← Акыда

Акыда · id 12039

عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي

صالح بن عبد الله العبود

Полный текст (1 147 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قال الشيخ: "والرافضة تصفهم بضده" ١. ويرفض مسلك الخوارج أيضا ويتبرأ منهم- ويقول ﵀ في وقعة الجمل إِن مقصود الصحابة الإصلاح بين الناس واجتماع الكلمة، ولكن كان في العسكرين ناس من الخوارج فخافوا من تمالىء العسكرين عليهم، فتحيل الخوارج حتى أثاروا الحرب بينهما من غير رأي فكانت وقعة الجمل المشهورة. وقال في الحكمين بين علي ومعاوية ﵄، لم يتفق الحكمان على شيء. وقال الشيخ في الحسن لما ترك الأمر لمعاوية مراعاة لمصلحة المسلمين، لقد جرى مصداق ما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال في الحسن: "إِن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ٢. ثم أورد الشيخ ما صح عن النبي ﷺ أنه قال في الخوارج: "يخرجون على حين فرقة بين الناس، تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق" ٣.

стр. 422

وأورد أنه صح عنه ﷺ في أحاديث كثيرة: أنه نهى عن القتال في الفتنة وأخبر ﷺ بوقوعها وحذر منها١. قال الشيخ فحصل بمجموع ما ذكرنا: أن الصواب مع سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأسامة بن زيد وأكثر الصحابة الذين قعدوا واعتزلوا الطائفتين، وأن علي بن أبي طالب وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، وأن الفريقين كلهم لم يخرجوا من الإيمان، وأن الذين خرجوا من الإيمان: إنما هم أهل النهروان. ثم قال الشيخ: "وأجمع أهل السنة على السكوت عما شجر بين الصحابة ﵃ ولا يقال فيهم إلا الحسنى- فمن تكلم في معاوية أو غيره من الصحابة فقد خرج عن الاجماع٢. - والخلاصة- أن الشيخ يتولى أصحاب رسول الله ﷺ جميعا ويذكر محاسنهم، ويترضى عنهم ويستغفر لهم، ويكف عن مساويهم، ويسكت عما شجر بينهم ويعتقد فضلهم عملا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ

стр. 423

يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر:١٠) . ويقول الشيخ في تلخيصه عن ابن تيمية ﵀: "إذا تكلم فيمن دون الصحابة كالملوك المختلفين وجب أن يكون الكلام بعلم وعدل، فإن العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال والظلم محرم مطلقا لا يباح بحال، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (المائدة: ٨) وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار وهو بغض مأمور به فاذا كان هذا قد نهي صاحبه أن يظلم من أبغضه، فكيف في بغض مسلم بتأويل أو شبهة أو هوى، والعدل مما اتفق أهل الأرض على مدحه، والظلم مما اتفقوا على ذمه، والله أرسل الرسل ليقوم الناس بالقسط، وأخبر أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأمر بتقواه بقدر الاستطاعة، ودعا المؤمنون بقوله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (البقرة: ٢٨٦) . فقال قد فعلت فدلت هذه النصوص على أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها وأن المخطىء والناسي لا يؤاخذه وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ (الأحزاب: ٥٨) . فمن آذى مؤمنا حيا أو ميتا بغير ذنب يوجب ذلك دخل في الآية ومن كان مجتهدا لا إثم عليه فآذاه مؤذ فقد آذاه بغير ما اكتسب، ومن أذنب وتاب أو غفرله بسبب آخر فآذاه مؤذ فقد آذاه بغير

стр. 424

ما اكتسب١. ويقر الشيخ بكرامات الأولياء والصالحين، وما لهم من المكاشفات، وهم على صلاحهم ﵃ وهم كما قال الله فيهم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (يونس: ٦٢) ، إلا أنهم لا يستحقون من حق الله شيئا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، وهم بريئون ممن أشرك بالله كبراءة عيسى من النصارى وموسى من اليهود وعلي من الرافضة، وكذلك عبد القادر الجيلانى ﵀ برىء من أتباع الشيطان الذين ينتسبون إليه، ويتسمون بالفقراء الجيلانية. ثم يبين الشيخ أن هؤلاء الذين يزعمون حب الصالحين وهم يخالفونهم ويشركونهم مع الله في الدعاء والنذر والذبح وغير ذلك من العبادة التى لا تصلح إلا لله أن هؤلاء في الحقيقة أعداء الصالحين، أما من هداه الله فلم يدع إلا الله هو والله الذي يحبهم لأن من أحب قوما أطاعهم فمن أحب الصالحين حقيقة يطيعهم فلا يعتقد إلا في الله كما في طريقتهم٢.

