ِِِ الفصل الثالث: عقيدة الشيخ في التوحيد
حيث إِن الكلام في التوحيد يكون من مقامين، مقام الخبر، وهو الذي يترتب عليه توحيد المعرفة والإثبات، أي التوحيد العلمي.
ومقام الطلب وهو الذي يترتب عليه توحيد القصد والإرادة، أي التوحيد العملي.
والعلم قبل العمل وهو إمامه وقائده، وبقدر نفع العلم يكون صلاح العمل كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (محمد: ١٩) .
وقال الشيخ: قال البخاري رحمه الله تعالى: باب العلم قبل القول والعمل واستدل بهذه الآية، ثم قال الشيخ: فبدأ بالعلم قبل القول والعمل١.
ولذا فقد بدأنا هذا الفصل بالجانب الخبري العلمي من جانبي التوحيد، وهذا الجانب العلمي هو توحيد المعرفة والإثبات، وهو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات، والصدق والكذب، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية٢.
стр. 457
توحيد المعرفة والإثبات:
يعتقد الشيخ في هذا الباب أن توحيد الله تعالى هو المبني على اعتقاد أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له وهذا هو توحيد الربوبية وواحد في ذاته وأسمائه وصفاته لا نظير له ١ وهذا هو توحيد الأسماء والصفات.
وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات كلاهما من باب واحد هو توحيد المعرفة والإثبات وهو التوحيد العلمي الخبري. وهذا التوحيد هو الأصل ولا يغلط في الإِلهية إلا من لم يعطه حقه" ٢.
وهو الشهادة بأنه لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر الأمور إلا هو.
وهذا حق٣، وهو الذي أقر به الكفار - كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (يونس: ٣١) .
ولكنهم كفروا حيث لم يعبدوا الله وحده كما هو مقتضى شهادتهم بالربوبية كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ
стр. 458
زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾
(الزمر: ٣) .
وتوحيد الربوبية ثابت مشهور لا يحتاج إلى دليل بل هو الدليل على توحيد الطلب كما أَنزل الله في محكم كتابه يحتج به على من كفر من خلقه - وتقدم ذكر قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ﴾ الآية.
أما توحيد الأسماء والصفات فيقول الشيخ: وأما توحيد الصفات فلا يستقيم توحيد الربوبية ولا توحيد الألوهية إلا بالإقرار بالصفات، والكفار أعقل ممن أنكر الصفات ١. ذلك أن الكفار يزعمون أن الله هو الإله الأكبر، ولكن معه آلهة أخرى تشفع عنده فهم أثبتوا أن الله يتصف بأنه معبود لكن نازعوا في توحيد العبادة فقالوا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ولم يرضوا أن يقولوا هذه الكلمة لأنهم عرفوا أنها تعني توحيد العبادة، والمتكلمون أضلهم كلامهم عن معرفة الإله فقالوا إنه القادر على الاختراع وأن الألوهية هي القدرة فإذا أقررنا بذلك فهو معنى قوله لا إله إلا الله، ثم استحوذ عليهم الشيطان فظنوا أن التوحيد لا يتأتى إلا بنفي الصفات فنفوها وسموا من أثبتها مجسما ورد عليهم أهل السنة بأدلة كثيرة منها أن التوحيد لا يتم إلا بإثبات الصفات وأن معنى الإله هو المعبود فإذا كان هو سبحانه متفرداً به عن جميع المخلوقات وكان هذا وصفاً صحيحاً
стр. 459
لم يكذب الواصف به فهذا يدل على الصفات فيدل على العلم العظيم والقدرة العظيمة وهاتان الصفتان أصل جميع الصفات ١.
"فمن أنكر الصفات فهو معطل والمعطل شر من المشرك ولهذا كان السلف يسمون التصانيف في إثبات الصفات كتب التوحيد وختم البخاري صحيحه بذلك قال كتاب التوحيد ثم ذكر الصفات باباً باباً. فنكتة المسألة أن المتكلمين يقولون التوحيد لا يتم إلا بإنكار الصفات فقال أهل السنة لا يتم التوحيد إلا بإثبات الصفات وتوحيدكم هو التعطيل ولهذا آل القول ببعضهم إلى إنكار الرب ﵎"٢.
ومن المعلوم لدى المسلمين أن الله تعالى أعلم بنفسه من غيره فإذا سمى نفسه ووصفها فذلك هو الفيصل في المسألة، وكذلك رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ أعلم بالله الذي أرسله من غيره فيصار إلى ما بينه من أسماء الله وصفاته ولا يعدل عنه، هذا مع شهادة العقل الصريح لما ثبت بالنقل الصحيح عن الرسول ﷺ ، فإن العقل الصريح هو الموافق للرسول ﷺ وهذا هو الميزان مع الكتاب ٣.
وبناء على ما قدمنا فإن الشيخ يعتقد أن مما دل عليه القرآن الكريم من الأسماء الحسنى التي سمى الله بها نفسه في كتابه وتعرف بها إلى خلقه ما
стр. 460
يلي: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور، إلى آخر ما ورد في القرآن منها وله الأسماء الحسنى سبحانه تعالى عما يشركون ١.
وأن الله أمرنا بأن ندعوه بها ونترك من عارض من الجاهلين الملحدين - كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٠) .
والإلحاد فيها هو الإشراك حيث سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز، وأدخلوا فيها ما ليس منها، كما ورد عن ابن عباس وعن الأعمش٢.
