ومنها أنه لو بسط لهم النصر دائماً لكانوا كما يكونون لو بسط لهم الرزق، فهو المدبر لهم، كما يليق بحكمته، إنه بهم خبير بصير.
ومنها أنهم إذا انكسروا له استجيبوا النصر فإن خِلْعةَ النصر مع ولاية الذل كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ (آل عمران: ١٢٣) . وفي مقابل ذلك قال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ (التوبة: ٢٦) .
ومنها أنه هيأ لعباده منازل لا تبلغها أعمالهم، ولا يبلغونها إلا بالبلاء، فقيضه لهم، كما وفقهم للأعمال الصالحة.
ومنها أن العافيه الدائمة، والنصر والغنى يورث ركوناً إلى العاجلة ويثبط النفوس ويعوقها عن السير إلى الله، فإذا أراد الله كرامة عبد قيض له من البلاء ما يكون دواء لهذا.
ومنها أن الشهادة عنده من أعلى المراتب، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من أوليائه شهداء.
ومنها أنه سبحانه إذا أراد هلاك أعدائه قيض أسباباً يستوجبون بها الهلاك مثل بغيهم ومبالغتهم في أذى أوليائه، فيمحص به أولياءه من ذنوبهم ويكون من أسباب محق أعداء الله، وذكر سبحانه ذلك بقوله: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٩- ١٤٢) .
ومنها أن هذه الواقعة (أحد) مقدمة بين يدي موته ﷺ وهذه عادته سبحانه شرعاً وقدراً أن يوطئ بين يدي الأمور العظام بمقدمات، والشاكرون هم الذين عرفوا قدر النعمة، فثبتوا عليها حين مات رسول
стр. 492
الله، فجعل لهم العاقبة ثم أخبر أنه جعل لكل نفس أجلاً، ثم أخبر أن كثيراً من الأنبياء قتلوا وقتل معهم أتباع لهم كثيرون، فما وَهَن من بقي منهم أو ما وهنوا عند القتل، والصحيح أنها تتناول الفريقين.
ثم أخبر سبحانه عما استنصر به الأنبياء وأممهم من اعترافهم وتوبتهم واستغفارهم، وسؤالهم التثبيت لأقدامهم والنصر على أعدائهم، فقال: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٧) .
علموا أنه سبحانه إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يقدروا، وعلموا أنه إنما يدال عليهم بذنوبهم، من تقصير في حق، أو تجاوز في حد، فوفوا المقامين حقهما المقام المقتضى وهو التوحيد والالتجاء إليه ومقام إزالة المانع من النصر وهو الذنوب والإسراف.
وأشار في سورة آل عمران إلى أمهات هذه الحكم من قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ إلى تمام الستين آية من آية ١٢١ إلى آية ١٨٠.
ففي هذه الآيات ذكرهم الله في هذه المحنة بما هو من أعظم نعمة عليهم، التي إن قابلوا بها كل محنة تلاشت، وهي إرسال رسول من أنفسهم، فكل بلية بعد هذا الخير العظيم أمر يسير جداً، فأعلمهم أن المصيبة من أنفسهم ليحذروا، وأنها بقدره ليوحدوا ويتكلوا، وأخبرهم بما له من الحكم لئلا يتهموه في قدره وليتعرف إليهم بأنواع أسمائه وصفاته،
стр. 493
وذكرهم بما هو أعظم من النصر والغنيمة، وعزاهم عن قتلاهم لينافسوهم، ولا يحزنوا عليهم، فله الحمد كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ١.
وابن آدم يؤذي الله إذا سب الدهر لأن الدهر هو تقلب الليل والنهار بأمر الله تعالى فهو سبحانه بيده الأمر يقلب الليل والنهار يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر ويحيي ويميت وينفي قوماً ويأتي بآخرين بخلاف الضرر فقد أخبر سبحانه أن العباد لا يضرونه كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً﴾ .
قال الشيخ: والأذى في اللغة هو لما خف أمره وضعف أثره من الشر والمكروه ذكره الخطابي قال شيخ الإسلام وهو كما قال. اهـ. ويعني شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقد عقد الشيخ في كتاب التوحيد باب من سب الدهر فقد آذى الله وساق قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (الجاثية: ٢٤) .
وما في صحيح البخاري عن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار" وفي رواية لمسلم وغيره " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر ".
стр. 494
قال الشيخ فيه مسائل:
الأولى: النهي عن سب الدهر.
والثانية: تسميته أذى لله.
والثالثة: التأمل في قوله "فإن الله هو الدهر ".
والرابعة: أنه قد يكون ساباً، ولو لم يقصده بقلبه ١.
وأنه ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم ٢. ويثبت الشيخ المثل الأعلى لله سبحانه وهو العزيز الحكيم ٣، فهو الذي ليس كمثله شيء لكثرة نعوته وأوصافه وأسمائه وأفعاله وثبوتها على وجه الكمال الذي لا يماثله فيه شيء، فالمثبت هو الذي يصفه بأنه ليس كمثله شيء وقد وصف نفسه بأن له المثل الأعلى المتضمن إثبات الكمال كله له وبهذا كان المثل الأعلى وهو أفعل تفضيل، ومثل السوء لعادم صفات الكمال ولهذا جعله مثل الجاحدين لتوحيده لأنهم فقدوا الصفات التي من اتصف بها كان كاملاً وهي الإيمان والعلم والمعرفة واليقين والإخلاص والتوكل والإنابة وغير ذلك التي من اتصف بها كان ممن آمن بالآخرة.