стр. 425

ويقول الشيخ في استنباطاته من قصة آدم وإبليس في خوارق العادة، وما هو منها كرامة وغير كرامة: إِنه لا ينبغى للمؤمن أن يغتر بخوارق العادة إذا لم يكن مع صاحبها استقامة على أمر الله، فان اللعين أنظره الله تعالى، ولم يكن ذلك إلا إِهانة له وشقاء له، وحكمة بالغة يعلمها الحكيم الخبير، فينبغي للمؤمن أن يميز بين الكرامات وغيرها، ويعلم أن الكرامة هي لزوم الاستقامة ومن ذلك يعلم أن الأمور التى يحرص عليها أهل الدنيا قد تكون عقوبة ومحنة، والجاهل يظنها نعمة مثل المال والجاه وطول العمر، فإن الله أعطى اللعين من النظرة ما أعطاه. وكذلك الفاجر قد يعطيه الله سبحانه مثلا من القوى والإِدراكات في العلوم والأعمال حتى في صحة الفراسة، كما ذكر عن اللعين حين تفرس فيهم أن يغويهم إلا المخلصين، فصدق الله فراسته في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سبأ: ٢٥) . فإِن قيل في الحديث: "اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله" فلا يناقض ما ذكرناه، بل يدل على أن المؤمن أتم هذه الخصلة من غيره وأصدق، كما كان في العلم والإيمان والأعمال والحلم والصبر وغير ذلك، ولوكان للفجار شيء من ذلك١.

стр. 426

ويذكرالقول الفصل في عطاء الدنيا بعد أن ذكرخطأ كثير من الناس في نظره إلى ذلك فقال: "بعضهم يظن أن هذا كله نقص أو مذموم، وأن التجرد من المال مطلقا هو الصواب، وبعض يظن أن عطاء الدنيا يدل على رضا الله، وكلاهما على غير الصواب. وذلك أن من أنعم الله عليه بولاية أومال فجعلها طريقا إلى طاعة الله فهو ممدوح، وهو أحد الرجلين الذين يغبطهما المؤمن، وإن كان غير هذا فلا"١ فإِن العطاء ما أغنى أصحاب الحجر: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الحجر: ٨٢-٨٤) . ما أغنى عنهم ذلك وقت البلاء كما أغنت الأعمال الصالحة عن أهلها برحمة الله تعالى٢. ولا يشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ ولكنه يرجو للمحسن ويخاف على المسىء، ولا يكفر أحدا من المسلمين بذنب ولا يخرجه به من دائرة الإسلام٣.

стр. 427

ويرى أن الفرقة الناجية وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية. وهم وسط في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية. وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج١. ويرى الجهاد ماضيا مع كل إمام برا كان أو فاجرا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماضيا منذ بعث الله محمداً ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل. ويرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه٢. ويقول الشيخ في تلخيصه عن ابن تيمية: مذهب أهل السنة أن الأمراء الظلمة مشاركون فيما يحتاج إليهم فيه من طاعة الله فيصلي خلفهم، ويجاهد معهم، ويستعان بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن

стр. 428

المنكر، ومن حكم منهم بعدل نفذ حكمه، وإن أمكن تولية بر، لم يجز تولية فاجر، فيجتهدون في الطاعة بحسب الإِمكان، كما قال الله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: ١٦) ويعلمون أن الله بعث محمدا ﷺ بصلاح العباد فإِذا اجتمع صلاح وفساد رجحوا الراجح منهما وقل من خرج على سلطان إلا كان ما تولد عن فعله من الشر أعظم من الخير، فلا أقاموا دينا ولا أبقوا دنيا، وإِن كان فيهم خلق من أهل العلم والدين، وهذا مما يبين أن ما أمربه ﷺ من الصبر على جور الأئمة هو الأصلح، فالشارع أمركلا بما هو أصلح له وللمسلمين، فأمر الولاة بالعدل والنصح لرعيتهم، وأمر بالصبر على استيثارهم وعدم منازعتهم الأمر، والفتن في كل زمان بحسب رجاله، والفتنة تمنع معرفة الحق وقصده والقدرة عليه ففيهما من الشبهات ما يلبس الحق بالباطل، حتى لا يتميز لكثير من الناس، ومن الشهوات ما يمنع قصد الحق، ومن قوة الشر ما يضعف القدرة على الخير، ولهذا يقال: "فتنة عميا صما" ١. ويرى أن الإمام نائب عن المسلمين يتصرف في مصالحهم وقيام الدين، فإِن تعين للدفع عن الإسلام، والذب عن حوزته استجلاب أعداء الإسلام إليه ليأمن شرهم ساغ ذلك بل تعين ومبنى الشريعة باحتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، بل

стр. 429

بناء مصالح الدنيا والدين على هذين١. ويرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، ويحكم عليهم بالظاهر، ويكل سرائرهم إلى الله. ويعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة، ويرى خلع جميع البدع ٢. لأن الله أخبر بأنه أكمل الدين وأتمه على لسان رسول الله ﷺ وأمرنا بلزوم ما أنزل إلينا من ربنا وترك البدع والتفرق والاختلاف فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ (الما ئد ة: ٣) . وقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٣) . وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران: ٣١) . وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: ١٠٨) . وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ

стр. 430

سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:١٥٣) . وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر:٧) ١. ويرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة٢. ويؤمن بكل ما أخبر به النبي ﷺ من أخبار الفتن والحوادث، وأشراط الساعة وما جاء في المهدي، وخروج الدجال ونزول عيسى، وأنه لا يزال حيا، وسكنى المدينة وعمارتها وخروج الدابة ونحو ذلك وقد ألف الشيخ في ذلك كتابا بعنوان. هذه أحاديث في الفتن والحوادث التى أخبر النبي ﷺ أنها ستكون بعده٣.