ومن بيان الله في كتابه أن وصف نفسه فذكر من صفاته الألوهية والربوبية والملك في أول سورة في المصحف الفاتحة كما ذكرها في آخر سورة في المصحف ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ فهذه ثلاثة أوصاف لربنا ﵎ ذكرها مجموعة في موضع واحد في أول القرآن، ثم ذكرها مجموعة في موضع واحد في آخر ما يطرق سمعك
стр. 461
من القرآن، فينبغي لمن نصح نفسه أن يعتني بهذا الموضع ويبذل جهده في البحث عنه، ويعلم أن العليم الخبير لم يجمع بينهما في أول القرآن ثم في آخره إلا لما يعلم من شدة حاجة العباد إلى معرفة الله بها وأنه إلههم الذي لا إله إلا هو، وربهم الّذي لا رب سواه، وأنه ملكهم المتصرف فيهم وهم عبيده المدبر لهم كما يشاء، الذي له القدرة والسلطان يخفض ويرفع ويصل ويقطع ويعطي ويمنع لا شريك له ولا لهم ملك من دونه يهربون إليه إذا دهمهم أمره ولكن إليه المصير فهو ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ ١.
وفي سورة الفاتحة معرفة الله على التمام ونفي النقائض عنه ﵎. وفيها معرفة الإنسان ربه ومعرفة نفسه، فإنه إذا كان هنا رب فلابد من مربوب، وإذا كان هنا راحم فلا بد من مرحوم، وإذا كان هنا مالك فلابد من مملوك، وإذا كان عبد فلا بد من معبود، وإذا كان هنا هاد فلابد من مهدي، وإذا كان هنا منعم فلابد من منعم عليه، وإذا كان هنا مغضوب عليه فلابد من غاضب، وإذا كان هنا ضال فلابد من مضل - فهذه السورة تضمنت الأولوهية والربوبية ونفي النقائص عن الله ٢.
وفي مقارنة يعقدها الشيخ بين أوَّلِ سورتي اقرأ والمدثر فيقول:
стр. 462
في أول سورة اقرأ: معرفتك بنفسك وبربك - وأول المدثر: فيه العمل المختص والمتعدي.
وفي أول سورة اقرأ: الربوبية العامة - وأول سورة المدثر: الربوبية الخاصة.
وفي أول اقرأ: فضل الله عليك - وأول المدثر: حقه عليك.
وفي أول اقرأ: ذكر بدء الخلق - وأول المدثر: ذكر الحكمة فيه.
وفي أول اقرأ: فيه أصل الأسماء والصفات وهي العلم والقدرة - وأول المدثر: فيه أصل الأمر والنهي وهو الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك ١.
وفي سورة هود ذكر الله في صدرها من العلوم علم معرفة الله بأنه حكيم خبير وأنه قدير، ثم ذكر الله شيئاً من تفصيل العلم بأنه يعلم ما يسرون وما يعلنون أنه عليم بذات الصدور وإن ثنوا صدورهم ليستخفوا منه واستغشوا ثيابهم، وذكر شيئاً من تفصيل في القدرة في قوله ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ .
ومن معرفة الله ذكر خلق السموات والأرض في ستة أيام وكون عرشه على الماء. ومن بيان حكمته سبحانه قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ٢.
стр. 463
ومن ذلك قوله ﷺ في حديث عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذه بخطامها فقال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" أخرجاه (يعني البخاري وَمُسْلِماً) .
ومن ذلك أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ﵎ قال من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن إستعاذ بي لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته " رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁.
وغير ذلك من نصوص صفات الله ﵎ التي وردت في السنة المطهرة وأورد الشيخ كثيراً منها في مؤلفه أصول الإيمان، ولم يضمنها بتفسير ولا استنتاج، بل أورد النصوص معزوة إلى مصادرها وبوب واختار وقسم، واكتفى بذلك لوضوحها فيمرها كما جاءت على ظهرها من غير تحريف ولا تكييف ومن غير تعطيل ولا تمثيل١.
стр. 464
ويرى الشيخ أنه لا بد في معرفة الله وأسمائه وصفاته من الإثبات والنفي معاً كما جاء في القرآن وعن سيد المرسلين ﷺ وعن المرسلين قبله عليهم الصلاة والسلام وهذا شَأْن أهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبته الرسل وينفون ما نفته الرسل فلا يتبعون الهوى والظن ولا يعرضون عما جاءت به الرسل بل يأخذون به ويعملون به ويهدون ويعدلون ١.
ويرى الشيخ أن أسماء الله الحسنى دالة على صفاته وأنه يستدل بها على لازمها وهو عبادته كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الحجرات: ١) .
ففي هذه الآية: أمر بتقوى الله وهي المسألة المطلوبة والقضية المستدعاة ثم استدل على هذه القضية بأن الله سميع عليم فهذا دليل من
أسماء الله يقتضي تقواه.
وكما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر: ١٨) .
وكذا الاستدلال بالأسماء والصفات على الأفعال وتعليل الأفعال بها
стр. 465
كقوله: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
(الزمر: ٥٣) .
وفي قوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: ١٠٩) .
والاستدلال بالقدرة على ما يستشكل وما لا يظن وقوعه أيضاً وتنزيه الله عن مضاد الحكمة في جميع أفعاله كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ١ (الحجر: ٨٥) .
وإذا نظرنا إلى مطالع خطب الشيخ يتضح استدلاله بالأسماء الحسنى والصفات العلية والأفعال الحكمية لله ﵎ على ما تدل عليه من المعاني الشريفة الكثيرة ٢.
مثل قوله: "الحمد لله الكريم الذي أسبغ نعمه علينا باطنة وظاهرة، الرحيم الذي لم تزل ألطافه على عباده متوالية متظاهرة، العزيز الذي خضعت لعزته رقاب الجبابرة والقوي المتين الذي أباد من كذب رسله من الأمم الطاغية الكافرة"٣.