стр. 495
ومثل السوء هو العدم وما يستلزمه وضده المثل الأعلى وهو الكمال المطلق المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، ولما كان الرب هو الأعلى ووجهه هو الأعلى وكلامه الأعلى وسمعه الأعلى وسائر صفاته هي العليا كان له المثل الأعلى وهو أحق به من كل ما سواه.
ويستحيل أن يشترك في المثل الأعلى اثنان لأنهما إن تكافآ لم يكن أحدهما أعلى من الآخر وإن لم يتكافآ فالموصوف بالأعلى أحدهما وحده فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير. وهذا برهان قاطع من إثبات المثل الأعلى على استحالة التمثيل.
والمثل الأعلى متضمن أربعة أمور:
١- ثبوت الصفة العليا لله سبحانه في نفس الأمر.
٢- وجودها في العلم والتصور.
٣- الخبر عنها وذكرها وتنزيهها عن النقائص.
٤- محبة الموصوف بها وتوحيده والإخلاص له والتوكل عليه.
وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان الحب والإخلاص أقوى. وعبارات السلف تدور حول هذه المعاني الأربعة لا تتجاوزها١.
ويعتقد الشيخ أن عظمة الله أجل من أن يحيط بها عقل٢، كما قال
стр. 496
تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
وكما بين ﷺ في تصديقه للحبر الذي قال له: " يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع، والأرضين على أصبع والشجر على أصبع فيقول أنا الملك فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر. ثُمَّ قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٢. وأن رسول الله ﷺ قرأها على المنبر وقال: "إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون السموات بيمينه " ثم ذكر تمجيد الرب ﵎ نفسه وأنه يقول أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم" - قال ابن عمر فرجف برسول الله ﷺ حتى قلنا ليخرن به٣.
وقد عقد الشيخ باباً في هذا الموضوع في كتاب التوحيد هو باب قول الله تعالى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وأورد تحته أحاديث وآثار عن السلف
стр. 497
الصالح تناسبه وكذلك في كتاب أصول الإيمان إلا أنه زاد ونقص عما أورد في كتاب التوحيد وكلها دلائل مناسبة ونصوص دالة على عظمة الرب العظيم وكبريائه ومجده وجلاله وعلوه وخضوع المخلوقات بأسرها لعزه ١.
ويستنتج من عظمة مخلوقات الله أنها دلائل على عظمة الله، فالسماوات على سعتها في اليد اليمنى مطوية والأرضون جميعاً في اليد الأخرى وأنهما جميعاً في كف الرحمن كخردلة في كف أحدنا، وأن الكرسي عظيم بالنسبة إلى السماء، فالسموات في الكرسي كسبعة دراهم ألقيت في ترس ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ، وكذلك العرش أَعظم بالنسبة للكرسي، فالكرسي في العرش كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة من الأرض وأن العرش غير الكرسي والماء، وأن بين السماء والأرض خمسمائة عام وكثف كل سماء خمسمائة سنة وأن البحر الذي فوق السموات أسفله وأعلاه خمسمائة سنة وبين كل سماء إلى سماء خمسمائة عام وكذلك بين السماء السابعة والكرسي وبين الكرسي والماء، وأن العرش فوق الماء، وأن الله فوق العرش.
وهذه خلاصة أحاديث أوردها الشيخ ﵀ في آخر باب من أبواب كتابه - كتاب التوحيد - وهو باب ما جاء في قول الله
стр. 498
تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . أوردها الشيخ:
عن ابن عباس موقوفاً وعن ابن زيد عن أبيه مرفوعاً، وعن أبي ذر مرفوعاً، وعن ابن مسعود موقوفاً - قال الشيخ في حديث ابن مسعود: "أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله، قاله: الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى - قَال: "وله طرق، وهو عن العباس بن عبد المطلب". أخرجه أبو داود. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "وهذا الحديث له شواهد في الصحيحين وغيرهما، مع ما يدل عليه صريح القرآن، فلا عبرة بقول من ضعفه" ١.
واعتقاد الشيخ أن الله أعظم من كل عظيم وأكبر، وهو رب العرش العظيم وفوقه بائن من خلقه، لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده، ولا يحل بشيء من مخلوقاته ولا يحل في ذاته شيء منها، بل هو بائن عن خلقه بذاته، والخلق بائنون عنه، وأنه أعظم من كل شيء وأكبر من كل شيء، وفوق كل شيء، وعال على كل شيء البتة، ولا يعجزه شيء يريده، بل هو فعال لما يريد ٢.
стр. 499
الشاهد الذي لا يغيب، ولا يستخلف أحد على ملكه ولا يحتاج من يرفع إليه حوائج عباده أو يعاونه أو يستعطفه عليهم أو يسترحمه لهم فلا له وزير ولا مشير ولا ظهير، ولا شافع إلا من بعد إذنه، ولا ند ولا ضد، ولا شريك، بل الكل عبيده تحت تصرفه وتدبيره وهو العزيز الحكيم، العلي العظيم ١.
وقال الشيخ في واحدة من خطبه يعظم الرب بصفاته العظيمة: "الحمد لله فاطر الأرض والسموات، عالم الأسرار والخفيات، المطلع على الضمائر والنيات، أحاط بكل شيء علماً، ووسع كل شيء رحمة وحلماً، وقهر كل مخلوق عزة وحكماً، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً، لا تدركه الأبصار، ولا تغيره الدهور والأعصار ولا تتوهمه الظنون والأفكار، وكل شيء عنده بمقدار، أتقن ما صنعه وحكمه، وأحصى كل شيء وعلمه، وخلق الإنسان وعلَّمه.