стр. 431

الإيمان باليوم الآخر: والشيخ يؤمن بالبعث بعد الموت وبإِعادة الأرواح إلى الأجساد وقيام الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا يوم تأتي الساعة- كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ ١ (الحجر: ٨٥-٨٦) . وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ (طه: ١٥-١٦) . قال الشيخ ما مضمونه: "فيها ذكر الإيمان باليوم الآخر بعد ذكر الإيمان بالله تعالى مما يبين أنه علة للإيمان بالله فمن لم يؤمن باليوم الآخر لا يؤمن بالله تعالى ولا يؤمن بلقائه يوم القيامة٢. ويقول الشيخ في صدر سورة هود فيه من العلوم، علم الإيمان باليوم الآخر، وذكر أنه إلى الله المرجع كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ الآيات- يقول الشيخ فيها ذكر الجنة والنار وذكر العرض على الله وكلام الأشهاد وأن افتراء الكفار ضل عنهم، وكانوا هم الأخسرون في الآخرة٣.

стр. 432

وفي قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (النحل: ١١١) . قال الشيخ فيها: "تعظيم ذلك اليوم، وذكر الأمر الهائل في كل نفس، ونفي الظلم ولو عن الأشرار"١. وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ (العلق: ٨) . قال الشيخ فيها الإيمان باليوم الآخر، والوعظ بذلك عن الطغيان، وتسلية المطغى عليه بذلك، وكونه إلى رب محمد ﷺ ففيه الجزاء على الأعمال٢. ويقول الشيخ: "والناس اذا ماتوا يبعثون" والدليل قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (طه: ٥٥) . وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ (نوح: ١٧، ١٨) . وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم - والدليل قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (النجم: ٣١) .

стр. 433

ومن كذب بالبعث كفر- والدليل قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (التغابن: ٧) ١. ويقول الشيخ في كلامه على قصة آدم وإبليس: "وفي القصة فوائد عظيمة، وعبر لمن اعتبر بها، منها أن خلق آدم من تراب من أبين الأدلة على المعاد، كما استدل عليه سبحانه في غير موضع وعلى قدرته سبحانه وعظمته ورحمته وعقوبته وإِنعامه وكرمه وغير ذلك من صفاته التى تدل على البعث٢. وفي قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ - الآية. (الكهف: ٢١) . قال الشيخ فيها إن الإعثار عليهم لحكمة ومعرفة المؤمن إذا أعثر عليهم. ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ كما رد الله موسى إلى أمه لتعلم أن وعد الله حق، فتأمل هذا العلم ما هو؟ وقوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ أى لما وقع بينهم النزاع، وذلك أن بعض الناس زعم أن البعث للأرواح خاصة، فأعثر عليهم ليكون دليلا

стр. 434

على بعث الأجساد١. ومن قصة موسى والخضرعليهما السلام يستنبط مسائل في الأصول منها: الدليل على اليوم الآخر، لأن من أعظم الأدلة إحياء الموتى في دار الدنيا٢. ومن دليل المعاد المبدأ كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (الأعراف: ٢٩) . قال الشيخ فيه ذكر المعاد والاستدلال عليه بالمبدأ٣، أي لابد أن يخلقكم للبعث كما بدأ خلقكم من نطفة٤. ومن الإيمان باليوم يؤمن الشيخ بما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيؤمن بفتنة القبر، وبعذاب القبر ونعيمه. وبإِعادة الأرواح إلى الأجساد وحالتها في البرزخ وحالة الأموات ونحو ذلك. فأما الفتنة: فالناس يفتنون في قبورهم فيقال للرجل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟

стр. 435

يقول الشيخ: "فمن لم يعرف ربه، بمعنى معبوده، ودينه، ورسوله، الذي أرسله الله إليه بدلائله في الدنيا ولم يعمل به سئل عنه في القبر، فلم يعرفه، ومن لم يعرفه في القبر ضربته الملائكة بمرزبة من حديد لو اجتمع عليها الجن والإنس ما أَطاقوا حملها، ومن عرفه بدليله وعمل به في الدنيا ومات عليه سئل في القبر فيجيب بالحق، فإنه ذكر في الحديث "إِن العبد المؤمن أو الموقن إذا وضع في قبره سألته الملائكة عن ربه وعن دينه، وعن نبيه، فيقول ربي الله ودينى الإسلام ونبي محمد، جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وصدقنا واتبعنا، فيقال له نم صالحا قد علمنا أنك مؤمن، وأعظم البينات الذي جاء به الرسول كتاب الله كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وأما المنافق والمرتاب إذا سئل عن ذلك يقول هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فتعذبه الملائكة١. ويؤمن الشيخ بالحساب، وأن الحساب متوقف على الرسالة، وأنه عام حتى المرسلين كما قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ (الأعراف: ٦،٧) .

