحاديث كثيرة: أنه نهى عن القتال في الفتنة وأخبر ﷺ بوقوعها وحذر منها١.
قال الشيخ فحصل بمجموع ما ذكرنا: أن الصواب مع سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأسامة بن زيد وأكثر الصحابة الذين قعدوا واعتزلوا الطائفتين، وأن علي بن أبي طالب وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، وأن الفريقين كلهم لم يخرجوا من الإيمان، وأن الذين خرجوا من الإيمان: إنما هم أهل النهروان.
ثم قال الشيخ: "وأجمع أهل السنة على السكوت عما شجر بين الصحابة ﵃ ولا يقال فيهم إلا الحسنى- فمن تكلم في معاوية أو غيره من الصحابة فقد خرج عن الاجماع٢.
- والخلاصة- أن الشيخ يتولى أصحاب رسول الله ﷺ جميعا ويذكر محاسنهم، ويترضى عنهم ويستغفر لهم، ويكف عن مساويهم، ويسكت عما شجر بينهم ويعتقد فضلهم عملا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ
стр. 423
يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر:١٠) .
ويقول الشيخ في تلخيصه عن ابن تيمية ﵀: "إذا تكلم فيمن دون الصحابة كالملوك المختلفين وجب أن يكون الكلام بعلم وعدل، فإن العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال والظلم محرم مطلقا لا يباح بحال، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (المائدة: ٨) وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار وهو بغض مأمور به فاذا كان هذا قد نهي صاحبه أن يظلم من أبغضه، فكيف في بغض مسلم بتأويل أو شبهة أو هوى، والعدل مما اتفق أهل الأرض على مدحه، والظلم مما اتفقوا على ذمه، والله أرسل الرسل ليقوم الناس بالقسط، وأخبر أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأمر بتقواه بقدر الاستطاعة، ودعا المؤمنون بقوله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (البقرة: ٢٨٦) . فقال قد فعلت فدلت هذه النصوص على أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها وأن المخطىء والناسي لا يؤاخذه وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ (الأحزاب: ٥٨) . فمن آذى مؤمنا حيا أو ميتا بغير ذنب يوجب ذلك دخل في الآية ومن كان مجتهدا لا إثم عليه فآذاه مؤذ فقد آذاه بغير ما اكتسب، ومن أذنب وتاب أو غفرله بسبب آخر فآذاه مؤذ فقد آذاه بغير
стр. 424
ما اكتسب١.
ويقر الشيخ بكرامات الأولياء والصالحين، وما لهم من المكاشفات، وهم على صلاحهم ﵃ وهم كما قال الله فيهم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (يونس: ٦٢) ، إلا أنهم لا يستحقون من حق الله شيئا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، وهم بريئون ممن أشرك بالله كبراءة عيسى من النصارى وموسى من اليهود وعلي من الرافضة، وكذلك عبد القادر الجيلانى ﵀ برىء من أتباع الشيطان الذين ينتسبون إليه، ويتسمون بالفقراء الجيلانية.
ثم يبين الشيخ أن هؤلاء الذين يزعمون حب الصالحين وهم يخالفونهم ويشركونهم مع الله في الدعاء والنذر والذبح وغير ذلك من العبادة التى لا تصلح إلا لله أن هؤلاء في الحقيقة أعداء الصالحين، أما من هداه الله فلم يدع إلا الله هو والله الذي يحبهم لأن من أحب قوما أطاعهم فمن أحب الصالحين حقيقة يطيعهم فلا يعتقد إلا في الله كما في طريقتهم٢.
стр. 425
ويقول الشيخ في استنباطاته من قصة آدم وإبليس في خوارق العادة، وما هو منها كرامة وغير كرامة: إِنه لا ينبغى للمؤمن أن يغتر بخوارق العادة إذا لم يكن مع صاحبها استقامة على أمر الله، فان اللعين أنظره الله تعالى، ولم يكن ذلك إلا إِهانة له وشقاء له، وحكمة بالغة يعلمها الحكيم الخبير، فينبغي للمؤمن أن يميز بين الكرامات وغيرها، ويعلم أن الكرامة هي لزوم الاستقامة ومن ذلك يعلم أن الأمور التى يحرص عليها أهل الدنيا قد تكون عقوبة ومحنة، والجاهل يظنها نعمة مثل المال والجاه وطول العمر، فإن الله أعطى اللعين من النظرة ما أعطاه.
وكذلك الفاجر قد يعطيه الله سبحانه مثلا من القوى والإِدراكات في العلوم والأعمال حتى في صحة الفراسة، كما ذكر عن اللعين حين تفرس فيهم أن يغويهم إلا المخلصين، فصدق الله فراسته في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سبأ: ٢٥) . فإِن قيل في الحديث: "اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله" فلا يناقض ما ذكرناه، بل يدل على أن المؤمن أتم هذه الخصلة من غيره وأصدق، كما كان في العلم والإيمان والأعمال والحلم والصبر وغير ذلك، ولوكان للفجار شيء من ذلك١.