وقوله: "الحمد لله اللطيف، الذي بلطفه تنكشف الشدائد، الرؤوف الذي برأفته تتواصل النعم والفوائد وبحسن الظن به تجري الظنون على
стр. 466
أحسن العوائد، وبالتوكل عليه يندفع كيد كل كائد" ١.
وقوله: "الحمد لله الكريم المنان، العزيز ذي السلطان خلق الإنسان من تراب ثم قال له كن فكان يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويصل ويقطع ويشتت ويجمع. كل يوم هو في شأن. يجيب المضطر إذا دعاه. ويغفر للمسيء إذا تاب مما أتاه ويجبر المنكسر إذا لاذ بحماه، ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فينادي هل من سائل فيعطى سؤله، وهل من تائب فيتاب عليه، وهل من مستغفر فيغفر له ما جناه"٢ وهكذا.
وليس استدلاله هذا مقصوراً على خطبة بل هو يستدل بأسماء الله وصفاته وأفعاله وأحكامه في عقيدته السلفية وعلومه النافعة وأعماله الإصلاحية كلها.
يقول الشيخ حمد بن ناصر بن معمر في جوابه لما سئل عن عقيدة الشيخ: "إن المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات، فيكون ردها من باب تحريف الكلم عن مواضعه، فلا يقال: هي ألفاظ لا تعقل معانيها، ولا يعرف المراد منها فيكون ذلك مشابهة للذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني بل هي آيات بينات، دالة على أشرف المعاني وأجلها، قائمة حقائقها في صدور الذين أوتوا العلم والإيمان إثباتاً بلا تشبيه،
стр. 467
وتنزيها بلا تعطيل، كما قامت حقائق سائر صفات الكمال في قلوبهم كذلك فكان الباب عندهم باباً واحداً قد اطمأنت به قلوبهم وسكنت إليه نفوسهم"١.
فهو يثبت لله تعالى الأسماء الحسنى، وصفات الكمال المطلق، الذي لا يشاركه فيه مشارك، وينزهه عن النقص والعيب والسوء والمسبة، وينفي أن يكون له شبيه أو مثيل أو نظير، وينفي خصائصه عما سواه، كما ينفي عنه ما لا يجوز عليه، ولا يلحد في صفات الله ولا في أسمائه بل يثبت ما أثبت الله لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ ، وينفي ما نفاه الله عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ كما ورد في القرآن والسنة، ويرى أن الاقتصار على الوحي هو البصيرة في الاعتقاد والعمل والنذارة ٢.
стр. 468
ويرى أن كل ما ورد في القرآن والسنة من الأسماء والصفات كله حق، وفي غاية الحسن والكمال. وأن إثبات ذلك كله توحيد وإيمان، وأن جحد شيء منه هلاك كما ورد عن ابن عباس وَعَدَمٌ للإيمان، وأن احترام أسماء الله وصفاته وتغيير الاسم لأجل ذلك كما ورد عن أبي شريح وترك التحديث بما لا يفهم السامع حتى لا يفضي إلى تكذيب الله ورسوله ﷺ كل ذلك من تحقيق التوحيد.
أما الاستهزاء بشيء منها فهو كفر ونفاق كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة: ٦٥) .
وكما ورد عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة أن سبب نزولها مقولة رجل في غزوة تبوك ١.
وأما الألفاظ التي لم يرد إثباتها ولا نفيها في الكتاب والسنة كلفظ
стр. 469
الجوهر والجسم والتحيز والجهة ونحو ذلك فهذه الألفاظ - يرى الشيخ - أنه لا يطلق إثباتها ولا نفيها وينقل الشيخ عن ابن تيمية قوله ولهذا لما سئل ابن سريج عن التوحيد فذكر توحيد المسلمين قال: وأما توحيد أهل الباطل فهو الخوض في الجواهر والأعراض وإنما بعث النبي ﷺ بإنكار ذلك، وكلام السلف والأئمة في ذم الكلام وأهله مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود أن الأئمة كأحمد وغيره لما ذكر لهم أهل البدع الألفاظ المجملة كلفظ الجسم والجوهر والحيز لم يوافقوهم لا على إطلاق الإثبات ولا على إطلاق النفي.
فالصواب أن عقيدة أهل السنة هي السكوت عما سكت الله وسكت رسوله ﷺ عنه، من أثبتَ بدَّعوه ومن نفى بَدَّعُوه.
وينقل الشيخ كلام أبي الوفاء بن عقيل قال أنا أقطع أن أبا بكر وعمر ماتا ما عرفا الجوهر والعرض فإن رأيت أن طريقة أبي علي الجبائي وأبي هاشم خير لك من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت ١.
ويعتقد الشيخ - رحمه الله تعالى - في باب توحيد المعرفة والإثبات بأن الله هو الإله الذي لا إله إلا هو رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، رب الناس ملك الناس إله الناس. الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد كما في سورة الإخلاص، قل هو الله أحد، وهو معبود الرسول محمد ﷺ ومن تبعه، وليس معبود الكافرين المخالفين
стр. 470
كما في سورة (قل يا أيها الكافرون) .
فـ"الله" علم على ربنا ﵎، والإله المعبود بحق كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ (الأنعام: ٣) أي المعبود في السموات المعبود في الأرض مثل قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ والإلهية هي الجامعة لصفات الكمال كلها.
و"الرب" هو المعبود، الخالق الرازق، المالك المدبر للأمر والمتصرف فيه، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
و"العالمين" اسم لكل ما سوى الله، ﵎، فكل ما سوى الله من ملك ونبي وإِنسي وجني وغير ذلك مربوب مقهور يتصرف فيه، فقير محتاج إليه.
"الرحمن الرحيم" اسمان لله تعالى مشتقان من الرحمة أحدهما أبلغ من الآخر مثل العَلاَّم والعليم، قال ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر أي أكثر من الآخر رحمة.