стр. 436

قال الشيخ: "وفي ذلك أن الله يقص عليهم ما فعلوا بعلمه وأنه شهيد على الجزئيات". كما يؤمن الشيخ: بالميزان وأنه الحق وأن له كفتين. وأن الفلاح بسبب ثقله، والخسارة بسبب خفته، وأن سبب الخفة الظلم بآيات الله تعالى- كما قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ (الأعراف: ٨، ٩) . ويؤمن بالحوض المورود١. والناس يرون أعمالهم كلها يوم القيامة بدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ . وقد أشار الشيخ إلى أن هذه الآية: "الآية الجامعة الفاذة" ويقرر الشيخ أن الجزاء من جنس العمل٢. وأن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها٣. ومن مشاهد القيامة - في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا

стр. 437

وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (الزمر: ٦٨-٧٠) . يقول الشيخ فيها: صعق أهل السموات والأرض إلا من استثنى الله وفيها النفخة الثانية فإذا هم قيام ينظرون، ويلاحظ إذا الفجائية وفيها إتيان الرب سبحانه وإِشراق الأرض بنوره وإِضافة الأرض إليه ووضع الكتاب والإِتيان بالنبيين والشهداء، والقضاء بينهم بالحق وتوفية كل نفس عملها وبيان أنه لايقع في الخصومات شىء مما يقع في الدنيا لكونه أعلم١. وفي شأن الجنة والنار يؤمن الشيخ بهما، وأنهما موجودتان الآن وأن للإِيمان بهما فضلا عظيما. وأن الدور ثلاث، فدار أخلصت للطيب، ودار أخصلت للخبيث، ودار امتزج فيها الخبيث بالطيب، وهي هذه الدار الدنيا، فإذا كان يوم المعاد ميز الله الخبيث من الطيب فجعل الطيب بحذافيره في الجنة، وجعل الخبيث بحذافيره في النار، فعاد الأمر إلى دارين فقط٢.

стр. 438

وفي قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ لآيات (الزمر: ٧١- ٥ ٧) . قال الشيخ فيها: سياقه الكفار، وكونهم زمرا وفتح أبوابها وقت مجيئهم وتقريع الخزنة لهم وكون كل رسول يتلو الآيات وينذر بذلك اليوم، وكون الرسالة عمت واعترافهم، وأن الذي منعهم كون كلمة العذاب حقت على من كفر، وقول الخزنة ادخلوها خالدين، وبيان أن التكبر سبب الكفر، وفيها سوق أهل الجنة وكونهم زمرا، وفتح الأبواب لهم وتسليم الملائكة وقولهم طبتم فادخلوها خالدين، وقولهم الحمد لله. الخ، حمدوه على صدق الوعد وعلى أنه أورثهم الأرض يتبوؤن منها حيث شاءوا وإِثبات دخولها بالعمل وأنها أجر العاملين ورؤية الملائكة حافين من حول العرش، والقضاء بالحق وقول الخلائق كلهم: (الحمد لله رب العالمين) ١. - وبالجملة- فان الشيخ: يؤمن بكل ما أخبر النبي ﷺ به مما يكون بعد الموت، فيؤمن بفتنة القبر ونعيمه، وبإِعادة الأرواح إلى الأجساد فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين، وتوزن بها أعمال العباد فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن

стр. 439

خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه وآحذ كتابه بشماله. ويؤمن بحوض نبينا محمد ﷺ بعرصة القيامة، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً. ويؤمن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم. ويؤمن بشفاعة النبي ﷺ وأنه أول شافع وأول مشفع. ويؤمن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان وأنهما لا يفنيان. وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته١.

стр. 440

الإيمان بالقدر: يقول الشيخ: وأومن بأن الله فعال لما يريد، ولا يكون شىء إلا بإِرادته ولا يخرج شىء عن مشيئته، وليس شىء في العالم يخرج عن تقديره، ولايصدر إلاعن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور١. والصبر على أقدار الله من الإيمان بالله لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . قال علقمة: "هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله: فيرضى ويسلم" ٢. ويذكر الشيخ كيفية الإيمان بالقدر وهي أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وأن الإيمان بذلك فرض، ولا يجد أحد طعم الإيمان ولن يبلغ حقيقة العلم بالله ﵎ حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ومن لم يؤمن به أحرقه الله بالنار، ولوكان لأحدهم مثل أحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبل الله منه، حتى يؤمن بالقدر وبدليل قول النبي ﷺ : "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره". وأن رسول الله ﷺ تبرأ ممن لم يؤمن به.

стр. 441

أخذاً من حديث عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: "يابنى، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب- فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقاديركل شىء حتى تقوم الساعة - يابنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: من مات على غير هذا فليس مني" ١. وفي كتاب أصول الإيمان للشيخ بعد أن ذكر باب الإيمان بالله ومعرفته أردفه مباشرة بباب الإيمان بالقدرقبل ذكر الملائكة والرسل والكتب مما يشير إلى أن القدرمن شأن الله تعالق ومن صفته، ولأن الإيمان بالقدر من حقيقة العلم بالله تبارك وتعالى٢. يذكر الشيخ في كتاب الإيمان أدلة القدرمن القرآن الكريم، مثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠١) . وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ (الأحزاب: ٣٨) . وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات: ٩٦) .