ويقول في خطبة أخرى: "الحمد لله المتوحد في جلاله بكمال الجمال تعظيماً وتكبيراً، والمتفرد بتصريف الأحوال على التفصيل والإجمال تقديراً وتدبيراً، المتعالي بعظمته ومجده، الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، أطلع شمس الرسالة في حنادس الظلم سراجاً منيراً، ومنّ بها على أهل الأرض، فيالها نعمة لا يستطيعون لها شكوراً، فجر
стр. 500
ينابيع الهداية في قلوب من سبقت لهم منه الحسنى تفجيراً ١.
ويقول الشيخ إِن ما ذكر الله ﵎ من عظمته وجلاله أنه يوم القيامة يفعله وهو قدر ما تحتمله العقول، وإلا فعظمة الله وجلاله أجل من أن يحيط بها عقل ٢.
ويقول الشيخ فمن هذا بعض عظمته وجلاله، كيف يجعل في رتبة مخلوق ٣، وبين الشيخ أنه من أجل عظمته لا يستشفع به على خلقه ٤، وأنه يعاذ من استعاذ به فإنه هو المستعاذ به وحده.
فهو رب الفلق، ورب الناس، وملك الناس، وإله الناس، لا يستعاذ إلا به، وقد أَخبر الله عمن استعاذ بخلقه أن استعاذته زادته رهقاً، وهو الطغيان فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ، وأما من عاذ به فقد عاذ بمعاذ ٥.
ويعطي من سأل به٦ لعظمته، وتعظم الرغبة فيما عنده٧،
стр. 501
والخوف من عقابه والهيبة من عظمته ١.
وبالجملة يجب تعظيمه علماً وعملاً ٢، فما عرفنا من عظمته لا يماثله فيها شيء كيف بما لم نعرف منها تعالى وجل؟ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ .
والله تعالى يملك ما في السموات وما في الأرض ٣، والعبد وما له ملك لله جعله الله عنده عادية ٤، والمخلوق ليس له من الأمر شيء ولو كان نبياً مرسلاً، فهذا نوح ﵇ لم يملك هداية ابنه، بل هو المتفرد بالهداية والإضلال ٥.
وقد نفى الله أن يكون لغيره ملك أو قسط منه أو يكون عوناً
لله، ولم يبق إلا الشفاعة فبين الله أن الشفاعة جميعاً له، ولا تنفع إلا لمن أذن له الرب قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ
стр. 502
أَذِنَ لَهُ﴾ ١ (سبأ: ٢٢) .
وخزائن كل شيء عنده سبحانه ولا تنفد على كثرة الإنفاق ٢، له مقاليد السموات والأرض فهو على كل شيء وكيل ٣، ولكمال ملكه وكمال علمه وكمال قدرته فهو يحكم بين عباده يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ٤، ويخلق ما يشاء ويختار، وهو المتفرد بذلك لا شريك له قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (القصص: ٦٨) ٥.
وهو الملك الحق، ملك الناس، مالك يوم الدين، مالك الملك، تفرد بالإِحياء والإماتة وتفرد بأنه الوارث، وتفرد بحشر الجميع ٦، وتفرد
стр. 503
بالنفع والضر ١، وتفرد بالعزة والمجد ٢.
ويعتقد الشيخ أن من صفات الله الثابتة صفة الكلام ٣ وليس كتكليمه تكليم أحد ٤.
قال أبناء الشيخ وحمد بن ناصر بن معمر: "واعلم أن صفة الكلام لله تعالى قديمة أزلية لا ابتداء لها كسائر صفات الله تعالى من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر وسائر الصفات لأنه ﵎ هو الأول فليس قبله شيء بجميع صفاته لم تتجدد بوصفه كما يقوله بعض أهل الأهواء والبدع من الكرامية ومن سلك سبيلهم، وأما أهل السنة والجماعة فمجمعون على ما ذكرنا من أن الله تعالى قديم بجميع صفاته الكلام وغيره.
قال الإمام أحمد ﵀ في كتاب الرد على الزنادقة لم يزل الله تعالى متكلماً إذا شاء ومتى شاء، ولا نقول إِنه كان لا يتكلم حتى خلقه ... إلخ.
وهذا الذي قال إمام السنة والجماعة هو الصواب الذي لا يجوز غيره، والقرآن تكلم به سبحانه بمشيئته وقدرته وذلك أن أهل السنة
стр. 504
والجماعة يثبتون الأفعال الاختيارية من الكلام وغيره من الصفات، كما أنه سبحانه كلم موسى بمشيئته وقدرته ويكلم من شاء من خلقه بمشيئته وقدرته إذ شاء ومتَى شَاءَ بلا كيف١.
ويعتقد الشيخ: أن كلام الله يتفاضل، لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٢ (الزمر: ٥٥) .
وأن تكليم الله للعباد على ثلاثة أوجه:
١- من وراء حجاب كموسى.
٢- وبإرسال رسول كما أرسل الملائكة إلى الأنبياء.
٣- وبالإيحاء وهذا للأولياء فيه نصيب.
والمرتبتان الأوليتان للأنبياء خاصة ٣.
والرؤيا قد تكون سبب لشرع بعض الأحكام ٤.
وأن الله تعالى كلم موسى تكليماً، وناداه تعالى من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من جانب الطور ﴿أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الآيات (القصص: ٣٠) وقربه نجيا فناداه وناجاه ٥.
стр. 505
وفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ الآية (يوسف: ١٠٢) ، الرد على مخالفي الرسل في قولهم: ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ أو نحو ذلك، لأن الرسل ما أتوا الأمم إلا بالوحي ١.
وإذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السموات منه رجفة شديدة خوفاً من الله . فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجداً فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل قال الحق، وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمرهُ الله ".
وأن الملائكة تضرب بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك، حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير. فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من
стр. 506
تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه ن فيكذب معها مائة ألف كذبة. فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟! فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء وقال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١ (سبأ: ٢٣) .
ويثبت الشيخ لله تعالى صفة الوجه الكريم. وأنه لا يسأل بوجهه إلا غاية المطالب وأن حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه وأنه ما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ٢.
ويعتقد الشيخ أن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما
يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته٣، بلا كيف ولا إحاطة٤.
стр. 507
وأن الرؤية تكون عامة وخاصة:
أما العامة: فيراه عموم الخلق.
وأما الخاصة: التي يفهم منها الكرامة: فيراه المؤمنون خاصة ١.
وقال أبناء الشيخ وحمد بن ناصر:
وأما رؤية الله تعالى يوم القيامة فهي ثابتة عندنا وأجمع عليها أهل السنة والجماعة والدليل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ - وقال المفسرون: معنى أنها تنظر إلى الله كرامة لهم من الله، وهي أعظم ما يتنعم به أهل الجنة يوم القيامة، كما ورد ذلك في الأحاديث عن رسول الله ﷺ ٢.
وأما قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي لا تحيط به.
وأما قوله ﵎ لموسى: "لن تراني" الآية ... فذكر العلماء أن المراد لن تراني في الدنيا، وأيضاً الآية دليل واضح على جوازها وإمكانها لأن موسى ﵇ أعلم بالله من أن يسأله ما لا يجوز عليه أو يستحيل خصوصاً ما يقتضي الجهل ولذلك رد بقوله تعالى: "لن تراني" دون لن أُرَى ولنْ أُريَك وَلنْ تنظر إلي فبذلك تبين أنها دالة على مذهب أهل السنة والجماعة القائلين بإثبات رؤية الله يوم القيامة ٣.
стр. 508
كما يثبت أن الله يدين - كما ورد في القرآن والسنة على ما يليق بجلاله - كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فله يدان وليس كيديه يدَا مخلوقٍ، قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فقوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يدل على إثبات اليدين لله تعالى كما يليق به، ولو كان المراد منه مجرد الفعل، لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى، فكيف وقد دخلت الباء؟! فالفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد، والمراد الإضافة إليه كقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وأما إذا أضيف إليه الفعل ثم عُدي الباب إلى يده مفردة أو مثناة ما باشرته يده.
ولو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها إختصاص بذلك ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على شيء مما خلق بالقدرة ١.
ولفظ اليد في القرآن جاء على ثلاثة أنواع مُفْرَدٌ كقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وكقوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ وجاء مثنى كقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وكقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ .
وجاء مجموعاً كقوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد وعُدِّيَ الفعل بالباء فقال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وحيث ذكرها مجموعة أضاف العمل إليها ولم يعدَّ الفعل بالباء فلا يحتمل
стр. 509
(ما خلقت بيدي) من المجاز ما يحتمل (عملت أيدينا) فإن كل أحد يفهم من قوله عملت أيدينا ما يفهمه من قوله علمنا وخلقنا كما يفهم من قوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ١.
ولو كان قوله خلقت بيدي مثل قوله عملت أيدينا لكان آدم والأنعام سواء، وأهل الموقف لما يقولون له: "أنت أبو البشر خلقك الله بيده " يعلمون لآدم تخصيصاً وتفضيلاً بكونه مخلوقاً باليدين، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ "يقبض الله سماواته بيده اليمنى والأرض بيده الأخرى " ثم ذكر أحاديث كثيرة في إثبات اليدين لله تعالى. بالتثنية والإفراد وإثبات الأصابع بالجمع والتثنية والإفراد، وإثبات الكف، والقبض واليمين والشمال، والإمساك والبسط، وغير ذلك مما لا يحتمل تأوِيلاً عن ظاهرة الدال على إثبات يدي الله حقيقة كما يليق بجلاله ليس كمثل يدي أحد ٢.
وفي جواب للشيخ حمد بن ناصر بن معمر لما سئل عن اعتقاد الشيخ في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وغيره. نجد أن الشيخ ﵀
стр. 510
تعالى يعتقد: أن الله سبحانه فوق سماواته على عرشه ١ بائن من خلقه، والعرش وما سواه فقير إليه، وهو غني عن كل شيء لا يحتاج إلى العرش ولا إلى غيره ٢.
قال الشيخ حمد بن ناصر: "وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وهذه سنة رسول الله ﷺ وهذا كلام الصحابة والتابعين وسائر الأئمة.
قد دل ذلك بما هو نص أو ظاهر في أن الله سبحانه فوق العرش مستو على عرشه ونحن نذكر من ذلك بعضه قال الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ - وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وقد أخبر سبحانه باستوائه على عرشه في سبعة مواضع من كتابه، فذكر في سورة الأعراف ويونس والرعد وطه والفرقان وتنزيل السجدة والحديد إلى غير ذلك من الآيات الدالة على علو الله كقوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ وإِخباره عن فرعون أنه قال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ ففرعون كذب موسى في قوله: إن الله في السماء وقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ إلى غير ذلك٣.