و"مالك يوم الدين" وفي قراءة أخرى "ملك يوم الدين"، خصص الملك بذلك اليوم مع أنه سبحانه مالك كل شيء ذلك اليوم وغيره لأن ذلك اليوم هو يوم الجزاء والحساب والدينونة ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ، فالتخصيص لهذه المسألة الكبيرة، ففي الدنيا عمل بالتوحيد أو عمل
стр. 471
بضده وفي الآخرة لا عمل ولكن جزاء كل يجازيه مالك يوم الدين بعمله، ويدينه به إن خيراً فخير وإن شراً فشر ١.
"رب الناس" أي الذي خلقهم وصورهم وأنعم عليهم وحماهم مما يضرهم بربوبيته.
"ملك الناس" أي الذي قهرهم وأمرهم ونهاهم وصرفهم كما يشاء بملكوته.
"إله الناس" الذي استعبدهم بالإلهية الجامعة لصفات الكمال كلها٢.
و"الأحد" الذي لا نظير له فقوله "أحد" نفي النظير والأمثال.
و"الصمد" الذي تصمد الخلائق كلها إليه في جميع الحاجات، وهو الكامل في السؤدد. فقوله: "الصمد" فيه إثبات صفات الكمال.
وفي قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ نفي الصاحبة والعيال.
стр. 472
وفي قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ نفي الشركاء لذي الجلال١.
ومعنى أنه (معبود الرسول ﷺ وليس معبود المشركين كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فنفى عنهم عبادة معبوده، لأنهم إذا أشركوا لم يكونوا عابدين معبوده، وأيضاً لو عينوا الله بما ليس هو وقصدوا عبادة الله معتقدين أنه هو كأصحاب العجل، والذين عبدوا عيسى والدجال، والذين يعبدون أهواءهم، ومن عبد من هذه الأمة غير الله فهم عند أنفسهم إنما يعبدون الله، لكن هذا المعبود ليس هو الله، وإِن قصد العابد الله، وأيضاً إذا وصفوه بما هو بريء منه كالصاحبة والولد وعبدوه كذلك فهو بريء من هذا المعبود، فإنه ليس هو الله وتنصرف عبادتهم إلى غير الله كما ينصرف سب قريش عن الرسول ﷺ : "ألا ترون كيف يصرف الله عني سب قريش يسبون مذمما؟ ورسول الله ليس مذمماً ولكن هو محمد ﷺ .
كذلك عبادة أمثالهم واقعة على موصوفهم، أيضاً ومن لم يؤمن بما وصف به الرسول ﷺ ربه فهو في الحقيقة لم يعبد ما عبده الرسول، وقس على هذا٢.
стр. 473
ويثبت الشيخ أن الله تعالى سميع بصير يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، وقد أحاط سمعه بجميع المسموعات.
ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وقد أحاط بصره بجميع المبصرات١.
ويثبت الشيخ أن لله تعالى الوصف بأنه عالم الغيب والشهادة٢، له غيب السموات والأرض٣، وقد تفرد بعلم الغيب٤، وسع علمه بكل شيء، وأحاط علمه بكل شيء٥، أحاط علمه بالجزيئات والكليات٦، وبالسر والجهر٧، وبالحد والمحدود٨، يعلم خفيات السرائر٩، ويحصي
стр. 474
خطرات الفكر١، لا ينسى ولا يضل٢، وهو معلم كل علم وواهبه٣، فتح على عباده من حقائق المعارف ولطائف العلوم ما هداهم به إلى صراطه المستقيم٤ وهو الأعلم سبحانه على الإطلاق٥.
يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حَبَّة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس ولا متحرك ولا ساكن إلا وهو يعلمه على حقيقته، يعلم السر
وأخفى، إنه حكيم عليم٦.
والشيخ يعتقد أن العلم والقدرة هما أصل الأسماء والصفات لله تعالى٧، ويثبت الشيخ لله تعالى القدرة التامة٨ المطلقة العظيمة على كل
стр. 475
شيء، فلا يستبعد الإنسان معها شيئاً١، ويقول الشيخ: إن قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: ١٦٥) . فيه إِعلام بعموم قدرته سبحانه مع عدله٢.
وفي كتاب التوحيد للشيخ - باب ما جاء في المصورين - أورد الشيخ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة" أخرجاه (يعني البخاري ومسلِماً) - قال الشيخ: فيه التنبيه على قدرته وعجزهم لقوله: (فليخلقوا ذرة أو حبة أو شعيرة) ٣.
ويعتقد أن الله سبحانه هو القادر على تنفيذ ما قدره وأراده٤، وأن الله فعال لما يريد ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدودة، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور٥، وأن أول ما خلق الله القلم، وأنه جرى بالمقادير في تلك
стр. 476
الساعة بما هو كائن إلى قيام الساعة١.
قال الشيخ: "وفي ذلك دليل على كمال علم الرب٢ وقدرته وحكمته وزيادة تعريفه الملائكة وعباده المؤمنين بنفسه وأسمائه".
وقال الشيخ: قال ابن القيم: "فاتفقت هذه الأحاديث ونظائرها على أن القَدَر السابق٣ لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال عليه بل يوجب الجد والاجتهاد ولهذا لما سمع بعض الصحابة ذلك قال ما كنت بأشد اجتهاد مني الآن وقال أبو عثمان النهدي لسلمان لأنا بأول الأمر أشد فرحاً مني بآخره، وذلك لأنه إذا كان قد سبق له من الله سابقة وهيأه ويسره للوصول إليها كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من الله أعظم من فرحه بالأسباب التي تأتي بها"٤.