стр. 442

وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: ٤٩) . ويذكر أدلته أيضا من السنة المطهرة مثل قوله: في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء". وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة" قالوا: يارسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له- أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (الليل: ٦) - متفق عليه١. ومثل حديث ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهوالصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار

стр. 443

فيدخلها وإِن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" متفق عليه. ومثل حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل شىء بقدرحتى العجز والكيس" رواه مسلم١. وعن قتادة في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (القدر: ٤) - قال: يقضى فيها ما يكون في السنة إلى مثلها، رواه عبد الرزاق وابن جرير وقد روى معنى ذلك عن ابن عباس والحسن وأبي عبد الرحمن السلمي وسعيد بن جبير ومقاتل٢. وفيما يروى عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يخلق ويرزق ويحى ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء- رواه عبد الرزاق وابن المنذر والطبرانى والحاكم٣. ثم نقل الشيخ كلام ابن القيم لما ذكر هذه الأحاديث وما في معناها ومحصله: أن الأدلة دلت على تقدير يومي، وتقدير حولى، وتقدير عمرى عند تعلق الروح وعند أول تخليقه وتقدير سابق على وجوده لكن بعد خلق السموات والأرض، وتقدير سابق على خلق السموات والأرض

стр. 444

بخمسين ألف سنة وكل واحدة من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق. وينقل الشيخ تفصيلا لقدر الله السابق فيقول ما حاصله: وتقدير الله السابق هو ثبوت الشىء في العلم والتقدير ليس هو ثبوت عينه في الخارج، بل العالم يعلم الشىء ويكتبه ويتكلم به وليس لذاته في الخارج وجود، وهذا العلم والكتاب هو الذي ينكره القدرية الذين كفرهم الأئمة، حين ناظروهم بالعلم فجحدوه أما من أقر به فقد خصم، وقد بينه الكتاب والسنة وأجاب النبي ﷺ عن السؤال الوارد عليه وهو: - أنترك العمل لأجله؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له١. وسيأتى مزيد بيان لموضوع القدر من الله تعالى في فصل التوحيد الجانب العلمي إن شاء الله تعالى. من مباحث الإيمان: ويعتقد الشيخ أن حقيقة الإيمان هي التصديق وأنه قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان كما قال الحسن البصرى: "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال" ٢ وأن

стр. 445

الأعمال من الإيمان١. والإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق٢. ويقول الشيخ إن الله سبحانه قد أمرنا أن نقول آمنا كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: ١٣٦) . قال الشيخ: وليس هذا من إِظهار العمل الذي إِخفاؤه أفضل، وفي ذلك الإيمان بجميع المنزل وعدم التفريق بين الرسل والتصريح بالإسلام والتصريح بإِخلاص ذلك لله، وليس هذا من الثناء على النفس بل من بيان الدين الذي أنت عليه، ولهذا قال بعض السلف ينبغى لكل أحد أن يعلم هذه الآية أهل بيته وخدمه٣.

стр. 446

وأن قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ (البقرة: ١٣٧) . بعد قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية (البقرة: ١٣٦) . فيه التصريح أن الإيمان هوالعمل١. وأجاب الشيخ عن سؤال حول أبيات تضمنت خمس مسائل من مسائل العقيدة التى يسمونها أصول الدين هي: ما هو أول واجب؟ وهل يكتفي في مسائل الأصول بالتقليد أو غلبة الظن أو لابد من اليقين؟ وهل يشترط في الواجب النطق بالشهادتين أو يصير مسلما بالمعرفة؟ وهل الإيمان قول باللسان من غير عقيدة القلب؟ - وهل الأعمال من الإيمان يزيد وينقص بها؟ وفيما يلي السؤال والجواب: سئل الشيخ عن معنى هذه الأبيات: معرفة الإله باستيقان؟ أول واجب على الإنسان ... معرفة الإله باستيقان؟ فأجاب: تمام الكلام يعين على فهم معناه. أول واجب على الإنسان ... معرفة الإله باستيقان؟ والنطق بالشهادتين اعتبرا ... لصحة الإيمان ممن قدرا إِن صدق القلب وبالأعمال ... يكون ذا نقص وذا إكمال فذكر في هذا الكلام خمس مسائل من مسائل العقائد التى يسمونها أصول الدين:

стр. 447

الأولى: اختلف في أول واجب فقيل النظر وقيل القصد إلى النظر وقيل المعرفة. الثانية: هل يكتفي في مسائل الأصول بالتقليد أو غلبة الظن أو لابد من اليقين فذكر أن الواجب في معرفة الله هو اليقين. الثالثة: هل يشترط في الواجب النطق بالشهادتين أو يصير مسلما بالمعرفة فذكر أنه لا يصير مسلما إلا بالنطق للقادر عليه والمخالف في ذلك جهم من تبعه وقد أفتى الإمام أحمد وغيره من السلف بكفر من قال إِنه يصير مسلما بالمعرفة. وتفرع على هذه مسائل (منها) من دُعيَ إلى الصلاة فأبي مع الإِقرار بوجوبها هل يقتل كفرا أوحدا. الرابعة: إن ابن كرام وأتباعه يقولون إن الإيمان قول باللسان من غير عقيدة القلب مع أنهم يوافقون أهل السنة أَنه مخلد في النار فذكر أَنه لابد مع النطق بتصديق القلب. الخامسة: المسألة المشهورة هل الأعمال من الإيمان ويزيد وينقص بها أم ليست من الإيمان والمخالف في ذلك أبوحنيفة ومن تبعه الذين يسمون مرجئة الفقهاء فرجح الناظم مذهب السلف أن الأعمال من الإيمان وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. إذا ثبت هذا فكل هذه المسائل واضحة إلا المسألة الأولى المسئول عنها وهي معرفة الإله ما هي؟ فينبغى التفطن لهذه فانها أصل الدين وهي الفارقة بين المسلم- والكافر وبيان ذلك أنه ليس المراد معرفة الإله