стр. 511
قال الشيخ حمد الناصر: وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يتضمن إبطال قول المعطلة الذين يقولون ليس على العرش سوى العدم وأن الله ليس مستوياً على العرش ولا ترفع إليه الأيدي حيث أخبر سبحانه أنه على عرشه وأنه يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها - ثم قال - ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ معناه أنه لا يخفى عليه خافية بعلمه، وليس معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها وخلاف ما فطر الله عليه الخلق. وهو سبحانه فوق العرش، رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع عليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبية. وأخبر أنه ذو المعارج، تعرج الملائكة والروح إليه، وأنه القاهر فوق عباده، وأن ملائكته يخافون ربهم من فوقهم، فكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق عباده على عرشه، وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة، وهو سبحانه قد أخبر أنه قريب من خلقه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الآية من سورة البقرة (رقم ١٨٦) وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ، سورة ق آية (١٦) وقال النبي ﷺ "إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته " ١.
стр. 512
وقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ والمجادلة آية (٧) . وكما في الكتاب والسنة من الأدلة الدالة على قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته فإنه سبحانه عَليٌّ في دنوه، قريب في عُلُوِّه، وقد أجمع سلف الأمة على أن الله فوق سماواته على عرشه وهو مع خلقه بعلمه أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، وقال حنبل بن إسحاق: قيل لأبي عبد الله: ما معنى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ؟ قال علمه محيط بالكل وربنا على العرش بِلاَ حد ولا صفة.
قال الشيخ حمد الناصر: وأما الأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ في هذا الباب، فكثيرة جداً منها ما رواه مسلم في صحيحه وأبو داود والنسائي وغيرهم، عن معاوية بن الحكم السلمي قال: لطمت جارية لي فأخبرت رسول ﷺ ، فعظم ذلك علي، فقلت يا رسول الله: أفلا أعتقها؟ قال: "بلى ائتني بها " فجئت بها إلى رسول الله ﷺ ، فقال لها أين الله؟ فقالت في السماء فقال: "فمن أنا؟ قالت أنت رسول الله ﷺ ، فقال: أعتقها فإنها مؤمنة " وفي الحديث مسألتان:
أحداهما: قول الرجل لغيره أين الله؟
والثانية: قول المسؤول: في السماء فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما
стр. 513
ينكر على الرسول ﷺ ١.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال - قال رسول الله ﷺ : "لما خلق الله الخلق كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي" وفي لفظ: "فهو مكتوب عنده فوق العرش " وهذه الألفاظ كلها في صحيح البخاري ٢.
قال الشيخ حمد الناصر: وفي صحيح مسلم عن أبي موسى قال قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " ٣.
قال الشيخ حمد الناصر: "وفي الصحيحين في قصة المعراج وهي متواترة وتجاوز النبي ﷺ السموات سماء سماء حتى انتهى إلى ربه تعالى
стр. 514
فقربه وأدناه وفرض عليه خمسين صلاة، فلم يزل يتردد بين موسى وبين ربه، ينزل من عند ربه إلى موسى، فيسأله كم فرض عليك؟ فيخبره فيقول: ارجع إلى ربك فسله التخفيف.
ثم ذكر الشيخ حمد بن ناصر بن معمر أحاديث كثيرة في استواء الله على عرشه وعلوه على مخلوقاته إلى أن قال: "والمقصود أن نصوص الكتاب والسنة قد نطقت، بل تواترت بإثبات علو الله على خلقه وأنه فوق سماواته مستو على عرشه استواء يليق بجلاله، لا يعلم كيفيته إلا هو، كما لا يعلم كيفية ذاته إلا هو وذاته المقدسة ﵎ حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال، لا يماثلها شيء، وكذا استواؤه ونزوله وكلامه ثابت في نفس الأمر، لا يشابهه فيها استواء المخلوقين وكلامهم ونزولهم، فإنه ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات، فإن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات. إلى أن قال: وبالجملة فمن قال إن الله في السماء وأراد أنه في جوف السماء بحيث تحصره وتحيط به فقد أخطأ وضل ضلالاً بعيداً وإن أراد بذلك أن الله فوق سمواته، على عرشه بائن من خلقه، فقد أصاب، وهذا اعتقاد شيخ الإسلام (محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى) وهو الذي نطق به الكتاب والسنة، واتفق عليه
стр. 515
سلف الأمة وأئمتها، ومن لم يعتقد ذلك كان مكذباً الرسل، متبعاً غير سبيل المؤمنين ١.
ويثبت الشيخ إتيان الرب ومجيئه وإشراق الأرض بنوره يوم النفخ في الصور كما في القرآن الكريم ٢، ويثبت النزول كما وردت بذلك السنة الصحيحة، ومن ذلك أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له " متفق عليه عن أبي هريرة ﵁ ٣.
والشيخ يثبت النزول كما يثبت غيره من الصفات الواردة في الكتاب والسنة على قاعدة الإمام مالك فيقول في النزول أيضاً: النزول معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عن الكيفية بدعة، ونحن لا نعلم كيفية نزوله ولكن نزوله ثابت في نفس الأمر لا يشابهه نزول المخلوقين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٤.
وهكذا يقر الشيخ جميع آيات الصفات وأحاديثها مع اعتقاد
стр. 516
حقائقها وإثبات العلم بها وما دلت عليه من صفات الرب ﵎ وأسمائه من غير تكييف ولا تعطيل ومن غير تمثيل ولا تحريف، بل كما قال ربيعة ومالك: " الكيف غير معقول والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة " ١.
وعلى هذا اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في جميع الأسماء والصفات ٢.
وقال أبناء الشيخ والشيخ حمد بن ناصر: بعد ذكرهم لكلام الإمام مالك: "وهذا الجواب من مالك في الاستواء شاف كاف في جميع
стр. 517
الصفات مثل النزول والمجيء واليد والوجه، وغيرها، فيقال في النزول: النزول معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وهذا يقال في سائر الصفات الواردة في الكتاب والسنة " ١.