ولا يجوز أن يظن بقدر الله ما لا يليق بالله ولا يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق وعدله الكامل، فمن أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة
стр. 477
يستحق عليها الحمد وزعم أن ذلك لمشيئة مجردة وأنه يضع الأشياء في غير مواضعها ويصيب بأقداره من لا يستحقها وليس لها بأهل فذلك ظن الذين كفروا.
قال الشيخ: "وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته، وموجب حكمته وحمده وعرف نفسه فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا وليتب إلى الله، وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء. ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتاً على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر. وفتش نفسك هل أنت سالم؟ فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا أخالك ناجياً"١.
ولذا لا يجوز أن يعترض بلو على قدر الله، كما فعل الذين قال الله عنهم: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ (آل عمران: ١٥٤) . قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ (آل عمران: ١٦٨) .
ولأن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك نهياً صريحاً كما في الحديث الذي رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني
стр. 478
فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان " ١.
قال الشيخ: في كتاب التوحيد وكتاب مختصر زاد العاد: فيه النهي الصريح عن قوله "لو " إذا أصابك شيء لأن ذلك يفتح عمل الشيطان، وأرشده إلى ما هو أنفع منها، وهو أن يقول: "قدر الله وما شاء فعل " وذلك لأن قوله: لو فعلْتُ كذا لم يفتني ما فاتني أو لم أقع فيما وقعت فيه كلام لا يجدي عليه فائدة، فإنه غير مستقبل لما استدبر، وغير مستقيلٍ عثرته بلو، وفي ضمنها أن الأمر لو كان كما قدره في نفسه غير ما قضاه الله، ووقوع خلاف المقدر محال فقد تضمن كلامه كذباً وجهلاً ومحالاً وإن سلم ومن التكذيب بالقدر، لم يسلم من معارضته بلو. فإن قيل فتلك الأسباب التي تمناها من القدر أيضا؟ قيل هذا حق، ولكن هذا ينفع قبل وقوع القدر المكروه فإذا وقع، فلا سبيل إلى دفعه أو تخفيفه، بل وظيفته في هذه الحال أن يستقبل الفعل الذي يدفع به أو يخفف، ولا يتمنى ما لا مطمع في وقوعه، فإنه عجز محض والله يلوم على العجز، ويحب الكيس، وهو مباشرة الأسباب فهي تفتح عمل الخير، وأما العجز، فيفتح عمل الشيطان، فإنه إذا عجز عما ينفعه صار إلى الأماني الباطلة ولهذا
стр. 479
استعاذ النبي ﷺ من العجز والكسل، وهما مفتاح كل شر، ويصدر عنهما الهم والحزن، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال، فمصدرها كلها عن العجز والكسل، وعنونها "لو " فإن المتمني من أَعجز الناس وأفلسهم وأصل المعاصي كلها العجز فإن العبد يعجز عن أسباب الطاعات وعن الأسباب التي تبعده عن المعاصي وتحول بينه وبينها، فجمع في هذا الحديث الشريف أصول الشر وفروعه، ومبادئه وعاداته، وموارده ومصادره، وهو مشتمل على ثمان خصال، كل خصلتين قرينتان، فقال: "أعوذ بك من الهم والحزن " وهما قرينتان، فإن المكروه الوارد على القلب إما أن يكون سببه أمراً ماضياً، فهو يحدث الحزن، وإما توقع مستقبل، فهو يورث الهم - وكلاهما من العجز، فإن ما مضى لا يدفع بالحزن بل بالرضى والحمد، والصبر والإيمان بالقدر وقول العبد: "قدر الله وما شاء فعل " وما يستقبل بل يدفع بالهم، بل إما أن يكون له حيلة في دفعه، فلا يعجز عنه، وإما أن لا يكون له حيلة، فلا يجزع منه، ويلبس له لباسه من التوحيد والتوكل والرضى بالله رباً فيما يحب ويكره، والهم والحزن يضعفان العزم، ويوهنان القلب، ويحولان بين العبد وبين الاجتهاد فيما ينفعه، فهما حمل ثقيل على ظهر السائر. انتهى بتصرف قليل١.
ويعتقد أن ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، ومن يؤمن بالله يهد
стр. 480
قلبه، والله بكل شيء عليم.
ويقول: قال علقمة بن قيس النخعي في معنى: (ومن يؤمن بالله يهد قلبه) هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم١، وهذا الأثر قال عنه مؤلف تيسير العزيز الحميد بشرح كتاب التوحيد للشيخ: رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن علقمة وهو صحيح٢.
ويعتقد أن رسول الله ﷺ كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت " وللبخاري ومسلم عن ابن مسعود مرفوعا "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية"٣.
ويعتقد أن الله تعالى إذا أراد بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة، وأن عظم الجزاء مع عظم البلاء وأن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط٤.
ويفرق الشيخ بين إرادة الله القدرية وإرادته الشرعية والجعل القدري
стр. 481
والجعل الشرعي فيقول: قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص:٥-٦) .
هذه الإرادة القدرية.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ (القصص: ٣٩-٤٠) هذا الجعل القدري أيضا.
أما الإرادة الشرعية فهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ (الأحزاب: ٢٣) وأمثالها.
وقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ (المائدة: ١٠٣) وأمثالها - فهذا الجعل الشرعي١.
ويعتقد أن الاحتجاج بالقدر على إبطال الشرع وارتكاب المعاصي هو من هدي الكفار، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٢ (النحل:٣٥) وهو من طريقة إبليس والعياذ بالله - حيث قال محتجا على ربه: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وليس له في
стр. 482
ذلك حجة ولا لأتباعه وإنما الحق هو قول آدم: (ربنا ظلمنا أنفسنا) ١.
قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام: ١٤٨، ١٤٩) .
قال ابن كثير: قال الضحاك: "لا حجة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده "٢.