стр. 448

الإجمالية يعني معرفة الإنسان أن له خالقا فإنها ضرورية فطرية بل معرفة الإله هل هذا مختص بالله لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل؟ أولغيره قسط منه فأما المسلمون أتباع الأنبياء، فإجماعهم على أنه مختص كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥) والكافرون يزعمون أنه هو الإله الأكبر ولكن معه آلهة. أخرى تشفع عنده وهذا باطل١. وفي تفاوت الإيمان ومراتبه وعلو إيمان بعض المؤمنين على بعض- يقول الشيخ في جوابه عن سؤال استفتى به: وأما قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ فمن أعظم الأدلة على تفاوت الإيمان ومراتبه، حتى الأنبياء: فهذا طلب الطمأنينة مع كونه مؤمنا، فإِذا كان محتاجا إلى الأدلة التى توجب الطمأنينة فكيف بغيره؟ ولذلك قال رسول الله ﷺ في الصحيح "نحن أحق بالشك من إبراهيم". وأما قوله في كلام البقرة والذيب "آمنت به أنا وأبو بكر وعمر" وليسا في ذلك المكان، فكان هذا من الإيمان بالغيب المخالف للمشاهدة، وذلك أن الناس يشاهدون البهائم لا تتكلم فلما أخبر النبي ﷺ أن هذا جرى فيما مضى تعجبوا من ذلك مع إيمانهم فقال: "آمنت به أنا وأبو بكر وعمر" فلما ذكرهما لهذا المقام العظيم الذي طلب إبراهيم في مثله العيان

стр. 449

ليطئمن قلبه مع كونهما ليسا في المجلس دل ذلك، على أن إيمانهما أعلى من إيمان غيرهما خصوصا لما قرنهما بإيمانه ﷺ ١. ويعتقد الشيخ أن للإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها٢، للحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان- أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار". وفي رواية: "لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى" إلى آخره. وعن ابن عباس ﵄ قال: "من أحب في الله، وأبغض في الله ووالى في الله، وعادى في الله، فإِنما تنال ولاية الله بذلك. ولن يجد عبد طعم الإيمان وإِن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك وقد صارت عامة مؤ اخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئا" رواه ابن جرير- وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ (البقرة: ١٦٦) قال: المودة. قال الشيخ فيه أعمال القلب الأربع التى لا تنال ولاية الله إلا بها ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها٣.

стр. 450

ويفسر الإيمان والتقوى في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (يوسف: ٥٧) . فيقول: الإيمان يدخل فيه الدين كله، وأيضا يدخل كله في التقوى، أما إذا فرق بينهما كما هنا فالإيمان الأمور الباطنة، والتقوى الأمور الظاهرة. وإذا قلت: الإيمان فعل الواجبات والتقوى ترك المحرمات فقد أصبت١، ثم يذكرأن تفسير التقوى جاء في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (الزمر: ٣٣) . وأن هذا أحسن ما فسرت به، فالمتقى يأتى بالصدق إن كان مخبرا، ويصدق بالصدق إن كان سامعا، وهذا هو الإحسان كما تبين بالآية بعده: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (الزمر: ٣٤) ٢. وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: ٩٠) الجمع بين التقوى والإيمان ومعرفة الفرق بينهما، وأن من جمع بينهما فهو من المحسنين لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣ (يوسف:٩٠) .

стр. 451

ويعتقد أن الإيمان بجميع شعبه حق، وما ناقضه باطل، فمن آمن الإيمان كله، ولم يلبس إيمانه بشرك كان من أهل الأمن في الآخرة والاهتداء في الدنيا لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأ نعام:٨٢) ١. ويدخل الإسلام في الإيمان، فإذا أفرد كقوله في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ (الحديد: ٢١) فيدخل فيه الإسلام، وإذا ذكر الإسلام والإيمان كقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (الأحزاب: ٣٥) - فالإسلام الأعمال الظاهرة والأيمان في القلب. والإيمان أعلى من الإسلام، فيخرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلى الكفر فيخرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام الذي ينفعه وإِن كان ناقصا كما في آية الحجرات: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ (الحجرات: ١٤) . وحقيقة الأمر أن الإيمان يستلزم الإسلام قطعا، وأما الإسلام فقد يستلزم الإيمان وقد لا يستلزمه٢. ويعتقد الشيخ أن الإيمان بجميع شعبه وأركانه مرتبة عالية من مراتب