وكتب بعض تلامذة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إليه يهنيه بقدوم ابنه الشيخ عبد اللطيف من مصر وتوسل إلى الله في دعائه بصفاته الكاملة التي لا يعلمها إلا هو فكتب إليه وفيما كتب قال: "قلت: وأتوسل إليك بصفاتك الكاملة التي لا يعلمها إلا أنت فاعلم أن الذي لا يعلمها إلا هو كيفية الصفة، وأما الصفة فيعلمها أهل العلم بالله كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول، ففرق هذا الإمام بين ما يعلم منه معنى الصفة على ما يليق بالله فيقال استواء لا يشبه استواء المخلوق ومعناه ثابت لله كما وصف به نفسه، وأما الكيف فلا يعلمه إلا الله، فتنبه لهذا فالإمام مالك تكلم بلسان السلف" ٢.
كان الشيخ حمد بن ناصر بن معمر قد سئل عن اعتقاد الشيخ فيما قد يتوهم بعض الناس التشبيه في ظاهرة من نصوص الوحي من الكتاب والسنة الواردة في صفات الرب ﵎ مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ومثل قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ - وقول النبي ﷺ : "ينزل
стр. 518
ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا " - وقوله ﷺ : "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن " ... ونحو ذلك. وقال السائل أفيدونا عن اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - في ذلك؟ وكيف مذهبه ومذهبكم من بعده؟ هل تمرون ما ورد من ذلك على ظاهره مع التنزيه، أم تؤولون وأبسطوا الكلام على ذلك وأجيبوا جواباً شافياً، تغنموا أجراً وافياً فأجاب بما نصه:
الحمد لله رب العالمين، قولنا في آيات الصفات والأحاديث الواردة في ذلك ما قاله الله ورسوله وما قاله سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين، والأئمة الأربعة وغيرهم من علماء المسلمين فنصف الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل بل نؤمن بأن الله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فلا ننفي عنه ما وصف به نفسه ولا نحرف الكلم عن مواضعه، ولا نلحد في أسماء الله وآياته، ولا نكيف ولا نمثل صفاته بصفات خلقه، لأنه سبحانه لا سَمِيَّ له، ولا كفو له، ولا ند له ولا يقاس بخلقه "سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً " فهو سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، بل يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تكييف ولا تمثيل خلافاً للمشبهة، ومن غير تحريف ولا تعطيل خلافاً للمعطلة فمذهبنا مذهب السلف إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، وهو مذهب أئمة الإسلام،
стр. 519
كمالك والشافعي والثوري، والأوزاعي، وابن مبارك، والإمام وأحمد وإسحاق بن راهويه، وهو اعتقاد المشائخ المقتدى بهم كالفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني وسهل بن عبد الله التستري وغيرهم فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة نزاع في أصول الدين، وكذلك أبو حنيفة ﵁ فإن الاعتقاد الثابت عنه موافق لاعتقاد هؤلاء، وهو الذي نطق به الكتاب والسنة قال الإمام أحمد ﵀ لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ لا يتجاوز القرآن والحديث وهكذا مذهب سائرهم كما سننقل عباراتهم بألفاظها إن شاء الله تعالى، ومذهب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى - هو ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة المذكورون فإنه يصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه رسوله ﷺ ، ولا يتجاوز القرآن والحديث ويتبع في ذلك سبيل السلف الماضيين الذين هم أعلم هذه الأمة بهذا الشأن نَفْياً وإثباتاً وهم أشد تعظيماً لله وتنزيها له، عما لا يليق بجلاله. انتهى ١.
ثم إن الشيخ حمد بن ناصر ﵀ أطال في هذا الموضوع إطالة وافية ونقل عبارات السلف بألفاظها وأفاض في نقل الأدلة وشرحها عن السلف الصالح، وفي كل ذلك يقول هذا اعتقاد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ٢، ويقع جوابه في خمس وخمسين صفحة من القطع الوسط
стр. 520
وبالحرف المعتاد ١. وهو جواب مفيد، وفي غاية الأهمية على طوله وبسطه - أسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته أن ييسر إفراده بالطبع والنشر مع الدراسة والتخريج لينتفع به المسلمون عاجلاً غير آجل.
- والخلاصة - أن الشيخ ﵀ يعتقد أن الله تعالى واحد في ذاته وأسمائه وصفاته، له الأسماء الحسنى وصفات الكمال، لا سمي له مثيل، الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير فعال لما يريد وهو رب العالمين لا شريك له ولا معين، ولا ظهير ولا شفيع، لا يشفع عنده أحد إلا من أذن له وارتضى شفاعته.
وبهذا القدر يتم هذا الجانب من عقيدة الشيخ فيما يثبت لله تعالى من الأسماء والصفات وما ينزه الله عنه من العيوب والنقص ومماثلة المخلوقات، وهذا هو المقام الخبري العلمي، أحد مقامي الكلام على التوحيد، وهو البرهان والدليل والمستلزم للمقام الثاني، مقام الإنشاء العملي الطلبي والذي هو إفراد الله بالعبادة بجميع أنواعها.
وفيما يلي بيان ذلك من عقيدة الشيخ - رحمه الله تعالى - في التوحيد الذي هو حق الله على العبيد.
стр. 521
توحيد الإلهية والعبادة:
الكلام في توحيد الإلهية من باب الطلب والإرادة الدائر بين المحبة والكراهة نفياً وإثباتاً ١.