وهؤلاء في هذه الآية يزعمون أن الله لما لم يحل - وهو القادر - بينهم وبين الكفر والشرك دل على أن هذا الكفر والشرك بإرادته الشرعية ورضاه، وهي حجة داحضة باطلة.
ومما استنبطه الشيخ من قصة آدم وإبليس في هذا المعنى قوله: "إنها تفيد المعنى العظيم المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ وما في معناه من النصوص، وذلك مستفاد من صنع اللعين، فإنه مع علمه بجبروت الله وأليم عذابه، وأنه لا محيص له عنه، ويعرف
стр. 483
من الأمور ما لا يعرفه كثير من أهل العلم، ومع ذلك لم يتب ولم يرجع، بل أصر وعاند، وطلب النظرة لأجل المعصية مع علمه بعقابه وعدم مصلحته من فعله، وهذا باب عظيم من معرفة الرب وقدرته، وتقليبه القلوب كيف يشاء، وتيسيره كل عبد لما خلق له فيفعله باختياره ١.
والله لا يرضى كفرهم وشركهم وإن كان سبحانه قادراً على الحيلولة بينهم وبينه، وقادراً على هدايتهم أجمعين، فليس لهم في قدرته سبحانه حجة. وإنما الحجة البالغة له على من عصى بسبب عصيانه، ومخالفته ما أراده الله منه شرعاً، وقد عصى وخالف بهواه ورضاه وعلمه بأن عاقبة عصيانه العذاب الأليم، كما أن عاقبة الطاعة المغفرة والرحمة والرضى.
ومع أنه سبحانه غني عن طاعة المطيع، فهو يرضاها لعبده ويسخط عليه معصيته وهي لا تضر إلا العاصي٢.
стр. 484
والله غني بذاته لا تزيده طاعة مطيع، ولا ينقصه العطاء على سعة جوده ولا تضره المعاصي، يطعم ولا يطعم ولا تأخذه سنة ولا نوم، وهو القدوس السلام، المبرأ عن كل عيب وآفة ونقص١.
وهو العدل الحكيم لا يصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين، ولا يحب المسرفين، ولا يحب كل مختال فخور، ويحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون، وهو لا يظلم ولا يريد الظلم بل يتنزه عن أن يظلم عبده أو يأخذه بلا سبب من العبد يوجب أخذه لأنه منزه عن الفقر والحاجة والجهل والخساسة لكونه الغني القوي الحكيم ويستجيب دعوة المظلوم، وليس بينه وبينها حجاب٢.
ومعنى مكر الله بالعبد هو أن العبد إذا عصاه وأغضبه، أنعم عليه بأشياء يظن أنها من رضاه عليه٣، وهذا عدل يحمل عباده على سعة النظر ومراقبة العواقب في إعطاء الله النعم من الدنيا كالمال والولد والبيت الرفيع وعدم الاغترار بالرتبة وغزارة العلم وصلاح العمل، والكرمات وإجابة
стр. 485
الدعوات، فلا يأمن العارف مكر الله إِن هو اغتر بذلك كما فعل أبو لهب، والذي آتاه الله آياته فانسلخ منها١.
وأنه سبحانه لا يعجل لعجلة أحد حتى ولو كان رسولاً، فكيف يستعجله من يزعم أنه متبع، وهو سبحانه يمهل ولا يهمل، ولا يضيع أجر المحسنين٢، وهو سبحانه جميل يحب الجمال، وطيب يحب الطيب ولا يقبل من العمل إلا الطيب٣.
والله رحيم لا يقنط من رحمته إلا القوم الخاسرون ومن ذلك رحمته سبحانه بعبده فيما حجره عليه، وجعله العقوبات من رحمته بعباده، وقد يغفر للرجل بسبب يهيئه له وهو من أكره الأمور إليه، ذلك أن طبع الإنسان الطغيان إذا استغنى ولا يخرج عن طبعه إلا بفضل الله ورحمته٤.
стр. 486
فإنه هو الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم١، وحبب الإيمان إلى المؤمنين وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان٢، ووعد الذين اتقوا ربهم بأن لهم غرفاً من فوقها غرف مبنية، تجري من تحتها الأنهار، وعد الله، لا يخلف الميعاد فهذا وعد لا نظير له في القرآن ٣، وهو الغفور الرحيم ٤، رؤف بالعباد ٥، إنما يدخلون الجنة برحمته ٦، لطيف بهم ٧، رفيق يحب الرفق ٨، بلطفه تنكشف الشدائد وبرأفته تتواصل النعم والفوائد، وبحسن الظن به تجري الظنون على أحسن العوائد٩.
ويثبت الله الحكمة التامة فهو الحكيم وجميع أفعاله وثوابه وعقابه على قانون العدل والإِحسان١٠ كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ
стр. 487
وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ١ (ص: ٢٧) .
وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ .
ومعنى أنه سبحانه حكيم أي لا يضع الأشياء إلا في مواضعها. فمن ذلك أنه ما جعل إبراهيم إماما إلا بعد ما أتم ما ابتلاه به.
قال الشيخ: "وسئل بعضهم أيما أفضل الابتلاء أو التمكين؟ فقال: الابتلاء ثم التمكين - وإذا كان يبتلى الأنبياء هل يفعلونه أولا؟ فكيف بغيرهم؟ ٢.
وكان في تحويل القبلة حكم عظيمة ومحنة للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين، فأما المسلمون، فقالوا: "آمنا به كل من عند ربنا " وهم الذين هدى الله، ولم تكن كبيرة عليهم.
وأما المشركون، فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا.
وأما اليهود فقالوا: خالف قبلة الأنبياء قبله.