стр. 452

دين الإسلام١. ودين الإسلام وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين٢. واذا لاح واتضح لم يضره كثرة المخالف ولاقلة الموافق٣. وأن الإيمان يزيد بالطاعة والأعمال الصالحة وينقص بالمعصية، وهو يتجزأ ولا يلزم إذا ذهب بعضه أن يذهب كله. ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان. قال الشيخ فيما لخصه عن شيخ الإسلام ابن تيمية: "تواترات الأحاديث بخروج من قال: لا إله إلا الله من النار إذا كان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة أوخردلة أو ذرة، وكثير منهم أو أكثرهم يدخلها، وتواترت أنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، لكن جاءت مقيدة بالإِخلاص، واليقين، ويموت عليها، فكلها مقيدة بهذه القيود الثقال، وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين، ومن لا يعرف ذلك يخشى عليه أن يفتن عنها عند الموت، وغالبهم إنما يقولها تقليدا أو عادة، وغالب ما يفتن عند الموت أو في القبر أمثال هؤلاء، كما في الحديث

стр. 453

سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد أواقتداء بأمثالهم، وهم أقرب الناس من قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ الآية (الزخرف: ٢٢) - فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين ومات عليها امتنع أن تَرْجَحَ سيئاته، فإن كان قالها على الكمال المانع من الشرك الأصغر والأكبر فهو غير مصر على ذنب، وإِن كان على وجه خلص به من الأكبر ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك فهذه الحسنة لا يقاومها شىء من السيئات فترجح بها الحسنات كما في حديث البطاقة وهذا خلاف من رجحت سيئاته، لأنه معه الشرك الأصغر وأتى بعد ذلك بسيئات تنضم إلى ذلك الشرك فترجح سيئاته، فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين، فيضعف قول لا إله إلا الله، فيمتنع الإخلاص في القلب، فيصير المتكلم بها كالهاذي، أوالنائم أو من يحسن صوته بآية من القرآن من غير ذوق طعم ولا حلاوة فالذي قالها بيقين وصدق تام إما ألا يكون مصرا على سيئة أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته، والذين دخلوا النار فاتهم أحد الشرطين١. ويرى أن قلب الإنسان يجتمع فيه الضدان، المعرفة والإِنكار، والعلم والجهل، والإيمان والكفر، والحكم للغالب منهما٢.

стр. 454

فقد يكون في الرجل مادتان، فأيهما غلبت عليه كان من أهلها، فإِن أراد الله بعبده خيرا طهره قبل الموافاة فلا يحتاج إلى تطهيره بالنار. وحكمته تعالى تأبى أن يجاوره العبد في داره بخبائثه، فيدخل النار طهرة له وإِقامة هذا النوع فيها على حسب سرعة زوال الخبائث وبطئها ولما كان المشرك خبيث الذات لم تطهره النار، كالكلب إذا دخل البحر. ولما كان المؤمن الطيب بريئا من الخبائث، كانت النار حراما عليه إذ ليس فيه ما يقتضى تطهيره، فسبحان من بهرت حكمته العقول١. ويفرق بين الكفر الأكبر المخرج من الملة والكفر الذي هو دونه ولا يخرج من الملة وكذلك الشرك ويقول: كيف تعجبون من كلامي في رجل من المتأخرين غلط في قوله يا أكرم الخلق، ولا تفطنون لمثل قول أنس بن مالك في أهل زمانه: ما أعرف فيهم شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيعت. هل تظنون هذا المتأخر خيرا وأعلم من أولئك؟ ولكن هذه الأمور لا علم لكم بها وتظنون أن من وصف شركا أو كفرا أنه الكفر الأكبر المخرج عن الملة٢. ويعتقد الشيخ أنه: لا بد من استدامة حال الإيمان حتى يموت عليه

стр. 455

كما قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ ١ (الحجر: آخرها) . فإن الأعمال بالخواتيم٢، والعبرة بكمال النهاية لا نقص البداية٣ ونسأل الله حسن الختام. هذا ومن خلال ما مر بنا في هذا الفصل عن مجمل عقيدة الشيخ السلفية تبين لنا أنها الإيمان بأركان الإيمان الستة، وهذا هو الإيمان الشرعى ونظرا لأهمية الإيمان بالله تعالى، بأنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له سنتاول ذلك بشىء من التفصيل لأن ذلك أصل الأصول، وقد آن لنا أن ننتقل إلى التعرف على عقيدة الشيخ في توحيد الله من مقاميه مقام الخبر، ومقام الطلب، وإلى ذلك في الفصل التالي.

стр. 456

ِِِ الفصل الثالث: عقيدة الشيخ في التوحيد حيث إِن الكلام في التوحيد يكون من مقامين، مقام الخبر، وهو الذي يترتب عليه توحيد المعرفة والإثبات، أي التوحيد العلمي. ومقام الطلب وهو الذي يترتب عليه توحيد القصد والإرادة، أي التوحيد العملي. والعلم قبل العمل وهو إمامه وقائده، وبقدر نفع العلم يكون صلاح العمل كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (محمد: ١٩) . وقال الشيخ: قال البخاري رحمه الله تعالى: باب العلم قبل القول والعمل واستدل بهذه الآية، ثم قال الشيخ: فبدأ بالعلم قبل القول والعمل١. ولذا فقد بدأنا هذا الفصل بالجانب الخبري العلمي من جانبي التوحيد، وهذا الجانب العلمي هو توحيد المعرفة والإثبات، وهو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات، والصدق والكذب، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية٢.