وفي هذا الباب يعتقد الشيخ ﵀ أن التوحيد ينبئ على أن الله واحد في ألوهيته لا إله حق إلا هو، وألوهية الله تعالى هي مجموع عبادته على مراده نفياً وإثباتاً علماً وعملاً، جملة وتفضيلاً ٢.
وحاصل ما يقول الشيخ في تعريف هذا التوحيد: أن التوحيد اسم لفعل العبد المأمور به، فإن كانت أعماله التعبدية كلها لله وحده فهو موحد، وإن كان فيها شرك للمخلوق فهو مشرك ٣.
فالتوحيد هو إفراد الله بجميع أنوا ع العبادة لا يشركه فيها أحد، ولا يستحق العبادة أحد إلا الله، فعبادة الله خالصة له، لا يستحق شيئاً منها ملك مقرب ولا نبي مرسل.
ويقول الشيخ في تلخيصه عن ابن تيمية ﵀:
إذا كان الكلام في سياق التوحيد، ونفي خصائص الرب عما سواه لم يجز أن يقال، هذا سوء عبارة في حق من دون الله من الأنبياء، والملائكة، فإن المقام أجل من ذلك، وكل ما سوى الله يتلاشى عند تجريد
стр. 522
توحيده، والنبي ﷺ كان من أعظم الناس تقريراً لما يقال على هذا الوجه، وإن كان هو المسلوب، كما قالت عائشة لما أخبرها ببراءتها: والله لا أقوم إليه ولا أحمده، ولا أحمد إلا الله وفي لفظ بحمد الله لا بحمدك، فأقرها ﷺ وأبوها على ذلك، لأن الله سبحانه الذي أنزل براءتها بغير فعل أحد، قال حيان قلت لابن المبارك: إني لأستعظم هذا القول قال: ولت الحمد أهله، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد: قول الأسير اللهم إني أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمد، قال عرف الحق لأهله، وكان يعلم أصحابه تجريد التوحيد، فقال: لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد، وقال له رجل ما شاء الله وشئت فقال: اجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده، وما أحدثه الله بغير فعل منه إضافة إلى الله وحده، كما قال لكعب بن مالك: لما قاله له: أمن عندك أم من عند الله؟ قال بل من عند الله ومعلوم أنه لو كان من عند النبي ﷺ لكان من عند الله بمعنى أنه خلقه فجميع الحادثات من عنده بهذا الاعتبار، ولكن المقصود أنه ﷺ لم يصدر عنه فعل في هذه التوبة إلا أنه بلغ الرسالة ١.
ويعتقد الشيخ أن الله أمر جميع الناس بتوحيد الله في العبادة والإلهية بجميع أنواعها، ونهاهم عن ضد هذا التوحيد، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ (النساء: ٣٦) ٢.
стр. 523
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ (الإسراء: ٢٣) . وهو أعظم ما أمر الله به وفرض وأوجب - كما أن أعظم ما حرم الله ونهى عنه هو ضده الشرك. قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ الآية (الأنعام: ١٥١) .
قال ابن مسعود: "من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمه، فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾ الآية. وهذا الأثر رواه الترمذي وحسنه ابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني بنحوه.
قال الشيخ: فيه عظم شأن الآيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف ١. وكذلك الآيات المحكمات في سورة الإسراء، وفيها اثنتا عشر مسألة، بدأها الله بقوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً﴾ (الإسراء: ٢٢) . وفيها قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (نفس السورة: ٢٣) - وختمها بقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً﴾ (نفس السورة: ٣٩) . ونبهنا الله سبحانه على عظم شأن هذه المسائل بقوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ (نفس السورة: ٣٩) .
ولحديث معاذ كنت رديف النبي ﷺ على حمار، فقال لي: "يما معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ قلت: الله
стр. 524
ورسوله أعلم - قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وحق العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً. قلت يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا". أخرجاه في الصحيحين.
قال الشيخ: وفي هذا أن العبادة هي التوحيد، وأن من لم يأت به لم يعبد الله ففيه معنى قوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ (الكافرون: ٣، ٥) .
ويقرر الشيخ أن إفراد الله بالعبادة هو التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وهو أصل الدين، وهو الذي خلق الله الثقلين الجن والإنس من أجله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦) . وهو الذي أرسل الله به الرسل، وأنزل من أجله الكتب، وفرض من أجله الجهاد، وشرع منه شريعة الإسلام، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١ (النحل: ٣٦) . ويقول ﵀: إعلم رحمك الله أن الله سبحانه إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجل التوحيد، فإذا لم يفعله الإنسان ويجتنب الشرك فهو كافر وكل أعماله
стр. 525
حابطة، ولو كان من أعبد هذه الأمة يقوم الليل ويصوم النهار قال الله تعالى في الأنبياء: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، وتصير عبادته كلها كمن صلى ولم يغتسل من الجنابة أو كمن يصوم في شدة الحر وهو يزني في أيام الصوم١.
أما فضله: فهو فضلٌ عظيم، وثواب كثير، ويكفر الذنوب كما روى الترمذي وحسنه عن أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة" وكما في حديث عتبان: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " أخرجه البخاري ومسلم.
قال الشيخ: إذا عرفت حديث أنس، عرفت أن قوله في حديث عتبان: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله الله، يبتغي بذلك وجه الله" أنه ترك الشرك ليس قولها باللسان ٢.