وأما المنافقون، فقالوا: ما يدرى أين يتوجه؟ إن كانت الأولى حقاً فقد تركها وإن كانت الثانية هي الحق، فقد كان على الباطل. وكثرت
стр. 488
أقاويل السفهاء من الناس، ولما كان شأن القبلة عظيماً وطأ قبلها سبحانه بأمر النسخ وقدرته عليه وأنه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله، ثم عقبه بالتوبيخ لمن تعنت على الرسول ﷺ ولم ينقد له ثم أخبر أن له المشرق والمغرب وهو الواسع العليم فلعظمته وسعته وإحاطته فأينما ولى عباده وجوههم فثم وجه الله وغير ذلك من الموطئات.
وبين سبحانه أن تحويل القبلة إلى البيت الذي بناه إمام الناس فكذلك البيت إمام لهم وهو أفضل القبل وهم أفضل الأمم كما اختار لهم أفضل الرسل وأفضل الكتب، وخصهم بأفضل الشرائع والله ذو الفضل العظيم، وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك لئلا يكون للناس عليهم حجة وليتم نعمته عليهم وليهديهم، وليرى من يتبع الرسول ﷺ ممن ينقلب على عقبيه١.
ومن حكمته سبحانه قي تزين ما على الأرض ليبْلوَ عباده أيهم أحسن عملاً ٢. والمبتلي هو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين لم يبتل عبده ليهلكه، بل ليمتحن إيمانه وليسمع تضرعه، وليراه طريحاً ببابه وليمنع الأدواء المهلكة كالكبر والعجب والقسوة ٣. ومن حكمة العزيز الحكيم في تسليطه الهم والحزن على القلوب المعرضة عنه ليردها عن كثير من
стр. 489
معاصيها، ولا تزال هذه القلوب في هذا السجن حتى تخلص إلى فضاء التوحيد والإقبال على الله ولا سبيل إلى خلاص القلب إلا بذلك، ولا بلاغ إلا بالله وحده، فإنه لا يصل إليه إلا هو ولا يدل عليه إلا هو. وإذا قام العبد في أي مقام كان، فبحمده وحكمته أقامه فيه، ولم يمنع العبد حقاً هو له، بل منعه ليتوسل إليه بمحابه فيعطيه، وليرده إليه، وليعزه بالتذلل له وليغنيه بالافتقار إليه، ولجبره بالانكسار بين يديه وليوليه بعزله أشرف الولايات، وليشهد حكمته في قدرته، ورحمته في عزته، وأن منعه عطاء، وعقوبته تأديب، وتسليط أعدائه عليه سائق يسوق إليه والله يعلم حيث يجعل مواقع عطائه، وأعلم حيث يجعل رسالته، ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ (الأنعام: ٥٣) فهو سبحانه أعلم بمحال التخصيص، فمن رده المنع إليه، انقلب عطاء، ومن شغله عطاؤه عنه، انقلب منعاً، وهو أراد منا الاستقامة واتخاذ السبيل إليه وأخبرنا أن هذا المراد لا يقع حتى يريد من نفسه إِعانتنا ومشيئتنا، كما قال تعالى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فإِن كان مع العبد روح أخرى نسبتها إلى روحه كنسبة روحه إلى جسده يستدعي بها إرادة الله من نفسه أن يفعل به ما يكون به العبد فاعلاً، وإلا فمحله غير قابل للعطاء وليس معه إناء يوضع فيه العطاء فمن جاء بغير إناء، رجع
стр. 490
بالحرمان، فلا يلومن إلا نفسه ١.
ومن حكمة الإِدالة على المسلمين - في غزوة أحد - تعريف الله للصحابة عاقبة المعصية والفشل والتنازع ليستيقظوا ويحذروا من أسباب الخذلان وأن حكمة الله جرت بأن الرسل يدالون مرةً وَيدَال عليهم أخرى، لكن يكون لهم العاقبة، فلو انتصروا دائماً، دخل معهم المؤمن وغيره ولم يتميزوا، ولو انتصر غيرهم دائماً لم يحصل المقصود.
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (آل عمران: ١٧٩) .
أي ما كان الله ليذركم على هذا من التباس المؤمنين بالمنافقين حتى يميزهم ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ الذي يميز له بينهم بل يريد سبحانه أن يميزهم تمييزاً مشهوداً. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ استدراك لما نفى من اطلاعهم على الغيب، أي: سوى الرسل، فإنه يطلعهم على ما يشاء كما في سورة الجن، فسعادتكم بالإيمان بالغيب الذي يطلع عليه رسله، فإن آمنتم به واتقيتم فلكم أعظم الأجر.
ومنها استخراج عبودية الأولياء في السراء والضراء، فإذا ثبتوا على الطاعة فيما أحبوا وكرهوا، فهم ليسوا كمن يعبده على حرف.
стр. 491
ومنها أنه لو بسط لهم النصر دائماً لكانوا كما يكونون لو بسط لهم الرزق، فهو المدبر لهم، كما يليق بحكمته، إنه بهم خبير بصير.
ومنها أنهم إذا انكسروا له استجيبوا النصر فإن خِلْعةَ النصر مع ولاية الذل كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ (آل عمران: ١٢٣) . وفي مقابل ذلك قال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ (التوبة: ٢٦) .
ومنها أنه هيأ لعباده منازل لا تبلغها أعمالهم، ولا يبلغونها إلا بالبلاء، فقيضه لهم، كما وفقهم للأعمال الصالحة.
ومنها أن العافيه الدائمة، والنصر والغنى يورث ركوناً إلى العاجلة ويثبط النفوس ويعوقها عن السير إلى الله، فإذا أراد الله كرامة عبد قيض له من البلاء ما يكون دواء لهذا.
ومنها أن الشهادة عنده من أعلى المراتب، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من أوليائه شهداء.