стр. 457

توحيد المعرفة والإثبات: يعتقد الشيخ في هذا الباب أن توحيد الله تعالى هو المبني على اعتقاد أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له وهذا هو توحيد الربوبية وواحد في ذاته وأسمائه وصفاته لا نظير له ١ وهذا هو توحيد الأسماء والصفات. وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات كلاهما من باب واحد هو توحيد المعرفة والإثبات وهو التوحيد العلمي الخبري. وهذا التوحيد هو الأصل ولا يغلط في الإِلهية إلا من لم يعطه حقه" ٢. وهو الشهادة بأنه لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر الأمور إلا هو. وهذا حق٣، وهو الذي أقر به الكفار - كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (يونس: ٣١) . ولكنهم كفروا حيث لم يعبدوا الله وحده كما هو مقتضى شهادتهم بالربوبية كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ

стр. 458

زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر: ٣) . وتوحيد الربوبية ثابت مشهور لا يحتاج إلى دليل بل هو الدليل على توحيد الطلب كما أَنزل الله في محكم كتابه يحتج به على من كفر من خلقه - وتقدم ذكر قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ﴾ الآية. أما توحيد الأسماء والصفات فيقول الشيخ: وأما توحيد الصفات فلا يستقيم توحيد الربوبية ولا توحيد الألوهية إلا بالإقرار بالصفات، والكفار أعقل ممن أنكر الصفات ١. ذلك أن الكفار يزعمون أن الله هو الإله الأكبر، ولكن معه آلهة أخرى تشفع عنده فهم أثبتوا أن الله يتصف بأنه معبود لكن نازعوا في توحيد العبادة فقالوا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ولم يرضوا أن يقولوا هذه الكلمة لأنهم عرفوا أنها تعني توحيد العبادة، والمتكلمون أضلهم كلامهم عن معرفة الإله فقالوا إنه القادر على الاختراع وأن الألوهية هي القدرة فإذا أقررنا بذلك فهو معنى قوله لا إله إلا الله، ثم استحوذ عليهم الشيطان فظنوا أن التوحيد لا يتأتى إلا بنفي الصفات فنفوها وسموا من أثبتها مجسما ورد عليهم أهل السنة بأدلة كثيرة منها أن التوحيد لا يتم إلا بإثبات الصفات وأن معنى الإله هو المعبود فإذا كان هو سبحانه متفرداً به عن جميع المخلوقات وكان هذا وصفاً صحيحاً

стр. 459

لم يكذب الواصف به فهذا يدل على الصفات فيدل على العلم العظيم والقدرة العظيمة وهاتان الصفتان أصل جميع الصفات ١. "فمن أنكر الصفات فهو معطل والمعطل شر من المشرك ولهذا كان السلف يسمون التصانيف في إثبات الصفات كتب التوحيد وختم البخاري صحيحه بذلك قال كتاب التوحيد ثم ذكر الصفات باباً باباً. فنكتة المسألة أن المتكلمين يقولون التوحيد لا يتم إلا بإنكار الصفات فقال أهل السنة لا يتم التوحيد إلا بإثبات الصفات وتوحيدكم هو التعطيل ولهذا آل القول ببعضهم إلى إنكار الرب ﵎"٢. ومن المعلوم لدى المسلمين أن الله تعالى أعلم بنفسه من غيره فإذا سمى نفسه ووصفها فذلك هو الفيصل في المسألة، وكذلك رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ أعلم بالله الذي أرسله من غيره فيصار إلى ما بينه من أسماء الله وصفاته ولا يعدل عنه، هذا مع شهادة العقل الصريح لما ثبت بالنقل الصحيح عن الرسول ﷺ ، فإن العقل الصريح هو الموافق للرسول ﷺ وهذا هو الميزان مع الكتاب ٣. وبناء على ما قدمنا فإن الشيخ يعتقد أن مما دل عليه القرآن الكريم من الأسماء الحسنى التي سمى الله بها نفسه في كتابه وتعرف بها إلى خلقه ما

стр. 460

يلي: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور، إلى آخر ما ورد في القرآن منها وله الأسماء الحسنى سبحانه تعالى عما يشركون ١. وأن الله أمرنا بأن ندعوه بها ونترك من عارض من الجاهلين الملحدين - كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٠) . والإلحاد فيها هو الإشراك حيث سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز، وأدخلوا فيها ما ليس منها، كما ورد عن ابن عباس وعن الأعمش٢. ومن بيان الله في كتابه أن وصف نفسه فذكر من صفاته الألوهية والربوبية والملك في أول سورة في المصحف الفاتحة كما ذكرها في آخر سورة في المصحف ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ فهذه ثلاثة أوصاف لربنا ﵎ ذكرها مجموعة في موضع واحد في أول القرآن، ثم ذكرها مجموعة في موضع واحد في آخر ما يطرق سمعك
следующие страницы →