ويقول الشيخ في تلخيصه مسائل عن ابن تيمية ﵀:
стр. 526
تواترت الأحاديث بخروج من قال: لا إله إلا الله من النار إذا كان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة أو خردلة أو ذرة، وكثير منهم أو أكثرهم يدخلها، وتواترت أنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، لكن جاءت مقيدة بالإخلاص، واليقين، ويموت عليها، فكلها مقيدة بهذه القيود الثقال، وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين، ومن لا يعرف ذلك يخشى عليه أن يفتن عنها عند الموت، وغالبهم إنما يقولها تقليداً أو عادة، وغالب ما يفتن عند الموت أو في القبر أمثال هؤلاء، كما في الحديث سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد أو إقتداء بأمثالهم، وهو أقرب الناس من قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ الآية (الزخرف: ٢٢) فلا منافاة بن الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين ومات عليها امتنع أن ترجح سيئاته، فإن كان قالها على الكمال المانع من الشرك الأصغر والأكبر فهو غير مصر على ذنب، وإن كان على وجه خلص به من الأكبر ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات فترجح بها الحسنات كما في حديث البطاقة، وهذا خلاف من رجحت سيئاته، لأن معه الشرك الأصغر وأتى بعد ذلك بسيئات تنضم إلى ذلك الشرك فترجح سيئاته، فإن السيئات تضعف الإيمان، واليقين فيضعف قول لا إله إلا الله، فيمتنع الإخلاص في القلب فيصير المتكلم بها كالهاذي، أو النائم، أو من يحسن صوته بآيةٍ من القرآن من غير ذوق طعم ولا حلاوة فالذي قالها بيقين وصدق تام إما ألا يكون
стр. 527
مصراً على سيئته، أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته، والذين دخلوا النار فاتهم أحد الشرطين ١.
وعلى هذا فمن حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: ١٢٠) .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ (المؤمنون: ٥٩) .
وكما في حديث حصين بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في عرض الأمم على النبي ﷺ ومنهم أمته، وفي أمته سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وهم الذين حققوا التوحيد بتركهم الاسترقاء والاكتواء والتطير متوكلين على الله تعالى. والحديث رواه البخاري مطولاً ومختصراً، ومسلم والنسائي والترمذي ٢.
ولهذا يبين الشيخ أهمية هذا التوحيد، وأن معرفته أهم من معرفة العبادات كلها حتى الصلاة ٣، وهو متضمن للتوحيد كله.
فمن أتى بهذا التوحيد، فوحد الله في ألوهيته وعبادته فقد وحد الله
стр. 528
في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وربوبيته، لأن الله استعبد خلقه بالألوهية الجامعة لصفات الكمال فمن شهد أن لا إله إلا الله بصدق فقد وحد الله تعالى التوحيد كله، أما من أقر بوحدانية الله تعالى في ربوبيته وعبد الله وتألهه، لكن لم يوحد الله في التأله والعبادة، أي أنه يعبد الله وبعبد معه غيره. فهو لم يأت بتوحيد الألوهية، ولم يشهد أن لا إله إلا الله، فهو وإن ادعاها وتلفظ بها فهو كاذب، بدليل شركه في العبادة والألوهية.
يقول الشيخ في تفسير قول الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً﴾ (الكهف: ١٣- ١٦) . فيه مسائل: ثم ذكرها ومنها الثامنة والتاسعة قال: " الثامنة: المسألة الكبرى أن من ذبح لغير الله أو دعا غيره فقد كذب بقول لا إله إلا الله، وقد دعا إلهين اثنين واتخذ ربين. التاسعة: المسألة العظيمة المشكلة على أكثر
الناس أنه إذا وافقهم بلسانه مع كونه مؤمناً حقاً كارهاً لموافقتهم فقد كذب في قول لا إله إلا الله، واتخذ إلهين اثنين وما أكثر الجهل بهذه والتي
стр. 529
قبلها " ١.
وهذا هو معْنى شهادة أن لا إله إلا الله للحديث الذي رواه البخاري عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار " - قال الشيخ: فيه تفسير "لا إله إلا الله " كما ذكره البخاري ٢.
فإن هذه الكلمة "لا إله إلا الله " نفي وإثبات: نفي الإِلهية عما سوى الله من المخلوقات، حتى من المرسلين البشر وخاتمهم محمد ﷺ وحتى من الملائكة وجبريل "عليهم وعلى جميع المرسلين الصلاة والسلام " فضلاً عن غيرهم، من الأنبياء والصالحين وسائر المخلوقات، وإثباتها بجميع أنواعها كلها وحده لا شريك
له٣.
فإن "لا" في قولك "لا إله إلا الله" هي النافية للجنس تنفي جميع الآلهة.
стр. 530
و"إلا " حرف إستثناء يفيد حصر جميع العبادة على الله ، كما أنه لا شريك له في ملكه.
و"الله " هو المعبود - هذا هو تفسير هذه اللفظة بإجماع أهل العلم - وهو المقصود المدعو المرجو المخوف.
ف "الإله " اسم صفة لكل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق وهو الله تعالى الذي لا تصلح العبادة إلا له.
ومعنى "التأله ": التعبد. و"الإلهية ": العبودية.
وإلهية الله: هي مجموع عبادته على مراده نفياً وإثباتاً علماً وعملاً جملة وتفضيلاً ١.
وتوحيد الإلهية: هو إخلاص جميع العبادة لله من المحبة والخوف والرجاء والتوكل والدعاء وجميع العبادات، ظاهرها وباطنها لله تعالى وحده لا شريك له، وأن لا يجعل شيء من العبادات لغير الله لا ملك مقرب ولا نبي مرسل فضلاً عن غيرهما ٢.