ومنها أنه سبحانه إذا أراد هلاك أعدائه قيض أسباباً يستوجبون بها الهلاك مثل بغيهم ومبالغتهم في أذى أوليائه، فيمحص به أولياءه من ذنوبهم ويكون من أسباب محق أعداء الله، وذكر سبحانه ذلك بقوله: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٩- ١٤٢) .
ومنها أن هذه الواقعة (أحد) مقدمة بين يدي موته ﷺ وهذه عادته سبحانه شرعاً وقدراً أن يوطئ بين يدي الأمور العظام بمقدمات، والشاكرون هم الذين عرفوا قدر النعمة، فثبتوا عليها حين مات رسول
стр. 492
الله، فجعل لهم العاقبة ثم أخبر أنه جعل لكل نفس أجلاً، ثم أخبر أن كثيراً من الأنبياء قتلوا وقتل معهم أتباع لهم كثيرون، فما وَهَن من بقي منهم أو ما وهنوا عند القتل، والصحيح أنها تتناول الفريقين.
ثم أخبر سبحانه عما استنصر به الأنبياء وأممهم من اعترافهم وتوبتهم واستغفارهم، وسؤالهم التثبيت لأقدامهم والنصر على أعدائهم، فقال: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٧) .
علموا أنه سبحانه إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يقدروا، وعلموا أنه إنما يدال عليهم بذنوبهم، من تقصير في حق، أو تجاوز في حد، فوفوا المقامين حقهما المقام المقتضى وهو التوحيد والالتجاء إليه ومقام إزالة المانع من النصر وهو الذنوب والإسراف.
وأشار في سورة آل عمران إلى أمهات هذه الحكم من قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ إلى تمام الستين آية من آية ١٢١ إلى آية ١٨٠.
ففي هذه الآيات ذكرهم الله في هذه المحنة بما هو من أعظم نعمة عليهم، التي إن قابلوا بها كل محنة تلاشت، وهي إرسال رسول من أنفسهم، فكل بلية بعد هذا الخير العظيم أمر يسير جداً، فأعلمهم أن المصيبة من أنفسهم ليحذروا، وأنها بقدره ليوحدوا ويتكلوا، وأخبرهم بما له من الحكم لئلا يتهموه في قدره وليتعرف إليهم بأنواع أسمائه وصفاته،
стр. 493
وذكرهم بما هو أعظم من النصر والغنيمة، وعزاهم عن قتلاهم لينافسوهم، ولا يحزنوا عليهم، فله الحمد كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ١.
وابن آدم يؤذي الله إذا سب الدهر لأن الدهر هو تقلب الليل والنهار بأمر الله تعالى فهو سبحانه بيده الأمر يقلب الليل والنهار يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر ويحيي ويميت وينفي قوماً ويأتي بآخرين بخلاف الضرر فقد أخبر سبحانه أن العباد لا يضرونه كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً﴾ .
قال الشيخ: والأذى في اللغة هو لما خف أمره وضعف أثره من الشر والمكروه ذكره الخطابي قال شيخ الإسلام وهو كما قال. اهـ. ويعني شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقد عقد الشيخ في كتاب التوحيد باب من سب الدهر فقد آذى الله وساق قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (الجاثية: ٢٤) .
وما في صحيح البخاري عن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار" وفي رواية لمسلم وغيره " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر ".
стр. 494
قال الشيخ فيه مسائل:
الأولى: النهي عن سب الدهر.
والثانية: تسميته أذى لله.
والثالثة: التأمل في قوله "فإن الله هو الدهر ".
والرابعة: أنه قد يكون ساباً، ولو لم يقصده بقلبه ١.
وأنه ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم ٢. ويثبت الشيخ المثل الأعلى لله سبحانه وهو العزيز الحكيم ٣، فهو الذي ليس كمثله شيء لكثرة نعوته وأوصافه وأسمائه وأفعاله وثبوتها على وجه الكمال الذي لا يماثله فيه شيء، فالمثبت هو الذي يصفه بأنه ليس كمثله شيء وقد وصف نفسه بأن له المثل الأعلى المتضمن إثبات الكمال كله له وبهذا كان المثل الأعلى وهو أفعل تفضيل، ومثل السوء لعادم صفات الكمال ولهذا جعله مثل الجاحدين لتوحيده لأنهم فقدوا الصفات التي من اتصف بها كان كاملاً وهي الإيمان والعلم والمعرفة واليقين والإخلاص والتوكل والإنابة وغير ذلك التي من اتصف بها كان ممن آمن بالآخرة.
стр. 495
ومثل السوء هو العدم وما يستلزمه وضده المثل الأعلى وهو الكمال المطلق المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، ولما كان الرب هو الأعلى ووجهه هو الأعلى وكلامه الأعلى وسمعه الأعلى وسائر صفاته هي العليا كان له المثل الأعلى وهو أحق به من كل ما سواه.
ويستحيل أن يشترك في المثل الأعلى اثنان لأنهما إن تكافآ لم يكن أحدهما أعلى من الآخر وإن لم يتكافآ فالموصوف بالأعلى أحدهما وحده فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير. وهذا برهان قاطع من إثبات المثل الأعلى على استحالة التمثيل.
والمثل الأعلى متضمن أربعة أمور:
١- ثبوت الصفة العليا لله سبحانه في نفس الأمر.
٢- وجودها في العلم والتصور.
٣- الخبر عنها وذكرها وتنزيهها عن النقائص.
٤- محبة الموصوف بها وتوحيده والإخلاص له والتوكل عليه.
وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان الحب والإخلاص أقوى. وعبارات السلف تدور حول هذه المعاني الأربعة لا تتجاوزها١.
ويعتقد الشيخ أن عظمة الله أجل من أن يحيط بها عقل٢، كما قال